المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أحكام فقهية تتعلق بالشعر



أبو سهيل
01-06-2008, 03:41 AM
أحكام شرعية تتعلق بالشعر
من الموسوعة الفقهية الكويتية

اختلف الفقهاء في حكم تعلّم الشّعر وإنشائه وإنشاده وغير ذلك من مسائله على التّفصيل التّالي :

«أوّلاً : إنشاء الشّعر وإنشاده واستماعه»
- قال ابن قدامة : ليس في إباحة الشّعر خلاف ، وقد قاله الصّحابة والعلماء ، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللّغة العربيّة ، والاستشهاد به في التّفسير ، وتعرّف معاني كلام اللّه تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ويستدلّ به أيضاً على النّسب والتّاريخ وأيّام العرب ، يقال : الشّعر ديوان العرب .
وقال ابن العربيّ : الشّعر نوع من الكلام ، قال الشّافعيّ : حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيحه : يعني أنّ الشّعر ليس يكره لذاته وإنّما يكره لمتضمّناته .
وقال النّوويّ : قال العلماء كافّةً : الشّعر مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه ، وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، وهذا هو الصّواب ، فقد سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم الشّعر واستنشده، وأمر به حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه في هجاء المشركين ، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها ، وأنشده الخلفاء وأئمّة الصّحابة وفضلاء السّلف ، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه ، وإنّما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه .
وقال ابن حجر : الّذي يتحصّل من كلام العلماء في حدّ الشّعر الجائز أنّه إذا لم يكثر منه في المسجد ، وخلا عن هجو وعن الإغراق في المدح والكذب المحض والغزل الحرام ، فإنّه يكون جائزاً .
ونقل ابن عبد البرّ الإجماع على جوازه إذا كان كذلك ، واستدلّ بأحاديث وبما أنشد بحضرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو استنشده ولم ينكره ، وقد جمع ابن سيّد النّاس مجلّداً في أسماء من نقل عنه من الصّحابة شيء من شعر متعلّق بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً ، وأخرج البخاريّ في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها كانت تقول : الشّعر منه حسن ومنه قبيح ، خذ الحسن ودع القبيح ، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعاراً منها القصيدة فيها أربعون بيتاً ، وأخرج البخاريّ في الأدب المفرد أيضاً من حديث عبد اللّه بن عمرو رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً بلفظ : « الشّعر بمنزلة الكلام ، حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام » . وروى مسلم عن عمرو بن الشّريد عن أبيه قال : « ردفت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوماً فقال : هل معك من شعر أميّة بن أبي الصّلت شيء ؟ قلت : نعم ، قال : هيه فأنشدته بيتاً فقال : هيه ثمّ أنشدته بيتاً فقال : هيه حتّى أنشدته مائة بيت » .
قال القرطبيّ : وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمّنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعاً وطبعاً .
وإنّما استكثر النّبيّ صلى الله عليه وسلم من شعر أميّة لأنّه كان حكيماً ، وقال صلى الله عليه وسلم : « كاد أميّة بن أبي الصّلت أن يسلم » .
ولمّا أراد العبّاس رضي الله تعالى عنه مدح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأبيات من الشّعر قال صلى الله عليه وسلم له : « هات ، لا يفضض اللّه فاك » .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكّة في عمرة القضاء وعبد اللّه بن رواحة رضي الله تعالى عنه بين يديه يمشي وهو يقول :
خلّوا بني الكفّار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر : يا ابن رواحة ، في حرم اللّه وبين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « خلّ عنه يا عمر ، فلهي أسرع فيهم من نضح النّبل » . وروى أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ من الشّعر حكمةً » .
وبهذا يتبيّن أنّه لا وجه لقول من حرّم الشّعر مطلقاً أو قال بكراهته .
8 - قال جمهور الفقهاء : فقد يكون فرضاً كما نقل ابن عابدين عن الشّهاب الخفاجيّ قال : معرفة شعر أهل الجاهليّة والمخضرمين - وهم من أدرك الجاهليّة والإسلام - والإسلاميّين روايةً ودرايةً فرض كفاية عند فقهاء الإسلام ، لأنّ به تثبت قواعد العربيّة الّتي بها يعلم الكتاب والسّنّة المتوقّف على معرفتهما الأحكام الّتي يتميّز بها الحلال من الحرام ، وكلامهم وإن جاز فيه الخطأ في المعاني فلا يجوز فيه الخطأ في الألفاظ وتركيب المباني .
9 - وقد يكون مندوباً ، وذلك إذا تضمّن ذكر اللّه تعالى أو حمده أو الثّناء عليه ، أو ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم أو الصّلاة عليه أو مدحه أو الذّبّ عنه ، أو ذكر أصحابه أو مدحهم ، أو ذكر المتّقين وصفاتهم وأعمالهم ، أو كان في الوعظ والحكم أو التّحذير من المعاصي أو الحثّ على الطّاعات ومكارم الأخلاق .
10 - وقد يكون الشّعر حراماً إذا كان في لفظه ما لا يحلّ كوصف الخمر المهيّج لها ، أو هجاء مسلم أو ذمّيّ ، أو مجاوزة الحدّ والكذب في الشّعر ، بحيث لا يمكن حمله على المبالغة ، أو التّشبيب بمعيّن من أمرد أو امرأة غير حليلة ، أو كان ممّا يقال على الملاهي .
11 - وقد يكون الشّعر مكروهاً وللمذاهب في ذلك تفصيل :
فعند الحنفيّة أنّ المكروه من الشّعر ما داوم عليه الشّخص وجعله صناعةً له حتّى غلب عليه وشغله عن ذكر اللّه تعالى وعن العلوم الشّرعيّة ، وما كان من الشّعر في وصف الخدود والقدود والشّعور ، وكذلك تكره قراءة ما كان فيه ذكر الفسق والخمر .

وقال المالكيّة : يكره الإكثار من الشّعر غير المحتاج إليه لقلّة سلامة فاعله من التّجاوز في الكلام لأنّ غالبه مشتمل على مبالغات ، روى ابن القاسم عن مالك أنّه سئل عن إنشاد الشّعر فقال : لا تكثرنّ منه فمن عيبه أنّ اللّه تعالى يقول : « وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ » .
قال : ولقد بلغني أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن اجمع الشّعراء قبلك ، وسلهم عن الشّعر ، وهل بقي معهم معرفة ، وأحضر لبيداً ذلك ، فجمعهم فسألهم، فقالوا : إنّا لنعرفه ونقوله ، وسأل لبيداً فقال : ما قلت بيت شعر منذ سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول : « الم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ » .
وقال ابن العربيّ : من المذموم في الشّعر التّكلّم من الباطل بما لم يفعله المرء رغبةً في تسلية النّفس وتحسين القول .
وقال الشّافعيّة : يكره أن يشبّب من حليلته بما حقّه الإخفاء ، وذلك ما لم تتأذّ بإظهاره وإلاّ حرم. وقال الحنابلة : يكره من الشّعر الهجاء والشّعر الرّقيق الّذي يشبّب بالنّساء .
12 - وقد يكون الشّعر مباحاً وهو الأصل في الشّعر . ونصوص فقهاء المذاهب في ذلك الحكم متقاربة :
قال الحنفيّة : اليسير من الشّعر لا بأس به إذا قصد به إظهار النّكات والتّشابيه الفائقة والمعاني الرّائقة ، وما كان من الشّعر في ذكر الأطلال والأزمان والأمم فمباح .
وقال المالكيّة : يباح إنشاد الشّعر وإنشاؤه ما لم يكثر منه فيكره ، إلاّ في الأشعار الّتي يحتاج إليها في الاستدلال .
وقال الشّافعيّة : يباح إنشاء الشّعر وإنشاده واستماعه ما لم يتضمّن ما يمنعه أو يقتضيه اتّباعاً للسّلف والخلف ، ولأنّه صلى الله عليه وسلم كان له شعراء يصغي إليهم كحسّان بن ثابت وعبد اللّه بن رواحة وكعب بن مالك رضي الله تعالى عنهم ، ولأنّه صلى الله عليه وسلم استنشد من شعر أميّة ابن أبي الصّلت مائة بيت ، أي لأنّ أكثر شعره حِكَم وأمثال وتذكير بالبعث ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : « كاد أن يسلم » ولقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ من الشّعر حكمةً » . وقال ابن قدامة : ليس في إباحة الشّعر خلاف ، وقد قاله الصّحابة والعلماء ، والحاجة تدعو إليه.

«ثانياً : تعلّم الشّعر»

- ذهب الفقهاء إلى أنّ تعلّم الشّعر مباح إن لم يكن فيه سخف أو حثّ على شرّ أو ما يدعو إلى حظره .
وتعلّم بعض الشّعر يكون فرض كفاية عند الحنفيّة كما نقل ابن عابدين عن الشّهاب الخفاجيّ . وقال المالكيّة : لا نزاع في جواز تعلّم الأشعار الّتي يذكرها المصنّفون للاستدلال بها .
ونصّ الحنابلة على أنّه يصحّ استئجار لتعليم نحو شعر مباح ويجوز أخذ الأجر عليه .

«ثالثاً : منع النّبيّ صلى الله عليه وسلم من الشّعر»

14 - كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء ، وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ، ولكنّه صلى الله عليه وسلم حجب عنه الشّعر لما كان اللّه سبحانه وتعالى قد ادّخره له من فصاحة القرآن وإعجازه دلالةً على صدقه ، كما سلب عنه الكتابة وأبقاه على حكم الأمّيّة تحقيقاً لهذه الحالة وتأكيداً ، ولئلاّ تدخل الشّبهة على من أرسل إليه فيظنّ أنّه قوي على القرآن بما في طبعه من القوّة على الشّعر .
قال اللّه تعالى : « وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ » .
15 - وقد اختلف في جواز تمثّل النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشيء من الشّعر وإنشاده حاكياً عن غيره ، والصّحيح جوازه لما روى المقدام بن شريح عن أبيه قال : قلت لعائشة : أكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتمثّل بشيء من الشّعر ؟ قالت : « كان يتمثّل بشعر ابن أبي رواحة ويتمثّل ويقول ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد » .
وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل » .
وإصابة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وزن الشّعر لا يوجب أنّه يعلم الشّعر ، وكذلك ما يأتي من نثر كلامه ممّا يدخل في وزن كقوله صلى الله عليه وسلم : « هل أنت إلاّ أصبع دميت وفي سبيل اللّه ما لقيت » .
وقول صلى الله عليه وسلم : « أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب » .
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن الكريم كقوله تعالى : « لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ» .
وقوله سبحانه : « نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ » .
وقوله عزّ وجلّ : « وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ » إلى غير ذلك من الآيات ، وليس هذا شعراً ولا في معناه ، ولا يلزم من ذلك أن يكون النّبيّ صلى الله عليه وسلم عالماً بالشّعر ولا شاعراً ، لأنّ إصابة القافيتين من الرّجز وغيره من غير قصد كما قال القرطبيّ ، لا توجب أن يكون القائل عالماً بالشّعر ولا يسمّى شاعراً ، كما أنّ من خاط خيطاً لا يكون خيّاطاً ، قال أبو إسحاق الزّجّاج: معنى « وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ » وما علّمناه أن يشعر ، أي ما جعلناه شاعراً ، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئاً من الشّعر .

«رابعاً : إنشاد الشّعر في المسجد»

16 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ العبرة بمضمون الشّعر ، فإن كان حسناً جاز إنشاده في المسجد وإلاّ فلا .
قال ابن عابدين : أخرج الطّحاويّ في شرح معاني الآثار : « أنّه صلى الله عليه وسلم نهى أن تنشد الأشعار في المسجد ، وأن يباع فيه السّلع ، وأن يتحلّق فيه قبل الصّلاة » ثمّ وفّق بينه وبين ما ورد : « أنّه صلى الله عليه وسلم وضع لحسّان منبراً ينشد عليه الشّعر » بحمل الأوّل على ما كانت قريش تهجوه به ، أو على ما يغلب على المسجد حتّى يكون أكثر من فيه متشاغلاً به ، وكذلك النّهي عن البيع فيه هو الّذي يغلب عليه حتّى يكون كالسّوق لأنّه صلى الله عليه وسلم لم ينه عليّاً عن خصف النّعل فيه . مع أنّه لو اجتمع النّاس لخصف النّعال فيه كره ، فكذلك البيع وإنشاد الشّعر والتّحلّق قبل الصّلاة فما غلب عليه كره وما لا فلا . وهذا نظير ما قاله القرطبيّ .
ونقل الزّركشيّ عن النّوويّ أنّه ينبغي ألاّ ينشد في المسجد شعر ليس فيه مدح للإسلام ولا حثّ على مكارم الأخلاق ونحوه ، فإن كان لغير ذلك حرم .
ونقل عن الصّيمريّ قوله : كره قوم إنشاد الشّعر في المساجد وليس ذلك عندنا بمكروه ، وقد كان حسّان بن ثابت ينشد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الشّعر في المسجد ، وأنشده كعب بن زهير قصيدتين في المسجد ، لكن لا يكثر منه في المسجد ، قال الزّركشيّ : والظّاهر أنّ هذا محمول على الشّعر المباح أو المرغّب في الآخرة أو المتعلّق بمدح النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر بعض مناقبه ومآثره لا مطلق الشّعر ، وقال الماورديّ والرّويانيّ : لعلّ الحديث في المنع من إنشاد الشّعر في المسجد محمول على ما فيه هجو أو مدح بغير حقّ ، فإنّه عليه الصلاة والسلام مدح وأنشد مدحه في المسجد فلم يمنع منه ، وقال ابن بطّال : لعلّه كان فيما يتشاغل النّاس به حتّى يكون كلّ من في المسجد يغلب عليه .
وقال الرّحيبانيّ : يباح في المسجد إنشاد شعر مباح لحديث جابر بن سمرة قال : « شهدت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرّة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشّعر وأشياء من أمر الجاهليّة فربّما تبسّم معهم » .

«خامساً : إنشاد المحرم الشّعر»

17 - يجوز للمحرم إنشاد الشّعر الّذي يجوز للحلال إنشاده ، فيجوز للمحرم إنشاد الشّعر الّذي فيه وصف المرأة بما لا فحش فيه ، وقد روي أنّ أبا هريرة رضي الله تعالى عنه أنشد مثل ذلك وهو محرم ، وروى أبو العالية قال : كنت أمشي مع ابن عبّاس وهو محرم ، وهو يرتجز بالإبل ويقول : وهنّ يمشين بنا همياً ... إلخ ، فقلت : أترفث وأنت محرم ؟ قال : إنّما الرّفث ما روجع به النّساء .

«سادساً : كتابة البسملة قبل الشّعر»

18 - ذهب الفقهاء إلى أنّه يسنّ ذكر « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » في ابتداء جميع الأفعال والأقوال غير المحظورة ، وفي ابتداء الكتب والرّسائل ، عملاً بقول النّبيّ : « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم فهو أقطع » أي : ناقص غير تامّ ، فيكون قليل البركة .
ونقل ابن الحكم - كما قال البهوتيّ - أنّ البسملة لا تكتب أمام الشّعر ولا معه ، وذكر الشّعبيّ أنّهم كانوا يكرهونه ، قال القاضي : لأنّه يشوبه الكذب والهجو غالباً .

«سابعاً : جعل تعليم الشّعر صداقاً»

19 - نصّ الشّافعيّة على أنّه يصحّ جعل تعليم الشّعر للمرأة صداقاً لها إذا كان ممّا يحلّ تعلّمه ، وفيه كلفة بحيث تصحّ الإجارة عليه ، وقد سئل المزنيّ عن صحّة جعل الصّداق شعراً فقال : يجوز إن كان مثل قول القائل وهو أبو الدّرداء الأنصاريّ :
يريد المرء أن يعطى مناه *** ويأبى اللّه إلاّ ما أرادا
يقول المرء فائدتي وزادي *** وتقوى اللّه أعظم ما استفادا


«ثامناً : القطع بسرقة كتب الشّعر»

20 - نصّ الشّافعيّة على أنّه يجب القطع بسرقة كتب التّفسير والحديث والفقه ، وكذا الشّعر الّذي يحلّ الانتفاع به ، وما لا يحلّ الانتفاع به لا قطع فيه ، إلاّ أن يبلغ الجلد والقرطاس نصاباً وللتّفصيل - ر : سرقة - .

«تاسعاً : الحدّ بما جاء في الشّعر»

21 - اختلف الفقهاء فيما إذا اعترف الشّاعر في شعره بما يوجب حدّاً ، هل يقام عليه الحدّ أم لا ؟
فذهب البعض إلى أنّه يقام عليه الحدّ بهذا الاعتراف .
وذهب الأكثرون إلى أنّه لا يقام عليه الحدّ ، لأنّ الشّاعر قد يبالغ في شعره حتّى تصل به المبالغة إلى الكذب وادّعاء ما لم يحدث ونسبته إلى نفسه ، رغبةً في تسلية النّفس وتحسين القول ، روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى : « وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ » قال : أكثر قولهم يكذبون فيه ، وعقّب ابن كثير بقوله : وهذا الّذي قاله ابن عبّاس رضي الله عنه هو الواقع في نفس الأمر ، فإنّ الشّعراء يتبجّحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم ، فيتكثّرون بما ليس لهم .
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنّه سمع شعراً للنّعمان بن عديّ بن نضلة يعترف فيه بشرب الخمر ، فلمّا سأله قال : واللّه يا أمير المومنين ما شربتها قطّ ، وما فعلت شيئاً ممّا قلت ، وما ذاك الشّعر إلاّ فضلةً من القول ، وشيء طفح على لساني ، فقال عمر : أظنّ ذلك ، ولكن واللّه لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلت ما قلت ، فلم يذكر أنّه حدّه على الشّراب وقد ضمّنه شعره ، لأنّ الشّعراء يقولون ما لا يفعلون ولكن ذمّه عمر رضي الله عنه ولامه على ذلك وعزله به .

«عاشراً : التّكسّب بالشّعر»

22 - ذهب بعضه الفقهاء إلى أنّ التّكسّب بالشّعر من المكاسب الخبيثة ومن السّحت الحرام ، لأنّ ما يدفع إلى الشّاعر إنّما يدفع إليه عادةً لقطع لسانه ، والشّاعر الّذي يكون كذلك إنّما هو شيطان لما في الصّحيح عن أبي سعيد الخدريّ - رضي الله تعالى عنه - قال : « بينا نحن نسير مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد ، فقال صلى الله عليه وسلم : خذوا الشّيطان » . قال القرطبيّ : قال علماؤنا : وإنّما فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشّاعر لما علم من حاله ، فلعلّه كان ممّن قد عرف أنّه اتّخذ الشّعر طريقاً للتّكسّب ، فيفرط في المدح إذا أعطي ، وفي الهجو والذّمّ إذا منع ، فيؤذي النّاس في أموالهم وأعراضهم ، ولا خلاف في أنّ من كان على مثل هذه الحالة ، فكلّ ما يكتسبه بالشّعر حرام ، وكلّ ما يقوله من ذلك حرام عليه ، ولا يحلّ الإصغاء إليه ، بل يجب الإنكار عليه ، فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعاً تعيّن عليه أن يداريه بما استطاع ، ويدافعه بما أمكن ، ولا يحلّ له أن يعطي شيئاً ابتداءً ، لأنّ ذلك عون على المعصية ، فإن لم يجد بدّاً من ذلك أعطاه بنيّة وقاية العرض ، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقةً .
وذكر الحصكفيّ الحنفيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعطي الشّعراء ولمن يخاف لسانه ، ونقل ابن عابدين ما ورد عن عكرمة مرسلاً قال : أتى شاعر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : « يا بلال ، اقطع عنّي لسانه فأعطاه أربعين درهماً » .
وقال عديّ بن أرطاة لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المومنين ، إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد مدح وأعطى وفيه أسوة لكلّ مسلم ، قال : ومن مدحه ؟ قال : عبّاس بن مرداس السّلميّ فكساه حلّةً قطع بها لسانه .
أمّا الشّاعر الّذي يؤمن شرّه ، ولا يعطى مداراةً له وقطعاً للسانه ، فالظّاهر أنّ ما يدفع إليه حلال، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دفع بردته إلى كعب بن زهير رضي الله عنه لمّا امتدحه بقصيدته المشهورة .
ولمّا استخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه الشّعراء كما كانوا يفدون على الخلفاء قبله ، فأقاموا ببابه أيّاماً لا يأذن لهم بالدّخول ، حتّى قدم عديّ بن أرطاة وكانت له مكانة ، فتعرّض له جرير وطلب شفاعته ، فاستأذن لهم ، فلم يأذن إلاّ لجرير ، فلمّا مثل بين يديه قال له : اتّق اللّه ولا تقل إلاّ حقّاً ، فمدحه بأبيات ، فقال عمر : يا جرير ، لقد ولّيت هذا الأمر وما أملك إلاّ ثلاثمائة ، فمائة أخذها عبد اللّه ، ومائة أخذتها أمّ عبد اللّه ، يا غلام : أعطه المائة الثّالثة ، فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ، إنّها لأحبّ مال كسبته إليّ .

«حادي عشر : شهادة الشّاعر»

23 - ذهب الفقهاء إلى قبول شهادة الشّاعر الّذي لا يرتكب بشعره محرّماً أو ما يخلّ بالمروءة، فإن ارتكب ذلك ففي ردّ شهادته به تفصيل :
قال الحنفيّة : من كثر إنشاده وإنشاؤه حين تنزل به مهمّاته ويجعله مكسبةً له تنقض مروءته وتردّ شهادته .
وقال المالكيّة : تجوز شهادة الشّاعر إذا كان لا يرتكب بشعره محرّماً ، وإلاّ امتنعت شهادته . وقال الشّافعيّة : تردّ شهادة الشّاعر إذا هجا معصوم الدّم - مسلماً أو ذمّيّاً - بما يفسق به ، بخلاف الحربيّ فلا يحرم هجاؤه ، ولا تردّ شهادة الشّاعر بهجائه ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه بهجاء الكفّار » .
وظاهر كلامهم جواز هجو الكافر المعيّن ، وعليه فيفارق عدم جواز لعنه بأنّ اللّعن الإبعاد من الخير ، ولاعِنه لا يتحقّق بعده منه فقد يختم له بخير .
وقالوا : تردّ شهادة الشّاعر كذلك إذا شبّب بامرأة معيّنة بأن ذكر صفاتها من نحو حسن وطول وغير ذلك ، لما فيه من الإيذاء ، وكذلك إذا هتك السّتر ووصف أعضاءها الباطنة بما حقّه الإخفاء ولو كان من حليلته ، ومثل المرأة في ذلك الأمرد إذا صرّح بعشقه ، فإذا لم يعيّن الشّاعر من يشبّب به فلا إثم عليه لأنّ التّشبيب صنعة ، وغرض الشّاعر تحسين صنعته لا تحقيق المذكور فيه ، فليس ذكر شخص مجهول تعييناً ، لكنّ بعض الشّعراء قد ينصبون قرائن تدلّ على تعيين المشبّب به ، وعندئذ يكون التّشبيب مع هذه القرائن في حكم التّشبيب بمعيّن .
وتردّ شهادة الشّاعر كذلك عند الشّافعيّة إن أكثر الكذب في شعره ، وجاوز في ذلك الحدّ بحيث لا يمكن حمله على المبالغة .
وقال الحنابلة : الشّاعر متى كان يهجو المسلمين أو يمدح بالكذب أو يقذف مسلماً أو مسلمةً فإنّ شهادته تردّ ، وسواء قذف بنفسه أو بغيره .أهـ

عز الدين القسام
01-06-2008, 10:18 PM
موضوع مهم يستحق الاحترام ولا غبار عليه .....

شكرا جزيلا لكم على حسن الاختيار والإفادة ..
بوركتم .

أبو سهيل
02-06-2008, 02:01 AM
أحسن الله إليك أستاذي الفاضل رعد أزرق