المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من السمات الفنية للتشبيهات القرآنية



أنــوار الأمــل
04-06-2004, 11:45 PM
من السمات الفنية للتشبيهات القرآنية

كثافة التشبيه القرآني وغنى إيحائه

إن التشبيه القرآني عميق ومكثف، يحمل كثيرا من التفصيلات والجزئيات التي تتضافر جميعها على تشكيل صورة مجسدة محسوسة تحمل ظلالا كثيفة من المعاني والإيحاءات
إن صور التشبيه القرآني صورة عالم بأكمله، زاخر بالدلالات والأخيلة والمشاعر، ترفدها عناصر مختلفة من حركةوصوت ولون
ضرب الله مثلا للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، فقال: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" إبراهيم ـ 24 ـ 25

"وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ إبراهيم:26
شبه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، من حيث أنها نافعة، وتتفرع بالأعمال الصالحة والأقوال الخيرة كما تتفرع الشجرة بالأغصان، ولكنه لم يكتفِ بذلك، بل أضاف إلىالتشبيه جزئيات أخرى، عمقت مدلوله، وأغزرت إيحاءه، فجعلها شجرة غير عادية، بل: " أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ" دلالة على رسوخها وشموخها وصمودهاوعظيم أجرها وثوابها، ثم أضاف جزئية أخرى عندما جعل هذه الشجرة ـ الممثل بها للكلمة الطيبة ـ " تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا" فكأن أثرها لا ينقضي، وخيرها لا ينتهي، وثوابها يبقى مستمرا حتى بعد موت صاحبها، وهي صورة متخيلة مرئية، تحمل معنى الحث والتشجيع، وتدعو إلى رعاية الكلمة الطيبة كما ترعى الشجرة الطيبة ويُعتنى بها.

وكذا الكلام على الكلمة الخبيثة، لم يكتفِ التشبيه القرآني بأن مثلها بالشجرة الخبيثة، دلالة على قبحها وهجانتها وخطر تأثيرها ونتن رائحتها، بل أضاف إلى الصورة قوله: " اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ" فهي ساقطة منهارة، لا قرار لها ولا شأن، وينبغي استئصالها واجتثاثها كما تجتث الشجرة الخبيثة، حتى لا تؤذي الناس والحياة، وتفسد الصفاء والطهارة

[line]
البلاغة العربية ـ وليد قصاب: 71 ـ 72