المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الحب ما منع الكلام الألسنا



الحارث السماوي
04-06-2008, 08:42 PM
للشاعر المتنبي



الحب ما منع الكلام الألسنا= وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
روى الالسنا بفتح السين ويكون ما على هذه الرواية بمعنى الذي يقول غاية الحب ما منع لسان صاحبه من الكلام فلم يقدر على وصف ما في قلبه منه كما قال المجنون ولما شكوت الحب قالت كذبتني، فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا، فما الحب حتى يلصق الجلد بالحشا، وتخرس حتى لا تجيب المناديا، وكما قال قيس بن دريج، وما هو إلا أن أراها فجاءة، فأبهت حتى ما أكاد أجيب، ويجوز أيضا أن يكون ما بمعنى الذي على رواية من روى الالسنا بضم السين والظاهر أن ما نفى لأن المصراع الثاني حث على إعلان العشق وإما يعلن من قدر على الكلام وهو معنى قول أبي نواس، فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى، فلا خير في اللذات من دونها ستر، ويقول علي بن الجهم، وقل ما يطيب الهوى، إلا لمنهتك الستر، وقول الموصلي، ظهر الهوى وتهتك أستاره، والحب خير سبيله إظهاره، أعصى العواذل في هواه جهارةً، فألذ عيش المستهام جهاره،

ليست الحبيب الهاجري هجر الكرى= من غير جرم واصلي صلة الضنا
بنا فلو حـلـيتـنـا لـم تـدر مـا= ألواننا مما امتقـعـن تـلـونـا
يقول فارقنا احبابنا ولو أردت أن تثبت حليتنا لم تدر الواننا لتغيرها عند الفراقفكنت لاتدري بأي لون تصفنا

وتوقدت أنفاسنا حتى لـقـد= أشفقت تحترق العواذل بيننا
أي لشدة حرارة الوجد صارت أنفاسنا كالنار المتوقدة حتى خفت على العواذل أن يحترقن فيما بيننا وإنما خاف ذلك لأنه كان ينم على ما في قلوبهم من حرارة الهوى

أفدى المودعة التي أتبعتـهـا= نظراً فرادى بين زفراتٍ ثنا
أي كلما نظرت إليها واحدة زفرت زفرتين وثناء ممدودة قصره ضرورة

أنكرت طارقة الحوادث مـرة=ثم اعترفت بها فصارت ديدنا
أنكرتها أول ما طرقتنين وقلت ليست تقصدني وإنما اخطأت في قصدي ثم لما كثرت أقررت بها وعرفت أنها تأتيني فصارت عادة لي لا تفارقني ولا أنفك منها والديدن العادة ورواه الخوارزمي بكسر الدال الأولى كأنه أراد معرب ديدن وليس في كلام العرب فيعل بكسرة الفاء

وقطعت في الدنيا الفلا وركائبي= فيها ووقتي الضحى والموهنا
يصف كثرة اسفاره وتردده في الدنيا حتى قطع الفلوات وقطع المركوب أيضا بكثرة الإنعاب وقطع الليل والنهار والمعنى أنه قطع المكان والزمان والمركوب يعني أفنيت كلا منها هذا هو الصحيح في معنى البيت وما سوى هذا فهو تخليط وعدول عن الصواب

فوقفت منها حيث أوقفني النـدا=وبلغت من بدر بن عمار المنى
منها أي من الدنيا ويروي فيها وأوقفه لغة عند بعضهم وقال ابو عمرو بن العلا لو قال رجل فلان أوقفني أي عرضني للوقوف لم أر بذلك بأسا وكذلك ههنا اوقفني الندى عرضني للوقوف يقول وقفت من الدنيا حيث حبسني الجود وأدركت من الممدوح ما كنت أتمنى

لأبي الحسين جدى يضيق وعاءه=عنه ولو كان الوعاء الأزمنـا
يقول عطاؤه يضيق عنه الوعاء ولو كان الزمان مع سعته العالم بما فيه وإذا ضاق الزمان عن شيء فحسبك به عظما

وشجاعة أغناه عنها ذكرهـا =ونهى الجبان حديثها أن يجبنا
ذكر شجاعته واشتهارها في الناس اغناه عن اظهارها واستعمالها فكل أحد يهابه لما سمع من شجاعته وذلك أيضا يشجع الجبان لأنه يسمع ما يتكرر من الثناء عليه فيتمنى ذلك فيترك الجبن

نيطت حمائله بعاتق مـحـرب =ما كر قط وهل يكر وما أنثنى
المحرب صاحب الحرب يقول ما عاد ولا رجع إلى الحرب لأن الكر يكون بعد الفر وهو لم ينثن ولم يول العدو ظهره فكيف يكر وهذا منقول من قول الآخر، الله يعلم أني لست أذكره، أو كيف أذكره إذ لست أنساه، والشعراء يصفون بالكر والانحياز والطراد في الحرب والمتنبي بالغ وجعل الممدوح لا ينثني البتة

فكأنه والطعن من قـدامـه =متخوف من خلفه أن يطعنا
يقول لشدة إقدامه وتقدمه في الحرب كان الخوف وراءه فهو يتقدم خوفا مما وراءه كما قال بكر ابن النطاح، كأنك عند الطعن في حومة الوغى، تفر من الصف الذي من ورائكا،

نفت التوهم عنه دحة ذهـنـه =فقضى على غيب الأمور تيقنا
هذا كأنه اعتذار له مما ذكر من إقدامه وذكر أن فطنته تقفه على عواقب الأمور حتى يعرفها يقينا لا وهما

يتفزع الجبار من بغتاتـه =فيظل في خلواته متكفنا
يقول الرجل الجبار يخاف أن يأخذ بغتة ويهجم عليه من حيث لا يدري فيظل لابس كفنه وتوقعا لوقعته ويروي متكتنا وهو المتندم يعني أنه يندم على معاداته

أمضى إرادته فسوف له قـد =واستقرب الأقصى فثم له هنا
سوف للاستقبال وقد لما مضى ومقاربة الحال يقول هو ماضي الإرادة فما يقال فيه سوف يكون يقال هو قد كان والبعيد عنده قريب لقوة عزمه فما يقال فيه ثم وهو للمكان المتراخي قال هو هنا وهو يستعمل فيما دنا وجعل قد اسما فأعربه ونونه

يجد الحديد على بضاضة جلده=ثوباً أخف من الحرير وألينا
البضاضة مثل الغضاضة يقال غض بض أي طري لين وهذا من قول البحتري، ملوك يعدون الرماح مخاصرا، إذا زعزعوها والدروع غلائلا، ومثله لأبي الطيب، متعوداً لبس الدروع، البيت

وأمر من فقد الأحبة عـنـده=فقد السيوف الفاقدات الأجفنا
يعني أن الحرب أحب إليه من الغزل فإذا فقد سيوفه كان ذلك أشد عليه من فقد أحبته ثم وصف سيوفه بإنها فاقدة لجفونها لأنه أبدا يستعملها في الحرب

لا يستكن الرعب بين ضلوعـه=يوماً ولا الإحسان أن لا يحسنا
الإحسان الأول مصدر أحسنت الشيء إذا حذقته وعلمته والإحسان الثاني هو ضد الاساءة يقول هو لا يحسن أن لا يحسن أي لا يعرف ترك الإحسان حتى إذا رام أن لا يحسن لم يعرف ذلك ولم يمكنه وهذا من قول الآخر، يحسن أن يحسن حتى إذا، رام سوى الإحسان لم يحسن، ون لا يحسن في محل النصب لأنه مفعول المصدر الذي هو الإحسان ولو قال ولا إحسان أن لا يحسن كان أقرب إلى الفهم من إستعماله بالألف واللام وإن كان المعنى سواء فإن قولك اعجبني ضرب زيدٍ أقرب إلى الفهم من قولك أعجبني الضرب زيدا ومعنى البيت لا يستكن الرعب ضلوعه ولا علم أن يترك الإحسان وقال ابن فورجة الإحسان ضد الإساءة يقول لا يستكن الإحسان حتى يحسن أي لا يثبت حتى يفعله وعلى هذا الإحسان الهم به يقول إذا هم بالإحسان لم يصبر عليه حتى يفعله

مستنبط من علمه ما في غدٍ =فكأن ما سيكون منه دونا
يقول يعرف بعلمه ما يقع فيما يستقبل فكان ما سيكون قد كتب في علمه والمعنى أن علمه صحيفة الكائنات ويروى من يومه والمعنى أنه يستدل بما في يومه على ما سيقع في غد فيعرفه

تتقاصر الأفهام عـن إدراكـه =مثل الذي الأفلاك فيه والدني
الدني جمع الدنيا مثل الكبر والصغر في جمع الكبرى والصغرى يقول إفهام الناس قصيرة عن إدراك هذا الممدوح كما تقاصرت عن علم الشيء المحيط بالأفلاك وبالدني فإن أحدا لا يعرف ما وراء الأفلاك وإن العالم إلى ما ينتهي من الأعلى والأسفل والتقدير تتقاصر الإفهام مثل تقاصرها عن إدراك الذي فيه الافلاك لكنه حذف لدلالة ما تقدم على ما حذف

من ليس من قتلاه من طلقائه =من ليس ممن دان ممن حينا
يقول من أفلت من سيفه فلم يقتله فهو ممن اطلقه وعفا عن ومن لم يطعه وليس من أهل طاعته فهو ممن يهلكه ويقتله وذكر لفظ الماضي لتحقق وجود الهلاك ومن روى بضم الحاء فالمعنى فهو ممن هلك

لما قفلت من السواحل نحونا =قفلت إليها وحشة من عندنا
أي كنا في وحشة من غيبتك فلما رجعت إلينا عادت الوحشة من عندنا إلى حيث انصرفت منه إلينا

ارج الطريق فما مررت بموضع=إلا أقام به الشذا مستـوطـنـا
الشذا شدة الرائحة يقول طاب الطريق الذي سلكته ففاحت رائحته وما مررت بطريق إلا صارت الرائحة الطيبة مقيمة هناك

لو تعقل الشجر التي قابلتهـا =مدت محيية إليك الأغصنـا
سلكت تماثيل القباب الجن من =شوقٍ بها فأدرن فيك الأعينا
يقول اشتاقت الجن إليك فتوارت بتماثيل القباب للنظر إليك وتماثيل القباب هي القباب ويجوز أن يريد بتماثيلها الصور المنقوشة عليها أي أنها تضمنت من الجن أرواحا وهذا معنى قول ابن جنى لأنه قال ما أعلم أنه وصفت صورة بأنها تكاد تنطق باحسن من هذا

طربت مراكبنا فخلنا أنـهـا =لولا حياء عاقها رقصت بنا
أي لسرورها بقدومك طربت حتى ظننا أنها لو لا الحياء لرقصت بنا والمعنى أن سرور قدومك غلب حتى ظهر في البهيمة التي لا تعقل

أقبلت تبسم والجـياد عـوابـس =يخببن بالحلق المضاعف والقنا
تبسم معناه باسما أريد به الحال والجياد يعني جياد الممدوح عابسة لطول سيرها ويريد بالحلق المضاعف الدروع

عقدت سنابكها عليها عثيراً =لو تبتغي عنقاً عليه أمكنا
العثير الغبار يقول عقدت سنابك الجياد فوقها غبارا كثيفا لو تطلب السير عليه أمكن كما قال، كأن الجو وعثا أو خبار، وهذا منقول من قول البحتري، لما أتاك جيشا أرعنا، يمشي عليه كثافة وجموعاً، فنقله أبو الطيب إلى الرهج

والأمر أمرك والقلوب خوافق =في موقف بين المنية والمنى
يقول أمرك مطاع والحال ما ذكر وهو اضطراب القلوب في الحرب بين القتل وبين ادراك المطلوب

فعجبت حتى ما عجبت من الظبي=ورأيت حتى ما رأيت من السنا
يقول عجبت من كثرة السيوف حتى زال تعجبي لما كثرت ورأيت من الضوء وتألق الحديد ما خطف بصري يعني يوم قدومه رأى السيوف والأسلحة مع عسكره

إني أراك من المكارم عسكـرا =في عسكرٍ ومن المعالي معدنا
تقديره أني أراك عسكرا في عسكر من المكارم أي أنت في نفسك عسكر وحولك عسكر آخر من المكارم وأراك معدنا من المعالي أي أصلا لها فهي تؤخذ منك

فطن الفؤاد لما أتيت على النوى=ولما تركت مخافة أن تفطنـا
يقول قلبك يعرف ما فعلته في حال بعدك وما تركته فلم أفعله خوفا من أن تعلم فتعاتبني عليه وكان قد وشى به إليه وكأنه قد اعترف بتقصير منه لأن سياق الأبيات يدل عليه

أضحى فراقك لي عليه عقوبةً =ليس الذي قاسيت فيه هينـا
عليه أي على ما فعلته يقول صار فراقك عقوبةً لي على ما فعلته مما كرهته

فاغفر فدى لك واحبني من بعدها=لتخصني بعطيةٍ منـهـا أنـا
أراد فأغفر لي أي ذنبي الذي جنيته فدى لك نفسي وأعطني بعد المغفرة لأكون مخصوصا بعطية منها نفسي يعني إذا عفوت عني واعطيتني كنت قد خصصتني بعطاء أنا من جملته

وأنه المشير عليك في بضلةٍ =فالحر ممتحن بأولاد الزنا
كان الأعور بن كروس قد وشى به إلى بدر بن عمار لما سار وتأخر عنه المتنبي وجعل قبوله منه ضلةً أي أن اطعته فيّ ضللت يهدده بالهجاء ويجوز أن يريد بالضلال ما يؤمر به من هجران المتنبي وحرمانه وهذا أولى مما ذكر ابن جنى من التهديد وعنى بالحر نفسه وبأولاد الزنا الوشاة ومثله للطاءي، وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع، وهذا من قول مروان ابن أبي حفصة، ما ضرني حسد اللئام ولم يزل، ذو الفضل يحسده ذون التقصير،

وإذا الفتى طرح الكلام معرضا=في مجلس أخذ الكلام اللذ عني
يعني أنه قد عرض بذكر أولاد الزمنا وقد فهمه من عناه بهذا الكلام

ومكائد السفهاء واقعة بـهـم =وعداوة الشعراء بئس المقتنى
يعني السعاة والوشاة الذين وشوا به يقول كيدهم يعود عليهم بالشر

لعنت مقارنة اللئام فـإنـهـا =ضيف يجر من الندامة ضيفنا
يقول مخالطة اللئيم مذمومة ملعونة لأن عاقبتها الندامة فهي كضيف معه ضيف من الندامة

غضب الحسود إذا لقيتك راضيا=رزء أخف على من أن يوزنا
أمسى الذي بـربـك كـافـرا =من غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
أى أمسى من يكفر بالله من غيرنا مؤمنا بفضلك معنا يعني أن من يخالفنا في الأيمان يوافقنا في الإقرار بفضلك

خلت البلاد من الغزالة ليلها =فأعاضهاك الله كي لاتحزنا
الغزالة اسم الشمس يقول جعلك الله عوضا من الشمس للبلاد وأهلها عند فقد الشمس بالليل كي لا يحزنوا وسيبويه لا يجيز تقديم ضمير الغائب المتصل على الحاضر في مثل قولك ما فعل الرجل الذي أعطاهوك زيد على معنى الذي أعطاه إياك فتأتي بالضمير المنفصل وتدع المتصل وأبو العباس يجيزه والصواب عند سيبويه فأعاضها أياك والشعر موقف ضرورة فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره ويقال عاضه وأعاضه وعوضه بمعنى وأمر بدر أن يحجب الناس عنه


ولكم منى الف تحية

محمد سعد
04-06-2008, 09:26 PM
ونحن نقول لك منَّا ألف تحية وسلام
وسلمت على هذا العرض الطيب

أحاول أن
05-06-2008, 10:04 AM
ما أروع ما عرضت أستاذنا القدير : الحارث السماوي ..

أسطر تستحق التوقف مليا أمام هذه الأبيات الباسقة ..
جزاك الله خيرا فقد أثريتنا ..

أحمد الغنام
05-06-2008, 10:21 AM
أخي الحارث تغيب كمواسم الغيث !
بوركت على هذه الجولة الماتعة.
لاحرمنا من أطايب قلمك .