المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الشعر والشعراء



عز الدين القسام
05-06-2008, 12:34 AM
أقسام الشعر
قال أبو محمد: تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب.
ضربٌ منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل في بعض بني أمية:

في كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبقٌ = مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ في عرْنِينِهِ شممُ
يغْضِى حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِةِ =فَما يُكلَّمُ إلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ

لم يقل في الهيبة شيءٌ أحسن منه.
وكقول أوس بن حجر:

أيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلى جَزَعَا =إنَّ الَّذِي تَحْذرِينَ قَدْ وَقَعَا
لم يبتدى أحدٌ مرثيةٌ بأحسن من هذا.
وكقول أبي ذؤيبٍ:

والَّنْفُس رَاغِبَةٌ إذَا رَغَّبْتَهَا = وإذَا تُرَد إلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ

حدثني الرياشي عن الأصمعي، قال: هذا أبدع بيت قاله العرب.

وكقول حميد بن ثورٍ:
أَرَى بَصَرِي قَدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ = وحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَصِحَّ وتَسْلَمَا
ولم يقل في الكبر شيءٌ أحسن منه.
وكقول النابغة:

كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ = ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِىءِ الكَوَاكِب

لم يبتدى أحدٌ من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب.
ومثل هذا في الشعر كثيرٌ، ليس للإطالة به في هذا الموضع وجهٌ، وستراه عنه
ذكرنا أخبار الشعراء.
وضربٌ منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، كقول القائل:

ولَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجةٍ = ومَسَّحَ بِالأَرْكانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
وشُدَّتٌ على حُدْبِ المَهَارِى رحَالُنَا = ولا يَنْظُرُ الغَادِي الذي هُوَ رَائحُ
أَخَذْنَا بِأَطْرافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا=وسَالَتْ بِأَعْنَاقِ المَطِىِّ الأَبَاطِحُ

هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيءٍ مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح.
وهذا الصنف في الشعر كثيرٌ.
ونحوه قول المعلوط:
إِنَّ الذين غَدَوْا بُلِّبكَ غادَرُوا = وَشَلاً بِعَيْنِكَ مَا يَزَالُ مَعِينَا
غيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وقُلْنَ لي = مَاذَا لَقِيتَ مِنَ الْهَوَى ولَقِينَا
ونحوه قول جريرٍ:
يا أُخْتَ نَاجِيَةَ السَّلَامُ عَلَيْكُمُ = قَبْلَ الرَّحِيلِ وقَبْلَ لَوْمِ العُذَّل
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ آخِرَ عَهْدكُمْ=يَوْمُ الرَّحِيل فَعَلْتُ ما لم أَفْعَل

وقوله:

بَانَ الخلِيطُ ولوْ طُوِّعْتُ ما بَانَا = وقَطَعُوا مِنْ حِبَالِ الوَصْل أَقْرَانَا
إِنَّ العُيُونَ التي في طَرْفِهَا مَرَضٌ = قَتَّلْنَنَا ثُمَّ لم يُحيينَ قَتْلاَنَا
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حتى لَا حَرَاكَ بِهِ =وهُنَّ أَضْعَفُ خَلْق اللهِ أَرْكانا

وضربٌ منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، كقول لبيد بن ربيعة:

ما عَاتَبَ المَرْءَ الْكَريمَ كَنَفْسِهِ =والمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيسُ الصَّالِحُ

هذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق.

وكقول النابغة للنعمان:

خَطَاطِيفُ حُجْنٌ في حِبَالٍ مَتِينَةٍ =تَمُدُّ بِهَا أَيْدٍ إلَيْكَ نَوَازِعُ
قال أبو محمد: رأيت علماءنا يستجدون معناه، ولست أرى ألفاظه جياداً ولا مبينةً لمعناه، لأنه أراد: أنت في قدرتك على كخطاطيف عقفٍ يمد بها، وأنا كدلوٍ تمد بتلك الخطاطيف، وعلى أني أيضاً لست أرى المعنى جيداً.
وكقول الفرزدق:

والشَّيْبُ يَنْهَضُ في الشَّبَاب كأَنَّه = لَيْلٌ يَصِيحُ بجَانِبَيْهِ نَهَارُ

وضربٌ منه تأخر معناه وتأخر لفظه، كقول الأعشى في امرأةٍ:

وفُوها.....كَأَقَاحِيَّ = غَذَاهُ دَائمُ الهَطْلِ
كما شِيبَ برَاحٍ بَا = رِد مِنْ عَسَل النَّحْل

وكقول:
إنَّ مَحَلاًّ وإِنَّ مُرْتَحَلا = وإِنَّ في السَّفْرِ ما مَضَى مَهَلا
اسْتَأْثَرَ اللهُ بِالوَفَاءِ وَبِاْل = حَمْدِ وَوَلَّى المَلَامَةَ الرَّجُلا
والأَرْضُ حَمَّالَةٌ لمَا حَمَّلَ الَّل =هُ وَمَا إِنْ تَرُدُّ ما فَعَلَا
يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ الْ = عَصْب ويَوْماً أَدِيمُهَا نَغِلَا
وهذا الشعر منحولٌ، ولا أعلم فيه شيئاً يستحسن إلا قوله:

يَا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ الْمَطِىَّ ولَا = يَشْرَبُ كَأْساً بِكَفِّ مَنْ بَخِلَا
يريد أن كل شاربٍ يشرب بكفه، وهذا ليس ببخيل فيشرب بكف من بخل، وهو معنًى لطيف.
وكقول الخليل بن أحمد العروض

إِنَّ الخَليطَ تَصَدَّعْ = فَطِرْ بِدَائِكَ أَوْقَعْ
لَوْلَا جَوَارٍ حِسَانٌ = حُورُ الْمَدَامِع أَرْبَعْ
أُمُّ البَنِينَ وأَسْمَا =ءٌ والرَّبَابُ وبَوْزَعْ
لَقُلْتُ لِلرَّاحِلِ ارْحَلْ =إِذَا بدا لَكَ أَوْ دَعْي:


وهذا الشعر بين التكلف ردىء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شيءٌ جاء عن إسماحٍ وسهولة، كشعر الأصمعي، وشعر ابن المقفع وشعر الخليل، خلا خلفٍ الأحمر، فإنه كان أجودهم طبعاً وأكثرهم شعراً. ولو لم يكن في هذا الشعر إلا أم البنين وبوزع لكفاه! فقد كان جررٌ أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته التي أولها:

بانَ الخَلِيطُ بِرَامَتَيْنِ فَوَدَّعُوا=أَوَ كُلَّمَا جَدُّوا لِبَيْنٍ تَجْزَعُ
كَيْفَ العَزَاءُ ولم أَجِدْ مُذْ بِنْتُمُ = قَلْباً يَقِرُّ ولا شَرَاباً يَنْقَعُ
وهو يتحفز ويزحف من حسن الشعر، حتى إذا بلغ إلى قوله:

وتَقُولُ بَوْزَعُ قَدْ دَبَبْتَ عَلَى العَصَا=هَلاَّ هَزِئْتِ بِغَيْرِنَا يَا بَوْزَعُ

قال له: أفسدت شعرك بهذا الاسم وفتر.
قال أبو محمد: وقد يقدح في الحسن قبح اسمه، كما ينفع القبيح حسن اسمه، ويزيد في مهانة الرجل فظاعة اسمه، وترد عدالة الرجل بكنيته ولقبه. ولذلك قيل: اشفعوا بالكنى، فإنها شبهةٌ.
وتقدم رجلان إلى شريحٍ، فقال أحدهما: ادع أبا الكويفر ليشهد، فتقدم شيخٌ فرده شريحٌ ولم يسأل عنه، وقال: لو كنت عدلاً لم ترض بها، ورد آخر يلقب أبا الذبان ولم يسأل عنه.
وسأل عمر رجلاً أراد أن يستعين به على أمرٍ عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سراق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك ولم يستعن به.
وسمع عمر بن عبد العزيز رجلاً يدعو رجلاً: يأبا العمرين، فقال: لو كان له عقلٌ كفاه أحدهما! ومن هذا الضرب قول الأعشى:

وقَدْ غَدَوْتُ إلى الحَانُوتِ يتْبَعُني =شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشَلٌ شَوِل


وهذه الألفاظ الأربعة في معنىً واحد، وكان قد يستغنى بأحدها عن جميعها، وماذا يزيد هذا البيت أن كان للأعشى أو ينقص؟ وقول أبي الأسد، وهو من المتأخرين الأخفياء:

ولَائِمَة لَامَتْكَ يَا فَيْضُ في النَّدَىفَقُلْتَ لَها لَنْ يَقْدَحَ اللَّوْمُ في البَحْرِ
أَرَادَتْ لِتَثْنِي الفَيْضَ في كُلِّ بَلْدَةٍمَوَاقِعُ ماءِ المُزْنِ في البَلَدِ القَفْر

لتثنى الغيض عن عادة الندى = ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر


مَوَاقِعُ جَوُدِ الفَيْضِ في كُلِّ بَلْدَةٍمَوَاقِعُ ماءِ المُزْنِ في البَلَدِ القَفْر
كَأَنَّ وُفُودَ الفَيْضِ حِينَ تَحَمَّلُواإلى الْفَيِض وَافَوْا عْندَةُ لَيْلَةَ القَدْرِ
وهو القائل:

لَيْتَكَ آذَنْتَنِي بِوَاحدَاةٍ = تَكُونُ لي مِنْكَ سَائِرَ الأَبَدِ
تَحْلِفُ أَلاَّ تَبَرَني أَبَداً = فَإنَّ فِيهَا بَرْداً على كَبدِي
إِنْ كانَ رِزْقي إِلَيْكَ فَارْمِ بِهِ =في نَاظِرَيْ حَيَّةٍ على رَصَدِ

ومن هذا الضرب أيضاً قول المرقش:

هَلْ بِالدِّيَارِ أَنْ تُجِيبَ صَمَمْ = لَوْ أَنَّ حَيًّا نَاطِقاً كَلمْ
يَأْبي الشَّبَابُ الأَقْوَرِينَ ولاَ =تَغْبِطْ أَخَاكَ أَنْ يُقَالَ حَكَمْ

والعجب عندي من الأصمعي، إذ أدخله في متخيره، وهو شعرٌ ليس بصحيح الوزن ولا حسن الروى، ولا متخير اللفظ، ولا لطيف المعنى ولا أعلم فيه شيئاً يستحسنُ إلا قوله:

النَّشرُ مِسْك والوُجُوهُ دنَا = نِيرُ وأَطْرَاف الأَكُفِّ عَنَمْ
ويستجاد منه قوله:

لَيْسَ على طُولِ الحيَاةِ نَدَمْ =ومنْ وَرَاءِ المَرْء مَا يُعْلَمْ
وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله:

وكَأْسٍ شَرِبْتُ على لَذةٍ =وأُخْرَى تَدَاوَيْتُ منْهَا بهَا

حتى قال أبو نواس:

دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ = وَدَاوِني بالتي كانَتْ هِي الدَّاءُ
فسلخه وزاد فيه معنًى آخر، اجتمع له به الحسنُ في صدره وعجزه، فللأعشى فضل السبق إليه، ولأبي نواسٍ فضل الزيادة فيه.
وقال الرشيد للمفضل الضبي: اذكر لي بيتاً جيد المعنى يحتاج إلى مقارعة الفكر في استخراج خبيئه ثم دعني وإياه، فقال له المفضل: أتعرف بيتاً أوله أعرابي في شملته، هاب من نومته، كأنما صدر عن ركبٍ جرى في أجفانهم الوسن فركد، يستفزهم بعنجهية البدو، وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق، قد غذى بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر:
أَلاَ أَيُّهَا الرَّكْبُ النيَامُ أَلاَ هُبُّوا
ثم أدركته رقة المشوق، فقال:
أسائلكم: هل يقتل الرجل الحب؟
قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتاً أوله أكثم بن صيفي في إصالة الرأي ونبل العظة، وآخره إبقراط في معرفته بالداء والدواء؟ قال المفضل: قد هولت علي، فليت شعري بأي مهرٍ تفترع عروس هذا الخدر؟ قال: بإصغائك وإنصافك، وهو قول الحسن بن هاني:

دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ = وَدَاوِني بالتي كانَتْ هِي الدَّاءُ


يتبع

عز الدين القسام
05-06-2008, 01:07 AM
عيوب الشعر

الإقواء والإكفاء
قال أبو محمد: كان أبو عمرو بن العلاء يذكر أن الإقواء: هو اختلاف الإعراب في القوافي، وذلك أن تكون قافيةٌ مرفوعةً وأخرى مخفوضةً، كقول النابغة:
قالتْ بَنُو عامِرٍ خَالُوا بَني أَسَدٍ = يا بُؤْس للجَهْلِ ضَرَّاراً لِأَقْوَامِ

وقال فيها:

تَبْدُو كَوَاكِبُهُ والشَّمْسُ طَالِعَةٌ =لاَ النُّورُ نُورٌ ولا الإظْلَامُ إِظْلَامُ

وكان يقال إن النابغة الذبياني وبشر بن أبي خازم كانا يقويان، فأما النابغة فدخل يثرب فغنى بشعره ففطن فلم يعد للإقواء.

وبعض الناس يسمى هذا الإكفاء ويزعم أن الإقواء نقصان حرف من فاصلة البيت، كقول حجل بن نضلة، وكان أسر بنت عمرو ابن كلثوم وركب بها المفاوز، واسمها النوار:

حَنَّتْ نَوَارُ ولاتَ هَنَّا حَنَّتِ = وبَدَا الَّذِي كانَتْ نَوَارُ أَجَنْتِ
لمَّا رَأَتْ مَاءَ السَّلاَ مَشْرُوباً =والفَرْثَ يُعْصَرُ في الإنَاءِ أَرَنِّتِ

سمى إقواءً لأنه نقص من عروضه قوةٌ. وكان يستوي البيت بأن تقول متشرباً. يقال أقوى فلانٌ الحبل إذا جعل إحدى قواه أغلظ من الأخرى، وهو حبلٌ قوٍ.

مثل قول حميد:

إنَّي كبِرْتُ وإنَّ كُلَ كَبِيرٍ = مِمَّا يُضَنُّ بِهِ يَمَلُّ ويَفْتُرُ

وكقول الربيع

أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ = تَرْجُو النسَاءُ عَوَاقِبَ الأَطْهَارْ بن زيادٍ:

ولو كان بن زهيرة لاستوى البيت.

والسناد: هو أن يختلف إرداف القوافي، كقولك علينا في قافيةٍ وفينا في أخرى،
كقول عمرو بن كلثوم:

أَلاَ هُبّي بِصَحْنِكِ فاصْبَحينَا
فالحاء مكسورة.

وقال في آخر:
تُصَفِّقُهَا الرِّيَاحُ إذَا جَرَيْنَا
فالراء مفتوحةٌ، وهي بمنزلة الحاء.

وكقول القائل:

كَأَنَّ عُيُونَهُنَّ عُيُونُ عني
ثم قال:
وأَصْبَحَ رَأسُهُ مِثْلَ اللُّجيْنِ
والإيطاء، هو إعادة القافية مرتين، وليس بعيبٍ عندهم كغيره.
الإجازة: اختلفوا في الإجازة، فقال بعضهم: هو أن تكون القوافي مقيدةً فتختلف
الأرداف، كقول امرىء القيس:
لاَ يَدَّعي القَوْمُ أَنِّي أَفِرّ
فكسر الردف، وقال في بيت آخر:
وكِنْدَةُ حَوْلي جَميعاً صُبُرْ
فضم الردف، وقال في بيتٍ آخر:
أَلْحَقْتَ شَراً بِشَرْ
ففتح الردف.
وقال الخليل بن أحمد: هو أن تكون قافيةٌ ميماً والأخرى نوناً، كقول القائل:

يا رُبَّ جعْد منهمُ لَوْ تَدْرِينْ =يضربُ ضَرْبَ السَّبِطِ المَقادِيمْ
أو طاءً والأخرى دالاً، كقول الآخر:

تَاللِه لَوْلاَ شَيْخُنَا عَبَّادُ =لَكَمَرْونا عِنْدَهَا أَوْ كَادُوا
فَرْشَطَ لَمَّا كُرهَ الفِرشَاطُ =بفيْشَةٍ كَأَنَّهَا مِلْطَاطُ

وهذا إنما يكون في الحرفين يخرجان من مخرج واحدٍ أو مخرجين متقاربين.
قال ابن الأعربي: الإجازة: مأخوذة من إجازة الحبل والوتر.

عفاف صادق
05-06-2008, 08:48 PM
دائما تتحفنا بالشيق والمفيد من الموضوعات ،فبوركت أخي هانئ(رعد أزرق)

الباحثة عن الحقيقة
05-06-2008, 09:49 PM
بوركت أخ رعد على الموضوع المفيد ولكني أحب أن أتقدم ببعض المداخلات:
قسم الشعر إلى أربعة أقسام كما ذكرت...
حسب المعنى واللفظ
وذكرت لكل قسم شاهداً
ولكن من المعروف بأن الشعر ليس معنىً ومبنىً فقط وإنما هو كذلك وزن وقافية وروي ونغم .. فأين ندرج هذا الجزء من أقسام الشعر ؟؟
هل نلحقه باللفظ؟؟
أم نفرد له قسماً خاصاً بالعروض الشعري ؟؟
أم نخصه بباب آخر غير أقسام الشعر ؟؟؟مارأيك أخ رعد ؟؟
ودمت للفصيح على مواضيعك المتألقة دائماً ..

أحمد الغنام
05-06-2008, 10:40 PM
بارك الله جهودك أخي رعد على ماتأتينا به من أطيب الشعر.

عز الدين القسام
05-06-2008, 10:41 PM
دائما تتحفنا بالشيق والمفيد من الموضوعات ،فبوركت أخي هانئ(رعد أزرق)


شكرا جزيلا على مرورك العطر أختي الأستاذة " عفاف "
بارك الله فيك وجزيت خيرا .

عز الدين القسام
05-06-2008, 10:49 PM
بوركت أخ رعد على الموضوع المفيد ولكني أحب أن أتقدم ببعض المداخلات:
قسم الشعر إلى أربعة أقسام كما ذكرت...
حسب المعنى واللفظ
وذكرت لكل قسم شاهداً
ولكن من المعروف بأن الشعر ليس معنىً ومبنىً فقط وإنما هو كذلك وزن وقافية وروي ونغم .. فأين ندرج هذا الجزء من أقسام الشعر ؟؟
هل نلحقه باللفظ؟؟
أم نفرد له قسماً خاصاً بالعروض الشعري ؟؟
أم نخصه بباب آخر غير أقسام الشعر ؟؟؟مارأيك أخ رعد ؟؟
ودمت للفصيح على مواضيعك المتألقة دائماً ..


بوركت اختي الأستاذة " الباحثة عن الحقيقة " ..
مرور عطر وتعليق طيب ..
كل ما ذكرتيه صحيح , رغم أنه منوه عنه بإيجاز , سأحاول العودة وتفصيل ما ذكرت إنشاء الله ..
بوركت وجزيت خيرا .

عز الدين القسام
05-06-2008, 10:52 PM
بارك الله جهودك أخي رعد على ماتأتينا به من أطيب الشعر.



[size="5"] لقد تشرف الموضوع بمروركم الطيب أخي " أحمد "
بارك الله فيكم ..

عز الدين القسام
05-06-2008, 11:47 PM
العيب في الإعراب

وقد يضطر الشاعر فيسكن ما كان ينبغي له أن يحركه، كقول لبيد:

ترَّاكُ أَمْكنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا = أَوْ يَعْتلِقْ بَعْضَ النُّفُوِس حِمَامُهَا

يريد: أترك المكان الذي لا أرضاه إلى أن أموت، لا أزال أفعل ذلك.


وأو هاهنا بمنزلة حتى. وكقول امرىء القيس:

فاليوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحِقبٍ = إثماً مِنَ اللهِ ولاَ واغِلِ

ولولا أن النحويين يذكرون هذا البيت ويحتجون به في تسكين المتحرك لاجتماع الحركات، وأن كثيراً من الرواة يروونه هكذا، لظننته.
فاليَوْمَ أُسْقَى غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
قال أبو محمد: وقد رأيت سيبويه يذكر بيتاً يحتج به في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، على المعنى لا على اللفظ، وهو قول الشاعر:

مُعَاوِىَ إِنَّنَا بَشَرٌ فأَسْجِعْ = فَلَسْنَا بالجبَالِ ولا الحَدِيدَا


قال: كأنه أراد: لسنا الجبال ولا الحديدا، فرد الحديد على المعنى قبل دخول الباء، وقد غلظ على الشاعر، لأن هذا الشعر كله مخفوضٌ، قال الشاعر:


فهبْهَا أُمَّةً ذَهَبَتْ ضَيَاعاً = يَزِيدُ أَمِيُرهَا وأَبُو يَزِيدِ
أَكَلْتُمْ أَرْضَنَا وجَرَدْتُمُوهَا = فَهَلْ مِنْ قَائِمٍ أَوْ مِنْ حَصِيدِ



ويحتج أيضاً بقول الهذلي في كتابه، وهو قوله:

يَبِيتُ على مَعارِىَ فَاخِرَاتٍ =بِهِنَّ مُلَوَّبٌ كَدَمِ العِبَاطِ

وليست هاهنا ضرورة فيحتاج الشاعر إلى أن يترك صرف معارٍ ولو قال
يَبِيتُ على مَعَارٍ فَاخِراتٍ
كان الشعر موزونا والإعراب صحيحاً.
قال أبو محمد: وهكذا قرأته على أصحاب الأصمعي.
وكقوله في بيتٍ آخر:

لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ =ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيحُ الطْوَائحُ

وكان الأصمعي ينكر هذا ويقول: ما اضطره إليه؟ وإنما الرواية:
لِيَبْكِ يَزِيدَ ضَارِعٌ لِخُصُومَة

وكذلك قول الفراء:

فَلَئنْ قَوْمٌ أَصَابُوا عِزَّةً = وأَصَبْنَا مِن زَمَانٍ رَنَقَا
للَقَدْ كَانُوا لَدَى أَزْمَاتِهِ = لَصَنِيِعينَ لِبَأْسٍ وتُقَى

هو فلقد كانوا وهذا باطل.
وكذلك قوله:


مَنْ كانَ لاَ يَزْعُمُ أَنِّي شَاعِرٌ = فَيَدْنُ مِنِّي تَنْهَهُ المَزَاجِرُ

إنما هو فليدن مني وبه يصح أيضاً وزن الشعر.
وكذلك قوله:

فَقُلْتُ اعِي وأَدْعُ فَإِنَّ أَنْدَى = لِصَوتٍ أَنْ يُنَادِىَ دَاعِيَانِ

إنما هو:
فَقُلْتُ ادْعِى وأَدْعُوَ إنَّ أنْدَى


وكقول الفرزدق:

رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ عُقَّالَةٌ = وقدْ بَدَا هَنْكِ مِنَ المِئْزَر

وقد يضطر الشاعر فيقصر الممدود، وليس له أن يمد المقصور. وقد يضطر فيصرف غير المصروف، وقبيحٌ ألا يصرف المصروف. وقد جاء في الشعر، كقول العباس بن مرداس السلمى:

وما كانَ بَدْرٌ ولا حابِسٌ = يَفُوقَانِ مرْدَاسَ في مَجْمَعِ

وأما ترك الهمز من المهموز فكثيرٌ واسعٌ، لا عيب فيه على الشاعر، والذي لا يجوز أن يهمز غير المهموز.


وليس للمحدث أن يتبع المتقدم في استعمال وحشي الكلام الذي لم يكثر، ككثير من أبنية سيبويه، واستعمال اللغة القليلة في العرب، كإبدالهم الجيم من الياء، كقول القائل:
يا رب إن كنت قبلت حجتج يريد حجتي وكقولهم جمل بختج يريدون بختى وعلج يريدون علي.

وإبدالهم الياء من الحرف في الكلمة المخفوضة، كقول الشاعر:

لَهَا أَشَارِيرُ مِنْ لَحْمٍ تُتَمِّرُهُ = مِنَ الثَّعالِي ووَخْزٌ منْ أَرانِيهَا

يريد من أرانبها وكقول الآخر: ولضفادى جمه نقانق يريد ضفادع.

وكإبدالهم الواو من الألف، كقولهم أفعو وحبلو يريدون أفعى وحبلى وقال ابن عباس: لا بأس برمي الحدو للمحرم وأستحب له ألا يسلك فيما يقول الأساليب التي لا تصح في الوزن ولا تحلو في الأسماع، كقول القائل:


قُلْ لِسُلَيْمى إذَا لاَقَيْتَهَا = هَلْ تَبْلُغِنَّ بَلْدَةً إلا بِزَادْ
قُلْ للصَّعَالِيكِ لا تَسْتحْسِرُوا = مِن الْتماسٍ وسَيْرٍ في البِلاَدْ
فالغَزْوُ أَحْجَى على مَا خَيَّلَتْ = مِن اضْطِجَاعٍ على غَيْرِ وِسَادْ
لَوْ وصَلَ الغَيْثُ أَبْنَاءَ امْرِىءٍ = كانَتْ لَهُ قُبَّةً سَحْقُ بجَادْ
وبَلْدَةٍ مُقْفِرٍ غِيطَانُها =أَصْدُاؤُهَا مَغْرِبَ الشَّمْسِ تَنادْ
قَطَعْتُها صَاحبي حُوشيَّةٌ=في مِرْفَقَيْهَا عنِ الزَّوْرِ تَعَادْ

وكقول المرقش:


هَلْ بالدِّيارِ أنْ تُجِيبَ صَمَمْ = لَوْ أنَّ حَيًّا نَاطِقاً كَلَّمْ
يَأْبِى الشَّبَابُ الأقُوَرِينَ ولاَ = تَغبِطْ أَخاكَ أَنْ يُقَالَ حَكَمْ


قال أبو محمد: وهذا يكثر، وفيما ذكرت منه ما دلك على ما أردت من اختيارك أحسن الروى، وأسهل الألفاظ، وأبعدها من التعقيد والاستكراه وأقربها من إفهام العوام. وكذلك أختار للخطيب إذا خطب، والكاتب إذا كتب. فإنه يقال: أسير الشعر والكلام المطمع، يراد الذي يطمع في مثله من سمعه، وهو مكان النجم من يد المتناول.
قال أبو محمد: وقد أودعت كتاب العرب في الشعر أشياء من هذا الفن ومن غيره، وستراها هناك مجموعةٌ كافيةٌ، إن شاء الله عز وجل.

يتبع

عز الدين القسام
06-06-2008, 09:18 PM
أوائل الشعراء

لم يكن لأوائل الشعراء إلا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة.

فمن قديم الشعر قول دريد بن نهد القضاعي:
اليَوْمَ يُبْنَى لِدُوَيْدٍ بَيْتُهُ = لَوْ كان للدَّهْرِ بِلًى أَبْلَيْتُهُ
أَوْ كان قِرْنى واحداً كَفَيْتُهُ = يا رُبَّ نَهْبٍ صالِحٍ حَوَيْتُهُ

ورُبَّ عَبْل خَشِن لَوَيْتُهُ

وقال الآخر:

أَلْقَى عَلَىَّ الدَّهْرُ رِجْلاً ويَدَا = والدَّهْرُ ما أَصْلَحَ يوْماً أَفْسَدَا

يُصْلحهُ اليومَ ويُفْسِدُه غَدَا

وقال أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، واسمه منبه ابن سعد، وهو أبو غنى وباهلة والطفاوة:

قالتْ عُمَيْرَةُ ما لِرَأَسِك بَعْدَ ما = نَفدَ الشَّبَابُ أَتَى بلَوْن مُنْكَر
أَعُمَيْرَ إِنَّ أَباكِ شَيَبَ رَأَسَه =مَرُّ الليالِي واخْتِلاَفُ الأَعْصُر


وقال الحرث بن كعب وكان قديماً:

أَكَلْتُ شَبَابي فأَفْنَيْتُهُ = وأَفْنَيْتُ بَعْدَ شُهُور شُهُورَا
ثلاثةُ أَهْلِينَ صاحبْتُهم = فبانُوا وأَصْبَحْتُ شَيخْاً كَبِيرَا
قَلِيلَ الطَّعَامِ عَسِيرَ القيا = مِ قد تَرَكَ القَيْدُ خَطْوِى قَصيَرا
أَبيتُ أُراعي نُجُومَ السماءِ=أُقَلِّبُ أَمْرِى بُطُوناً ظُهُوراً

عز الدين القسام
06-06-2008, 10:09 PM
تراجم الشعراء

امرؤ القيس بن حجر

هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي،
وهو من أهل نجد، من الطبقة الأولى. وهذه الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد.
قال لبيد بن ربيعة: أشعر الناس ذو القروح، يعني امرأ القيس.
وملك حجرٌ على بني أسد، فكان يأخذ منهم شيئاً معلوماً، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ سرواتهم فقتلهم بالعصى، فسموا عبيد العصا وأسر منهم طائفةً، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدي الملك فقال:

يا عيْنِ ما فاَبْكي بَنِي = أَسَدٍ هُمُ أَهلُ النَّدَامَه
أَهْلَ القِبَابِ الحُمْرِ وال = نَّعَمِ المُؤَبَّلِ والمُدَامَهْ
مَهلاً أَبَيْتَ اللَّعْنَ مَهْلاً = إِنَّ فيما قُلْتَ آمهْ
في كُلّ وادٍ بَيْنَ يَثْ = رِبَ والقُصُورِ إلى اليمَامَهْ
تَطْرِيبُ عانٍ أَوْ صِيَا = حُ مُحَرَّقٍ وزُقَاءُ هامَهْ
أَنْتَ المَلِيك عليهمُ = وهُمُ العَبِدُ إلى القِيَامَهْ


فرحمهم الملك وعفا عنهم وردهم إلى بلادهم، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة، تكهن كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدي، فقال: يا عباد قالوا: لبيك ربنا! فقال: والغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يقلق رأسه الصخب، هذا دمعه يثعب وهو غداً أول من يسلب، قالوا: من هو ربنا؟ قال: لولا تجيش نفسٌ جايشه أنباتكم أنه حجر ضاحيه. فركبت بنو أسد كل صعبٍ وذلول، فما أشرق لهم الضحى حتى انتهوا إلى حجر، فوجدوه نائماً فذبحوه وشدوا على هجائنه فاستاقوها.
وكان امرؤ القيس طرده أبوه لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان له عاشقا، فطلبها زماناً فلم يصل إليها، وكان يطلب منها غرةً، حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان
فقال:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيب ومَنْزِلِ


فلما بلغ ذلك حجراً أباه دعا مولًى له يقال له ربيعة، فقال له: اقتل امرأ القيس وأتني بعينيه، فذبح جؤذراً فأتاه بعينيه، فندم حجر على ذلك، فقال: أبيت اللعن! إني لم أقتله، قال: فأتني به، فانطلق فإذا هو قد قال شعراً في رأس جبلٍ، وهو
قوله:

فلا تَتْرُكَنِّي يا رَبِيعَ لِهذِهِ = وكُنْتُ أَرانِي قبْلَها بِكَ واثِقاً

فرده إلى أبيه، فنهاه عن قول الشعر، ثم إنه قال:
أَلاَ انْعَمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالي


فبلغ ذلك أباه فطرده، فبلغه مقتل أبيه وهو بدمون،
فقال:

تَطَاوَلَ اللَّيْلُ عَلَيْنَا دَمُّونْ = دَمُّونُ إِنَّا مَعْشَرٌ يَمَانُونْ
وإِنَّنَا لِأَهْلِنَا مُحِبُّونْ


ثم قال: ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً، لا صحو اليوم، ولا سكر غداً، اليوم خمرٌ، وغداً أمرٌ،
ثم قال:

خَلِيَلَّى ما في اليوم مَصْحًى لشارِبٍ = ولا في غَدٍ إِذْ كان ما كان مَشْرَبُ


ثم آلى لا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً حتى يثأر بأبيه، فلما كان الليل لاح له برقٌ
فقال:

أَرقْتُ لبَرْق بلَيْل أَهَلّ = يُضىءُ سَنَاهُ بأَعْلَى الجَبَلْ
بقَتْل بَني أَسَدٍ رَبَّهُمْ = أَلاَ كُلُّ شَيءٍ سِوَاهُ جَلَلْ


ثم استجاش بكر بن وائل، فسار إليهم وقد لجؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بني أسد،
فقال:

يا لَهْفَ نَفْسِي إِذْ خَطِئْنَ كاهِلاَ ... القاتِلِينَ المَلِكَ الحُلاَحلا
تَاللهِ لا يذهَبُ شَيْخِي باطَلا


وقد ذكر امرؤ القيس في شعره أنه ظفر بهم، فتأبى عليه ذلك الشعراء قال عبيد:

ياذا المُخَوِّفُنَا بِقَتْ = ل أَبِيهِ إِذْلاَلاً وحَيْنَا
أَزَعَمْتَ أَنَّكَ قَدْ قَتَلْ = تَ سرَاتَنَا كَذِباً ومَيْنَا


ولم يزل يسير في العرب يطلب النصر، حتى خرج إلى قيصر، فدخل معه الحمام، فإذا قيصر أقلف،
فقال:

إِنَّي حَلَفْتُ يمِيناً غَيْرَ كاذِبَةٍ = أَنَّكَ أَقْلَفُ إِلاَّ ما جَنَى القَمَرُ
إِذَا طَعَنْتَ به مالَتْ عِمَامَتُهُ = كَمَا تَجَمَّعَ تَحْتَ الفَلْكَةِ الوَبَرُ


ونظرت إليه ابنة قيصر فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه وطبن الطماح ابن قيسٍ الأسدي لهما، وكان حجرٌ قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرعاً، فبعث قيصر في طلبه رسولاً، فأدركه دون أنقرة بيومٍ، ومعه حلةٌ مسمومة، فلبسها في يومٍ صائفٍ، فتناثر لحمه وتفطر جسده، وكان يحمله جابر بن حنى التغلبي، فذلك قوله:


فَإِمَّا تَرَيْنِي في رِحَالَةِ جابِرٍ = على حَرَجٍ كالقَرِّ تَخْفِقُ أَكْفَانِي
فَيَارُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ = وعانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عنه ففَدَّانِي
إِذَا المَرْءُ لم يَخْزُنْ عليه لِسَانَهُ = فلَيْسَ على شَيْءٍ سِوَاهُ بِخَزَّانِ


وقال حين حضرته الوفاة:

وطَعْنَة مُسْحَنْفِرَهْوجَفْنَةٍ= مُثعَنْجِرَهْتَبْقَى غَداً بأَنقِرَهْ

قال ابن الكلبي: هذا آخر شيءٍ تكلم به، ثم مات.


قال أبو عبد الله الجمحي: كان امرؤ القيس ممن يتعهر في شعره،
وذلك قوله:

فمِثْلِكَ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ

وقال:

سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَ ما نامَ أَهْلُهَا



وقد سبق امرؤ القيس إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتبعته عليها الشعراء، من استيقافه صحبه في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ.

ويستجاد من تشبيهه قوله:كأَنَّ قُلُوبَ
الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً لَدَى= وَكْرِهَا العُنَّابُ والحَشَفُ البالى

وقوله:

كأَنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ قِبَابِنَا=وأَرْحُلِنَا الجَزْعُ الَّذِي لم يُثَقَّبِ

وقوله:

كأَني غَدَاةَ البَينِ لَمَّا تَحَمَّلُوا = لَدَى سَمُرَاتِ الحَىِّ ناقِفُ حَنْظَل

وقد أجاد في صفة الفرس:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً = كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل

لَهُ أَيْطَلاَ ظَبْيٍ وساقَا نَعَامَةٍ = وإرْخَاءُ سِرْحَانٍ وتَقْريبُ تَنْقُلِ



ومما يعاب عليه من شعره قوله:
إِذَا ما الثُّرَيَّا في السَّماءِ تَعَرَّضَتْ=تَعَرُّضَ أَثْنَاءِ الوِشَاحِ المُفَصَّل

وقالوا: الثريا لا تعرض لها، وإنما أراه أراد الجوزاء، فذكر الثريا على الغلط، كما قال الآخر: كأحمر عاد وإنما هو كأحمر ثمود وهو عاقر الناقة.


يتبع
"امرؤ القيس بن حجر "

تراجم الشعراء

عز الدين القسام
06-06-2008, 10:33 PM
قال يونس النحوي: قدم علينا ذو الرمة من سفرٍ، وكان أحسن الناس وصفاً للمطر، فذكرنا له قول عبيدٍ وأوس وعبد بني الحسحاس في المطر، فاختار
قول امرىء القيس:

دِيمَةٌ هَطْلاءُ فيها وَطَفٌ =طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وتَدُرّْ


أقبل قوم من اليمن يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، فضلوا الطريق ومكثوا ثلاثاً لا يقدرون على الماء، إذ أقبل راكبٌ على بعيرٍ، وأنشد بعض القوم:


لمّا رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّها=وأَنَّ البَيَاضَ من فَرَائِصِهَا دامِي
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ التي عِنْد ضَارِجٍ = يَفِيءُ عليها الظَّلُّ عَرْمَضُهَا طامِي


فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس، فقال: والله ما كذب، هذا ضارجٌ عندكم، وأشار إليه، فمشوا على الركب، فإذا ماءٌ غدقٌ، وإذا عليه العرمض والظل يفىء عليه، فشربوا وحملوا، ولولا ذلك لهلكوا.


ومما يتمثل به من شعره قوله:

وَقَاهُمْ جَدُّهُمْ بِبَنى أَبِيِهم = وبالأَشْقَيْنَ ما كان العقابُ

وقوله:
صُبَّتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَنْصَبَّ من كَثَبٍ = إِنَّ الشَّقَاءَ على الاشْقَيْنَ مَصْبُوبُ
وقوله:

وقَدْ طَوَّفْتُ في الآفَاق حَتىَّ =رَضِيتُ مِن الغَنِيمَةِ بالإياب

ومما يتغنى به من شعره: قِفَا نَبْكِ من ذكْرَى حَبيب ومَنْزل
قوله:

تَقُولُ وقَدْ مال الغَبِيطُ بنا مَعاً = عَقَرْتَ بَعيري يا امْرَأَ القَيْسِ فانُزِل

وقال أبو النجم يصف قينة:

تُغَنِّي فإِنَّ اليَوْمَ يَوْمٌ مِنَ الصِّبَى=بِبَعْضِ الَّذِي غَنَّى امْرُؤُ القَيْسِ أَو عَمْرُو
فظَلَّتْ تُغَنِّى بالغَبِيطِ ومَيْلِهِ = وتَرْفَعُ صَوْتاً في أَوَاخِرِهِ كَسْرُ

وقوله:

كأَنَّ المُدَامَ وصَوْبَ الغَمامِ=ورِيحَ الخُزَامى ونَشْرَ القُطُرْ
يُعَلُّ به بَرْدُ أَنْيَابِها =إَذا طَرَّبَ الطائِرُ المُسْتَحِرْ

وكل ما قيل في هذا المعنى فمنه أخذ.


يتبع
تراجم الشعراء
امرؤ القيس

عز الدين القسام
06-06-2008, 11:42 PM
واجتمع عند عبد الملك أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرق بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرىء القيس:

وما ذَرَفَتْ عيْنَاكِ إِلاَّ لِتَضْربِي = بَسْهَميْكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّل

وقال:

واللهُ أَنْجَحُ ما طَلَبْتَ بِهِ = والبِرُّ خَيْرُ حَقِيبَةِ الرَّحْل

وقال:

مِنْ آل لَيْلَى وأَيْنَ لَيْلى = وخَيْرُ ما رُمْتَ ما يُنَالُ




هو امرؤ القيس بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثورٍ، وهو كندة.
وأمه فاطمة بنت ربيعة ابن الحرث بن زهير، أخت كليبٍ ومهلهل ابني ربيعة التغلبيين. وكليب هو الذي تقول فيه العرب:
أعز من كليب وائل وبمقتله هاجت حرب بكر وتغلب.

وكان قباذ ملك فارس ملك الحرث بن عمرو جد امرىء القيس على العرب، ويقول أهل اليمن: أن تبعاً الأخير ملكه، وكان الحرث ابن أخته، فلما هلك قباذ وملك أنوشروان ملك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، وكانت عنده هندٌ بنت الحرث بن عمرو بن حجر، فولدت له عمرو بن المنذر وقابوس بن المنذر، وهند عمة امرىء القيس، وابنها عمرو هو محرقٌ.
ثم ملكت بنو أسدٍ حجراً عليها، فساءَت سيرته، فجمعت له بنو أسد، واستعان حجرٌ ببني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال امرؤ القيس:
تميمُ بنُ مُرٍّ وأَشْياعُها = وكِنْدَةُ حَوْلِي جَمِيعاً صُبُرْ

فبعثت بنو أسد إلى بني حنظلة تستكفها وتسألها أن تخلى بينها وبين كندة، فاعتزلت بنو حنظلة، والتقت كندة وأسدٌ، فانهزمت كندة وقتل حجرٌ، وغنمت بنو أسدٍ أموالهم. وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص الأسدي:



هَلاَّ سَأَلْتَ جُمُوعَ كِنْ = دَةَ يَوْمَ ولَّوْا هَارِبينَا

وكان قاتل حجرٍ علباء بن الحرث الأسدي، وأفلت امرؤ القيس يومئذٍ، وحلف لا يغسل رأسه ولا يشرب خمراً حتى يدرك ثأره ببني أسد، فأتى ذا جدنٍ الحميري فاستمده فأمده، وبلغ الخبر بني أسد فانتقلوا عن منازلهم، فنزلوا على قومٍ من بني كنانة بن خزيمة، والكنانيون لا يعلمون بمسير امرىء القيس إليهم، فطرقهم في جندٍ عظيم، فأغار على الكنانيين وقتل منهم، وهو يظن أنهم بنو أسدٍ ثم تبين أنهم ليسوا هم،
فقال:

أَلاَ يا لَهْفَ نَفْسِي إِثْرَ قَوْمٍ = هُمُ كانُوا الشِّفَاءَ فلم يُصَابُوا
وَقَاهُمْ جَدُّهُمْ ببَنِي أَبيِهمْ = وبالأَشَقْينَ ما كانَ العِقَابُ
وأَفْلَتَهُنَّ عِلْباءٌ جَرِيضاً = ولَوْ أَدْرَكْنَهُ صَفرَ الوطَابُ
ثم تبع بني أسدٍ فأدركهم وقتل فيهم قتلاً ذريعاً، وقال:
قُولاَ لِدُودَانَ عَبِيدَ العَصَا = ما غَرَّكُمْ بالأَسَدِ الباسل
قد قَرَّتِ العَيْنَانِ من وائل = ومن بني عَمْرو ومن كاهِلِ
نَطْعُنُهُمْ سُلْكَى ومَخْلُوجَةً = كرَّكَ لَأْمَيْنِ على نَابِلِ
حَلَّتْ لَي الخَمْرُ وكْنتُ امْرَءًا = عَنْ شُرْبِهَا في شُغُلٍ شاغِل
فاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ=إِثْماً مِنَ اللهِ ولا واغِلِ

ثم إن المنذر بن ماءٍ السماء غزا كندة فأصاب منهم، وأسر اثنى عشر فتًى من ملوكهم، فأمر بهم فقتلوا بمكان بين الحيرة والكوفة، يقال له جفر الأملاك، وكان امرؤ القيس يومئذٍ معهم، فهرب حتى لجأ إلى سعد بن الضباب الإيادي، سيد إياد، فأجاره.



وكان ابن الكلبي يذكر أن أم سعدٍ كانت عند حجرٍ أبي امرىء القيس، فتزوجها الضباب فولدت سعداً على فراشه، واستشهد على ذلك

قول امرىء القيس:

يُفَكِّهُنا سَعْدٌ ويُنْعِمُ بالَنا = ويَغْدُو عَلَيْنا بالجِفانِ وبالجُزُرْ
ونَعْرِفُ فيه من أَبِيهِ شَمَائِلاً = ومن خالِهِ ومن يزَيدَ ومن حُجُرْ


وهذا الشعر يدل على أن العرب كانت في الجاهلية ترى الولد للفراش.
ثم تحول إلى جبلى طيءٍ، فنزل على قوم، منهم عامر بن جوينٍ الطائي، فقالت له ابنته: إن الرجل مأكولٌ فكله، فأتى عامرٌ أجأً وصاح: ألا إن عامر بن جوين غدر، فلم يجبه الصدى، ثم صاح: ألا إن عامر بن جوينٍ وفى، فأجابه الصدى، فقال: ما أحسن هذه وما أقبح تلك! ثم خرج امرؤ القيس من عنده، فشيعه، فرأت ابنته ساقيه وهو مدبرٌ، وكانتا حمشتين، فقالت: ما رأيت كاليوم ساقى واف، فقال: هما ساقا غادرٍ أقبح.
ويقال إن صاحب هذا القول أبو حنبلٍ بن مرِّ مجير الجراد.



ويقال إن ابنته لما أشارت عليه بأخذ ماله دعا بجذعة من غنمه، فحلبها في قدح ثم شرب فروى، ثم استلقى وقال: والله لا أغدر ما أجزأتني جدعة، ثم قام فمشى، وكان أعور سناطاً، قصيراً حمش الساقين، فقالت ابنته: ما رأيت كاليوم ساقي وافٍ؟ فقال لابنته: يا بنية، هما ساقا غادرٍ شرٌّ،
وقال:

لَقَدْ آلَيتُ أَغْدِرُ في جَدَاعٍ = ولوْ مُنَّيِتُ أُمّاتِ الرِّبَاعِ
لأَنَّ الغَدْرَ في الأَقْوَامِ عارٌ = وإِنَّ الحُرَّ يَجْزَأُ بالكُرَاعِ

ولم يزل ينتقل من قوم إلى قوم بجبلى طيىءٍ، ثم سمت به نفسه إلى ملك الروم، فأتى السموأل بن عادياء اليهودي، ملك تيماء، وهي مدينة بين الشأم والحجاز، فاستودعه مائة درعٍ وسلاحاً كثيرا، ثم سار ومعه عمرو بن قميئة، أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان من خدم أبيه، فبكى ابن قميئة، وقال له: غررت بنا،
فأنشأ امرؤ القيس يقول:

بكى صاحبِي لَمَّا رأَى الدَّرْبَ دُونَهُ = وأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بقَيْصَرَا
فقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَما = نُحَاوِلُ مُلْكاً أَو نَمُوتَ فنُعْذَرَا
وإني أَذينٌ إِنْ رَجَعْتُ مُمَلكاً = بِسَيْرٍ تَرَى منه الفُرَانقَ أَزْوَرَا
على ظَهْرِ عادِيٍّ تُحارِبُهُ القَطَا = إذا سافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا


وبلغ الحرث بن أبي شمرٍ الغساني، وهو الحرث الأكبر، ما خلف امرؤ القيس عند السمؤال، فبعث إليه رجلاً من أهل بيته، يقال له الحرث بن مالك، وأمره أن يأخذ منه سلاح امرىء القيس وودائعه، فلما انتهى إلى حصن السموأل أغلقه دونه، وكان للسموأل ابنٌ خارج الحصن يتصيد، فأخذه الحرث، وقال للسموأل: إن أنت دفعت إلي السلاح وإلا قتلته، فأبى أن يدفع إليه ذلك، وقال له اقتل: أسيرك فإني لا أدفع إليك شيئاً. فقتله. وضربت العرب المثل بالسموأل في الوفاء. وقد ذكره الأعشى في قصةٍ له تتبع في أخباره.


يتبع
"امرؤ القيس"

عز الدين القسام
10-06-2008, 12:33 PM
وصار امرؤ القيس إلى ملك الروم، فأكرمه ونادمه، واستمده فوعده ذلك،
وفي هذه القصة يقول:

ونادَمْتُ قَيصَر في مُلْكه = فأَوْجَهَني ورَكِبْتُ البَرِيدَا
إِذَا ما ازْدَحَمْنا على سِكَّةٍ = سَبَقْتُ الفُرَانِقَ سَبْقاً بَعيداً

ثم بعث معه جيشاً فيهم أبناء ملوك الروم، فلما فصل قيل لقيصر: إنك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلاً من العرب، وهم أهل غدر، فإذا استمكن مما أراد وقهر بهم عدوه غزاك. فبعث إليه قيصر مع رجلٍ من العرب كان معه يقال له الطماح بحلة منسوجةٍ بالذهب مسمومةٍ، وكتب إليه: إني قد بعثت إليك بحلتي التي كنت ألبسها يوم الزينة، ليعرف فضل منزلتك عندي، فإذا وصلت إليك فالبسها على اليمن والبركة، واكتب إلي من كل منزل بخبرك. فلما وصلت إليه الحلة اشتد سروره بها، ولبسها، فأسرع فيه السم وتنفط، جلده والعرب تدعوه ذا القروح لذلك،
ولقوله:

وبُدِّلْتُ قَرْحاً دامِياً بَعْدَ صِحَّةٍ = فَيَالَكَ نُعْمَى قَدْ تَحَوْلَ أَبْؤُسَا



وقال الفرزدق:
وَهَبَ القَصَائِدَ لي النَّوَابغُ إِذْ مَضَوْا=وأَبُو يَزِيدَ وذُو القُرُوحِ وجَرْوَلُ


قال أبو محمد: أبو يزيد هو المخبل السعدي، وذو القروح امرؤ القيس، وجرول الحطيئة.
ولما صار إلى مدينة بالروم تدعى أنقرة ثقل، فأقام بها حتى مات، وقبر هناك،

وقال قبل موته:

رُبْ خُطْبَةٍ مُسحَنْفِرَهْ = وطَعْنَةٍ مُثْعَنْجِرَهْ
وجَعْبَةٍ مُتَحَيِّرَهْ = تُدْفَنْ غَداً بأَنْقِرَ

ورأى قبراً لامرأة من بنات ملوك الروم هلكت بأنقرة، فسأل عن صاحبه فخبر بخبرها،
فقال:

أَجَارَتَنَا إِنَّ المَزَارَ قَرِيبُ = وإِني مُقِيمٌ ما أَقَامَ عَسِيبُ
أَجَارَتَنَا إنَّا غَرِيبَانِ ههنا = وكُلُ غَرِيبٍ للغَرِيبِ نَسِيبُ

وعسيب: جبل هناك.

ولما بلغ السموأل موت امرىء القيس دفع ما خلف عنده من السلاح وغيره إلى عصبته.
وكان امرو القيس مئناثاً لا ذكر له، وغيوراً شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنتٌ وأدها، فلما رأى ذلك نساوه، غيبن أولادهن في أحياء العرب، وبلغه ذلك فتتبعهن حتى قتلهن.
وكان امرؤ القيس جميلاً وسيماً، ومع جماله وحسنه مفركاً، لا تريده النساء إذا جربنه. وقال لامرأةٍ تزوجها: ما يكره النساء مني؟ قالت: يكرهن منك أنك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الإراقة، بطىء الإفاقة، وسأل أخرى عن مثل ذلك فقالت: يكرهن منك أنك إذا عرقت فحت بريح كلب! فقال: أنت صدقتني، إن أهلي أرضعوني بلبن كلبة، ولم تصبر عليه إلا امرأةٌ من كندة يقال لها هند، وكان أكثر ولده منها، وكان يعد من عشاق العرب والزناة. وكان يشبب بنساءٍ: منهن فاطمة بنت العبيد بين ثعلبة بن عامر العذرية،
وهي التي يقول لها:
أَفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذَا التَّدلُّل

ويقال لها:
لاَ وأَبِيكِ ابْنَةَ العَامِرِ = يّ لا يَدَّعي القومُ أَني أَفِرّ

ومنهن أم الحرث الكلبية، وهي التي يقول فيها:

كَدَأَ بِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها = وجارَتِها أُمِّ الرَبَابِ بمَأْسَل

ومنهن عنيزة، وهي صاحبة يوم دارة جلجل.


قال محمد بن سلام: حدثني راويةٌ للفرزدق أنه لم ير رجلاً كان أروى لأحاديث امرىء القيس وأشعاره من الفرزدق، هو وأبو شفقل، لأن امرأ القيس كان صحب عمه شرحبيل قبل الكلاب، حتى قتل شرحبيل بن الحرث، وكان قاتله أخاه معدى كرب بن الحرث، وكان شرحبيل بن الحرث مسترضعاً في بني دارمٍ رهط الفرزدق، وكان امرؤ القيس رأى من أبيه جفوةٌ، فلحق بعمه، فأقام في بني دارمٍ حيناً، قال: قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة مطرٌ جودٌ، فلما أصبحت ركبت بغلة لي وصرت إلى المربد، فإذا آثار دواب قد خرجت إلى ناحية البرية، فظننت أنهم قومٌ قد خرجوا إلى النزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة. فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغالٍ عليها رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير فإذا نسوةٌ مستنقعاتٌ في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط ولا يوم دارة جلجلٍ! وانصرفت مستحيياً، فنادينني: يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيءٍ، فانصرفت إليهن، فقعدن إلى حلوقهن في الماء، ثم قلن: بالله لما أخبرتنا ما كان حديث يوم دارة جلجل؟ قال: حدثني جدي، وأنا يومئذ غلامٌ حافظٌ: أن امرأ القيس كان عاشقاً لابنة عم له يقال لها عنيزة، وأنه طلبها زماناً فلم يصل إليها، حتى كاي يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل. وذلك أن الحي احتملوا، فتقدم الرجال وتخلف النساء والخدم والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار مع رجالة قومه غلوةً فكمن في غيابةٍ من الأرض حتى مر به النساء وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فاغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال، فنزلن في الغدير ونحين العبيد، ثم تجردن فوقعن فيه، فأتاهن امرؤ القيس وهن غوافل، فأخذ ثيابهن فجمعها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطى جاريةً منكن ثوبها ولو ظلت في الغدير يومها حتى يخرج متجردةً فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتى تعالى النهار، وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه، فخرجن جميعاً غير غنيزة، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فأبى، فخرجت فنظر إليها مقبلةً ومدبرةً، وأقبلن عليه فقلن له: إنك قد عذبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكن ناقتي تأكلن منها؟ قلن: نعم فخرط سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها، وجمع الخدم حطباً كثيراً فأججن ناراً عظيمة، فجعل يقطع لهن من أطايبها ويلقيه على الجمر، ويأكلن ويأكل معهن، ويشرب من فضلة خمرٍ كانت معه ويغنيهن، وينبذ إلى العبيد من الكباب، فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله وأنساعه، فتقسمن متاع راحلته وزاده، وبقيت عنيزة لم يحملها شيئاً، فقال لها: يا ابنة الكرام! لا بد أن تحمليني معك فإني لا أطيق المشي، فحملته على غارب بعيرها، وكان يجنح إليه فيدخل رأسه في خدرها فيقبلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول: عقرت بعيري فانزل،
ففي ذلك يقول:


ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتي = فَيَاعَجَباً مِنْ رَحْلِها المُتَحَمَّلِ
يظَلُّ العَذَارَى يَرْتَمِينَ بلَحْمِها = وشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّل
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ = فقالَتْ لَكَ الوَيْلاتْ إِنَّكَ مُرْجِلِى
تَقُولُ وقَدْ مال الغَبيطُ بنَا مَعاً = عَقَرتَ بعيري يا امْرَأَ القيْسِ فانْزِل
فقُلْتُ لها سِيرِي وأَرْخِى زِمَامَهُ =ولا تُبْعِدِينا من جَنَاكِ المُعَلَّلِ

يتبع

"امرؤ القيس"

عز الدين القسام
10-06-2008, 11:24 PM
تابع
"امرؤ القيس"



وكان امرؤ القيس في زمان أنوشروان ملك العجم، لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحرث بن أبي شمرٍ الغساني، وهو الحرث الأكبر، والحرث هو قاتل المنذر بن امرىء القيس الذي نصبه أنو شروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنو شروان وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنةً، كأنه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى.

ومما يشهد لهذا أن عمرو بن المسبح الطائي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في وفود العرب، وهو ابن مائة وخمسين سنةً، وأسلم، وعمرو يومئذٍ أرمى العرب،
وهو الذي ذكره امرؤ القيس فقال:

رُبَّ رامٍ من بَنِي ثُعَلٍ = مُخْرِجٍ كَفَّيْهِ من سُتَرِهْ

وله يقول الآخر:

نَعَب الغَرَابُ ولَيْتَهُ لم يَنْعَبِ = بالبَيْنِ مِنْ سَلْمَى وأُمِّ الحَوْشَب
لَيْتَ الغُرَابَ رَمَى حَمَاطَةَ قَلْبِه = عمْروٌ بأَسْهُمَهِ الَّتي لم تُلْغَب


وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " هو قائد الشعراء إلى النار " وفي خبرٍ آخر: " معه لواء الشعراء إلى النار " .

عز الدين القسام
12-06-2008, 12:10 AM
تابع " امرؤ القيس بن حجر"



قال ابن الكلبي: أقبل قومٌ من اليمن يريدون النبي := فضلوا ووقعوا على غير ماءٍ، فمكثوا ثلاثاً لا يقدرون على الماء، فجعل الرجل منهم يستذرى بفىء السمر والطلح، فبيناهم كذلك أقبل راكبٌ على بعير، فأنشد بعض القوم بيتين من شعر امرىء القيس، لما رأت البيتين فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس، قال: والله ما كذب، هذا ضارجٌ عندكم، وأشار لهم إليه، فأتوه فإذا ماء غدقٌ، وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه، فشربوا منه وارتووا، حتى بلغوا النبي := فأخبروه، وقالوا: أحياناً بيتان من شعر امرىء القيس، فقال النبي := " ذاك رجلٌ مذكور في الدنيا شريفٌ فيها، منسى في الآخرة خاملٌ فيها، يجيء يوم القيمة معه لواء الشعراء إلى النار " .


وذكره عمر بن الخطاب :r فقال: سابق الشعراء خسف لهم عين الشعر.


يتبع بمشيئة الله

الباحثة عن الحقيقة
12-06-2008, 05:25 AM
تابع " امرؤ القيس بن حجر"



قال ابن الكلبي: أقبل قومٌ من اليمن يريدون النبي := فضلوا ووقعوا على غير ماءٍ، فمكثوا ثلاثاً لا يقدرون على الماء، فجعل الرجل منهم يستذرى بفىء السمر والطلح، فبيناهم كذلك أقبل راكبٌ على بعير، فأنشد بعض القوم بيتين من شعر امرىء القيس، لما رأت البيتين فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس، قال: والله ما كذب، هذا ضارجٌ عندكم، وأشار لهم إليه، فأتوه فإذا ماء غدقٌ، وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه، فشربوا منه وارتووا، حتى بلغوا النبي := فأخبروه، وقالوا: أحياناً بيتان من شعر امرىء القيس، فقال النبي := " ذاك رجلٌ مذكور في الدنيا شريفٌ فيها، منسى في الآخرة خاملٌ فيها، يجيء يوم القيمة معه لواء الشعراء إلى النار " .


وذكره عمر بن الخطاب :r فقال: سابق الشعراء خسف لهم عين الشعر.


يتبع بمشيئة الله

وفقك الله أخ رعد على جهودك المبذولة ...هو فعلاً شاعر مبدع، ولكن..
وقد أصبت كبد الحقيقة إذ وضعت قول الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال فيه ماقال.. وليس بعد قوله قول ..صدق رسول الله
بوركت، وبوركت إثراءاتك للفصيح

عز الدين القسام
13-06-2008, 02:57 PM
وفقك الله أخ رعد على جهودك المبذولة ...هو فعلاً شاعر مبدع، ولكن..
وقد أصبت كبد الحقيقة إذ وضعت قول الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال فيه ماقال.. وليس بعد قوله قول ..صدق رسول الله
بوركت، وبوركت إثراءاتك للفصيح


بوركت أختي الأستاذة " الباحثة عن الحقيقة " .

أحمد الخضري
13-06-2008, 06:00 PM
جزاك الله خير الجزاء
ولا زلنا ننتظر المزيد

عز الدين القسام
14-06-2008, 12:46 AM
زهير بن أبي سلمى

هو زهير بن ربيعة بن قرط، والناس ينسبونه إلى مزينة، وإنما نسبه في غطفان، وليس لهم بيت شعرٍ ينتمون فيه إلى مزينة إلا بيت كعب بن زهير،
وهو قوله:
هُمُ الأَصْل مِنَّى حَيْثُ كُنْتُ وإِنَّني =من المُزَنِيينَ المُصَفَّيّنَ بالكَرَمْ
ويقال إنه لم يتصل الشعر في ولد أحدٍ من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، وفي الإسلام ما اتصل في ولد جرير.
وكان زهير راوية أوس بن حجر.

ويروى عن عمر بن الخطاب :r أنه قال: أنشدوني لأشعر شعرائكم، قيل: ومن هو؟ قال: زهير ، قيل: وبم صار كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين القول، ولا يتبع حوشي الكلام، ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه،
وهو القائل: إِذَا
ابْتَدَرَتْ قَيْسُ بنُ عَيْلاَنَ غايَةً=مِنَ المَجْدِ مَنْ يَسْبِقْ إِلَيْها يُسَوَّدِ
سَبَقْتَ إِلَيْها كُلَّ طَلْقٍ مُبَرزٍ = سَبُوقٍ إلى الغاياتِ غَيْرِ مُخَلدِ



ويروى غير مبلد والمخلد في هذا الموضع: المبطى.

فلَوْ كان حَمْدٌ يُخْلِدُ الناسَ لم تَمُتْ = ولكِنَّ حَمْدَ المَرْءٍ لَيْسَ بمُخْلدِ

وكان قدامة بن موسى عالماً بالشعر، وكان يقدم زهيراً ويستجيد
قوله:

قَدْ جَعَلَ المُبْتَغُونَ الخَيْرَ في هَرِمٍ = والسَّائِلُونَ إلى أَبْوَابِهِ طُرُقَا
مَنْ يَلْقَ يَوْماً على عِلاَّتِهِ هَرِماً = يَلْق السَّمَاحَةَ فيهِ والنَّدَى خُلُقَا

عز الدين القسام
14-06-2008, 12:51 AM
جزاك الله خير الجزاء
ولا زلنا ننتظر المزيد


حياك الله أخي العزيز " أحمد الخضري " ..
شكرا لمرورك العطر ومداخلتك الطيبة , وإن شاء الله نكون عند حسن ظنك ..
بوركت .

الباحثة عن الحقيقة
14-06-2008, 05:17 PM
بارك الله جهودك الطيبة أخ رعد واسمح لي بمشاركتك في الحديث عن الشاعر المبدع الحكيم زهير بن أبي سلمى:


واتفقوا على أنّ زهيراً صاحب "أمدح بيت... وأصدق بيت... وأبين بيت".
فالأمدح قوله:


تراهُ إذا ما جئْتَه مُتَهَلِّلا = كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ


والأصدق قوله:


ومهما تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ = وإنْ خالها تَخْفى على الناس تُعْلَمِ

وأما ما هو أبين فقوله يرسم حدود الحق:


فإنّ الحقّ مقطعُه ثلاثٌ = يمينٌ أو نفارُ أو جلاءُ

قال بعضهم معلّقاً: لو أن زهيراً نظر في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ما زاد على قوله المشار إليه، ولعلّ محمد بن سلاّم أحاط إحاطة حسنة بخصائص شاعرية زهير حين قال: "من قدّم زهيراً احتجّ بأنه كان أحسنهم شعراً وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من الألفاظ، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالاً في شعره".

عز الدين القسام
14-06-2008, 10:40 PM
مرور طيب عطر وإضافة رائعة تشكرين عليها
أختي"الباحثة عن الحقيقة " .
باركك المولى وجزارك كل خير ..

عز الدين القسام
14-06-2008, 11:22 PM
تابع
زهير بن أبي سلمى



قال عكرمة بن جريرٍ: قلت لأبي: من أشعر الناس؟ قال: أجاهليةً أم إسلاميةً؟ قلت: جاهليةً؟ قال: زهير، قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق، قلت: فالأخطل؟ قال: الأخطل يجيد نعت الملوك ويصيب صفة الخمر، قلت له: فأنت؟ قال أنا نحرت الشعر نحراً.

قال عبد الملك لقومٍ من الشعراء: أي بيت أمدح؟ فاتفقوا على بيت زهيرٍ:

تَرَاهُ إذَا ما جِئْتَهُ مُتَهَلَّلاً = كأَنَّكَ تُعْطِيهِ الِّذِي أَنْتَ سائِلُهْ

قيل لخلف الأحمر: زهيرٌ أشعر أم ابنه كعب؟ قال: لولا أبياتٌ لزهيرٍ أكبرها الناس لقلت إن كعباً أشعر منه،
يريد قوله:

لِمَنِ الديارُ بقُنَّةِ الِحَجْرِ=أَقوَيْنَ من حِجَجٍ ومن دَهْرِ
ولَأَنْتَ أَشْجَعُ من أُسَامَةَ إِذْ = دُعِىَ النزَالُ ولُجَّ في الذُّعْرِ
ولَأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ = ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
لَوْ كُنْتَ من شيءٍ سِوَى بَشَرٍ=كُنْتَ المُنَوِّرَ لَيْلَةَ البَدْرِ

وكان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ويدل شعره على إيمانه بالبعث وذلك
قوله:

يُؤَخَّرْ فيُوَدَعْ في كِتاب فيُدَّخَرْ=لِيَوْمِ الحِسابِ أَو يُعَجَّلْ فيُنْقَم

وشبه زهيرٌ امرأةً في الشعر بثلاثة أوصافٍ في بيت واحد
فقال:
تَنَازَعَتِ المَهَا شَبَهاً ودُرَّ البُ = حُورِ وشاكَهَتْ فيها الظِّبَاءُ

ثم قال ففسر:
فأَمَّا ما فُوَيْقَ العِقْدِ منها=فمِنْ أَدْماءَ مَرْتَعُهَا الخَلاَءُ
وأَمَّا المُقْلَتانِ فمن مَهَاةِ = وللدُّرِّ المَلاَحَةُ والصَّفاءُ

وقال بعض الرواة: لو أن زهيراً نظر في رساله عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، ما زاد على ما قال

فإِنَّ الحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلاَثٌ =يَمينٌ أَو نِفَارٌ أَو جِلاَءُ

يعني يميناً أو منافرةً إلى حاكم يقطع بالبينات أو جلاءً، وهو بيان وبرهانٌ يجلو به الحق وتتضح الدعوى.

ومما يتمثل به من شعره:
وهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّىَّ إلاَّ وَشِيجُهُ = وتُغْرَسُ إلاَّ في مَعَادِنِها النَّخْلُ

ويستحسن قوله:

يَطْعَنُهُمْ ما ارْتَمَوْا حَتَّى إذا اطَّعَنُوا=ضارَبَ حَتَّى إذا ما ضارَبُوا اعْتَنَقَا

ويستحسن أيضاً قوله:

هُوَ الجَوَادُ الَّذِي يُعطِيكَ نَائِلَهُ =عَفْواً ويُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَنْظَلِمُ

قد سبق زهيرٌ إلى هذا المعنى، لا ينازعه فيه أحدٌ غير كثير، فإنه قال يمدح عبد العزيز بن مروان:

رَأَيْتُ ابنَ لَيْلَى يَعتَرِي صُلْبَ مالِهِ = مَسَائِلُ شَتَّى من غَنِىٍّ ومُصْرم
مَسَائِلُ إنْ تُوجَدْ لديهِ تَجُدْ بها = يَدَاهُ وإنْ يُظْلَمْ بها يَتَظَلَّمِ

المصرم: القليل المال.


يتبع بمشيئة الرحمن

عز الدين القسام
16-06-2008, 01:44 AM
تابع
زهير بن أبي سلمى


هو زهير بن أبي سلمى، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياحٍ المزني، من مزينة مضر، وكان زهيرٌ جاهلياً لم يدرك الإسلام، وأدركه ابناه كعبٌ وبجيرٌ، وأتى بجيرٌ النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فكتب إليه
كعب:

أَلاَ أَبْلِغَا عَنَّى بُجَيْراً رسَالَةً = فهل لَّكَ فيما قُلْتَ بالخَيْفِ هَل لَّكَا
سُقِيتَ بكأْسٍ عِنْدَ آلِ مُحَمَّد = فأَنْهَلَكَ المَأْمُونُ منها وعَلَّكَا
فخالَفْتَ أَسْبَابَ الهُدَى وتَبعْتَهُ = على أَيِّ شَيْءٍ ويْبَ غَيْرِكَ دَلَّكَا

فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شعره هذا، فتوعده ونذر دمه، فكتب بجير إلى كعبٍ يخبره بأن رسول الله := قتل رجلا ممن كان يهجوه، وأنه لم يبق من الشعراء الذين كانوا يؤذونه إلا ابن الزبعري السهمي وهبيرة بن أبي وهبٍ المخزومي، وقد هربا منه، فإن كانت لك في نفسك حاجةٌ فاقدم عليه، فانه لا يقتل أحداً أتاه تائباً، وإن أنت لم تفعل فانج بنفسك. فلما ورد عليه الكتاب ضاقت عليه الأرض برحبها، وأرجف به من كان بحضرته من عدوه، فقال

قصيدته التي أولها:

بانَتْ سُعادُ فقَلْبى اليَوْمَ مَتْبُولُ

وفيها قال:

نُبّئْتُ أَنَّ رَسُولَ الله أَوْعَدَني =والعَفْوُ عنْدَ رَسُولِ الله مَأْمُولُ

ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده وأنشده شعره، فقبل توبته وعفا عنه، وكساه برداً، فاشتراه منه معاوية بعشرين ألف درهم، فهو عند الخلفاء إلى اليوم.

وكان لكعب ابنٌ يقال له عقبة بن كعب، شاعر، ولقبه المضرب، وذلك أنه شبب بامرأة من بني أسد فقال:
ولا عَيْبَ فيها غَيْرَ أَنَّك واجدٌ =مَلاقِيهَا قد دُيِّثَتْ برُكُوبِ

فضربه أخوها مائة ضربة بالسيف، فلم يمت، وأخذ الدية، فسمى المضرب وولد لعقبة العوامُ، وهو شاعر.
فهولاء خمسة شعراء في نسق: العوام بن عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، وكان أبو سلمى أيضاً شاعراً. وهو القائل في خاله أسد المري، وابنه كعب بن أسعد، وكان حمل أمه وفارقهما:

لَتُصْرَفَنْ إِبلٌ مُحَبَّبَةٌ .=من عِنْد أَسْعَدَ وابْنِه كَعْب
اَلْآكِلينَ صَريحَ قَوْمِهَمَا = أَكْلَ الحُبَارَى بُرْعُمَ الرُّطْبِ

وقال عمر لابن عباس: أنشدني لشاعر الشعراء الذي لم يعاظل بين القوافي، ولم يتبع وحشي الكلام، قال: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. فلم يزل ينشده إلى أن برق الصبح.

وكان زهيرٌ أستاذ الحطيئة. وسئل عنه الحطيئة فقال: ما رأيت مثله في تكفيه على أكناف القوافي، وأخذه بأعنتها حيث شاء، من اختلاف معانيها، امتداحا وذما. قيل له: ثم من؟ قال: ما أدرى، إلا أن تراني مسلنطحاً، واضعاً إحدى رجلي على الأخرى رافعاً عقيرتي أعوى في أثر القوافي.

قال أبو عبيدة: يقول من فضل زهيراً على جميع الشعراء: إنه أمدح القوم وأشدهم أسر شعرٍ. قال: وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: الفرزدق يشبه بزهير وكان الأصمعي يقول: زهيرُ والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، لأنهم نقحوه ولم يذهبوا به مذهب المطبوعين.

قال وكان زهير يسمى كبر قصائده الحوليات.


وكان جيد شعره في هرم بن سنانٍ المري. وقال عمر رضي الله عنه لبعض ولد هرمٍ: أنشدني بعض ما قال فيكم زهيرٌ، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنا كنا نعطيه فنجزل! فقال عمر رضي الله عنه: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.

ومما سبق إليه زهيرٌ فأخذ منه قوله يمدح هرماً:

هُوَ الجَوَادُ الَّذِي يُعطِيكَ نَائِلَهُ =عَفْواً ويُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَظَلِمُ

أي يسأل ما لا يقدر عليه فيتحمله، أخذه كثيرٌ، فقال:

رَأَيْتُ ابنَ لَيْلَى يَعتَرِي صُلْبَ مالِهِ = مَسَائِلُ شَتَّى من غَنِىٍّ ومُعْدِمِ
مسائِلُ إنْ تُوجَدْ لَدَيْكَ تَجُدْ بها =يَدَاكَ وإنْ تُظْلَمْ بها تَتَظَلَّمِ

وقال زهيرٌ:
كما اسْتَغَاثَ بسَىءٍ فَزُّ غَيْطلةٍ=خافَ العُيُونَ فلم يُنْظَرْ به الحَشَكُ
السيء: اللبن في الضرع. والفز: ولد البقرة. والغيطلة: البقرة. والحشك: الدرة. أخذه الطرماح

فقال:

بَادَرَ السَّيْءَ ولم يَنْتَظِرْ=نُبْهَ فِيقَاتِ العُيُونِ النِّيَام

نبه: تحرك العروق. الفيقه: مثل الفواق.
وقال زهيرٌ يصف ظبيةً أكل ولدها السبع:

أَضاعَتْ فلم تُغْفَرْ لها غَفَلاَتُها = فلاقَتْ بَياناً عندَ آخِرِ مَعْهَدِ
دَماً عنْدَ شِلْوٍ تَحْجُلُ الطَّيْرُ حَوْلُهُ = وبَضْعَ لِحَام في إهاب مُقَدَّدِ

وقال الجعدي:
ولاقَتْ بَيَاناً عِنْدَ أَوَّلِ مَعْهَد=إِهاباً ومَعْبُوطاً من الجَوْفِ أَحْمَرَا

قال: ومما سبق إليه كعب بن زهير فأخذه الشعراء منه، قال كعب بن زهير يذكر ذئباً وغراباً:
فلم يَجِدَا إِلاَّ مُناخَ مَيطَّةٍ = تَجَافَى بها زَوْرٌ نَبِيلٌ وكَلْكَلُ
ومضْربَهَا وَسْطَ الحَصَى بجِرانِها = ومَثْنَى نَوَاجٍ لم يَخُنْهُنَّ مِفْصَلُ
ومَوْضِعَ طُولِيٍّ وأَحْنَاءِ قاتِرٍ = يَئِط إِذَا ما شُدّ بالنِّسْعِ مِنْ عَلُ
وأَتْلَعَ يُلْوَى بالجَديِلِ كأَنَّهُ =عَسِيبٌ سَقَاهُ من سُمَيْحَةَ جَدْوَلُ
وسُمْرٌ ظِمَاءٌ واتَرَتْهُنَّ بَعْدَ ما = مَضَتْ هَجْعَةٌ منْ آخِرِ اللَّيْلِ ذُبَّلُ
سَفَى فَوْقَهُنَّ التُّرْبَ ضافٍ كأَنَّهُ = على الفَرْجِ والحاذَيْنِ قِنْوٌ مُذَلّلُ
ومَضْطَمِرٌ من خاشِعِ الطَّرْفِ خائفٌ=لما تَضَعُ الأَرُض القَوَاءُ وتَحْمِلُ


أخذه ذو الرمة والطرماح، فقال الطرماح:

أَطاف بها طِمْلٌ حَرِيصٌ فلم يَجِدْ = بها غَيْرَ مُلْقَى الواسِطِ المُتَبَايِنِ
ومَخْفِقِ ذِي زِرَّيْنِ في الأَرِض مَتْنُهُ = وفي الكَّفِ مَثْنَاهُ لَطيفُ الأَسَائِنِ
خَفِيٍّ كمُجْتازِ الشُّجاعِ وذُبَّلٍ = ثلاثٍ كَحَبَّاتِ الكَبَاثِ القَرَائِنِ
وضَبْثَةٍ كَفٍّ باشَرَتْ بَيمِينِها = صَعِيداً كَفَاها فَقْدَ ماءِ المُصَافِنِ
ومُعْتَمَدٍ من صَدْرِ رِجْلٍ مُحَالَةٍ = على عَجَلٍ من خائِفٍ غَيْر آمِنِ
مُقَلصَةٍ طارَتْ قَرِينَتُها بها = إلى سُلَّمٍ في دَفِّ عَوْجَاءَ دافِنِ
ومَوْضِعِ مَثْنَى رُكَبَتيْنِ وسجْدَةٍ = تَوَخَّى بها رُكْنَ الحَطِيمِ المُيَامِنِ

وقال ذوالرمة:
إِذَا اعتَسَّ فيها الذئبُ لم يَلْتَقِطْ بها=منَ الكَسْبِ إلا مِثْلَ مُلْقَى المَشَاجِر
وبَيْنَهما مُلْقَى زِمَامٍ كأَنَّهُ = مَخِيطُ شُجاعٍ آخِرَ الَّلْيلِ ثائِرِ
ومَغْفَى فتًى حَلَّتْ له فَوْقَ رَحْلِهِ = ثمَانِيَةً جُرْداً صَلاةُ المُسَافِرِ
سِوَى وَطْأَةٍ في الأَرْضِ من غير جَعْدَةٍ = ثَنَى أُخْتَها في غَرْزِ عَوْجاءَ ضامِرِ
وموْضِعِ عِرْنِينٍ كَرِيمٍ وجَبْهَةِ=إلى هَدَفٍ من مُسْرِعٍ غَيْرِ فاجِرِ

وقال كعب بن زهير:
لا يَشْتَكُونَ المَوْتَ إنْ نَزَلَتْ بهِمْ = شَهْبَاءُ ذاتُ مَعاقِيمٍ وأُوَارِ
سمعه بعضهم فقال:
رُمِيَتْ نَطَاةُ من الرَّسُولِ بفَيْلَقٍ =شَهْبَاءَ ذاتِ مَعَاقِمٍ وأُوَارِ

ومما سبق إليه زهيرٌ فلم ينازع فيه قوله:

فإن الحق مقطعه ... ............ البيت.
يريد أن الحقوق إنما تصح بواحدةٍ من هذه الثلاث: يمينٌ أو محاكمةٍ أو حجةٌ بينةٌ واضحةٌ. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا أنشد هذا تعجب من معرفته بمقاطع الحقوق.
ومن ذلك قوله:
يَطْعُنُهُم ما ارْتَمَوْا حَتَّى إِذَا اطَّعَنُوا=ضارَبَ حَتَّى إِذَا ما ضارَبُوا اعْتَنَقَا
فجمع في بيت واحد صنوف القتال.

ومن ذلك قوله:

اَلِّستْرُ دُونَ الفاحشاتِ ولا = يَلْقاكَ دُونَ الخَيْرِ من سِتْرِ

ومما يستجاد له:
وذِي نِعْمَةٍ تَمًّمْتَها وشَكَرْتَها = وخَصْمٍ يَكادُ يَغْلَبُ الحَقَّ باطُلهْ
دَفَعْتَ بمَعْرُوفٍ منَ القَوْلِ صائِبٍ = إذا ما أَضَلَّ الناطِقِينَ مَفاصِلُهْ
وذِي خَطَلٍ في القَوْل يَحْسِبُ أَنَّهُ =مُصِيبٌ فما يُلْمِمْ به فهو قائلُهْ
عَبَأْتَ له حلْماً وأَكْرَمْتَ غَيْرَه = وأَعْرَضْتَ عنه وهو باد مَقَاتِلُهْ
وذِي نَسَبٍ ناءٍ بَعِيدٍ وصَلْتَهُ = بمالٍ وما يَدْرِي بأَنَّكَ واصِلُهْ
وأَبْيَضَ فَيَّاضٍ يَدَاهُ غَمَامَةٌ = على مُعْتَفِيهِ ما تُغِبُ نَوَافِلُهْ
غَدَوْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فوَجَدْتُه = قُعُوداً لَدَيْهِ بالصَّريم عَوَاذِلُه
يُفَدِّينَهُ طَوْراً وطَوْراً يَلُمْنَهُ = وأعْيَا فما يَدْرينَ أَيْنَ مَخاتِلُهْ
وأَعْرَضْنَ منه عن كَرِيمٍ مُرَزَّإٍ = جَمُوعٍ على الأَمْرِ الذي هو فاعله
أَخِي ثِقَةِ ما تُذْهِبُ الخَمْرُ مالَهُ = ولِكَّنُه قد يُذْهِبُ المالَ نائلُهْ
تَرَاهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهلِّلاً=كأَنَّكَ تُعْطِيهِ الذي أَنْتَ سائِلُهْ

ومن ذلك قوله، ويقال إنه لولده كعب:
ولَيْسَ لِمَنْ لم يَرْكَبِ الهَوْلَ بُغْيَةٌ = ولَيْسَ لرَحْل حَطَّهُ اللهُ حامِل
إِذا أَنْتَ لم تُعْرضْ عنِ الجَهْلِ والخَنَا = أَصَبْتَ حَلِيماً أَو أَصابكَ جاهِلُ

ومن ذلك قوله:
وفيهمُ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُهُمْ = وأَنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
على مُكْثِرِيهمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ =وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ
سَعَى بَعْدَهُمْ قَوْمٌ لِكَىْ يُدْرِكُوهُمُ=فلم يَبْلُغُوا ولم يُلِيمُوا ولم يَأْلُوا

وأخذ العلماء عليه قوله يذكر الضفادع:

يَخْرُجْنَ مِن شَرَباتِ ماؤُها طَحِلٌ = على الجُذُوعِ يَخَفْنَ الغَمَّ والغَرَقَا

وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغم والغرق، وإنما ذلك لأنهن يبضن في الشطوط.
وأخذ عليه قوله:
ثَّم اسْتَمَرُّوا وقالوا إِنَّ مَشْرَبَكُمْ = ماءٌ بشَرْقِيِّ سَلْمَى فَيْدُ أَورَكَكُ

وقال الأصمعي: سألت بجنيات فيد عن الركك؟ فقالوا لي: ما هنا ركك ولكن رك فعلمت أن زهيراً احتاج فضعف.


يتبع بمشيئة الله

عز الدين القسام
21-06-2008, 10:47 PM
تابع
" زهير بن أبي سلمى "


وأخذ على ابنه كعبٍ قوله في وصف ناقة:

ضَخْمٌ مُقلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها

قال الأصمعي: هذا خطاء، إنما توصف النجائب بدقة المذبح.
ومما يستجاد لكعبٍ ابنه قوله يذكر رجلا قتل من مزينة رهطه:

لَقَدْ وَلَّى أَلِيَّتَهُ جُوَىٌّ = مَعَاشِرَ غَيْرَ مَطْلولٍ أَخُوها
فإنْ تَهْلِكْ جُوَىُّ فكُلُّ نَفْسٍ = سَيَجْلِبُها لذلك جالِبُوها
وإنْ تَهْلِكْ جُوَىُّ فإنَّ حَوْلِي = كَظَنِّكَ كان بَعْدَك مُوقدُوها
وما ساءَتْ طُنُونُك يَوْمَ تُؤْتَى = بأَرْماحٍ وَفَى لك مُشْرِعُوها
كأَنَّك كُنْتَ تَعْلَمُ يَوْمَ بُزَّتْ = ثِيَابُك ما سَيَلْقَى سالِبوها
فما قُلْنا لهم نَفْسٌ بنَفْسٍ = أَقِيدُونا بها إن لم تَدُوها
ولكنَّا دَفَعْناها ظِماءً = فرَوَّاها بذِكْرِك مُنْهلُوها
ولو بَلَغَ القَتِيلَ فَعَالُ حَيٍّ =لَسَرَّكَ من سُيُوفك مُنْتَضُوها

ومن ذلك قوله:


لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شيءٍ لَأَعْجَبَني=سَعْىُ الفَتَى وهو مَخْبُوٌّ لَهُ القَدَرُ
يَسْعَى الفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا = والنَّفْسُ واحِدَةٌ والهَمُّ مُنْتَشِرُ
والمَرْءُ ما عاش مَمْدُودٌ له أَمَلٌ =لا تَنْتَهي العَيْنُ حَتَّى يَنْتَهي الأَثرُ

وكعبٌ القائل:

ومَنْ للُقَوَافِي شَأْنِهَا مَنّ يَحُوكُهَا=إذا ما تَوَى كَعْبٌ وفَوَّزَ جَرْوَلُ
يَقُولُ فلا يَعْيَا بشيءٍ يَقُولُهُ = ومنْ قائِلِها مَنْ يُسِيءُ ويَعْمَلُ
يُقَوِّمُها حَتَّى تَلِينَ مُتُونُهَا = فيُقْصِرَ عنها كلُّ ما يَتَمَثَّلُ
كَفَيْتُكَ لا تَلْقَى من الناس شاعِراً = تَنَخَّلَ منْهَا مثْلَ ما أَتَنَخَّلُ

وسمعه الكميت فقال في قصيدة له:

وما ضَرَّهَا أَنَّ كَعْباً تَوَى = وفَوَّزَ مِنْ بعدهِ جَرْوَلُ

عز الدين القسام
29-06-2008, 10:23 AM
كعب بن زهير


كان كعبٌ فحلاً مجيداً، وكان يحالفه أبداً إقتارٌ وسوء حال. وكان أخوه بجيرٌ أسلم قبله، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، وكان أخوه كعب أرسل إليه ينهاه عن الإسلام، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتواعده، فبعث إليه بجير فحذره، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ بأبي بكر، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح جاء به وهو متلثمٌ بعمامته، فقال: يا رسول الله، هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام، فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده، فحسر كعب عن وجهه، وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير، فتجهمته الأنصار وغلظت له، لذكره كان قبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبت المهاجرة أن يسلم ويؤمنه النبي صلى الله عليه وسلم، فآمنه واستنشده:
بانَتْ سُعَادُ فقَلْبي اليومَ مَتْبُولُ=مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لم يُجَزَ مَكْبُولُ
وما سُعادَ غَداةَ البَيْن إِذ عَرَضَتْ=إلاَّ أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرفِ مَكْحُولُ
وما تَدُومُ على العَهْدِ الذِي زَعَمَتْ = كما تَلَوَّنُ في أَثْوَابِها الغُولُ
ولا تَمَسَّكُ بالوُدِّ الذي زَعَمَتْ = إِلاَّ كما تُمْسِكُ الماءَ الغَرَابِيلُ
كانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لها مَثَلاً = وما مَوَاعِيدُه إِلاَّ الأَباطيلُ
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعدَني = والعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَبْذُولُ
مَهْلاً هَدَاكَ الذي أَعْطَاكَ نافلَةَ الْ = قُرْآنَ فيها مَوَاعِيظٌ وتَفْصِيلُ
لا تأْخُذَنِّي بأَقْوَالِ الوُشاةِ ولم = أُذْنِبْ ولَوْ كَثُرَتٍ فِيَّ الأَقاويلُ
فلما
بلغ قوله:

إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ به = وصارمٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ
في عُصْبَة مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ=بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا
زَالُوا فما زالَ أَنْكَاسٌ ولا كُشُفُ=يَوْمَ الِلَّقَاءِ ولا سُودٌ مَعَازِيلُ

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من عنده من قريشٍ، كأنه يومي إليهم أن يسمعوا، حتى قال:

يَمْشُونَ مَشْىَ الجمال البُهْمِ يَعْصِمُهُ=مْضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ

يعرض بالأنصار، لغلظتهم كانت عليهم، فأنكرت قريشٌ عليه وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم، فقال:

مَنْ سَرَّهُ شَرَفُ الحَيَاةِ فلا يَزَلْ = في مِقْنَب من صالِحِي الأَنْصَار
اَلباذِلينَ نُفُوسَهم لِنَبِيِهِّمْ = يَوْمَ الهيَاجِ وسَطْوَةِ الجَبَّار
يَتَطَهَّرُونَ كأَنَّهُ نُسُكٌ لهم=بدِماءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الكُفَّارِ

فكساه النبي صلى الله عليه وسلم بردةً اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين، زعم ذلك أبان بن عثمان بن عفان.