المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من دقائق التعبير القرآني



أنــوار الأمــل
11-06-2004, 01:45 AM
ترد في القرآن الكريم أفعال تأني تارة بصيغة (فَعّلَ) وتارة بصيغة (أفعَلَ) ، وقد يقترنان في آية أو آيات متتالية، وقد يردان في القصة نفسها في سورتي مختلفتين، وسنحاول أن نتلمس الفرق بينهما في الاستعمال القرآني


إن بناء (فعّل) يفيد التكثير والمبالغة غالبا نحو: (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق وسعّر)، ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراقُ وقت أطول، وأنه يفيد تلبثا ومكثا ، فـ (قطّع) يفيد استغراق وقت أطول من (قطَع)، وفي (علّم) من التلبث وطول الوقت في التعلم ما ليس في (أعلم). تقول (أعلمت محمدا خالدا مسافرا) وتقول: (علمته الحساب)، ولا تقول (أعلمته الحساب)


ومن استعمال فعّل وأفعل نحو (كرّم وأكرم) فإن القرآن يستعمل (كرّم) لما هو أبلغ وأدوم، فمن ذلك قوله تعالى: "ولقد كرّمنا بني آدم" الإسراء، وهذا تكريم لبني آدم على وجه العموم والدوام، وقوله على لسان إبليس : "قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ" الإسراء، أي فضلته عليّ، في حين قال: "كلا بل لا تكرمون اليتيم"، وقال: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن" الفجر، وهو يقصد إكرامه بالمال، فاستعمل التكريم لما هو أبلغ وأدوم وأعم


ومنه استعمال (نزّل وأنزل) حيث يفيد (نزّل) التدرج والتكرار، والإنزال عام، وذلك هو الأكثر. ولذلك يوصف نزول القرآن بالتنزل لأنه لم ينزل جملة واحدة بل سورة سورة وآية آية، قال تعالى: "نزّل عليك الكتابَ بالحقّ مُصدّقا لما بين يديه وأنزل التورة والإنجيل" آل عمران، فلفظ (نزل) يفيد التفصيل والتنجيم والتفرق في النزول، أما لفظ (أنزل) فلا يقطع بذلك بل يحتمله. أما التوراة فقد أوتيَها موسى عليه السلام جملة واحدة في وقت واحد، ونجد هذا أيضا في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ" النساء والمراد التوراة


ومنه استعمال (نجّى وأنجى) فإن الملاحظ أن القرآن الكريم كثيرا ما استعمل (نجّى) للتلبث والتمهل في التنجية، ويستعمل (أنجى) للإسراع فيها. فإن (أنجى) أسرع من (نجّى) في التخليص من الشدة والكرب،

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ" البقرة:50
فإنه لما كانت النجاة من البحر تحتاج للسرعة ولم تستغرق وقتا طويلا استعمل (أنجى) فقال "فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون" بخلاف البقاء مع آل فرعون تحت العذاب فإنه استغرق وقتا طويلا ومكثا فاستعمل له (نجّى) "وإذ نجيناكم من آل فرعون"


وكذا إن قارنا الآية السابقة بآية شبيهة في سورة إبراهيم وهي قوله تعالى:

"وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ""


ومثلها أيضا في الأعراف "وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ"


نلحظ استعمال (أنجى) في هاتين الآيتين اللتين تتحدثان عن أمر واحد، والسبب فيه أنه في هاتين الآيتين ذكر العذاب مضاعفا عما في البقرة فاقتضى ذلك الإسراع في الإنجاء، أما البقرة فكان العذاب المذكور فيها أقل، فإنه في البقرة فسّر سوء العذاب أنه تذبيح الأبناء واستحياء النساء، أما في الأعراف وإبراهيم فقد جعل التذبيح شيئا آخر غير سوء العذاب بعطف التذبيح على سوء العذاب بالواو مما يدل على أن هناك عذابا سيئا آخر غير ما ذكر
فالعذاب ها هنا أشد من العذاب الذي ذكره في البقرة فاستدعى الأمر ذكر السرعة في النجاة فقال (أنجيناكم وأنجاكم)، والأمر نسبي حسب لحالة التي نتحدث عنها أو المنظار الذي نشاهدها به في موطن معين يختلف عن موطن آخر، فإننا قد نقول في مقام (الدنيا طويلة) ونقول في مقام آخر (الدنيا قصيرة) فلكل مقام مقال.


=========================================
اختصار مبحث (فعّل وأفعَلَ بمعنى) من كتاب بلاغة الكلمة في القرآن الكريم للسامرائي ص 62 ـ 77

http://hetta.com/current/arabia_wamadhat23.htm

سامح
11-06-2004, 12:28 PM
جزاك الله خيراً على هذا الجهد المبارك


تعرضتِ لما كان مشكلاً عليّ

نحتاج دوماً إلى البحث في دقائق التعبير القرآني
رغبة في الوصول إلى كمال التأثر به حتى ينتج
العمل , وتزدان النفوس بهذا العمل ..


بوركتِ

الغريب
11-06-2004, 07:03 PM
شكر الله سعيك
وبارك فيك
ونفع بك
وغفر لك

بديع الزمان
12-06-2004, 06:43 PM
بارك الله جهودك في خدمة لغة القرآن0

أنــوار الأمــل
14-07-2004, 01:09 AM
وبارك الله فيكم وأعزكم بالقرآن

ونفعنا جميعا به

حمزة
15-07-2004, 01:19 AM
والله يا أنوار الأمل أنرت لنا الطريق إلى فهم الإعجاز في القرآن الكريم .. نور الله عليك
لقد سردت تحليلاً منطقياً في هذه الفروق في الآيات سرداً وافياً ... جعله الله تعالى في ميزان حسناتك
ونور الله قلوبنا جميعاً بنور القرآن ولكن لم تذكري لماذا ذكر الله تعالى ( ونجيناكم ) في سورة البقرة وذكر ( وأنجيناكم ) في سورة الأعراف مع أن الآيتين متشابهتان تماماً ولم يرد فيهما عطف على ( يسومونكم سوء العذاب ) ؟؟؟ أرجو توضيح هذه النقطة إن أمكن ذلك ولك منا جزيل الشكر

والله يا أستاذة ، إن القرآن الكريم ملئ بالعجائب والتشبيهات ، منها ما نعلمه ومنها ما نجعله ... نساله تعالى أن يعلمنا منه ما جهلنا وأن يذكرنا منه ما نسينا

وخير جليس لا يمل حديثه *** وترداده يزداد فيه تجملا
وحيث المرء يرتاع في ظلماته *** من القبر يجده سناً متهللا

أنــوار الأمــل
16-07-2004, 01:13 AM
أهلا بك يا أخي حمزة
سررت لنشاطك في القسم بارك الله فيك

ذكر العذاب مضاعفا في سورة إبراهيم فقال: "يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم"
(فالذبح والاستحياء يضافان إلى سوء العذاب )إبراهيم


أما عندما لم يعطفهما على (سوء العذاب) فهو قد فسر سوء العذاب بهما فجعل ما أصابهم هو (سوء العذاب المتمثل في التذبيح والاستحياء) = البقرة والأعراف


الفعل المستعمل هو
(نجّى) في البقرة
(أنجى) في الأعراف وإبراهيم

فأما نجى في البقرة فلمناسبة مكثهم في العذاب مدة من الزمان في مقابل سرعة النجاة أمام البحر حين تبعهم فرعون بجنده

وأما (أنجى) في إبراهيم فلمضتعفة العذاب ـ المستفاد من العطف ـ الذي يقتضي الإسراع في النجاة تماما للنعمة كما في الآية:
"وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ"


وأما الفعل (أنجى) في الأعراف فلمناسبة السرعة أيضا، وهي ما يقتضيه السياق الذي عدد ما واجهه القوم من فرعون حتى قالوا لموسى عليه السلام "قالوا أوذينا من قبلِ أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا"، ويمكن أن نرى بعض مظاهر العذاب إن قرأنا الأعراف
ولعله هنا لم يعطف التذبيح والاستحياء على سوء العذاب تخفيفا عنهم واكتفاء بتعداد مظاهر العذاب الأخرى

والله العالـــم