المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مقامات الزمخشري؛ {مواعظ ونصائح}



أبو همام
14-06-2008, 12:36 AM
مقامة التقوى

يا أبا القاسم العمرُ قصيرْ. وإلى اللّه المصيرْ. فما هذا التقصيرْ. إنَّ زبرجَ الدٌّنيا قد أضلّك. وشيطانَ الشهوةِ قد استزلّكَ. لو كنتَ كما تدَّعي من أهل اللبِ والحِجى. لأتيتَ بما هو أحرَى بكَ وأحجى. ألا إنَّ الأحجى بك أن تلوذَ بالرّكنِ الأقوَى. ولا رُكنَ أقوَى من ركنِ التقوى. الطرقُ شتى فاخترْ منها منهََجاً يهديكْ. ولا تخطُ قدماكَ في مضلةٍ ترديكْ. ألجادَّة بيّنةٌ. والمحجّةُ نيرةٌ. والحجةُ متّضحةْ. والشبهةُ متفضحةْ. ووجوهُ الدلالةِ وضاءٌ. والحنيفيةُ نقيّةٌ بيضاءُ. والحقُّ قد رُفعتْ ستورهْ. وتبلّج فسطعَ نورهْ فلِمَ تغالطُ نفسَكْ. ولمَ تكابرُ حِسّك. ليت َشِعري ما هذا التواني. والمواعظُ سيرُ السّواني.

أبو همام
14-06-2008, 12:40 AM
مقامة الرضوان

يا أبا القاسم أجلٌ مكتوبْ. وأملٌ مكذوبْ. وعملٌ خيرُهُ يقطرُ وشرهُ يسيلْ. وما أكثرَ خطأهُ وصوابهُ قليلْ. أنتَ بينَ أمرينِ لذَّةِ ساعةٍ بعدَها قرعُ السنِّ والسقوطُ في اليدْ. ومشقّة ساعةٍ يتلُوهَا الرضوانُ وغبطةُ الأبدْ. فما عُذركَ في أنْ ترقلَ كلَّ هذا الإرقالِ إلى الشقاءِ وطولِ الحرمانْ. وأنْ تغذَّ كلَّ هذا الإغذاذِ إلى النارِ وغضبِ الرحمنْ. وأينَ علتكَ في أن تشرُدَ شرادَ الظليمْ. عن رضوانِ اللّه ودارِ النعيمْ. هيهاتَ لا عذرَ ولا علّة إلا أنَّ عاجلاً حَداك حبُّه على إيثارهْ. ودعاكَ داعي الشهوةِ إلى اختيارهِ. ألا إنَّ تمامَ الشقْوةْ أن تقعُد أسيرَ الشهوةْ. أيها العاقل ُلا يعجبنّك هذا الماءُ والرَّونقْ. فإنهُ صفوٌ مخبوٌ تحتهُ الرَّنق. ولا يغرَّنكَ هذا الرواءُ المونق. فوراءهُ البلاءُ الموبقْ. سبحانَ اللّه. أيَّ جوهرةٍ كريمةٍ أوليتْ. وبأيّ لؤلؤةٍ يتيمةٍ حليّتْ. وهي عقلكَ ليَعقلك. وحجُركْ ليحجرك. ونهيُتك لتنهاكَ وأنتَ كالخلو العاطلْ. لفرط تسرعكَ إلى الباطلْ.

أبو همام
14-06-2008, 12:45 AM
مقامة الارعواء

يا أبا القاسم شهوتكَ يقظَى فأنِمها. وشبابكَ فرصةٌ فاغتنْمها. قبل أن تقولَ قد شابَ القذالْ. وسكتَ العذّالْ. أكففْ قليلاً منْ غربِ شطارتكْ. وانتهِ عنْ بعضِ شرارتكَ. حينَ عيدانُ نشاطَكَ تخفق. وألسنةُ عذّالكَ تنطقْ. وعيونُ الغواني. إليكَ رواني وعوُدكَ ريّانْ. وظِلكَ فينانْ. وخطية قدّكَ عسّالة. وفي عمر قوَّتكَ بسالةْ. ثمَّ إياكَ أن تنزلَ على طاعةِ هواكَ في الاستنامةِ إلى الشيطانِ وخطراتهِ. والرُّكونِ إلى اتباعِ خطواتهِ. فإنَّ منْ تسويلاتهِ لك. وتخييلاته إليك. أنْ لاتَ حين ارعواءْ. وأينَ عنكَ زمانُ الانتهاء. على رسلكَ حتى ينحنيَ غصنُ القامة ويبرُقَ ضلعُ الهامةْ. وترى التنومةَ ثغامةْ. فأمّا وميعةُ الشبيبةِ معكْ. فإن صاحَ بكَ واعظٌ فلا أسمعكْ. هذهِ حبائلهُ ومصايدهُ. وحيلهُ ومكايدهُ. والعجبُ من نفسكَ أنها تستلذ الوقوعُ فيها. وإنْ لم ترْجُ الخلاصَ منها.

أبو همام
14-06-2008, 01:47 AM
مقامة الزاد
يا أبا القاسم اتركِ الدُّنيا قبلَ أن تتركَكْ. وافرَكها قبلَ أنْ تفركَك. طلِّقِ القائلةَ بملءِ فيها أنا غدَّارةٌ غرَّارةْ. ختّالةٌ ختّارة. وما الفائِل رأيهُ إلا مَن رآني على الأخرى مختارَة. لاتَني أيُامها ولياليها ينحتن من أقطارِكْ. فقضِّ فيها أسرعَ ما تقضي أهمَّ أوطارِك. إنَّ أهمَّ أوطاركْ فيها تزودُك منها. فالبدارَ البدارَ قبلَ إشخاصِك عنها. لكلِّ رُفقةٍ ظاعنةٍ يومٌ يتواعَدونهْ. وميقاتٌ مضروبٌ لا يكادون يظعنونَ دونهْ. فيتمهّلونَ في الاستعدادِ قبل حلولِ الميعادْ. ويتدبّرونَ تعبيةَ الجهازِ وتهيئةَ الزَّاد. حتى إذانهضوا نهضوا ملأ المَزاود والمَزاد. ألا إنَّ النَّذير بمفاجأةِ رحيلكَ يصيحُ بك في بُكرتكَ وأصيِلك. فقُلْ لي أينَ جهازُكَ المعبّأ. وأينَ زادُكَ المُهيّأ. وأينَ ما يقتلُ به الطّوى والظّمأ أينَ. كأنّي بكَ قدْ فوجئتَ بركوبِ السفرِ الشّاسعْ. والشقةِ ذاتِ الأهوالِ والفظائعْ. وليس في مزودِكَ كفُّ سويقٍ يفثأ من سورةِ طَواكْ. ولا في إدواتكَ جُرعةُ ماء تُطفئُ من وقدةِ صداكْ. فيا حسرتا لو أنَّ يا حسرَتا تُغني. ويا أسفا لو أنَّ يا أسفا تجدِي.

أبو همام
14-06-2008, 11:09 AM
مقامة الزهد

يا أبا القاسم ما لكَ لا ترفضُ هذهِ الفانيةَ رفضاً. ولا تنفضُ يديكَ عن طلبِها نفضاً. ألمْ ترَ كيفَ أبغضَها اللّه وأبغضَها أنبياؤهُ. ومقتَها أولياؤهُ. ولوْلا استيجابُها أن تكونَ مرفوضة لوزَنَت عندَ اللّه جناحَ بعوضةْ. إن راقَكَ رُواؤها الجميلُ فما وراءهُ مشوَّهْ. ما هَيَ إلا اسمٌّ ذُعافٌ بالعسل مموَّه. منغّصةُ المسارّ لمْ تخلُ من أذى. مطروقةُ المشارب لم تصفُ من قَذَى معَ كلِّ استقامةٍ فيها اعوجاجْ. وفي كلِّ دَعةٍ منَ المشقّة مِزاجْ. شهدُها مشفوعٌ بإبرِ النّحلِ. رُطبها مصحوبٌ بسلاّء النّخلِ. أمامَ الظفرِ بغنيمتها الاصطلاءُ بنارِ الحرْب. قبلَ اعتناقِ سيبِها معانقةُ أبناءِ الطعنِ والضرْب. اذكرِ المرْواني وما مُني به من خطّةٍ على رأسهِ مصبوبهْ، حين َغُصّتْ بحبةِ الرمّان حُبابتهُ المحبوبةُ. ثمَّ هَبها مُروَّقة المشاربْ. مصفّقةً من الشوائبِ. قدْ صفتْ لصاحبِها كلُّ لذَّة. وأظلّتهُ سحابةُ اللهوِ هاطلةً مُرذَّه. أما يكفي تيقُّنُ المسرورِ بزوالِ ما هو فيه منغّصاً لسرورِها. وزاجراً للعاقلِ أن يلوِي على غرورِها. بلى إنْ نزلَ اللبيبُ على قضيةِ لُبّه. إن دَعاهُ داعي الشهوةِ لم يلبّه. وهيهاتَ إنَّ مدعوَّ الهوى لمجيب. وإنَّ سهمَ دعوةِ الدَّاعي لمصيب. اللّهمَّ إلا عبداً بحبلِ اللّه يعتصمْ. ويتمسّكُ بعروتهِ التي لا تنفصمْ.

طوبَى لعبدٍ بحبلِ اللّه معتصمهْ = على صراطٍ سويٍّ ثابتٍ قدمُهْ.
رثِّ اللباسِ جديدِ القلبِ مُستترٍ = في الأرضِ مشتهرٍ فوقَ السماءِ سِمُه.
إذا العيونُ اجتلتهُ في بذاذتهِ = تعلو نواظُرها عنهُ وتقتحمهُ.
ما زالَ يستحقرُ الدُّنيا بهمتهِ = حتى ترقَّتْ إلى الأخرى بهِ همَمُه.
فذاكَ أعظمُ من ذي التاج متّكئاً =على النّمارقِ محْتَفاً بهِ حشمهُ.

الباحثة عن الحقيقة
14-06-2008, 12:47 PM
بوركت أخ ليث في انتقائك وجهودك الواضحة

الباحثة عن الحقيقة
14-06-2008, 12:52 PM
مقامة التوحيد
الزمخشري
يا أبا القاسم أفلاكٌ مسخرة وكواكبُ مُسيّرة تطلعُ حيناً وحيناً تغرُب وينأى بعضُها عن بعضٍ ويقرُب وقمرٌ في منازلهِ يعوم وشمسٌ في دورانها تدومُ فما تقوم وسحابٌ تُنشئُها القُبول وتُلحُقها وتمري أخلافَها الجنوبُ وتمسحُها وأرضٌ مذللةٌ لراكبها. مقتلةٌ للمشي في مناكبها ممهّدةٌ موطّدة بالرّاسياتِ موتّده وبحرانِ أحدُهما بالآخرِ ممروج وماءُ الأجاجِ منهُما بالعذبِ ممزوج وحجرٌ صَلدٌ ينشقُّ عنِ الماءِ الفُرات. وينفلقُ عنِ الشجرِ والنبات وحَبٌ ينشأ منهُ عُروقٌ وعِيدان ونوَى ينبُتُ منهُ جبّارٌ وعَيدان، ونُطفةٌ هي بعدَ تسعةٍ إنسان لهُ قلبٌ وبصرٌ ولِسان. في كلِّ جارحةٍ منهُ غرائبُ حكمٍ يعجزُ اللّسانُ الذَّليق أن يحصرَها ويحصيها. ويعزُّ على الفهمِ الدقيقِ أن يبلغَ كُنهها ويستقصيها ما هذه إلا دلائلُ على أنَّ وراءَها حكيماً قديراً. عليماً خبيراً تنصرَّفُ هذهِ الأشياءُ على قضائهِ ومشيئته. ويتمشّى أمُرها على حسبِ إمضائهِ وتمشيته. وهي منقادةٌ مُذعنةٌ لتقديرهِ وتكوينه. كائنةٌ أنواعاً وألواناً بتنويعهِ وتلوينه. قدِ استأثرَ هوَ بالأوليّة والقِدَم وهذه كلها محدثاتٌ عن عدَم فليملأ اليقينُ صدرَك بلا مخالجةِ ريب. ولا تزلَّ عن الإيمانِ بالغيبِ وعالمِ الغيب. ولا يستهوينكَ الشيطانُ عنِ الاستدلالِ بخلقهِ فهوَ الحُجة. ولا يستغوينكَ عن سبيلِ معرفتهِ فإنّه محجة واجتهد أن لا تجدَ اعمرَ منكَ إليهِ طريقاً. ولا أبَلَّ بأسمائهِ المقدسّةِ ريقاً وارحم نفسكَ بابتغاءِ رحمته وأنعِم عليها بالشكرِ على نعمته. ولينكشف عن بصِرك غِطائه فأنتَ وجميعُ ما عندكَ عَطاؤه.

الباحثة عن الحقيقة
14-06-2008, 12:55 PM
مقامة العبادة
للزمخشري
يا أبا القاسم مَن أهانَ نفسهُ لربّه فهوَ مكرِمٌ لها غيرُ مُهين ومنِ امتهنَ في طاعةِ اللّهِ فذاكَ عزيزٌ غيرُ مُهين. ألا أخبرُكَ بكلِّ مهان ممتهَن. في قبضةِ الذُّلِّ مرتَهن كلُّ متهالكٍ على حبِّ هذهِ الهَلوك منقطعٍ إلى أحدِ هؤلاءِ المُلوك يدينُ له ويخضع ويُخبُّ في طاعتهِ ويضع لا يطمئن قلبهُ ولا تهدأ قدمُه. ولا ينحرِفُ عن خدمتهِ هَمهُ ولا سدمُه ينتصبُ قُدامهُ انتصابَ الجذِلِ وهو ملآنُ منَ الجذَل بعرضٍ يحسبهُ مصوناً وهوَ كمنديلِ الغمر مبتذَل له ركوعٌ في كلِّ ساعةٍ وتكفير وخرورٌ على ذقنه وتعفير واجماً لاحترازهِ من سخطةِ الملكِ واحتراسهِ مُقسماً إن أقسَم جهدَ اليمينِ على راسهِ. فإن حانت منه إليه التفاتةٌ وكلفه شُوَيناً فأيُّ خطبٍ على رأسهِ عُصِبْ. ولكفايةِ أي مهمّ منَ المهماتِ نُصِب. لا يقرُّ به قَرار. ولا يرنّقُ في عينهِ غِرار. لفرطِ تشاغلهِ واهتمامه وركضهِ من وراءِ إتمامه فإن قيلَ له يا هذا خفِّض من غُلوائك وهوّن وأرخِ من شكيمةِ هذا الجدّ وليّن. قالَ لا واللهِ هكذا أمرني الأميرُ وبأجدَّ من هذا أوعزَ وأشار ولو وصفتُ لكم وصاياهُ إليَّ لما بلغتُ المِعشار. الإيمانُ باللهِ عندهُ والاقتداءُ برسولهِ أن ينتهيَ من خبثِ الطّعمةِ إلى طلبتهِ ورسوله. فاستعذ باللهِ من مقامِ هذا الشقي. وانتصِب في المحرابِ على قدميِ الأوَّاب التّقي. وذِلَّ لربِّك اليومَ تعزَّ غداً وتعَنَّ أياماً قلائلَ تسترِح أبداً وإياك وتضجيع المُتثاقل. وحاشاكَ من توصيم المتُكاسل إنَّ المِكسال من نُعوتِ بيضِ الحِجال. لا من أوصافِ بيضِ الرّضجال واستحي من ربِّكَ ربِّ العزةِ خالقِ العزِّ والأعزَّة أن يفضُلكَ في الطاعةِ والانقياد مستخدمُ بعضِ الأذلاءِ من العِباد.

أبو همام
14-06-2008, 01:31 PM
بارك الله فيك أختي الباحثة عن الحقيقة على المرور والإثراء.

أبو همام
14-06-2008, 01:35 PM
مقامة الإنابة
يا أبا القسم هل لكَ في جآذرِ جاسمْ. إنْ أنعمتَ فلا أنعمَ اللّه بالكْ ولا وصلَ حبالكْ. ولا فُضَّ فو مَن ماءَكَ بالحقِّ ونبّهكَ. وعضَّك بالملامِ ووعظك. أصبْوةً وحق مثلكَ أن يصحو لا أن يصبو أنزاعاً وقد حانَ لكَ أن تنزعَ لا أن تنزِعَ ما أقبح لمثلكَ الفُكاهةَ والدُّعابة وديدَنَ المِمْزاحِ التِّلعابةُ. يا هذا الجدَّ الجِدْ. فقدْ بلغتَ الأشدْ وخلّفتَ ثنيّةَ الأربعينْ. ولهَزَ الفتيرُ لداتكَ أجمعينْ. أبعدَ ما عطّلتَ شبيبتكَ في التغزلِ والتشبيب. وذهبتَ بصفوةِ عُمركُ في صفةِ الحبِّ والحبيبْ. وأضلتَ حلمكَ في أوديةِ الهوَى. وعكفتَ همّكَ على أبرقِ الحِمى وسقطِ اللّوى. واتخذتَ بقَرَ الجواءِ بلائكَ وفتنتكْ. ووهبتَ لظباءِ وجرَةَ ذكائكَ وفِطنتكْ. تريدُ ويحكَ أن تُصرَّ على ما فعلتْ. وأن تشيّع النارَ التي أشعلتْ. مهلاً مهلاً. فلستَ لذلكَ أهلاً. وعليكَ بالخُروقِ الواهيةِ متُنوقّاً في رفوِها. وبالكلومِ الداميةِ متنطّساً في أسوها. أنِبْ إلى اللّه لعلَّ الإنابةَ تمحّصْ. وافزَعْ إلى اللّه لعلَّ الفزعَ يخلّصْ. وما أكادُ أظن لِسعةِ آثامكَ إلا أنَّ عفوَ اللّه أوسعْ. ولا أكادُ أشك نظراً في كرمهِ الشاملِ إلا أنّي معَ ذلك أفزعْ.

أبو همام
14-06-2008, 02:14 PM
مقامة الحذر
يا أبا القاسم احزُر نفسَك إنْ تعلّقتْ ببعضِ أطرافِها جمرَه. أو أصابتهُ منَ الماءِ المغليّ قطرَه. هل تتمُّ عندَ صدمةِ ذلكَ لأنْ تقلّبَ فكراً في خَطَبٍ مهم. أو ترفعَ رأساً لحبيبٍ ملمْ. أو تلقي سمَعاً إلى ما تتهاوى إليه الأسماعْ. وتتقاذفُ نحوهُ القلوبُ والطبّاع. أم بها في تلكَ الوهلةِ ما يشغلها عن أن تنطِقَ في شأنٍ يعينها بحرْف. أو ترميَ إلى أحبِّ خلقِ اللّه إليها بطرفْ. كلا ولو كنتَ ممّنْ يعطفُ الأعنَةَ بإصبعْ. ويتبسَّطُ في مهابِّ الرياحِ الأربعْ لشغلكَ التألمُ عن كبرياءِ سلطانِك. ولأدرجَ تلكَ الأعنَةِ تحتَ مطاوي نسيانك. هذا وإنَّ الجمرَةَ والقطرَةَ كِلتاهما هَنَةٌ يسيره. ومدَّةُ إيلامِها ساعةٌ قصيرة. ثمَّ إنها على ذلكَ لتُنسيكَ جميعَ ما همّتُكَ إليه عائرة. وأفكارُكَ عليهِ دائرةْ. وتشخصُ بك عنِ المضجعِ الممهودْ. وتطلقُ حُبَوتَكَ في المحفلِ المشهودْ. فنارُ اللّه التي حسبُكَ ما سمعتَ من فظاعةِ وصفِها وهوْلْه. وكفاكَ فيها ما قالهُ الصادقُ المصدَّقُ في قولهْ. وأفظعُ ذلكَ كله أنَّ عذابها أبدٌ سرْمدٌ. ليسَ له منتهى ولا أمد. هلا جعلتَها ممثّلةً قداَّم ناظريكَ كأنكَ تشاهدُ عينَها. وكأنّه لا برزَخَ بينك وبينَها. إنْ كنتَ كما تزعُمُ بما نطَقَ به الوحيُ مؤمناً. وكما تدّعي بصحتهِ موقناً. فإنَّ أدنى ما يحتكمُ عليك تبصرُ تلكَ الحالْ. و تصورُ تلكَ الأهوالْ. ان تكونَ في جميعِ ساعاتِك إمّا لا على صفتكَ في الساعةِ التي آلمكَ فيها مسُّ الجمرةِ التي خطبُها هيّن. وآذتكَ إصابةُ القطرةِ التي مقدارُ أذاها بيّنْ. قلقاً متأوِّهاً. نزِقاً متولهّاً. لا تلتفتُ إلى الدنيا التفاتةَ راغبْ. ولا ترتاحُ لأجلِ ما تعطيكَ من عُجالةِ الرّاكبْ، ولا تفطُنُ لكرّاتها ودُوَلها أساءَتْ أم سَرَّتْ. ولا لأيامهِا ولياليها أعَقتْ أمْ برَّتْ.

أبو همام
14-06-2008, 03:27 PM
مقامة الاعتبار
يا أبا القاسم قد رأيتَ العصرَينِ(1) كيفَ يقرضانِ الأعمارْ. ويهدمانِ العمارةَ والعمّار. ويُسكنان الديارَ غيرَ بُناتها. ويورثانِ الأشجارَ جنُاةً بعدَ جنُاتها. ويُملكانِ صاحبةَ الغيرَانِ غيرَهْ بعدما كانَ ينهالكُ عليها غيرَهْ. ويقسمانِ ما دَوَّخ في اكتسابهِ القرى والمدائنْ. وأقفلَ عليهِ المخابئَ والمخازنْ. بينَ حي كحيّاتِ الوادي. كلُّهم لهُ حسّادٌ وأعادي. فروَيدكَ بعضَ هذا الحِرْصِ الشديدْ على تشييدِ الِبنَاءِ الجديدْ. ولا يصُدَّنكَ إبارُ السُّحُقِ الجبّار عنِ التّبتُّلِ إلى الملكِ الجبّار وإيّاكَ والكلَفَ ببيضات الخُدور وقسماتهِنَّ المشبهةِ بالبُدورْ وأنْ تعلِّقَ همّتك بأعلاقِ الأموالْ والاستيثاقِ منها بالأبوابِ والأقفالْ. واستنظِرْ نفسَكَ إن تقاضَتك إيثارَ الملاهي. واستمهلِها إن طالبتكَ بارتكابِ المنَاهي، إلى أن يتفضَّلَ عليكَ ذُو الطولِ والمنّةِ. بالوصولِ إلى دارِ الجنّة.
(1) العصرين: الغداة والعشي.

الباحثة عن الحقيقة
14-06-2008, 04:17 PM
مقامة الدعاء
يا أبا القاسم حَسُبك ما أسلفتَ من الصَّبَواتِ فأمسِك. واحرِصِ أن يكونَ يَومُكَ وغَدُكَ خيراً مِن أمسِك. جنِاياتُك على نفسِكَ تَترى. والأمورُ الألهيّةُ كما تسمعُ وترَى. عزْمٌ لا لينَ ولا هَوادة. وجَدٌ لا هزْلَ ولا مَكادَه. وبطشَهُ جبّارٍ لا تُطاق وسطوَةُ مُقتدرٍ يضيقُ عنها النِّطاق. فما هذهِ الجسارَةُ ولا جِسرَ إلى النّجاةِ إلا أن تجني. ومَن غَرَسَ القتادَ لم يجنِ منهُ الثمَرَ ولن يجني. هاتِ سُلطانكَ فيما ارتكبت. وهلُمَّ بُرهانَكَ فيما احتقبتْ هيهاتَ لا سُلطان. إلا أنك أطعتَ الشَيطان وكَلاَّ ولا بُرهان إلاَّ أنّك أخذتَ العاجِلَ بما عَزَّ وهان. ولا معذرَةَ إلاَّ أنَكَ ذُقتَ طعمَ الإترافِ فاستطبْتَه. ودعاكَ داعي الإسرافِ فاستجبتَه هذه براهينُ السامدينَ اللاَّهين. واللّهُ الصَّمَدُ لا يقبَلُ هذهِ البراهين وهذهِ عِللُ المبطلينَ معاذِرُهم. وبمثلها لا تؤمَنُ أفزاعُهم ومحاذِرُهم. اعطفْ على سيِّئات قدَّمْتَها فندَّمَكَ تقديمُها بحسناتٍ تُدمنُ إقامتَها وتُديمُها. إنَّ الحسنَةَ لتَسحَقُ السَّيئَةَ عن صاحبِها وتَسحُوها. وتمحَقُ آثارَها وتمحوها. كما تَسحو المِبراةُ الرَّصيفةُ الحِبرَ عنِ الطَّرْس. وكما يمحو الماءُ الطُهورُ أثَرَ الرَّجْس وابسُطْ يديكَ إلى ذي المنةِ والطّوْل. وابرَأ إليهِ منَ القوَّةِ والحوْل. وقُل وجناحُكَ منَ الخُشوعِ خفيض. ودمعُكَ على الخدَّيْنِ يفيض. وحلقُكَ بالبُكاءِ شرِق. وجبينُكَ مِنَ الحياءِ عرِق. وصوتُكَ لا يكادُ يسمعُ وَجلا. ولِسانُكَ لا يكادُ ينطِق خجلاً.
يا ربِّ قد فضحْتُ نفسي بينَك وبيني. وقدِ اطَلعتُ على عيبي وشَيني. ولم يخفَ عليكَ دِخلَتي وسِري الخبيث. وعرَفتَ قِصَّتي وحديثي وبِئسَ القصَّةِ والحديث. وكفَتْني فضيحةً ألُفُّ لها رأسي مِنَ التشوُّر. وألفِّعُ وجهي منَ التخَفُّر على أنكَ دونَ قناعَ كلِّ متقنِّعْ ووراءَ لثامِ كلِّ متلفِّعْ. فلا تفضحْني بينَ خلقِكَ يومَ تُبلى السرائِر، ويُنعى على المجرمينَ بالجرائمِ والجرائر. فاعطِف بكرمِكَ على عبدِك فلا خيرَ عندَهُ إلاَّ مِن عندِك فالمَوْلى الكريمُ يصفَحُ عن جُرْمِ العبدِ وذنبهِ. إن عرَفَ منهُ النَّدَمَ على ما فرَّط في جنبهِ.

أبو همام
14-06-2008, 04:33 PM
مرة أخرى أشكرك أختي الكريمة على هذا الانتقاء ، وننتظر منك المزيد .
بارك الله فيك.

أبو همام
14-06-2008, 04:41 PM
مقامة الموت

يا أبا القاسم لقد صحبتَ طويلاً رِجالاتِ قَومِك. وكأنّك رأيتَ خيالاتٍ في نومِك تلقطهُم أيدي المَنونِ فُرادى ومَثنى وكأنّهم لم يتديروا داراً ولم يغْنوا بمغنى خرِبَت أعمارُهم بعدَما عمِروا عُمّارا. وأصبحوا أسماراً بعدَما كانوا سُمارا. أينَ جَدُّكَ بعدما حَلَبَ أشطُرَ الزَّمان. وجمَعَ هُنيدَة نصرِ بنِ دَهمان وكلُّ من نُفِّسَ لهُ وعُمِّر أدركهُ سِنانُ الموتِ فدُمِّر لا فصلَ إذا احتُضر بينهُ وبينَ منِ اختُضر سيانَ عندَ الموتِ شيخُ القومِ وشرْخُها وشكلانِ عندَهُ قشعَمُ الطيرِ وفرخُها لا يتخطى مُحدِّثاً ليعرِّج على مُعمر. ولا يحترِمُ مُحدثاً فيخترِمَ دونهُ المُغمر بل يسوقُهُما بسوطٍ واحدٍ إلى مدى ويسبقُ بهما معاً إلى قصبةِ الرَّدى كأنكَ لم تتقلب في حجرهِ تقلباُ ولم تتخذ منكبِهُ مركَبا. ولا عُهدتَ على لبانهِ تلعَب. ولا شُهِدْت أمامهُ تلعب ولا اتفقَ لكَ إلى مجلسهِ روَاحٌ ولا غُدُو. ولا بينَ يديهِ للاستفادةِ جُثُو. وأينَ مَنِ انتُضيتَ مِن صُلبه ثمَّ أغمدكَ الهوى في قلبه فكنُتَ أخَصَّ بِفؤاده منْ سوَاده لِفرط مقته لكَ وَوداده أباكَ وأبى إلا كُلَّ خير لكَ وفيك. وَرَبّاكَ وحَبَاكَ ما قَدَرَ عليه منْ مَبَاغيك ورشْحكَ لِما أصْلحَكَ ترشيحاً ورقّحَ لكَ ما عِشتَ به تَرْقيحاً. ونَقّحَ عُودَكَ منَ العُقَد تنَقيحاً ولقّحَ ذهنك بالعلِم والأدب تَلقيحاً. اختلسَهُ الحِمامُ قبلَ أنْ يُخلِسَ عارضُهْ وهُيِّجَ قبلَ أن يَهيجَ بأرضُهْ وأينَ منْ عشيرِتَكَ كُل مُعَمِّ مُخوَلْ قُلّبٍ حُوَّلْ مخِلَطٍ مِزْيَلْ. مُبرِمٍ نَقّاضٍ عندَ مزاولةِ الخطوبِ خَفّاقِ القَدَمِ إذا سعى في كشفِ الكُروبْ. ليَنِ العِطفِ للِخُلصانِ مِنَ الخُلانْ أشوَسِ الطّرْفِ على أولي المقتِ والشنَئانْ مَزُورِ البيتِ غيرِ زَوَّارْ مُزْوَرٍ عن الفحشاءِ عَف الإزَارْ تَقَدَّمُوكَ فُرَّاطاً إلى وِرْدٍ لا يَصْدُرُ عنهُ وَارِدهْ ولا يرُش الأكبادَ بارِدُهْ. منْ وَرَدَهُ يبِسَ منَ الغُلّةِ بليَلُه ويَئِسَ منَ البِلّةِ غلّيلُه. ما هوَ إلا العطشُ القاتلُ دونَ الريَ وإنْ تطايرَ إليهِ الوُرَّادُ كالقَطا الكُدْريْ. وهَا أنتَ لأعقابِهِم وَاطْ وعَلى آثارِهِمْ خَاطْ وَكأنْ قدْ لحِقتَ بِهِمْ فألقيتَ رِشاءَكَ مع أرْشيِتهِمْ ومَلأتَ سِقاءَكَ مَعَ أسقَيتهِمْ.

أبو همام
14-06-2008, 04:48 PM
مقامة التسليم

جديدانِ يَبْلى بتناسُخِهما كلُّ جديد. ويكلُّ على تعاقبِهما كلُّ حديدْ. وطلوعُ شمسٍ وغروبُ شمسْ. يطّرحانِ كلَّ إنسي تحتَ الرَّمْس. وما الدَّهرُ إلا أمسٌ ويومٌ وغدْ. وما العيشُ إلا ضَنْكٌ ورغَدْ. وأيُهما قُيَّضَ لإنسانْ. فقد وُكِّلَ بإزالتهِ مرُّ الزمان. فَذُو اللبِّ منْ جعلَ لذاتهِ كأوصابهْ وسوَّى بينَ حالَتيْ عُرسهِ ومُصابهِ. ولمْ يفصلْ بينَ طعْمَيْ أريهِ وصابهِ فإذا اعتوَرَهُ النعيمُ والبُوس لمْ يعتقَبْ عليهِ التهلُّلُ والعُبوسْ. ذاكَ لأنهُ مسلِّمٌ لمجتلبِ القضا عالمٌ أنَّ كل ذلكَ إلى انقِضا. والذي بينَ دفّيه قلبٌ هَواءْ قد تياسرتَهُ الشهواتُ والأهواءٌ. لا استبصارَ يزَعهُ. ولا رويةَ تردَعُهْ. لا يعرِفُ الغناثةَ والسِّمنَ إلا في بدنهِ وماشيتهِ. ولا يفطنُ للقلةِ والكثرةِ إلا في ضبنتهِ وحاشيتهْ. لا يعبأ بدينهِ أغَثٌ هوَ أم سمينٌ. بل هوَ بالغثاثةِ قمينْ. ولا يكترِثُ بخيرهِ أقليلٌ هو أمْ كثيرْ. بل هوَ بالقّلةِ جديرْ. ولا يرى النقصانَ إلا ما وقعَ في مالهِ. ولا يُبالي به في سيرهِ وأعمالهِ. قدْ رانَ على قلبهِ حُبُّ الدنيا رَينا. وزانهُ الشيطانُ في عينهِ زينا فذاكَ إن نزَلَ بهِ بعضُ اللأواءْ رُزِءَ فيهِ أيضاً بمثوبةِ العَزاءْ ولا يدري أنَّ الرُّزء بالثوابِ أطَمْ. وإنْ سالَ بهِ البحرُ الغِطمْ.

رُزْءُ الفَتى بثوابهِ لعزائهِ = يُنْسي الشديدَ الصَّعبَ منْ أرزائهِ
ليسَ الفتى إلا فتىً إن نابهُ = عزَّاءُ دهرٍ عَزَّ في عزَّائهِ
والعِزُّ أن يلوي على الصَّبرِ الّذي = يمشي ثوابُ اللّه تحتَ لوِائهِ

أبو همام
15-06-2008, 12:08 PM
مقامة الصمت
يا أبا القاسم زعمتَ أنّكَ ما ألممْتَ بمعاطاةِ كأسِ العُقار لا في أوقاتِ الطّيشِ ولا إذ لبستَ ثوبَ الوَقار. وإنَّ حُمَيّاها لمْ تطرِ في هامتكِ. ولا دبّتْ في مفاصلِكِ. ولم تقفْ على حقيقةِ أثرِها وعملِها. ولا عرفْتَ ما معنى نشوتَهِا وثملِها. وأنّكَ منَ المصونينَ عمّا يُدنُّيها ويُدْني منها. والآمنينَ أنْ تُسألُ يومَ العرضِ أعمالُكَ عنها. إيهاً وإن صدرَتْ زعمتُكْ عنْ مصدوقَه وكانتْ كلمتُك محضةً غيرَ ممذوقه. فغيبةُ الأخِ المسلمِ من تعاطي الكأسِ أحرَمْ. والإمساكُ عنْ عرضهِ من تركِ المُعاقرةِ ألزَمْ إنَّ المُغتابَ فضَّ اللّه فمَه. يأكلُ لحمَ المُغتابِ ويشربُ دمَهُ. وذاكَ لعَمرُ اللّه شرٌ من شرْبِ ماءِ الكَرْمِ. وأغمسُ لصاحبِها في غِمارِ الإثمِ والجُرْم. فاسجُنْ يا أبا القاسم لسانَك. وأطبقْ عليهِ شفتيكَ وأسنانك. ثمَّ لا تُطلقْ عنهُ إلا ما ترى النطقَ منَ الصمتِ أفضلْ. وإلى رِضى اللّهِ وما يُزْلفُ إليهِ أوصلَ. وإلا فكنْ كأنّكَ أخرَسْ. واحذْر لِسانكَ فإنّهٌ ُ سبعٌ أو أفرَسْ. حسبُكَ ما أورَدَكَ إيّاهُ من المواردِ. وما صَبَّ في الأعراضِ منَ الصَّوارِدْ.
شعر:

ألا رُبَّ عبدٍ كفَّ أذيالَهُ ولَمْ = يكُفَّ عنِ الجارِ القريبِ أذاتَهُ
رطيبٌ بثَلبِ المسلمينَ لِسانهُ = وإنْ كانَ لَمْ يَبلل براحٍ لَهاتَهُ
ويرجو نجاةً منْ تَوجُّهِ سخطةٍ = عَليهِ وكلا أعَزَّ نجاتَهُ

أبو همام
15-06-2008, 02:51 PM
مقامة الطاعة
يا أبا القاسم تبتلْ إلى اللّهِ وخَلِّ ذكرَ الخصرِ المَبتلْ ورتّل القرآنَ وعَدِّ عنْ صفةِ الثغرِ المرَتل. أدِرْ عينيكَ في وجوهِ الصَّلاحِ لتعلقَ أصلحَها. لا في وجوهِ الملاحِ لتعشقَ أصبحها. وابكِ على ما مضى في غيرِ طاعةِ اللّهِ من شبابكَ. ودَعِ البكاءَ على الظاعنينَ منْ أحبابِك. وعليكَ بآثارِ منَ قبلكَ ممّن تعزَّزَ بالبُروجِ المشيدَة واعتصمَ بالصُّروحِ الممرَّدة. وتجبرَ في القصورِ المنجدَة. ثمَّ خرجَ من الدُّنيا راغِماً لم يُنجه منَ الإذعان لمذلّة الخروج. تّعززهُ بالبروج. ولمْ ينقذه من قابض الروح. اعتصامه بالصروح ولم يخلِّصْهُ من الاستكانة في القبور. تجبرُهُ في القصور. قف على أطلالها بالتّأوه والاستعبارْ ولا يكونَنَّ تأوٌّهُك واستعبارُكَ إلاَّ للتذكر والاعتبار. ولا تستوقف الركبَ في أوطان سلمَى ومنازل سُعدىَ مُقترِحاً عليهم أن يُساعدوكَ بالقلوبِ والعُيون. ويساعفوك ببذلِ ذخائرِ الشؤون. متردِّداً في العِراصِ والملاعبْ. متلدِّداً في مساحبِ أذيالِ الكواعبْ. تقولُ أينَ أيامُنا بحزُوى ومَن لنا بليالي العقيقِ واللِّوى. حسبُكَ ما أوضعتَ من مطايا الجهلِ في سبُلِ الهوى. وما سيرَتْ من ركابِ الضَّلالِ في ثنيّاتِ الصبا. مالكَ لا تحُلُّ عنها أحمالَك. ولا تحُطُّ عنْ ظُهورِها أثقالَك. ألقِ حِبالها على غَواربها. واضرِبْ في وُجوهِهِا تطرْ إلى مساربها. وأدإبْ نفسَكَ في سُبُلِ اللّهِ فطالما أرحتَها على مضاجعِ الشيطان. وأحمضِها فقد حانَ لها أن تْسأمَ من خُلةِ العِصيان.

أبو همام
15-06-2008, 02:58 PM
مقامة المنذر
يا أبا القاسم فيئتُك إلى اللّهِ من صُنعه وفضلهِ الغامر. فهنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مخامر. لقد رآكَ عن سواءِ المنهج زائغاً وعنْ مَنْ يحوشُك على الحقِ الأبلجِ رائغاً هائماً على وجهِكَ راكباً رأسكْ راكضاً في تيهِ الغَيّ رواحلِكَ وأفراسَك. بطّالاً مُبطلاً قد أصرَرْتَ إصراراً. وإن أعلنَ لك النّاصحُ أو أسرُّ إسراراً. تنقضي عنكَ شهورُ سنتكِ. وأنتَ غارِزٌ رأسكَ في سِنتكْ. لا تشعرُ بإنصافٍ لهنَّ ولا سرار، ولا تحس أتحتَ أهِلّةٍ أنتَ أمْ أقمار. تستن في الباطلِ استنان المُهرِ الأرِن ما كل رائضٍ لشماسِكَ بمقرِنْ. فرماكَ عرَنُ قدرتهِ بسهمٍ منْ سهامهِ ليقفَك وعضَّكَ بمغمزٍ من بلائهِ ليثقّفك ومسّكَ بضُرٍ أن عَرَّى عظامكَ وأنحفَك. فأيَّ دثارٍ من صحةِ اليقينِ ألحفَك. كذلك الدَّواءُ الإلهي النافع. والشفاءُ السماوي النّاجع. فيما وسع كل شيءٍ من رحمتهِ.
ولا يُعدُّ ولا يحصى من نعمتهِ. لئنْ ظللتَ أيامَ الغابرِ من عمركَ صائماً. وبتَّ لياليهُ قائماً لتشكرَ ما أطلقَ لكَ من هذهِ اليدِ البيضاءُ. وخوَّلكَ منْ هذهِ النعمةِ الخضراءِ لبقيتَ تحتَ قطرةٍ من بحرِها غريقاً في التيّار وتحتَ حصاةٍ من طَودِها مرضوضَ الفقار.

أصحّكَ بالعلُّةِ المُضنيةِ = قضاءٌ تُرَدُّ له الأقضية
فسُبحانَ مَنْ جعلَ الدَّاءَ في = تماديهِ أشفى مِنَ الأدويةْ
ألا إنها نعمةٌ لو جرَتْ = لسَالتْ بأيسرِها أودية

أبو همام
15-06-2008, 06:47 PM
مقامة الاستقامة

يا أبا القاسم نُصبتُ لك غايةٌ فتجشّم في ابتدارِها النصبْ وأحرِز قبلَ أن يُحرزَ غيرك القصَبْ. املأ فَروج دابّتك منَ الإحضار حتى تحسرَ عنكَ أعينُ النظّار منْ طلبَ الخيرَ لمْ تحمدْ هويناهُ وأناتهُ. ومنْ قارعَ الباطلَ وجبَ أن تصلبَ قناته قبيحٌ بمثلك أن يحيدَ عن الحقِّ ويصيف. ويطيشَ سهمهُ عنِ القرطاسِ ويحيف امضِ على ما جرَّدْتَ من عزيمتكَ الجادَّة. واستقِم على مفرقِ المنهاجِ ووضحِ الجادَّة فلن يُحلَّ دارَ الُمقامة. إلا أهلُ الاستقامة. وإنَّ بهاءَ العملِ الصالحِ أن يطّرِدَ ويستمرْ. وهجينتهُ أن تنزوَ إليه نزوةَ طامحٍ ثمَّ تستعِرْ. الإعصارُ عصفتهُ خفيفة والسحابةُ الصيفيةُ مطرتها طفيفة. فأعيذُكَ باللّهِ أن تشبهَ عزمتُكَ عصفةَ الإعصارِ في سرعةِ مُرورِها. وفيئتْكَ سحابةَ الصيفِ في قلّةِ دُرورِها ليكنْ عملُكَ ديمة فليسَ للعملِ الأبترِ قيمة. الأمرُ جدٌ فلا تزدهُ كلَّ يومٍ إلا جِدا واشدُدْ يديكَ بغرزِهِ شداً واكدُدْ فيهِ الطاقةَ كدَّاً ورُض نفسَكَ فإنها صعبةٌ أبيّة. وألنْ هذهِ الشّكيمة والعُبيِّة إلا في إحياءِ حقٍ أو إماتةِ باطلٍ فعلى المؤمنِ أن يوجدَ فيها أشدَّ من الشديد. وأقسى من الحجرِ وأصلبَ من الحديدْ.

عز الدين القسام
15-06-2008, 11:08 PM
مقامة النهي عن الهوى



يا أبا القاسم إنَّ الذي خَلقكَ فَسَوَّاكْ رَكّبَ فيكَ عقْلكَ وهوَاكْ وهُما في سُبُلِ الخيرِ والشَرِّ دَليلاكْ، وفي مراحِلِ الرُشْدِ وَالْغِيِّ نَزِيلاكْ. أحَدُهُما بَصيرٌ عالِمٌ يَسْلُكُ بِكَ في الْبَرْدَيْنِ المَحَجّةَ البَيْضاءَ وَيَرِدُ بِكَ زُرْقَ المنَاهِلْ والآخَرُ أعمَى جاهِلٌ يخبِطُ بِكَ فيِ بَيضةِ الهَاجِرَةِ البيِدَ ذَاتَ المَعاطِشِ والمجَاهِلْ فأي دَلِيليَكَ امهَرُ بِالدَّلالَةِ وَأحذَقْ وَأيهُما أجْدَرُ بِأنْ يُتَبعَ وَأخْلَقْ أمَنْ تَفُوزُ منْهُ بِالهدَايةِ وَحُسْنِ الدَّلالَةْ أمْ مَنْ يُفَوِّزُ بكَ في تيهِ الغَيِّ وَالضَّلالَةْ تَعَلّمْ أنّهُ ليَسَ منَ العدلْ أنْ تَسْتَحِبَّ الهَوى على العَقْلْ إنَّ جانِبَ العقْلِ أبَيضُ كَطُرَّةِ الفَلقْ وَجِهَةَ الهَوَى سَودَاءُ كجُدَّةِ الغَسَقْ إنِ اتّجَهَ لكَ أمْرٌ فَعَرَضتَهُ على نفسِكَ فانظُرْ أيُهما إلَيْهِ المائِلْ. ولَهُ القابِلْ فإن كانَ العقلَ فأحرِبِهِ أنْ تَلْنَزِمَهُ الْتِزَامَ الصَّب وَتَعتلِقَهْ وأن تجعَلَ يَدَيْكَ لَهُ وِشَاحاً وتعتنِقَهْ. وَأنْ لا تخَلّى عَنهُ وإن اشْتَجرَتْ دُونَهُ الرِّماحْ واخْتُرِطَتْ بَيْنَكَ وبيَنهُ الصِّفَاحْ. واعترضَ الموتُ الذُّعافْ. وجاءَ كُلُّ ما تَكرَهُ وَتَعافُ. وَإنْ كانَ الهَوَى فَفِرَّ منهُ فِرَارَكَ منَ الأسَدْ. واحذَرْهُ حِذَارَكَ مِنَ الأسْوَدْ وإنْ رَأيْتَهُ بكُلِّ ما يَسُركَ مَصْحُوباً. وَكُلِّ ما تتمنّاهُ إليه مَجْنُوناً وَإنْ كانَ الأمْرُ بَينَ بَينَ فَتَبَيّنْ وتثّبتْ وَاسْتَعْمِلِ الأنَاةَ وَالتؤَدَةْ وَشاوِرْ مَنِ اسْتَنْصَحْتَ منْهُمُ الجُيُوبَ والأفْئِدَةْ. وَعَرَفْتَ أنّهُمْ مِمّنْ يُوصِي بِالْحَقَ وَيُومِيِ إلى الصِّدْقِ. فإنْ طَلَعَ مِنْ كِنانَتِهِمْ سَهْمٌ صائبْ وَأضاءَ لَهُمْ رَأيٌ ثاقِبْ فَذَاكَ وإلا فاتّقِ النّفْعَ الذّي يَلُوحُ لَكَ مِنْ جَيْبِهْ بضَررٍ تحسَبُهُ كميناً وَرَاءَ غيْبِهْ واعمَلْ على الإخلالِ بهِ وَتخْلِيتَهْ وَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِتَوَلِّيهِ ولا تَوْلِيَتِهْ وَكُنْ في تَقْوَاكَ كَسالِكِ طَريِقٍ شائِكٍ لا بُدَّ لَهُ مِنْ انْ يَتَوَقّى وَيَتَحَفّظْ وَيأخُذَ حِذْرَهُ وَيتيقّظْ.

هَوَاكَ أعْمَى فلا تَجْعَلْهُ مُتّبَعاً = لا يَعْتَسِفْ بِكَ عَن بَيْضاءَ مسلوكه.
اتْرُكْهُ وَامْشِ على آثارِ عقْلِكَ في = محجّةِ مِثْلُها ليْستْ بِمْترُوكهْ.
فالْعقْلُ هادٍ بصيِرٌ لا يَزيِغُ إلى = بَصيرَةٍ عَن سَدَادِ الرَّأْيِ مأفُوكَهْ.
وَمَنْ يَقُدْهُ هَوَاهُ في خزِامَتِهِ = فَذَاكَ بَيْنَ ذَوِي الألْبابِ أُضْحُوكَه.

أبو همام
15-06-2008, 11:16 PM
أنرت الموضوع بالمشاركة فيه أخي رعد .
بارك الله فيك على هذه المشاركة العذبة.

أبو همام
16-06-2008, 02:45 PM
مقامة الطيب
يا أبا القاسم تمنَّ على فضلِ اللّهِ أن يجعلَ سُقياك من زُلالِ المشرب. ورزقكَ من حلالِ المُكتسبِ. فالطّيبُ لا يرِدُ إلا الطّيب منَ المناهل. والكريمُ لَّا يريد إلاَّ الكريمَ منَ المآكل. والحرُّ عَزوفُُ عَروف لمواردِ السوءِ عَيوف. يربأ بنفسهِ عنِ استحبابِ الرِيَّ الفاضح. على احتمال الظمأ الفادح. ويستنكفُ أن يكونَ الحرامُ عندهُ أثيراً. إذا لم يجدِ الحلالَ كثيراً. فهوَ وإن بقيَ حَرَّانَ ينضنضُ لسانَهُ ويلهثْ وشارفَ أن يقضيَ عليهِ الإقواءُ والغرَث. يتعاظمهُ بَلُّ الغليلِ بماءٍ طرْقْ. ويطولُ عليهِ مد اليدِ إلى ما ليسَ بطلقَ ألا إنَّ اتقّاءَ المحارمْ. من أجلِ المكارم. فاتقّها إمّا لكرَمِ الغريزة.وحميّةِ النفسِ العزيزة . وإمّا للتوقُفِ عندَ حدودِ الشارع. وتخوُّف ِالزواجرِ والقوارعْ. وأيّةً سلكْتَ. فنفسكَ في السُّعداءِ سلكتْ وعلى أيهما وقعت فقد دفعت. إلى جنبٍ طيّب. وسراة وادٍ مخصب. ينبتُ لكَ من الثّناءِ الدَّوحَ الأعلى ويخرجُ لكَ من الثّوابِ الثمَرَ الأحلى. وإنْ ظاهرتَ بينَ الأمرينِ مظاهرةَ الدارعْ. وكما تكونُ بزَّةُ البطلِ المقارع فجعلتَ شعارَكَ الإباءَ والحميةِ. ودِثارَكَ التقيّة الإسلامية. وذلكَ هو المظنونُ بأشباهكَ من أُولي الشهامةِ والحزمْ. وأضرابكَ من ذوي الجدّ والعزْم فأهلاً بمن اختارَ الخيرَ من قواصيهِ وأطرافهِ. وقبضَ بكفيّهِ من نواصيهِ وأعرافهِ.
محارِمُ تبتغى منها التقيّهْ = فظاهرْ بينَ دينكَ والحميّه
هما درعانِ مَن يلبَسهما لمْ = يكنْ للنّابلِ المصمي رميّه
وليسَ يَقي ركوبَ الشرِّ إلا = حذارُ النارِ أو خوفُ الدَّنيّه
ولما قلَّ في الناسِ التّوقيّ = تهافتَ في محارمِها البريّه

أبو همام
18-06-2008, 01:16 AM
مقامة القناعة
يا أبا القاسم اقنعْ من القناعةِ لا من القنوع. تستغنِ عن كلِّ مِعطاءٍ ومنوعْ. لا تخلق أديمَ وجهِكَ إلا عندَ مَن خلقهُ وخلقَك. ولا تسترزق إلا مَن رزقهُ وإن شاءَ رزَقَك. القناعةُ مملكةٌ تحتَها كل مملكة. مملكةٌ لا سبيلَ عليها لمهلكَه. لا يتوقّعُ صاحبُها أن يفتقرَ بعدَ غُنيته. ولا يقعُ النفادُ في كنزهِ وقنيتهِ. ثمَّ إنّه معَ أنَّ يسارَهُ لا يفضلهُ يسار. ولا يضبطُ حُسبان ما يملكُ يمينٌ ولا يسار. أخفّ الناس ِشغلاً ومؤَونة. وأغناهم من إرفادٍ ومعونة. لا يهمهُ مكيلٌ ولا موزونْ. ولا يعنيهِ مدَّخرٌ ولا مخزون. مفاتحُهُ لا تنوءُ بالعصبةِ أولي القوَّة على أنَّه أوفرُ من قارونَ سعةً وثروة من قنعَ بالنّزرِ اليسيرِ أيسر. ومَن حَرصَ على الجمِّ الغفيرِ أعسر. إنَّ القانعْ أصابَ كلَّ ما أرادَ وزاد. ولن تجدَ حريصاً يبلغُ المراد. الحريصُ وإن استمرءَ المطعمْ. لا يترُكُ أن يطلبَ الأنعمَ فالأنعم وإن استسرى اللَّباس واستفرَهَ الأفراسْ. وجدتهُ أحرَصَ وأشرَهْ. على أسرى وأفره. يوغرُ أبداً أن يُنعموا لهُ المهاد. ويقولُ خشنٌ يورثُ السهاد. حتى إذا بلغَ كلَّ مبلغٍ في التوطئةِ والإنعامْ وكُسيَ بشكيرِ السمور وزِفِ النّعام. دعتهُ نفسهُ إلى تمنّي بيوت أهنأ مهجَعاً. وأوطأ مضجَعاً. وإنِ اجتلى أنَورَ من القمرِ عضَّ على الخمس. وقال هلا كانَ أضوءَ من الشّمس. شقيٌ تصَبُّ إلى كلِّ مُشتهىً لهَاتُه. وتضِبُّ لكلِّ مُتمنّىً لثاتُه. فليسَ لهُ إذَن حدٌّ ينتهي إلى مطلبهِ. ولا أمدٌ يتوقّفُ وراءَ مرغبِه. فأمّا القانعُ فقد قدَّرَ مبلغَ حاجتهِ وبيّنَه. ومثّلَ مقدارَ إربهِ وعيّنه. وذاكَ رثٌّ يُواري سْوأتَه. وغَثٌّ يُطفئُ سورتَه. فإذا ظفِرَ بذلكَ فقد حازَ النّعيم بحذافيرهِ. وأصبح أثَرى من النُّعمانِ بعصافيرهِ.

أبو همام
18-06-2008, 01:21 AM
مقامة التوقي

يا أبا القاسم لا تقولَنَّ لشيءٍ من سّيئاتكَ حقير. فلعلّهُ عندَ اللّهِ نخلةٌ وعندَكَ نقير. وانظر في جلالةِ قدرِ النّاهي وكبرِه. ولا تنظرْ إلى دقّةِ شأنِ المنهيّ عنهُ وصغرِه فإنَّ الأشياءَ تتفاضلُ بتفاضُلِ عناصرِها. وإنَّ الأوامرَ والنّواهي تجلُّ وتدِق بحسبِ مصادرِها. لا تُسمّ الهَنةَ من الخطيّةِ هنَهْ. فإنَّ ذمتّكَ باجتنائها مُرتهنة. وتذكرّ حسابَ اللّهِ وموازينهُ المعدَّلة. والنّقاشَ في مثقالِ الذرَّةِ ووزنِ الخردَله. واستعظِمْ أن تنفلِتَ عن مُلتقى أجفانكَ لحظة. أو تفرُط من عذبةِ لسانك لفظَه. أو تخالجَ من ضميرِكَ خطرة. أو تتصلَ بقدمكَ خطوة. ولحظتُكَ بمُقلةِ مُريب. ولفظتُكَ لا عن لهجةِ أريب. وخطرَتُك فكرٌ في خلافِ سدَدْ وخطوتُكَ مشيٌ على غيرِ جدَدَ. فقد علمتَ أنّكَ مأمورٌ بالغضّ من البصر. وحذفِ فضولِ النظر. وبأنْ تجعلَ الصمتَ من ديدنِكَ ودينك. إذا لم يعنِكَ المنطِقُ في دُنياكَ ودينك. وأن لا تُديرَ في خلدٍ ولا تُخطرَ ببال إلا كُلَّ أمرٍ ذي خطرٍ وبال. وأن لا تَنقُلَ قدمكَ إلا إلى مشهدِ خيرٍ يحمدُ عناؤك فيه. أو إلى موطنِ شرٍّ تُخمدُ ضرامهُ وتُطفيه فراقبِ اللّهَ عندَ فتحِ جفنكَ وإطباقه. وإمساكِ نظرِكَ وإطلاقه. وأمام تكلمكَ وصمتك. وما تَرفعُ وتخفضُ من صوتكَ. وبينَ يديْ نسيانكَ وذكرِك. وما تجيلُ من رويّتكَ وفكرِك. ودونَ تقديمِ قدمكَ وتأخيرِها. وتطويلِ خُطاكَ وتقصيرِها. وحاوِلْ أن يقعَ جميعُ ذلكَ متّصفاً بالسّدادِ ومتّجهاً بالصَّواب. بعيداً من المؤاخذةِ قريباً من الثواب.

أبو همام
18-06-2008, 03:17 PM
مقامة الظلف
يا أبا القاسم ليتَ شعري أينَ يذهبُ بك. عنْ ثمراتِ علمك وأدبك. ضلّةٌ لمنْ رضيَ من ثمرةِ علمه. بأنْ يُشادَ بذكرِهِ وينوَّهَ باسمه. ولمن قنعَ من ريعِ أدبه بأن يصلَ من الدنيا إلى أربه وأفٍ لمنْ حسبَهُما للتّكسبِ والمُباهاةِ متعلّمَينْ. ونصَبَهُما إلى أبوابِ الملوكِ سُلّمَينْ. فإن اتّفقتْ لهُ إلى أحدِ هؤلاءِ زُلفة. والتأمَتْ بينهُ وبينَ خدمهِ ألفه. وقيلَ أهَبَّ المَلكُ لفُلان قبولَ قبولهِ رُخاءْ وأرّخى لهُ عَزَالى سحابهِ إرْخاء. وقُصارى ذاكَ أنّهُ يُصيبهُ بنفحةٍ منَ السحتْ. ورضخةٍ منَ الحرامِ البحْتْ. هَزَّ مِنْ عطفهِ ونشِط. وكُشفَ غطاءُ الهمِّ وكُشط. واسُتطيرَ فَرحاً وازدُهي ورَمحَ أذيالهُ وزُهي. وما شئتَ من اغتباطٍ معَ نحَوهْ. وطرَبات من غيرِ نشْوَة. وكادَ يُبارى كُبَيْدات السّماءْ. ويناطِحُ هامَةَ الجوزاءْ. وأقبلَ على العلمِ يبوسُ الأرضَ بينَ يديهِ. وعلى الأدبِ يعتنقهُ ويلثمُ خدّيه، بعدما كانَ يتطيرُ منهما ويسمّي التشاغلَ بهما حرماناً وحُرْفة. ويتمنّى الجهلَ والنقصَ ويحسبُهُما سببيَ النعيمِ والتٌّرفه. يقولُ بملءِ فيهِ بارَكَ اللّهُ في العلمِ والأدبِ. هما خيرٌ من كنوزِ الفضةِ والذهبْ. ما أنا لولاهُما والأخذُ بذؤابةِ الشرفِ الأفرعْ. والقبضُ على هاديهِ هذا الفخرِ الأتلع.ومالي ولمساورةِ هذا العزِّ الأقعس. ومشاورةِ هذا الملكِ الأشوس. ومَن لي بهذا الرِّزقِ الواسعِ النّطاق. المُحلِّق على قممِ الأرزاق. واللهِ ما كان ذلكَ الاتفاقُ السماوي والإلهامُ الإلهيُّ إلا خيرةً وبركة. وما زالت البرَكةُ في الحركة. لقد صحَّ قولُهمْ والحركةُ ولُودٌ والسكونُ عاقِرْ. وإلا فمِنْ أينَ تنزاحُ تلكَ المفاقر. يمينَ اللّهِ لو لزمتُ جُثومي واعتزالي. لحرِمتُ صوبَ هذهِ العزالي. هَبلَتْ الهَبول. من لمَ تهُبَّ لهُ هذهِ القَبول. وما يدريكَ ما شقيَ لعلَّ الاعتباط أنجى من ذلكَ الاغتباط. ونشطَةَ الأراقمِ أرجى من ذلكَ النّشاط وأنْ ترزقَ في ثُغرتكَ بالمزارق. خيرٌ من أن تُرزقَ مثلَ تلكَ الأرزاق. مَن حمَلَ العلمَ والأدبَ لمثلِ هذهِ الثّمار. فقد حملَ منهُما أثقالاً على ظهرِ حمار. إنَّ من ثمراتها النزولَ على قضيّاتِ الحِكَم. ورياضةِ صِعابِ الشيَم. وعزَّة النفسِ وبُعد الهمم. وعزَّةُ النفس أن لا تدعَها تُلمُّ بالعملِ السّفساف. وأن تُسفَّ إلى الدناءةِ بعضَ الإسفاف. وأن تظلِفَها عنِ المطامعِ الدَّنية. لا أن تعلفها المطاعمَ الهنيّة وبُعدُ الهمّةِ أن توجِّهها إلى طريقِ الآخرةِ وسلوكها. والاستهانةِ بالدنيا ومُلوكها. وأن لا تلتفتَ إلى ما يتفيئّونَ منَ الظل الوارِف. ويعلقُونَ فيهِ المخارِف. ويعلّقونَ بهِ منَ الزَّينِ والزخارف وأن لا تقولَ لما عُجَّلَ لهمْ منَ المراتبِ ما أفخمهْ وأن تتصوَّرَ ما ادخرَ لهمْ منَ العواقبِ ما أوخمه عيشٌ هنيٌ عن قليلٍ يتنغّص. ظلٌ ظليلٌ عمّا قليلٍ يتقلّص. ملكٌ ثابتُ الأطنابِ يُقوَّض تقويضَ الخيامِ. ونعيمٌ دائمُ التسكابِ يُقلعُ إقلاعَ الغَمام. وللّهِ عبدٌ لم يطرُق بابَ ملكٍ ولم يطأ عتبتَهْ. ولم يلمحْ ببصرهِ مرتبتَه. ولم يعرِفْ حُسّابَهُ ولا كتَبَتَه. ولمْ يصُفَّ قدميهِ إلا بينَ يدي الملكِ الجبارِ جابرِ ما كسرتهُ الجبابرةَ. وكاسرِ ما جبرتهُ الأكاسرة.

أبو همام
19-06-2008, 01:05 PM
مقامة العزلة
يا أبا القاسم أزلْ نفسَك عن صحبةِ الناسِ واعزِلها. وائتِ فرْعةً من فِراعِ الجبلِ فانزِلها. ولُذْ ببعضِ الكُهوفِ والغيران. بعيداً منَ الرفقاءِ والجيران. حيثُ لا تُعلّقُ طرفكَ إلا بسوادِك. ولا تجري مؤامرتَكَ إلا مع فؤادكْ. ولا توصِلْ إلى سمعكَ إلا همسَكَ ومُناجاتك. وإلا جُؤارَكَ ومُناداتك. ولا تفطُنْ لعيبِ أحدٍ سوى عيبك. ولا يهمكَ إلا دنسُ رُدْنَيكَ وجيبك. قاتلَ اللّهُ بني هذهِ الأيام. فإنهمْ طلائعُ الشرورِ والآثام. لِقاهمْ لقاءٌ وحوارُهم غِوار. ونِقالُهم نِقارْ. ووِفُاقهم نِفاقٌ تسلِق بألسنتِهم الأعراض. كما ترشقُ بسهامهِم الأغراض. تجمَعُ النّدوَةَ كِبارَهم فلا يتواصَوْنَ بالصبر بلْ يتناصَوْن على الصَّدر. ولا يتشاوَرونَ في حسمِ الفساد. كما يتساورُون على قسمِ الوِساد. إنْ آنسوكَ حمِدْتَ الوحشَة. وإن جالسوكَ ودَدْتَ الوَحدة. بينا أنتَ في خلواتكَ وانفرادِك مُكبّاً على أحزابكَ وأورادِك. مرَدّداً فكرَكَ كما يجبُ فيهِ ترديدُه. مجدّداً ذكرَ اللّهِ الذي لا ينبغي إلا تجديدُه. مُشتغلاً بخويصة نفسكَ وماِ يعنيك. عاكفاً على ما يدعوكَ إلى الخيرِ ويُدنيك. ويلفتُكَ عن الشرِ ويثنيك. إذ فوجئتَ بمُثافنةِ بعضهم. من الذينَ أخذكَ اللّهُ ببغضِهم. فضربَ بينكَ وبينَ ما كنتَ فيهِ بأسداد. ورماكَ بأمورٍ من تلكَ الأولِ بأضداد. وافتنَّ في الأحاديثِ كحاطبِ الليلْ. واستنَّ في الأكاذيبِ كعائرِ الخيلْ ملقياً أسبابَ الفتنِ بين يديِ افتنانه. مخلّفاً للآدابِ والسننِ وراءَ استنانهِ. لا يدفعُ في صدرِه من حياءٍ دافعْ. ولا يزَعهُ من دينِ حق وازِع. ولا ينزعُه من عرقِ صدقٍ نازع. فإذا أنشأ يأكلُ لحمَ أخيهِ بالنقيصةِ والثّلبِ. ويلغُ في دمهِ الحرامِ وُلوغَ الكلب. ويصوَّبُ ويصعّدُ في تمزيقِ فروتهِ. ويقومُ ويقعدُ في قرعِ مروته. ويخلطُ ذلكَ باستهزاءٍ متتابع. واستغرابٍ متدافع. لم يملكْ حينئذٍ عنانهْ. ولم يُثبطْ عنِ استهزائهِ جنّانه فإن لم تُقبل عليهِ بوجهكَ وصفكَ بالكبرياءْ. وإن لم ترعهِ سمعكَ نسبكَ إلى الرّياءْ مسجّلاً عليكَ بالشكاسةِ والكزازةْ. وناهضاً عنكَ بملءْ الصدرِ منَ الحزازة. وإن أعطيتهُ من نفسِكَ ما يريد فكلاكما والشيطانُ المريد. قد جرى أحدُكما في طلقِ الضلالِ والثاني رسيلُه. واستوى الأولُ على صهوةِ الباطلِ والآخرُ زميلهُ. بل استبقتُما إلى غايةِ الغوايةِ مُعنِقينْ. وتردَّيتما في هُوَّةِ الرَّدى معتنقِينْ. فيالها محنةً ما أضرَّها ويا لها فتنةً وقى اللّهُ شرَّها.

الإنسُ مشتققٌ منَ الإنسِ = والأنسُ أن تنأى عنِ الإنس
ثيابهمْ مُلسُ ولكنها = على ذئابٍ منهمُ طُلسِ
نفسَك فاغنمها وشرِّد بها = عنْهم وقُلْ أفلتِ يا نفسِ
إنْ لمْ تشرِّدْها تجدْها لقىً = للفَرْسِ بينَ الظفْرِ والضِّرْسِ

أبو همام
24-06-2008, 11:55 AM
مقامة العفة
يا أبا القاسم بسَأتْ نفسكَ بالشهواتِ فافطمِها عن هذا البسوءْ. ولا تطعِها إنَّ النفسَ لأمّارةٌ بالسوءْ. تطلبُ منكَ أنْ يكونَ مسكنُها داراً قوراءْ. وسكنها مَهاةً حوراءْ، تجُرُّ في عرصتها فُضولَ مرطِها. وتمسُّ عقوتها بهُدَّابِ رَيطِها. وترقرِقُ المسكَ السحيقَ في ترابها إذا لعَبت فيها معَ أترابها تطلُعُ إليكَ من جانبِ الخِدْرْ. كما أنجابتِ السماءُ عن شُقّةِ البَدْرْ. وأن تكونَ سماءُ رُواقها منمقةً بالرقمِ الزِّريابي. وأرضُها منجدةً بالبُسطِ والزَّرابي. وأنتَ مُتّكئ فيهِ على الأريكة. مع تركية كالتريكة. وتقترِحُ عليكَ وصيفاً موصوفاً بالجمال. واصِفاً للغزالةِ والغزال. مُقرطَعاً مخَنق الْخَصْر ينفثُ في عُقدِ السّحْر. اسمُ أبيهِ يافث. واسمهُ نافِث يقبلُ إليكَ بخُوْطِ البانْ. ويدبرُ عنكَ ببعضِ الكثبان. وتسألُكَ أن تلبسَ ما يدِق ويرِق من حُرِّ الملابس. وما يروقُ ويفوقُ منَ الحللِ والنّفائس مُستشعراً ما لانَ منَ الحريرْ. مُتدثِّراً بما راقَ منَ الخير. مُروِاحاً في مصيفكَ ومَشتاكَ بينَ اللاذِ والرَّدَن. مُنتقياً منهُما ما هوَ أخف وأدفأ للبدن وتحدوكَ على ركوبِ أعتقِ المراكبِ وأروعِها. وأسلسِها قياداً وأطوعِها مُوشّىً بالآلاتِ المَزِيّنة. مُغَشّى بالحليةِ الرَّزينة منَ الذهبِ الحمراء والفضةِ البيضاءْ. كأنّما يسبحُ في لجّةٍ منَ اللجين. أو تَسيحُ عليهِ عينٌ مَنَ العينْ وتدعوكَ إلى أكلِ الطّيّبِ الناعمِ. من ألوانِ المطاعمْ الدَّجاجَ المسمنَ بكسكَرْ. والرَّجراجَ بالسّمنِ والسكر. وكلَّ ما يرتبُ على موائدِ أولي المَراتبِ. من أصنافِ الحَلاوى والأطايب. ويحكَ لا تجبها إلى شيءٍ من طلبتِها. وارجِعها ناكِصةً على أخيبِ خيبتِها. واحمِل عليها بتصريدِ شهواتها. وانزِعْ بقيءٍ من طعمِ اللهوِ في لهَواتها. واعلم أنّكَ إنْ تعصِها الساعة. تجدْها بعدَ ساعتكَ مِطواعه. وإن أطعتَها أرتكَ العجبَ منْ مُعاصاتها. وقعدْتَ لا يدَيْ لكَ بمعاناتها. ويئِستْ دعوتُكَ منْ إنصاتها بمُناصاتها. يكفيكَ منَ الرُّواقِ المزخرَفِ وبساطهِ الموشي. كِنٌّ كأنّهُ كِناسُ الوحشي يسَعُ الفقيرَ وما يُصلحهُ في يومهِ وليلتهِ. ويطابقُ ما لهُ في تصعلكهِ وعَيلتهِ. لعمرُكَ إنَّ ما ترُمُّهُ الوَرْقاءُ من ثلاثةِ أعوادْ. وما شيدهُ فرعونُ ذو الأوتاد. سيّانِ عندَ مَن فكرَ في العواقبْ. وتأمل آثارَ هذا الدوْرِ المتعاقبْ. ويُغنيكَ عن صاحبةِ المرْطِ المرَحلْ. وساحبةِ الرَّيط المرَقلْ تقيةٌ تتبلغُ بها مُرْغماً للفتّان اللّعينْ. إلى أن يبعثَها اللّهُ تعالى منَ الحورِ العينْ. وتنوبُ عنِ الحصانِ قدَماكَ تسعى بهِما في سُبِل الهُدى وتتسابقُ بهما في مضمارِ البرِّ إلى المَدى ويُقنعُكَ عنِ الأطايبِ التي وصفتُها. وسردتُ نُعوتها ورصفتُها قُرصا شعيرٍ في غدائكَ وعشائك. وما عداهُما عُدَّةٌ لكظّتك وجُشائِكْ. ويجزئُكَ عن يمنةِ اليمنْ. والخُسروانيِّ الغالي الثمنْ. وبُرودِ صنعاءَ وعدَن بُردةٌ تسترُ بها مُعرَّاك. وما يواري سوأتكَ عمن يراكْ. والعبدُ الصالحُ من استحبَّ رقةَ الحالِ وخفةَ الحاذْ على المُراوحةِ بينَ الرَّدنِ واللاذْ. واعتقدَ أنَّ لبسَ الخُسرَوانِّي منَ الخُسرانِ. ووثقَ أنَّ العُسرَ قُرِنَ بهِ يُسران وإن أردتَ التزينَ منَ الثيابِ بأسناها. ومنَ الحُللِ بحُسناها. فأين أنتَ منَ الحلّةِ التي لا يعبأ لابسُها بنسيجِ الذَّهبِ على عطفي بعضِ الملوكْ. وكأنهُ في عينهِ سحقُ عباءَةٍ على كتفيْ صُعلوكْ وما هي إلا لباسُ التّقوى الذي هوَ اللَّباسْ لباسٌ تلقَى فيهِ اللّهَ وتلقى فيما سواهُ الناسُ فافُرقْ ما تفرُقُ بينَ الملقييّنْ بينَ اللِّباسَين فليَسا بسِّييْن وتذكّرْ ما بلغَكَ من قولِ الحسَنْ. وما جرى لهُ مع الحسناءِ في الثوبِ الحسَنْ وما سجَمه من العَبرة. ووجَمَ عليهِ منَ العِبرة. وأمّا المقرطَقُ فخله لإخوانِ الفئةِ المشرِكة وهم أصحابُ المؤتفِكةِ. واستعصمِ اللّهَ لعلهُ يعصمِك وصمْ عن جميعِ ما يزْرِي بكَ ويصمِك.

أبو همام
27-06-2008, 01:44 AM
مقامة الندم
يا ابا القاسم إنكَ لَفي موقفٍ صعبٍ بينَ حَوبةٍ رِكبتها. وبينَ توبةٍ تبتَها. فمتى ياسرْتَ بنظرِكَ إلى جانبِ حوبتكَ وهوَ أوحشُ جانبْ. وأجدرُهُ بالمخاوفِ والمهايب جانبٌ قد سدَّهُ الغُبارُ المُضِبْ وأطبَقَ عليهِ الظلامُ المُرِبْ. لا يتراءَى فيهِ شبَحانِ وإن اقتربَتْ بينهُما المسافة. وإن لم تعتوِرْ أبصارَهُما آفةْ. رأيتَ الشرَّ يُهروِلُ إليكَ مُقعقِعاً بأقرابهِ. مخترِطاً منصَلَه من قرابهِ. يؤآمُر فيكَ نفسيَهْ ويداوِرُ فيكَ رأييهْ. أيقُدُّك أم يقُطك. وفي أيِّ الغَمرتَينِ يُغطك. والوعيدُ يتلقّاكَ بوجهِ جهم. ويزحفُ تلقاءَكَ بجيشٍ دهْم. والعِقابُ يُحدُّ لكَ نابَهْ. ويُشمرُ عن مخلبهِ قنابهْ. وبناتُ الرَّجاء يبرُزْنَ إليكَ في جِداد. وأفواهُ الناسِ تكشرُ لكُ عنْ أنيابٍ حداد. ومتى يامَنْتَ ببصرِك إلى جانبِ توبِتك وهي آنسُ جهةٍ وآنقُها. وأوفقُها بالمؤمنِ وأرفقُها جهةٌ كأنَّ الفجرَ المستطيرَ تنفسَ في أعراضِها. وكأنَّ النهارَ المستنيرَ اقُتبسَ من بياضِها يبرَقُ البصرُ في سُطوعِ إياتها. وكادَ يهدي العُمَي وُضوحَ آياتها. وجدتَ الخيرَ مُقبلاً بوجهٍ متطلِّق بسّاماً عن مثلِ وميضٍ متألِّق يلازمُكَ لِزامَ الحميمِ المشفِق. ويلاثُمكَ لِثامَ الحبيبِ المتشوِّق والوعدُ ينفضُ على خدَّيكَ وردَ الاستبشار. ويُذيقُ قلبكَ بردَ الاستبصار. والثوابُ يمسحُ أركانكَ بجناح ويغسلِكَ عن كلِّ مأثمٍ وجُناح. والرَّجاءُ واليأسُ يتقارَعان فيخرُجُ سهمُ الرَّجاءُ بالفوزِ والفلَجْ. ويبقى اليأسُ مقروعاً داحضَ الحُجج. فخُذْ حذارَكَ أن يُزِلكَ الشيطانُ ويضلكَ. بأن يُلقي على إحدى الجهتينِ ظلّك. وتهَبَ لها دونَ الأخرى كُلكْ. فإنّك إن فعلْتَ ذلكَ ملَكَكَ القُنوطُ والفزَعْ. واستولى عليكَ الأمنُ والطمَع. وكِلاهُما لعَمْرُ اللّهِ أكلٌ وبيل. ومنهلٌ ليسَ له إلى المساغِ سبيل. القانطُ الفزعُ جامدٌ لا يرتاحُ للعمل. والآمِنُ الطّمعُ متلكّئ متكىء على الأمل فإن حاولتَ أن لا تقعُدَ يائساً بائساً ولا آملاً آمناً فقطِّعْ بينَ الجهتينِ نظرَك. وشطِّر إليهما بصرَك. حتى تجعلَ نفسكَ مترجِّحةً بينَ الرجاِء والحِذار. مترنّحةً بينَ البشارةِ والإنذار. تُلمِّظُها طَوراً حلاوَةَ الطمعِ إرادةَ الرَّغبةِ والنشاط وطوْراً مَرارةَ الفزعِ خيفةَ الاسترسالِ والانبساط. امزُجِ اليأسَ والطّمع والبسِ الأمنَ والفزَع لا تذَرْ منْ كلا النّفيسينِ شيئاً ولا تدعْ مَنْ يكنْ يقتنيِها فقدِ استكملَ الوَرَع.

أبو همام
27-06-2008, 07:50 PM
مقامة الولاية
يا أبا القاسم تأمّلْ بيتَ النّاظمِ:

تودُّ عَدُوِّي ثمَّ تزْعَمُ أنّني = صديقكَ ليس النوكُ عنك بعازِبِ
وتبصرْ كيف حَدَّ لك المصافاةَ بحدِّها. ودلّكَ عل هزلِ المودِّة وجدِّها وفهمَك أنَّ صفيِكَ من كانَ لكَ على ما ترضى وتسخَطُ وفقاً وفي جميعِ ما تهوى وتمقُتُ لِفقا. فيصفو لمَنْ يُعاضِدُكَ ويُصافيك ويكدرُ على كلِّ من يعاديكَ ويُنافيك وأنَّ مُوادَّ مُتضادِّكَ. مُحادُّك وليس بموادِّكَ وعلمكَ أنَّ منِ ادَّعى مِقةَ أخيهِ وهوَ يركنُ إلى ماقتهْ. فقد سجّلَ بسفَههِ وحماقته حيثُ صرَّحَ بأنَّ النّوكَ عنهُ ليسَ بعازِبْ ونصَّ له أنّهُ ضربةُ لازِبْ ثمَّ انظرْ في أيِّ منزلةٍ منَ اللّهَ يراك. وبأيِّ صفةٍ يصفُكَ مِنْ ذَراك إن واليتَ مَن ليسَ لربِّك لِوليّ أو صافيتَ من ليسَ للأولياءِ بصفي. إن صحَّ أنّكَ عبدٌ محبٌ لربّهِ فلا تُشعِرْ قلبكَ إلا محبّةً محبّه. مَن لم يُوالي اللّهَ ومواليهِ فلا تَطُرْ حَراه ولا تُنِخْ راحلتِكَ في ذَراه. وإيّاكَ أن تتناظَر داراكُما أوْ تتراءى ناركُما واستحي منَ اللّهِ وقلبُكَ قلبُه وكُلكَ فهوَ فاطرُه وربه أن تشغَلَ بمقةِ مَن شَغَلَ بمقتهِ قلبَهُ قلبَك وأنْ تعكُفَ على مُوادَّةِ من عكفَ على محادَّته لُبهُ لُبك وإن كانَ الصِّنوَ الشقيق والعمَّ الشقيق والأبَ البار والأخَ السّار وإنِ استطعتَ أن لا تُظلِكُما سماءٌ فاحرِص. وأن لا تقلِكُما أرضٌ فافترِص وليكُن منكَ على بالٍ ما نَقَمَ اللّهُ من حاطِب وما كادَ يقعُ بهِ منَ المعاطِب.

أبو همام
30-06-2008, 11:53 PM
مقامة الصلاح

يا أبا القاسم حتى مَتى تلهو وتلعبَ. وغُرابُ البينِ فوقَكَ ينعَبْ وإلى مَتى تروحَ في التماسِ الغِنى وتغدو وسائقُ الرَّدَى وراءَكَ يحدُو وفيمَ تجوبُ لارتيادِ المالِ الأوديةَ والمفاوز وليسَ الحريصُ لما قُدِّرَ لهُ بُمجاوز ألا وإنَّ بذلَ الاستطاعة واستقِصاءَ الجِدِّ في الطّاعة أوْلى بمَنْ يركبُ الآلةَ الحَدباءَ بعدَ ساعة والسّعيَ النّجيحَ في العملِ الدائرِ بينَ حُقوقِ اللّه أحقُّ مِن لَعبِ اللاعبِ ولهوِ اللاه والوَلوعَ بنيلِ المفازةِ في الأخرى. أجدرُ مِن جَوْبِ المفاوزِ وأحرَى. كأنّي بجنازتك يجمَزُ بها إلى بعضِ الأجداث. وبأهلِ ميراثكَ هجَروك بعدَ الثلاث وشغلْهم عنكَ تناجزُهم على الميراث وغادروكَ وأنت مُعفّرٌ طريح فقد ضمّكَ لحدٌ وضريح رهينَ هلكةٍ مُبسَلاً في يدِ المُرتْهِن أسيرَ محنةٍ مُبلساً مِن إطلاقِ الممتحِن. لم يبقَ بعدَ هجر العشيرةِ وجفوةِ العشير وودَاعِ المستشيرِ من جُلسائكَ والمُشير إلا عملُكَ الذي لزِمَكَ في حياتكَ لُزومَ صحبكَ ويستبقي صحبتكَ بعد قضاءِ نحبِك فيصحبُكَ على التّختِ مَغسولا ويألفُكَ على النعشِ محمولاً ويرافُقك موضوعاً على الأكتافِ في المُصلّى ويحالفُك وأنتَ في الحُفرةِ مُدلّى ويضاجُعك غيرَ هائبٍ من مضجعكَ الخرِب ويعانقكَ غيرَ مستوحشٍ من خدّكَ الترب. ولا يفارقُك ما دمتَ في غِمار الأموات. وإن أصبحتَ ومؤلفاتكَ أشتات وعِظامُك ناخرةٌ ورُفات. فإذا راعتكَ نفخةُ النّشر وفاجأتكَ أهوالُ الحشر. وفرَّ منكَ أبوكَ. وأمك وأخوك ولكلِّ منهم مهمٌ يعينه وشأنٌ حينئذٍ يُغنيه وجدتَ عملكَ في ذلك اليومِ الأغبرْ. وساعةِ الفزَعِ الأكبر أتبعَ لكَ منَ ظِلّكَ وألزَم منْ شَعراتِ قصَّك يفدُ معكَ أينما تفِد ويرِدُ حيثُما ترِد ثمَّ إما أن يدُلّكَ على فوزٍ مبين وإما أن يدُعّك إلى عذابٍ مُهين. فاجهدْ نفسكَ فعلَ كادحٍ غيرَ مَلول. واركب كلَّ صعبٍ وذَلول ولعلّك تستصحبْ من هذا القرينِ المواصِلِ الملازم. وهذا الرَّفيقِ المخاصرِ المحازِم صاحبَ صِدقٍ يؤنسُكَ في مواقيتِ وحدتكَ ووحشتِك ويُلقي عليكَ السّكينة في مقاماتِ حيرتَكَ ودهشتِك ويمهّد لكَ في دار السّلام المِهادَ الأوثر ويرِدُ بكَ سلسبيلاً والكوثر.

عاشق البيان
01-07-2008, 03:42 AM
جزاك الله خيرا يا ليث بن ضرغام على ما انتقيته لنا من مقامات.
وقد قرأت مؤخرا مقامات جيدة النظم والمضمون للشيخ عائض القرني.

أبو همام
02-07-2008, 01:25 PM
جزاك الله خيرا يا ليث بن ضرغام على ما انتقيته لنا من مقامات.
وقد قرأت مؤخرا مقامات جيدة النظم والمضمون للشيخ عائض القرني.


بارك الله فيك أخي الكريم عاشق البيان .
وبالنسبة لمقامات الشيخ عائض القرني فهي رائعة كما ذكرت أخي .

أبو همام
11-07-2008, 12:11 AM
مقامة التصبر
يا أبا القاسم نفسُك إلى حالها الأولى نزَّأة فاغزُها بسريّةٍ من الصبرِ غزَّأة. لعلّكَ تفلُّ شوكتَها وتكسِرُها. وتجبُرها على الصَّلاحِ وتقسرُها فإن عصتْ وعتتْ وعدَتْ طوْرَها. وألقَتْ بصحراءِ التمرد زَوْرَها وانقشعتْ عن غُلُبتّها. ووقعت على مُصابرتكَ الدَّبرة وعلمِتَ أنَّ صبرَك وحدهُ لا يقومُ عِنادَها ولا يقاومُ أجنادَها فاضمُمْ إلى الصَّبر من التصبرِ مَددا وأوْلهِ منَ التشدَّدِ عُدَّةً وعددا. واعتقد أنَّ الخطبَ ليسَ منَ الدَّدْ إنما هوَ منَ الإدَد. ومما إن أعضَلَ وتفاقمَ له يكفهِ التعارُك. وعجزَ عنهُ التّلافي والتّدارك. فإن رأيتَ الصَّبر والتصبرَ لا يفيان وعلمتَ أنهما لا يكفيان، ووجدتَ شرَّها يزدادُ ويربو. وشرَّتها تمضي ولا تكبو. وزرْعُ باطِلها يزكو. وضِرامَ غيَّها يذكو. فخادِعها عمّل تنزو إليهِ وتطمحْ. وتمدُّ عينيها إليهِ وتلمح واستقبِلها بما يُذهلُها ويُلهيها عنِ المطالبِ التي تشتهيهيا وينأى بجانبها عما يخلجُها من النّظر ويتولّى بُركنها عمّا ينزِعها منَ البطَرْ. جرِّدها عنِ الملبَس البهي. وافطِمها عنِ المطعمِ الشهي وزحزِحها عن وطأةِ المطرَح ووضاءةِ المطمَح. وجافِها عنِ الفراغِ المورثِ للكسلْ، والرقادِ المعقبِ للرَّهل. وأذِقها أكلَ الخشبِ ولُبسَ الخشنِ وخذْها بالنومِ المشرِّد. والشرب المصَرِّد. ومُسها بالجوادِ والجوع ونحِّها عنِ الهُجودِ والهُجوع وعرِّضها لكلِّ مضجعٍ مُقض. وحدِّثها بكلِّ مفجعٍ ممض. واستفزِز بها في الأحايين بمثلِ ما يؤثُر عن بعضِ الصالحين. من إيلامِها بلذعِ الجمرّة ووخزِ الإبرة. وغسِّلها بالطهور الباردِ في حدِّ السّبره . وتدويرِها في المقابرِ والخراب وتعفيرِ وجهها بالتراب. فلا تفتر في خلالِ ذلك أن تعرِض عليها ما وعدَ اللّهُ الأتقياء. وما أوعدَ به الأشقياء وأن تكرِّر على مسامِعها السورَ التي تُروعُ وترْدَع والآياتِ التي تقرَعْ وتقدَعْ. وأن تقذِفَ عليها كلَّ عبءٍ منَ العبادةِ باهظ، وترميها بما يُحكُّ في قلبها ويحيكُ منَ المواعظ. فإنّك إن فعلتَ ذلكَ استبدلتْ من نزوتها سُكوناً واعتاضت ولانتْ بعدَ جِماحها وارتاضت ولم تأبَ عليك خيراً تريدُه. ولا عملاً صالحاً تُبدئهُ وتُعيدُه واحتفظ بما ألقي إليكَ من بابِ الرياضةِ من جوهرةِ ابن عُبيد فإنّه خيرٌ لكَ من جمهرةِ ابنِ دُريد.