المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ما جاء من المَلاحٍن في التراث العربي



محمد سعد
19-06-2008, 09:17 PM
قال ابن دريد في كتاب الملاحن‏:‏
هذا كتاب ألّفناه ليفزع إليه المجبَرُ المُضْطََهد على اليمين المُكْرَه عليها فيعارِض بما رسمناه ويضمر خلافَ ما يظهر ليَسْلَم من عادية الظالم ويتخلَّص من جَنف الغاشم وسمّيناه الملاحن واشتَقَقْنَا له هذا الاسم من اللغة العربية الفصيحة التي لا يشوبُها الكدَر ولا يستولي عليها التكلّف‏.‏

قال أبو بكر‏:‏
معنى قولنا الملاحن لأنّ اللحن عند العرب‏:‏ الفِطْنة ومنه قول النبي :="لعلَّ أحدَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض" أي أفطن لها وأغوص عليها وذلك أن أصل اللحن أن تريد شيئاً فتورّي عنه بقولٍ آخر.
قول العنبري وقد كان أسيراً في بكر بن وائل حين سألهم رسولاً إلى قومه فقالوا له‏:‏ لا تُرْسل إلاَّ بحضرتنا لأنهم كانوا قد أزمعوا غَزْوَ قومه فخافوا أن يُنْذرهم فجيء بعبدٍ أسود فقال له‏:‏ أتعقلُ قال‏:‏ نعم إني لعاقل‏.‏
قال‏:‏ ما أراك كذلك‏.‏
فقال‏:‏ بلى فقال‏:‏ ما هذا - وأشار بيده إلى الليل - فقال‏:‏ هذا الليل قال‏:‏ ما أراك عاقلاً‏.‏
ثم ملأ كفّيه من الرمل فقال‏:‏ كم هذا فقال‏:‏ لا أدري وإنه لكثير قال‏:‏ أيما أكثر النجوم أم التراب قال‏:‏ كلٌّ كثير‏.‏
قال‏:‏ أبلغ قومي التّحية وقل لهم‏:‏ لِيُكْرِموا فلاناً - يعني أسيراً كان في أيديهم من بكر فإن قومَه لي مكرمون وقل لهم‏:‏ إنَّ العَرْفَج قد أدْبى وقد شكّتِ النساء وأمْرُهم أن يُعْروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها وأن يركبوا جملي الأصْهب بآية ما أكلتُ معكم حَيْساً واسْألوا الحارث عن خَبرِي‏.‏
فلما أدّى العبدُ الرسالةَ قالوا‏:‏ لقد جُنَّ الأعور واللّه ما نعرف له ناقةً حمراء ولا جملاً أصْهب ثم سرَّحوا العبد ودعُوا الحارث فقصّوا عليه القصة فقال‏:‏ قد أنذركم أما قوله‏:‏ قد أدْبى العَرْفج‏:‏ يريد أن الرجال قد اسْتَلأَموا ولبسوا السلاح وقوله‏:‏ شَكَّت النساء أي اتخذن الشّكاء للسفر وقوله‏:‏ الناقة الحمراء أي ارتحلوا عن الدَّهْناء واركبوا الصَّمَّان وهو الجمل الأصهب وقوله‏:‏ آية ما أكلت معكم حَيْساً يريد أن أخلاطاً من الناس قد غَزْوكم لأن الحَيْس يجمع التمر والسمن والأَقِط‏.‏
فامتثلوا ما قال وعرفوا لَحْن كلامه وأخذا هذا المعنى أيضاً رجل كان أسيراً في بني تميم حُلُّوا عن الناقة الحمراء أرحُلَكم والبازِلَ الأصهَب المعقول فاصْطَنِعُوا إن الذِّئَابَ قد اخضَرَّت بَرَاثِنُها والناسُ كلُّهم بكْرٌ إذا شَبِعُوا يريد أن الناس إذا أخصَبوا أعداء لكم كبَكْر بن وائل‏.‏

محمد سعد
19-06-2008, 09:21 PM
وقد كانت العرب تتعمَّد ذلك وتقصده إذا أرادت التَّوْرية أو التعمية‏.‏


وقال ابن دريد في الجمهرة والقالي في أماليه‏:‏ قال صبيٌّ لأمه - وعندها أُمُّ خِطْبه‏:‏ يا أمّاه‏:‏ أَأَدَّوِي فقالت‏:‏ اللّجَام مُعلَّقٌ بعمود البيت‏!‏ تورّي بذلك لئلا يستصغر وتُرِي القوم أنه إنما سألها عن اللّجام وأنه صاحب خَيْلٍ وركوب وهو إنما قَصَد أخْذَ الدُِّواية وهي الجِلْدَة الرقيقة التي تَرْكَبُ اللبن يقال‏:‏ دَوَّى اللبن يدوّي وأقبل الصبْيان على اللبن يدَّوُونه أي يأخذون ما عليه من الجِلد‏.‏

فهد عبدالله الزامل
19-06-2008, 09:30 PM
معرفة الملاحن والألغاز وفتيا فقيه العرب

قال القالي في أماليه‏:‏ قرأتُ على أبي عمر المطَرِّز قال‏:‏ حدثني أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال‏:‏ أَسَرَت طيئ رجلاً شابّاً من العرب فقدم أبوه وعمُّه ليَفْدياه فاشتطُّوا عليهما في الفداء فأعطيا لهم به عطيَّة لم يَرْضوْها فقال أبوه‏:‏ لا والذي جعل الفَرْقَدين يُمْسِيان ويُصْبحان على جَبَلي طَيّئ لا أزيدكم على ما أعطيتكم ثم انصرفا‏.‏

فقال الأب للعم‏:‏ لقد ألقيتُ إلى ابني كُلَيمة لئن كان فيه خير لَيَنْجُونَّ فما لبث أن نجا وأطْرَد قِطعة من إبلهم‏.‏

فكأن أباه قال له‏:‏ الزم الفَرْقدين على جبلي طيئ فإنهما طالعان عليهما وهما لا يغيبان عنه‏.‏

فهد عبدالله الزامل
19-06-2008, 09:31 PM
وقال أبو عبيدة في كتاب أيام العرب‏:‏ أخبرنا فراس بن خندف قال‏:‏ جَمَعت اللَّهازِم لتُغيرَ على بني تميم وهم غارّون فرأى ذلك ناشب الأعور بن بشامة العَنْبري وهو أسيرٌ في بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة فقال لهم‏:‏ أَعْطُوني رسولاً أُرْسِله إلى أهلي أُوصيهم في بعض حاجتي وكانوا اشتروه من بني أبي ربيعة فقالت بنو سعد‏:‏ تُرْسله ونحنُ حضور وذلك مخافة أن يُنْذِر قومَه فقال‏:‏ نعم‏.‏

فأرسلوا له غلاماً مولّداً لهم‏.‏

فقال لهم لما أتوه به‏:‏ أتيتموني بأحمق فقال الغلام‏:‏ واللّه ما أنا بأحمق فقال الأعور‏:‏ إني أراك مجنوناً قال‏:‏ ما أنا بمجنون قال‏:‏ فالنّيران أكْثر أم الكواكب قال‏:‏ الكواكب وكلٌّ كثير‏.‏

وقال آخر‏:‏ إنه قال له‏:‏ واللّه ما أنا بأحمَق فقال الأعور‏:‏ إن لك لَعَينَي أحمق وما أراك مبلِّغاً عني‏!‏ قال بلى لعمري لأُبَلِّغَنّ عنك فملأ الأَعور كفّه من الرمل‏.‏

فقال‏:‏ كم في كفّي قال‏:‏ لا أدري وإنه لكثير لا أُحْصيه فأومأ إلى الشمس بيديه فقال‏:‏ ما تِلك قال‏:‏ الشمس‏.‏

قال‏:‏ ما أراك إلا عاقلاً شريفاً اذْهب إلى أهلي فأبْلغهم عني التحيّة وقل لهم‏:‏ لِيُحْسنوا إلى أسيرهم ويُكْرموه فإني عند قوم محسنين إليّ مكرمين لي وقل لهم‏:‏ فَلْيعروا جملي الأحمر ويركبوا ناقتي العَيْساء وليرعوا حاجتي في بني مالك وأخْبِرهم أن العَوْسَج قد أوْرَق وأن النساء قد اشتكت وليعصوا همَّام بن بشامة فإنه مشؤوم مَحْدود وليطيعوا هُذَيل بن الأخنَس فإنه حازم ميمون‏.‏

فقال له بنو قيس‏:‏ ومن بنوا مالك هؤلاء قال‏:‏ بنو أخي‏.‏

وكره أن يعلَم القوم‏.‏

وزعم سليمان بن مزاحم أنه قال‏:‏ وإذا أتيتَ أمّ قدامة فقل لها‏:‏ إنكم قد أسأتم إلى جملي الأحمر وأنْهَكْتُموه ركوباً فاعْفوه وعليكم بناقتي الصَّهباء العافية فاقْتَعدوها‏.‏

فلما أتاهم الرسول فأبلغهم لم يَدْر عمرو بن تميم ما الذي أرسل به الأعور وقالوا‏:‏ ما نعرف هذا الكلام ولقد جُنّ الأعور بَعدنا‏!‏ فقال هذيل للرسول‏:‏ اقتص عليّ أول قصته فقصّ عليه أول ما كلمه به الأعور وما رجعه إليه حتى أتى على آخره قال هذيل‏:‏ أبْلِغه التحية إذا أتيته وأخبره أنّا نَسْتَوْصي بما أوْصى به‏.‏

فشخص الرسول فنادى هذيل بَلْعَنبر فقال‏:‏ قد بيّن لكم صاحبُكم‏:‏ أما الرملُ الذي جَعلَ في يده فإنه يُخبركم أنه قد أتاكم عددٌ لا يُحصى وأما الشمسُ التي قد أومَأ إليها فإنه يقول‏:‏ ذلك أوضح من الشمس وأما جَملُه الأحمر فهو الصمّان وأما ناقته العَيْساء أو قال الصهباء فهي الدَّهناء يأمركم أن تتحرَّزوا فيها وأما بَنو مالك فإنه يأمركم أن تُنْذِروهم ما حذَّركم وأن تُمسكوا بحِلْف ما بينكم وما بينهم وأما إيراق العَوْسج فإنَّ القوم قد اكتسوا سلاحاً وأما اشتكاء النّساء فإنه يُخبركم أنهن قد عملن لهم عِجَلاً يَغْزُونَ بها والعِجَلَ‏:‏ الرِّوايا الصَّغار‏.‏