المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ال العهدية



ابن مالك الاسترالي
27-06-2008, 03:54 AM
السلام عليكم,

كما تعلمون, أكرمك الله و زادكم علماً, أنّ أسماء الإشارة مبنية لشبهها لحرف كان ينبغي أن تضعه العرب و لكنّها لم تفعل.
نقل ابن فلاح عن أبي علي الفارسي أنّ أسماء الإشارة مبنية لأنّها في المعنى أشبهت حرفاً موجوداً و هو (ال العهدية) التي تشيرالى عهود بين المتكلم و المخاطب.

فما هي (ال العهدية) ؟ اين اجدها؟ هل من امثلة ؟

جزاكم الله خيرًا

جمال الشريف
27-06-2008, 04:08 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(أل) العهدية ثلاثة أنواع:
1ـ العهد الذِّكْري:وهي ما سبق لما دخلت عليه ذكر في الكلام.
مثل: جاءني رجل فأكرمت الرجل.
وقال تعالى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول)
2ـ العهد الحضوري: وهي ما يكون ما دخلت عليه حاضرا.
مثل: جئت اليوم ( أي: اليوم الحاضر)
3ـ العهد الذهني: وهي ما يكون ما دخلت عليه معهودا ذهناً.
مثل: حضر الرجل. ( أي: الرجل المعهود ذهنا بينك وبين من تخاطبه)
تحياتي وتقديري للجميع

مهاجر
27-06-2008, 06:57 AM
وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته أيها الكريمان .

وبالإضافة إلى ما تفضل به الأستاذ جمال :
هناك عهد كنائي ، كما في قوله تعالى : (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) ، فهو كناية عن أمر استقر في أذهانهم ، وهو أنهم كانوا ينذرون الذكور لخدمة بيت العبادة دون الإناث ، فلما وضعتها أنثى ، اعتذرت بأن هذه خلاف ما عهدوه من نذر الذكور .

والله أعلى وأعلم .

د. حجي إبراهيم الزويد
27-06-2008, 03:18 PM
من الشواهد القرآنية على أل العهد الحضوري, قوله تعالى :

{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [المائدة: 3] فإن "أل" في اليوم هي للعهد الحضوري.

مهاجر
28-06-2008, 07:19 AM
وقد يجتمع لــ : "أل" أكثر من معنى :
ففي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) .
قد يقال بأن : "أل" في : "الصلاة" للعهد ، فالذهن ينصرف أول ما ينصرف إلى الصلاة المكتوبة ، وهي من جهة أخرى : جنسية استغراقية فتعم جميع المكتوبات .

*****

وفي قولك : جمع الأمير التجار .
قد يقال بأن "أل" في "التجار" : عهدية من جهة أن الذهن ينصرف أول ما ينصرف إلى تجار البلد ، لاستحالة جمع جميع تجار زمانه ، وهي استغراقية : من جهة استغراقها جميع تجار بلده ، فتكون مجازا ، على قول من يقول بالمجاز ، إذ أطلق الكل : عموم "أل" الاستغراقي الحقيقي الذي يشمل كل التجار ، وأراد البعض ، عموم "أل" الاستغراقي العرفي الذي يشمل تجار البلد فقط .

ولكل مسألة ذوق خاص ، فـــ : "أل" مما يستحق الإفراد بالتصنيف .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
29-06-2008, 10:25 AM
وفي قوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)

إما أن تكون : "أل" للعهد : فيكون المعنى : وأحل الله البيوع التي استقر في أذهانكم حلها ، فخرج بهذا القيد كل بيع محرم لربا أو جهالة أو غرر .

وإما أن تكون : "جنسية استغراقية" ، فتكون : عاما قد خص بأدلة النهي عن بيوع بعينها .
أو تكون عاما أريد به الخصوص : فتكون مجازا ، عند من يقول بالمجاز ، إذ أطلق العموم ، وأراد خصوص البيوع المباحة .

وإما أن تكون "جنسية استغراقية مجازية" فيتوجه العموم ابتداء إلى البيوع المباحة .

وهي مسالك على اختلافها تؤدي إلى نتيجة واحدة ، وهي : حل البيوع المباحة ، وحظر البيوع المحرمة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
30-06-2008, 04:40 PM
ومن ذلك :
حديث : (ويل للأعقاب من النار) .
فإما أن تكون "أل" :
للعموم ، وهذا بعيد ، لأنه ليس كل عقب متوعدا بالنار ، وإنما توعد العقب الذي فرط صاحبه في غسله .
أو : العهد ، أي الأعقاب المعهودة التي رآها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم تغسل ، فيكون اللفظ : عاما في كل عقب أريد به خصوص الأعقاب التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم .

أو تكون المسألة من باب : تخصيص الحكم بصورة السبب ، فيكون في اللفظ تخصيص باعتبار : صورة السبب ، فالأعقاب المتوعدة هي التي لم تغسل جيدا ، وعموم من جهة دخول كل عقب تحققت فيه صورة السبب في هذا الوعيد ، كما قيل في حديث : (لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) ، فــ : "أل" في : "الصيام" ليست جنسية استغراقية ، أو لبيان الماهية ، وإنما هي : عهدية ، أي ليس من البر ذلك الصيام المعهود الذي يؤدي بصاحبه إلى حال ذلك الصائم الذي شق على نفسه حتى ازدحم الناس عليه وظللوا عليه .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
03-07-2008, 10:32 AM
ومن ذلك أيضا :
حديث : (إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ) :
فقد حمل جمهور أهل العلم "أل" في "الكلب" على : "الجنسية الاستغراقية" : فتعم كل أنواع الكلاب ، بينما حملها المالكية ، رحمهم الله ، على ما سوى المأذون فيه من كلاب : الصيد والزرع والماشية ، فتكون "أل" عندهم "عهدية" فيما سوى المأذون فيه ، والراجح قول الجمهور لعدم الدليل المفرق .

*****

ومنه أيضا :
حديث : (مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) :
فمن حمل "أل" في "الصيام" على العهد ، قال بأن المقصود هو : الصيام الواجب ، فلا يجب تبييت النية من الليل في صيام النافلة ، وهو الراجح فيجوز إحداث نية النافلة في أي وقت من اليوم قبل الزوال أو بعده بشرط عدم تناول مفطر قبله ، ومن حملها على الاستغراق الجنسي ، قال بأن تبييت النية واجب في كل صيام ولو كان نفلا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
05-07-2008, 08:25 AM
ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) ، فـــ : "أل" في "الرسول" : للعهد الذهني فالمعهود المذكور هو : رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعينه ، والسياق يؤيد ذلك إذ قوله تعالى قبله : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، محكي على لسان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

بخلاف الرسول في قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) ، فــ : "أل" للعهد الذكري ، لتقدم ذكره في الآية السابقة كما ذكر الأخ جمال في أول مداخلة بعد إيراد السؤال في هذه النافذة .

وبخلاف :
"الرسول" في قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
فــ : "أل" هنا جنسية تفيد الماهية ، فليست خاصة برسول بعينه ، وإنما هي دالة على جنس الرسل الذين ابتلوا مع أتباعهم بظلم أقوامهم ، ويصح أن يقال هي مع ذلك : للاستغراق لأن الابتلاء سنة جارية على الرسل وأتباعهم ، لم يسلم منها أحد في أي زمان أو مكان ، فاتباع منهاج الرسالة مظنة : الابتلاء والاضطهاد ابتداء والتمكين انتهاء .

*****

وكذا لفظ "النبي" في نحو :
قوله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ، فــ : "أل" في "النبي" للعهد الذهني فالمقصود به : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقرينة ذكر أزواجه وتوجه الخطاب إلى عموم المؤمنين .

بخلاف "النبي" في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطَ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلَ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) ، فليس المقصود نبيا بعينه ، وإنما المقصود جنس الأنبياء الذين بعثوا إلى أقوامهم .

*****

ومنه أيضا :
"الكتاب" : في قوله تعالى : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، فــ : "أل" فيه للعهد الذهني ، فالمعهود المقصود هو : القرآن الكريم ، بقرينة سبق ذكره بـــ : "الم" ، فذلك القرآن الذي صيغت ألفاظه من هذه الحروف المقطعة التي استعملتها العرب في نطقها لا ريب فيه .

بخلاف "أل" في "الكتاب" في قوله تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) ، فهي جنسية لاستغراق عموم ما دخلت عليه ، فالمعنى : وأنزل معهم الكتب من توراة وإنجيل وقرآن ......... إلخ .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
06-07-2008, 09:51 AM
ومنه أيضا :
قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (........ وإنا لا تحل لنا الصدقة) .
فــ : "أل" في الصدقة :
إن قيل هي للعهد الذهني : أي : الصدقة المعهودة وهي : الزكاة المفروضة ، فإن المعنى يصير : عدم جواز الزكاة الواجبة على آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنها أوساخ الناس ، فبها يطهر الناس أموالهم ، وآل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم منزهون عن أوساخ الناس لمنزلتهم من صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام .
وهذا يفيد بمفهومه : جواز ما عدا الزكاة الواجبة على آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لانتفاء علة النهي فصدقة التطوع ليست أوساخا يتنزه عنها آل البيت ، وهذا اختيار أكثر الأحناف والصحيح عند الشافعية والحنابلة وكثير من الزيدية .

وإن قيل بأنها للعموم ، فإنها تشمل كل أنواع الصدقات ، فيحرم عليهم قبول أي صدقة ، وهذا اختيار الشوكاني رحمه الله .

*****

ومنه أيضا :
"أل" في "الفحشاء" : فإنها جنسية تفيد استغراق عموم الفواحش ، كما في :

قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .
وقوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) .

وقد تفيد العهد كما في قوله تعالى : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، فالفحشاء هنا : فرد بعينه وهو : البخل ومنع الزكاة والسياق يرجحه .

قال أبو السعود رحمه الله :
"والعربُ تسمي البخيلَ فاحشاً قال طرفةُ بن العبد :
أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي ******* عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ" . اهــــ .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
07-07-2008, 09:08 AM
ومنه أيضا :
"أل" في "الملك" في قوله تعالى : (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) ، فهي جنسية تفيد استغراق عموم ما دخلت عليه ، فيؤول الكلام إلى : والملائكة على أرجائها .
بخلاف "أل" في "الملك" في حديث عائشة ، رضي الله عنها ، مرفوعا : (وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ) ، فإن : "أل" في "الملك" للعهد الذهني ، فهو ملك بعينه : جبريل عليه السلام أمين الوحي وروح القدس .

وكذلك "أل" في "الملك" في حديث بدء الوحي : (فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، فهي للعهد الذهني ، فالمقصود أيضا : جبريل عليه السلام .

*****

ومنه "أل" في لفظ : "المرأة" في حديث :
"ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَبِلَالٌ مَعَهُنَّ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقَ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا " : فهي جنسية تفيد استغراق عموم النساء اللاتي وعظهن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما أشار إلى ذلك الشوكاني ، رحمه الله ، في "نيل الأوطار" بقوله : "قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ ) الْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ جِنْسُ النِّسَاءِ" . اهـــ

بخلاف "أل" في حديث جابر رضي الله عنه : (فَدَخَلْنَا حِين أَمْسَيْنَا ، فَقُلْت لِلْمَرْأَةِ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا كَيِّسًا ، قَالَتْ : سَمْعًا وَطَاعَة ، فَدُونك . قَالَ : فَبِتّ مَعَهَا حَتَّى أَصْبَحْت) ، فإن "أل" في : "للمرأة" للعهد الذهني ، فالمقصود بها امرأة بعينها هي امرأته .

*****

ومنه أيضا :
"أل" في "الروح" في حديث أم سلمة ، رضي الله عنها ، مرفوعا :
"إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ" ، فهي جنسية تفيد استغراق عموم الأرواح كلها .
بخلاف "أل" في "الروح" في قوله تعالى : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ) ، فهي للعهد الذهني ، فالمقصود بالروح في الآية : جبريل عليه السلام ، أو ملك عظيم ، على خلاف بين المفسرين ، فيكون عطف الملائكة عليه من باب : عطف العام على الخاص تنويها بذكره ، فقد أفرد بالذكر ابتداء ، ثم شمله العموم المعطوف انتهاء ، فتكرر ذكره ، وتكرار الذكر مظنة العناية .

*****
ومنه أيضا :
"أل" في "الفتنة" في قوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ، فإنها جنسية تفيد استغراق كل أنواع الشرك بالله عز وجل .

بخلاف "أل" في "الفتنة" في قول محمد بن سيرين رحمه الله :
"لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ قَالُوا سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ" ، فهي للعهد الذهني فالمقصود فتنة بعينها وهي : فتنة الجمل وصفين ، فقد كانت بداية ظهور الفرق الضالة من خوارج وسبئية ، فظهر الكذب نصرة للمذهب ، فوجب التحري في قبول الأخبار بالنظر في رجال أسانيدها ، فيؤخذ حديث العدول ويرد حديث المجروحين ، وقد كانت هذه الأقوال لأهل العلم المتقدمين الأساس الذي بنى عليه من بعدهم : علم الجرح والتعديل ، أحد مآثر هذه الأمة بشهادة أعدائها قبل أصدقائها ، ففيه من الدقة والتحري ما حير الباحثين المتخصصين في هذا الشأن في العصور الحاضرة .

وقد تكفل الله ، عز وجل ، بحفظ دينه ، مصداق قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وحفظ السنة حفظ للذكر المنزل .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
09-07-2008, 07:51 AM
ومنه أيضا :
قوله تعالى : (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) ، فــ : "أل" في "الجنة" للعهد الذهني ، فهي الجنة التي منع أصحابها صدقتها كما جاء في قصتهم المعروفة .

بخلاف "أل" في "الجنة" في قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) ، فـــ : "أل" في "الجنة" في هذه الآية : جنسية تستغرق عموم الجنان التي أعدها الله ، عز وجل ، لعباده المؤمنين يوم القيامة ، بدليل إبدال : "جنات عدن" في الآية التالية : (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) منها بدل كل من كل ، و "جنات عدن" : جمع معرف بالإضافة فيدل ابتداء على استغراق عموم الجنان ، جعلنا الله ، عز وجل ، وإياكم من ساكنيها .

*****

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ، فـــ : "أل" في "اللهو" و "التجارة" للعهد الذكري المتقدم في : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) ، ويصح أن يقال بأنها : جنسية استغراقية ، لأنها قابلت نكرتين في سياق الشرط : "تجارة" و "لهوا" ، وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق الشرط تعم ، فيكون ما دل عليها ، ولو بالعهد ، عاما مثلها ، لوجوب التطابق المعنوي بينهما ، فيقال : "اللهو" و "التجارة" : اسمان محليان بــ : "أل" الجنسية" التي تفيد العموم ، وهذا ما يتناسب مع العموم المستفاد من "تجارة" و "لهوا" الواردين في سياق الشرط ، لأن المحلى بــ : "أل" الجنسية ، وإن كان معرفة في اللفظ ، إلا أنه يؤول إلى الشيوع في المعنى ، كالنكرة التي تدل على الشيوع ، أيضا ، فإذا ما جاءت في سياق الشرط صارت نصا في العموم ، فقابل عمومها عموم الاسم المحلى بـــ : "أل" الجنسية .
ومما يؤيد صيرورة المحلى بـــ "أل" الجنسية إلى معنى الشيوع في النكرة ، أنه نزل منزلتها في نحو :
ولقد أمر على اللئيم يسبني ******* فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
فـــ : "اللئيم" : محلى بــ : "أل" الجنسية ، فهو معرفة لفظا ، كما تقدم ، والقياس في الجملة التي تلي المعرفة : أن تعرب حالا ، ومع ذلك أعربها النحاة في هذا البيت : نعتا ، كالجملة التي تلي النكرة ، فنزلوا المحلى بــ : "أل" الجنسية منزلة النكرة في دلالتها على الشيوع ، فالمقصود هنا : جنس اللئام لا لئيم بعينه ، وجنس اللئام ، معنى شائع لا حصر له لاسيما في أزماننا هذه !!!! .

ويؤيد ذلك أيضا :
أن العبرة في النصوص بــ : عموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما تقرر في الأصول ، فلا يحسن حمل "التجارة" في الآية على التجارة التي وفدت على المدينة ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم يخطب ، فإن في ذلك قصرا لعموم النص على صورة سببه ، والأصل في النصوص : العموم ، كما تقدم ، وغاية الأمر أن تكون الآية من قبيل : العام الوارد على سبب ، وهو حجة فيما عدا صورة السبب ، كما قرر الأصوليون ، فالسبب لا يعدو كونه فردا من أفراده ، وذكره في قصة نزول الآية من قبيل : ذكر بعض أفراد العام ، و : ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ، وإنما هو من قبيل المثال عليه ، فبه تعرف علة الحكم لتتعدى إلى بقية الأمثلة إما بنفس النص ، أو بالقياس عليه ، والخلاف لفظي ، فالنص ، في كلا الحالين ، يشمل كل الأمثلة التي تتساوى مع المثال المذكور في تحقق علة الحكم فيها ، وإنما ذكر تنبيها على البقية ، فهو بمنزلة النائب عنها ، ولو اشترطنا ذكر كل الصور المماثلة له في نفس النص الذي ورد فيه لنجري عليها حكمه لاحتجنا إلى آلاف الصفحات ، ولما امتاز القرآن الكريم عن أي مدونة فقهية تذكر فيها أحكام الفروع تفصيلا .

*****

ومن ذلك أيضا :
"أل" في : "البيت" في قوله تعالى : (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ، فهي للعهد الذهني ، لأن المقصود بها أهل بيت بعينهم : إبراهيم الخليل عليه السلام وسارة رضي الله عنها .

وكذلك "أل" في "البيت" في قوله تعالى : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) ، فالمقصود أهل بيت بعينهم : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزوجاته ، أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، بقرينة : "وقرن" و "لا تبرجن" و "أقمن" و "آتين" و "أطعن" ..... إلخ ، وإنما لم يقل في آخرها : "عنكن" لدخول سيد البيت صلى الله عليه وعلى آله وسلم معهن في إرادة الله ، عز وجل ، الشرعية ، تطهير أهل بيت النبوة ، بامتثال المأمور واجتناب المحظور فذلك لازم الإرادة الشرعية : إرادة افعل ولا تفعل ، فتكون "أل" هنا ، أيضا ، للعهد الذهني ، ولكنه عهد ذهني آخر غير المذكور في الآية الأولى ، لاختلاف السياق ، فهو العمدة في تحديد المعنى المراد .

وقد يراد به عهد آخر إذا ما دل عليه السياق ، وهو : آل البيت ، رضوان الله عليهم ، ممن تحرم عليهم الصدقة ، وقد حدهم أهل العلم بــ : آل علي ، وآل العباس ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، رضي الله عنهم جميعا ، كما في حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه ، فهذا عهد ثالث .

وأما "أل" في "البيت" في مثل قوله تعالى : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ، فهي لعهد رابع ، وهو : الكعبة : البيت الحرام كما دل عليه السياق فهو ، كما تقدم ، الفيصل في تحديد العهد المراد .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
10-07-2008, 09:50 AM
ومن ذلك أيضا :
قولك : ضربت زيدا الضربَ :
أي : الضرب المعهود ، فــ : "أل" في الضرب : للعهد الذهني .

*****

ومن ذلك أيضا :
"أل" في "الناس" في :
قوله تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
فــ : "أل" في "الناس" الأولى لعهد ذهني بينه سبب نزول الآية ، فهو : شخص بعينه : نعيم بن مسعود ، رضي الله عنه ، فيكون من باب : العام الذي أريد به خاص ، وهو مجاز عند من يقول بالمجاز ، إذ أطلق الكل وأراد البعض .

وكذا فــ : "أل" في "الناس" الثانية ، فهي ، أيضا ، لعهد ذهني فهو : شخص بعينه : أبو سفيان ، رضي الله عنه ، وكان قائد المشركين يوم أحد .

ومثله :
"الناس" في قوله تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
يقول أبو السعود رحمه الله :
"واللام في الناس للعهد والإشارةِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وحملُه على الجنس إيذاناً بحيازتهم للكمالات البشريةِ قاطبةً فكأنهم هم الناسُ لا غيرُ" . اهــ

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)
فالمقصود بــ : "الناس" : في الآية ، كل من عدا قريش ، فيكون ، أيضا ، من باب : العام الذي أريد به خاص ، ودلالته ، كما تقدم ، عهدية لأنه يدل على أفراد بعينهم من أفراد العموم الذي يدل عليه اللفظ بمادته ، وإن كانوا هم الأغلب ، ففي هذه الآية : عدد الأفراد الداخلين أكبر من عدد الأفراد الخارجين ، لأن العرب قاطبة أكثر عددا ، بلا شك ، من قريش بمفردها ، بخلاف "الناس" في المثالين السابقين ، إذ : عدد الأفراد الداخلين أقل من عدد الأفراد الخارجين ، فنعيم بن مسعود وأبو سفيان ، رضي الله عنهما ، يقابلان كل من يشملهم لفظ "الناس" ، فعددهم ، بلا شك ، أقل من عدد أفراد العام .

وكذلك :
قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فــ "أل" في "الناس" عهدية تدل على جماعة معهودة ، وهي : الجماعة المسلمة في عهد النبوة .

بخلاف :
"الناس" في مثل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ، فهي جنسية استغراقية على بابها .

و : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فهو عام لا مخصص له ، فكل الناس واقف أمام الباري ، عز وجل ، لا محالة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
26-07-2008, 10:52 AM
ومن ذلك أيضا :
لفظ "الأرض" :
فـــ : "أل" ، في "الأرض" في قوله تعالى : (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، جنسية استغراقية تفيد استغراق عموم ما دخلت عليه ، فهي بمعنى : "الأرضين" ، كما في حديث ابن مسعود ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ ..............) ، والحديث عند البخاري ومسلم رحمهما الله .

بخلاف "أل" في حديث الخصائص : (وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) ، فالأصل فيها أنها أيضا : جنسية استغراقية ، ويقوي ذلك أنها جاءت في معرض الامتنان ، والعموم مظنة الامتنان ، فإن تخصيص عموم المنة ينغصها ، ولكن هذا العموم قد خص بأدلة النهي عن الصلاة في أماكن بعينها كالمقبرة والحمام ، فصارت "أل" في "الأرض" : عموما أريد به خصوص بعينه ، وهو ما عدا الأماكن المنهي عن الصلاة فيها ، وهذا فيه معنى العهد الذي يتبادر إلى ذهن السامع الذي يعرف هذا الحكم .
والسر في تخصيص عموم هذه المنة مع أن الأصل فيها ، كما تقدم ، العموم : أن التخصيص إنما ورد صيانة للتوحيد : حق الله ، عز وجل ، على العبيد ، فلما تعلق الأمر بحق الله ، عز وجل ، خص العموم ، كما ذكر ذلك حافظ المغرب : أبو عمر يوسف ابن عبد البر المالكي ، صاحب "التمهيد" ، رحمه الله .

ومنه :
"أل" في "الأرض" في قوله تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) ، فالمقصود أرض معهودة بعينها وهي : مصر ، كما ذكر ذلك القرطبي ، رحمه الله ، في تفسيره .

و :
"أل" في "الأرض" في قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا) ، فالمقصود أرض معهودة بعينها وهي : أرض باليمن ، كما أثر ذلك عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وعينها مجاهد ، رحمه الله ، بـــ : "أبين" ، كما ذكر ذلك القرطبي ، رحمه الله ، في تفسيره .
ويرد على ذلك أنهما لم يقصدا تحديد هذه الأرض دون ما سواها ، فوصف "الجرز" : وهي الأرض التي قطع نباتها لعدم الماء أو لرعيه وإزالته ، يجري عليها وعلى غيرها ، فيكون قولهما من باب : التعريف بالمثال ، أو ذكر فرد من أفراد العموم ، وذكر بعض أفراد العام لا يخصصه كما قرر الأصوليون ، فالعموم المقيد بوصف عدم الإنبات أرجح في هذا الموضع من العهد .



*****
ومنه أيضا :
"أل" في "الصلاة"
فقد تكون جنسية كما في :
قوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) .
وقد تكون عهدية كما في :
قول المؤذن في صلاة الفجر : "الصلاة خير من النوم" ، فالمقصود صلاة معهودة بعينها وهي : صلاة الفجر بدليل عدم مشروعية هذا الذكر ، ويسميه الفقهاء : التثويب ، في غير أذان الفجر ، وورد عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أنه خرج من المسجد لما سمع المؤذن يثوب في أذان الظهر إنكارا على فاعله ، فدل ذلك على اختصاصه بصلاة معهودة وهي ، كما تقدم ، صلاة الفجر .

و :
قول المؤذن في الإقامة :
"قد قامت الصلاة" ، فهو يعني ، بداهة ، صلاة معهودة ، وهي الصلاة المقامة ، أيا كانت .

و :
قول المؤذن في صلاة الكسوف : "الصلاة جامعة" :
فلا تقال إلا في صلاة الكسوف ، خلافا لبعض الشافعية ، رحمهم الله ، الذين أجازوا النداء بها في صلاة العيد قياسا على الكسوف بجامع : دعوة الناس إلى الاجتماع ، وأورد عليهم أنه أمر تعبدي ، ولا قياس في الأمور التعبدية لأن مبناها التوقيف .
فالعهد فيها قاصر على صلاة الكسوف دون ما سواها .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
05-08-2008, 09:35 AM
ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) .
يقول الفخر الرازي رحمه الله : "الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا ؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده ، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه ، (وهذا خلاف قول الجمهور من الأصوليين الذين يرون عموم الاسم المحلى بــ "أل" الجنسية الاستغراقية) .
وأما إذا قلنا : إنه يفيد العموم فها هنا بحث ، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق ؟ الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى ، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملاً ويخرج عن الإفادة ، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه ، (ويرد على ذلك أن اللفظ بين بنفسه فليس مجملا يحتاج إلى بيان كلفظ : "الصلاة" ، فلها شروط وأركان وواجبات وسنن ومباحات ومكروهات ومبطلات ......... إلخ بينتها السنة) .

ويواصل ، رحمه الله ، فيقول :
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : من الناس من حمل قوله { والصلح خَيْرٌ } على الاستغراق ، ومنهم من حمله على المعهود السابق ، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة ، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة ، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى ، فاندفع استدلالهم والله أعلم" . اهــ بتصرف .

فجعل الفخر ، رحمه الله ، "أل" في "الصلح" : عهدية راجعة إلى الصلح المذكور قبلها ، فهي عنده من باب : "المعهود الذكري" إذ قد تقدم ذكره قريبا ، فحمله عليه عنده أولى من القول بالعموم .

وقصر اللفظ العام على فرد بعينه : خلاف الأصل ، فالأصل في ألفاظ الشارع ، عز وجل ، العموم ، وكثيرا ما يعبر الأصوليين عن ذلك بقولهم : "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" ، فاللفظ العام على أصله ، وإن ورد على سبب خاص ، وإن احتمل التخصيص بهذا السبب ، فهو احتمال بعيد وإن كان جائزا ، فلا يصار إليه إلا مع قرينة قوية تؤيد ذلك ، فجعل الصلح هنا : صلح من خافت من بعلها نشوزا دون غيره من صور الصلح : قصر للفظ العام على صورة السبب الذي ورد عليه دون بقية صور الصلح ، وفي هذا إهدار لعموم لفظ "الصلح" ، والأصل في النصوص : الإعمال لا الإهمال فيعمل بعمومها ما أمكن ، وهذا من أوجه بلاغة نصوص هذه الشريعة التي توي ألفاظها القليلة المعاني الكثيرة ، فلا يعدل عن ذلك ، كما تقدم ، إلا بقرينة ترجح الخصوص ، وهو خلاف الأصل ، على العموم الذي هو الأصل في هذا الباب .

وحتى الأصوليون الذين منعوا إفادة العموم بنفس مادة اللفظ ، لم يمنعوا إفادته بالقياس عليه ، فعموم العلة عندهم معتبر ، بخلاف من حملها على العهد فإنه يهدر المعنى الذي بني عليه الحكم ، بقصره على صورة بعينها .

*****

ومنه "أل" في "المنبر" في حديث عمر ، رضي الله عنه ، وفيه : ...... سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ : قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ..............

فهي للعهد الذهني فهو منبر بعينه ، وهو : منبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" .

ويلتحق به نحو حديث ابن عباس رضي الله عنهما : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ .

*****

ومنه قوله تعالى : (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) .
فــ : "أل" في : "الحجر" للعهد الذهني فهو حجر بعينه كان موسى عليه الصلاة والسلام يحمله معه ، وقيل : ليس حجرا بعينه ، ورجحه أبو السعود ، رحمه الله ، في تفسيره ، فتكون "أل" : جنسية تفيد ماهية الحجر ، أي : اضرب حجرا من جنس الحجارة التي تقابلك أيا كان .

*****

ومنه لفظ "الإمام" ، فإنه إن أطلق في :
باب السياسة كان دالا على ماهية من يتولى أمر الأمة .
أو أطلق في باب الصلاة : كان دالا على ماهية من يؤم الناس في الصلاة .
أو أطلق في العلم والديانة كان دالا على ماهية من يقتدى به .
و "أل" في كلها : "جنسية" تفيد ماهية ما دخلت عليه ، وقد تفيد العموم بقرينة .

ولكنه إن أطلق في علوم القرآن ، في مبحث : "جمع القرآن" تحديدا ، انصرف إلى معهود بعينه وهو : "مصحف عثمان رضي الله عنه" فصارت "أل" عهدية بهذا الاعتبار .

والله أعلى وأعلم .

أ.د. أبو أوس الشمسان
05-08-2008, 09:55 AM
وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته أيها الكريمان .

وبالإضافة إلى ما تفضل به الأستاذ جمال :
هناك عهد كنائي ، كما في قوله تعالى : (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) ، فهو كناية عن أمر استقر في أذهانهم ، وهو أنهم كانوا ينذرون الذكور لخدمة بيت العبادة دون الإناث ، فلما وضعتها أنثى ، اعتذرت بأن هذه خلاف ما عهدوه من نذر الذكور .

والله أعلى وأعلم .
عزيزي مهاجر
لست أراها إلا ذهنية وإنما تختلف أحوال ذلك العهد.

أ.د. أبو أوس الشمسان
05-08-2008, 10:03 AM
قد يتوهم بعض الناس فيعد ما هي من قبيل العهد الحضوري من قبيل العهد الذكري، مثل:
دخل علينا رجل فقال والدي أكرموا الرجل.
فالعهد حضوري لا ذكري لأنهما وردتا في سياقين أحدهما الرواية والآخر مقول القول. وتأمل:
دخل علينا رجل فأكرمنا الرجل.
فالعهد هنا ذكري.

مهاجر
07-08-2008, 09:19 AM
جزاك الله خيرا د . أبا أوس ، أيها الكريم ، على المرور والتعليق .
التقسيم الاصطلاحي يبدو شديد التداخل ، فهي ، كما قلت : ذهنية ، لأن الذهن لا ينتقل من ظاهر الكناية إلى المراد منها إلا إن كان عنده تصور سابق عن مقصود المتكلم منها ، فهي أشبه ما تكون بالأمثال الجارية على الألسن ، فقد يفهم المصري من أمثال بلده ، التي تجري مجرى الكنى ، ما لا يفهمه المغربي ، لتداول المعنى وحضوره في ذهنه ، بخلاف المغربي ، الذي يجهل مرادات أهل مصر ، وإن كان يفهم لغتهم إجمالا ، والعكس صحيح ، فتلك كهذه .

والعهد الذكري ، كما تفضلت ، يكون المعهود فيه قريب الذكر ، فلا يستدعي إلا مجرد إشارة إليه ، لقرب العهد به ، ولعل من أشهر شواهده القرآنية : "أل" في "الزجاجة" في قوله تعالى : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ) ، فلم يفصل بين "أل" العهدية والمعهود الذي تدل عليه أي فاصل ، فالعهد قريب جدا ، بل يكاد يكون حاضرا ماثلا في ذهن القارئ أو المستمع .


ومن الأمثلة التي تتعلق بالموضوع الأصلي لهذه المداخلات :

قوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) :
فإن : "الأشهر الحرم" تحتمل أحد معنيين :
الأول : الأشهرَ الحرم المعهودة : رجب الفرد وذا القعدة وذا الحجة والمحرم ، فتكون "أل" : للتعريف .
أو : "الأشهر الحرم" التي تقدم ذكرها في قوله تعالى : (فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) :
فتكون "أل" للعهد الذكري ، لتقدم ذكرها ، وهي الأشهر التي أُجِل المشركون ممن لا عهد لهم ، أو لهم عهد أقل من أربعة أشهر ، إلى آخرها ، بخلاف من له عهد مؤقت بأكثر من أربعة أشهر ، فيوفى له عهده ، كما اختار ذلك جمع من المفسرين .

وهذا اختيار ابن كثير ، رحمه الله ، إذ يقول :
"والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه ، وبه قال مجاهد ، وعمرو بن شعيب ، ومحمد بن إسحاق ، وقتادة ، والسدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله : { فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [التوبة: 2] ثُمَّ قَالَ : { فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ } أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم ، وأجلناهم فيها ، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم ، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر ، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة" . اهــ
"تفسير القرآن العظيم" ، (4/53) ، طبعة الشعب .

فإن في حملها على الأشهر الحرم المعهودة يلزم منه أن مدة سياحتهم في الأرض لن تتجاوز خمسين يوما ، لأن هذه الأذان ، أُذِنَ به يوم النحر ، فيكون بينه وبين نهاية المحرم : خمسون يوما : عشرون من ذي الحجة ، وشهر المحرم ، وهذا خلاف النص الذي قدر العهد بــ : أربعة أشهر .

فحملها على المذكور سابقا أولى من هذه الوجه ، فتكون "أل" فيها للعهد الذكري .
فضلا عن كون الأشهر الحرم المعهودة سيأتي ذكرها في قوله تعالى : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) ، فالقول بأن أشهر العهد المضروب في الآية الأولى هي نفسها : الأشهر الحرم في الآية الثانية حمل للكلام على التكرار توكيدا ، بخلاف حمل الأول : على معنى ، والآخر على معنى مغاير ، ففيه تأسيس لمعنى جديد ، وقد قرر أهل العلم في مواضع كثيرة : أن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد إذا احتملهما الكلام ، إذ الأصل في نصوص الشرع : تأسيس معان وأحكام جديدة ما أمكن ، فلا يصار إلى التكرار الذي لا يفيد إلا التوكيد إلا عند تعذر استنباط معنى جديد ، كما قال أهل العلم في مثل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا) ، فإنه يحتمل :
توكيد معنى الإيمان المذكور في جملة الصلة ، وتأسيس : الأمر بالثبات على هذا الإيمان ، فيكون فيه معنى زائد ، يحسن ترجيحه من جهة إفادته معنى جديدا لم يفده التوكيد المجرد .

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْن) :
فإن الأمر الثاني يحتمل توكيد الأول ، ويحتمل تأسيس أمر جديد بالثبات على الإسلام ، فيكون الأول : أمر بالإنشاء ، والثاني : أمرا بالثبات ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" .

*****

ومنه أيضا :
لفظ : "المدينة" ، في قوله تعالى : (قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ) .
فإن "أل" في "المدينة" : للعهد الذهني ، وهي مصر ، فلا يمكن حملها على الماهية ، أو على معهود آخر غير مصر ، فإن فرعون لم يظهر إلا في مصر !!!! .

وكذلك في قوله تعالى : (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) :
"أل" للعهد الذهني ، فهي تشير إلى أرض الحجر التي بعث إليها صالح عليه الصلاة والسلام ، كما أشار إلى ذلك القرطبي رحمه الله .
وقوله تعالى : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) : فإن هذه المدينة : مدينة بعينها هي : مدينة منف ، إحدى مدن مصر ، كما أشار إلى ذلك القرطبي رحمه الله .

وكذلك "المدينة" في قوله تعالى : (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) ، فإن "أل" في "المدينة" هنا تفيد عهدا ذهنيا ، اختار جمع من المفسرين أنه مدينة "أنطاكية" ، المدينة المعروفة في بلاد الشام ، وخالف جمع آخر ، منهم شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" ، إذ المعروف أن أهل أنطاكية أسلموا لما بعث إليهم المسيح صلى الله عليه وعلى آله وسلم اثنين من أتباعه يدعوانهم إلى الحق ، بخلاف المدينة المذكورة في سورة يس ، فقد أُرْسِلَ إليها ثلاثة رسل ، يوحى إليهم ، فكذبوا ، فكان من أمرهم ما كان ، وعليه رجح أصحاب هذا القول أن هذه المدينة ليست أنطاكية ، وأن هذا البعث كان قبل زمن المسيح صلى الله عليه وعلى آله وسلم .


بخلاف "المدينة" في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) .
فإن المدينة هنا هي : المدينة النبوية ، على ساكنها ، أفضل الصلاة والسلام ، فهي أشهر معهود تدل عليه "أل" في لفظة "المدينة" ، فإليها ينصرف العقل والقلب ابتداء ، إذا أطلقت ، وقد اصطلح النحاة على تسمية هذا النوع من الأعلام بــ : "العلم بالغلبة" ، ومثلوا بنحو قولك : "الكتاب" : علما على كتاب سيبويه رحمه الله ، وإلى ذلك أشار صاحب الألفية ، رحمه الله ، بقوله :
وقد يصير علما بالغلبة ******* مضاف أو مصحوب "أل" كالعقبة
يقول ابن عقيل ، رحمه الله ، شارحا :
"من أقسام الألف واللام أنها تكون للغلبة ، نحو : "المدينة" ، و "الكتاب" ، فإن حقهما الصدق على كل مدينة وكل كتاب ، لكن غلبت "المدينة" على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، و "الكتاب" على كتاب سيبويه ، رحمه الله تعالى ، حتى إنهما إذا أطلقا لم يتبادر إلى الفهم غيرهما" . اهــ

والله أعلى وأعلم .

أ.د. أبو أوس الشمسان
07-08-2008, 11:29 AM
بوركت يا مهاجر لا مزيد على ما أفضت به وفصلت فاسلم ودم في رعاية من الله.

مهاجر
10-08-2008, 10:19 AM
وبوركت د : أبا أوس وسلمت ودمت في رعاية الله وجوزيت خيرا على المرور والدعاء أيها الكريم .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) ، فإن "أل" في "اليهود" : عهدية تعود على قوم بعينهم ، فليس كل اليهود قال هذا القول الباطل ، بل إن جفاء الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، كان أصلا فيهم ، فخرج من خرج منهم عن طريقة القوم المطردة في الجفاء ، إلى طريقة النصارى في الغلو ، فمن طرف إلى طرف ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم .
فيكون إطلاق لفظ "اليهود" في هذه الآية من باب : إطلاق الكل ، وإرادة البعض ، أو : إطلاق العام وإرادة الخاص ، فيكون من قبيل العام الذي أريد به خاص ، وإلى ذلك أشار القرطبي ، رحمه الله ، بقوله : "قوله تعالى : (وقالت اليهود) هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص ، لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك . وهذا مثل قوله تعالى : (الذين قال لهم الناس) . [ آل عمران : 173 ] ولم يقل ذلك كل الناس" . اهــــ
"الجامع لأحكام القرآن" ، (8/100) .
والعام الذي يراد به الخاص من صور المجاز عند من يقول به ، لأن عمومه غير مراد .

وقد يقال بأن اللفظ ، وإن اختص بقوم بعينهم ، إلا أن الذم اللاحق بهم ، يلحق من سار على طريقتهم ، فلو وجد في زماننا من يغلو في العزير ، عليه السلام ، لانسحب عليه الحكم ، إما بنفس اللفظ ، وإما بالقياس عليه ، فكلا الطريقتين صحيحة في الاستدلال ، وإن كانت الأولى أرجح من جهة كون الأصل في الألفاظ ، بل والمعاني ، عند جمع من الأصوليين : العموم ، لا خصوص من نزلت فيه ابتداء .

ومثل ذلك خطاب بني إسرائيل في القرآن ، في نحو قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فالخطاب موجه إلى بني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قياسا على أسلافهم ، فإن الميثاق لم يؤخذ منهم ، وإنما لزمهم باعتبار لزومه من قبلهم ، فإما أن ينسحب عليهم بنفس اللفظ إذ المعنى معلق على وصف : "اليهودية" فكل من دان بها لزمه ما لزم اليهود الأوائل ، وإما أن ينسحب عليهم قياسا على الأوائل ، وعلى هذا فقس .

وفي آية الطور : عهد في "أل" في "الطور" ، أشار إليه الألوسي ، رحمه الله ، بقوله : "والطور قيل : جبل من الجبال ، وهو سرياني معرب ، وقيل : الجبل المعين" . اهـــ
فإما أن يكون مكافئ لفظ "الطور" في لغة العرب : "الجبل" ، باعتبار ماهيته ، فتكون "أل" فيه : جنسية تفيد ماهية الصخر المتجمع ، فالمقصود جبل من الجبال بغض النظر عن عينه ، وإما أن تكون عهدية في جبل معين ، رفع فوقهم ، وهو جبل الطور في سيناء ، وهو الأقرب .

ومنه قوله تعالى : (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)
فإن "أل" في "الإنسان" : عهدية من جهة أن المقصود بــ : "الإنسان" هنا : الكافر ، فيكون ، أيضا ، من العام الذي أريد به الخاص ، وهذا من أدلة من قال بأن : "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" ، فالعام الوارد على سبب يعم كل من تحققت فيه صورة السبب ، فمناط العموم هنا : "وصف الجدل" ، وهو وصف قد يتحقق في آحاد المؤمنين بل في ساداتهم ، ولا يعني ذلك أنهم كفار لمجرد تلبسهم بأمر وقع فيه الكفار ، فإن الجدل أمر جبلت عليه نفوس البشر ، وإن امتاز الكفار بكونهم أكثر الناس جدلا ، ولهذا انصرف عموم لفظ "الإنسان" في الآية إلى إليهم .

ولهذا استدل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الآية ، لما أيقظ عليا وفاطمة ، رضي الله عنهما ، ليصليا ، فقال علي رضي الله عنه : "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا" . فَانْصَرَفَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ : { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } ، فلا يقول عاقل بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد مساواة علي ، رضي الله عنه ، بالكفار من كل وجه لمجرد أنه استدل في حقه بآية نزلت في الكفار ، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام : عموم وصف الجدل .

وهذا اختيار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، في مذكرته في أصول الفقه على روضة ابن قدامة رحمه الله .


ونظيره ما رواه مالك ، رحمه الله ، في "الموطأ" : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوْ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ
{ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } .
فهذه الآية ، أيضا ، في حق الكفار ، ومع ذلك لم يقل أحد بأن جابرا ، رضي الله عنه ، داخل فيها من كل وجه ، وإن صح استدلال عمر ، رضي الله عنه ، بعمومها من هذا الوجه بجامع وصف : تلبية كل رغبات النفس وعدم حجزها عن شهواتها ، وهو ما دل عليه لفظ عمر ، رضي الله عنه ، في رواية ابن أبي شيبة ، رحمه الله ، في مصنفه : "كلما اشتهيت شيئا اشتريته ؟" .
وهذا أصل في إعمال عمومات النصوص ما أمكن ، فالأصل فيها ، كما تقدم ، العموم ، وإن وردت على أسباب أو أشخاص بعينهم .

وفي الآية عهد آخر في "الناس" ، وهو من أشهر الألفاظ التي أريد بها العهد في الكتاب العزيز ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مداخلة سابقة ، والمقصود به هنا : أهل مكة ، باعتبار أن السورة مكية ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، في تفسير الآية التالية : (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) ، بقوله : "{ وَمَا مَنَعَ الناس } أي أهلَ مكةَ الذين حُكيت أباطيلُهم" . اهـــــ
ويقال هنا ، أيضا : هي خاصة بهم باعتبار السبب ، فدخولهم فيها قطعي لا يقبل التخصيص ، عامة في كل مكذب باعتبار المعنى ، إما بنفس اللفظ ، أو قياسا عليه ، وعموم اللفظ أرجح من القياس عليه .


ومنه أيضا :
قوله تعالى : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) .
فإن "أل" في "الظالم" هنا : عهدية ، إذ المقصود في الآية إما :
"عقبة بن أبي معيط" ، عليه من الله ما يستحق ، الذي آذى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإيعاز من خليله الآثم : أمية بن خلف .
وإما "الكافر" فيكون المقصود هنا ، نوعا من الظلم بعينه وهو : الكفر ، أعظم وأقبح أنواع الظلم ، فتكون "أل" عهدية في الكفر لا مطلق الظلم ، ويكون تفسير هذه الآية ، كتفسير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الظلم في قوله تعالى : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ، بالشرك في قوله تعالى : (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .
ويقال هنا ، أيضا ، بعموم لفظ الآية ، وإن وردت على سبب خاص ، كما اطرد في الآيات السابقة ، وإليه أشار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، في "أضواء البيان" بقوله : "من المشهور عند علماء التفسير أن الظالم الذي نزلت فيه هذه الآية ، هو عقبة بن أبي معيط ، وأن فلاناً الذي أضله عن الذكر أمية بن خلف ، أو أخوه أبي بن خلف ، وذكر بعضهم أن في قراءة بعض الصحابة : "ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً" ، وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير ، لا القراءة ، وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ ، لا بخصوص الأسباب ، فكل ظالم أطاع خليله في الكفر ، حتى مات على ذلك يجري له مثل ما جرى لابن أبي معيط" . اهــ

وقول الشيخ رحمه الله :
"...................... "ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً" ، وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير ، لا القراءة " ، إشارة منه إلى نوع من القراءة اصطلح أهل العلم على تسميته بـــ : "القراءة التفسيرية" ، كقراءة ابن مسعود ، وأبي ، رضي الله عنهما : "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غَصْبًا" ، وقراءة ابن عباس رضي الله عنهما : "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" .

فــ : "صالحة" وصف يصلح لتعليق علة الاستيلاء عليه ، وإلا صار عيبها : عبثا لا طائل منه ، إذ ما فائدة ذلك إذا كان الملك يستولي على كل سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة ؟!!! ، فصار تقديره من قبيل : "دلالة الاقتضاء" ليتم المعنى باللفظ المقدر ، وصار حذفه من باب : "الإيجاز بالحذف" ، لدلالة السياق عليه ، ومثله قوله تعالى : (قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) ، أي : البين ، وإلا فهو قد جاء به ابتداء ، ولكنه خفي عليهم لتعنتهم وتكلفهم في السؤال .

وكذلك قراءة ابن عباس رضي لله عنهما : "أمامهم" ، فــ : "الوراء" في الآية بمعنى : "الأمام" كما ذكر ذلك جمع من المفسرين ، لأنهم وفدوا على أرض ذلك الملك لا أنه كان يطاردهم ليصح حمل اللفظ على "الوراء" المعهود ، فيصير اللفظ بذلك من "الأضداد" التي تدل على المعنى وضده ، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد .

فقراءة : "ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً" : يصح حملها على أنها قراءة تفسيرية بينت عين من نزلت فيه الآية ابتداء ، فهي إلى بيان سبب النزول أقرب منها إلى القراءة . أو يقال هي من باب : "التفسير بالمثال" ، فيكون ذكر "أبي" مثالا يفسر عموم "الظالم" ، فيقاس عليه أمثاله ، ولا يختص اللفظ به ، لأن ذكر بعض أفراد العام على سبيل التمثيل لا يخصصه كما قرر الأصوليون .

ومثله : ما رواه الحاكم ، رحمه الله ، في "مستدركه" من طريق : مسروق ، قال : قرأت عند عبد الله بن مسعود : (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله) قال : فقال ابن مسعود : إن معاذا كان أمة قانتا . قال : فأعادوا عليه فأعاد ، ثم قال : أتدرون ما الأمة ؟ الذي يعلم الناس الخير ، والقانت الذي يطيع الله ورسوله .
وهو عند الطبراني ، رحمه الله ، في "معجمه الكبير" ، وفيه اختلاف ليس هذا موضع بيانه .
فإن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، استدل بعموم المعنى ، فذكر معاذا ، رضي الله عنه ، لتحقق وصف "الأمة" فيه ، لا أنه قصد تبديل القراءة ، فيكون ذكره لمعاذ ، رضي الله عنه ، من باب ذكر فرد من أفراد العام ، فلا يخصصه ، على التفصيل المتقدم ، فإن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، ما قصد إلا بيان فضل إمام العلماء : معاذ رضي الله عنه .

وهذه القراءات ، بطبيعة الحال ، تحمل على أنها موقوفات على من رويت عنهم ، فلم تثبت قرآنا ، لأن أصحابها ، لم ينسبوها إلى القرآن أصلا ، فتجري مجرى التفسير ، كما تقدم ، ولو نسب القارئ قراءة كهذه إلى القرآن بسند آحاد ، فالأصوليون مجمعون على أنها لا تثبت قرآنا ، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، فتحمل على أنها خبر آحاد ، يحتج به ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، في الأحكام الشرعية ، ولا تجوز قراءته قرآنا ، فلا تنعقد به صلاة ، ولا يثاب قارئه ثواب قارئ القرآن ، وإلى هذا التفصيل جنح الماوردي رحمه الله . وبه تزول شبهة من تعلق بهذه القراءات التفسيرية أو الآحادية ليثبت وقوع التبديل في آي الكتاب العزيز ، وما درى المسكين أن ما يستدل به ليس داخلا في حد القرآن أصلا ، لعدم تواتر نقله !!!! .

وفي الآية ، أيضا ، عهد ذكري ، في لفظ : "السفينة" في قوله تعالى : (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) ، لتقدم ذكرها في قوله تعالى : (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) ، بخلاف العهد في قوله تعالى : (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) ، فهو عهد ذهني في سفينة نوح عليه الصلاة والسلام إذ لم يتقدم ذكرها في السياق الذي وردت فيه .

ومنه أيضا :
"الأعمى" ، في قوله تعالى : (أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) ، فــ : "أل" فيه لمعهود ذهني هو : عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه .
بخلاف "أل" في "الأعمى" في قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) ، فهي جنسية استغراقية لعموم من ابتلي بعلة العمى .

ومن ذلك أيضا :
الألقاب التي صارت أعلاما على أصحابها كــــ :
الصديق ، والفاروق : فقد نزلا منزلة العلم الدال على شخص شيخي قريش : أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، فصح وقوعهما عطف بيان ، مع كونهما مشتقين ، والأصل في عطف البيان أن يكون جامدا ، لأنهما نزلا منزلة العلم ، والعلم من الجوامد التي يصح وقوعها عطف بيان .

ومثله :
الأعرج : علما على الراوي الشهير : عبد الرحمن بن هرمز ، رحمه الله ، الذي يروي عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، وقد عد أهل العلم : ترجمة : أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة من أصح الأسانيد ، لاسيما إن كان الراوي عن أبي الزناد : "مالكا بن أنس" رحمه الله .
و : الأعمش : علما على الراوي الشهير : سليمان بن مهران ، رحمه الله ، وهو من أئمة الحديث في الكوفة .
والأخفش : علما على أبي الحسن ، رحمه الله ، النحوي الشهير ، وإن اشترك معه غيره في هذا اللقب ، ولكنه ينصرف إليه أول ما ينصرف .
والأعشى : علما على الشاعر المشهور : "أعشى قيس" .
وهكذا في بقية الألقاب المحلاة بـــ : "أل" التي صارت أعلاما على أشخاص بعينهم فينصرف الذهن إليهم أول ما ينصرف عند سماعها ، فتحقق فيها معنى العهد من هذا الوجه .

والله أعلى وأعلم .

أيمن الوزير
10-08-2008, 11:57 AM
ما كل هذا أخي مهاجر لقد أفضت وأفضت
ولكن
هل توضيح بسيط وتفريق بين أل الجنسية وأل الاستغراق

مهاجر
12-08-2008, 09:35 AM
جزاك الله خيرا ، أيها الكريم ، على المرور والتعليق .

الجنسية ، أخي أيمن ، إما :
لبيان الماهية دون استغراق : كالمثال الذي يذكره النحويون : الرجل خير من المرأة ، أي أن : جنس الرجال خير من جنس النساء جملة ، لا تفصيلا ، فليس المقصود أن كل رجل خير من كل امرأة ، ليقال بأنها تستغرق كل أفراد الجنسين ، فهذا أمر يكذبه الواقع ، إذ كثير من آحاد النساء خير من كثير من الرجال ، ولكن إذا قوبل الجنس بالجنس فجنس الرجال خير ، ولذلك اختصهم الله ، عز وجل ، بالنبوة ، والقوامة ............. إلخ .

وإما أن تكون استغراقية : فتفيد استغراق عموم ما دخلت عليه ، فيكون المقصود الماهية وزيادة : ماهية الشيء وكل أفراده في نفس الوقت ، كقوله تعالى : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) ، فإن "أل" في "الطفل" : جنسية استغراقية تعم كل طفل فيكون الطفل بمعنى : "الأطفال" .

*****

ومن الأمثلة التي قد تأتي للعهد :
"الفلك" : فهو مثل "السفينة" التي سبق ذكر طرف منها في مداخلة سابقة :
ففي قوله تعالى : (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) : "أل" عهدية تشير إلى فلك بعينه هو فلك نوح عليه الصلاة والسلام .
بخلاف الفلك في قوله تعالى : (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فــ : "أل" فيه : جنسية تفيد ماهية الفلك .

ومن ذلك أيضا :
قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ) .
فإنه ، للوهلة الأولى ، قد يتوهم الناظر ، تعارضا ، بين هذا الحديث ، وأحاديث الوعيد التي فيها وعيد خاص على معاص بعينها ، توعد الله ، عز وجل ، فاعلها بدخول النار ، من قبيل : (............ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ قَدْ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ..............) ، وفيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين حكموا بخلود مرتكب الكبيرة في النار إن مات من غير توبة ، فإن امتحاشهم في النار ، دليل على طول عذابهم فيها ، مع أنهم قالوا : لا إله إلا الله ، مبتغين بها وجه الله ، فمعهم أصل التوحيد المنجي ، وإلا ما خرجوا من النار أصلا ، والجواب على ذلك :
أن "أل" في "النار" : عهدية ، فهي تشير إلى نار مخصوصة ، لا يدخلها من مات على التوحيد ، وإن عظمت ذنوبه ، وهي النار التي أعدها الله ، عز وجل ، للكفار والمنافقين ، فهي دار عذاب أبدية لا تفنى ، في مقابل الجنة : دار النعيم الأبدية ، فهي ، أيضا ، لا تفنى ، وبينهما واسطة ، وهي نار أعدها الله ، عز وجل ، لعصاة الموحدين ، تطهيرا لهم ، قبل دخول الجنة انتهاء ، ففي فنائها ، وقع الخلاف ، فاختار بعض أهل العلم ، كابن القيم ، رحمه الله ، فناءها ، وإليه أشار بقوله : "ولما كان الناس ثلاث طبقات : طيب لا يشوبه خبث ، وخبيث لا طيب فيه ، وآخرون فيهم خبث وطيب ، كانت دورهم ثلاثة : دار الطيب المحض ، ودار الخبيث المحض ، وهاتان الداران لا تفنيان ، ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى ، وهي دار العصاة ، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد ، فإنهم إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة ، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبيث المحض" . اهـــ

وبذلك خرج بعض أهل العلم الخلاف في مسألة فناء النار ، فالخلاف فيها قد وقع بين السلف ، رحمهم الله ، وامتد إلى بعض أهل العلم المتأخرين ، وهو من الخلاف السائغ الذي لا يضلل المخالف فيه ، فلكل حظ من الأثر والنظر ، والله أعلم .

وقال بعض أهل العلم : معنى التحريم على النار هنا : تحريمهم عليها انتهاء ، لا ابتداء ، فتمس النار ابتداء من شاء الله ، عز وجل ، أن تمسه من عصاة الموحدين ، فوعيده ، جل وعلا ، قد يتخلف ، بموانع اصطلح أهل العلم على تسميتها بـــ : "موانع نفاذ الوعيد" ، فيعفو عمن شاء فضلا ، ويعذب من شاء عدلا ، عذابا غير مؤبد ، كما تقرر من أصول أهل السنة ، فأولئك يحرمون على النار بعد خروجهم منها ، فلا تمسهم بعد ذلك ، خلافا للمعتزلة الذين يوجبون على الله عز وجل إنفاذ وعيده في حق العصاة .

ونظير هذا الخلاف : الخلاف في أحاديث الوعيد بالحرمان من دخول الجنة على ذنوب مخصوصة كقطيعة الرحم ، وإدمان الخمر ، والدياثة ، والنميمة .
فإن الجنة التي توعد أولئك بالحرمان من دخولها : جنة مخصوصة أعدها الله ، عز وجل ، لمن سلم من تلك الذنوب ، كما اختار جمع من أهل العلم ، فتكون "أل" فيها عهدية تشير إلى جنان مخصوصة بعينها لا جنس الجنان الذي يدخله كل موحد ، وإن طال عذابه في النار ، عياذا بك اللهم من حرها وسمومها .

وقال بعض أهل العلم : لا يدخلها ابتداء ، فيطهر أولا في نار عصاة الموحدين ، إن شاء الله ، عز وجل ، بعدله : تطهيره بها قبل دخول الجنة ، فإذا ما طهر ، دخلها دخولا أبديا لا عذاب بعده .


ومن ذلك أيضا :
حديث : (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الظُّرُوفِ) .
فإن "الظروف" في هذا الحديث : ظروف معهودة ، تقدم ذكرها في حديث وفد عبد القيس : "الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ" ، لأن الانتباذ فيها ، مظنة الإسكار ، بخلاف الانتباذ في أوعية الجلد ، فإن النبيذ إذا اشتد فيها مزقها ، فصار ذلك مسوغا للانتباذ فيها ، لوجود العلامة الفارقة بين النبيذ المسكر وغير المسكر ، بخلاف تلك الأوعية فإن النبيذ قد يشتد فيها دون أن يشعر أحد ، لصلابة جدرها ، فلا يوجد في تلك الحال علامة فارقة كالحالة الأولى .
فتكون "أل" عهدية ، تشير إلى أنواع بعينها ، لا كل ظرف ، وقد نسخ هذا النهي بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الظُّرُوفِ وَإِنَّ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) ، فصار من منسوخ السنة بالسنة ، وصار مما علم نسخه بنص صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) .
فإن "أل" في "العالمين" : عهدية ، تشير إلى عاملي زمانهم ، دون من سواهم ، فقد نزعت منهم هذه الفضيلة لما حادوا عن الجادة ، فلا إشكال في الجمع بين هذه الآية ، وقوله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، فإن فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ناسخة لفضيلة من سبقها من الأمم ، وهي ، أيضا ، مقيدة ، بلزوم الجادة : (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فإذا ما حادت أمة الإسلام عنها ، فلا نسب بين الله ، عز وجل ، وبين أحد من عباده ، إلا الطاعة .

ومثله :
قوله تعالى : (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) : فإن "أل" في "العالمين" عهدية ، تشير إلى عالمي زمانهم دون من سواهم ، والضيوف منهم خاصة ، فقد نهوا لوطا ، عليه السلام ، عن الضيفان ، ليغدروا بهم ، كما قد علم من سيرتهم الخبيثة .

يقول ابن أبي العز ، شارح الطحاوية ، رحمه الله :
"قد يذكر "العالمون" ، ولا يقصد به العموم المطلق ، بل في كل مكان بحسبه ، كما في قوله تعالى : { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } ، و : { قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ } ، و : { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ } ، و : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }" . اهــــ

بخلاف "العالمين" في قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) : فإن ذكره من باب العموم المطلق ، فتكون "أل" : جنسية استغراقية ، وإن كان الجمع لا يقصد به إلا العقلاء ، بخلاف المفرد : "عالم" : الذي يعم بأصل وضعه : العاقل وغير العاقل ، ولكن ذكر الجمع هنا من باب التغليب ، بقرينة عموم ربوبية الله ، عز وجل ، العقلاء ، وغير العقلاء ، فهو رب كل شيء ومليكه .


وكذلك في قول عَمَّارٌ رضي الله عنه : "ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ" . اهـــ

فإن "أل" فيها ، أيضا ، للاستغراق الجنسي ، وإن قصد بها العاقل ، فقط ، مع أن أصل وضعها ، كما تقدم ، يعم العاقل وغير العاقل ، لقرينة إلقاء السلام ، فالسلام لا يلقى على غير العاقل من شجر وحجر ، فهي عامة باعتبار ما يقبل إلقاء السلام ، ولقائل أن يقول ، إن معنى العهد فيها حاصل من جهة أن هذا العموم مخصوص بالمؤمنين دون من سواهم ، فلا يشرع بدء الكافر بالسلام .
فتكون من قبيل العام الذي أريد به الخاص بقرينة نحو حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ ............) الحديث .

فإن تحية الكافر ، تكون بغير السلام ، إن احتاج المسلم إلى ذلك .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
15-08-2008, 07:53 AM
ومنه قوله تعالى : (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) .
فإن "المنكر" : اسم لكل ما تنكره الشرائع والفطر والعقول ، ولكن المقصود به في هذه الآية : الفاحشة المعهودة التي تلبس بها أولئك القوم ، وأشار بعض المفسرين إلى أن "المنكر" يشمل مجموعة معاص تلبسوا بها إلى جانب تلك الفاحشة ، فإما أن يكون العهد في هذه الآية : خاصا بفعل بعينه ، أو بمجموعة أفعال ، فالعهد في كلا الحالين حاصل .

*****

ومثله :
قوله تعالى : (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ، فإن "الفاحشة" هنا ، أيضا ، هي الفاحشة المعهودة ، بقرينة ذكر لوط ، عليه السلام ، وقومه ، ولقائل أن يقول : وهي مع ذلك تفيد استغراق معاني الفحش ، فتكون استغراقية من هذا الوجه ، إذ لا تعلم فاحشة اجتمع فيها من معاني القبح ما اجتمع في تلك الفعلة الشنيعة ، ولذلك كانت عقوبتها من أشد العقوبات ، فينكس فاعلها من عل ، جزاء وفاقا لانتكاس فطرته .
ومعنى الإنكار مؤكد بالاستفهام التوبيخي : (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) ، فإن ما بعده واقع ، فقد ارتكبوا ما ارتكبوا ، وكان ما كان ، فلم يعد الإنكار كافيا ، بل التوبيخ في حقهم أليق ، وقوله تعالى : (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ) ، تكرير للتوبيخ ببيان إجمال "الفاحشة" في الآية الأولى ، وهو ما أكد معنى العهد المراد ، والإضراب في : (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) : إضراب انتقالي من توبيخ إلى آخر ، وهذا مما يسوغ القول بأن "أل" هنا ، يصح أن تكون استغراقية لكل معاني القبح ، الذي يناسبه كل هذا الكم من التقريع والتوبيخ .

*****

ومنه قوله تعالى : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، فإن "أل" في "الفحشاء" في هذا السياق تشير إلى معهود بعينه هو : "البخل" بقرينة ورودها في سياق الحث على الإنفاق في سبيل الله ، وضده البخل الذي يأمر به الشيطان .
يقول أبو السعود رحمه الله :
"{ وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء } أي بالخَصلة الفحشاء أي ويغريكم على البخل ............. والعربُ تسمي البخيلَ فاحشاً قال طرفةُ بن العبد :
أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي ******* عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ" . اهـــ

*****

ومنه أيضا :
قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إذا زنى العبد ، نزع منه الإيمان ، فإن تاب ، أعيد إليه) .
فإن "الإيمان" المنزوع : هو الإيمان الواجب اللازم للنجاة من الوعيد ، فليست "أل" : جنسية ، وإلا صح نفي مطلق الإيمان ، عن الزاني ، فيكفر بكبيرته ، كما قالت الخوارج ، وإنما المقصود إيمان معهود هو : الإيمان الواجب ، كما تقدم ، فالزاني ينتفي عنه : كمال الإيمان الواجب ، دون أصله ، إلا إن استحل كبيرته ، فالمستحل يكفر سواء ارتكب أم لم يرتكب . وإلى ذلك أشار بعض أهل العلم كابن أبي شيبة ، صاحب المصنف ، رحمه الله ، كما ذكر ذلك ابن تيمية ، رحمه الله ، في "الإيمان" .

وقال أحمد رحمه الله : يخرج من الإيمان إلى الإسلام ، وهو مؤد إلى القول السابق ، لأن الإسلام يتضمن مطلق الإيمان الذي لا يصح العمل إلا به ، وأعمال الجوارح التي فسر بها جبريل ، عليه السلام ، الإسلام في حديث الإسلام والإيمان والإحسان المعروف .

*****

ومنه قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) .
فإن "أل" في "السفهاء" الأولى : عهدية ، لأنهم قصدوا بها أفرادا بعينهم ، وهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار ، بزعمهم ، فجاء الرد بــ : "السفهاء" الثانية ، التي تفيد الاستغراق المعنوي ، فهم الأليق بكل خصال السفه ، وقد أكد ذلك المعنى بــ : "ألا" الاستفتاحية ، و"إن" ، وضمير الفصل : "هم" ، واسمية الجملة ، وتعريف جزأيها .

*****

ومن ذلك "أل" في قوله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)
فإن "الأمانة" في هذه الآية هي : الفرائض التي افترضها الله على عباده ، كما روى الطبري ، رحمه الله ، في تفسيره ، من طريق هشيم عن العوام عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس ، وفيه انقطاع بين الضحاك ، رحمه الله ، وابن عباس رضي الله عنهما . ومعناه صحيح ، إذ "أل" في "الأمانة" في هذا السياق : جنسية استغراقية تعم كل فرائض الدين .
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :
" ........... إن الأمانة هي الفرائض .
وقال آخرون : هي الطاعة .
وقال الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : قال أبي بن كعب : من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها .
وقال قتادة : الأمانة : الدين والفرائض والحدود .
وقال بعضهم : الغسل من الجنابة .
وقال مالك ، عن زيد بن أسلم قال : الأمانة ثلاثة : الصلاة ، والصوم ، والاغتسال من الجنابة .
وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف ، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها ، وهو أنه إن قام بذلك أثيب ، وإن تركها عُوقِبَ" . اهــ
فتكون هذه التفسيرات من باب "التفسير بالمثال" ، كما تقدم في مداخلات سابقة ، فلا يخصص عموم "الأمانة" بها ، بل اشتماله عليها دليل على جنسية "أل" الاستغراقية في لفظ : "الأمانة" .



ومن ذلك أيضا حديث حذيفة ، رضي الله عنه ، قَالَ : (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ................) .
يقول النووي رحمه الله :
"وَأَمَّا الْأَمَانَة فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِهَا التَّكْلِيف الَّذِي كَلَّفَ اللَّه تَعَالَى بِهِ عِبَاده وَالْعَهْد الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْوَاحِدِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة عَلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال } قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : هِيَ الْفَرَائِض الَّتِي اِفْتَرَضَهَا اللَّه تَعَالَى عَلَى الْعِبَاد . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ الدِّين ، وَالدِّين كُلّه أَمَانَة . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : الْأَمَانَة مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنْهُ . وَقَالَ مُقَاتِل : الْأَمَانَة الطَّاعَة . قَالَ الْوَاحِدِيّ : وَهَذَا قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . قَالَ : فَالْأَمَانَة فِي قَوْل جَمِيعهمْ الطَّاعَة وَالْفَرَائِض الَّتِي يَتَعَلَّق بِأَدَائِهَا الثَّوَاب وَبِتَضْيِيعِهَا الْعِقَاب . وَاَللَّه أَعْلَم" . اهــ

فهي تشمل الدين كله ، فيكون عموم "أل" فيها جنسيا استغراقيا .

بخلاف الأمانة في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك) ، فإن "أل" فيها للعهد الذي يشير إلى الأمانة المادية المعروفة من مال ونحوه .
والمقابلة بين : "أد الأمانة" ، و "لا تخن" ، والطباق بين : "ائتمنك" و "خانك" ، يزيد الأمر توكيدا ، إذ نبه عليه الصلاة والسلام على الأداء إيجابا بالأمر ، وضده من الخيانة سلبا بالنهي .

*****

ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ..............) الحديث .

فإن "أل" في "الدابة" : عهدية تشير إلى الدابة المذكورة في قوله تعالى : (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) .

فليست جنسية استغراقية لتشمل كل ما يدب على الأرض .

وليس المراد بها هنا : الحقيقة العرفية العامة التي خصت الدواب بذوات الأربع ، كما في حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (إِذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُهُ نَفَقَتُهُ وَيَرْكَبُ) .

*****

وكذلك "أل" في الناقة في قوله تعالى : (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) .
فإن العهد فيها إما أن يكون :
ذكريا : لتقدم ذكرها في قوله تعالى : (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
أو ذهنيا : فهي أشهر من أن يشار إليها ، فمعنى العهد الذهني فيها متحقق دون حاجة إلى إحالة إلى موضع سابق .

*****

ومنه قوله تعالى : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) .
فإن "أل" في "العرش" : عهدية تشير إلى عرش بعينه هو : عرش مصر .
بخلاف العهد في قوله تعالى : (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) ، فإنه يشير إلى عرش الرحمن ، عز وجل ، بقرينة احتفاف الملائكة به ، وهذا بين بأدنى تأمل .

والله أعلى وأعلم .

أيمن الوزير
18-08-2008, 01:50 AM
أخي مهاجر
هل حضرت دكتوراه في ( ال ) من قبل !

مهاجر
18-08-2008, 08:29 AM
هي طريقة ، أخي أيمن ، أشار إليها أحد الفضلاء عندنا في مصر ، ملخصها : جمع الملاحظات حول مسألة بعينها في كراسة صغيرة ، أو "نوتة" كما يقال عندنا في مصر ، لئلا ينساها المدون ، ومن ثم يقوم بجمع الفوائد العلمية المتعلقة بهذه النقاط المدونة ، فربما تحصل له مشروع بحث بهذه الطريقة ، ولعلك تلاحظ أن هذه المشاركات لا ترتيب منهجي لها ، يدل على ذلك الانقطاع الطويل بين بعض أفراد المداخلات ، لأنها فوائد مجموعة عرضا لا قصدا ، فضلا عن الاستطرادات الجانبية فيها ، فضلا عن الاستدراكات التي قد ترد عليها ، فقد لا تكون شواهد على موضوع المداخلات الأساسي أصلا ، وإن ظنها الكاتب كذلك ، ولكنها مع ذلك ، قد تحوي فوائد ينتفع بها الكاتب والقارئ ، ويكفي جمعها في سياق واحد من المداخلات في مكان آمن كمنتدانا ، فهي نسخة احتياطية !!! ، وأما البحث الأكاديمي ، فهو شيء آخر ، لاعتماده منهجيةً معينةً لا يتقنها إلا المتخصصون من طلبة الدراسات العليا .

ولعلك أخي أيمن تسير على هذه الطريقة في قراءتك ، بجمع أشتات المسائل تحت عناوين رئيسية أو فرعية ، فعن تجربة شخصية : فائدتها عظيمة جدا !!!! .

وقد استشهد ذلك الفاضل بتجربة الإمام القرافي المالكي ، رحمه الله ، صاحب كتاب "الفروق" ، إذ حكى في أوله أنه بدأ بمسألة الفرق بين : الشهادة والرواية ، لأنه مكث زهاء ثمان سنوات إن لم تخني الذاكرة ، يسأل عنها كل من لقي من أهل العلم ، فتحصل له فيها ما لم يتحصل لغيره ، فلم يتقن هذه المسألة أحد إتقان القرافي ، رحمه الله ، لها .

*****

ومن الشواهد التي قد تتعلق بموضوع هذه المداخلات :

قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ) ، أي : لآل البيت عليهم السلام .

فإن "أل" في "الصدقة" :
عهدية تشير إلى الصدقة الواجبة دون صدقة النافلة ، فتجوز صدقة النافلة عليهم ، لأن علة النهي عن قبول الصدقة الواجبة ، وهي : كونها أوساخ الناس ، أي : مكفرة لذنوبهم ، ليست متحققة في صدقة النافلة ، واختار الشوكاني ، رحمه الله ، عموم "أل" في هذا الحديث ، فتكون جنسية استغراقية ، تفيد استغراق عموم الصدقة سواء أكانت واجبة أم نافلة .

*****

ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ)
فإن "أل" في "العبد" عهدية ، فإما أن يكون العهد ذكريا لتقدمه : "إن الله خير عبدا" ، على وزان قوله تعالى : (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) .
وإما أن تكون ذهنية ، لأن العبد قد علم أنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن خفي ذلك على الصحابة ، رضي الله عنهم ، ابتداء ، فلم يدرك مراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا رفيقه : الصديق أبو بكر ، رضي الله عنه ، واستعمال الإبهام هنا : من صور بلاغة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إذ فيه تشويق للمخاطب واسترعاء لانتباهه ، وفيه دليل على سعة علم الصديق ، رضي الله عنه ، إذ لم يدرك مغزى كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا هو .

وفي رواية أخرى : (إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ وَقَالَ النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ) .
فــ : "أل" في "الشيخ" : عهدية ذهنية ، تشير إلى أبي بكر ، رضي الله عنه ، فهو الذي أدرك مراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهذا بين بأدنى تأمل .

*****

ومنه الألفاظ التي نقلها الشارع ، عز وجل ، عن حقائقها اللغوية إلى حقائق شرعية معهوة ، كـــ : "الصلاة" و "الزكاة" و "الصيام" ، فإن :
الصلاة في اللغة : الدعاء ، وفي الشرع : دعاء مخصوص ، والزكاة في اللغة : التطهير ، وفي الشرع : تطهير مخصوص ، والصيام في اللغة : الإمساك ، وفي الشرع : إمساك مخصوص ............ إلخ ، فالشرع قد نقل الألفاظ من حقائقها اللغوية المطلقة إلى حقائق شرعية معهودة بتقييدها بشروط وأركان وواجبات وسنن ومباحات ومكروهات ومبطلات ..... إلخ ، فماهية اللفظ في الشرع : ماهيته في اللغة مقيدة بأوصاف جامعة مانعة ، تميز الحقيقة الشرعية الخاصة من الحقيقة اللغوية العامة .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله : "وهكذا قالوا في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج إنها باقية في كلام الشارع على معناها اللغوي لكن زاد في أحكامها . ومقصودهم أن الإيمان هو مجرد التصديق وذلك يحصل بالقلب واللسان . وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف . فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز ، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة . (فالحقيقة الشرعية : حقيقة في باب الشرعيات ، مجاز في اللغة ، وكذلك من صور الحقيقة العرفية : المجاز المشتهر ، كالغائط ، فهو حقيقة مهجورة في اللغة بمعنى : الأرض المنخفضة ، مجاز مشتهر نزل منزلة الحقيقة العرفية العامة) .

والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة ، كما يستعمل نظائرها ، كقوله تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } [ آل عمران : 97 ] ، فذكر حجا خاصاً ، وهو حج البيت ، وكذلك قوله : { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ } [ البقرة : 158 ] فلم يكن لفظ الحج متناولاً لكل قصد ، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة ................ فكذلك الحج المخصوص الذي أمر اللّه به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام ، فإذا قيل : الحج فرض عليك ، كانت لام العهد تبين أنه حج البيت . وكذلك الزكاة : هي اسم لما تزكو به النفس ، وزكاة النفس زيادة خيرها وذهاب شرها والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس ، كما قال تعالى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [ التوبة : 103 ] . وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به ، قال تعالى : { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا } [ النور : 21 ] وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين للّه ، قال تعالى : { وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } [ فصلت : 6، 7 ] وهي عند المفسرين التوحيد .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب ، وسماها الزكاة المفروضة ، فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد" . اهـــ
بتصرف من "الإيمان" ، ص178 ، 179 .

فالبيان النبوي قاض على إجمال الكتاب ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء بالأسماء الشرعية بعد نقلها عن حقائقها اللغوية ، وبين حدودها ومقاديرها الشرعية ، فحصل بقوله : تمام البيان لمسائل الشرع إخبارا وإنشاء ، فلم يقبض ، عليه الصلاة والسلام ، إلا وقد استوفى بيان كل مسائل الشريعة : أصولا وفروعا ، نصا أو إشارة أو قياسا ، فلم ينزل بيان كل مسألة بعينها ، فهذا مما يتنافى مع إعجاز الشريعة في كلياتها الجامعة ، وإنما حصل البيان بألفاظ كلية يصح قياس ما جد من نوازل عليها ، وهذا القول وسط بين طرفين : طرف أهل الظاهر الذين يغالون في التمسك بظواهر النصوص ، وطرف أهل الرأي ، الذين يغالون في التمسك بمعاني النصوص ، وإن عادت على ألفاظها بالإبطال .

والأصل في باب الشرعيات : تقديم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية ، فلا يقال بأن اللفظ إذا ورد في دليل شرعي : مجمل ، حتى ترجح القرينة أحد معنييه : الشرعي أو اللغوي ، كما ذهب إلى ذلك القاضي الباقلاني ، رحمه الله ، فإن لازم هذا القول التوقف في كل اللفاظ الشرعية حتى ترد القرينة المرجحة ، وإنما الصحيح : حمل ألفاظ النصوص الشرعية على حقائقها الشرعية إلا إذا دلت القرينة على إرادة الحقيقة اللغوية ، كما في قوله تعالى : (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، فإن القرينة قد صرفت لفظ الصوم في هذه الآية من الصوم الشرعي المعهود إلى الصوم اللغوي الذي يدل على مطلق الإمساك ، فقد نذرت أن تمسك عن كلام الآدميين ، وكان هذا جائزا في شريعتهم ، بخلاف شريعتنا التي جاء النهي فيها عن التعبد بالصمت ، كما في حديث أبي إسرائيل ، رضي الله عنه ، وفيه : (..............أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) .

وذكر بعض المفسرين كالحافظ ابن كثير وأبي السعود رحمهما الله : أن صومهم كان عن الطعام والكلام ، فلقائل أن يقول : لا يكون في الآية عمل بالحقيقة اللغوية دون الشرعية ، لأن الصمت كان شرعا لهم ، فيكون الصوم في الآية محمولا على دلالته الشرعية .

وبتقديم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية رد على :

الشافعية ، رحمهم الله ، الذين قدموا حقيقة : "الفرج" اللغوية ، والتي تعم القبل والدبر ، على حقيقته الشرعية ، التي تدل على القبل فقط ، في مسألة نقض الوضوء ، فقالوا بنقض الوضوء بمس أحدهما عملا بحديث بسرة ، رضي الله عنها ، مرفوعا : (مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) ، فدلالته : دلالة نص على نقض الوضوء بمس أحدهما لأن كليهما يصدق عليه اسم الفرج في اللغة .
بينما قدم بعض أهل العلم حقيقة الفرج الشرعية ، فقال بنقض الوضوء بمس القبل ، وقيس عليه الدبر ، فالدلالة هنا : دلالة قياس لا نص كالصورة الأولى .

ورد به كذلك على الإمام أبي حنيفة ، رحمه الله ، ومن تابعه ، في مسألة : قصر الإيمان على التصديق ، لأن حقيقته اللغوية : مطلق التصديق ، فحقيقة الإيمان الشرعية : تصديق وزيادة ، فهو : حقيقة لغوية مقيدة ، تعم : قول اللسان وتصديق الجنان وعمل الأركان ، بل إن التصديق يطلق في اللغة على العمل ، كما في حديث : (وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) ، فعلى كلا القولين : يدخل العمل في مسمى الإيمان ، والخلاف يضيق إذا علم أن أبا حنيفة ، رحمه الله ، يقول بذم تارك العمل ، تماما كمن جعل العمل جزءا من مسمى الإيمان ، وإن كان الراجح قول الجمهور من أهل السنة .

*****

ومنه :
قوله تعالى : (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) ، فإن "أل" في "الأتقى" في قول بعض أهل العلم : عهدية ذهنية تشير إلى معهود بعينه هو : الصديق ، رضي الله عنه ، لأن "أل" الداخلة على اسم التفضيل : عهدية لا تفيد عموما ، فضلا عن معنى العهد المتحقق ابتداء في اسم التفضيل فهو مشعر باختصاص الموصوف به بمزيد وصف ، إذ التفضيل : وصف وزيادة ، والزيادة لا تكون إلا لمفضل بعينه على بقية أفراد الجنس .

يقول الحافظ السيوطي رحمه الله :
"أما آية نزلت في معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعاً كقوله تعالى : "سيجنبها الأتقى الذي يؤتى ما له يتزكى" ، فإنها نزلت في أبي بكر الصديق بالإجماع ، وقد استدل بها الإمام فخر الدين الرازي مع قوله : (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) على أنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووهم من ظن أن الآية عامة في كل من عمل عمله إجراء له على القاعدة ، وهذا غلط ، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم ، إذ الألف واللام إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع ، زاد قوم : أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد ، واللام في الأتقى ليست موصولة لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا ً، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه رضي الله عنه" . اهــ

وقال بعضٌ آخر : هي على عمومها ، فتعم كل الأفراد الذين تتحقق فيهم الأوصاف المذكورة .

وجمع الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، بين القولين بقوله :
"وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك . ولا شك أنه داخل فيها ، وأولى الأمة بعمومها ، فإن لفظها لفظ العموم ، وهو قوله تعالى : { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى } ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة ، فإنه كان صديقًا تقيًا كريما جوادًا بذالا لأمواله في طاعة مولاه ، ونصرة رسول الله" . اهــ

فهي عامة من وجه : عموم ألفاظها ، خاصة من وجه : اختصاص الصديق ، رضي الله عنه ، بالسبق إلى الأوصاف المذكورة ، فهو أكمل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

*****

ومنه قوله تعالى : (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) :
فإن "أل" في "الخير" تشير إلى معهود بعينه هو : الخيل التي شغلت سليمان عليه الصلاة والسلام عن صلاة العصر .

*****

وقوله تعالى : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) .

فهو تابوت بعينه فيه بقية مما ترك موسى وهارون ، عليهما الصلاة والسلام ، كانت بنو إسرائيل تتبرك به ، على الراجح من اقوال أهل العلم بجواز التبرك بآثار الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، إذا صحت نسبتها إليهم ، بخلاف آثار غيرهم من الأولياء والصالحين .

بخلاف "التابوت" في قوله تعالى : (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) .
فإن "أل" فيه عهدية ذهنية ، أيضا ، ولكنها تشير إلى تابوت آخر ، هو التابوت الذي ألقت أم موسى موسى عليه الصلاة والسلام فيه .

*****

ومنه أيضا :
"الوسيلة" في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فهي تعم كل صور التوسل المشروع من : توسل بأسماء الله ، عز وجل ، وصفاته ، وبالصالحات ، كما في حديث أصحاب الغار ، وبدعاء الصالحين من الأحياء دون الأموات الذين انقطع عملهم فلا يجوز طلب الدعاء منهم .

بخلاف "الوسيلة" في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ) ، فقد نص صلى الله عليه وعلى آله وسلم على بيان إجمال الوسيلة في الحديث بقوله : "فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا" ، فصارت وسيلة معهودة بعينها .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
22-08-2008, 08:24 AM
ومنه أيضا :
"الملك" في سورة يوسف ، في نحو قوله تعالى : (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ) ، فإنه ملك ، بعينه ، من ملوك الهكسوس ، ولذلك لم يوصف بأنه من الفراعنة ، لأن الفراعنة استردوا الملك في جيل تال في بعد وفاة يوسف عليه الصلاة والسلام .

*****

وقوله تعالى : (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) .
بخلاف "البلد" في قوله تعالى : (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) ، فالمقصود من "البلد : الأرضُ الكريمةُ التربة ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، فتكون من قبيل المجاز المرسل ، عند من يقول بالمجاز ، علاقته : الكلية ، إذ أطلق الكل : البلد ، وأراد البعض : تربتها .

*****

وكذلك "البلدة" في قوله تعالى : (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .
فالمقصود بلدة بعينها هي : مكة المكرمة ، ويؤكد الاختصاصَ هنا : إضافة الرب ، جل وعلا ، إليها ، تشريفا وتعظيما لها ، وهذا مما يقوي معنى العهد فيها ، إذ ليست كل البلاد معظمة تستأهل إضافة اسم الرب ، جل وعلا ، إليها ، وإن كان هو ربها ، جميعا ، ولكن الشأن هنا : الربوبية الخاصة التي توجب التعظيم ، لا الربوبية العامة التي تشترك فيها كل البلاد والكائنات ، كما في لفظ : "عبد الله" ، فالمؤمن والكافر ، عباد الله ، عز وجل ، باعتبار خضوعهم لإرادته الكونية ، فكلهم معبد مذلل ، بخلاف : "عبد الله" بمعنى : عابد الله ، فالعابد المنقاد للأمر الشرعي ليس إلا المؤمن فاستحق شرف الإضافة في هذه العبودية الخاصة دون الكافر غير المنقاد ، وفي التنزيل : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، فهذه : العبودية العامة ، وفيه أيضا : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) ، فهذه : العبودية الخاصة .

*****

وقوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) .
فإن "أل" في الحجارة ، إما أن تكون :
للعهد الذكري : لتقدم ذكرها في سورة التحريم في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) ، ولا يعارض ذلك ، كما ذكر أبو السعود ، رحمه الله ، أن سورة البقرة قد نزلت قبل سورة التحريم ، فإن ذلك صحيح باعتبار السورة إجمالا ، لا الآيات تفصيلا ، فقد تنزل سورة قبل سورة ، ما عدا آيات من السورة السابقة تنزل لاحقا ، وقد يقال بأن العهد الذكري في حال عدم التسليم بذلك معكوس ، فيكون ذكر الحجارة قد تقدم أولا في سورة البقر ، ثم أعيد ثانيا في سورة التحريم ، والخطب في ذلك يسير .

وإما أن يقال بأن العهد في الآية : عهد ذهني يشير إلى حجارة بعينها ، أشار إليها الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله : "هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة ، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت ، أجارنا الله منها" . اهــ

*****

ومنه أيضا :
قول أبي بكر رضي الله عنه : (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا) ، يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

فإن "أل" في "الموتتين" على الراجح من أقوال أهل العلم : عهدية تشير إلى الموتتين :
الموتة الأولى : التي يخرج بها الإنسان من دار الدنيا إلى دار البرزخ ، فهذه يشترك فيها كل بني آدم .
والموتة الثانية : التي تعقب سؤال القبر ، فهذه لا تكون في حق الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، فهم أحياء في قبورهم ، كما في حديث أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) ، وهو عند أبي يعلى الموصلي ، رحمه الله ، في مسنده . وحديث أوس بن أوس ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ بَلِيتَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاء) .

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله :
"إِنَّ حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَبْر لَا يَعْقُبهَا مَوْت بَلْ يَسْتَمِرّ حَيًّا ، وَالْأَنْبِيَاء أَحْيَاء فِي قُبُورهمْ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحِكْمَة فِي تَعْرِيف الْمَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ لَا يُذِيقك اللَّه الْمَوْتَتَيْنِ أَيْ الْمَعْرُوفَتَيْنِ الْمَشْهُورَتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ لِكُلِّ أَحَد غَيْر الْأَنْبِيَاء" . اهـــ

*****

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) .
فإن "أل" في "الميتة" : عهدية من جهة إفادتها حرمة الميتة إلا ميتة بعينها نصت السنة على إباحتها ، كما في حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ) ، وهو عند ابن ماجة ، رحمه الله ، في سننه .
فإما أن يقال بأنها عهدية ، على التفصيل المتقدم ، فتكون من باب العام الذي أريد به خاص ، فيقصد بعمومها ما عدا السمك والجراد ، وإما أن يقال بأنها للاستغراق الجنسي ، فتعم ابتداء ، والعام ظاهر ظني يحتمل التخصيص ، ففي اللفظ نوع إجمال بينته السنة بالخاص القطعي الذي نص على حل ميتة بعينها ، فتكون من باب العام المخصوص ، فدعوى العهد أو العموم الذي أريد به الخصوص ، ودلالته مجازية عند من يقول بالمجاز ، أو العموم المخصوص ، وهو حجة فيما عدا صورة التخصيص فيشمل الميتات كلها ما عدا المنصوص على حله ، كل هذه الدعاوى متقاربة ، لأن مؤداها واحد ، وإن اختلفت مسالك الاستدلال .

وكذا في قوله تعالى : (وَالدَّمَ) ، فإن :
"أل" إما أن تكون جنسية استغراقية لكل أنواع الدماء ، أو لبيان ماهية الدم المحرم ، فيكون قوله تعالى : (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) ، من باب المقيد لمطلق "الدم" في الآية الأولى ، وهو أقوى صور حمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب : وهو نجاسة الدم ، والحكم : وهو التحريم ، فتكون "أل" في "الدم" : عهدية تشير إلى معهود بعينه هو : الدم المسفوح ، بخلاف الدم المتبقي في العروق ، فيعفى عنه رفعا للحرج ، فتتبعه أمر يشق على المكلفين ويوقعهم في الحرج ، ومن كليات شريعتنا أن : الحرج مرفوع .

ويدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها : كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر .

فذلك الدم هو الدم المتبقي في العروق بعد خروج الدم المسفوح ، وقول الصحابي : كنا نفعل ، له حكم الرفع ، وإن لم يضفه إلى زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، على الراجح من أقوال أهل الاصطلاح ، كما اختار ذلك الحاكم النيسابوري ، رحمه الله ، من المحدثين ، وفخر الدين الرازي ، رحمه الله ، من أصوليي الشافعية ، وقواه النووي والحافظ العراقي ، رحمهما الله ، وهو صنيع الشيخين ، رحمهما الله ، في صحيحيهما ، وقد أكثر منه أبو عبد الله البخاري رحمه الله في الجامع الصحيح .


قال في "بدائع الصنائع" : "وَالدَّمُ الَّذِي يَبْقَى فِي الْعُرُوقِ وَاللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْفُوحٍ وَلِهَذَا حَلَّ تَنَاوُلُهُ مَعَ اللَّحْمِ" . اهــ

فيكون العموم في "الدم" مجازيا ، إذ أطلق عمومه وأراد خصوص المسفوح ، وعلى كل الأقوال ، لا يختلف الحكم ، وإن اختلف هنا ، أيضا ، مسلك الاستدلال .
وقد سبق بيان طرف من ذلك في قوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) .

*****

ومنه أيضا :
حديث : (الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) .
فــ "أل" في الجار : ظاهر في الجار مطلقا ، وتقدم أن دلالة الظاهر ظنية راجحة ، فلا يعدل عن الظاهر الراجح إلى المؤول المرجوح إلا بقرينة معتبرة ، وقرينة السياق هنا : (فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) ، صرفت عموم "أل" لتصير عهدية تشير إلى الشريك المقاسم ، لا كل جار ، فالشفعة لا تكون إلا للشريك المقاسم لا الجار الذي يفصل بين ملكك وملكه طربق أو نحوه مما يميز كلا الملكين .

*****

ومنه أيضا :
"الشفاعة" في حديث جابر ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) .

يقول الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله :
"الأقرب أنها في قوله صلى الله عليه وسلم : "وأعطيت الشفاعة" للعهد وهو ما بينه صلى الله عليه وسلم من شفاعته العظمى ، وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام بتعجيل حسابهم وهي شفاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم ولا خلاف فيها ولا ينكرها المعتزلة" . اهـــ
"إحكام الأحكام" ، ص158 .

ولا مانع من القول بالعموم ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ، رحمه الله ، بقوله : "وَقِيلَ الشَّفَاعَة لِخُرُوجِ مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان ؛ لِأَنَّ شَفَاعَة غَيْره تَقَع فِيمَنْ فِي قَلْبه أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ، قَالَهُ عِيَاض . وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ هَذِهِ مُرَادَة مَعَ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعهَا بِهَا" . اهــ
"فتح الباري" ، (1/522 ، 523) .
فيشفع ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ابتداء شفاعة خاصة لا يشركه فيها أحد ، فهي من الخصائص ، ويشفع بعد ذلك : شفاعات يشركه فيها غيره ، وإن كان هو المقدم فيها ، وله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شفاعة خاصة لعمه أبي طالب بتخفيف العذاب عنه .

والله أعلى وأعلم .

أبو العباس المقدسي
22-08-2008, 03:41 PM
كم أنت رائع أيّها المهاجر إلى الله ورسوله

مهاجر
26-08-2008, 10:18 AM
جزاك الله خيرا أبا العباس ، أيها المقدسي المرابط ، على المرور والتعليق .

ومما قد يتعلق بموضوع المداخلات :
الحقائق العرفية الخاصة عند أهل الفنون والصناعات :
كــ "الفاعل" عند النحاة ، فـــ : "أل" فيه : عهدية تشير إلى من أسند إليه الفعل نفيا أو إثباتا ، كــ : أكل زيد أو : ما أكل زيد ، أو اتصف به ، كــ : مات زيد .
بخلاف الفاعل عند الفلاسفة ، وهذيانهم في مسألة العلة الفاعلة مما لا يتسع المقام لذكره .
وبخلاف الفاعل في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) ، فإن السياق قد دل على فاعل تلك الفاحشة ، فصارت "أل" فيه بمنزلة العهد الذي دل عليه السياق ، وهذا بين بأدنى تأمل .

*****

وكذلك :
"الخبر"
فإن العهد فيه يختلف باختلاف العلم الذي يتناوله :
فالخبر عند النحويين : الجزء المتم الفائدة .
والخبر عند البلاغيين : ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته .
والخبر عند المحدثين :
مرادف الحديث ، عموما ، متصلا كان أو مرسلا ، على قول .

ومرادف الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاصة على قول ثان وهو قول الخراسانيين كما نقل ابن كثير ، رحمه الله ، في "اختصار علوم الحديث" عن أبي القاسم الفوراني رحمه الله .

وما كان عن غير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على قول ثالث .

وما كان عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن غيره في قول رابع ، فتكون دائرته أوسع من دائرة الحديث ، فكل حديث خبر ولا عكس ، إذ العلاقة بينها على هذا القول : عموم وخصوص مطلق .

وقد أشار الحافظ ، رحمه الله ، إلى طرف من هذه الأقوال في مقدمة "نزهة النظر" .

والخبر عند المؤرخين هو : أي منقول سواء أكان حديثا أم أثرا موقوفا ، أم خبرا متأخرا عن : خلافة أو خليفة ، أو إمارة أو أمير ، أو غزوة أو ............. إلخ ، كما هو مشاهد في كتب التاريخ .
فصار اللفظ واحدا ، ولكن له عهدٌ يختلف باختلاف الفن الذي يستعمل فيه .

*****

ومنه "الطعام" في حديث معمر بن عبد الله ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (الطعام بالطعام مثلا بمثل) .
فــ : "أل" في "الطعام" عهدية تشير إلى طعام بعينه هو "الشعير" ، لأنه كان طعام أهل المدينة آنذاك ، وقد جعله الأصوليون مثالا على تخصيص العموم بالعرف المقارن للخطاب ، وفرعوا على ذلك مسألة :
الصاع في زكاة الفطر ، فإنه لا يخرج من الأصناف المنصوص عليها في حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، فقط ، وإنما يخرج من قوت أهل البلد ، أيا كان ، وقد جد في زماننا أقوات لم تكن موجودة زمن السلف ، رضي الله عنهم ، كــ : "المعكرونة" ، أو "المكرونة" ، فهي مما يكال ، وقد صارت قوتا لأهل كثير من الأمصار فتجزئ في زكاة الفطر ، وإن لم تكن من المنصوص عليه في حديث أبي سعيد ، رضي الله عنه ، كما تقدم . فيقال عندئذ : الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد ، رضي الله عنه ، من قبيل : ذكر بعض أفراد العام استنادا إلى العرف آنذاك ، فالأصناف التي كان الناس يقتاتون عليها زمن النص هي ....... ، و : ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ، كما تقرر في الأصول ، وإنما مناط المسألة : هل المخرج قوت لأهل البلد أو لا ، فإن تحقق فيه معنى الاقتيات جاز إخراجه ، وهي مسألة تتفاوت من بلد إلى آخر ، فقد يكون الصنف من الطعام كاللحم ، على سبيل المثال ، قوتا في بلد فيجزئ ، ولا يكون قوتا في بلد آخر فلا يجزئ .

*****

ومنه قول علي لأبي بكر رضي الله عنهما : "موعدك العشية للبيعة" .فإن "البيعة" في الاصطلاح حقيقة في خمسة أقسام نص عليها أهل العلم باستقراء النصوص :
البيعة على الإسلام .
البيعة على النصرة .
البيعة على الجهاد .
البيعة على الهجرة .
البيعة على الخلافة .
والمقصود ، بالبيعة هنا : البيعة على الخلافة ، فتكون "أل" عهدية تشير إلى قسم منها دون بقية الأقسام .
فعلي ، رضي الله عنه ، من السابقين الأولين ، فلا يتصور أن تكون بيعته على الإسلام أو الهجرة ، ولم يتخاذل ، رضي الله عنه ، عن نصرة الصديق ، رضي الله عنه ، إذ خرج مجاهدا من أول يوم في حروب الردة تحت إمرة أبي بكر ، رضي الله عنه ، وتولى قيادة إحدى الفرق التي عهد إليها الصديق ، رضي الله عنه ، بحراسة مداخل المدينة .
ولذلك ، رجح من رجح من أهل العلم ، كابن كثير ، رحمه الله ، بيعة علي ، رضي الله عنه ، من أول يوم ، أو من اليوم الثاني من وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهذا أليق بمقام أبي الحسن ، رضي الله عنه ، فهو من أحرص الناس على وحدة الصف حقيقة لا تقية !!!! .

وتحمل بيعته الثانية بعد وفاة فاطمة ، رضي الله عنها ، على أنها توكيد لا تأسيس .

*****

ومنه :
قوله تعالى : (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) .
فإن "أل" في "العظام" عهدية تشير إلى عظام حماره ، بخلاف العظام في نحو قوله تعالى : (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) فــ : "أل" في "العظام" : جنسية لبيان الماهية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
29-08-2008, 01:54 PM
ومنه أيضا :
"أل" في "المحصنات" في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) ، فالمتبادر إلى الذهن من "أل" في "المحصنات" أنها تشير إلى الزوجات اللاتي دُخِل بهن ، ولكن السياق ، يرجح أنها عهدية تشير إلى الحرة ، لأنها جاءت في مقابل : "الأمة" ، فصارت القسمة ثنائية : حرة بكر تجلد مائة إن زنت ، وأمة تجلد على النصف من ذلك إن زنت ، ولا يصح حمل المحصنة في هذا السياق على الزوجة ، لأن حدها : الرجم ، والرجم لا يقبل القسمة ، ليصح إيقاع نصفه على الأمة .
ولفظ "المحصنة" ، كما ذكر الشيخ السيد سابق ، رحمه الله ، في حاشية "فقه السنة" : مشترك لفظي ، ونص كلامه :
"الإحصان يأتي في القرآن بمعنى :
الحرية : "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" ، أي الحرائر .
ويأتي بمعنى العفة : "والذين يرمون المحصنات" ، أي العفيفات .
ويأتي بمعنى التزوج : "والمحصنات من النساء" ، أي المتزوجات .
ويأتي بمعنى الوطء : "محصنين غير مسافحين" .
والأصل فيه في اللغة : المنع ، ومنه : "لتحصنكم من بأسكم" وأخذ منه الحصن .
وورد في الشرع بمعنى : الإسلام ، وبمعنى : البلوغ ، وبمعنى : العقل" . اهـــ بتصرف يسير .
"فقه السنة" ، (2/264) .
وفي "لسان العرب" : "والمرأَة تكون مُحْصَنة بــ : الإسلام والعَفافِ والحريّة والتزويج"

ومنه قوله تعالى : (إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) .
فــ : "أل" في "الفرقان" : عهدية تشير إلى يوم بعينه ، هو : يوم بدر ، والسياق يدل على ذلك بخلاف "الفرقان" في :
قوله تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ، فالمقصود به : القرآن ، بقرينة : "نزل" ، و "لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا" .
وقوله تعالى : (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) ، فالمقصود به : "التوراة" ، بقرينة : "آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ " ، وإنما أوتيا التوراة .
فصار السياق عمدة في تحديد العهد الذي تشير إليه : "أل" ، وإذا تأملت الآيات السابقة وجدت أن الفرقان فيها يدل على معنى كلي مشترك هو : كون المذكور فارقا بين الحق والباطل ، فيوم بدر كان فارقا بين جند الحق وجند الباطل ، والكتب المنزلة من قرآن وتوراة وإنجيل ............. إلخ فارقة بين وحي الرحمن ففيه الهدى والسلامة ، ووحي الشيطان ففيه الضلال والندامة .
فصارت المسألة من قبيل : "المشترك المعنوي" الذي يجمع حقائق مختلفة ترجع إلى أصل كلي مشترك ، فهي من قبيل الألفاظ "المتواطئة" ، كما اصطلح على تسميتها .

*****

ومنه : "الأبناء" :
وهم طائفة من الفرس قدمت اليمن مع سيف بن ذي يزن لتحريره من قبضة الأحباش الغزاة ، فاستولوا على مقاليد الأمور ، وحكموا اليمن أتباعا لكسرى ، فاستبدل سيف حكم الفرس بالأحباش !!!! ، وقد أسلم زعيمهم : باذان ، رحمه الله ، زمن النبوة ، فأقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ملك اليمن ، على منهاج النبوة في إقرار من أسلم من الملوك على ملكه تأليفا لقلبه ، وخلفه ابنه : "شهر" الذي قتله الأسود العنسي ، مدعي النبوة ، وتزوج أرملته : "أزاد" ، وتمكن بقية الأبناء بقيادة "فيروز" من قتله بمعونة : "أزاد" ، وقد بشر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل وفاته فقال : "قتل العنسي ، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين" .
فإذا أطلق لفظ "الأبناء" في هذا السياق التاريخي ، صارت "أل" عهدية تشير إلى تلك الطائفة المؤمنة من الفرس بعينها .

*****

ومنه : "الناموس" ، في قول ورقة بن نوفل ، رضي الله عنه ، في حديث بدء الوحي : "هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى" .
فــ "أل" : فيه عهدية تشير إلى الروح الأمين : جبريل عليه الصلاة والسلام .
وأصل "الناموس" في اللغة : صاحب السر ، وخصه بعض أهل العلم بصاحب سر الخير في مقابل "الجاسوس" : صاحب سر الشر ، والإطلاق بلا تقييد بخير أو شر هو الأشهر ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" .
وقال في "التعريفات" : الناموس : "هو الشرع الذي شرعه الله" . اهـــ
فالمعنى الكلي المشترك هو صاحب السر ، وتفرع عليه : صاحب الوحي : الرسول الملكي : جبريل عليه الصلاة والسلام ، فالوحي سر من جهة كونه : إعلاما في خفاء وسرعة ، لا من جهة كونه يحوي أسرارا لم يبلغها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا طائفةً من الصحب والآل ، رضي الله عنهم ، كما يزعم بعض المخرفين ، فإن لازم ذلك القول الشنيع : كتمان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعض ما أمر بتبليغه ، حاشاه بأبي هو وأمي .

*****
ومنه :
ألفاظ جاءت على صيغة المثنى ، وإن لم تكن داخلة في حد المثنى الاصطلاحي ، لاختلاف مسمييها ، وشرط صحة التثنية : تماثل حقيقة الفردين اللذين يدل عليهما لفظ المثنى ، كما قرر النحاة ، فمن ذلك :
النقدان : الذهب والفضة .
والعمران : أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، فتكون تثنية لفظ "عمر" من باب التغليب لأنه أخف في النطق ، وقيل : عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ، فتكون التثنية لفظية مع اختلاف حقيقة الفردين .
والأسودان : التمر والماء ، من باب التغليب أيضا .
واللسانان : اللسان والقلم ، فيجمعهما : البيان ، وإن حصل بالأول نطقا ، وبالثاني خطا .
والعصران : الغداة والعشي .
والملوان : الليل والنهار ، وقيل : "الجديدان" ، ومنه قول الشاعر :
إن الجديدين إذا ما استوليا ******* على جديدٍ أدنياه للبلى .

*****

ومنه "العنت" في قوله تعالى : (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) .
فالعنت هو : المشقة مطلقا ، فتكون "أل" فيه : جنسية لبيان الماهية ، ولكن قرينة السياق هنا رجحت كونها عهدية تشير إلى صورة بعينها من صور المشقة ، وهي : وقوع الحرج الذي يصل إلى حد الضرورة في أمر النكاح ، فيخشى المكلف الوقوع في الزنى ، الذي يشير إليه العهد ، ولذلك : يدفع أعظم المفسدتين بأصغرهما ، فينكح الأمة ، وإن كان نكاحها مكروها ، لقرينة : (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ، ليدفع عن نفسه الزنى المحرم ، فارتكاب المكروه أهون من ارتكاب المحرم .

*****

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : (لَا تُقَدِّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ) .

فــ : "أل" في "الصوم" عهدية ذكرية تشير إلى الصوم المتقدم الذي يعتاده الإنسان ، فيصومه ، وإن كان يوم شك ، أو يوم جمعة أو سبت منفردين ........ إلخ ، ويستثنى من ذلك : صيام العيدين ، وأيام التشريق لغير حاج لم يجد الهدي فيصوم الأيام الثلاثة في الحج في أيام التشريق ، يستثنى ما تقدم : فإن هذه الأيام لا يجوز صيامها أبدا ، وإن وافقت عادة .

ويقوي العهد الإشارة بـــ : "ذلك" ، وهذا بين بأدنى تأمل .

والله أعلى وأعلم .

أيمن الوزير
31-08-2008, 03:40 AM
أعانك الله ورعاك أخي مهاجر

مهاجر
26-10-2008, 10:02 AM
وأعانك ورعاك أخي أيمن : رد بعد نحو شهرين !!!! .


ومما يدخل في موضوع المشاركة الأصلي : الألقاب التي أطلقت على أشخاص بعينهم نحو :
لقب "الشيخين" فله عدة إطلاقات تكون "أل" فيها عهدية بحسب : الطبقة ، أو العلم ، أو المذهب .............. إلخ ،
فـــ : من الصحابة : أبو بكر وعمر ، شيخا قريش ، رضي الله عنهما .
ومن أئمة الحديث : البخاري ومسلم رحمهما الله .
ومن أئمة الفقه الحنفي : أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله .
مقدمة : "الإشارات النافعات على شرح منتهى الإرادات" ، ص115 .

ومن أئمة الفقه المالكي : ابن أبي زيد القيرواني ، رحمه الله ، (الذي وصفه الشيرازي رحمه الله بـ "مالك الأصغر" ، و "قطب المذهب") ، وأبو بكر الأبهري رحمه الله .
"مالك ، حياته وعصره ، آراؤه وفقهه" للشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله ، ص217 .
ومن أئمة الفقه الشافعي : الرافعي ، والنووي رحمهما الله .
مقدمة : "الإشارات النافعات على شرح منتهى الإرادات" ، ص121 .

ومن أئمة الفقه الحنبلي : موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي ، صاحب المغني "توفي سنة 620 هـ" ، ومجد الدين أبي البركات "ابن تيمية الجد" ، صاحب "منتقى الأخبار" ، و "المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد" رحمهما الله .
مقدمة : "الإشارات النافعات على شرح منتهى الإرادات" ، ص77 .

*****

ومنه : "أل" : في : "العبادلة" : فـــ : "أل" عهدية تشير إلى :
ابن عباس وابن الزبير وابن عمرو وابن عمر ، رضي الله عنهم ، في طبقة الصحابة .
و : ابن وهب وابن المبارك وابن يزيد المقرئ وابن مسلمة القعنبي في طبقة الرواة عن ابن لهيعة رحمه الله .

*****

ومنه ألقاب كـــ :لقب الحافظ : فهو عند إطلاقه عَلَمَ على الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، فالعهد في "أل" ينصرف ابتداء إليه .

فإذا قيد فهو علم على من قيد به ، كقول القائل : أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي رحمه الله : حافظ المشرق ، وأبو عمر يوسف ابن عبد البر رحمه الله : حافظ المغرب ، ومن الطريف أن الأمة قد فقدت حافظيها في سنة واحدة : 463 هــــ . و : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" .

*****

و "القاضي" :
فهو علم على أبي يعلى الفراء ، رحمه الله ، المتوفى سنة 458 هــــ ، عند متقدمي الحنابلة ، والمرداوي ، رحمه الله ، عند متأخريهم .
وعياض ، رحمه الله ، عند المالكية ، وهو أشهر من حمل هذا اللقب حتى صار الذهن ينصرف إليه ابتداء عند قول القائل : قال القاضي . وعياض رجل من طراز السلف الأول فهو بحق : شمس أئمة المغرب . وقد شرفت "سبتة" المحتلة بتولي قاضينا رحمه الله قضاءها .
وأبو يوسف رحمه الله عند الأحناف .

*****

و "الخطيب" :
فهو عند المحدثين ينصرف أول ما ينصرف إلى : "الخطيب البغدادي" رحمه الله .
بخلاف "الخطيب" عند البلاغيين فهو علم على "الخطيب القزويني" رحمه الله .

ويقرب من ذلك تلقيب فخر الدين الرازي ، رحمه الله ، صاحب التفسير المعروف ، المتوفى سنة 606 هــــ ، بــ : "ابن خطيب الري" ، فقد كان أبوه خطيب مدينة الري في بلاد فارس ، فنسب إليه ، ويقال أحيانا : "ابن الخطيب" .

وأما ابن الخطيب الأندلسي : فهو : لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب ، رحمه الله ، المتوفى سنة 776 هــــ ، مؤلف الموسوعة التاريخية الشهيرة : "الإحاطة في أخبار غرناطة" .

*****

و "الشيخ" :
فهو على سبيل المثال يطلق عند متقدمي الحنابلة ، رحمهم الله ، على "موفق الدين ابن قدامة" ، رحمه الله ، المتوفى سنة 620 هــ ، وعند متأخريهم على شيخ الإسلام : ابن تيمية رحمه الله .
مقدمة : "الإشارات النافعات على شرح منتهى الإرادات" ، ص77 .

*****

و "الشارح" :
فهو يطلق عند الحنابلة ، رحمهم الله ، على الشيخ شمس الدين ابن قدامة ، رحمه الله ، المتوفى سنة : 682 هــ ، ابن أخي الموفق بن قدامة صاحب "المغني" أشهر مصنفات الحنابلة ، وهو عمدة في دراسة الفقه المقارن .

*****

ومنه أيضا : ألقاب الخلفاء من قبيل :
"الرشيد" :
فهو علم على هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور ، واسطة عقد خلاقة بني العباس ، الذي قال فيه القائل :

فمن يطلـب لقـاءك أو يرده ******* فبالحرمين أو أقصـى الثغـور
ومـا حاز الثغور سـواك خلق ******* من المستخلَفين علـى الأمور
ففي أرض العدو على طمر ******* وفي أرض الترفه فوق كور

ومن الخلفاء المغمورين من تلقب بــ : "الرشيد" ، كرشيد دولة الموحدين في المغرب ، ولم يكن له كبير شأن إذ انتهى العصر الذهبي لدولة الموحدين بهزيمة العقاب الشهيرة أمام نصارى الأندلس سنة 609 هـــ زمن الناصر الموحدي .

و "المنصور" :
فإن "أل" فيه عهدية تشير أول ما تشير إلى داهية بني العباس : أبي جعفر المنصور ، وقد يكون العهد فرعا على موضوع الكلام ، فإن كان :
عن بني العباس فالعهد يشير إلى أبي جعفر .
وإن كان الكلام عن دولة الموحدين فالعهد في "المنصور" يشير إلى واسطة عقد دولة بني عبد المؤمن ، درة التاج الموحدي ، بطل الأرك : أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، رحمه الله ، الذي تلقب بالمنصور بعد نصر الأرك العظيم على نصارى الأندلس سنة 591 هــ .
وإن كان الكلام عن دولة بني مرين في المغرب الأقصى ، وهي التي ورثت ملك الموحدين في أقصى المغرب ، فلم يتحد المغرب بأقسامه الثلاثة تحت قيادة واحدة بعد دولة الموحدين ، فالعهد يشير إلى أبي يوسف يعقوب المنصور المريني ، رحمه الله ، بطل وقعة "إستجة" التي هزم فيها قوات نصارى إسبانيا بقيادة "نونيو دي لارا" سنة 674 هــــ .
وإن كان الكلام عن الدولة العامرية ، فالعهد يشير إلى : الحاجب المنصور ، رحمه الله ، الذي قاد حركة الجهاد ضد نصارى إسبانيا بعد ضعف سلطان بني أمية برحيل الحكم المستنصر ، رحمه الله ، سنة 366 هــ ، ويذكر التاريخ لذلك الحاجب المنصور : اسما ورسما ، أنه خاض 54 موقعة ضد نصارى إسبانيا لم يهزم في واحدة منها قط ، وكان يوصي بجمع تراب مغازيه ليصنع منه لبنة يسند إليها رأسه إذا ما أدخل القبر !!! .

وإن كان النقاش عن دولة العبيديين الإسماعيلية الملاحدة فالعهد راجع إلى المجنون الذي تلقب بــ : "الحاكم بأمر الله" ، الذي حرم أكل "الملوخية" !!! ، وجعل الناس يعملون بالليل وينامون بالنهار وأمرهم بالسجود له في زندقة لا تستغرب من باطني مثله ، وهو الذي تقدسه اليوم الطائفة الدرزية المارقة في بلاد الشام .

وقل مثل ذلك في "المأمون" :
فهو علم على عبد الله المأمون العباسي ، غفر الله له ، الخليفة العالم ، الذي استماله المعتزلة إلى مقالتهم ، فأظهرها ، وامتحن الأمة عليها في هوس منقطع النظير بلغ حد امتحان أسرى المسلمين قبل فدائهم فمن أجاب أطلق ، ومن أبى رد إلى الروم !!!!!!

ومن الخلفاء الموحدين : المأمون بن المنصور الموحدي ، وكان صنو أبيه في غزارة العلم وسعة المعرفة ، ولكنه كان أقل شأنا في السياسة والحرب فلم يأت بعد المنصور ، رحمه الله ، مثله .

ومن سذج ملوك الطوائف في الأندلس : حفظ لنا التاريخ اسم أعظمهم سفها : المأمون بن ذي النون صاحب "طليطلة" الذي استضاف "ألفونسو" ملك النصارى لما ثار عليه أخوه "سانشو" وأطلعه على عورات محلته ، حتى إذا ما استرد الأخير ملكه كان أول غزوه : غزو "طليطلة" فانتزعها من يد حفيد المأمون الضعيف العاجز : القادر بالله !!! ، سنة 478 هــــ ، ليسترد النصارى تلك القصبة الحصينة على طبق من ذهب ، ولم ترجع طليطلة إلى حكم المسلمين إلى يوم الناس هذا !!! ، وما أكثر بني ذي النون في عصرنا الحاضر !!! .

وقل مثله أيضا في نحو : "المستنصر" :
فالحكم المستنصر الأموي : عالم الأندلس ابن أمير المؤمنين : عبد الرحمن الناصر ، المتوفى سنة 366 هــ .

والمستنصر العباسي الذي تنسب إليه المدرسة المستنصرية الشهيرة في بغداد الحبيبة ، وكان مضرب المثل في الجود ، وهو الخليفة قبل الأخير من خلفاء بني العباس ، إذ جاء بعده المستعصم آخر خلفاء بغداد .
والمستنصر العبيدي : وهو الذي جثم على صدورنا ، نحن المصريين : 60 سنة كاملة !!!! ، فكان أطول الحكام مدة ، (وتلاه : "عبد الرحمن الناصر" الأموي الذي حكم 50 سنة ، فــ : "الناصر" العباسي الذي حكم 46 سنة) وفي عهد المستنصر شهدت مصر مجاعة لم يسبق لها مثيل ، وكادت الخلافة السنية في بغداد أن تسقط بتآمر أحد قواد الجيش من الأتراك مع المستنصر الذي غذى فتنته بالمال والسلاح ، لولا أن أنقذ الله ، عز وجل ، خلافة المسلمين بدولة السلاجقة الأتراك بقيادة : طغرل بك ، رحمه الله ، الذي قضى على تلك الفتنة التي عرفت بــ : "فتنة البساسيري" نسبة إلى ذلك القائد التركي الخائن ، وأعاد الخليفة القائم بأمر الله ، رحمه الله ، إلى منصبه الشرعي .

والمستنصر الموحدي ابن محمد الناصر : ولم يكن أهلا لقيادة إمبراطورية كالإمبراطورية الموحدية التي امتدت من ليبيا شرقا إلى الأطلنطي غربا ، ومن الأندلس شمالا إلى أعماق الغرب الإفريقي جنوبا .


ومثله "الناصر" :
الأموي : عبد الرحمن ، المتوفى سنة 350 هــ ، واسطة عقد الخلافة الأموية في الأندلس .
والعباسي ، وكان من أخبث الملوك سيرة ، وأطولهم مدة ، كما تقدم ، وقد شهدت الخلافة في عهده انحسارا كبيرا وبدء الزحف المغولي على شرق العالم الإسلامي ، وقد خلفه ابنه : الظاهر ، رحمه الله ، وكان على خلاف أبيه من أعدل الملوك سيرة ، ولم تتمتع الأمة بذلك الخليفة العادل إلا تسعة أشهر فقط !!!! .

والناصر : صلاح الدين : يوسف بن أيوب ، مقدم دولة بني أيوب ، ومثله أشهر من أن يعرف .

ومحمد الناصر الموحدي ابن يعقوب المنصور : وفي عهده وقعت نكبة "العقاب" التي سحق فيها الجيش الإسلامي أمام جيش نصارى الأندلس ، فكانت معركة بأمة ، كما يقول أحد الفضلاء المعاصرين ، إذ لم تقم لدولة الموحدين بعدها قائمة !!! .

وتتبع هذا الأمر في سير الخلفاء والأمراء أمر طريف لا يخلو من فائدة .


ومن ذلك أيضا :أسماء المصنفات نحو :
"الموطأ" : فهناك موطآت كثيرة ، كموطأ : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، رحمه الله ، وموطأ ابن وهب ، رحمه الله ، ولكن العهد فيه يشير ابتداء إلى : موطأ إمام دار الهجرة : مالك ، رحمه الله ، أعظم موطآت المسلمين .

و "الشرح" : فهو عبد الحنابلة ، رحمهم الله ، يشير إلى شرح بعينه هو شرح الشيخ شمس الدين ابن قدامة ، رحمه الله ، ابن أخي الموفق ، رحمه الله ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

و"التمهيد" :
فهو في "الحديث" علم على أشهر شروح الموطأ ، بل هو ، عند التحقيق ، من أشهر كتب الشروح في الإسلام ، لحافظ المغرب : ابن عبد البر الأندلسي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 463 هـــ .
وفي "أصول الدين" : يشير إلى "التمهيد" للقاضي الباقلاني رحمه الله .

و "الإبانة" :
فمنها إبانة الأشعري ، رحمه الله ، وإبانة ابن بطة ، رحمه الله ، الصغرى والكبرى ، وإبانة القاضي الباقلاني ، رحمه الله ، وكلها في الأصول .

*****

ومنه الخلافة في حديث سفينة رضي الله عنه :
"سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا» ثم قال : أمسك ، خلافة أبي بكر سنتان ، وعمر عشر ، وعثمان اثنتا عشرة ، وعلي ست" .
فإن ذلك قد يعارض ، بادي الرأي ، بحديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ) .
فإن فيه إثبات خلفاء كثر ، وذاك فيه إثبات الخلافة : ثلاثين سنة ، والجواب أن "أل" في "الخلافة" في الحديث الأول : عهدية فهي تشير إلى : "الخلافة الراشدة" أو الخلافة الكاملة التي سار فيها الخلفاء على منهاج النبوة قبل أن تتحول إلى ملك زمن معاوية رضي الله عنه .
ويرجح ذلك رواية سفينة ، رضي الله عنه ، عند أبي داود رحمه الله : (خِلَافَة النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) ، ففيها نص على الخلافة المقصودة ، فيصح أن يقال بأن "الخلافة" في الحديث الأول من قبيل العام الذي خص بوصف "النبوة" في الحديث الثاني ، فيحمل العام على الخاص .

وقد يقال أيضا بأن "أل" في "الخلافة" في الرواية الأولى : جنسية استغراقية : استغراقا مجازيا معنويا لأوصاف الخلافة الكاملة ، فلا إجمال فيها على هذ الوجه يستلزم بيانا بحملها على خصوص رواية أخرى ، أو ادعاء العهد فيها ، أو تقدير وصف محذوف يقتضيه السياق فهو بين بنفسه ، كما تقول مادحا : زيد الرجل ، فإن ذلك يغنيك عن قولك : زيد الرجل الكامل الرجولة .

*****

و "المتعة" :
في حديث : غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
عَنْ الْمُتْعَةِ فَقَالَ فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ .
فإن "أل" فيها عهدية تشير إلى متعة الحج .
والإشارة في هذا ترجع إلى معاوية ، رضي الله عنه ، وإلى ذلك أشار النووي ، رحمه الله ، بقوله :
" وَأَمَّا قَوْله ( وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِر بِالْعُرُشِ ) فَالْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان ، وَفِي الْمُرَاد بِالْكُفْرِ هُنَا وَجْهَانِ :
أَحَدهمَا : مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْره الْمُرَاد وَهُوَ مُقِيم فِي بُيُوت مَكَّة . قَالَ ثَعْلَب : يُقَال : اكْتَفَرَ الرَّجُل إِذَا لَزِمَ الْكُفُور ، وَهِيَ الْقُرَى . وَفِي الْأَثَر عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ( أَهْل الْكُفُور هُمْ أَهْل الْقُبُور ) يَعْنِي الْقُرَى الْبَعِيدَة عَنْ الْأَمْصَار وَعَنْ الْعُلَمَاء .

وَالْوَجْه الثَّانِي : الْمُرَاد الْكُفْر بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمُرَاد أَنَّا تَمَتَّعْنَا وَمُعَاوِيَة يَوْمئِذٍ كَافِر عَلَى دِين الْجَاهِلِيَّة مُقِيم بِمَكَّة ، وَهَذَا اِخْتِيَار الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره ، وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار ، وَالْمُرَاد بِالْمُتْعَةِ الْعُمْرَة الَّتِي كَانَتْ سَنَة سَبْع مِنْ الْهِجْرَة ، وَهِيَ عُمْرَة الْقَضَاء ، وَكَانَ مُعَاوِيَة يَوْمَئِذٍ كَافِرًا ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ عَام الْفَتْح سَنَة ثَمَانٍ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْد عُمْرَة الْقَضَاء سَنَة سَبْع ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل" . اهـــ

بخلاف المتعة في حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن حسنا وعبد الله ابني محمد أخبراه عن أبيهما محمد بن علي أنه سمع أباه علي بن أبي طالب يقول لابن عباس وبلغه أنه يرخص في المتعة ، فقال له علي : إنك امرؤ تائه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر .
فإن "أل" في المتعة عهدية تشير إلى متعة بعينها هي : متعة النساء المنسوخة .

*****

و"الطريقتين" :
في قول عمر رضي الله عنه : (فورب الكعبة لأحملن العرب على الطريقتين) : أي : الكتاب والسنة ، فيكون العهد مشيرا إليهما ، ويحتمل طريقتي : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وطريقة الصديق رضي الله عنه .

*****
ومنه أيضا : "السنة" :
فإن كان الكلام في "الحديث" فهو : كل ما أثر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قول أو فعل أو تقرير .
وإن كان الكلام في "أصول الدين" : فهي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسائل العلمية أو الإلهيات .
وإن كان الكلام في "أصول الفقه" : فهي المصدر الثاني لأدلة الأحكام بعد الكتاب المنزل .
وإن كان الكلام في "الفقه" : فهي السنة المعهودة التي ترادف المندوب أو المستحب أو النافلة على تفصيل في الفروق بينها .

*****

ومن العهد :
الوقائع والأيام الشهيرة كـــ :
السقيفة : إشارة إلى يوم السقيفة التي بويع فيها الصديق ، رضي الله عنه ، بالخلافة .
والسبت : في قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) ، إشارة إلى قصة أصحاب السبت في سورة الأعراف فهو : سبت بعينه .
والعقبة : إشارة إلى البيعة التي تمت عندها .
والفتح : إشارة إلى فتح مكة ، أو : الحديبية فقد كانت بمنزلة الفتح لما بعدها ، كما روي في تفسير قوله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) ، أو : خيبر فهي أول الفتوح بعد الحديبية .
والردة : إشارة إلى حروب الردة .

والحديقة : في يوم عقرباء في قتال بني حنيفة في حروب الردة .
والدار : إشارة إلى الدار التي حصر فيها عثمان ، رضي الله عنه ، حتى قتل شهيدا ، فقيل : شهيد الدار علما عليه رضي الله عنه .
والجمل : إشارة إلى يوم الجمل المعروف .
والشجرة : في قوله تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) .
بخلاف الشجرة في قوله تعالى : (وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) ، والشجرة في قوله تعالى : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .

*****
ومنه مصطلحات كــــ :
الجائز :عند المناطقة : فهو قسيم : المحال والواجب .
وعند الأصوليين : واسطة الأحكام التكليفية .
وعند الفقهاء : قسيم اللازم في الأحكام الوضعية كالوكالة فهي عقد جائز من الطرفين يجوز لكليهما فسخه إلا إن ترتب على ذلك ضرر يلحق أحدَ الطرفين فــــ : "الضرر يزال" كما قرر أهل العلم .

*****

والواجب :
عند المناطقة : وقد تقدم معناه عندهم ، فهو قسيم الجائز والمحال ، والواجب : كوجود الله ، عز وجل ، متصفا بصفات الكمال المطلق .
وعند الأصوليين : هو ما وعد فاعله بالثواب وتوعد تاركه بالعقاب .

*****

وقوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) :
فالعهد فيه ذكري ، فقد تقدم ذكر الشهر المراد في قوله تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ) .

*****

وقوله تعالى : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) :فقد قال بعض المفسرين هو : تنور الخبز ، فيحتمل أن يكون تنورا بعينه جعل علامة على هلاك قوم نوح ، فتكون : "أل" عهدية ، ويحتمل أن تكون "أل" فيه جنسية ، فيكون المعنى : وفار الماء من أعين التنانير التي تسعر فيها النيران ، فهذا علامة بدء الطوفان .

*****

ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ) :
يقول الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" ، (4/147) :
"قَوْلُهُ : ( الشَّهْر تِسْع وَعِشْرُونَ )
ظَاهِره حَصْرُ الشَّهْرَ فِي تِسْع وَعِشْرِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ ، وَالْجَوَاب أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَة وَعِشْرِينَ أَوْ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَاد شَهْر بِعَيْنِهِ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ لِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود " مَا صُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَائِشَة عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّل قَوْله فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَةَ فِي الْبَابِ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : قَوْلُهُ " الشَّهْر تِسْع وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا إِلَخْ " مَعْنَاهُ حَصْره مِنْ جِهَةِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ ، أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَهُوَ أَقَلُّهُ ، وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ وَهُوَ أَكْثَرُهُ ، فَلَا تَأْخُذُوا أَنْفُسَكُمْ بِصَوْم الْأَكْثَر اِحْتِيَاطًا ، وَلَا تَقْتَصِرُوا عَلَى الْأَقَلِّ تَخْفِيفًا ، وَلَكِنْ اِجْعَلُوا عِبَادَتكُمْ مُرْتَبِطَةَ اِبْتِدَاءٍ وَانْتِهَاءً بِاسْتِهْلَالِهِ" . اهــ

*****

وقوله تعالى : (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) :
فــ : "أل" في "القول" : عهدية تشير إلى القرآن الذي أمرنا باستماعه وتدبره .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وذلك أن اللام في لغة العرب هي للتعريف فتنصرف إلى المعروف عند المتكلم والمخاطب وهي تعم جميع المعروف فاللام في القول تقتضي التعميم والاستغراق لكن عموم ما عرفته وهو القول المعهود المعروف بين المخاطب والمخاطب ومعلوم أن ذلك هو القول الذي أثنى الله عليه وأمرنا باستماعه والتدبر له واتباعه فإنه قال في أول هذه السورة : (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص) [ سورة الزمر 1_3] فذكر في السورة كلامه ودينه الكلم الطيب والعمل الصالح" . اهــ
"الاستقامة" ، ص172 .

*****

ومن ذلك أيضا :
حديث وفد عبد القيس ، رضي الله عنهم ، وفيه :
"إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ" . اهــ
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله :
"قَوْله : ( إِلَّا فِي الشَّهْر الْحَرَام )
، وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة " إِلَّا فِي شَهْر الْحَرَام " وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم ، وَهِيَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه كَمَسْجِدِ الْجَامِع وَنِسَاء الْمُؤْمِنَات . وَالْمُرَاد بِالشَّهْرِ الْحَرَام الْجِنْس فَيَشْمَل الْأَرْبَعَة الْحُرُم ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة قُرَّة عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ " إِلَّا فِي أَشْهُر الْحُرُم " وَرِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عِنْده فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ " إِلَّا فِي كُلّ شَهْر حَرَام " وَقِيلَ اللَّام لِلْعَهْدِ وَالْمُرَاد شَهْر رَجَب ، وَفِي رِوَايَة لِلْبَيْهَقِيِّ التَّصْرِيح بِهِ ، وَكَانَتْ مُضَر تُبَالِغ فِي تَعْظِيم شَهْر رَجَب ، فَلِهَذَا أُضِيفَ إِلَيْهِمْ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة حَيْثُ قَالَ " رَجَب مُضَر" . اهـــــ

فإما أن تكون : جنسية استغراقية فتعم الأشهر الحرم : رجب الفرد وذا القعدة وذا الحجة ومحرم .
أو : عهدية : فتشير إلى شهر بعينه وهو : رجب .

*****

ومنه أيضا :
ما رواه الآجري ، رحمه الله ، في "الشريعة" : ص115 ، من طريق : سليمان بن يسار : أن المسور بن مخرمة : أخبره حين طعن عمر رضي الله عنه أنه دخل عليه هو وابن عباس ، فلما أصبح أفزعوه فقالوا : الصلاة ، الصلاة ، فقال : «نعم ، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، فصلى والجرح يثعب دما»

فقولهم : "الصلاةَ ، الصلاةَ" : "أل" فيه عهدية تشير إلى الصلاة التي طعن فيها عمر ، رضي الله عنه ، وهي صلاة الفجر ، والإغراء بتكرار المغرى به مظنة العهد .

بخلاف قول عمر رضي الله عنه : (ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) : فــ : "أل" في "الصلاة" : جنسية سواء قيل : تفيد الماهية ، أو الاستغراق ، فلا يكفر إلا من ترك الصلاة مطلقا ، لا من فرط في بعض الفرائض كسلا لا جحودا على خلاف بين الحنابلة ، رحمهم الله ، من جهة ، والجمهور من جهة أخرى ، وهو خلاف طويل لا يتسع المقام لذكره .

*****

وحديث عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) :
فــ : "أل" في الحكمة : عهدية تشير إلى القرآن ، كما ذكر ذلك الحافظ ، رحمه الله ، في الفتح ، (1/201) .
وقال بعض أهل العلم : إن اقترنت بــ : "الكتاب" فهي : "السنة" ، وإن انفردت فهي : "القرآن" ، كما في هذا الموضع ، أو : الوحي عموما : قرآنا وسنة ، فتكون المسألة من مسائل : دلالة الاقتران والافتراق .
وأشار الحافظ ، رحمه الله ، إلى معنى كلي جامع فقال : "وقيل : المراد بالحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح" . اهـــ

****

ومنه : قوله تعالى : (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) :
فـــ : "أل" في "الأرض : عهدية تشير إلى : أرض مصر ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله .

بخلاف "أل" في "الأرض" في قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) :
فهي عهدية تشير إلى أرض الجنة ، كما في قوله تعالى : (وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء) .
وقد يقال بأنها جنسية استغراقية تعم كل بقاع الأرض التي نحيى عليها ، فالله ، عز وجل ، قد وعد عباده الموحدين بظهور دينهم ، كما في حديث المقداد ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ إِمَّا يُعِزُّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا" .

*****

وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) :
فــ "أل" : عهدية تشير إلى جمع المؤمنين وجمع المشركين يوم أحد .
بخلاف : قوله تعالى : (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) :فــــ : "أل" : عهدية تشير إلى جمع موسى عليه الصلاة والسلام وجمع فرعون لما أغرقه الباري ، عز وجل ، وأنجى بني إسرائيل .

*****

وقوله تعالى : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) :

يقول القرطبي رحمه الله :
"ثم قيل : لفظ المؤمنين عام ومعناه خاص في العرب ، لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده صلى الله عليه وسلم ، ولهم فيه نسب ، إلا بني تغلب فإنهم كانوا نصارى فطهره الله من دنس النصرانية" . اهــ
"الجامع لأحكام القرآن" ، (4/233) .
فتكون "أل" في "المؤمنين" : عهدية تشير إلى العرب منهم خاصة .

بخلاف : قوله تعالى : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) :
فــ : "أل" في : "المؤمنين" : جنسية استغراقية فالآية حجة من قال بالإجماع ، والإجماع مظنة استغراق جنس المجتهدين في أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

*****

وقوله تعالى : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) :فــــ : "أل" في : "اليوم" : عهدية تشير إلى يوم بعينه وهو : يوم القيامة .

*****

وقوله تعالى : (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) :
فـــ : "أل" في : "الإنسان" : إما أن تكون جنسية استغراقية فتعم جنس الإنسان ، وإما أن تكون عهدية تشير إلى الكفار منهم ، وقد أشار الرازي ، رحمه الله ، في تفسيره لكلا الوجهين .

*****

ومنه قوله تعالى : (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) :

فقد اختلف في هذه الأسماء التي علمها الله ، عز وجل ، آدمَ فقيل :
هي أسماء كل شيء ، فتكون "أل" فيها : جنسية استغراقية ، ويؤيد ذلك التوكيد بــ : كلها" ، فهو مظنة التعميم .
ويشهد لذلك : قول ابن عباس رضي الله عنهما : "علمه القصعة والقصيعة والفسوة والفسية" ، أي علمه أسماء صغار الأمور وكبارها ، وما يستحى منه وما لا يستحى منه .
والأثر عند الطبري ، رحمه الله ، من طريق سعيد بن مَعبد ، عن ابن عباس ، قال : علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة .

وقال الطبري رحمه الله : علمه أسماء الملائكة وذريته ، فتكون "أل" عهدية ذهنية تشير إلى معهود بعينه هو : أسماء الملائكة وذرية آدم ، فهو من العام الذي أريد به خاص .

وقال بعض أهل العلم : علمه أسماء ذريته فقط .
وقال آخرون : علمه أسماء الملائكة ، وهو قول الربيع بن خثيم .
و"أل" في هذه القولين أيضا : عهدية ذهنية تشير إلى معهود بعينه .
وعلى القول بأن الأسماء هي : أسماء الملائكة ، يكون الضمير في : "بِأَسْمَائِهِمْ" في : (: (يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) ، راجعا إلى أقرب مذكور وهم الملائكة الذين يرجع الضمير في " أَنْبِئْهُمْ " إليه ، فيتحد السياق باتحاد مرجع الضميرين ، فيؤول المعنى إلى : أعلم آدمُ الملائكةَ بأسماء الملائكة .
وعلى القول بأن الأسماء : أسماء كل شيء ، يكون الضمير راجعا إلى غير أقرب مذكور فيكون المعنى : أعلم الملائكة بأسماء كل المسميات التي عرضت عليه فعلمت أسمائها منه فظهر فضله عليها .
"الجامع لأحكام القرآن" ، (1/273) .

*****

وقوله تعالى : (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
فـــ : "أل" في الشيطان قد تكون عهدية ذهنية تشير إلى إبليس ، وإما أن يكون العهد راجعا لأحد شياطين البشر ، كما أشار إلى ذلك القرطبي ، رحمه الله ، بقوله :
"قيل : إن المراد هذا الذي يخوفكم بجمع الكفار شيطان من شياطين الإنس ، إما نعيم بن مسعود أو غيره" . اهــــ
"الجامع لأحكام القرآن" ، (1/250) .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
02-11-2008, 08:26 AM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم :

هذه بعض فوائد جُمِعَت ، ولله الحمد والمنة ، عن "أل" وأقسامها ، أدرجتها على نفس الرابط ، مع أنها أوسع دائرة من "أل" العهدية فالأخيرة أحد أفرادها ، لتكتمل الفائدة إن شاء الله .


فــــ : "أل" : إما أن تكون :

عهدية ، والمعهود إما أن يكون :
ذهنيا : كما في قوله تعالى : (إذ هما في الغار) ، أي : غار حراء المعهود ، وقوله تعالى : (إذ يبايعونك تحت الشجرة) ، أي : شجرة البيعة المعهودة في الحديبية ، وقولك : جاء الشيخ ، إذا كان بينك وبين مخاطبك عهد في شيخ بعينه .
أو ذكريا : كما في قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) ، فالرسول في الآية الثانية قد تقدم ذكره منكرا في الآية الأولى ، وعبرة هذه ، كما يقول ابن هشام رحمه الله : أن يسد الضمير مسدها مع مصحوبها ، ففي قولك : اشتريت فرسا ثم بعت الفرس ، يصح أن يقال : اشتريت فرسا ثم بعته ، وفي الآية يصح أن يقال في غير القرآن : كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصاه فرعون ، فحلت هاء الغائب محل "الرسول" في الآية الثانية دون أن يختل المعنى .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (1/72) .
أو كنائيا : كما في قوله تعالى : (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) ، فالمعهود هنا أيضا : ذكري ، ولكن ذكره لم يرد تصريحا ، كالنوع السابق ، وإنما ورد تلميحا ، في قوله تعالى : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) ، وقد جرى عرفهم على نذر الذكور لخدمة بيت المقدس دون الإناث .
أو حضوريا : كما في قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ، أي : يوم عرفة الذي حضره المخاطبون بهذه الآية .
ومن صور المعهود الذي يدل عليه السياق : "الذكر" :
فهو : الكتاب الذي تقدم نزوله على القرآن كما في قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، والسياق يدل على ذلك ، إذ المخاطب : من أنكر من العرب أن يكون الرسول بشرا مثلهم فلزمت إحالتهم إلى من بعث فيهم رسول ، ليتأكدوا أن : الرسول بشر مثلهم وليس ملكاً ، ومن بعثت فيهم الرسل قبل العرب هم أهل الكتاب من جيرانهم من يهود ونصارى الجزيرة العربية . فهم أدرى بأمر النبوات من العرب الذين لم يبعث فيهم رسول قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

وفي قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، السياق يدل على أن الذكر هو : القرآن ، وقال بعض أهل العلم هو الوحي عموما سواء أكان متلوا وهو : القرآن ، أم غير متلو وهو : السنة . فالسياق سياق امتنان على المسلمين بحفظ دينهم ودينهم هو : القرآن والسنة .

وفي قوله تعالى : (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ) ، السياق يدل على أن الذكر : هو الشرف ونباهة الذكر .

وفي قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) : الذكر هو : اللوح المحفوظ أو أم الكتاب في أحد الأقوال .

وفي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، المراد بالذكر : الذكر باللسان

فصار العهد تبعا للسياق الذي يرد فيه المعرف بـــ : "أل" .

*****

وإما أن تكون جنسية :
فتفيد : العموم الحقيقي ، وعلامته : جواز استبدال "أل" بلفظ "كل" دون تغير في المعنى ، وجواز الاستثناء منها ، وفي التنزيل : (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ، فيصح في غير القرآن : إن كل إنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ..............

أو العموم المجازي ، كقولك : زيد الرجل ، أي : الذي اجتمعت فيه خصال الرجولة ، فالحصر هنا ليس على حقيقته ، وإنما هو حصر إضافي ، وعلامته : جواز استبدال "أل" بلفظ "كل" مجازا ، فتقول : زيد كل رجل ، فقد بلغ من الكمال درجة صح معها أن يخبر عنه بكل رجل ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (كل الصيد في جوف الفرا" .

أو العموم العرفي : فتكون الإشارة فيه لكل الأفراد مقيدا ، كقولك : جمع الأمير التجار ، أي : تجار بلده ، لقرينة صرفت اللفظ عن العموم اللفظي المستفاد من ظاهره إلى العموم العرفي ، فدلالة الحس والعرف تدل على أن المقصود : تجار بلده دون بقية البلاد إذ لا سلطان له على بقية التجار ، ويسمى الاستغراق في مثل هذه الحالة : "استغراقا عرفيا" .

أو : تفيد بيان الماهية دون تعرض إلى عموم أو خصوص ، كما في قوله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، أي : من جنس الماء ، فــ : "من" لبيان الجنس ، و "أل" جنسية لبيان الماهية ، فليس المقصود منها الاستغراق ، فلا يصح إبدال "أل" بــ "كل" سواء أكان الإبدال حقيقة أم مجازا ، فلا يقال : وجعلنا من كل الماء كل شيء حي ، لأن الحس يكذب ذلك ، فمن الماء ما يشرب ، ومنه ما يجري .............. إلخ ، فليس الماء كله للخلق ، وإن وقع خلق كل الكائنات الحساسة المتحركة من جنسه .

وقوله تعالى : (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) ، أي : جنس الحيوان المفترس الذي يسمى : ذئبا ، لا فردا معينا من أفراده ، فأطلق عموم الجنس وأراد به خصوص فرد من أفراده .

ويمكن تقسيم الاستغراق بطريقة أخرى فيقال :الاستغراق إما أن يكون :
استغراق أعيان : فينقسم إلى :
استغراق حقيقي ، كآية العصر ، فالاستغراق فيها يشمل كل أفراد نوع الإنسان .
واستغراق عرفي ، كما في قولك : جمع الأمير التجار ، فقد جمع أعيان تجار بلدته ، فحصل العموم من هذه الجهة ، وحصل الخصوص من جهة العرف الذي خص هذا العموم بتجار بلدته دون من سواهم .

أو : استغراق أوصاف : فيكون مجازا ، عند من يقول بالمجاز ، كقولك : زيد الرجل .

والاستغراق المستفاد من "أل" يستوي فيه اتصالها بجمع قلة أو جمع كثرة ، ولذلك لا يقال بأن "الثمرات" في قوله تعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) : جمع قلة ، والسياق سياق امتنان ، فكان من الواجب الإتيان بجمع كثرةٍ نحو : "الثمر" ، أو : "الثمار" ، لأن : دخول "أل" في حد ذاته يفيد استغراقا ينقل جمع القلة من خصوصه إلى العموم الذي يدل عليه استغراق "أل" الجنسية لعموم ما دخلت عليه وهو ما يناسب سياق الامتنان .

يقول أبو حيان ، رحمه الله ، في "البحر" :
فقامت الثمرات مقام الثمر أو الثمار على ما ذهب إليه الزمخشري ، لأن هذا من الجمع المحلى بالألف واللام ، فهو وإن كان جمع قلة ، فإن الألف واللام التي للعموم تنقله من الاختصاص لجمع القلة للعموم ، فلا فرق بين الثمرات والثمار ، إذ الألف واللام للاستغراق فيهما ، ولذلك رد المحققون على من نقد على حسان قوله :
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ******* وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
بأن هذا جمع قلة ، فكان ينبغي على زعمه أن يقول : الجفان وسيوفنا ، وهو نقد غير صحيح لما ذكرناه من أن الاستغراق ينقله" . اهــــــ

ودلالة "أل" الجنسية على تعريف ما دخلت عليه : دلالة ضعيفة ، بدليل جواز إعراب الجملة بعد ما دخلت عليه : نعتا ، وقد تقرر أن الجمل بعد المعارف : أحوال ، وبعد النكرات : صفات ، فلو كانت تفيد تعريفا لما جاز إعراب ما بعدها : نعتا ، ولكنها لما كانت تدل أصالة على عموم جنس ما دخلت عليه ، أفادت معنى النكرة من هذه الجهة ، وإن كانت معرفة من جهة اللفظ ، وفي التنزيل : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) ، فــ : "أل" في "الحمار" تدل على جنسه دون نظر إلى حمار بعينه ، ولذا صح في غير القرآن أن يقال : كمثل حمار يحمل أسفارا ، فتكون جملة : "يحمل أسفارا" : في محل جر صفة للمضاف إليه : "الحمار" ، ومن شعر العرب :
ولقد أمر على اللئيم يسبني ******* فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
فــ : "أل" في "اللئيم" : جنسية تفيد ماهية من اتصف باللؤم ، لا لئيما بعينه ، ولذا آل معناها إلى النكرة : "لئيم" ، وأُعْرِبت جملة "يسبني" بعدها : في مجل جر صفة لها لأنها مجرورة بحرف الجر "على" ، وإعرابها : صفة يزيد المعنى قوة ، لأنها لو أعربت حالا لأفادت معناها حال مروره على اللئيم فقط ، فيكون المعنى مقيدا بزمن معين ، لأن الحال متنقلة لا تلازم صاحبها ، بخلاف ما لو أعربت صفة ، فإنها تفيد عموم اتصافه بذلك ، وهو أكمل في المدح ، لأن النعت لازم لا ينفك عن صاحبه .
ومن شعر أبي الطيب المتنبي :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ******* وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا
فقوله : الكريم يؤول في المعنى إلى : كريم ، وقوله : اللئيم يؤول في المعنى إلى : لئيم ، يؤيد ذلك ورودهما في سياق الشرط ، والأصل فيه العموم ، وهو أليق بالنكرات .
فالنكرة تدل على جنس معين دون أن يكون معلوما للسامع فردٌ بعينه من أفراده ، إذ لو كان كذلك لتعرف في ذهن السامع وصار معرفة ابتداء ، فصار خاصا بفرد بعينه لا عاما يشمل جميع أفراد الجنس .

*****

ومن أنواع "أل" : "أل" الموصولة :
وعلامتها : أنها تتصل باسم مشتق ، فيصير صلة لها ، كما في قوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فتقدير الكلام : والذي سرق والتي سرقت ، فــ : "أل" قد اتصلت باسم الفاعل ، وهو وصف مشتق مفرد ، وقوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) ، وأي : والتي زنت والذي زنى ، وحديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا وقد تكلم في إسناده : (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ) ، أي : الذي يقتل لا يرث ، يقول ابن هشام رحمه الله : "وهي الداخلة على أسماء الفاعلين والمفعولين ، قيل: والصفاتِ المشبهة ، وليس بشيء ، لأن الصفة المشبهة للثبوت فلا تُؤوَّل بالفعل ، (لأن الفعل يدل على الحدوث والتجدد) ، ولهذا كانت الداخلةُ على اسم التفضيل ليست موصولة باتفاق ، وقيل : هي في الجميع حرفُ تعريف ، ولو صح ذلك لمنَعتْ من إعمال اسمي الفاعل والمفعول ، كما منع منه التصغير والوصف" . اهـــ بتصرف من "مغني اللبيب" ، (1/71) .
فهي لا توصل إلا باسم مشتق يؤول بالفعل ، كما سبق في تأويل "السارق" بـــ : الذي سرق ، و "الزانية" بـــ : التي زنت ، والفعل مظنة التجدد والحدوث ، بخلاف الصفة المشبهة ، فهي مظنة الثبوت ، فمعنى التجدد الذي يفيده الفعل أو فرعه : الاسم المشتق الذي يؤول به ، غير حاصل فيها ، ولذا لا تؤول "أل" في "الحسن" بـــ : الذي ، فلا يقال : الذي يَحْسُنُ ، لأن الحسن صفة ملازمة للموصوف بها ، فلا يتصور حسنه تارة وقبحه تارة أخرى ، فــ "أل" في "الحسن" للمح الصفة ، وقد ضعف ابن هشام ، رحمه الله ، القول بأن "أل" : حرف تعريف ، لأن "أل" التعريف لا تدخل على الفعل ، فهي من علامات الاسم الأصيلة ، ودخول "أل" التعريف يقوي ما تدخل عليه في باب الاسمية ، والأصل في الاسم : عدم العمل ، فلا يعمل إلا إذا أول بفعل ، فالقول بأن "أل" في "السارق" : "أل" التعريف ، يمنع عمله مطلقا ، وقد عُلِم أن اسم الفاعل يعمل إذا اتصلت به "أل" في جميع أزمنته ، ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا ، فتقول : "هذا الضارب زيدا أمس ، أو الآن ، أو غدا" ، قال امرئ القيس :
القاتلين الملكَ الحلاحلا ******* خير معد حسبا ونائلا
فقتله قد وقع في الماضي .
وعمله في هذه الحال : مقيد بما يليه ، فلا يعمل فيما قبله ، لأن "أل" الموصولة تمنع عمل صلتها فيما قبلها ، فلا تقول : أما العسلَ فأنا الشارب ،

ومنه قوله تعالى : (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ، فإن "أل" تمنع عمل "زاهدين" في "فيه" المتقدمة ، فيقدر لـــ "زاهدين" معمول من جنس المتقدم ، فيكون تقدير الكلام : وكانوا فيه من الزاهدين فيه ، والذي سوغ حذفه : تقدم ذكره فيدل المذكور على المحذوف إذ هو بمنزلة العوض عنه وقد تقرر أنه لا يجمع بين العوض والمعوض عنه لئلا يقع التطويل بالتكرار .

بخلاف : أما العسلَ فأنا شارب ، فهو جائز : لأن اسم الفاعل قد تجرد من "أل" الموصولة فعمل فيما قبله بلا إشكال ، ولكنه مقيد في هذه الحال أيضا : بكونه لا يعمل متجردا إلا في الحال أو الاستقبال ، فلا تقول : أما العسلَ فأنا شارب بالأمس ، ويرد على ذلك :
قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ، فالبسط قد وقع وانتهى ، ومع ذلك عمل اسم الفاعل في "ذراعيه" ، وأجيب بأن المقصود هنا : استحضار الصورة فنزل الماضي منزلة الحاضر ، كقولك : هجم الذئب وأنا أصك عينيه ، أي : فصككت عينيه ، ولكن لما كان المقصود استحضار الصورة ، جيء بالجملة الحالية التي تفيد الحاضر .

ويؤيد كونها موصولة : ترتب الحكم عليها مقرونا بالفاء ، فتقدير الكلام في آية السرقة : والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما ، فرتب حكم القطع على فعل السرقة ، ترتب المُسَبَب على سببه ، ولا يتأتى ذلك إلا غلى القول بأنها موصولة ، ليؤول المشتق بعدها بالفعل الذي اشتق منه ، أو يقال بأن : مجرد تعليق الحكم على مشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق ، وهو : فعل السرقة ، فتكون السرقة علة القطع ، وسوغ ذلك أن الموصول هنا يفيد الشرطية التى يتوقف فيها تحقق المشروط ، وهو هنا : القطع ، على تحقق شرطه ، وهو هنا : السرقة ، فهي من باب : الذي يأتيني فله درهم .
وصلة "أل" : مفرد بخلاف صلة باقي الأسماء الموصولة ، فصلتها لا تكون إلا جملة .
والمثنى كالمفرد ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) ، فإنه يعم كل مسلمين ، فيكون تقدير الكلام : إذا التقى اللذان اتصفا بالإسلام بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، ومما يقوي العموم فيه : ترتب الحكم على سببه بصيغة الشرط بأداة "إذا" .

وقد تدخل "أل" الموصولة على :
الظرف ، أو الجملةٍ الاسمية ، أو الفعلية التي فعلها مضارعٌ ، وذلك دليل على أنها ليست حرف تعريف ، لأن "أل" المعرفة لا تدخل إلا على الاسم المفرد ، فهي من خصائصه الأصيلة ، كما تقدم ، فالأول كقوله :
منْ لا يزالُ شاكراً على المعهْ ******* فهْوَ حرٍ بعيشةٍ ذاتِ سعهْ
أي : الذي معه .
والثاني كقوله :
من القومِ الرسولُ اللهِ منهُمْ ******* لهم دانت رقابُ بني معدِّ
أي : من القوم الذين رسول الله منهم .
والثالث كقوله :
يقول الخنى وأبغض العُجْم ناطقا ******* إلى ربنا صوتُ الحمارِ اليُجَدَّعُ
ومنه أيضا :
بيت الفرزدق الشهير :
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ******* ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
أي : وما أنت بالحكم الذي ترضى حكومته .
والجميع خاص بالشعر ، خلافاً للأخفش وابن مالك في الأخير .
وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، في حاشية "منتهى الأرب" ، بقوله :
ثم اعلم أن النحاة يختلفون في مجيء صلة "أل" الموصولة فعلا مضارعا ، فذهب الكوفيون إلى أنه جائز في سعة الكلام . وقال الأزهري في "التهذيب" : إنه لغة من لغات العرب ، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز في سعة الكلام ، وإنما يقع في ضرورة الشعر ، وذهب ابن مالك إلى أنه يقع في الكلام ولكنه قليل ، (وهذا هو الخلاف الذي أشار إليه ابن هشام رحمه الله)" . اهــ

فالكوفيون يطلقون الجواز في السعة ، والبصريون يطلقون المنع ، وابن مالك ، رحمه الله ، يقول بالجواز على قلة ، فهو كالوسط بين طرفين ، وإن مال إلى طرف البصريين بتقييد ذلك بكونه قليلا .
وقد نص ابن مالك ، رحمه الله ، على ذلك في الألفية بقوله :
وصلة صريحة صلة "أل" ******* وكونها بمعرب الأفعال قل
فمجيئها موصولة بــ : "الأفعال" قليل .

و"أل" الموصولة كباقي الأسماء الموصولة ، فهي نص في العموم ، ففي آية السرقة والزنا : يعم حكم القطع والجلد كل سارق وزان ، وفي هذا رد على من قصر هذه العموم على أفراد بعينهم ، فكلامه لا يصح إلا على القول بأن "أل" معرفة ، وسبق بيان بطلان ذلك ، ففي آية السرقة : إن قيل بأن سبب نزولها المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده ، فورود لفظ "السارق" المذكر في الآية يدل على عمومها ، وإن قيل بأن سبب نزولها سارق رداء صفوان بن أمية ، رضي الله عنه ، فورود لفظ "السارقة" المؤنث في الآية يدل على عمومها ، وكذلك في آية الزنا ، وقد تقرر في الأصول : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فالسبب لا يعمل شيئا ، كما قال الشافعي ، رحمه الله ، وإنما العبرة باللفظ ، فإن خاصا فخاص ، كما في قوله تعالى : (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، وسائر خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن عاما فعام .

*****

ومن "أل" ما يكون زائدا :
إما لزوما : كــ : "أل" في الأسماء الموصولة على قول من جعل تعريف الموصول بصلته ، وهو اختيار جمهور النحاة .
و "الآن" : يقول ابن عقيل رحمه الله :
"واختلف في الألف واللام الداخلة عليه ، فذهب قوم إلى أنها لتعريف الحضور كما في قولك : "مررت بهذا الرجل" ، لأن قولك : "الآن" بمعنى هذا الوقت ، وعلى هذا لا تكون زائدة ، وذهب قوم - منهم المصنف – ( أي : ابن مالك رحمه الله) ، إلى أنها زائدة ، وهو مبني لتضمنه معنى الحرف ، وهو لام الحضور" . اهــ

و "اللات" :
يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، في حاشية "منح الجليل" :
"ومثل اللات كل علم قارنت "أل" وضعه لمعناه العلمي ، سواء أكان مرتجلا أم كان منقولا ، فمثال المرتجل من الأعلام التي فيها "أل" وقد قارنت وضعه : "السموأل" ، وهو اسم شاعر جاهلي مشهور يضرب به المثل في الوفاء ، ومثال المنقول من الأعلام التي فيها "أل" وقد قارنت وضعه للعلمية أيضا : العزى ، وهو في الأصل مؤنث الأعز وصف من العزة ، ثم سمى به صنم أو شجرة كانت غطفان تعبدها ، ومنه : "اللات" ، وهو في الأصل اسم فاعل من لت السويق يلته ، ثم سمى به صنم ، وأصله بتشديد التاء ، فلما سمى به خففت تاؤه ، لأن الأعلام كثيرا ما يغير فيها ، ومنه "اليسع" فإن أصله فعل مضارع ماضيه وسع ثم سمي به" . اهــ

فمن العلم ما هو : مرتجل ، وهو الذي سمي به ابتداء ، فلم يستعمل قبل ذلك في شيء غير التسمية ، كقولك : سعاد ، فهي اسم أنثى ابتداء دون أن تنقل من غيرها .
ومنه ما هو منقول : كقولك : الحارث ، فهو علم منقول من اسم الفاعل المشتق من الفعل : "حرث" .


وإما غير لازمة : وهي الداخلة اضطرارا على العلم ، كقولهم في "بنات أوبر" علم لضرب من الكمأة : "بنات الأوبر" ومنه قوله :
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ******* ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
ومنه قول الشاعر :
باعد أم العمرو من أسيرها ******* حراس أبواب لدى قصورها
وضابط ذلك " أن العلم إذا نزل منزلة اسم الجنس ، فإن دخول "أل" عليه يكون سائغا ، فلا تدخل عليه إلا بعد نية تنكيره ، فلا تقول : جاء الزيد ، إلا بعد نية تنكير زيد ، لئلا يجتمع على الاسم تعريفان : تعريف "أل" الداخلة عليه ، وتعريف العلمية الذي يدل عليه ابتداء ، فــ : "زيد" علم على الذات المسماة بــ : "زيد" .
ومن ذلك قول الأخطل :
وقد كان منهم حاجب وابن أمه ******* أبو جندل والزيد زيد المعارك .
فوجب تنكير"زيد" في : "الزيد" : لئلا يجتمع عليه التعريف بــ "أل" والعلمية ، وفي : "زيد المعارك" لئلا يجتمع عليه التعريف بالإضافة والعلمية .
وقول ربيعة الرقي :
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ******* يزيد سليم والأغر بن حاتم
فوجب تنكير "يزيد" في "اليزيدين" من جهة : أن "أل" لا تدخل على العلم إلا بعد نية تنكيره ، كما تقدم ، ومن جهة أن التثنية لا تصح في الأعلام الشخصية التي تدل على ذات بعينها ، لأن تلك الذات لا ثاني لها في الخارج ، فتثنيتها دليل على تنكيرها .
وقول ابن ميادة يمدح الخليفة الوليد بن يزيد :
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ******* شديدا بأعباء الخلافة كاهله
فــ "أل" في اليزيد :
إما أن تكون زائدة فيكون ما دخل عليها : معرفة ، وإما أن تكون مُعَرِفة ، فلا تدخل على "يزيد" إلا بعد قصد تنكيره لئلا يجتمع على العلم الشخصي معرفان .


ومن الزائدة :
الداخلة على التمييز اضطرارا كقول الشاعر :
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صددت ****** وطبت النفس يا قيس عن عمرو
فتقدير الكلام : وطبت نفسا ، لأن التمييز لا يكون إلا نكرة ، فتكون "أل" في "النفس" زائدة ، وهذا مذهب البصريين بخلاف الكوفيين الذين جوزوا وقوع التمييز معرفة فتكون "أل" غير زائدة على قولهم .

ومنه "أل" في "الأمس" في قول نصيب :
فإني وقفت اليوم والأمسَِ قبله ******* ببابك حتى كادت الشمس تغرب
فقد روي بالفتح فتكون "أمس" : ظرف معرب لدخول "أل" عليه ، وهو مما قواه في باب الاسمية فقبل العطف على ما قبله : لفظا ومحلا .

وروي بالكسر فتكون "أل" زائدة ، ويكون الظرف مبنيا على الكسر لأن الشاعر قصد اليوم الذي سبق يومه مباشرة ، أو يكون العطف في البيت على التوهم بعد تقدير "في" قبل اليوم ، فيكون تقدير الكلام : فإني وقف في اليوم وفي الأمس ........... إلخ .

*****

ومنه "أل" الداخلة على الحال ، في مثل قول الشاعر :
فأرسلها العراك ولم يذدها ******* ولم يشفق على نغص الدخال
فتقدير الكلام : فأرسلها معتركة ، فزيدت : "أل" في "العراك" اضطرار ، لأن الحال لا تكون إلا نكرة ، فالمقصود منها : بيان الهيئة ، وهو حاصل بالنكرة فوجب الاقتصار عليها دون زيادة ، لأن زيادة المبنى أو المعنى دون حاجة تطويل لا مسوغ له ، فوجب تأويل المعرف بــ "أل" بنكرة إذا وقع حالا ، وهذا مذهب البصريين ، ووافقهم الكوفيون إلا في مسألة واحدة جوزوا فيها : وقوع المعرفة حالا وهي قولهم : زيد الراكب أحسن منه الماشي ، وإلى ذلك
أشار ابن عقيل ، رحمه الله ، بقوله :
"وفصل الكوفيون ، فقالوا : إن تضمنت الحال معنى الشرط صح تعريفها ، وإلا فلا ، فمثال ما تضمن معنى الشرط : "زيد الراكب أحسن منه الماشي" فـــ : "الراكب والماشي" : حالان ، وصح تعريفهما لصحة تأويلهما بالشرط ، إذ التقدير : زيد إذا ركب أحسن منه إذا مشى ، فإن لم تتقدر بالشرط لم يصح تعريفها ، فلا تقول : "جاء زيد الراكب" إذ لا يصح "جاء زيد إن ركب"" . اهــ

وقد تدخل "أل" على العلم فتفيد : لمح الصفة ، فلا تكون زائدة ، لأنها أفادت معنى جديدا ، كــ : "الفضل" و "الحارث" و "النعمان" .
ومنه قول الشاعر :
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ******* شديدا بأعباء الخلافة كاهله .
فــ "أل" في "الوليد للمح الصفة .
يقول ابن عقيل رحمه الله :
"وحاصله : أنك إذا أردت بالمنقول من صفة ونحوه أنه إنما سمى به تفاؤلا بمعناه أتيت بالألف واللام للدلالة على ذلك ، كقولك : "الحارث" نظرا إلى أنه إنما سمى به للتفاؤل ، وهو أنه يعيش ويحرث ، وكذا كل ما دل على معنى وهو مما يوصف به في الجملة ، كــ "فضل" ونحوه ، وإن لم تنظر إلى هذا ونظرت إلى كونه علما لم تدخل الألف واللام ، بل تقول : فضل ، وحارث ، ونعمان ، فدخول الألف واللام أفاد معنى لا يستفاد بدونهما ، فليستا بزائدتين ، خلافا لمن زعم ذلك ، وكذلك أيضا ليس حذفهما وإثباتهما على السواء كما هو ظاهر كلام المصنف ، (أي : ابن مالك رحمه الله) ، بل الحذف والإثبات ينزل على الحالتين اللتين سبق ذكرهما ، وهو أنه إذا لمح الأصل جيء بالألف واللام ، وإن لم يلمح لم يؤت بهما" . اهــ

*****

ومن "أل" : ما يكون للغلبة ، وتقع في : الأعلام بالغلبة كــ : "العقبة" فهي : علم على العقبة التي حدثت عندها البيعتان ، وكان حقها أن تصدق على أي عقبة عرفت بــ "أل" ، و "المدينة" : فهي علم على مدينة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان حقها أن تصدق على أي مدينة عرفت بــ "أل" ، و "الكتاب" فهو علم على كتاب سيبويه ، رحمه الله ، وكان حقه أن يصدق على أي كتاب عُرِف بــ "أل" .

*****

ومن "أل" ما يقع موقع : "هل" : فتقول : أل فعلت قاصدا : هل فعلت ؟
وإلى ذلك أشار ابن هشام ، رحمه الله ، في "مغني اللبيب" بقوله :
"من الغريب أن أل تأتي للاستفهام ، وذلك في حكاية قُطرُب أل فَعَلْتَ ؟ بمعنى هل فعلت ؟" . اهــ
"مغني اللبيب" ، (1/76) .

والله أعلى وأعلم .

أنوار
23-03-2009, 09:47 PM
كتب الله لكم خيراً كثيراً وفيراً .. وأثابكم وثقل موازينكم ..

عمل جبَّار تشكر عليه أستاذنا الكريم ,..

شمس الأمل..
24-11-2012, 04:14 PM
السلام عليكم ..
جزيت خيراً أخي مهاجر .. بس لوسمحت أنا أبغى مساعده عندي بحث تخرج في (أل) في سورة الرحمن
طبيعة المشروع أنه نقسم أنواع أل ونعرف كل نوع وأقسامه بتعمق ونستخرج الشواهد من سورة الرحمن ونبين آراء العلماء في (أل) وأنواعها..
فلوسمحت الله يعطيك العافيه ممكن تساعدني .. مع العلم أنه باقي لي أسبوعين لتسليم البحث كاااااااااامل