المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : || نـــجـــوم الـــقـــمـــة ||



رسالة الغفران
05-07-2008, 01:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نجم من نجوم القمة...

الـــجـــاحـــظ
عمرو بن بحر بن محبوب

أبو عثمان الجاحظ مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني ثم الفقمي أحد النسابين، قال يموت بن المزرع: الجاحظ خال أمي، وكان جد الجاحظ أسود يقال له فزارة، وكان جمالاً لعمرو بن قلع الكناني. وقال أبو القاسم البلخي: الجاحظ كناني من أهل البصرة، وكان الجاحظ من الذكاء وسرعة الخاطر والحفظ بحيث شاع ذكره، وعلا قدره، واستغنى عن الوصف.

قال المرزباني: حدث المادي قال: حدثني من رأى الجاحظ يبيع الخبز والسمك بسيحان.


قال الجاحظ: أنا أسن من أبي نواس بسنة، ولدت في أول سنة خمس ومائة وولد في آخرها.

مات الجاحظ سنة خمس وخمسين ومائتين في خلافة المعتز وقد جاوز التسعين.

سمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش أبي الحسن
وكان صديقه، وأخذ الكلام عن النظام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاهاً بالمربد.

وحدثت أن الجاحظ قال: نسيت كنيتي ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكنى؟
فقالوا: بأبي عثمان.

وحدث أبو هفان قال: لم أر قط ولا سمعت من أب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائناً ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر. والفتح بن خاقان، فإنه يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتاباً من كمه أو خفه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده إليه حتى في الخلاء وإسماعيل بن إسحاق القاضي فإني ما دخلت إليه إلا رأيته ينظر في كتاب، أو يقلب كتباً أو ينفضها.

وقال المرزباني: قال أبو بكر أحمد بن علي: كان أبو عثمان الجاحظ من أصحاب النظام، وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين، وله كتب كثيرة مشهورة جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذهب المخالفين، وفي الآداب والأخلاق، وفي ضروب من الجد والهزل، وقد تداولها الناس وقرؤوها وعرفوا فضلها. وإذا تدبر العاقل المميز أمر كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان، ومعرفة أصول الكلام وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام ومذاهب الاعتزال إلى القلوب - كتب تشبهها، والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة من العلماء الذين يعرفون الرجال ويميزون الأمور.

قال المرزباني: وكان الجاحظ ملازماً لمحمد بن عبد الملك خاصاً به، وكان منحرفاً عن أحمد بن أبي دؤاد للعداوة بين أحمد ومحمد. ولما قبض على محمد هرب الجاحظ فقيل له: لم هربت؟ فقال خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التنور، يريد ما صنع بمحمد، وإدخاله تنور حديد فيه مسامير كان هو صنعه ليعذب الناس فيه، فعذب هو فيه حتى مات - يعني محمد بن الزيات -.

وحدث علي بن محمد الوراق قال: من كتاب الجاحظ إلى ابن الزيات: لا والله، ما عالج الناس داءً قط أدوى من الغيظ، ولا رأيت شيئاً هو أنفذ من شماتة الأعداء، ولا أعلم باباً أجمع لخصال المكروه من الذل، ولكن المظلوم ما دام يجد من يرجوه، والمبتلى ما دام يجد من يرثي له، فهو على سبب درك وإن تطاولت به الأيام، فكم من كربة فادحة، وضيقة مصمتة قد فتحت أقفالها وفككت أغلالها، ومهما قصرت فيه فلم أقصر في المعرفة بفضلك، وفي حسن النية بيني وبينك، لا مشتت الهوى، ولا مقسم الأمل، على تقصير قد احتملته، وتفريط قد اغتفرته، ولعل ذلك أن يكون من ديون الإدلال وجرائم الإغفال، ومهما كان من ذلك فلن أجمع بين الإساءة والإنكار، وإن كنت كما تصف من التقصير وكما تعرف من التفريط، فإني من شاكري أهل هذا الزمان، وحسن الحال. متوسط المذهب، وأنا أحمد الله على أن كانت مرتبتك من المنعمين فوق مرتبتي في الشاكرين، وقد كانت علي بك نعمة أذاقتني طعم العز، وعودتني روح الكفاية، ولوت هذا الدهر وجهده، ولما مسخ الله الإنسان قرداً وخنزيراً ترك فيهما مشابه من الإنسان، ولما مسخ زماننا لم يترك فيه مشابه من الأزمان.

وقال أبو عثمان: ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيف، لأن الوقت قصير، والحين معمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقاً مؤنباً، وابن عم شامتاً، وجاراً حاسداً، وولياً قد تحول عدواً، وزوجة مختلعة، وجارية مسبعة، وعبداً يحقرك، وولداً ينتهرك.

وقال الجاحظ: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئاً، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح.

قال أبو حيان في كتاب التقريظ ومن خطه نقلت:
وحدثنا أبو دلف الكاتب قال: صدر الجاحظ في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام ثم إنه استعفى فأعفي. وكان سهل بن هارون يقول: إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل نجم الكتاب.

قال أبو عبد الله المرزباني: حدث إسحاق الموصلي وأبو العيناء قال: كنت عند أحمد بن أبي دؤاد بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيداً وكان من أصحاب ابن الزيات وفي ناحيته، فلما نظر إليه قال: والله ما علمتك إلا متنسباً للنعمة، كفوراً للصنيعة، معدداً للمساوي، وما فتني باستصلاحي لك، ولكن الأيام لا تصلح منك لفساد طويتك، ورداءة داخلتك، وسوء اختيارك، وتغالب طبعك. فقال له الجاحظ: خفض عليك، - أيدك الله -، فوالله لأن يكون لك الأمر علي خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن عنك من أن أحسن فتسيء، وأن تعفو عني في حال قدرتك أجمل من الانتقام مني. فقال له ابن أبي دؤاد: قبحك الله، ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام، وقد جعلت ثيابك أمام قلبك، ثم اصطفيت فيه النفاق والكفر، ما تأويل هذه الآية؟: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد). قال: تلاوتها تأويلها – أعز الله القاضي -. فقال: جيئوا بحداد. فقال: - أعز الله القاضي - ليفك عني أو ليزيدني؟ فقال: بل ليفك عنك. فجيء بالحداد فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ، ويطيل أمره قليلاً، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضرر على ساقي، وليس بجذع ولا ساجة. فضحك ابن أبي دؤاد وأهل المجلس منه. وقال بان أبي دؤاد لمحمد بن المنصور، وكان حاضراً: صر به إلى الحمام وأمط عنه الأذى، واحمل إليه تخت ثياب وطويلة وخفاً، فلبس ذلك ثم أتاه متصدر في مجلسه، ثم أقبل عليه وقال: هات الآن حديثك يا أبا عثمان. ومن شعر الجاحظ في ابن
أبي دؤاد:

وعويص من الامور بهيم = غامض الشخص مظلم مستور
قد تسنمت ما توعر منه = بلسان يزينه التحبير
مثل وشي البرود هلله النس= ج وعند الحجاج در نثير
حسن الصمت والمقاطع إما = نصت القوم والحديث يدور
ثم من بعد لحظة تورث اليس= ر وعرض مهذب موفور

وكتب الجاحظ إلى أحمد بن أبي دؤاد:

لا تراني وإن تطاولت عمداً = بين صفيهم وأنت تسير
كلهم فاضل علي بمال = ولساني يزينه التحبير
فإذا ضمنا الحديث وبيت = وكأني على الجميع أمير
رب خصم أرق من كل روح = ولفرط الذكا يكاد يطير
فإذا رام غايتي فهو كاب = وعلى البعد كوكب مبهور


وحدث أبو العيناء عن إبراهيم بن رباح قال: أتاني جماعة من الشعراء كل واحد منهم يدعي أنه مدحني بهذه الأبيات وأجزيه عليها:

بدا حين أثرى بإخوانه = ففلل عنهم شباة العدم
وذكره الدهر صرف الزمان= فبادر قبل انتقال النعم
فتى خصه الله بالمكرمات = فمازج منه الحيا بالكرم
ولا ينكت الأرض عند السؤال = ليقطع زواره عن نعم
ويقال: إن الجاحظ مدح بهذه الأبيات أحمد بن أبي دؤاد وإبراهيم بن رباح، ومحمد بن الجهم.

وحدث إبراهيم بن رباح قال: مدحني حمدان بن أبان اللاحقي وذكر مثل ما مضى وقال في آخره فقال: إن مادحك - أعزك الله - يجد مقالاً، والجاحظ يملأ عينيه مني ولا يستحي. قال: وحدث يموت بن المزرع قال: هجا خالي أبو عثمان الجاحظ الجماز بأبيات منها:


نسب الجماز مقصو = ر إليه منتهاه
تنتهي الأحساب بالنا = س ولا تعدو قفاه
فكتب إليه الجماز:

يا فتىً إلى ال = كفر بالله تائقه
لك في الفضل والتزه = د والنسك سابقه

ومن هجاء الجماز للجاحظ قوله:

قال عمرو مفاخراً = نحن قوم من العرب
قلت في طاعة لرب = ك أبليت ذا النسب؟


وحدث أبو العيناء محمد بن القاسم قال: كان لي صديق فجاءني يوماً فقال: أريد الخروج إلى فلان العامل وأحببت أن يكون معي إليه وسيلة وقد سألت: من صديقه؟. فقيل لي:أبو عثمان الجاحظ وهو صديقك، وأحب أن تأخذ لي كتابه إليه بالعناية. قال: فصرت إلى الجاحظ فقلت له: جئتك مسلماً وقاضياً للحق، ولي حاجة لبعض أصدقائي وهي كذا وكذا. قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا، إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب، فلما كان من غد وجه إلي بالكتاب. فقلت لابني: وجه هذا الكتاب إلى فلان ففيه حاجته. فقال لي: إن أبا عثمان بعيد الغور، فينبغي أن نفضه وننظر ما فيه، ففعل فإذا في الكتاب: هذا الكتاب مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذممك. فلما قرأت الكتاب مضيت إلى الجاحظ من فوري فقال: يا أبا عبد الله، قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب. فقلت: أوليس موضع نكرة؟ فقال: لا، هذه علامة بيني وبين الرجل فيمن أعتني به. فقلت: لا إله إلا الله، ما رأيت أحداً بطبعك ولا ما جبلت عليه. من هذا الرجل علمت أنه لما قرأ الكتاب قال: أم الجاحظ عشرة آلاف في عشرة آلاف قحبة، وأم من يسأله حاجة. فقلت له: ما هذا؟ تشتم صديقنا، فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ، وحدث الفتح بن خاقان، وحدث الفتح المتوكل: فذلك كان سبب اتصالي به وإحضاري إلى مجلسه.

وحدث عبد الرحمن بن محمد الكاتب قال: كان الجاحظ يتقلد خلافة إبراهيم بن العباس الصولي على ديوان الرسائل، فلما جاء إلى الديوان جاءه أبو العيناء، فلما أراد الانصراف تقدم الجاحظ على حاجبه: إذا وصل إلى الدهليز ألا يدعه يخرج، ولا يمكنه من الرجوع إليه، فخرج أبو العيناء ففعل به ذلك، فنادى بأعلى صوته يا أبا عثمان: قد أرتنا قدرتك فأرنا عفوك. ومن كلام الجاحظ: إحذر من تأمن كأنك حذر ممن تخاف. وقال: أجمع الناس على أربع: أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخف روحاً من أحول، ولا أقود من أحدب.


قال المرزباني: وروى أصحابنا أن الجاحظ صار إلى منزل بعض إخوانه فاستأذن عليه، فخرج إليه غلام عجمي فقال: من أنت؟ قال الجاحظ: فدخل الغلام إلى صاحب الدار فقال: الجاحد على الباب وسمعها الجاحظ، فقال صاحب الدار للغلام: اخرج فانظر من الرجل؟فخرج يستخبر عن اسمه فقال: أنا الحدقي. فدخل الغلام فقال: الحلقي وسمعها الجاحظ فصاح به في الباب: ردنا إلى الأول، يريد أن قوله الجاحد مكان الجاحظ أسهل عليه من الحلقي مكان الحدقي، فعرفه الرجل فأوصله واعتذر إليه. :)



وقال الجاحظ: أربعة أشياء ممسوخة: أكل الأرز البارد، والنيك في الماء، والقبل على النقاب، والغناء من وراء ستارة.

وحدث قال الجاحظ مرة بحضرة السدري: إذا كانت المرأة عاقلة ظريفة كاملة كانت قحبة، فقال له السدري: وكيف؟ قال: لأنها تأخذ الدراهم وتمتع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى شاءت. فقال له السدري: فكيف عقل العجوز حفظها الله؟ قال: هي أحمق الناس وأقلهم عقلاً.

وحدث المبرد قال: قال الجاحظ: أتيت أبا الربيع الغنوى أنا ورجل من بني هاشم فاستأذنا عليه فخرج إلينا وقال: خرج إليكم رجل كريم والله. فقلت له: من خير الخلق يا أبا الربيع؟ فقال: الناس والله. قلت ومن خير الناس؟ قال العرب والله. قلت فمن خير العرب؟ قال: مضر والله. فقلت فمن خير مضر؟ قال: قيس والله. فقلت: ومن خير قيس؟ قال أعصر والله. قلت: فمن خير أعصر؟ قال غني والله. قلت: فمن خير غني؟ قال أنا والله. قلت فأنت خير الخلق؟ قال إي والله. قلت أيسرك لو أنك تزوجت بنت
يزيد بن المهلب؟ قال: والله لا أدنس كرمي بلؤمها. قلت: على أن لك الجنة، ففكر ساعة
ثم قال: على ألا تلد مني وأنشد:

تأبى لأعصر أعراق مهذبة = من أن تناسب قوماً غير أكفاء
فإن يكن ذاك حتماً لا مرد له = فاذكر حذيف فإني غير أباء

حذيفة بن بكر، وإنما ذكره من بين الأشراف لأنه أقربهم إليه نسباً، لأن أعصر بن أسعد بن
قيس بن عيلان. وحذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة
ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بنقيس بن عيلان.


قال المرزباني: وحدث أبو الحسن الأنصاري، حدثني الجاحظ قال: كان رجل من أهل السواد تشيع وكان ظريفاً، فقال ابن عم له: بلغني أنك تبغض علياً عليه السلام، ووالله لو فعلت لتردن علية الحوض يوم القيامة ولا يسقيك. قال: والحوض في يده يوم القيامة؟ قال نعم. قال: وما لهذا الرجل الفاضل يقتل الناس في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعطش؟ فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ قال: والله ما تركت النادرة لو قتلتني في الدنيا وأدخلتني النار في الآخرة.

وقال الجاحظ ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان، عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة.

وحدث المبرد قال: سمعت الجاحظ يقول: كل عشق يسمى حباً، وليس كل حب يسمى عشقاً، لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة، كما أن السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والجبن اسم لما فضل عن شدة الاحتراس، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.

وحدث ميمون بن هارون الكاتب عن الجاحظ قال: ذم رجل النبيذ فقال: من مثال به أن صاحبه يتكرهه قبل شربه، ويكلح وجهه عند شمه، ويستنقص الساقي من قدره، ويعتبر عليه مكياله، ويمزجه بالماء الذي هو ضده ليخرجه عن معناه وحده، ثم يكرعه على المبادرة ويعبه، ويتجرعه ولا يكاد يسيغه، ليقل مكثه في فيه، ويسرع على اللهوات اجتيازه، ثم لا يستوفي كليته ويرى أن يجعل عاقبة الشراب فضلة في قدحه، ويشاح الساقي في المناظرة على ما بقي منه عند رده، ليصرف عن نفسه عادية شربه، ويذهب بساعته ويمنع من تهوعه، كما يفعل بطبخ الغاريقون عند شربه وحب الاسطي خمول.

وكان الجاحظ يقول: إن تهيألك في الشاعر أن تبره وترضيه وإلا فاقتله.

وقال أبو العيناء أنشدني الجاحظ لنفسه:

يطيب العيش أن تلقى حليماً = غذاه العلم والرأي المصيب
ليكشف عنك حيلة كل ريب = وفضل العلم يعرفه الأريب
سقام الحرص ليس له شفاء = وداء البخل ليس له طبيب

وأنشد المبرد للجاحظ:
إن حال لون الرأس عن لونه = ففي خضاب الرأس مستمتع
هب من له شيب له حيلة = فما الذي يحتاله الأصلع


وحدث أبو العيناء قال: قال الجاحظ: كان الأصمعي مانوياً، فقال له العباس بن رستم: لا والله، ولكن نذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده وهي مخصوفة بحديد ويقول: نعم قناع القدري، فعلمت أنه يعنيك فقمت.


وحدث يحيى بن علي بن المنجم قال: قلت للجاحظ: مثلك في علمك ومقدارك في الادي يقول في كتاب البيان والتبيين: ويكره للجارية أن تشبه بالرجال في فصاحتها، ألا ترى إلى قول مالك بن أسماء الفزاري:

وحديث ألذه هو مما = ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا = ناً وخير الحديث ما كان لحنا
فتراه من لحن الأعراب، وإنما وصفها بالظرف والفطنة وإنما تلحن أي تورى في لفظها عن أشياء وتتنكب ما قصدت له، فقال: فطنت لذلك. قلت: فغيره. قال: فكيف لي بماسارت به الركبان؟ فهو في كتابه على خطئه.

قال أبو محلم: أراد الفزاري بقوله هذا، أن خير الحديث ما أومأت إلي به، وورت عن الإفصاح به لئلا يعلمه غيرنا، ومثله قول الكلابي:

لقد لحنت لكم لكيما تفهموا = ووحيت وحياً ليس بالمرتاب
ومنه قوله تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول)، أي فيما يتوحونه بينهم من النفاق والطعن.

قال المؤلف: وقد انتصر أبو حيان لهذا القول الذي اعترف الجاحظ بخطئه فيه فقال: وعندي أن المسألة محتملة للكلام، لأن مقابل المنطق الصائب المنطق الملحون، واللحن من الغواني والفتيات غير منكر ولا مكروه بل يستحب ذلك، لأنه بالتأنيث أشبه، وللشهوة أدعى، ومع الغزل أجرى، والإعراب جد، وليس الجد من التغزل والتعشق والتشاجي في شيء، وعلى مذهب علي بن يحيى؟ أن المنطق الصائب هو الكلام الصريح، وأن اللحن هو التعريض، وأنها تعرف هذا وهذا، فهب أن هذا المعنى مقبول، لم ينبغي أن يكون المعنى الآخر لهوجاً ومردوداً؟ وقد يجوز أن يكون مراد الشاعر ذاك، لأن الشاعر يشعر بهذا كما يشعر بهذا.

قال أبو العيناء: أنشدني الجاحظ لنفسه في إبراهيم بن رباح:

وعهدي به والله يصلح أمره = رحيب مجال الرأي منبلج الصدر
فلا جعل الله الولاية سبة = عليه فإني بالولاية ذو خبر
فقد جهدوه بالسؤال وقد أبى = به المجد إلا أن يلج ويستشري

قال أبو علي التنوخي: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأخباري قال: حدثني أبو الفرج الأصبهاني قال: أخبرني الحسن بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني عبد الله بن جعفر الوكيل قال: كنت يوماً عند إبراهيم بن المدبر فرأيت بين يديه رقعة يردد النظر إليها فقلت له: ما شأن هذه الرقعة؟ كأنه استعجم عليك شيء منه؟ فقال: هذه رقعة أبي عثمان الجاحظ، وكلامه يعجبني وأنا أردده على نفسي لشدة إعجابي. فقلت: هل يجوز أن أقرأها؟ قال: نعم وألقاها إلي فإذا فيها: ما ضاء لي نهار ولا دجا ليل مذ فارقتك، إلا وجدت الشوق إليك قد حز في كبدي، والأسف عليك قد أسقط في يدي، والنزاع نحوك قد خان جلدي، فأنا بين حشاً خافقة ودمعة مهراقة، ونفس قد ذبلت بما تجاهد، وجوانح قد أبليت بما
تكابد، وذكرت وأنا على فراش الارتماض ممنوع من لذة الإغماض قول بشار:

إذا هتف القمري نازعني الهوى = بشوق فلم أملك دموعي من الوجد
أبى الله إلا أن يفرق بيننا = وكنا كماء المزن شيب مع الشهد
لقد كان ما بيني زماناً وبينها = كما كان بين المسك والعنبر الورد
فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه، ونجري في مودتنا إليه في شعره هذا، وذكرت أيضاً ما رماني به الدهر من فرقة أعزائي من إخواني الذين أنت أعزهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي وخلصاني الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرعنيه من مرارة نأيهم وبعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتاً تقصر عن صفة وجدي، وكنه ما يتضمنه قلبي، وهي:

بخدي من قطر الدموع ندوب = وبالقلب مني مذ نأيت وجيب
ولي نفس حتى الدجى يصدع الحشا = ورجع حنين للفؤاد مذيب
ولي شاهد من ضر نفسي وسقمه = يخبر عني أنني لكئيب
كأني لم أفجع بفرقة صاحب = ولا غاب عن عيني سواك حبيب

فقلت لابن المدبر: هذه رقعة عاشق لا رقعة خادم، ورقعة غائب لا رقعة حاضر. فضحك وقال: نحن ننبسط مع أبي عثمان إلى ما هو أرق من هذا وألطف، فأما الغيبة فإننا نجتمع في كل ثلاثة أيام وتأخر ذلك لشغل عرض لي فخاطبني مخاطبة الغائب، وأقام انقطاع المدة مقام الغيبة.

قال الجاحظ: كان يأتيني رجل فصيح من العجم قال: فقلت له: هذه الفصاحة وهذا البيان لو ادعيت في قبيلة من العرب لكنت لا تنازع فيها. قال: فأجابني إلى ذلك، فجعلت أحفظه نسباً حتى حفظه وهذه هذا. فقلت له: الآن لا تته علينا. فقال: سبحان الله. إن فعلت ذلك فأنا إذاً دعي. :)

ومن كلام الجاحظ يصف البلاغة: ومتى شاكل - أبقاك الله - اللفظ معناه وكان لذلك الحال وفقاً ولذلك القدر لفقاً وخرج من سماجة الاستكراه وسلم من فساد التكلف، كان قمناً بحسن الموقع، وحقيقاً بانتفاع المستمع، وجديراً أن يمنع جانبه من تأول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا يزال القلوب به معمورة، والصدور به مأهولة، ومتى كان اللفظ أيضاً كريماً في نفسه متخيراً من جنسه، وكان سليماً من الفضول بريئاً من التعقيد حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان والتحم بالعقول، وهشت له الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض ومن أعاره من معرفته نصيباً، وأفرغ عليه من محبته ذنوباً، حبب إليه المعاني وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كد
التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم.

وقرأت بخط أبي حيان التوحيدي من كتابه الذي ألفه في تقريظ الجاحظ. وحدثنا أبو سعيد السيرافي - وهمك من رجل، وناهيك - من عالم، وشرعك من صدوق - قال: حدثنا جماعة من الصابئين الكتاب: أن ثابت بن قرة قال: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس فإنه:

عقم النساء فلا يلدن شبيهه = إن النساء بمثله عقم
فقيل له: أحص لنا هؤلاء الثلاثة. قال: أولهم عمر بن الخطاب في سياسته ويقظته وحذره، وتحفظه ودينه وتقيته، وجزالته وبذالته وصرامته وشهامته، وقيامته في صغير أمره وكبيره بنفسه، مع قريحة صافية، وعقل زافر، ولسان عضب وقلب شديد، وطوية مأمونة، وعزيمة مأمومة، وصدر منشرح، وبال منفسح، وبديهة نضوح وروية لقوح، وسر طاهر، وتوفيق حاضر، ورأي مصيب، وأمر عجيب، وشأن غريب، دعم الدين وشيد بنيانه، وأحكم أساسه ورفع أركانه، وأوضح حجته وأنار برهانه، ملك في زي مسكين، ما جنح في أمر إلى ونى، ولا غض طرفه على خناً، ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة، جرح وأسا، ولان وقسا، ومنع وأعطى، واستخذى وسطا، كل ذلك في الله ولله، لقد كان من نوادر الرجال. والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل، واللفظ الجزل، والصدر الرحب، والوجه الصلب، واللسان العضب، كالحجاج وفلان وفلان مع شارة الدين، وبهجة العلم ورحمة التقى، لا تثنيه لائمة في الله، ولا تذهله رائحة عن الله، يجلس تحت كرسيه قتادة صاحب التفسير، وعمرو وواصل صاحبا الكلام، وابن أبي إسحاق صاحب النحو، وفرقد السبخي صاحب الدقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم، فمن ذا مثله ومن يجري مجراه؟. والثالث أبو عثمان الجاحظ، خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين، ومدره المتقدمين والمتأخرين، إن تكلم حكى سحبان في البلاغة، وإن ناظر ضارع النظام في الجدال، وإن جد خرج في مسك عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزيد حبيب القلوب ومزاج الأرواح، وشيخ الأدب ولسان العرب. كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه آنفاً، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاءً. الخلفاء تعرفه، والأمراء تصافيه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم، طال عمره، وفشت حكمته، وظهرت خلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالإقتداء به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب. هذا قول ثابت، وهو قول صابئ لا يرى للإسلام حرمة ولا للمسلمين حقاً، ولا يوجب لأحد منهم ذماماً، وقد انتقد هذا الانتقاد، ونظر هذا النظر، وحكم هذا الحكم، وأبصر الحق بعين لا غشاوة عليها من الهول، ونفس لا لطخ بها من التقليد، وعقل ما تحيل بالعصبية، ولسنا نجهل مع ذلك فضل غير هؤلاء من السلف الطاهر، والخلف الصالح، ولكنا عجبنا فضل عجب من رجل ليس منا ولا من أهل ملتنا ولغتنا، - ولعله ما خبر عمر بن الخطاب كل الخبرة، ولا استوعب كل ما للحسن من المنقبة، ولا وقف على جميع ما لأبي عثمان من البيان والحكمة - يقول هذا القول، ويتعجب هذا العجب، ويحسد أمتنا بهم هذا الحسد، ويختم كلامه بأبي عثمان، ويصفه بما يأبى الطاعن عليه أن يكون له شيء منه، ويغضب إذا ادعي ذلك له لموفز عليه، هل هذا إلا الجهل الذي يرحم المبتلى به؟.

قال أبو حيان: وحدثنا ابن مقسم - وقد طال ذكر الجاحظ لأبي هفان: - قيل لأبي هفان لم لا تهجو الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بخنقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله، والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة.

قال أبو حيان: سمعت أبا معمر الكاتب في ديوان بادوريا قال: كتب الفتح بن خاقان إلى الجاحظ كتاباً يقول في فصل منه: إن أمير المؤمنين يجد بك، ويهش عند ذكرك، ولولا عظمتك في نفسه لعلمك ومعرفتك، لحال بينك وبين بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتجبيرك فيما أنت مشغول به ومتوفر عليه، وقد كان ألقى إلي من هذا عنوانه، فزدتك في نفسه زيادة كف بها عن تجشيمك، فاعرف لي هذه الحال، واعتقد هذه المنة على كتاب الرد على النصارى، وافرغ منه وعجل به إلي، وكن من جدا به على نفسه، تنال مشاهرتك وقد استطلقته لما مضى، واستسلفت لك لسنة كاملة مستقبلة، وهذا مما لم تحتكم به نفسك، وقد قرأت رسالتك في بصيرة غنام، ولولا أني أزيد في مخيلتك لعرفتك ما يعتريني
عند قراءتها والسلام. قال الجاحظ: قلت للحزامي: قد رضيت بقول الناس فيك: إنك بخيل. قال: لا أعد مني الله هذا الاسم. قال: لأنه لا يقال: فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فإذا سلم المال فادعني بأي اسم شئت. قلت: ولا يقال سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد، وجمع ذاك الاسم المال والذم. قال: بينهما فرق. قلت: هاته. قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، واسم البخيل اسم فيه حزم وذم، واسم السخاء فيه تضييع وحمد، والمال نافع مكرم لأهله معز، والحمد ريح وسخرية، واستماعه ضعف وفسولة. وما أقل والله غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه، وعري جسده، وشمت عدوه.

قال أبو حيان: ومن عجيب الحديث في كتبه ما حدثنا به علي بن عيسى النحوي الشيخ الصالح قال: سمعت ابن الأخشاد شيخنا أبا بكر يقول: ذكر أبو عثمان في أول كتاب الحيوان أسماء كتبه ليكون ذلك كالفهرست، ومر بي في جملتها الفرق بين النبي والمتنبئ، وكتاب دلائل النبوة وقد ذكرهما هكذا على التفرقة، وأعاد ذكر الفرق في الجزء الرابع لشيء دعاه إليه، فأحببت أن أرى الكتابين ولم أقدر إلا على واحد منهما وهو كتاب دلائل النبوة، وربما لقب بالفرق خطاً، فهمني ذلك وساءني في سوء ظفري به، فلما شخصت من مصر ودخلت مكة - حرسها الله تعالى - حاجاً أقمت منادياً بعرفات ينادي – والناس حضور. من الآفاق على اختلاف بلدانهم وتنازح أوطانهم، وتباين قبائلهم وأجناسهم من المشرق إلى المغرب، ومن مهب الشمال إلى مهب الجنوب، وهو المنظر الذي لا يشابهه منظر -: رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبئ لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان. قال: حجب الناس منىً ولم يعرفوا هذا الكتاب ولا اعترفوا به. قال ابن أخشاد: وإنما أردت بهذا أن أبلغ نفسي عذرها. قال المؤلف: وحسبك بها فضيلة لأبي عثمان أن يكون مثل ابن الأخشاد - وهو هو في معرفة علوم الحكمة، وهو رأس عظيم من رءوس المعتزلة - يستلهم بكتب الجاحظ حتى ينادي عليها بعرفات والبيت الحرام، وهذا الكتاب موجود في أيدي الناس اليوم لا يكاد تخلو خزانة منه. ولقد
رأيت أنا منه نحو مائة نسخة أو أكثر.

ومن كتاب هلال قال أبو الفضل بن العميد: ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس: أما الفقه فعلى أبي حنيفة، لأنه دون وخلد ما جعل من يتكلم فيه بعده مشيراً إليه مخبراً عنه. وأما الكلام فعلى أبي الهذيل، وأما البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة، فعلى أبي عثمان الجاحظ.

وحدث أبو القاسم السيرافي قال: حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي الفضل فقصر رجل بالجاحظ وأزرى عليه وحلم الأستاذ عنه. فلما خرج قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الجاهل في قوله الذي قال مع عادتك بالرد على أمثاله. فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له النظر في كتبه، صار إنساناً. يا أبا القاسم كتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً.

وحكى أبو علي القالي عن أبي معاذ عبدان الخولي المتطبب قال: دخلنا يوماً بسر من رأى على عمرو بن بحر الجاحظ نعوده وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ولعاب سائل؟ ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان: أحدهما لو غرز بالمسال ما أحس، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث، وأكثر ما أشكوه الثمانون.

حدث أبو عبد الله الحميدي في الجذوة: قرأت على الأمين بن أبي علي بن القاضي أبي القاسم البصري عن أبيه قال: حدثنا محمد بن عمر بن شجاع المتكلم، حدثنا أبو محمد الحسن بن عمرو النجيرمي قال: كنت بالأندلس فقيل لي: إن هاهنا تلميذاً لأبي عثمان الجاحظ يعرف بسلام بن يزيد ويكنى أبا خلف، فأتيته فرأيت شيخاً هماً فسألته عن سبب اجتماعه مع أبي عثمان ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس فقال: كان طالب العلم بالمشرق يشرف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان، فوقع إلينا كتاب التربيع والتدوير له فأشاروا إليه، ثم أردفه عندنا كتاب البيان والتبيين له فبلغ الرجل الصكاك بهذين الكتابين. قال: فخرجت لا أعرج على شيء حتى قصدت بغداد فسألت عنه فقيل: هو بسر من رأى، فأصعدت إليها فقيل لي: قد انحدر إلى البصرة، فانحدرت إليه وسألت عن منزله فأرشدت ودخلت إليه فإذا هو جالس وحواليه عشرون صبياً ليس فيهم ذو لحية غيره، فدهشت فقلت: أيكم أبو عثمان؟ فرفع يده وحركها في وجهي وقال: من أين؟ قلت من الأندلس، فقال: طينة حمقاء، فما الاسم؟ قلت سلام. قال: اسم كلب القراد، ابن من؟ قلت: ابن يزيد. قال: بحق ما صرت أبو من؟ قلت: أبو خلف. قال: كنية قرد زبيدة، ما جئت تطلب؟ قلت: العلم قال: ارجع بوقت فإنك لا تفلح. قلت له ما أنصفتني، فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البلدية، بعد الشقة، وغرة الحداثة، ودهشة الداخل. قال: فترى حولي عشرين صبياً ليس فيهم ذو لحية غيري، ما كان يجب أن تعرفني بها؟ قال: فأقمت عليه عشرين سنة.

وهذا فهرست كتب الجاحظ: كتاب الحيوان وهو سبعة أجزاء وأضاف إليه كتاباً آخر سماه كتاب النساء وهو الفرق فيما بين الذكر والأنثى، وكتاباً آخر سماه: كتاب النعل. قال ابن النديم. ورأيت أنا هذين الكتابين بخط زكرياء بن يحيى - ويكنى أبا يحيى – وراق الجاحظ، وقد أضيف إليه كتاب سموه كتاب الإبل ليس من كلام الجاحظ ولا يقاربه، وكتاب الحيوان ألفه باسم محمد بن عبد الملك الزيات. قال ميمون بن هارون: قلت للجاحظ ألك بالبصرة ضيعة؟ فتبسم وقال: إنما أنا وجارية، وجارية تخدمها وخادم وحمار، أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب البيان والتبيين إلى ابن أبي دؤاد فأعطاني خمسة آلاف، وأهديت كتاب الزرع والنخل إلى إبراهيم بن العباس الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار، فانصرفت إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد، وكتاب البيان والتبيين نسختان: أولى وثانية، والثانية أصح وأجود، كتاب النبي والمتنبئ، كتاب المعرفة، كتاب جوابات كتاب المعرفة، كتاب مسائل كتاب المعرفة، كتاب الرد على أصحاب الإلهام، كتاب نظم القرآن ثلاث نسخ، كتاب مسائل القرآن، كتاب فضيلة المعتزلة، كتاب الرد على المشبهة، كتاب الإمامة على مذهب الشيعة، كتاب حكاية قول أصناف الزيدية، كتاب العثمانية، كتاب الأخبار وكيف تصح؟ كتاب الرد على النصارى، كتاب عصام المريد، كتاب الرد على العثمانية، كتاب إمامة معاوية، كتاب إمامة بني العباس، كتاب الفتيان، كتاب القواد، كتاب اللصوص، كتاب ذكر ما بين الزيدية والرافضة، كتاب صياغة الكلام، كتاب المخاطبات في التوحيد، كتاب تصويب علي في تحكيم الحكمين، كتاب وجوب الإمامة، كتاب الأصنام، كتاب الوكلاء والموكلين، كتاب الشارب والمشروب، كتاب افتخار الشتاء والصيف، كتاب المعلمين، كتاب الجواري، كتاب نوادر الحسن، كتاب البخلاء، كتاب الفخر ما بين عبد شمس ومخزوم، كتاب العرجان والبرصان، كتاب فخر القحطانية والعدنانية، كتاب التربيع والتدوير، كتاب الطفيليين، كتاب أخلاق الملوك، كتاب الفتيا، كتاب مناقب جند الخلافة وفضائل الأتراك، كتاب الحاسد والمحسود، كتاب الرد على اليهود، كتاب الصرحاء والهجناء، كتاب السودان والبيضان، كتاب المعاد والمعاش، كتاب النساء، كتاب التسوية بين العرب والعجم، كتاب السلطان وأخلاق أهله، كتاب الوعيد، كتاب البلدان، كتاب الأخبار، كتاب الدلالة على أن الإمامة فرض، كتاب الاستطاعة وخلق الأفعال، كتاب المقينين والغناء والصنعة، كتاب الهدايا منحول، كتاب الإخوان، كتاب الرد على من ألحد في كتاب الله عز وجل، كتاب آي القرآن، كتاب الناشي والمتلاشي، كتاب حانوت عطار، كتاب التمثيل، كتاب فضل العلم، كتاب المزاح والجد، كتاب جمهرة الملوك، كتاب الصوالجة، كتاب ذم الزنا، كتاب التفكر والاعتبار، كتاب الحجر والنبوة، كتاب آل إبراهيم بن المدبر في المكاتبة، كتاب إحالة القدرة على الظلم، كتاب أمهات الأولاد، كتاب الاعتزال وفضله عن الفضيلة، كتاب الأخطار والمراتب والصناعات، كتاب أحدوثة العالم، كتاب الرد على من زعم أن الإنسان جزء لا يتجزأ، كتاب أبي النجم وجوابه، كتاب التفاح، كتاب الأنس والسلوة، كتاب الكبر المستحسن والمستقبح، كتاب نقض الطب، كتاب الحزم والعزم. كتاب عناصر الآداب، كتاب تحصين الأموال، كتاب الأمثال، كتاب فضل الفرس، كتاب على الهملاج، كتاب الرسالة إلى أبي الفرج بن نجاح في امتحان عقول الأولياء، كتاب رسالة أبي النجم في الخراج، كتاب رسالته في القلم، كتاب رسالته في فضل اتخاذ الكتب، كتاب رسالته في كتمان السر، كتاب رسالته في مدح النبيذ، كتاب رسالته في ذم النبيذ، كتاب رسالته في العفو الصفح، كتاب رسالته في إثم لسكر، كتاب رسالته في الأمل والمأمول، كتاب رسالته في الحلية، كتاب رسالته في ذم الكتاب، كتاب رسالته في مدح الكتاب، كتاب رسالته في مدح الوراق، كتاب رسالته في ذم الرواق، كتاب رسالته فيمن يسمى من الشعراء عمراً، كتاب رسالته اليتيمة، كتاب رسالته في فرط جهل يعقوب بن إسحاق الكندي، كتاب رسالته في الكرم إلى أبي الفرج بن نجاح، كتاب رسالته في موت أبي حرب الصفار البصري، كتاب رسالته في الميراث، كتاب في الأسد والذئب، كتاب رسالته في كتاب الكيمياء، كتاب الاستبداد والمشاورة في الحرب، كتاب رسالته في القضاة والولاة، كتاب الملوك والأمم السالفة والباقية، كتاب رسالته في الرد على القولية، كتاب العالم والجاهل، كتاب النرد والشطرنج، كتاب غش الصناعات، كتاب خصومة الحول والعور، كتاب ذوي العاهات، كتاب المغنين، كتاب أخلاق الشطار.

وحدث يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: يجب للرجل أن يكون سخياً لا يبلغ التبذير، شجاعاً لا يبلغ الهوج، محترساً لا يبلغ الجبن، ماضياً لا يبلغ القحة، قوالاً لا يبلغ الهذر، صموتاً لا يبلغ العي، حليماً لا يبلغ الذل، منتصراً لا يبلغ الظلم، وقوراً لا يبلغ البلادة، ناقداً لا يبلغ الطيش، ثم وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله: (خير الأمور أوساطها). فعلمنا أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل الخطاب.


وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ. وقال المرزباني بإسناده عن المبرد: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر. وقال الجاحظ في أبي الفرج نجاح بن سلمة يسأله إطلاق رزقه من قصيدة:

أقام بدار الخفض راض بخفضه = وذو الحزم يسري حين لا أحد يسري
يظن الرضا شيئاً يسيراً مهوناً = ودون الرضى كأس أمر من الصبر
سواء على الأيام صاحب حنكة = وآخر كاب لا يريش ولا يبري
خضعت لبعض القوم أرجو نواله = وقد كنت لا أعطى الدنية بالقسر
فلما رأيت القوم يبذل بشره = ويجعل حسن البشر واقية الوفر
ربعت على ظلعي وراجعت منزلي = فصرت حليفاً للدراسة والفكر
وشاروت إخواني فقال حليمهم: = عليك الفتى المري ذا الخلق الغمر
أعيذك بالرحمن من قول شامت: = أبو الفرج المامول يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغباً لرأيته = كما كان دهراً في الرخاء وفي اليسر
أخاف عليك العين من كل حاسد = وذو الود منخوب الفؤاد من الذعر
فإن ترع ودي بالقبول فأهله = ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر



وحدث يموت بن المزرع قال: وجه المتوكل في السنة التي قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة فقال لمن أراد حمله: وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل حائل؟

وحدث المبرد قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حز بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأِد من ذلك ست وتسعون سنة أنا فيها، ثم أنشدنا:

أترجو أن تكون وأنت شيخ = كما قد كنت أيام الشباب؟
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب = دريس كالجديد من الثياب


وقال لمتطبب يشكو إليه علته: اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي.

وحدث أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي عن أبيه قال:قال لي المعتز بالله: يا يزيد، ورد الخبر بموت الجاحظ، فقلت: لأمير المؤمنين طول البقاء ودوام النعماء. قال: وذلك في سنة خمسين ومائتين، وفيه يقول أبو شراعة القيسي:

في العلم للعلماء إن = يتفهموه مواعظ
وإذ نسيت وقد جمع = ت علا عليك الحافظ
ولقد رأيت الظرف ده = راً ما حواه اللافظ
حتى أقام طريقه = عمرو بن بحر الجاحظ
ثم انقضى أمد به = وهو الرئيس الفائظ

المصدر معجم الأدباء - ياقوت الحموي

أبو همام
05-07-2008, 01:44 AM
وقال الجاحظ: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئاً، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح.


اخترت فأحسنت الاختيار ، وكيف لا يكون ذلك وقد تحدثت عن الجاحظ ، فبارك الله فيك .

عز الدين القسام
05-07-2008, 01:48 AM
بارك الله فيك أخي رسالة الغفران ..
دائما تتحفنا الرائع والمميز ..
أولا
الموضوع كبير جدا أرجو ان تمهلني شهرا كي أقرأة جيدا ..
وهمسة في أذنك .. على غرار همساتك ..
حاول أن تنتقي الألوان , فالألوان لا تظهر على خلفيات غير مناسبة بشكل جيد ..أرجو العذر فأنا رسام وهذا النقد هو في الفن التشكيلي فقط ..
بوركت وبورك قلمك المميز دائما ..

رسالة الغفران
05-07-2008, 01:55 AM
وقال الجاحظ: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئاً، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح.


اخترت فأحسنت الاختيار ، وكيف لا يكون ذلك وقد تحدثت عن الجاحظ ، فبارك الله فيك .

أهلا باللبيب الحبيب .. الليث
مرور رائعة ، زادت الصفحة رونقة بمرورك العبق ...
بارك الله فيك



بارك الله فيك أخي رسالة الغفران ..
دائما تتحفنا الرائع والمميز ..
أولا
الموضوع كبير جدا أرجو ان تمهلني شهرا كي أقرأة جيدا ..
وهمسة في أذنك .. على غرار همساتك ..
حاول أن تنتقي الألوان , فالألوان لا تظهر على خلفيات غير مناسبة بشكل جيد ..أرجو العذر فأنا رسام وهذا النقد هو في الفن التشكيلي فقط ..
بوركت وبورك قلمك المميز دائما ..

نعم الموضوع جميل ، ولكن يستحق القراءة...
واعذرني على الألوان فاعلم يا صديقي اني اخترت الألوان بعشوائية ...
وكل ما في الأمر إني عندما ارى مشاركاتك ملونة أنيقة ؛أستلذ بها ، فأقوم بتلوين مشاركاتي حتى يسلذ القارئ ... ولكن بائت المحاولة بالفشل :)

وهمسة في أذنك " ما شاء الله ما شاء الله تبارك الرحمن طبيب وأديب ورسام " زادك الله من فضله ، وحفظك من كل سوء

دمتم بود

عامر مشيش
05-07-2008, 01:59 AM
شكرا رسالة الغفران على البحث الجميل

هناك نجوم خافتة... وهناك نجوم في القمة
وأنت نجم قمة.

عز الدين القسام
05-07-2008, 03:08 AM
أهلا باللبيب الحبيب .. الليث
مرور رائعة ، زادت الصفحة رونقة بمرورك العبق ...
بارك الله فيك



نعم الموضوع جميل ، ولكن يستحق القراءة...
واعذرني على الألوان فاعلم يا صديقي اني اخترت الألوان بعشوائية ...
وكل ما في الأمر إني عندما ارى مشاركاتك ملونة أنيقة ؛أستلذ بها ، فأقوم بتلوين مشاركاتي حتى يسلذ القارئ ... ولكن بائت المحاولة بالفشل :)

وهمسة في أذنك " ما شاء الله ما شاء الله تبارك الرحمن طبيب وأديب ورسام " زادك الله من فضله ، وحفظك من كل سوء

دمتم بود


أخي رسالة الغفران
انتقاء الألوان ليس صعبا ...
انتقي الألوان الداكنة والمتوسطة للخلفيات الباهتة , والألوان البيضاء أو الباهتة للخلفيات الداكنة أو السوداء ..
وبارك الله فيك على إطرائك الرقيق الطيب الذي وإن دل على شيئ إنما يدل على حسن أدبك ونقاء سريرتك...
بارك الله فيك ودمت لي أخا طيبا عزيزا على قلبي ..

مُبحرة في علمٍ لاينتهي
05-07-2008, 09:28 AM
بارك الله فيك

مُبحرة في علمٍ لاينتهي
05-07-2008, 09:30 AM
ومن هو النجم الثاني؟

الباحثة عن الحقيقة
06-07-2008, 03:03 AM
بارك الله فيك أخ رسالة الغفران فجهودك متميزة وموضوعاتك رائعة وفقك الله

رسالة الغفران
06-07-2008, 10:29 PM
شكرا رسالة الغفران على البحث الجميل

هناك نجوم خافتة... وهناك نجوم في القمة
وأنت نجم قمة.

بارك الله فيك ايها الزين ... ان اردت الحقيقة ... فأنت النجم اللامع ...





أخي رسالة الغفران
انتقاء الألوان ليس صعبا ...
انتقي الألوان الداكنة والمتوسطة للخلفيات الباهتة , والألوان البيضاء أو الباهتة للخلفيات الداكنة أو السوداء ..
وبارك الله فيك على إطرائك الرقيق الطيب الذي وإن دل على شيئ إنما يدل على حسن أدبك ونقاء سريرتك...
بارك الله فيك ودمت لي أخا طيبا عزيزا على قلبي ..

نصيحة ... أُقـَبلها وأضعها على ناصيتي ...


بارك الله فيك
وفيكِ يابنة الأطياب ...

ومن هو النجم الثاني؟
لن أقول ... حتى لا يحرق النص :)(ops

بارك الله فيك أخ رسالة الغفران فجهودك متميزة وموضوعاتك رائعة وفقك الله
مرورك أميز وأروع ... بارك الله فيكِ
شكرا جزيلا ...

رسالة الغفران
21-07-2008, 12:13 AM
ابن خلكان

قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وست مائة وسمع بها "صحيح البخاري" من أبي محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي وأجاز له المؤيد الطوسي وعبد المعز الهروي وزينب الشعرية. روى عنه المزي والبرزالي والطبقة، وكان فاضلاً بارعاً متفنناً عارفاًُ بالمذهب حسن الفتاوي جيد القريحة بصيراً بالعربية علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة وافر الحرمة، فيه رياسة كبيرة، له كتاب "وفيات الأعيان" وقد اشتهر كثيراً وله مجاميع أدبية.
قدم الشام في شبيبته وقد تفقه بالموصل على كمال الدين بن يونس وأخذ بحلب عن القاضي بهاء الدين ابن شداد وغيرهما.
ودخل مصر وسكنها مدة وتأهل بها وناب بها في القضاء عن القاضي بدر الدين السنجاري ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر ثم أقيم معه في القضاء ثلاثة سنة أربع وستين وكان ذلك في جمادى الأولى، جاء من مصر ثلاثة تقاليد لشمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي ولزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي ووافق الحنفي والحنبلي، وكان الحنفي قبل ذلك نائباً للشافعي، ثم إن الأمر من مصر ورد بإلزام المالكي وامتنع المالكي والحنبلي من أخذ الجامكية وقالا: نحن في كفاية.
قال شهاب الدين أبو شامة: ومن العجيب اجتماع ثلاثة من قضاة القضاة لقب كل واحد منهم شمس الدين في زمن واحد.
واتفق أن الشافعي استناب نائباً لقبه شمس الدين فقال بعض الأدباء الظرفاء:



أهل دمشق استرابوا = من كثرة الحكام
إذ هم جميعاً شموسٌ = وحالهم في الظلام
وقال أيضاً:
بدمشقٍ آيةٌ قد = ظهرت للناس عاما
كلما ازدادوا شموساً = زادت الدنيا ظلاما

ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصايغ، ثم عزل ابن الصايغ بعد سبع سنين به، وقدم من مصر فدخل دخولاً لم يدخل غيره مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغال والشهود وكان يوماً مشهوداً وجلس في منصب حكمه وتكلم الشعراء. ولما قدم ابن خلكان إلى دمشق ثانياً وكان لثامن سنة قال رشيد الدين الفارقي في ذلك:

أنت في الشام مثل يوسف في مص = ر وعندي أن الكرام جناس
ولكل سبعٌ شدادٌ وبعد السبع = عامٌ يغاث فيه الناس
وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدباً = غداة هجرته هجراً جميلا
فلما زرته من أرض مصرٍ = مددت عليه من كفيك نيلا
وقال ابن جعوان:
لما تولى قضاء الشام حاكمه = قاضي القضاة أبو العباس ذو الكرم
من بعد سبعٍ شدادٍ قال خادمه = ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم
وقال نور الدين ابن مصعب:
رأيت أهل الشام طراً = ما فيهم قط غير راض
نالهم الخير بعد شرّ = فالوقت بسطٌ بلا انقباض
وعوضوا فرحةً بحزنٍ = مذ أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غمّ = قدوم قاضٍ وعزل قاض
فكلهم شاكرٌ وشاكٍ = بحال مستقبلٍ وماض

قلت: بيتا رشيد الدين الفارقي خير هذه المقاطيع.وكان كريماً جواداً ممدوحاً فيه ستر وحلم وعفو، وحكاياته في ذلك مشهورة. ثم عزل بابن الصايغ ودرس بالأمينية إلى أن مات عشية نهار السبت سادس عشرين شهر رجب سنة إحدى وثمانين وست مائة بالنجيبية جوار النورية وشيعه الخلائق.

أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين أحمد بن غانم كاتب الإنشاء يرثي قاضي القضاة شمس الدين:

يا شمس العلوم في الثرى قد غابت = كم نبت عن الشمس وهي ما نابت
لم تأت بمثلك الليالي أبداً = إما قصرت عنه وإما هابت

وكان وجيه الدين محمد بن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة ويقضيها، فحضر في بعض الأيام ورام منه أمراً متعذراً فاعتذر، فقال: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال القاضي: بلى يا وجيه الدين، صرنا معك قشلمشا وما ترضى.
ويقال إنه عمل تاريخاً للملك الظاهر ووصل نسبه بجنكزخان، فلما وقف عليه قال: هذا يصلح أن يكون وزيراً، اطلبوه، فطلب وبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين
ابن حنا فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك، وناسى السلطان عليه، فبقي في القاهرة يركب كل يوم ويقف في باب القرافة ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله بيته وافتقر حتى لم يكن له غير البغلة لركوبه، وكان له عبد يعمل بابا ويطعمه، والشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره، ومع ذلك فلا يحنو عليه الصاحب ولا يحن إلى الإحسان إليه، حتى فاوضه الدوادار وقال له: إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة؟ فجهز إلى مكانه بدمشق على القضاء. وحضر إليه وهو بالقاهرة عز الدين محمد بن شداد بكتب فقارس من الغور وانتقالها إلى الظاهر وقد ثبتت عليه بالشام وطلب منه الإشهاد عليه بما فيها لتثبت بمصر، قال: كيف أشهد علي؟ قال: يأذن لك قاضي القضاة ابن رزين. فقال: لو كنت مولياً ما كنت آذن له، أفأكون مولى من جهته، هذا لا يكون أبداً. واطلع الظاهر على ذلك فعظم عنده وتحقق شرف نفسه. وأمر له بدر الدين ببليك الخزندار تلك الأيام بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وتلطف معه مع القاصد، فقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ولم يقبل وأصر على الامتناع مع الفاقة الشديدة. وكان له ميلٌ إلى بعض أولاد الملوك وله فيه الأشعار الرائقة، يقال إنه أول يوم جاء إليه بسط له الطرحة وقال: ما عندي أعز من هذه، طأ عليها، ولما
فشا أمرهما وعله به أهله منعوه الركوب فقال:


يا سادتي إني قنعت وحقكم = في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً = ورأيتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى =يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي = ألقاه من ألمٍ إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالةٍ = لولاك لم يك حملها من مذهبي
قسماً بوجهك وهو بدرٌ طالعٌ = وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في = أخطارها في الحب أصعب مركب
وبطيب مبسمك الشهي البارد ال = عذب النمير اللؤلؤي الأشب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ال = عهد القديم صيانةً للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي = خلع العذار ولو ألحّ مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي = قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقةً قد قاربت = كشف القناع بحق ذياك النبي
لا تفضحن محبك الصبّ الذي = جرّعته في الحبّ أكدر مشرب

أخبرني من لفظه القاضي جمال الدين عبد القاه التبريزي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى قال: كان الذي يهواه القاضي شمس الدين هو الملك المسعود وكان قد تيمه حبه فكنت أنام عنده في العادلية فتحدثنا في بعض الليالي إلى أن راح الناس من عنده فقال لي: نم أنت، وألقى عليّ فروة، وقام يدور حول البركة في العادلية، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبح وتوضأ وصلينا. والبيتان المذكوران:
أنا والله هالكٌ = آيسٌ من سلامتي
أو أرى القامة التي = قد أقامت قيامتي

ويقال إنه سأل بعض أصحابه عما يقوله أهل دمشق عنه فاستعفاه فألحّ عليه فقال:يقولون إنك تكذب في نسبك وتأكل الحشيشة وتحب الغلمان. فقال: أما النسب والكذب فيه فإذا كان ولا بد منه فكنت أنتسب إلى العباس أو إلى علي بن أبي طالب أو إلى أحد الصحابة، وأما النسب إلى قوم لم يبق لهم بقية وأصلهم فرس مجوس فما فيه فائدة. وأما الحشيشة فالكل ارتكاب محرم وإذا كان ولا بد فكنت أشرب الخمر لأنه ألذّ. وأما محبة اللغلمان فإلى غدٍ أجيبك عن هذه المسألة. قال قطب الدين اليونيني: سمعت من يذكر إنما خرّج له النسب إلى البرامكة أبو شامة، وليس كذلك. ووقفت على مجلدة من "تاريخ إربل" لوزيرها شرف الدين وقد ذكر وفاة ابن عم قاضي القضاة وقد نسبه إلى البرامكة ولعل ذلك قبل خروجه من إربل. وذكره الصاحب كمال الدين في "تاريخ حلب" ونسبه إلى البرامكة.ومن شعره:

وسرب ظباءٍ في غديرٍ تخالعوا = بدورٌ بأفق الماء تبدو وتغرب

يقول عذولي والغرام مصاحبي = أما لك عن هذي الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى = فقلت له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا

ومنه مضمناً:
كم قلت لما اطلعت وجناته = حول الشقيق الغضّ دوحة آس
لعذاره الساري العجول بخدّه = ما في وقوفك ساعةً من باس

ومنه:
لما بدا العارض في خده = بشرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارضٌ ممطرٌ = فجاءني فيه العذاب الأليم

ومنه على ما قيل:
أنظر إلى عارضه فوقه = لحاظه ترسل منها الحتوف
تشاهد الجنة في وجهه = لكنها تحت ظلال السيوف

ومنه:
ولما أن تفرقنا = وحالت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلو = فما ظنك بالصبر

ومنه:
وما سر قلبي منذ شطت بك النوى = نعيمٌ ولا لهوٌ ولا متصرف
ولا ذقت طعم الماء إلا وجدته = سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفاً = وأيّ سرورٍ يقتضيه التكلف

ومنه:
أحبابنا لو لقيتم في إقامتكم = من الصبابة ما لاقيت في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساً = والبرّ من أدمعي ينشقّ بالسفن


ومنه:
تمثلتم لي والبلاد بعيدةٌ = فخيل لي أن الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على البعد والنوى = فأوحشتم لفظاً وآنستم معنى

وقال في ملاحٍ أربعة يلقب أحدهم بالسيف:
ملاك بلدتنا بالحسن أربعةٌ = بحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا مهج العشاق وافتتحوا = بالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا


ومنه:
أيّ ليلٍ على المحبّ أطاله = سائق الظعن يوم زمّ جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المه = مه عسفاً سهوله ورماله
أيها السائق المجدّ ترفق = بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخها هنيهةً وأرحها = قد براها السرى وفرط الكلاله
لا تطيل سيرها العنيف فقد برّ = ح بالصبّ في سراها الإطاله
وتركتم وراءكم حلف وجدٍ = نادباً في محلكم أطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلى = ما على الربع لو أجاب سؤاله
ومحالٌ من المحيل جوابٌ= غير أنّ الوقوف فيها علاله
هذه سنة المحبين يبكو = ن على كل منزل لا محاله
يا ديار الأحباب لا زالت الأد = مع في ترب ساحتيك مذاله
وتمشي النسيم وهو عليلٌ = في مغانيك ساحباً أذياله
أين عيشٌ مضى لنا فيك ما أس = رع عنا ذهابه وزواله
حيث وجه الشبابب طلقٌ نضيرٌ = والتصابي غصونه مياله
ولنا فيك طيب أوقات أنس = ليتنا في المنام نلقى مثاله
وبأرجاء جوك الرحب سربٌ = كلّ عينٍ تراه تهوى جماله
من فتاةٍ بديعة الحسن ترنو = من جفونٍ لحاظها مغتاله
ورخيم الدلال حلو المعاني = تتثنى أعطافه مختاله
ذي قوام تودّ كل غصون ال = بان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمامٍ = وعذاره حوله كالهاله


ومن ذلك:
كأنني يوم بان الحي عن إضمٍ = والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء ظلّت لفقد الإلف ساجعةً = تبكي عليه اشتياقاً وهو مأسور
يا جيرة الحي هل من عودةٍ فعسى = يفيق من نشوات الشوق مخمور
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم = فكلّ ذنبٍ جناه الدهر مغفور


وله في الدوبيت شيء كثير من أحسنه قوله:
في هامش خدك البديع القاني = أسرار هوىً لكلّ صبٍّ عان
قد خرجها الباري فما أحسنها = من حاشيةٍ بالقلم الريحاني

وقوله:
روحي بك يا معذبي قد شقيت = في جنب رضاك في الهوى ما لقيت
لا تعجل بالله عليها فعسى = أن تدركها برحمةٍ إن بقيت


وقوله:
يا سعد عساك تطرق الحي عساك = قصداً فإذا رأيت من حل هناك
قل صبك ما زال به الوجد إلى = أن مات غراماً أحسن الله عزاك


وكتب إلهي السراج الوراق لغزاً في مئذنة:
يا إماماً له ضياء ذكاءٍ = يتلاشى له ضياء ذكاء
ما مسمى بالرفع يعرب والنص = ب وإن كان مستقر البناء
علمٌ مفردٌ فإن رفعوه = رفعوه عمداً لأجل النداء
أنثوه ومنه قد عرف التذكي = ر فانظر تناقض الأشياء
وهو ظرفٌ فأين من فيه ظرفٌ = ليجلّي من هذه العمياء
فأجاب: . .
قال ناصر الدين أحمد بن المنير في قاضي القضاة المذكور:
ليس شمس الضحى كأوصاف شمس ال = دين قاضي القضاة حاشا وكلا
تلك مهما علت محلاً ثنت ظ = لاًّ وهذا مهما علا مدّ ظلا

أم أسامة
21-07-2008, 04:44 AM
جزيت خيراً أخي رسالة الغفران
تميز ملحوظ وجهد مبارك بإذن الله.

رسالة الغفران
22-07-2008, 07:01 PM
جزيت خيراً أخي رسالة الغفران
تميز ملحوظ وجهد مبارك بإذن الله.
كل الشكر والعرفان على المرور الأكثر من رائع ...
جزيت خيرا

المجرم الطيب السريره
22-07-2008, 08:50 PM
شكرا لك أخي "رسالة الغفران"
جهد تشكر عليه , سأقرأ الموضوع لاحقاً
تقبل تحيتي

عذراً يا رعد منك نتعلم أقتبست من مشاركتك ألوانها .

فائق الغندور
22-07-2008, 11:18 PM
جزيت خيراً أخي رسالة الغفران
اسف على التأخير لظروف لم تسمح لي بمتابعة المنتدى

رسالة الغفران
18-10-2008, 06:33 PM
الثعالبي
أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري؛ قال ابن بسام صاحب " الذخيرة" في حقه: " كان في وقته راعي تلعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، رأس المؤلفين في زمانه، وإما م المصنفين بحكم قرانه، سار ذكره سير المثل، وضربت إليه آباط الإبل، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب، وتواليفه أشهر مواضع وأبهر مطالع وأكثر راوٍ لها وجامع، من أن يستوفيها حد أو وصف، أو يوفيها حقوقها نظم أو رصف "، وذكر له طرفاً من النثر وأورد شيئاً من نظمه فمن ذلك ما كتبه
إلى الأمير أبي الفضل الميكالي:

لك في المفاخر معجزاتٌ جمةٌ = أيداً لغيرك في الورى لم تجمع
بحران: بحر في البلاغة شانه = شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
" وترسل الصابي يزين علوه = خط ابن مقلة ذو المحل الأرفع "
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو = كالوشي في بردٍ عليه موشع
شكراً فكم من فقرة لك كالغنى = وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتق نور شعرك ناضراً = فالحسن بين مرصع ومصرع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف = راس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فص الزمان بدائعاً = تزري بآثار الربيع الممرع
" ومنها في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه:

يا واهب الطرف الجواد كأنما = قد أنعلوه بالرياح الأربع
لا شيء أسرع منه إلا خاطري = في وصف نائلك اللطيف الموقع
ولو انني أنصفت في إكرامه = لجلال مهديه الكريم الألمعي
أقضمته حب الفؤاد محبة= وجعلت مربطه سواد المدمع
وخلعت ثم قطعت غير مضيع = برد الشباب لجله والبرقع "
ومن شعره:

لما بعثت فلم توجب مطالعتي = وأمعنت نار شوقي في تلهبها
ولم أجد حيلةً تبقي على رمقي = قبلت عيني رسولي إذ رآك بها
" وكتب إلى أبي نصر بن سهل ابن المرزبان يحاجيه:

حاجت شمس العلم في ذا العصر= نديم مولانا الأمير نصر
ما حاجةٌ لأهل كل مصر = في كل ما دار وكل قطر
ليست ترى إلا بعيد العصر
فكتب إليه جوابه:

يا بحر آدابٍ بغير جزر = وحظه في العلم غير نزر
حزرت ما قلت وكان حزري = أن الذي عنيت دهن البزر
يعصره ذو قوةٍ وأزر "
وله من التواليف " يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر " وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها، وفيها يقول أبو الفتوح نصر الله قلاقس الإسكندري الشاعر المشهور-وسيأتي ذكره أن شاء الله تعالى -:

أبيات أشعار اليتيمه = أبكار أفكار قديمه
ماتوا وعاشت بعدهم = فلذاك سميت اليتيمه
وله أيضاً كتاب "فقه اللغة " و"سحر البلاغة وسر البراعة " و" من غاب عنهم المطرب "و " مؤنس الوحيد" وشيء كثير جمع فيها أشعار الناس ورسائلهم وأخبارهم وأحوالهم وفيها دلالة على كثرة اطلاعه. وله أشعار كثيرة. وكانت ولادته سنة خمسين وثلثمائة وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
والثعالبي: بفتح الثاء المثلثه والعين المهملة وبعد الألف باء مكسورة وبعدها لام موحدة هذه النسبة إلى خيامع طة جلود الثعالب وعملها، قيل له ذلك لأنه كان فراء.

قراءة سريعة لبعض كتب الثعالبي
المنتحل
كتاب في الأدب والإنشاء أودع فيه الثعالبي كما أوضح في مقدمته : (ما ينخرط في سلك الرسائل والمخاطبات ، ويندرج في أثناء الإخوانيات والسلطانيات ) ويقع في خمسة عشر بابا ، كل باب من غرضا شعريا
جمعت فيه نصوص تنخرط في سلك الغرض ، ولا عمل للمؤلف في الكتاب إلا الجمع والإختيار كعادته في الكثير من كتبه.
ينسب الكتاب في الكثير من كتب التراجم والأدب إلى أبي الفضل الميكالي ممدوح الثعالبي وصديقه الأكبر ، ، وقد رجح د. الجارد أن يكون الكتاب من تأليفهما معاً على غرار الخالدين
وإن الأدلة مجتمعة تقود الباحث في طريق مسدود فيما إذا أراد نسبة الكتاب إلى أحد الرجلين ، وفي مكتبة أيا صوفيا مخطوطة منسوبة منه إلى الميكالي ، وأخرى بدار الكتب بمصر منسوبة إلى الثعالبي
طبع الكتاب غير مرة منها (المنتخل في تراجم شعراء المنتحل )بمصر سنة 1321 هـ بعناية الشيح أحمد أبو علي أمين
المرجع : الثعالبي ناقدا أديبا د محمود الجادر ص 58

الإعجاز والإيجاز
من نوادر كتب لاحكم والأمثال ، يقع في عشرة أبواب معقودة ،على الآيات والأحاديث والأقوال البليغة ، والحكم والأمثال والشعر السائر ، وكل ذلك موزع بنهج يشبه منهج
(التمثيل والمحاضرة) إلى حد كبير ، وتبدو مادة الكتاب نفسها كأنها منتزعة من كتاب (التمثيل والمحاضرةى )
عدا الباب العاشر الذي عقده الثعالبي للشعر
ويمتاز الكتاب بالتدرج الزمني لأصحاب النصوص في الأبواب كلها ، وقد الفه الثعالبي كما يفهم من بعض فصوله للقاضي الجليل أبي أحمد منصور بن محمد عند عودته من غزنة مارً بهراة بعد سنة 412هـ
طبع لأول مرة في القسطنطينة سنة 1301 هـ ضمن (خمس رسائل)هو الرسالة الأولى وفيها اسمه
(الإيجاز والاعجاز)
وطبع بمصر سنة 1897 هـمع شروح لاسكند آصاف
وله مختصر مشهور صنعه الفخر الرازي وسماه ( أحاسن كلام النبي والصحابة والتابعين وملوك الجاهلية والاسلام )وقد طبع هذا المختصر قديما في لندن عام 1844هـ مع ترجمة للمسيو فالتون
المرجع الثعالبي ناقدا واديبا د الجارد ص 96

التمثيل والمحاضرة
من عيون كتب الأمثال في الأدب العربي وقد تفنن الثعالبي في تبويبها ودراستها ، وتناولها من أوجه مختلفة ، امتازت بالتبويب البارع التي اخضع به منهج الكتاب فأبعده عن النسق المعجمي لكتب الأمثال ،
ولم يقتصر الثعالبي فيه على جمع الأمثال المتداولة ، المعروفة ، بل جرى مجرى كل ما يجري على مجرى المثل من أقوال العلماء والمحدثين فجعل كتابه روضة تضم أفانين مختلفات الثمر من أدب هذه اللغة العريقة
وقد لقي الكتاب رواجا كبيرا في عصر مؤلفه ، فاستوحى من فصوله مناهج جعل كلا منها اساسا لكتاب برأسه فيما بعد ، وقد صرح الثعالبي بإهداء الكتاب إلى الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير سنة 403هـ
طبعت منختبات من الكتاب في القسطنطينة سنة 1302 هـ ضمن مجموعة (اربع رسائل )وطبع كاملا بمصر سنة 1961 م بتحقيق عبد الفتاح الحلو
وننوه هنا أن هناك كتابا آخرا يحمل نفس العنوان (التمثيل والمحاضرة ) الفه القطب النهروالي
المرجع : الثعالبي ناقدا واديبا ص 98

اللطف واللطائف
كتاب في الأدب ، يقع في ستة عشر بابا ، عقدها الصعالبي لأقوال طبقات الناس التي هي من جنس صناعتهم ، وجعل لكل باب طبقة ، وأشار إنه لم يسبق إلى مثل هذا المنهج ، والحقيقة أن الجاحظ قد سبقه قبل قرن ونصف في كتابه (صناعات القواد)أما ميزة كتاب الثعالبي
على كتاب الجاحظ فتتمثل في تناوله طبقات عديده من أقوال الناس في أمور مختلفه ، وقد رجح د الجادر في تحقيقه للكتاب أن الثعالبي قدمه للأمير أبي سهل الحمدوني سنة 422 ويدل على أنه من كتبه الأخيرة اننا نلمح فيه اسماء أعلام لا أثر لها في مؤلفات الثعالبي المبكرة
يعتبر الكتاب من نوادر كتب الثعالبي حيث لم يذكره أحد من القدماء ، وقد ذكره البغدادي 1339 هـ في هدية العارفين ومنه نسخ مخطوطة في طائفة من مكتبات العالم في برلين وفينا والأسكوريال ودار الكتب وعنوانه (لطائف الظرفاء )وذهب الدكتور الجادر في كتابه ( الثعالبي ناقدا واديبا) الا ان الكتاب ما هو الا فصل من فصول كتاب (خاص الخاص)وهو الباب الرابع منه
الذي يحمل عنوان (لطائف الظرفاء)الا ان الجادر تراجع عن هذا الرأي في مقدمته في تحقيق اللطف واللطائف معطيا الكتاب مكانة مرموقة في مؤلفات الثعالبي
المرجه نفسه ص 107

تحسين القبيح وتقبيح الحسن
كتاب طريف جعله الثعالبي حلقة من سلسلة كتب أنشأها في اختلاف الناس في مدح الأشياء وذمها ، وهي (الظرائف واللطائف)و (اليواقيت في بعض المواقيت)و (التحسين والتقبيح)وأعلن في كل كتبه الثلاثة انه لم يسبق الى تأليفه.
وبينما تدور نصوص الكتابين السابقين على مدح الشيء وذمه في مكان واحد ، يدور كتاب التحسين والتقبيح على مدح أشياء تعارف الناس على ذمها ، وذم اشياء تعارف الناس على مدحها ،
وقد صرح الثعالبي في مقدمته انه الفه للشيخ محمد الكرخي
المرجع : الثعالبي ناقدا وأديبا د.الجارد ص 94


ثمار القلوب في المضاف والمنسوب
من نفائس كتب الأدب ، الفه الثعالبي للأمير أبي محمد الميكالي بطلب منه بعد سنة 421هـ ، وفي الكتاب ما يفيد انه لم يؤلف في زمن واحد ، بل استغرف تأليفه سنوات نسي الثعالبي بعض فصوله ، فقد أورد في اول الكتاب رسالة لأبي اسحق الصابي ، وثم اعوزته الإشاره اليها في مكان آخر من الكتاب فقال : (وقرأت رسالة لأبي اسحق لا اذكرها )ثم ساق معنى الرسالة
وهو كتابا في واحد وستين باب في مبني على ذكر أشياء مضافة ، أو منسوبة إلى المعنى الذي يعقد عليه الباب أو ما يقاربه في المعنى ، ويتفاوت الحديث في مضاف وآخر ، فقد يكتفي بالتعريف به في موضع ، وقد يسوق الآية والحديث المثل والقول والمأثور والشعر والنادرة .
ومنهج الكتاب ومادته يدلان على مدى توسع معارف الثعالبي ونضجه الفكري ، فالكتاب موسوعة أدبية يمكن اعتباره مع (لطائف المعارف )عملا ادبيا وعلميا ضخما بالنسبة لعصره ،وما دفع زكي مبارك لقوله : (ونحن نقول بدون تحفظ ان هذا الكتاب من انفس كتب العربية )طبعت مقدمة الكتب مع الباب الرابع من فقط في مجلة المشرق ، بيروت 1900هـ العدد 12 ص 553 ثم طبع كاملا بتحقيق محمد بك أبو شادي بطبعة عام 1326 هـ ...
المرجع : الثعالبي ناقدا اديبا د الجارد 102

قطرالندى
18-10-2008, 08:47 PM
بــاركك الله وفتح عليـــــــــــــــــك

مجهود تشــكر عليه .

أنوار
18-10-2008, 09:44 PM
جزاكـــــــــم الله خيراً ...
أوجــــزتم وأوفيتـــــم ...