المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مناظرة بين الفصول



محمد سعد
10-07-2008, 02:42 PM
حضر فصول العام مجلس الأدب في يوم بلغ منه الأريب نهاية الأدب، بمشهد من ذوي البلاغة، ومتقني صناعة الصياغة. فقام كل منهم يعرب عن نفسه، ويفتخر على أبناء جنسه.


فقال الربيع:

أنا شاب الزمان، وروح الحيوان، وإنسان عين الإنسان، أما حياة النفوس، وزينة عروس الغروس، ونزهة الأبصار، ومنطق الأطيار. عرف أوقاتي ناسم، وأيامي أعياد ومواسم، فيها يظهر النبات، وتنشر الأموات، وترد الودائع، وتتحرك الطبائع، ويمرح جَنيب الجنوب، وينزح وجيب القلوب، وتفيض عيون الأنهار، ويعتدل الليل والنهار. كم لي عقد منظوم، وطراز وشي مرقوم، وحلة فاخرة، وحلية ظاهرة، ونجم سعد يدني راعيه من الأمل، وشمس حسن تنشدنا بأبعد ما بين برج الجدي والحمل. عساكري منصورة، وأسلحتي مشهورة: فمن سيف غصن مجوهر، ودرع بنفسج مشهّر، ومغفر شقيق أحمر، وترس بهار يبهر، وسهم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أزرق، تحرسها آيات، وتكنفها ألوية ورايات. بي تحمر من الورد خدوده، وتهتز من البان قدوده، ويخضر عذار الريحان، وينتبه من النرجس طرفه الوسنان، وتخرج الخبايا من الزوايا، ويفتر ثغر الأقحوان قائلاً:

" أنا ابن جلا وطلاع الثنايا " :


إن هذا الربيع شيء عجيب =تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر =حيث درنا وفضة في الفضاء


وقال الصيف:
أنا الخل الموافق، والصديق الصادق، والطيب الحاذق. أجتهد في مصلحة الأصحاب وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب، وأخفف أثقالهم، وأوفر أموالهم، وأكفيهم المؤونة وأجزل لهم المعونة، وأغنيهم عن شراء الفرا، وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا، نصرت بالصبا، وأوتيت الحكمة في زمن الصبا. بي تتضح الجادة، وتنضح من الفواكة المادة، ويزهو البسر والرطب، وينصلح مزاج العنب، ويقوى قلب النور، ويلين عطف التين والموز، وينعقد حب الرمان، فيقمع الصفراء ويسكن الخفقان، وتخضب وجنات التفاح ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح، وتسود عيون الزيتون، وتخلق تيجان النارنج والليمون، مواعدي منقودة، وموائدي ممدودة. الخير موجود في مقامي، والرزق مقسوم في أيامي. الفقير ينصاع بملء مده وصاعه، والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه. والوحش تأتي زرافات ووحدانا، والطير تغدو خماصاً وتروح بطانا.
" ابن حبيب رحمه الله تعالى " :


مصيف له ظل مديد على الورى =ومن حلا طعماً وحلل أخلاطا
يعالج أنواع الفواكه مبدياً =لصحتها حفظاً يعجز بقراطا


وقال الخريف:

أنا سائق الغيوم، وكاسر جيش الغموم، وهازم أحزاب السموم، وحادي نجائب السحائب، وحاسر نقاب المناقب. انا أصد الصدى وأجود بالندى، وأظهر كل معنى جلي، وأسمو بالوسمي والولي، في أيامي تقطف الثمار وتصفو الأنهار من الأكدار، ويترقرق دمع العيون، ويتلون ورق الغصون، طوراً يحاكي البقم وتارة يشبه الأرقم، وحيناً يبدو في حلته الذهبية، فينجذب إلى خلته القلوب الأبية. وفيها يكفى الناس هم الهوام، ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام، وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها، رافلة في الملابس المجددة من ريشها، وتعصفر بنت العنقود، وتوثق في سجن الدن بالقيود، على أنها لم تجترح إثماً، ولم تعاقب إلا عدواناً وظلماً. بي تطيب الأوقات، وتحصل اللذات، وترق النسمات وترمى حصى الجمرات، وتسكن حرارة القلوب، وتكثر أنواع المطموم والمشروب. كم لي من شجرة أكلها دائم، وحملها للنفع المتعدي لازم، وورقها على الدوام غير زائل، وقدود أغصانها تخجل كل رمح ذابل " ابن حبيب رحمه الله " .


إن فصل الخريف وافى إلينا =يتهادى في حلة كالعروس
غيره كان للعيون ربيعاً =وهو ما بيننا ربيع النفوس


وقال الشتاء:
أ نا شيخ الجماعة، ورب البضاعة، والمقابل بالسمع والطاعة. أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب، وأتحفهم بالطعام والشراب. ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب. أميل إلى المطيع، القادر المستطيع، المعتضد بالبرود والفرا المستمسك من الدثار بأوثق العرا، المرتقب قدومي وموافاتي، المتأهب للسبعة المشهورة من كافاتي. ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري، أرجفته بصوت الرعد، وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد، وسرت إليه بعساكر السحاب، ولم أقنع من الغنيمة بالإياب. معروفي معروف، ونيل نيلي موصوف، وثمار إحساني دانية القطوف. كم لي من وابل طويل المدى وجود وافر الجدا، وقطر حلا مذاقه، وغيث قيد العفاة إطلاقه، وديمة تطرب السمع بصوتها، وحيا يحيي الأرض بعد موتها، أيامي وجيزة، وأوقاتي عزيزة، ومجالسي معمورة بذوي السيادة، مغمورة بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه بالعجب، ومناقلها تسمح بذهب اللهب، وراحتها تنعش الأرواح، وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالاً ممدودا، وإن زرتهاشاهدت لها بنين شهودا:

وإذا رميت بفضل كاسك في الهوى =عادت عليك من الدقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما =حرك لنا عوداً وحرق عودا
فلما نظم كل منهم سلك مقاله، وفرغ من الكلام على شرح حاله، ، وتجاذبوا أطرف مطارف الثناء والشكر، وظهرت أسرار السرور، وأنشرت صدور الصدور، وهبت قبول الإقبال، وأنشد لسان الحال:

وماذا يعيب المرء في مدح نفسه ... إذا لم يكن في قوله بكذوب؟

ثم انفض المجلس وحل النطاق، وتفرق شمل أهله وآخر الصحبة الفراق.