المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : معاني اللحْن



محمد سعد
10-07-2008, 03:26 PM
قال أبو بكر بن الأنبارى رحمه الله: معنى قوله عز وجل: (ولتعرفنهم فى لحن القول) أى فى معنى القول، وفى مذهب القول، وأنشد للقتال الكلابى

ولقد لحنت لكمن لكيما تفهموا ... ووحيت وحيا ليس بالمرتاب
معناه: ولقد بينت لكم. واللحن بفتح الحاء: الفطنة، وربما أسكنوا الحاء أسكنوا الحاء فى الفطنة، ورجل لحن، أى فطن، قال لبيد يصف كاتبا

متعود لحن يعيد بكفه ... قلما على عسب ذبلن وبان
ومن اللحن الحديث الذى يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن رجلين اختصما إليه فى مواريث وأشياء قد درست، فقال عليه السلام: " لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعةً من النار " فقال كل واحد من الرجلين: يا رسول الله، حقى هذا لصاحبى؛ فقال: " لا ولكن اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه " . ومنه قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم! أى فاطنهم.
وحدثنى أبو بكر عن أبى العباس عن ابن الأعرابى قال: يقال قد لحن الرجل يلحن لحناً فهو لاحن إذا أخطأ، ولحن يلحن لحنا فهو لحن إذا أصاب وفطن، وأنشد

وحديث ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنامعناه: وتصيب أحيانا.

وحدثنى أيضا قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال أخبرنا نصر بن على قال أخبرنا الأصمعى عن عيسى بن عمر قال: قال معاوية للناس: كيف ابن زياد فيكم؟ قالوا: ظريف على أنه يلحن، قال فذاك أظرف له، ذهب معاوية إلى اللحن الذى هو الفطنة، وذهبوا هم إلى اللحن الذى هو الخطأ. واللحن أيضاً: اللغة ذكره الأصمعى وأبو زيد؛ ومنه قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: تعلموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلمون القرآن. فاللحن: اللغة.
وروى شريك عن أبى إسحاق عن ميسرة أنه قال فى قوله عز وجل: (فأرسلنا عليهم سيل العرم): العرم: المسناة بلحن اليمن، أى بلغة اليمن، وقال الشاعر

وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... تغنت على خضراء سمر قيودها
صدروح الضحى معروفة اللحن لم يزل ... تقود الهوى من مسعدٍ ويفودها
وقال الآخر

لقد تركت فؤادك مستجنا ... مطوقة على فننٍ تغنى
يميل بها وتركبه بلحن ... إذا ما عن للمخزون أنا
فلا يحزنك أيام تولى ... تذكرها ولا طير أرناوقال الآخر:

وهاتفين بشجوٍ بعد ما سجعت ... ورق الحمام بترجيع وإرنان
باتا على غضن بان فى ذرى فننٍ ... يرددان لحونا ذات ألوان
معناه: يرددان لغاتٍ؛ وصرف أبو زيد منه فعلا فقال: لحن الرجل يلحن لحنا إذا تكلم بلغته؛ قال: ويقال: لحنت له لحناً إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره؛ ولحنه عنى لحناً، أيى فهمه، وألحته أنا إياه إلحانا، وهذا مذهب أبى بكر بن دريد فى تفسير قول الشاعر:

منطق صائب وتلحن أحيانا
قال: يريد: تعوص فى حديثها فتزيله عن جهته لئلا يفهمه الحاضرون، ثم قال
وخير الحديث ما كان لحنا
أي خير الحديث ما فهمه صاحبك الذى تحب إفهامه وحده وخفى على غيره.
قال: وأصل اللحن أن تريد الشىء فتورى عنه بقول آخر، كقول رجل من بنى العنبر كان أسيرا فى بكر بن وائل، فسألهم رسولا إلى قومه، فقالوا له: لا ترسل إلا بحضرتنا، لأنهم كانوا أزمعوا غزو قومه فخافوا أن ينذر عليهم، فجىء بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنى لعاقل، قال: ما أراك عاقلاً؛ ثم قال: ما هذا؟ - وأشار بيده إلى الليل - فقال: هذا الليل؛ فقال: أراك عاقلاً؛ ثم ملأ كفيه من الرمل فقال: كم هذا؟ فقال: لا أدرى وإنه لكثير، فقال: أيما أكثر، النجوم أو النيران؟ فقال: كل كثير، فقال: أبلغ قومى التحية وقل لهم: ليكرموا فلانا - يعنى أسيرا كان فى أيديهم من بكر بن وائل - فإن قومه لى مكرمون، وقل لهم: إن العرفج قد أدبى، وق شكت النساء؛ وأمرهم أن يعروا ناقتى الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملى الأصهب بآية ما أكلت معكم حبساً؛ واسألوا الحارث عن خبرى. فلما أذى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء، ولا جملا أصهب؛ ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فقصوا عليه القصة، فقال: قد أنذركم. أما قوله: قد أدبى العرفج، فإنه يريد أن الرجال قد استلأموا، أى لبسوا الدروع؛ وقوله: شكت النساء، أى اتخذن الشكاء للسفر؛ وقوله: ناقتى الحمراء، أى ارتحلوا عن الدهناء واركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب؛ وقوله: بآية ما أكلت معكم حيساً، يريد اخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط. فامتثلوا ما قال وعرفوا فحوى كلامه.
وأخذ هذا المعنى أيضاً رجل من بنى تميمٍ كان أسيرا فكتب إلى قومه
حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوايريد أن الناس كلهم إذا أخصبوا عدو لكم كبكر بن وائل.
قال أبو على: ومعنى صائب، على مذهب أبى العباس فى معنى البيت: قاصد، كما قال جميل

وما صائب من نابلٍ قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيقفيكون معنى قوله: منطق صائب، أى قاصد للصواب وإن لم يصب؛ وتلحن أحيانا، أى تصيب وتفطن؛ ثم قال: وخير الحديث ما كان لحناً، أى إصابة وفطنة.
قال أبو على: ومعنى قوله جل وعز: (وغدوا على حردٍ قادرين) أى على قصد. قال الجميح

أما إذا حردت حردى فمجرية ... ضبطاء تسكن غيلاً غير مقروب
أى قصدت قصدى. وقال الآخر

أقبل سيل جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغله
أى يقصد قصدها. وقال أبو عبيدة: معنى قوله: (على حرد) أى على غضب وحقد. وأجاز ما ذكرناه. قال: ويجوز أن يكون (على حرد) معناه: على منع، واحتج بقول العباس بن مرداس السلمى

وحارب فإن مولاك حارد نصره ... ففى السيف مولى نصره لا يحارد
وحارد عندى فى هذا البيت بمعنى قل، يقال: حاردت الإبل إذا قلت ألبانها،
قال الكميت

وحاردت النكد الجلاد ولم يكن ... لعقبة قدر المستعيرين معقب
ويقال: حرد الرجل حردا بفتح الراء، ومن العرب من يقول: حرد الرجل حردا بتسكين الراء إذا غضب، وأنشد أبو عبيدة للأشهب بن رميلة

اسود شرى لاقت أسود خفيةٍ ... تساقوا على حردٍ دماء الأساود