المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من وصايا المُعَمِّرين



محمد سعد
14-07-2008, 12:47 AM
الوصايا فن من الفنون النثرية في الأدب العربي القديم إلا أنه لم يلق العناية الكافية من قبل المختصين بالدراسات الحديثة؛ إذ لم نجد حوله الدراسة التي هو جدير بها لتضعه في المكانة المناسبة بين الفنون النثرية الأخرى كالخطابة والرسالة والقصة وأمثالها، بالإضافة إلى أنه الفن النثري الذي ينقل لنا رؤية كاتبه وفلسفته في الحياة والناس، وليس هذا فحسب، بل إن فن الوصايا يتناول جوانب اجتماعية وسياسية. بإمكان المؤرخ أن يستفيد منها كوثائق في السياسة والاجتماع بغض النظر عن الجانب الفني فيه.

أوصت أعرابيَّة ابنة لها (الوصايا العشر) فقالت: " أي بنيّة، إن الوصية لو تركت لعقل وأدب، أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك، ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل، ومنبهة للغافل.
أي بنية، إنه لو استغنت المرأة بغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عن الزوج، ولكن للرجال خلق النساء، كما لهن خلق الرجال.
أي بنية، إنك قد فارقت الحِواء الذي منه خرجت، والوكر الذي منه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك ملكا، فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني خصالا عشرا، تكن لك دركا وذكرا؛
فأما الأولى والثانية فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وحسن السمع والطاعة رأفة الرب؛ وأما الثالثة والرابعة فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا طيب الريح؛ واعلمي، أي بنيّة، أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.
وأما الخامسة والسادسة فالتَّعهد لوقت وطعامه، والهدوّ عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النَّومة مغضبة؛ وأما السابعة والثامنة فالاحتفاظ بماله والرعاية على حشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير؛ وأما التاسعة والعاشرة فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إن أفشيت سرّه لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.
واتّقي الفرح لديه إذا كان ترحا، والاكتئاب عنده إذا كان فرحا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك فيهما أحببت وكرهت.
والله يخير لك، ويصنع لك برحمته.
قال: فلما حملت إليه غلبت على أمره، وولدت منه سبعة أملاك، ملكوا من بعده.

محمد سعد
14-07-2008, 12:54 AM
قالوا: وأوصي زرارة بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم، أنه جمع بنيه وبني بنيه فقال: يا بنيّ، إنكم قد أصبحتم بيت تميم، بل بيت مُضر، يا بنيّ، ما هجمت على قوم قطُّ من العرب لا يعرفونني إلا أحلُّوني، فإذا نسبوني ازددت عندهم شرفا، وفي أعينهم عظما، ولا وفدت إلى ملك إلا آثرني وشفعني، خذوا من أدبي، واثبتوا عند أمري، واحفظوا وصيتي.
" إياكم أن تدخلوا عليّ في قبري حوبة أسبّ بها..(1).
... فوالله ما شايعتني نفسي قط على إتيان ريبة، ولا عمل بفاحشة، ولا حسّنت لي نفسي الغدر منذ شدّت يداي مئزري، ولا فارقني جار على قلي، ولا حملني هواي على أمر يعييني في مضر.

يا بني، إن القالة إليكم سريعة، فاتقوا الله في الليل إذا أظلم، وفي النهار إذا انتشر يكفكم ما أهمّكم، وإياكم وشرب الخمر، فإنها مفسدة للعقول والأجساد، ذهّابة بالطريف والتلاد.

يا بني، زوّجوا النساء الأكفاء، وإلا فانتظروا بهنّ القضاء.
يا بني، قد أدركت سفيان بن مجاشع بن دارم شيخا كبيرا محجوبا، فأخبرني أنه قد حان خروج نبي بمكّة من مضر، يقال له، أحمد، عليه السلام، يدعو إلى عبادة الله، فإن أدركتموه فاتبعوه، تزدادوا بذلك شرفا إلى شرفكم، وعزَّا إلى عزّكم، إنه ليس فيكم سقط رجل واحد، ولا تمنَّيتكم أنِّي بدِّلتكم بعدَّتكم من العرب، ولولا عجلة لقيط إلى الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث لشرّفته عليكم، وهو بعد فارس مضر، وعليكم بحاجب، فإنه حليم عند الغضب، فرّاج للكرب، يجود إذا طلب إليه، ذو رأي لا ينكش(2)، وزمَّاع لا يفحش، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، جنَّبكم الله الردى.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)"كذا قال أبو حاتم، حوبة، وليس لها ههنا معنى، وينبغي أن تكون خربة، وهي المنقصة، أو خزّية، والحوبة الخالة، وقال قوم هي الأمُّ " .

(2)" لا ينكش لا يستقصي ما فيه، يقال: نكشت البئر أي أخرجت ما فيها، والزَّمّاع العزم، لا يفحش أي لا ينتقص " .

محمد سعد
14-07-2008, 01:09 AM
وأوصي سعد العشيرة بنيه لما حضرته الوفاة، فقال:

" يا بني، اتقّوا إلهكم بالليل والنهار، وإيّاكم وما يدعو إلى الاعتذار، ودعوا قذف المحصنات تسلم لكم الأمهات، وإياكم والبغي على قومكم تعمر لكم الساحات، ودعوا المراء والخصام تسلم لكم المروءة والأحلام، تحبَّبوا إلى العشائر تهبكم العمائر، وجودوا بالنوال تنم لكم الأموال، وإياكم ونكاح الورهاء(1) فإنها أدوأ الداء، وأبعدوا من جار السوء داركم، ومن قرين الغيّ مزاركم، ودعوا الضغائن فإنها تدعو إلى التباين، ولا تكونوا لآبائكم ضرَّارا، حيّاكم ربكم، وسدّد أمركم " .
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1)الورهاء(الحمقاء ):ذات الدلال في غير موضعه ، المضاغه للسانها
وقيل : هي التي لا يتم لها عمل والخرقاء فهي التي تدعي العمل ولا تحسنه

محمد سعد
14-07-2008, 01:19 AM
قالوا: وجمع الحارث بن كعب بنيه حين حضرته الوفاة، فقال: " يا بني، عليكم بهذا المال فاطلبوه أَجمل الطلب، ثم اصرفوه في أجمل مذهب، فصلوا به الأرحام، واصطنعوا منه الأقوام، واجعلوه جنة لأعراضكم تحسن في الناس قالتكم، فإن بذلة تمام الشرف، وثبات المروءة، وإنه ليسود غير اليد، ويؤيّد غير الأيَّد حتى يكون عند الناس نبيلا نبيها، وفي أعينهم مهيبا؛ ومن اكتسب مالا فلم يصل به رحما، ولم يعط منه سائلا، ولم يصن به عرضا بحث الناس عن أصله، فإن كان مدخولا هرتوه وهتكوه، وإن لم يكن مدخولا ألزموه ودبّيه، واكسبوه عرقا لئيما حتى يهجّنوه به " .


وقال لابنه أشعت، وهو يوصيه:


أَبنيّ أَباك يوما هالك =فاحفظ أباك رياسة وتقلُّبا
وإِذا لقيت كتيبة فتقدَّما =إِن المُقدَّم لا يكون الأَخيبا
تلقى الرياسة أو تموت بطعنة =والموت يأتي من نأَى وتجنَّبا

محمد سعد
14-07-2008, 01:25 AM
قالوا: دعا المنذر ابنه النعمان، وهو غلام شاب، فقال: " يا بنيّ، إن لي فيك رأيا دون غيرك من لدي، فإني آمرك بما أمرني به والدي، وأنهاك عما نهاني عنه والدي، آمرك بالذلّ في عرضك، وذلك أن تكون ذلولا بالمعروف، وعليك بالانخداع في مالك، وأُحبُّ لك خلوة اللّيل وطول السَّمر، وأكره لك إخلاف الصديق، واطّراف المعرفة، وأنهاك عن ملاحاة الحلماء ومواح السفهاء، إن لك عقلا وجمالا ولسانا، فاكتس من ثناء الناس ما يؤيد جمالك، ودع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبئ تدَّخره أبدا ليوم حاجتك.
ثم قال:


إنَّ ظنِّي بمن أَمرتُ بأَمري =حسنَ إن أَعانت الأذنان
باستماع وما ظفرت بشيء =إن نبا مقولي عن النعمان
قد تفرَّست في بنيّ وفيه =فإذا الأمر ليس بالمتداني
فلئن تمّ ما أُؤَمل فيه =ما له في بني الملوك مدان
وله ألحظُّ في الجمال وفي العقل =وحظّ من مهلة ولسان