المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أنواع السرقات الشعرية ..!!



بَحْرُ الرَّمَل
30-08-2008, 05:10 PM
عرض ابن الأثير الجزري في المثل السائر فصلا طريفا في سرقات الشعراء
وربما يكون هذا الفصل هو الجديد الوحيد الذي جاء به ابن الأثير في هذا الكتاب

ومما جاء فيه:
"واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا وكنت ألفت فيه كتابا وقسمته
ثلاثة أقسام‏:‏ نسخا وسلخا ومسخا‏.‏
أما النسخ فهو‏:‏ أخذ اللفظ والمعنى برمته من غير زيادة عليه مأخوذا ذلك من نسخ الكتاب‏.‏
أما السلخ هو‏:‏ أخذ بعض المعنى مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ
وأما المسخ فهو‏:‏ إحالة المعنى إلى ما دونه مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين قردة‏.‏
وههنا قسمان آخران أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته فأحدهما أخذ المعنى مع الزيادة
عليه والآخر عكس المعنى إلى ضده وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا سلخ ولا مسخ‏.‏ "

بَحْرُ الرَّمَل
30-08-2008, 05:12 PM
ثم يتابع في تصنيف هذه الأنواع ويقول في النسخ:
"النسخ
فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظ لأنه
مأخوذ من نسخ الكتاب وعلى ذلك فإنه ضربان‏:‏
الأول‏:‏ يسمى وقوع الحافر على الحافر كقول امرئ القيس‏:‏
وقوفاً بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتحمل
وكقول طرفة‏:‏
وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد
وقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما فمنه ما وردا فيه مورد امرئ القيس وطرفة في
أتعدل أحسابا لئاماً حماتها بأحسابنا إني إلى الله راجع
وكقول جرير‏:‏
أتعدل أحسابا كراما حماتها بأحسابكم إني إلى الله راجع
ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ كقول الفرزدق‏:‏
وغر قد نسقت مشهرات طوالع لا تطيق لها جوابا
بكل ثنية وبكل ثغر غرائبهن تنتسب انتسابا
بلغن الشمس حين تكون شرقا ومسقط رأسها من حيث غابا
وكذلك قال جرير من غير أن يزيد‏.‏
وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها ‏"‏ ليلى ‏"‏ كان يتحدث إليها الشباب فدخل الفرزدق إليها
وجعل يحادثها وأقبل فتى من قومها كانت تألفه فدخل إليها فأقبلت عليه وتركت الفرزدق
فغاظه ذلك فقال للفتى‏:‏ أتصارعني فقال‏:‏ ذاك إليك فقال إليه فلم يلبث أن أخذ الفرزدق
فصرعه وجلس على صدره فضرط فوثب الفتى عنه وقال‏:‏ يا أبا فراس هذا مقام العائذ
بك والله ما أردت ما جرى فقال‏:‏ ويحك والله ما بي أنك صرعتني ولكن كأني بابن الأتان
يعني جريرا وقد بلغه خبري فقال يهجوني‏:‏
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه كما شد جربان الدلاص قيون
قال‏:‏ فوالله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر فقال فيه هذين البيتين وهذا من أغرب ما
يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه‏.‏
ويقال‏:‏ إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد‏.‏
وهذا عندي مستبعد فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى‏.‏
وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا
بشهادة الحال أنه أخذه منه وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة
فكيف تتفق الألسنة في صوغها الألفاظ
ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها‏:‏
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
دارت على فتية ذل الزمان لهم فما يصيبهم إلا بما شاءوا
وهذا من عالي الشعر ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد
وهو‏:‏
لهفي على فتية ذل الزمان لهم فما أصابهم إلا بما شاءوا
الضرب الثاني من النسخ‏:‏ وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ كقول بعض المتقدمين يمدح
معبدا صاحب الغناء‏:‏
أجاد طويس والسريجي بعده وما قصبات السبق إلا لمعبد
ثم قال أبو تمام‏:‏
محاسن أصناف المغنين جمة وما قصبات السبق إلا لمعبد
وهذه قصيدة أولها‏:‏
غدت تستجير الدمع خوف نوى غد
فقال‏:‏
وقائع أصل النصر فيها وفرعه إذا عدد الإحسان أو لم يعدد
فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن سوى حسن مما فعلت مردد
محاسن أصناف المغنين جمة البيت "

بَحْرُ الرَّمَل
30-08-2008, 05:15 PM
السلخ
وأما السلخ فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا وهذا تقسيم أوجبته القسمة وإذا تأملته علمت أنه
فالأول‏:‏ أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ولا يكون هو إياه وهذا من أدق السرقات
مذهبا وأحسنها صورة ولا يأتي إلا قليلا‏.‏
فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة‏:‏
لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض إلى كل امريء غير طائل
أخذ المتنبي هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به فقال‏:‏
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضل
والمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض وهو غير متبين إلا لمن أعرق في ممارسة الأشعار وغاص في استخراج المعاني وبيانه أن الأول يقول‏:‏ إن بغض الذي هو غير طائل إياي مما زاد نفسي حبا إلي أي جملها في عيني وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي والمتنبي يقول‏:‏ إن ذم الناقص إياي شاهد بفضلي فذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك الرجل وشهادة ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك الرجل عنده‏.‏
ومن هذا الضرب ما هو أظهر مما ذكرته وأبين كقول أبي تمام‏:‏
رعته الفيافي بعد ما كان حقبة رعاها وماء الروض ينهل ساكبه
شيخان قد ثقل السلاح عليهما وعداهما رأي السميع البصير
ركبا القنا من بعد ما حملا القنا في عسكر متحامل في عسكر
فأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته‏:‏ أي أهزلته فكأنها فعلت به مثل ما
فعل بها والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم فقال‏:‏ إنه كان يحمل الرمح في
القتال ثم صار يركب عليه‏:‏ أي يتوكأ منه على عصا كما يفعل الشيخ الكبير‏.‏
وكذلك ورد قول الرجلين أيضا فقال أبو تمام‏:‏
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا
وهذا أوضح من الذي تقدمه وأكثر بيانا‏.‏
الضرب الثاني من السلخ‏:‏ أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ وذلك مما يصعب جدا ولا يكاد
يأتي إلا قليلا‏.‏
فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة‏:‏
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال‏:‏
فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام الانتصار وكلا المعنيين واحد غير أن اللفظ مختلف‏.‏
وهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها وأدقها وأغربها وأبعدها مذهبا ولا يتفطن له
ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض‏.‏
وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار إليها كقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة‏:‏
فقد جر نفعا فقدنا لك أننا أمنا على كل الرزايا من الجزع
وجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال‏:‏
وقد عزى ربيعة أن يوما عليها مثل يومك لا يعود
وهذا من البديع النادر‏.‏
وههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية وذلك يأتي
في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض وذاك الاعتداد به لمكان وضوحه لكن قد
يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف لا الاسم نفسه فيكون حسنا كقول جرير‏:‏
أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال‏:‏
ومن في كفه منهم قناة كمن في كفه منهم خطاب
الضرب الثالث من السلخ‏:‏ وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ وذلك من أقبح السرقات
وأظهرها شناعة على السارق‏.‏
فمن ذلك قول البحتري في غلام‏.‏
فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر إليه ودون كيد الكبار
سبقه أبو نواس فقال‏:‏
لم يخف من كبر عما يراد به من الأمور ولا أزرى من الصغر
وكذلك قوله أيضا‏:‏
كل عيد له انقضاء وكفي كل يوم من جوده في عيد
أخذه من علي بن جبلة في قوله‏:‏
للعيد يوم من الأيام منتظر والناس في كل يوم منك في عيد
وكذلك قوله‏:‏
جاد حتى أفنى السؤال فلما باد منا السؤال جاد ابتداء
أعطيت حتى لم تدع لك سائلا وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
وقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح هذا على بسطة باعه في الشعر وغناه عن
مثلها وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكها فممن فعل ذلك أبو تمام
فإنه قال‏:‏
قد قلصت شفتاه من حفيظته فخيل من التعبيس مبتسما
سبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال‏:‏
وإذا شئت أن ترى الموت في صو - - رة ليث في لبدتي رئبال
فالقه غير أنما لبدتاه أبيض صارم وأسمر عال
تلق ليثا قد قلصت شفتاه فيرى ضاحكاً لعبس الصيال
وكذلك قال أبو تمام‏:‏
فلم أمدحك تفحيماً شعري ولكني مدحت بك المديحا
أخذه من حسان بن ثابت في مدحه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال‏:‏
ما إن مدحت محمداً بمقالتي لكن مدحت مقالتي بمحمد
ولا شك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سمع قول حسان بن ثابت حيث استخلف عمر
رضي الله عنه فقال له عمر‏:‏ استخلف غيري فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ ما حبوناك بها
وإنما حبوناها بك‏.‏
وهكذا فعل ابن الرومي فمما جاء له قوله‏:‏
جرحته العيون فاقتص منها بجوى في القلوب دامي الندوب
سبقه أبو تمام فقال‏:‏
أدميت باللحظات وجنته فاقتص ناظره من القلب
وكذلك قول ابن الرومي‏:‏
وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي وكفى به متقاضيا ووكيلا
سبقه أبو تمام فقال‏:‏
وإذا المجد كان عوني على المر - ء تقاضيته بترك التقاضي
وكذلك قال ابن الرومي‏:‏
وما لي عزاء عن شبابي علمته سوى أنني من بعده لا أخلد
سبقه منصور النمري فقال‏:‏
قد كدت أقضي على فوت الشباب أسا لولا تعزي أن العيش منقطع
فدى نفسه بضمان النضار وأعطى صدور القنا الذابل
أخذه من قول الفرزدق‏:‏
كان الفداء له صدور رماحنا والخيل إذ رهج الغبار مثار
وكذلك قوله أيضا‏:‏
أين أزمعت أيهذا الهمام نحن نبت الربا وأنت الغمام
أخذه من بشار حيث قال‏:‏
كأن الناس حين تغيب عنهم نبات الأرض أخطأه القطار
وكذلك قوله‏:‏
فلا زالت ديارك مشرقات ولا دانيت يا شمس الغروبا
لأصبح آمنا فيك الرزايا كما أنا آمن فيك العيوبا
أخذه ابن الرومي حيث قال‏:‏
أسالم قد سلمت من العيوب ألا فاسلم كذاك من الخطوب
والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم‏:‏ إما بأن يأخذ المعنى
فيزيده على معنى آخر أو يوجز في لفظه أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته‏.‏
ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه وتكثر البشاعة به وهو‏:‏ أن يأخذ
الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية فيودعه قصيدة له على ذلك الوزن
وتلك القافية ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم صاغها في مثل ما سرقها
منه والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد أو صاغها في سوار أو خلخال ليكون أكتم
لأمرها‏.‏
وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته التي أولها‏:‏
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع
لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته إن كان أسلمها الأصحاب والشيع
وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها‏:‏
أي القلوب عليكم ليس ينصدع
وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ من بيت منها وهو‏:‏
ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه في الروع إذ غابت الأنصار والشيع
وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن يسرق المعنى
حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه‏.‏
الضرب الرابع من السلخ‏:‏ وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن
حد السرقة‏.‏
فمن ذلك قول أبي نواس‏:‏
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم أشهى المطي إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب
فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك‏:‏
إن المطية لا يلذ ركوبها حتى تذلل بالزمام وتركبا
والحب ليس بنافع أربابه حتى يفصل في النظام ويثقبا
ومن هذا الباب قول ابن جعفر‏:‏
ولما بدا لي أنها لا تريدني وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي لعلها تذوق صبابات الهوى فترق لي
وقال غيره‏:‏
ولقد سرني صدودك عني في طلابيك وامتناعك مني
حذراً أن أكون مفتاح غيري وإذا ماخلوت كنت التمني
أما ابن جعفر فإنه تداءب وألقى عن منكبه رداء الغيرة وأما الآخر فجاء بالضد من ذلك
وتغالى به غاية الغلو‏.‏
وكذلك ورد قول أبي الشيص‏:‏
أجد الملامة في هواك لذيذة شغفا بذكرك فليلمني اللوم
أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال‏:‏
أأحبه وأحب فيه ملامة إن الملامة فيه من أعدائه
وهذا من السرقات الخفية جدا ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة‏.‏
وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا فمن ذلك قولي‏:‏
لولا الكرام وما سنوه من كرم لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
أخذته من قول أبي تمام‏:‏
لولا خلال سنها الشعر ما درى بناة العلى من أين تؤتى المكارم
الضرب الخامس من السلخ‏:‏ وهو أن يؤخذ بعض المعنى
فمن ذلك قول أمية بن الصلت يمدح عبد الله بن جدعان‏:‏
عطاؤك زين لامريء إن حبوته ببذل وما كل العطاء يزين
أخذه أبو تمام فقال‏:‏
تدعى عطاياه وفراً وهي إن شهرت كانت فخاراً لمن يعفوه مؤتنفاً
ما زلت منتظراً أعجوبة زمناً حتى رأيت سؤالاً يجتني شرفاً
فأمية بن الصلت أتى بمعنيين اثنين‏:‏ أحدهما أن عطاءك زين والآخر أن عطاء غيرك شين وأما
أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير‏.‏
ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة‏:‏
وآثل ما لم يحوه متقدم وإن نال منه آخر فهو تابع
فقال أبو الطيب المتنبي‏:‏
ترفع عن عون المكارم قدره فما يفعل الفعلات إلا عذاريا
فعلي بن جبلة اشتمل ما قاله على معنيين أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدمه وإن نال
منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به وتابع له وأما أبو الطيب المتنبي فإنه لم يأت بالمعنى الواحد
وهو أنه يفعل ما لا يفعله غيره غير أنه أبرزه في صورة حسنة‏.‏
ومن ذلك قول أبي تمام‏:‏
كلف برب المجد يعلم أنه لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم
ومثلك إن أبدى الفعال أعاده وإن صنع المعروف زاد وتمما
فأبو تمام قال‏:‏ إن الممدوح يرب صنيعه‏:‏ أي يستديمه ويعلم أنه إذا لم يستدمه فما ابتدأه
والبحتري قال‏:‏ إنه يستديم صنيعه لا غيره وذلك بعض ما ذكره أبو تمام‏.‏
وكذلك قال البحتري‏:‏
ادفع بأمثال أبي غالب عادية العدم أو استعفف
أخذه ممن تقدمه حيث قال‏:‏
انتج الفضل أو تخال عن الدنيا فهاتان غاية الهمم
فالبحتري أخذ بعض هذا المعنى ولم يستوفه‏.‏
وكذلك ورد قول ابن الرومي‏:‏
نزلتم على هام المعالي إذا ارتقى إليها أناس غيركم بالسلالم
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال‏:‏
فوق السماء وفوق ما طلبوا فإذا أرادوا غاية نزلوا
وهذا بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي لأنه قال‏:‏ إنكم نزلتم على هام المعالي وإن
غيركم يرقى إليها رقيا وأما المتنبي فإنه قال‏:‏ إنكم إذا أردتم غاية نزلتم وأما قوله ‏"‏ فوق السماء‏"‏‏.‏ فإنه يغني عنه قول ابن الرومي ‏"‏ نزلتم على هام المعالي ‏"‏ إذ المعالي فوق كل شيء لأنها مختصة بالعلو مطلقا‏.‏
الضرب السادس من السلخ‏:‏ وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر‏.‏
فمما جاء منه قول الأخنس بن شهاب‏:‏
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب
أخذه مسلم بن الوليد فزاد عليه وهو قوله‏:‏
إن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا أو عرد السيف لم يهمم بتعريد
وكذلك ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره‏.‏
غرائب آلاف إذا حان وردها أخذن طريقا للقصائد معلما
أخذه أبو تمام فزاد عليه إذ قال في وصف قصيد له وقرن ذلك بالممدوح‏:‏
غرائب لاقت في فنائك أنسها من المجد فهي الآن غير غرائب
وكذلك ورد قول ولد مسلمة بن عبد الملك‏:‏
أذل الحياة وكره الممات وكلا أراه طعاماً وبيلاً
فإن لم يكن غير إحداهما فسيرا إلى الموت سيراً جميلاً
مثل الموت بين عينيه وال - ذل وكلا رآه خطبا عظيما
ثم سارت به الحمية قدما فأمات العدا ومات كريما
فزاد عليه بقوله‏:‏
فأمات العدا ومات كريما
ويروى أنه نظر عبد الله بن علي رضي الله عنه عند قتال المروانية إلى فتى عليه أبهة الشرف
وهو يبلي في القتال بلاء حسنا فناداه‏:‏ يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد فقال‏:‏ إلا
أكنه فلست بدونه قال‏:‏ فلك الأمان ولو كنت من كنت فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين
المذكورين‏.‏
وكذلك ورد قول أبي تمام‏:‏
يصد عن الدنيا إذا عن سودد ولو برزت في زي عذراء ناهد
أخذه من قول المعذل بن غيلان‏:‏
ولست بنظار إلى جانب العلا إذا كانت العلياء في جانب الفقر
إلا أنه زاده زيادة حسنة بقوله‏:‏
ولو برزت في زي عذراء ناهد
خل عنا فإنما أنت فينا واو عمرو أو كالحديث المعاد
أخذه من قول أبي نواس‏:‏
قل لمن يدعي سليما سفاها لست منها ولا قلامه ظفر
إنما أنت ملصق مثل واو ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
إلا أن البحتري زاد على أبي نواس قوله ‏"‏ أو كالحديث المعاد ‏"‏
هكذا ورد قول البحتري أيضا‏:‏
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا جذلان يبدع في السماح ويغرب
أخذه من مسلم بن الوليد في قوله‏:‏
ركبت إليه البحر في مؤاخرته فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
إلا أن البحتري زاد عليه بقوله‏:‏
جذلان يبدع في السماح ويغرب
وكذلك ورد قول أبي نواس‏:‏
وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
وهذا البيت قد لهج به الناس لهجا كثيرا ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس ويحكى عن أبي
تمام أنه دخل على ابن أبي داود فقال له‏:‏ أحسبك عاتبا يا أبا تمام فقال إنما يعتب على واحد
وأنت الناس جميعا قال‏:‏ من أين هذه يا أبا تمام قال‏:‏ من قول الحاذق أبي نواس وأنشده
البيت وهذه الحكاية عندي موضوعة لأن أبا تمام كان عارفا بالشعر حتى إنه قال‏:‏ لم أنظم
شعرا حتى حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء خاصة دون الرجال وما كان يخفى عنه أن هذا
المعنى ليس لأبي نواس وإنما هو مأخوذ من قول جرير‏:‏
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا
إلا أن أبا نواس زاد زيادة حسنة وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني تميم وأبا نواس جعل
العالم كله في واحد وذلك أبلغ‏.‏
ومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق‏:‏
علام تلفتين وأنت تحتي وخير الناس كلهم أمامي
متى تأتي الرصافة تستريحي من الأنساع والدبر الدوامي
أخذه أبو نواس فصار أملك به وأحسن فيه غاية الإحسان فقال‏:‏
وإذا المطي بنا بلغن محمدا فظهورهن على الرجال حرام
فالفرزدق قال ‏"‏ تستريحي من الأنساع والدبر الدوامي ‏"‏ وليست استراحتها بمانعة من معاودة
إتعابها مرة أخرى‏:‏ وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال‏:‏ أي أنها تعفى من السفر إعفاء مستمرا ولا شك أن أبا نواس لم يتنبه لهذه الزيادة إلا من فعل العرب في السائبة والبحيرة‏.‏
وعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي‏:‏
وملومة زرد ثوبها ولكنه بالقنا مخمل
أخذه من أبي نواس في قوله‏:‏
أمام خميس أرجون كأنه قميص محوك من قنا وجياد
فزاد أبو الطيب زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى‏.‏
وكذلك قال أبو الطيب المتنبي‏:‏
وإن جاد قبلك قوم مضوا فإنك في الكرم الأول
فأخذته أنا وزدت عليه فقلت‏:‏
أنت في الجود أول وقضى الله بألا يرى لك الدهر ثان
وهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره‏.‏
الضرب السابع من السلخ‏:‏ وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى‏.‏
وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة فمن ذلك قول أبي تمام‏:‏
أخذه البحتري فقال‏:‏
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعي
ومن هذا الأسلوب قولهما أيضا فقال أبو تمام‏:‏
إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا
وقال البحتري‏:‏
قل للكرام فصار يكثر مدهم ولقد يقل الشيء حتى يكثرا
وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس‏:‏
يدل على ما في الضمير من الفتى تقلب عينيه إلى شخص من يهوى
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال‏:‏
وإذا خامر الهوى قلب صب فعليه لكل عين دليل
ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي‏:‏
إذا ما ازددت من بعد التناهي فقد وقع انتقاصي في ازدياد
أخذه ابن نباتة السعدي فقال‏:‏
إذا كان نقصان الفتى من تمامه فكل صحيح في الأنام عليل
وما كلفة البدر المنير قديمة ولكنها في وجهه أثر اللطم
أخذه الشاعر المعروف بالقيسراني فقال‏:‏
وأهوى التي أهوى لها البدر ساجدا ألست ترى في وجه أثر التراب
وكذلك قول ابن الرومي‏:‏
إذا شنئت عين امريء شيب نفسه فعين سواه بالنشاءة أجدر
أخذه من تأخر عنه فقال‏:‏
إذا كان شيبي بغيضا إلي فكيف يكون إليها حبيبا
ومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم‏:‏
مخصرة الأوساط زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها
أخذه أبو تمام فقال‏:‏
كأن عليها كل عقد ملاحة وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد
ثم أخذه البحتري فقال‏:‏
إذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها فإن عناء ما توخت عقودها
أمثال هذا كثيرة وفيما أوردناه مقنع‏.‏
وذلك من أحسن السرقات لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول وسعة باعه في
البلاغة فمن ذلك قول بشار‏:‏
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
أخذه سلم الخاسر وكان تلميذه فقال‏:‏
من راقب الناس مات غماً وفاز باللذة الجسور
فبين البيتين لفظتان في التأليف
ومن هذا الأسلوب قول أبي تمام‏:‏
برزت في طلب المعالي واحداً فيها تسير مغوراً ومنجداً
عجب بأنك سالم في وحشة في غاية ما زلت فيها مفرداً
أخذه ابن الرومي فقال‏:‏
غربته الخلائق الزهر في النا - س وما أوحشته بالتغريب
وكذلك ورد قول أبي نواس‏:‏
وكلت بالدهر غير غافلة من جود كفك تأسو كل ما جرحا
أخذه ابن الرومي فقال‏:‏
وعلى هذا ورد قول ابن الرومي‏:‏
كأني أستدني بك ابن حنية إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
أخذه بعض شعراء الشام وهو ابن قسيم الحموي فقال‏:‏
فهو كالسهم كلما زدته منك دنوا بالنزع زادك بعدا
ولقيت جماعة من الأدباء بالشام ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ابتدع هذا المعنى
وليس كذلك وإنما هو لابن الرومي‏.‏
ومما يجري هذا المجرى قول أبي العتاهية‏:‏
وإني لمعذور على فرط حبها لأن لها وجها يدل على عذري
أخذه أبو تمام فقال‏:‏
له وجه إذا أبصر - - ته ناجاك عن عذري
فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز‏.‏
ومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام‏:‏
كانت مساءلة الركبان تخبرني عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري
وأستكبر الأخبار قبل لقائه فلما التقينا صغر الخبر الخبر
وكذلك قولهما في موضع آخر فقال أبو تمام‏:‏
كم صارما عضبا أناف على قفا منهم لأعباء الوغى حمال
سبق المشيب إليه حتى ابتزه وطن النهى من مفرق وقذال
أخذه أبو الطيب فزاد وأحسن حيث قال‏:‏
يسابق القتل فيهم كل حادثة فما يصيبهم موت ولا هرم
ومن هذا الضرب قول بعض الشعراء‏:‏
أمن خوف فقر تعجلته وأخرت إنفاق ما تجمع
فصرت الفقير وأنت الغني وما كنت تعدو الذي تصنع
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال‏:‏
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر
الضرب التاسع من السلخ‏:‏ وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا أو خاصا فيجعل عاما‏.‏
وهو من السرقات التي يسامح صاحبها فمن ذلك قول الأخطل‏:‏
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
أألوم من بخلت يداه وأغتدي للبخل تربا ساء ذا صنيعا
وهذا من العام الذي جعل خاصا ألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا وجاء
بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابه وأما أبو تمام فإنه خصص ذلك بالبخل وهو خلق واحد من
جملة الأخلاق‏.‏
وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام‏:‏
ولو حادرت شول عذرت لقاحها ولكن منعت الدر والضرع حافل
أخذه أبو الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول‏:‏
وما يؤلم الحرمان من كف حارم كما يؤلم الحرمان من كف رازق
الضرب العاشر من السلخ‏:‏ وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى وذلك أن يؤخذ المعنى
فيضرب له مثال يوضحه فمما جاء منه قول أبي تمام‏:‏
هو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث فللريث في بعض المواطن أنفع
أخذه أبو الطيب المتنبي فأوضحه بمثال ضربه له وذلك قوله‏:‏
ومن الخير بطء سيبك عني أسرع السحب في المسير الجهام
وهذا من المبتدع لا من المسروق وما أحسن ما أتي بهذا المعنى في المثال المناسب له‏.‏
قد قلصت شفتاه من حفيظته فخيل من شدة التعبيس مبتسما
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال‏:‏
وجاهل مده في جهله ضحكي حتى أتته يد فراسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث مبتسم
ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي تمام‏:‏
وكذاك لم تفرط كآبة عاطل حتى يجاورها الزمان بحال
أخذه أبو عبادة البحتري فقال‏:‏
وقد زادها إفراط حسن جوارها لأخلاق أصفار من المجد خيب
وحسن دراري الكواكب أن ترى طوالع في داج من الليل غيهب
فإنه أتى بالمعنى مضروبا له هذا المثل الذي أوضحه وزاده حسنا‏.‏
الضرب الحادي عشر من السلخ‏:‏ وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد ومثاله أن يسلك
الشاعران طريقاً واحدة فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين وهناك يتبين فضل أحدهما على
الآخر‏.‏
فمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين‏:‏
نجمان شاء الله ألا يطلعا إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
إن الفجيعة بالرياض نواضرا لأجل منها بالرياض ذوابلا
لهفي على تلك الشواهد فيهما لو أخرت حتى تكون شمائلا
إن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
قل للأمير وإن لقيت موقرا منه يريب الحادثات حلاحلا
إن تزر في طرفي النهار واحد رزأين هاجا لوعة وبلابلا
فالثقل ليس مضاعفا لمطية إلا إذا ما كان وهما بازلا
لا غرو إن فننان من عيدانه لقيا حماما للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مشذب منه اتمهل ذرا وأث أسافلا
شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مواعظ قادها لك سمحة إسجاح لبك سامعا أو قائلا
هل تكلف الأيدي بهز مهند إلا إذا كان الحسام القاصلا
ألست من القوم الذي من رماحهم نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
بمولودهم صمت اللسان كغيره ولكن في أعطافه منطق الفصل
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
عزاءك سيف الدولة المقتدى به فإنك نصل والشدائد للنصل
تخون المنايا عهده في سليله وتنصره بين الفوارس والرجل
بنفسي وليد عاد من بعد حمله إلى بطن أم لا تطرق بالحمل
بدا وله وعد السحابة بالردى وصد وفينا غلة البلد المحل
وقد مدت الخيل العتاق عيونها إلى وقت تبديل الركاب من النعل
وريع له جيش العدو وما مشى وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي
فتأمل أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد وكيف هام كل واحد
منهما في واد منه مع اتفاقهما في بعض معانيه‏.‏
وسأبين لك ما اتفقا فيه وما اختلفا وأذكر الفاضل من المفضول فأقول‏:‏
أما الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال‏:‏
بمولودهم صمت اللسان كغيره ولكن في أعطافه منطق الفضل
فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام وزاد عليه بالصناعة اللفظية وهي المطابقة في قوله ‏"‏ صمت
اللسان ‏"‏ و ‏"‏ منطق الفصل ‏"‏‏.‏
وقال أبو تمام‏:‏
نجمان شاء الله ألا يطلعا إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
وقال أبو الطيب‏:‏
بدا وله وعد السحابة بالروى وصد وفينا غلة البلد المحل
فوافقه في المعنى وزاد عليه بقوله‏:‏
وصد فينا غلة البلد المحل
لأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم بحياته‏.‏
وأما ما اختلفا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا وذاك أن معناه أمتن من معناه
ومبناه أحكم من مبناه وربما أكبر هذا القول جماعة من المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان
وقدمه لا مع فضيلة القول وتقدمه وأبو تمام وإن كان أشعر عندي من أبي الطيب فإن أبا
الطيب أشهر منه في هذا الموضع وبيان ذلك أنه قد تقدم على ما اتفقا فيه من المعنى وأما
عزاءك سيف الدولة المقتدى به فإنك نصل والشدائد للنصل
وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما‏:‏
إن ترز في طرفي نهار واحد رزأين هاجا لوعة وبلابلا
فالثقل ليس مضاعفا لمطية إلا إذا ما كان وهما بازلا
فإن قول أبي الطيب ‏"‏ والشدائد للنصل ‏"‏ أكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام‏:‏
إن الثقل يضاعف من المطايا وقوله أيضا‏:‏
تخون المنايا عهده في سليله وتنصره بين الفوارس والرجل
وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما‏:‏
لا غرو إن فننان من عيدانه لقيا حماما للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مشذب منه اتمهل ذرا وأث أسافلا
وكذلك قال أبو الطيب‏:‏
ألست من القوم الذين من رماحهم نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
إلا مواعظ قادها لك سمحة إسجاح لبك سامعا أو قائلا
واعلم أن التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفضيل بين المعنيين المختلفين‏.‏
وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين واحتجوا على ذلك بأن قالوا‏:‏ المفاضلة
بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى فإن اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا
باعتبار المعاني المندرجة تحتها فما لم يكن بني الكلامين اشترك في المعنى حتى يعلم مواقع النظم في قوة ذلك المعنى أو ضعفه أو اتساق ذلك اللفظ أو اضطرابه وإلا فكل كلام له تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته وهذا مثل قولنا‏:‏ العسل أحلى من الخل فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها‏.‏
وهذا القول فاسد فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا لوجب أن تسقط
التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه وهذا محال وإنما خفي عليهم ذلك لأنهم لم
ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه سواء اتفقت المعاني أو اختلفت ومن ههنا وقع لهم
الغلط‏.‏ وسأبين ذلك فأقول‏:‏ من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة فثبت بهذا أن النظر إنما هو في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على اتفاقهما واختلافهام فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به من الآخر حكم له بالفضل‏.‏
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا وهو مروي
عن علماء العربية لكن عذرتهم في ذلك فإن معرفة الفصاحة والبلاغة شيء خلاف معرفة
النحو والإعراب‏.‏
فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال‏:‏ لو أدرك يوما واحدا من
الجاهلية ما قدمت عليه أحدا وهذا تفضيل بالأعصار لا بالأشعار وفيه ما فيه ولولا أن أبا
عمرو عندي بالمكان العلي لبسطت لساني في هذا الموضع‏.‏
وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل فقال أما الفرزدق ففي يده نبعة من الشعر وهو
قابض عليها وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للقرائض وأما أنا فمدينة الشعر‏.‏
وهذا القول قول إقناعي لا يحصل منه على تحقيق لكنه أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء‏.‏
وسئل الأخطل عن أشعر الناس فقال‏:‏ الذي إذا مدح رفع وإذا هجا وضع فقيل‏:‏ فمن ذاك
قال‏:‏ الأعشى قيل‏:‏ ثم من قال‏:‏ طرفة وهذا قول فيه بعض التحقيق إذ ليس كل من رفع
بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس لأن المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها‏.‏
وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب فقال‏:‏ أما أبو تمام فخطيب
منبر وأما البحتري فواصف جؤذر وأما المتنبي فقاتل عسكر وهذا كلام حسن واقع في موقعه
فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير تفصيل
ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره فقيل له‏:‏ ولم ذاك فقال‏:‏
لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد جيد فيكون لي
حينئذ اثنا عشر ألف بيت وقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار لا له لأن باقلا الذي
يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت واحد جيد ومن الذي ينظم قصيدا
واحدا من الشعر ولا يسلم منه بيت واحد لكن كان الأولى ببشار أن قال‏:‏ لي اثنتا عشرة ألف
قصيدة ليس واحدة منهن إلا وجيدها أكثر من رديئها وليس في واحدة منهن ما يسقط فإنه لو
قال ذلك وكان محقا لاستحق التقدم على الشعراء ومع هذا فقد وصل إلي ما في أيدي الناس من
شعره مقصدا ومقطعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها لكن وجدت جيده قليلا بالنسبة إلى
رديئه وتندر له الأبيات اليسيرة‏.‏

بَحْرُ الرَّمَل
30-08-2008, 05:18 PM
المسخ
وأما المسخ فهو‏:‏ قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة‏.‏
والقسمة تقتضي أن يقرن إليه صده وهو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة‏.‏
فالأول كقول أبي تمام‏:‏
فتى لا يرى أن الفريصة مقتل ولكن يرى أن العيوب مقاتل
وقول أبي الطيب المتنبي‏:‏
يرى أن ما بان منك لضارب بأقتل مما بان منك لعائب
فهو وإن لم يشوه المعنى فقد شوه الصورة ومثاله في ذلك كمن أودع الوشي شملا وأعطى
الورد جعلا وهذا من أرذل السرقات وعلى نحو منه جاء قول عبد السلام بن رغبان‏:‏
نحن نعزيك ومنك الهدى مستخرج والصبر مستقبل
نقول بالعقل وأنت الذي نأوي إليه وبه نعقل
أخذه أبو الطيب فقلب أعلاه أسفله فقال‏:‏
إن يكن صبر ذي الرزية فضلا فكن الأفضل الأعز الأجلا
أنت يا فوق أن تعزى عن الأح - باب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عز - اك قال الذي له قلت قبلا
والبيت الأخير من هذه الأبيات هو الآخر قدرا وهو المخصوص بالمسخ‏.‏
وأما قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة فهذا لا يسمى سرقة بل يسمى إصلاحا وتهذيبا‏.‏
فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي‏:‏
لو كان ما تعطيهم من قبل أن تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
وقول ابن نباتة السعدي‏:‏
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة والصولجان فقال من جملتها‏:‏
جن على جن وإن كانوا بشر كأنما خيطوا عليها بالإبر
ثم جاء المتنبي فقال‏:‏
وبين القولين كما بين السماء والأرض فإنه يقال‏:‏ ليس للأرض إلى السماء نسبة محسوسة
وكذلك يقال ههنا أيضا فإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول والضعف فكذلك في قول
أبي الطيب من العلو والقوة‏.‏
وربما ظن بعض الجهال أن قول الشماخ‏:‏
إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين
وقول أبي نواس‏:‏
وإذا المطي بنا بلغن محمدا فظهورهن على الرجال حرام
من هذا القبيل الذي هو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة وليس كذلك فإن قلب
الصورة القبيحة إلى صورة حسنة هو أن يؤخذ المعنى الواحد فيكسى عبارتين إحداهما قبيحة
والأخرى حسنة فالحسن والقبح إنما يرجع إلى التعبير لا إلى المعنى نفسه وقول أبي نواس هو
عكس قول الشماخ وقد تقدم مثل ذلك فيما مضى من ضروب السرقات ألا ترى إلى قول أبي
الطيب المتنبي وقول الشريف الرضي فقال أبو الطيب‏:‏
إني على شغفي بما في خمرها لأعف عما في سراويلاتها
وقول الشريف الرضي‏:‏
فالمعنى واحد والعبارة مختلفة في الحسن والقبح‏.‏
وهذه السرقات وهي ستة عشر نوعا لا يكاد يخرج عنها شيء وإذا أنصف الناظر في الذي
أتيت به ههنا علم أني قد ذكرت ما لم يذكره غيري وأنا أسأل الله التوفيق لأن أكون لفضله
شكورا وألا أكون مختالا فخورا‏.‏