المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ذو الرمة: حياته وشعره وتحليل فني لقصيدة من ديوانه



أبو غسق
02-09-2008, 01:14 PM
السلام عليكم ولاحمة الله وبركاته
أعاد الله علينا شهر رمضان المبارك بالخير والبركة والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين، أما بعد؛
أقدم لكم إخواني مقتطفات من بحث متواضع أعدّه أحد الباحثين في مركز الدراسات والابحاث في فلسطين التابع لجامعة هايدلبرغ الالمانية قام بإعداد الباحث "جورج أنطون أبو الدنين".






مركز الدراسات والأبحاث – فلسطين

ذو الرمة
(حياته وشعره)

إعداد وتقديم:
جورج أبو الدنين

آذار 2008






* حياته
* شخصيته
* ثقافته
* شعره
* قصته مع ميّ
* آثاره الشعرية
* مكانته بين الشعراء
* أقوال أهل الأدب فيه
* وفاته
- حياته

هو غيلان بن عقبة من بني عدي بن عبد مَناة، لُقب بذي الرمة لقوله في بعض شعره يصف الوتد: "أشعث باقي رمّة التقليد" . والرمة: القطعة البالية من الحبل ، وأضيفت إلى التقليد لان الوتد يتقلد بها. وقيل لقّب بذي الرُّمة لأنه كان – وهو غلام- يتفزّع، فأتت به أمه مقرئ قبيلته، فكتب له معاذة في جلد غليظ، وعلّقتها أمه على يساره برمّة من حبل فسمّي ذا الرُمة، ويذكر صاحب الخزانة أن أمه فعلت ذلك لأنها خشيت عليه من الحسد ، وقيل إن مية التي شغفت قلبه حبّا هي التي لقبته بذلك حين ألم بخبائها وطلب منها أن تسقيه ماء، وكان على كتفه رُمة، فلما أتته بالماء، وكانت لا تعرفه، قالت له: اشرب يا ذا الرُمة .

وُلد ذو الرمة بصحراء الدهناء بالقرب من بادية اليمامة، لأم من بني أسد تسمى ظبية، وكان له ثلاثة إخوة كلهم شعراء؛ هم مسعود وأوفى وهشام، وفي بعض الروايات أن أوفى ابن عمه، أما أخوه الثالث فاسمه جرفاس .

وقد ولد شاعرنا حوالي العام 77 للهجرة، وتعلم القراءة والكتابة، وإن الأخبار حول نشأته قليلة جدا*، ومن أخباره انه كان عالما بالكتابة، ويدل على هذا ما ورد في كتاب الأغاني قوله "أن عيسى بن عمر نقل أن ذا الرمة قال له: "ارفع هذا الحرف"، فقال له: "أتكتب؟"، فقال بيده على فيه: "اكتم عليّ فإنه عندنا عيب!" .

وتدل أخباره رغم قلتها على انه كان ينزل الكوفة والبصرة، ويطيل النزول فيهما، منذ القرن الثاني للهجرة مادحا رجالاتها، فبدأ بهلال بن أحوز المازني عام 102 هـ، واتصل بعبد الملك بن بشر بن مروان، وبعده عمر بن هبيرة الفزاري، وخالد القسري وأبان بن الوليد، ومالك بن المنذر، وبلال بن أبي بُردة الأشعري، وانتقل بعدها إلى دمشق مادحا هشام عبد الملك، وبعدها إلى مكة ليمدح إبراهيم بن هشام المخزومي ، ومن مدائحه قوله في بلال بن أبي بُردة :
بـلال ابـن خيـر الناس إلا نبوّة إذا نُشـرت بين الجميع المـآثـرُ
نَمـاكَ أبو موسى إلى الخير وابنه أبـوك وقيـسٌ قبلَ ذاك وعامـرُ
أسـودٌ إذا ما أبدت الحربُ ساقها وفي سائر الدهر والغيوثُ المواطرُ

- شخصيته

من خلال النظر في شعر ذي الرمة ودراسته، نجد أن شاعرنا هذا متميز بالذكاء الشديد، والقدرة على الرد والتصرف في مختلف المواقف، كما كان محبّا ورقيق العاطفة، وكان ذا ورع ودين، وتميز بالحساسية تجاه الموضوعات العاطفية من حيث محبوبته مي وعلاقته بالصحراء والحيوانات.

وقد وصف نفسه في كثير من المواضع أما متفاخرا أو في مواضع الحرب أو المديح، فهو ذلك الشجاع، الحكيم، الورع التقيّ، والذي يدافع عن الحق، وتحدث عن مغامراته في الصحراء، وتحديه للمخاطر والموت، وهي الصفات التي نراها في جميع دواوين الشعراء.

وقد كان صاحبنا هذا شابا ورعاً، متديناً، فكان إذا فرغ من إنشاد شعره قال: "والله لأكسفنك بشيء ليس في حسبانك: سبحان الله والحمد لله، ولا اله إلا الله والله اكبر" . وقد كان آخذا بمذهب أهل العراق في شرب النبيذ بإباحة شربه حيث كان يتردد إلى الكوفة والبصرة كثيرا، وهما لا تخلوان من الأماكن المخصصة لمثل هذا الشرب .




- ثقافته

كأي رجل عاش في البادية، وفي مختلف المناطق متنقلا بين مكة ودمشق والعراق، وقضى وقتا في التعلم، فإنه جميع بين مختلف الثقافات التي كسبها من ثقافات عصره، وقد غلبت عليها بكل تأكيد الثقافة الدينية، إضافة إلى ما يعرفه من علوم الحرب والحيوان من خبرته وحياته في البادية، فكان ثقافته تلك الثقافة البدائية التي يملكها كل من عاش تلك الحياة البسيطة عدا تميزه عن غيره بالكتابة والقراءة في مجتمع لا يكتب أصحابه ولا يقرؤون، وقد ذكر الأصفهاني في الأغاني أن أم ذي الرمة طلبت إلى المقرئ أن يعلمه القران وأطرافا من ثقافات دينية وعلمية متنوعة ولكنه رغم ذلك، أنكر ما له من العلم مراعاة للمجتمع الذي يعيش فيه، ولتقاليده في ذلك الزمان .

ومما روي من أخباره في هذا الموضع أن حمادا الراوية قرأ عليه شعره، فرآه ذو الرمة ترك في الخط لاما، فقال له حمادا: انك لتكتب؟ فقال: اكتم عليّ..."
وقد تعلم ذو الرمة الشعر وقوافيه وأصوله على أيدي الشعراء الجاهليين الفحول، من أمثال امرئ القيس، ولبيد بن أبي ربيعة، والمرقش، وغيرهم كثيرون، فهو راوية للراعي ومستمعا للعجاج وغيرهما من معاصريه، فكان بارعاً في رواية الشعر وحفظه، واثبات نسبه إلى صاحبه، وكان عالما بكلام أهل الجاهلية وكلام أهل الإسلام، فلا يخفى عليه أي الاثنين .

- شعره

قد كان في كثير من شعره إسلامي النزعة والعنصر، فهو يمدح بالتقوى ويهجو بالضلال، ودائما يذكر في رحلاته الصحراوية التيمم والقصر في الصلاة وتلاوة آيِ الذكر الحكيم، ويظهر انه كان كثير الاختلاف إلى مجالس الوعّاظ والمتكلمين في عصره، حتى لنراه يعتنق مذهب القدرية في العدل على الله جل جلاله وفي حرية الإرادة، ويناقش رؤبة في ذلك ويعلو عليه في نقاشه، ومما صدر فيه عن مذهبه قوله في الغزل :

وعينـان قـال الله كونـا فكانتـا فعولانِ بالألباب مـا تفعل الخَمرُ
فما زلتُ أدعو الله في الدار طامعا بخفض النوى حتى تضمنّها الخِدرُ

وقد قيل إنه لا يمدح أشخاصاً (البتة) فإذا جاء عند خليفة - مثلاً - وابتدأ بمدحه لا يستمر في ذلك، بل يقول بضعة أبيات ثم يعود للطبيعة والحب والصحراء والإبل (فيشبعها) شعراً ووصفاً وغزلاً ومدحاً.

يجمع معاصرو ذي الرمة على انه كان حادّ الذكاء وانه كان كنزا من كنوز الفطنة وذخائرها الدقيقة، كما كان كنزا من كنوز العلم بالشعر القديم واللغة، وقد تخلف عن معاصريه في الهجاء والمديح، مثل الفرزدق وجرير، ولكن الطبيعة كانت نصرة له، فقد أحبها حبا جماً، وأخذت عليه لبّه، وقد وجد عشقه الحقيقي في الصحراء، فينقل مناظرها إلى شعره في لوحات رائعة، ومن ذلك انه في قصيدة له يصف الصحراء في مشاهد ثلاثة في نحو مائة بيت، ففي المشهد الأول أتن الوحش وحمارها، وهو يقودها في يوم حار إلى ماء بعيد، تصل إليه، وتهوى عليه تريد أن تشفي غلتها، فيتعرض لها صائد مختف وراء الأشجار بسهامه، فتفر على وجهها، وتطيش سهامه، ودائما تطيش هذه السهام في شعر ذي الرمة حبّا للحيوان.

أما المشهد الثاني فهو مشهد ثور الوحش في كناسه مكتنا من المطر، وقد ترامت حوله حنادس الليل ووساوسه، وتنفلت أضواء الصباح فيخرج من كناسه للرعي، وإذا بصائد قد أرسل عليه كلابه، فيمزقها إربا، وينكشف عنه همه وروعه.

والمشهد الثالث مشهد الظليم وصاحبته يرعيان بعيدا عن أفراخهما، ويكفهرّ الجو، فيسرعان إليها خيفة ان يسقط عليها برد السماء أو بعض السباع، وإن ذا الرمة في مشاهده الثلاثة يشبه الرسامين الذين يحشدون في لوحاتهم جميع الجزئيات والتفاصيل؛ فهو يجسّم صورة الحيوان وصورة الصحراء من حوله برمالها ومفازاتها وأعشابها ونباتاتها وغُدرانها، وهو إلى ذلك يبث في الحيوان مشاعر الإنسان وما يعتريه من وسواس وهواجس.

نلاحظ إذن انه كان يحمّل الحيوان مشاعر الإنسان، ومن أروع ما قاله في هذا النحو وصفه لظبية وتصويره حبها لابنها وكيف تخشى عليه السباع، فهي تبعد عنه حتى لا تدلها عليه، وعينيها مشدودة إليه، وقد امتلأ قلبها بالحنان والحب والشفقة، كقوله :

إذا استودعتهُ صفصفا أو صريمة تنحت ونصـت جيدها بالمناظرِ
حذارا على وَسنان يصرعه الكرى بكل مقيل عـن ضعاف فواترِ

وبجانب هذه الخاصية في وصف الطبيعة الحية نجد خاصة أخرى في وصف الطبيعة الصامتة، إذ ملأها بالحياة والحركة، وقد استعان بمناظر متحركة لتحقيق هذا، فاستعان بالسراب نهارا، فإذا بذرى الجبال تتحرك كأنها خيل طالعة أو إبل تهدى للنحر عند البيت الحرام، أو لعلها سفن تجري في الفرات، وإذا جاء الليل فإنه يرى في النجوم صورة بقر الوحش والظباء، ومن تلك الخاصية قوله :

كـأنّ بلادهـن سمـاء ليلٍ تكشّف عـن كـواكبها الغيومُ
كأنّ أدمانها والشمس جانحةٌ وَدْعٌ بأرجائها فـضّ ومنظومُ

وله الكثير من الشعر في الطبيعة، فوصف الحرباء والحنادس، وأصوات الحيوانات، وخرج بتفسيرات وتجسيمات جميلة وفريدة، وقد غلب على معظم صوره عنصر المفاجأة، إذ يفاجئ الصياد الفريسة أو الضبع طريدته، وهكذا.


- قصّته مع مي

ان قصته مع محبوبته ميّ لا تنفصل عن شعره بشكل عام، لكنني اخصص لها هنا عنوانا منفصلا لأنها الموضوع والمرحلة الأبرز في حياة الشاعر، وفي الصحراء كان لقاؤه القدري مع الفتاة التي ظل يحبها ويتشبب بها ويتطلع إلى لقائها العمر كله.

كان ذو الرمة بدويا، وكانت مي، أو مية كما يناديها أحيانا، بدوية أيضا، وقد خرج ثلاثة شبان: ذو الرمة وشقيق له وابن عمه، خرجوا يضربون في الفلاة بحثا عن إبل ضلت من قبيلتهم، فتوغلوا في المناطق الجنوبية من اليمامة، حتى وصلوا إلى الدهناء حيث كانت تنزل عشيرة منقر.

وهناك شعر الشبان الثلاثة بالعطش، فأرسلوا أصغرهم وهو ذا الرمة إلى الخيام القريبة ليطلب السقيا .اقترب ذو الرمة من الخيام، فرأى فتاة مليحة تنحني فوق ثوب تنسجه، وسمعها تنشد أبياتا من الزجل، فتوقف البدوي الأسمر يتأمل البدوية الحسناء ذاهلاً، لكنها
أحست به، فرفعت إليه عينيها متسائلة.

قدمت مي الماء إلى البدوي الشاب وهي تقول ساخرة : " اشرب يا ذا الرمة " لأنها لمحت المعاذة التي علقتها أمه في عنقه بحبل صار باليا.

كان ذو الرمة مثل كل شاب في سنه يتطلع إلى الحب ويبحث عنه في عيون من التقى بهن من النساء، ولكنه عندما رأى مية أدرك أنه عثر على ضالته أخيرا، وراح ينشد الأشعار تشبيها بها، ويسعى إلى لقائها ليروي أشواقه فيزيد من اضطرام نار عواطفه.

إن موضوع الحب ليس سراً، فالشاعر يعلن حبه على الملأ ويبكي على مي حبيبته، فيبكي معه من يسمعه ويظلون يبكون ويذرفون الدموع ويتنهدون حزنا على ذلك الشاعر الذي يعاني من الحرمان ومن اليأس، ويتمنى الموت إذا كان سيسبقه لقاء مي واستعادة وصالها .

إن العاشق الولهان لم يكتفي بترديد الشعر حول حبيبته بل ظل يحوم حول ديارها، ومعه أصحابه، على أمل أن يلتقي بها ويستعيد ذلك الحوار العذب الذي يشتاق إليه معها.

ويروي أحد أصحابه قصة واحدة من تلك المحاولات عندما أتى إليه راغبا في استعارة واحدة من إبله، لا يتعرف على آثارها أحد من أهل مية ويركبان معا ناقة تسمى الجؤذر، حتى يقتربان من منزل مي فيتمهلان، ويراهما النساء فيخبرن مي بقدوم حبيبها، وتسعى إحداهن إلى عقد مجلس في بيتها ليجتمعوا به كلهم، وتطلب إلى الشاعر أن ينشدهن بعض أشعاره عن مي فيطلب من صاحبه أن ينشدهن إحدى قصائده :

نظرت إلى أظعـان مـي كأنها ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسبلـت العينان والصـدر كاتم بمغرورق نمت عـليـه سواكبه
بكى وامق حان الفراق ولم تجل جـوائلها أسـراره ومعـاتبـه

ويتكرر اللقاء، ومع تطور العلاقة يفكر ذو الرمة في خطبة مي لنفسه فيصارح أخاه هشام بذلك. ولكن الأخ الأكبر لم يتحمس كثيراً لفكرة الزواج ممن هي أرقى في السلم الاجتماعي. وكان للزواج مراسم ونفقات باهظة لا يقدر عليها فتى يتيم مثل ذو الرمة .

وأصبح على الفتى العاشق أن يغترب بحثا عن المال، فلا حل أمامه سوى الارتحال إلى العراق ومدح الأمراء والحكام، كما كان كل الشعراء في عصره يفعلون،
ليحصل على بعض المال.

طالت غيبة ذي الرمة عن مي، وعن البادية ولم تكن في ذلك الوقت وسائل اتصال كالبريد والهاتف تبرد نار العاشقة أو تمنحها القوة والصبر وتجعلها تصر على الانتظار، مهما طال . والأهل لا يصبرون كثيرا على بناتهم، خصوصا إذا ما تقدم واحد من أبناء العم لخطبتها. فيعود ذو الرمة بعد غيبة باحثا عن حبه القديم، ناشدا الوصل، ولكنه يجد أن ميًّا قد تزوجت من ابن عمها وقد رحلت عن البادية معه بعيدا عن المكان الذي عهده ذو الرمة.

تختفي عن ناظره، لكنها لا تبرح خياله لحظة ، حتى بعد أن يلتقي بامرأة أخرى تشغله بعض الشيء. وتقول الحكايات أن ذي الرمة صدم وحزن وهام على وجهه طويلا إلى أن التقى بامرأة أخرى تدعى "خرقاء ". وفي غمرة من غمرات اليأس والحرمان والإحساس بالضياع خيل إليه أنها هي التي تسليه عن مية، وتنسيه غرامها وتعوضه عن حبه الضائع.

فالشاعر الذي مازال مفتونا بحبيبته البدوية، يتوصل أخيراً إلى عنوانها الجديد .ثم يتحين ليلة حالكة الظلام لكي ينزل ضيفا على زوجها، يفعل ذلك وهو متنكر. على أن غفلة الزوج لم تستمر طويلاً، فسرعان ما أدرك الحيلة الماكرة، وفطن إلى أن الضيف المتنكر ما هو إلا ذو الرمة، عاشق مية قبل زواجها منه، وشاعرها الذي تتناقل الأفواه قصائد تشببه بها في كل أرجاء البادية .فأسرع الزوج بطرد الشاعر العاشق من بيته، ملقياً حاجياته وراءه، تاركاً إياه في العراء. ولم يجد ذو الرمة وسيلة ليخفف بها على نفسه ما حدث سوى أن يتوقف أمام البيت، ويغني مردداً بيت شعر كان قد قاله في مي من قبل :

أراجعة يا مي أيامنا الألى بذي الأثل أم لا ما لهن رجوع

وسمع الزوج ذلك الغناء فثارت ثائرته وتساءل في غضب عن معنى الكلام، وما الذي يعنيه ذو الرمة بقوله " أيامنا الألى بذي الأثل "، وصرخ في زوجته مي، وطالبها بأن تقوم فتطرد ذا الرمة وتبعده عن المكان وإلا ضربها بالسيف. ففعلت مي ما أراد زوجها، فغضب ذو الرمة، ونهض إلى راحلته فركبها وانصرف، وقد ألى على نفسه أن يقطع صلته بمي تماماً، وأن يفعل ما بوسعه لكي ينساها. وظل يسير على غير هدى حتى وصل إلى مكان ينزل به أهل خرقاء وتعرف إليها، وأعجبه فقال فيها الشعر.

وقد تميز شعره في صاحبته مي بكثرة البكاء، فحبه عفيف كله أنين وزفرات ودموع وحنين بالغ، فيكثر من وصف دموعه التي لا تطفئ نيران الحب المندلعة في قلبه، وقد نظم يتعزى عنها بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، ومن ذلك قوله فيها :

وقفت عـلى ربع لميّة ناقتي فما زلت أبكي عندهُ وأخاطبُه
وأسقيه حتـى كـاد ممـا أبثّه تكلمني أحجارهُ ومـلاعبـُه

وكذلك قوله :
أجل عبرةً كادت لعرفان منزلٍ لميّة لـو لـم تسهل الماء تَذبَحُ

- آثاره الشعرية

ترك لنا ذو الرمة ديوان شعر، وقد تمت طباعته عدة مرات، سنفصلها في الفصل الثاني، وكانت موضوعاتها متنوعة ومتفاوتة من حيث الخصائص الموضوعية والفنية أحيانا.

- مكانته بين الشعراء

لو أردنا الخوض في مكانته بين الشعراء يكفينا ذلك الخبر الذي ورد في الأغاني: " ويقال إنه كان ينشد شعره في سوق الإبل، فجاء الفرزدق فوقف عليه، فقال له ذو الرمة: «كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس»، فقال: «ما أحسن ما تقول»، قال: «فما لي لا أذكر مع الفحول»، قال: «قصر بك عن غايتهم بكاؤك في الدمن وصفتك للأبعار والعطن» .

إذن فإن ذا الرمة لا يقصر عن باقي شعراء عصره إلا انه قد ركز في شعره على وصف الصحراء والأطلال، وكان هذا على حساب الأغراض الأخرى، مما جعله قليل التنويع، وشهادة شاعر كالفرزدق تفي بالغرض.

وقد صنّفه ابن سلام الجمحي في طبقاته ضمن الطبقة الثانية في الشعراء الإسلاميين وترتيبه الرابع في هذه الطبقة، ويدل هذا الترتيب على فحولته، ولكن رغم ذلك قد لا يكون التصنيف منصفا للشاعر، ولكن الأهم من هذا اعتباره فحلا من قبل ناقد من اكبر وأفضل نقاد العصر القديم.

- أقوال أهل الأدب فيه

كثرت الأقوال والآراء والأحكام التي أطلقها أدباء ونقد الأدب حول ذي الرمة، وفي ذلك دليل على مكانة ذي الرمة، ومنها قول أبو عمرو بن العلاء: «ختم الشعر بذي الرمة والرجز برؤبة بن العجاج» قول جرير: «لو خرس ذو الرمة بعد قوله قصيدته التي أولها - ما بال عينك منها الماء ينسكب- لكان أشعر الناس» وقول أبو عمرو: «شعر ذي الرمة نقط عروس يضمحل عن قليل وأبعار ظباء لها شم في أول رائحة ثم يعود إلى البعر» .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد قال عنه أبو عبيدة: "ذو الرمة يخبر فيحسن الخبر، ثم يرد على نفسه الحجة من صاحبه فيحسن الرد، ثم يعتذر فيحسن التخلص، ومع حسن إنصاف وعفاف في الحكم" .

- وفاته

توفي ذو الرمة عام 117 هـ، وهو في حدود الأربعين من عمره، ودفن بالدو على مسيرة ثلاث ليال قبل مدخل الدهناء، وقيل إن قبره بأطراف عناق من وسط الدهناء مقابل الاواعس، وهي أجبل شوارع يقابلن صريمة النعام وهذا الموضع لبني سعد .

كأي شاعر فقد تضاربت حول وفاته الآراء، فمنها كان ان موته سببه نفور ناقته منه، وقد طفق يتابعها إلى ان مات، وآخرون قالوا انه توفي بسبب الحجر في اليمامة، أو بالجدري، وكلها آراء تتضارب بين باحث وآخر، ولكن إذا ما عدنا إلى شعره وجدناه يشكو المرض، ولكن لا ندري ان كان هذا المرض هو الذي أماته أم لا، ولكنه وصف عجزه التام عن الحركة مما يوحي بأنه كان في آخر أيام، والله اعلم :

أتتني كلاب الحيّ حتى عرفنني ومدت نسوج العنكبوت على رحلي

ويروي بعض من أرخوا له انه قال فبل وفاته: "لا تدفنوني في الوهاد والغموض، وطلب ان يدفنوه في حزوى، وهي كثبان مرتفعة بالدهناء .











ديوانه من حيث:
طبعاته
قصائده
موضوعاته
المؤثرات العامة في شعره
السمات الفنية لشعره



* ديوانه

ان لكل شاعر، مهما كان العصر الذي يعيش فيه، شعر يُروى عنه، ويُحفظ له في عقول وقلوب الناس ومؤلفات الكُتاب ومعاجم المترجمين، زد على ذلك انه كان للشعراء قديما رواة يرافقونهم ويروون أشعارهم، وينقلون الشعر بين الناس ليبقى محفوظا في الصدور، ولكن حين تطورت الثقافة العربية وزادت حركة التدوين والتأليف بدأ الحافظون لتلك الأشعار يدونونها على شكل دواوين لأصحابها، خاصة للشعراء الجاهليين، وان الأمر ذاته قد كان بالنسبة لشاعرنا ذي الرمة.

لقد حفظ الناس ما حفظوا من شعره، وما سمعوه من رواة الشعر والأخبار، وما سمعوه من غناء القيان، وخاصة ما يتعلق بالحب الوصف، وبقي محفوظا إلى ان تم تدوينه في مخطوطات وتوالت بعد ذلك محاولات التدوين والتنسيق والتهذيب لهذا الديوان وطبعاته، إلى يومنا هذا.

- طبعاته

إن لذي الرمة ديوان مطبوع، يحوي قصائده التي تم حفظها عبر الزمن، وقد تمت طباعة ديوانه أكثر من مرة وبعدة تحقيقات، وقد تمكنت من رصد تلك الطبعات:

1. ديوان شعر ذي الرمة طبعة أوروبا، على نفقة كلية كمبريدج، عُني بتصحيحه وتنقيحه كارليل هنري هيس مكارتني 1337هـ، مجلد ضخم 700 صفحة.
2- ديوان ذي الرمة، المكتبة الأهلية بيروت 1352هـ.
2. شرح بائية ذي الرمة للصنوبري تحقيق د. محمود حلاوي - مؤسسة الرسالة بيروت 1406هـ.
3. ديوان ذي الرمة - غيلان بن عقبة - حققه الأستاذ د. عبد القدوس أبو صالح في 3 مجلدات ضخمة، طبع عام 1392هـ، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، وقد بذل المحقق جهوداً كبيرة في الحصول على طبعات الديوان ومخطوطاته التي بلغت 40 مخطوطاً، أحدها لم يحصل عليه من روسيا إلا بعد أن زودهم بمخطوط طلبوه .
4. ديوان ذي الرمة، تحقيق أحمد بسج، عام 1995م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
5. ديوان ذي الرمة (بشير يموت)، عام 1934م، بيروت، المكتبة الأهلية.
6. الشوامخ (محمد صبري)، الجزء الثالث، ذو الرمة، عام 1946م، القاهرة.

- قصائد الديوان

أ. عددها وحروف الروي فيها:

لاحظت من خلال البحث في قصائد الديوان انه يتكون من 222 قصيدة ومقطوعة، موزعة على حروف الروي التالية: الهمزة، والباء، والتاء، والجيم، والحاء، والدال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والعين، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والميم وهو أكثرها مع الراء، والنون، والواو، والياء.

وان هذا لقدر لا بأس به من النتاج الشعري، ونلمح من خلاله ان الشاعر كان مرهف الإحساس، يتأثر بكل ما حوله، فينظم فيه مباشرة، ويدل على ذلك كثرة المقطوعات التي كان يقولها – في اغلب ظني- ارتجالا بحسب الموقف الذي اثر فيه وثارت خلجات فؤاده له.

ب. أغراضها:

يلمح المتفحص والباحث في ديوان ذي الرمة ان معظم القصائد والمقطوعات تدور حول وصف الصحراء بكل ما فيها من مشاهد وأحداث، ويصورها بطريقته الخاصة، من حيث خلع العاطفة الإنسانية عليها، وتحريك الصوامت.

كما تدور نسبة كبيرة من قصائده حول الغزل، وبالأخص حول الحديث عن المحبوبة ميّ، فينظم في شوقه وألمه، ووصف جمالها ومفاتنها، وتصوير معاناته ومكابدته، ورحلة محبوبته، وما يلاقيه ويعانيه في حبها، كما يتحدث بشكل مسهب وكبير عن دموعه وبكائه.

وللتأكيد على ما توصلت إليه من خلال دراستي لديوان ذي الرُمة، ما قاله حنا الفاخوري: "...ولهُ ديوانُ شعرٍ ينقسم قسمين كبيرين، شعر الغزل وشعر الصحراء، أما الأول فأناشيد حُبٍّ وَوَلهٍ وجّهَها إلى ميّةَ معبّراً عن خوالج نفسه، وأما الثاني فلوحاتٌ صحراويةٌ تتجلى فيها حياة البادية في روعة فريدة" . ولم يزد حنا الفاخوري على ذلك كلمة واحدة في حديثه عن الديوان، وان الأمر واضح متفق عليه من قبل الدارسين والباحثين في شعره.

وقد برز غَرَضَا الهجاء والمديح في شعره كذلك، أما الهجاء فقد كان يبدأ به وما إن يمر بعدة أبيات حتى يتحول إلى الصحراء ووصف الطبيعة المحيطة، والحديث عن المحبوبة مي، وكذلك الأمر بالنسبة للمديح، وله قصائد قليلة فيهما، وعادة ما جاء هذان الغرضان في داخل القصيدة الغزلية أو الطبيعية كجزء منها ونادرا ما يكونان في قصيدة منفردة إلا في المقطعات التي تتكون من بيت أو نيّف من الأبيات.

ان هذا الاهتمام بالغزل والوصف للطبيعة من قبل ذي الرمة سيدفعنا إلى حديث طويل عن شعره وأدبه في الفصل الثالث وسنفصل فيهما القول.

ويرى الدارس والباحث في ديوان ذي الرمة انه يفتخر في أحيان قليلة، اقل من الهجاء والمديح أيضا، وليس فيه سوى خمس قصائد من بينها ثلاث يختلط فيها الفخر بالهجاء، أي انه ليس في ديوانه سوى قصيدتين يقف الفخر فيهما وحده إلى جانب الموضوعين التقليديين الثابتين في كل شعر ذي الرمة وهما الحب والصحراء، بل ان الأخيرة منهما لا يشغل الفخر منها سوى الأبيات الأربعة الأخيرة، وهي التي تتألف من واحد وخمسين بيتا .

أما القصيدة الأخرى، وتتكون من تسعة وسبعين بيتا، يحتل الفخر حيزا كبيرا منها، يبدأ من منتصفها، ويدور فخره في الدائرة القبلية ومن ذلك قوله مفتخرا :

إذا نحن قايسنا أنـاساً إلـى العلا وان كـرمـوا لم يستطعنا المقايِسُ
نَغَارُ إذا ما الروع أبدى على البُرى ونقرى سديف الشحم والماءُ جامسُ
ونلاحظ كذلك بروز الأحاجي والألغاز في بعض قصائد ذي الرمة، وهي لا تحتل سوى جزءا ضئيلا من قصائده، إلا انها طريفة، فنراه مشغولا بنظم طائفة من الألغاز يحاول التعمية فيها، فتحتاج لفهمها إلى شيء قليل أو كثير من الفطنة والذكاء، وقد كان هذا اللون مألوفا في البادية بقصد التسلية والسمر وشغل أوقات الفراغ في مجتمع تكثر فيه أوقات الفراغ.

ان في ديوان ذي الرمة قصيدتان طويلتان ومقطوعتان قصيرتان تدور حول هذا اللون من الشعر، وفي قصيدتين أخريين طائفة أخرى من هذه الأحاجي والألغاز، فمنها ما قاله كلغز في الثور الوحشي، أو السف، أو غيرها من الموضوعات .

ج. عدد أبياتها:

يمكن ان أقسم عدد الأبيات في قصائد ديوان ذي الرمة إلى مجموعتين، المجموعة الأولى تضم المقطعات الصغيرة، أو الأبيات المفردة، وكذلك القصائد القصيرة والمتوسطة، فنجد مثلا بيتا واحدا أو اثنين أو ثلاثة، ويتكرر هذا في ما يقارب المائة مقطوعة، أي ما يقارب النصف، أما القصائد القصيرة والمتوسطة، أي التي يبلغ عدد أبياتها بين 3 و20 بيتا فإنها قليلة جدا، ويمكن لنا ان نعزي هذا إلى عدد من الأسباب أهمها ان الشعر الذي نطق به الشاعر وليد الحس المرهف والعاطفة الصادقة فقد قال هذا الشعر في مواقف آنية استجابة منه لخلجات فؤاده، فكان ينظم الشعر ارتجالا فيأتي بالمقطعات أو القصائد القصيرة.

ان هذا الأمر ليس بالعجيب على شاعر مثل ذي الرُمة، بل انه ليس بالعجيب بالنسبة لشعرائنا القدماء، فقد برز الكثيرون على هذا المنوال منذ العصر الجاهلي إلى العصر العباسي وربما الأندلسي، ومنهم المتنبي وأبو تمام وجرير وبشار بن برد وكذلك ذي الرمة.

أما القصائد الطويلة التي تزيد عن هذا العدد من الأبيات فإنها تتكرر بكمية لا بأس بها، فهناك قصائد تصل إلى خمسين بيتا، ومنها ما يصل إلى سبعين، وان أطول قصائده يصل إلى 131 بيتا من الشعر وهو في حرف رويّ الباء.

ان هذه القصائد جاءت متعددة الموضوعات والمحاور، وفي الوقت ذاته يمكننا القول بأن الشاعر قد قالها أحيانا في أكثر من مناسبة، وهذا أمر ممكن إلى حد ما، وفي الوقت ذاته – في رأيي- يمكن للشاعر ان يكون قد قالها ارتجالا ولكن في وقت طويل، أو انه قد عني بها ينقحها ويزيد عليها ويحذف منها، ان هذا الأمر يعود لطبيعة الموقف ورواية المترجمين والرواة، وكله وارد.

د. موسيقاها

تتنوع البحور التي اعتمد عليها ذو الرمة في نظمه لمقطعاته وقصائده، إلا ان أكثرها كان على البحور الطويلة، وفي مقدمتها البحر الطويل الذي شاع استخدامه في ذلك العصر، وقد برز في أكثر من نصف الديوان، يليه البحر البسيط التام، وبعده يأتي كل من الوافر والكامل بنسبة قليلة وكذلك الرجز، بينما لم يستخدم البحرين المتقارب والمنسرح سوى في قصيدتين، واستخدم مشطور السريع في قصيدة واحدة، والأمر ذاته ينطبق على البحر الخفيف.

ان قلة التنوع في بحور الديوان أمر طبيعي بالنسبة لشاعر في ذلك العصر، فإننا نلاحظ حين نتصفح دواوين الشعراء القدماء، وخاصة من يتناولون موضوعات الوصف والغزل، من أمثال ذي الرمة وكثير عزة، وكذلك الشعراء الكبار القدماء الذين يصفون الحروب والمديح أمثال المتنبي، أنهم يكثرون من استخدام البحور الطويلة، إذ انها تفسح لهم المجال ليفيضوا في التعبير عن المعنى المقصود، وهو اسلم وأسهل لقريحتهم من البحور القصير، خاصة لما يملكونه من مفردات جزلة قوية.








موضوعات الديوان:
1. شعر الحب:
كثر شعر الحب في ديوان ذي الرمة، فقد كان كثير الغزل، ومعظمه نظمه في حبيبته ميّة التي اشتهر بقصة حبه معها، وكان –تارة- من الشعراء العذريين الذين رأوا في المرأة مصدر السعادة والراحة النفسية، وتارة أخرى نجده شاعر الوصف الحسي الجسدي، الذي يصف مفاتن المرأة ويفصلها ولا يترك تركاً لها:

ومن حاجتي لـولا التنائي وربما فتحت الهوى من ليس بالمتقاربِ
بمطابيل بيض مـن ذؤابة عامر رقاق الثنايا مشرفـات الحقائبِ
يقظن الحمـى والـرمل مـربع ويشربـن ألبان الهجان النجائبِ

وقد سار ذو الرمة على طريق القدماء الجاهليين في بناء القصيدة الغزلية، من حيث جزالة الألفاظ، وطبيعة الصور الشعرية، والمشاهد التي يرسمها في تلك القصائد .

لم تكن مية هي الوحيدة في حياة شاعرنا، فقد دقّ فؤاده لأكثر من امرأة في حياته، والجدير بالذكر أن حبه لم يتكلل بالزواج من أي منهن، فقد أحب أم سالم، وبنت الفضاض، ولكن الحب الأسمى كان حب مية التي أحبها عشرين عاما، جعلت هذه السنون من حياته حزنا ويأسا وأسى، وانعكس كل هذا على شعره، ويدل على ذلك قوله :

بدا اليأس من مي علـى أن نفسه طـويـل علـى آثار مي نحيبها

فالشاعر يائس ولا شيء يلهيه عن ذكرى المحبوبة التي أخذت نصيبا ليس بقليل من هناء عمره، فالدموع تنهمر من عيناه كما تتفجر الينابيع إلى اجل طويل، واسم مية يتردد على لسانه كما يردد الطفل اسم أمه، وهو في حبه لها لا يخجل ولا يخاف من مخيف أبدا، فيردد اسمها على العلن، ويعلن حبه للملأ، كيف لا وهذا الحب يسكن بين الرئتين، ويحفر في العظام، بل يخرج مع زفراته في كل لحظة، وان هذا العذاب لصخرة على صدره لا درءَ لها.

2. شعر الصحراء:

سبق الحديث عن شعر الصحراء في موضع سابق، وعرفنا أن الشاعر قد قدم لنا صورا ومشاهدا غاية في الروعة، نقل مناظرها إلى شعره في لوحات رائعة، وكان يحمّل الحيوان مشاعر الإنسان، ومن أروع ما قاله في هذا النحو :

إذا استودعتهُ صفصفا أو صريمة تنحت ونصـت جيدها بالمناظرِ
حذارا على وَسنان يصرعه الكرى بكل مقيل عـن ضعاف فواترِ

أما الأمر الذي لم نتطرق إليه، وهنا موطنه وموضعه الأنسب، أن شاعرنا ذا الرمة كان يخاف ظلام الصحراء، ونلمس هذا في بطون قصائده، من ذلك ألفاظ دالة عليه تتردد، كقوله "الليل الأسود، والصحراء المرعبة، والسراب الرابض، وغيرها.

لو أردنا أن نستكشف السبب الكامن وراء تلك الجمل في شعره لكشفنا انه قالها خوفا من الليل، ونتيجة الشعور بعدم وجود الأمان، وقد صدر عنه ذلك الكلام أما شعوريا أو لاشعوريا، ومن ذلك قوله :

وتيها تودي بين أرجائها الصّبا عليهـا مـن الظلماء جُلٌّ وخندقُ

3. شعر المديح:

لم يخرج المديح عند شاعرنا عن حدود التقليد المتعارف عليه عند القدماء، فغالبا ما سبقته مقدمة في الغزل والصحراء، وكان مقتصرا على أناس محددين، ومن مدائحه ما طال كثيرا حتى بلغ المديح فيه خمسين بيتا سوى المقدمة والأغراض الأخرى في القصيدة ذاتها، ومن ذلك قصيدته التي يقول فيها :

إلى ابن العامري إلى بـلال قطعت بنعـف معقلـة العدالا
قروت بها الصريمة لا شخاتا غـداة رحيلهـن ولا حيـالا
بخائب مـن نتاج بنـي غرير طـوال السمك مفرعة نبـالا

4. شعر الهجاء:

شعر الهجاء قليل جدا عند ذي الرمة، فلا يتجاوز عشر قصائد، وأربع مقطوعات وأرجوزة قصيرة، وكان في هجائه يبدأ بمقدمة طللية، وفي حديث عن الأطلال، والغزل، والحب، والأطلال، ووصف الرحلة، والصحراء، وبعدها ينتقل إلى موضوع الهجاء، فلا يصيب الهجاء سوى نصيب المقلّ من هذه القصيدة، ومن ذلك قوله هاجيا امرئ القيس :

تسمّى امرؤ القيس ابن سعدا إذا اعتزت وتأبـى السبال الصهب والأنف الحُمـرُ
ولكنمـا أصـل امـرئ القيس معشـرٌ يـحـلّ لـهـم الخنـازيـرُ والخمـرُ
نِصابُ امـرئ القيس العبيدُ وأرضهـم مجـرّ المساحـي لا فـلاةٌ ولا مِصـرُ

ولا يتجاوز الهجاء في هذه القصيدة ستة عشرة بيتاً من الشعر، من أصل ستين بيتا، وكأن الهجاء موضوعاً ثانويا لا غاية مقصودة من هذا النظم الذي أمامنا.

5. شعر الفخر:

ورد الفخر في شعره كموضوع طارئ يستدعيه الموقف في أكثر كم قصيدة، فكانت القصيدة تحتوي على فخره بنفسه، من نواحي متعددة، كما كان يفخر بأصله، ولا تزيد عن خمس قصائد بشكل عام، ومن ذلك قوله يفخر بقبيلته :

أنا ابن النبيين الكرام ومن دعا أبا غيرهم لا بد أن سوف يُقهرُ
ألم تعلموا أني سموتُ لمن دعا له الشيخ إبراهيم والشيخُ يذكرُ



6. شعر الأحاجي والألغاز:

الأحاجي والألغاز في بعض قصائد ذي الرمة، وهي لا تحتل سوى جزءا ضئيلا من قصائده، إلا انها طريفة، فنراه مشغولا بنظم طائفة من الألغاز يحاول التعمية فيها، فتحتاج لفهمها إلى شيء قليل أو كثير من الفطنة والذكاء، وقد كان هذا اللون مألوفا في البادية بقصد التسلية والسمر وشغل أوقات الفراغ في مجتمع تكثر فيه أوقات الفراغ.

إن في ديوان ذي الرمة قصيدتان طويلتان ومقطوعتان قصيرتان تدور حول هذا اللون من الشعر، وفي قصيدتين أخريين طائفة أخرى من هذه الأحاجي والألغاز، فمنها ما قاله كلغز في الثور الوحشي، أو السف، أو غيرها من الموضوعات .

ومن هذا الشعر، كنموذج تمثيلي، ما قاله مريدا به الرعد في الأول والثاني أراد به ثغر المرأة :

وداعٍ دعانـي للندى وزجـاجـة تحسّيتها لـم تقـن مـاء ولا خمرا


المؤثرات العامة في شعره:

1. أمه:

توفي والد ذي الرمة وهو صغير، فقامت أمه على رعايته مخلصة له، فكان لها عظيم الأثر في نفسه ومسيرة حياته، فقدمت له الحنان، والمأكل، والمأوى، وكل ما يمكن تقديمه من الرعاية، فقامت بدور الأم والأب والأخ والأخت، ولقد كانت بداية التشجيع والتحفيز على نظم الشعر على يد هذه الأم، فقد كانت في يوم من الأيام قد سمعت ابنها ينشد الشعر، فذهبت به إلى الحصين العدوي ليسمع له، وحين سمعه بارك له وقال: "أحسن ذو الرمة". وبذلك كانت أمه قد وضعت قدمه على طريق الشعر ليخطو الخطوة الأولى فيه.

2. الصحراء:

الصحراء هي الأم الثانية لشاعرنا، فقد انبهر ذو الرمة باتساعها، وتفاعل مع ليلها الطويل، وخاف من ظلامها الدامس، وغنى وترنم مع صفير رياحها، وتعجب من سرابها، وشعر بعاطفة نحو حيواناتها، وكل ذلك مدّه بعاطفة قوية، وكوّن رابطا قويا بينه وبينها، فجاءت ألفاظه جزلة، وأشعاره متوشحة بوشاح البيئة الصحراوية التي عاشها، خاصة فيما يخص الخيال والصور والاستعارات، وهو القائل :

واني لطاوٍ سرهـا محفـل الحشا كما الثـرى فـي عهـدة لا يبنيها

3. ميّة:

ليس كالحبيب على الإنسان تأثيرُ! هذا ابلغ وأفضل ما قد يقال في هذا الموضع، وان قصته مع مية قد سردتها في بحثي، وفيها كل التفاصيل التي لا نغني البحث إذا أعدنا ما تم ذكره، حرصا على البعد عن الرتابة.

4. عصره وبيئته:

عاش ذو الرمة في عصر بني أمية، وقد شاع في هذا العصر الغزل الصريح في بيئة الحجاز، والغزل العذري في البادية، ومدح الخلفاء في مركز الخلافة آنذاك في دمشق، وغيرها من الموضوعات والأغراض التي كان لا بد له من أن يغترف منها ما يغترف ويستسيغ، كأي شاعر يتأثر بعصره ويؤثر فيه.

وقد استساغ ذو الرمة شعر الغزل العذري، في عصر تميز بالوقوف على ضفتي نهرين أدبيين شديدي العمق والتدفق والجيشان، فمن قبله عصر الجاهلية بما يمثله من غزارة العاطفة البدوية ووفرة الإنتاج والعناية بفن القول .

5. الدين:

كان ذو الرمة ملتزما بالدين وتعاليمه وشرائعه وفرائضه، فيواظب على الصلاة والصوم وذكر الله، وقد تلقى علومه الدينية على يد العدوي، فدرس علوم القرآن والسنة، وقد أثر هذا على شعره، فكان إذا مدح يمدح بالتقوى وحفظ الدين، وإذا افتخر يفتخر بالورع ولإيمان، وإذا هجا يهجو بتجريد المهجو من القيم والأخلاق الإسلامية. وقد مرّ معنا هجاؤه لامرئ القيس، فنعته بصفات غير دينية وغير أخلاقية كنوع من الشتيمة والهجاء.

الخصائص الفنية لشعر ذي الرُمة:

أولا: العاطفة:

هناك عاطفة واحدة تحرك الشاعر وتقود خطاه أثناء نظمه لشعره، وان السبب الأبرز في هذا أن معظم شعره يدور في فحواه حول العشق والصحراء، وبالتالي فان العاطفة الأساسية السائدة في هذا الشعر هي عاطفة الحب .

الملاحظ لشعر ذي الرمة يشعر بوحدة عاطفية تمسك بأطراف موضوعات القصيدة، فعاطفة ذي الرمة لم تعدد في لقصيدة الواحدة، ولم تتوزع توزع موضوعاتها المختلفة، وإنما توحدت العاطفة في كل موضوعاتها، فأصبحت تصدر جميعاً عن مصدر واحد، وتنبع من منبع مشترك، وتخضع لدافع عاطفي لا يتعدد ولا يتوزع، وهو عند ذي الرمة الحب الذي كان يدفعه إلى حديث الغزل من ناحية، والى حديث الصحراء من ناحية أخرى .

وقد انقسمت عاطفة الحب عنده إلى ثلاثة أقسام، حبه لمية المحبوبة التي كلف بها معظم سنيّ عمره، وكذلك حبه لخرقاء، والقسم الثاني منها كان عشقه للصحراء، وتصويرها، والقسم الثالث حبه للحيوان وتعاطفه معه.

أما حبه لمية وخرقاء والغزل بشكل عام فقد مرّ معنا في هذا البحث ولاحظنا كيف كان متيماً بمية التي استفحل حبها في صدره إلى آخر يوم في حياته، وكان لا يفتأ يذكرها في كل مكان يحل فيه، وكثيرا ما كان يقف على أطلالها محاولا التعزي بها، ناظما الشعر فيها، والأمر ذاته ينطبق على خرقاء التي أحبها ولكن حبها ليس كحب مية، فقد نظم فيها الشعر وعبر عن عواطف الحب التي يكن بها تجاه هذه المرأة أيضا.

أما عشقه للصحراء، فقد برز على شكل صور التقطتها عيناه لتبعثا بها إلى أعماق نفسه لتمتزج بمشاعره فتبعث خلقا جديدا على حظ كبير من الروعة والطرافة والجمال والإبداع، فهو في وصفه للصحراء ليس معجبا بها، بل محب لها، وتملأ نفسه بالفتنة الآسرة الطاغية، فيغني لها، ويتغزل بها، ويفتن بها إلى حد التقديس والعبادة .

أحب ذو الرمة الحيوان في الصحراء كما أحب الصحراء التي تحتويه، فكانت بالنسبة له ليست مجرد طبيعة صامتة، بل هي ذات كوامن متحركة تؤثر في نفسه، وهي تلك الكائنات التي تحيا فيها، فلا تبرح صور الإبل ديوانه في معظم قصائده، وهي صور كثيرة لا تحصى، وتخرج عن نطاق الوصف التقليدي إلى نطاق الغزل، وقد احتلت الظباء المركز الثاني بصحبه الناقة بالنسبة إلى مكانتها في قلبه، فلقد أحبها كثيرا، وهي التي تملأ الصحراء حوله جمالا وحسناً، وهي التي تذكره بحبيبته مية وخرقاء حين باعد السفر بينه وبينهما .

وقد وصف كذلك الظباء والأبقار وحمار الوحش، ولم يترك كائنا تقع عيناه عليه إلا ووصفه، ولا يمكن لهذا أن يكون ناتجا إلا عن حب صادق لتلك المخلوقات التي كان يحس بها ويعبر عن مشاعرها ويصور معاناتها مع الضواري، وقدم كل ذلك في لوحات ومشاهد فريدة مميزة بالحس العاطفي العميق.

ثانيا: الصورة الفنية:

كان ذو الرمة ممن يقال عنهم أنهم "ينحتون من صخر"، حيث يبذل كل جهده في القصيدة من حيث التنقيح والتهذيب والتقويم والتثقيف، وقد اعتمد اعتمادا شديدا على الصورة الفنية وجعلها مقوما من مقومات صنعته، بل مقوما أساسيا من مقوماتها، وقد عني بها عناية خاصة، وهي وسيلة أساسية ومقوّم جوهري من مقومات العمل الفني، وشعر غني جدا بالصور الفنية، وخاصة فيما يخص الحب والصحراء حيث كانت عنصرا مهما في بناء القصيدة.

تميزت الصورة الفنية بكونها متأنية في تسجيل المناظر تسجيلا دقيقا وتسجل جزئياته وتفاصيله في شيء كثير من التأمل والروية، ويظهر ذلك في كثير من قصائده، فكان حريصا على أن يخرج صوره إخراجا محكما ودقيقا يعنى فيه باستيفاء جزئياتها وتفاصيلها، ليتحقق له ما يصبو إليه من تكامل فني مستوفي الألوان والجزئيات، بحيث تكون الصورة غنية التفاصيل .

يحرص ذو الرمة على اختيار الأوضاع الذي يعرض فيه صورته الفنية، وانتقاء الزوايا التي تبرزها في أجمل مظاهرها وأبهى مجاليها، وتظهر براعته الفائقة في اختيار الزوايا وانتقاء الأوضاع في العديد من قصائده، ومنها قوله :

برّاقة الجيدِ واللبات واضحـةٌ كأنها ظبيةٌ أفضـى بـها لَبَبُ
بين النهارِ وبين الليلِ من عقدٍ علـى جوانبه الأسباطُ والهَدَبُ

فهو يتخير لها هذا الوضع الذي يبرزها في أجمل حالاتها، حين تخرج من بين كثبان الرمال إلى الفضاء العريض حيث تنتشر ضروبٌ من النبات والشجر، وقد اخذ الغروب يخلع على الصحراء أرديته الملونة، ويسكب فوقها أضواءه الرقيقة الحالمة، وقد كان حريصا في أكثر صورة من صوره التي رسمها للحيوان في الصحراء على أن يسجل تغير الوضع مع حركة الحيوان الدائبة المستمرة .

لقد برز اللون كعنصر هام في لوحات ذي الرمة الفنية، ووسيلة أساسية من وسائل التعبير الفني فيها، وقد كان عميق الإحساس بالألوان المختلفة التي يقع عليها بصره، بارعا كل البراعة في نقلها إلى صوره، ومن ذلك قوله :

وأرضِ خلاءٍ تَسحلُ الريحُ مَتنها كساها سوادُ الليلِ أرديةً خُضرا

وهنا تتراءى له أردية خضراء يخلعها الليل على الصحراء، وقد كان التعبير باللون من أهم وسائل التعبير عنده، وقد انتشرت الألوان في ديوانه انتشارا واضحا، فلكل صورة ألوانها الخاصة بها، ولكل عنصر من عناصر الصورة لونه المميز له، وقد حرص ذو الرمة على تسجيلها في شعره دون تعقيد مستعينا بذوقه الرفيع، وحسّه العميق باللون.
لقد كان لذي الرمة قدرة فائقة على اختيار اللون الملائم لكل صورة من صوره، وقد استخدم ألوانا مركبة عن طريق المزج بين الألوان الأصلية المعروفة، كما قام بإيراد أكثر من لون واحد في الصورة الواحدة، ومن ذلك صورة أضواء الشفق المتعددة الألوان حين تختلط في الأفق بظلمات المساء الزاحفة في وقت الغروب، وقد لجأ إلى مجموعة ألوان قوس قزح للتعبير عنها :

فلما بدا في الليل ضوءٌ كأنّـه وإياه قـوس المُزنِ ولّـى ظلالُها

وقد عمد ذو الرمة إلى الألوان من اجل تجسيم المعنى، وإشاعة الحياة فيه، ونقله من الدائرة المعنوية إلى الدائرة الحسية، حيث تشترك الحواس في التعرف عليها.

أما الأمر الثاني الذي حرص عليه ذو الرمة، واتخذه عنصرا أساسيا في التصوير الفني، فقد كان الصوت، حيث قام بتسجيل الأصوات في لوحاته وخاصة فيما يتعلق بالصحراء، أصوات حيواناتها ومظاهرها الطبيعية، فيسجل الأصوات التي تترامى إلى سمعه، وهي ظاهرة يتفوق فيها على غيره من الشعراء، مما ساهم في طبع قصائده بطابع واقعي، إضافة إلى إشاعة جوٍّ من الحياة الصحراوية بحيث يجسم الإحساس بها :

ونـادى به "ماءٍ" إذا أثار ثورةً أصَيبِحُ أعـلى نُقبَـةِ اللونِ اطرقُ
تـريـعُ لـه أمُّ كـأن سَرَاتها إذا انجابَ عن صحرائها الليلُ يَلمَقُ

ونلمح عنصر الصوت هنا في كلمة "ماء" وهي عبارة عن صوت النداء لولد الظبية، وهو "الخِشف"، فيحكي هذا الصوت حكاية دقيقة جعلت بعض الرواة يشترطون كسر الميم منه وإمالة الألف الممدودة بين الكسر والفتح.

لقد سجل ذو الرمة أصوات الكثير من المؤثرات فيما حوله، فسجل صوت الرعد، وصوت الظباء، والإبل، والحمار الوحشي، ووحيد القرن، ونداء الناس، وترانيم النصارى في صلواتهم، وفحيح الأفاعي، وصوت الرحى، وأصوات البوم الكئيبة، وأصوات القطا، وصوت المياه حين تُصب في قعر جرن أو بئر.

برز إلى جانب عنصري اللون والصوت عنصر ثالث لا يقل أهمية عنهما، وهو عنصر الحركة، وهو العنصر الذي تتحول معه الصورة من صورة جامدة إلى صورة حية مفعمة بالحيوية، فقد قام بتحريك الطبيعة، بحيوانها وجبالها وهضابها وسرابها وشجرها ونهارها وليلها ونجومها وكواكبها، وكل ما يقع على بصره من مظاهر الطبيعة في الصحراء التي يتحرك فوقها في شعره، فيرى الجبال تسير كأنها السراب، أو تختفي وتظهر، أو كأنها تتحرك كشخص اسود، أو كأنها ترقص وتتمايل :

وساجـرةِ السـرابِ مـن المَوَامـي تَـرَقّـصُ فـي عـساقـلها الأُرومُ

ولقد جعل ذو الرمة من السراب جزءا مهما في الحركة في صوره، فاتخذه وسيلة أساسية لتحريك الجبال، كما جعله مغيرا لهيئة ما في الصحراء من أشياء، وذلك لأنه يبدو أمام العين متحركا، وذلك لطبيعة فيه من الخالق سبحانه تعالى.

ولم يتوقف ذو الرمة عند السراب فقط، فمن خلال اطلاعي على ديوانه، وجدت انه وصف النجوم وحركتها، وجعل الصحراء ذاتها محركة لما فيها من أشياء، وكذلك ينطبق الأمر على الليل، والفجر، والنهار، والبقر والظباء، ومختلف الحيوانات، وكذلك القوافل الراحلة، وذلك كله من اجل إشاعة إحساس بالحياة، وشعور بالتجدد والحيوية.


ذو الرمة بين التقليد والتجديد

يقع ذو الرمة في نظمه بين تيارين، الأول منهما تيار قديم، يتمثل في البداوة من حيث اللغة واللفظ والتركيب، وهي بداوة فرضتها طبيعته من حيث حياته، وتجاربه، إضافة إلى اتصاله بالشعر العربي القديم وسيره في طريق من نظمه من الشعراء.

ويبدو التيار القديم كذلك في أفكاره ومعانيه، حيث اتسع شعره لأفكار القدماء في الحب والصحراء، فنهل منها، وجعل قصائده محتضنة لها، ولكنه لم يقف عند هذا الحد، حيث أبت له نفسه ألا أن يغير ويجدد في كل ما أخذه عن السلف.

أما التيار الجديد الذي يبرز في شعره فهو وليد التغيير والتحوير الذين قام بهما ذو الرمة من خلال الألوان والأصوات والحركة والطاقة التي بثها فيها، وقد برز ذلك من خلال عناصر ثلاثة، أولها العنصر العقلي، وهو قليل الانتشار في شعره، ويظهر في مجال المديح بنسبة أكثر من غيره، وربما سبب ذلك انه نظم مدائحه في العراق حيث النشاط العقلي واضح بشكل لا يختلف فيه اثنان، أما ثانيها فهي العناصر الدينية، حيث انها أكثر العناصر ظهورا وأشدها تأثيرا فيه من حيث خلق الأفكار أو رسم الصور البلاغية أو صياغة عباراته، حيث غير كثيرا من طباع الجاهلية التي ورثها في شعره، فأتى بطباع جديدة غير مألوفة في الشعر القديم، ويتضح ذلك بقوة في شعر الحب .






















تحليل قصيدة من حيث:
• الأفكار
• العواطف
• الألفاظ
• المحسنات اللفظية
• الصور الشعرية
• الموسيقى

















أولا: نص القصيدة:

أمنزلتـَيْ مـيّ سـلامٌ عـليكـمـا على النـأي والنائـي يـودّ ويـنـصحُ
ولا زالَ مـن نـوءِ السماكِ عليكما ونـوءِ الـثـريّـا وابـلٌ مـتـبـطّحُ
وان كنتما قد هجتما راجـع الهوى لذي الشوق حتى ظلـت العيـن تـسفحُ
اجـل عبـرة كـادت لعرفان منزلٍ لـميةَ لـو لـم تسهـل الـمـاءُ تـذبحُ
على حين راهقتُ الثلاثين وارعوَتْ لِـداتي وكـاد الحلم بالجـهـلِ يـرجَحُ
إذا غيـر النأي المحبينَ لـم يكـدْ رسيسُ الهوى مـن حـبّ ميـةَ يـبـرحُ
فلا القُربُ يُدني من هواها مـلالـةً ولا حبُّهـا، إن تـنـزح الـدارُ يَـنـزحُ
إذا خطـرت من ذكـر ميـةَ خطرةٌ على النفسِ كادت فـي فـؤادكَ تـجـرحُ
تصـرّفُ أهـواء القلـوبِ ولا أرى نصيبـكِ مـن قـلبـي لـغيـركِ يُمنـَحُ
وبعضُ الهوى بالهجر يُمحى فيمتحي وحبّـك عـنـدي يستـجـدُّ ويـربـحُ
ذكـرتـك إذ مـرت بـنـا أمّ شادن أمـام المطايـا تـشـرئـبُّ وتـسنـحُ
من المؤلِفات الرمـلَ أدمـاء حـرةٌ شعـاعُ الـضحـى فـي متنهـا يتوضّحُ
تغادرُ بالوعساء وعسـاء مشـرفٍ طـلا طـرفُ عينيها حواليهِ يـلـمـحُ
رأتنا كأنـا قاصـدون لعهدهـا بـه، فـهـي تـدنـو تــارةً وتـزحـزحُ
هـي الشبهُ أعطافـا وجيداً ومقلـةً وميّة أبـهـى بـعـدُ منهـا وأمـلـحُ
أناة يطيب البيت مـن طيب نشرهـا بُعَيد الكرى زينٌ لـه حـيـن تُـصبـحُ
كـأن البـرى والعاجَ عيجَت متونه عـلـى عُـشـر نهّـى به السيلَ أبطحُ
لهـا كَـفَـلٌ كالعانك استنّ فـوقـهُ أهاضـيـبُ لـبّـدنَ الهذاليـل نُـضّـحُ
وذو عـذرِ فـوق الذّنوبين مُسبـلٌ عـلـى البـان يُطوى بالمداري ويُسرَحُ
أسيلةُ مستنِّ الدّمـوع ومـا جـرى عـليـه المِجَـنّ الجـائـلُ المتـوشّـحُ
ترى قُرطها في واضح الليتِ مشرفا علـى هـلـكٍ فـي نـفنـفٍ يتـطـوّحُ
وتجلـو بـفـرعٍ مـن أراكٍ كـأنه من العنبـر الهندي والمسكُ يُـُصـبـحُ
ذرى أقحـوان واجـه الليل وارتقى إليـه الـنـدى مـن رامـةَ الـمتروحُ
تخفّ بترب الروضِ مـن كل جانبٍ نسيمٌ كـفـأرِ المسـكِ حيـن تفـتّـحُ
هجان لثنايا معـربـا لـو تبسّمـت لأخرسَ عنـه كـاد بالقـولِ يـُفصـحُ
هيَ البرءُ والأسقـام، والهمّ ذكرُها وموت الهوى لـولا التنائـي المبـرّحُ
ولـكنهـا مـطروحـة دون أهلهـا أوارن يجـرحــنَ الأجـالـدَ بُـُرَّحُ
ومستشحجـات بـالفـراق كـأنها مثاكيلُ مـن صيـابـة النـوبِ نـوّحُ
يحققنَ ما حاذرتُ من صـرفِ نيّـةٍ لميـةَ أمسـت فـي عـصا البينِ تقدحُ
بكى زوج مي أن أنيخـت قـلائصٌ إلـى بيـت مـي آخـر الليـل طُـلـّحُ
فمُت كمـداً يـا بعـلَ مـي فإنها قـلـوبٌ لمـيّ آمنـو العيـب نُصَّـحُ
فلو تـركـوها والخيـارَ تـخيّرتْ فما مثـل مـي عـند مثلـكَ يَـصلُـحُ
أبيتُ على مثل الأشافـي وبعلُهـا يبـيـت عـلـى مـثـل النَّقـا يتبطّّحُ
إذا قلتُ: تدنو مية اغبـرّ دونهـا فيافٍ لطرفِ العيـن فيـهـنّ مَـطـرحُ
قد احتملت مـيّ فهاتيكَ دارُهـا بها السُّحـمُ تـردي والحَمـامُ الموشحُ
لميّ شكوت الحـبَّ كيمـا تثيبني بودّي فـقـالـت: إنمـا أنـت تمـزحُ!
بعـادا وادلالا علـيّ وقـد رأت ضميـر الهـوى قد كاد بالجسمِ يَبرحُ
لئن كانت الدنيا علـيّ كمـا أرى تباريـحُ مـن مـي فـللمـوت أروَحُ
وهاجـرة مـن دون مية لم تقل قـلوصـي بها والجندبُ الجون يرمح
بتهيـاء مقفار يكـاد ارتكاضها بآل الضحـى والهجرِ بالطرفِ يمصحُ
كأن الفِرَندَ المحضَ معصوبةٌ به ذُرى قورها ينقـدّ عنهـا ويُنصـحُ
إذا جعل الحِرباءُ ممـا أصابـه مـن الحَـرّ يلـوي رأسـه ويـُرِنّحُ
نشوان من طـول النعاس كأنـه بحبليـن مـن مشطونـةٍ يتـرجّـحُ
أطرتُ الكرى عنـه وقد مال رأسه كما مـالَ رشـافُ الفِضـالِ المرنّحُ
إذا مات فوق الرحلِ أحييتُ روحَه بذكراكِ والعيـسُ المراسيلُ جُـنَّـحُ
إذا ارفضّ إطـراف السياطِ وهللت جـرومُ المطايـا عـذّبتهـنَ صيدحُ
لهـا أذن حشـرٌ وذفـرى أسيلةٌ وخـذٌّ كـمـرآة الغـريبـةِ أسجـحُ
وعينا أحَمّ الروق فـرد، ومشفـرٌ كسبت اليمانـي، جـاهـل حين تمرحُ
ورجلٌ كظل الذئـب ألحـقَ سدوها وظيفٌ أمرّتـه عصـا السـاقِ أروحُ
وسوجٌ إذا الليـل الخـداريّ شقّـهُ عـن الركـب معروف السماوة أقرحُ
إذا قلتُ: عـاجٍ ، أو تغنيت أبـرقتْ بـمـثـل الخوافـي لاقحـا أو تلقّحُ
تـراهـا قـد كـلّفتها كـل شقـة لأيـدي المهـارى دونهـا متمتّـحُ
تموج ذراعاها وتـرمـي بجوزها حذارا من الايـعاد والـرأس مكمـحُ
صهابيةٌ جـلـسٌ كأنـي ورحلهـا يجـوبُ بنـا المـوماة جـأبٌ مُكدّحُ
يقلـب أشبـاهـا كـأن متـونهـا بمسترشح البهمى من الصخرِ صردحُ
رعت في فلا الأرض حتـى كأنهـا من الضمر خطيّ من السمرِ مُصلَـحُ
وحتى أتى يوم يكـاد مـن اللظـى بـه التوم فـي أفحوصـه يتصيّـحُ
فـظـلّ يـصاديها فظلـّت كأنهـا علـى هامـها سربٌ من الطير لـوّحُ
على مرقبٍ فـي ساعةٍ ذاتِ هبوةٍ جنادبها مـن شـدة الحـرّ تمصـحُ
ترى حيث تمسي تلعبُ الريحُ بينها وبين الذي تلقى به حيـن تـصبـحُ
كـأن مطايـانـا بـكـل مـفـازةٍ قراقير فـي صحـراء دجلة تـسبحُ
أبى القلبُ إلا ذكـر مـيّ وبـرّحت بـه ذات ألـوانٍ تجـدّ وتـمـزحُ
أتـقرحُ أكـبـاد المحبيـن كـلهم كما كبـدي مـن ذكـر ميـة تـقرحُ
الم تعلمي يـا مـي أنّـا وبيننـا فيافٍ لطرفِ العيـن فيهـن مطـرحُ
أصـوح عينـي بـالفلاةِ لعلـنـي أرادِ وعيني مـن هوى الوجدِ تسفحُ
أنيـنٌ وشكـوى بالنهارِ شديـدةٌ إليها وما يأتـي بـه الليـل أبـرحُ
وهـاجـرةٍ شهبـاءَ ذاتِ وديقـةٍ يكاد الحصى من حرّهـا يتـصيّـحُ
نصبتُ لها وجهي وأطـلالَ بعدمـا أزى الظـلّ واكتنّ الفريد الموشـحُ

*****

ثانيا: الأفكار:

تبرز الأفكار في هذه القصيدة على النحو التالي:

1. الأبيات من الأول إلى البيت الحادي عشر، يتحدث ذو الرمة عن كلفه بمحبوبته مي، وما يعانيه في بُعدها، فيلقي السلام عليها، ويذكر نأيها، ويشكو عَبَراته الحارة، ويتحدث عن أثرها في نفسه إذ هي جارحة له وقد وصل الثلاثين من العمر، فهو كلما تذكر مي تُجرَحُ نفسه، وهو يحبها حباً لا ينزح عنه، حتى وان هجرته فإن حبها متجدد، ويذكرها ذو الرمة كلما مرّ ظبي أو رفعت رأسها مطيّة.

2. الأبيات من الثاني عشر إلى البيت التاسع والعشرين، يصف مية، من حيث شكلها، وصفاتها الأخرى، فهي كالظبية في خصرها، وجيدها، ومُقلتها، بل هي أجمل من ذلك، ولها طيب تطيب به النفس قبل الخلود إلى النوم، ولها أعجاز كالرمال الدقيقة، وهي طويلة الخد وقد توشّحت بوشاح يغطيه، ويغطي صدرها وبطنها، وهي كذلك طويلة العنق، وفمها جميل لجمال وتناسق أسنانها، فأسنانها في بياضها كالأقحوان، وهي سبب البرء من السقم، وسبب السقم والهم والألم المبرح في آن معاً.

3. في الأبيات من البيت الثلاثين إلى البيت الثالث والثلاثين يتحدث ذو الرمة عن زوج مية، فالشاعر يبيت مجروحا معذبا، وهو يهنأ بمية في منامه، ولكنه يحاول إغاظة زوجها إذ يقول له إن قلب مية ليس لزوجها، بل للشاعر، ويقول إنهم لو تركوها تختار لاختارت ذا الرمة بكل تأكيد.


4. من البيت الرابع والثلاثين إلى البيت التاسع والثلاثين يتحدث الشاعر عن مية مرة أخرى، فيتحدث عن طول المسافة التي تفصل بينهما، وانه يقترب منها مهما بعدت، ويتحدث عن نعيب الغربان وشؤم هذا عليه، وقد شكا لها حبه فتصنعت الدلال عليه إلى أن رأت الحب قد بدأ ينال من جسمه.

5. من البيت الأربعين إلى البيت التاسع والأربعين يخوض ذو الرمة في وصف طويل للصحراء ويخصص جزءا كبيرا لناقته، فيتحدث عن الفراغ الكبير الفسيح الذي يبهر العين، والجبال الصغيرة، والبئر التي يستقي منها الناس ويصف الناقة وهي ترتوي منها، ويصف زحف الحرباء، ويتوقف عند الناقة في وصف مستفيض، فهي بيضاء سريعة، تحمل غيرها على السير الشديد، ولا تقدر النوق على مجاراتها، ولها أذن لطيفة، وعظم شاخص خلفها، وهي طويلة، وخدها كالمرآة المنبسطة، وقدماه متسعتان في الوقوف والسير، فهي واسعة الخطوات.


6. من البيت الخمسين إلى البيت الحادي والستين يصف فيه الإبل، فهي سوداء كالليل، مسرعة في السير، وإذا ما زُجرت رفعت أذنابها وأطلقت للريح سيقانها، وتصلح للسفر الطويل لما لها من قدرة على التحمل، ورأسها شامخ، كأنها في عزة نفس عظيمة، وصيدها صعب جدا، فمن يريد اصطيادها يربض لها ساعة، لأنها إذا ما شعرت به تركض كأنها طير يطير، وتصير كأنها في الريح تسير، وتذهب إلى مكان مرتفع، ويخفي الغبار الذي يظهر بسبب ضرب قوائمها لرمل الصحراء.

7. من البيت الثاني والستين إلى البيت الثامن والستين يعود إلى محبوبته مية، فيشكو لها تقرّح كبده، وشوقه لها، وأنينه بالنهار وسهره بالليل، فما به من هجرها له يجعل الحصى يتصيح من حرّه.

ثالثا: العواطف:

تتعدد العواطف في هذه القصيدة، وتميزت بكونها صادقة، ويمكن لنا تفصيلها على النحو الآتي:

1. عاطفة الحزن وتتمثل في حزنه لبعده عن مية محبوبته، وزواجها من رجل غيره . (1 – 11، 34-39، 62-68)
2. عاطفة الألم والحسرة والشكوى، الم الهجر، والتحسر على ما هو فيه من عذاب، وشكوى الفراق والوَهَن والبَيْن، وتظهر في الأبيات التي تناول فيها الحديث عن مية. (1 – 11، 34-39، 62-68)
3. عاطفة الشوق لمية والرغبة في لقائها، وتظهر في الأبيات 3 و 14.
4. عاطفة الكره والحقد، وتظهر في حديثه عن زوج مية، فيكرهه لأنه اخذ منه مية، وينام مرتاح البال ويهنأ بها مساء، بينما ينام هو نوما قاسيا، وذلك في الأبيات 30 إلى 33.
5. عاطفة الحب، حب مية، وذلك في الأبيات 34-39
6. عاطفة الإعجاب بالصحراء وبالحيوان، ويبدو هذا جليا في الأبيات 40 إلى 61 حيث يصف الإبل، والناقة، والأرض الواسعة التي تبعد بينه وبين محبوبته مية.

رابعاً: الألفاظ:

1. جاءت ألفاظه جزلة وقوية، وغريبة بالنسبة لنا لأنها ألفاظ عصره وبيئته الصحراوية، حيث ذكر أسماء الأشياء بلغة البدوي، صاحب المَلكة القوية.
2. ظهرت في القصيدة أسماء المواضع، مثل "الخط" وهو موضع في البحرين
3. كانت ألفاظه غير وعرة إلى حد ما، حيث نجد في بعض المواضع سلاسة وسهولة في السير في طريق هذه الألفاظ، وفي أماكن أخرى كلمات يصعب علينها نطقها، وقد كانت في زمانه سهلة ومعتادة.

خامسا: المحسنات اللفظية:

لجأ ذو الرمة إلى مجموعة من المحسنات اللفظية التي ترددت في كثير من شعره، وهي على النحو التالي:

1. الطباق، ويظهر ذلك جليا في شعره، وهو عنصر مهم في تكوين صوره، ومن ذلك ما هو بين الأفعال مثل "ماتَ، وأحييتُ" في البيت الخامس والأربعين، وكان بين الأسماء والصفات مثل: "الحلم والجهل" في البيت الخامس، و"تدنو، وتزحزحُ" في البيت الرابع عشر، والنهار والليل في البيت السادس والستين.

2. الجناس، ظهر الجناس في كثير من الأبيات، وكان بين الأفعال وبين الأسماء، وهو كثير ومنه: "خطرت، خطرة" في البيت الثامن، و"يُمحى، ويمتحي" في البيت العاشر، و"الوعساء، وعساء" في البيت الثالث عشر، و"العاج، عيجت" في البيت السابع عشر، و"لاقحا، وتلقحُ" في البيت الحادي والخمسين، وغيرها كثير.


3. المقابلة، وقد لجأ إليها الشاعر في موازنته بين حاله وحال زوج مية، فهو ينام على الخشب وذاك ينام على الرمل المحدودب :

أبيتُ علـى مثـلِ الأشافي وبعلُها يبيتُ علـى مثـلِ النَّقـا يتبطّـحُ




سادسا: الصور الشعرية

تعددت الصور الشعرية في هذه القصيدة، وتنوعت بين تصويره لمية، وتصويره للصحراء، وتصويره لحاله، وقد تميزت هذه الصور بما يلي:

1. مستمدة من البيئة التي حوله.
2. مليئة بعنصر الحركة خصوصا حين يصف الإبل أو الناقة وسيرها في الصحراء، كقوله :

وحتى أتى يوم يكـاد مـن اللظـى بـه التوم فـي أفحوصـه يتصيّـحُ
فـظـلّ يـصاديها فظلـّت كأنهـا علـى هامـها سربٌ من الطير لـوّحُ
على مرقبٍ فـي ساعةٍ ذاتِ هبوةٍ جنادبها مـن شـدة الحـرّ تمصـحُ
ترى حيث تمسي تلعبُ الريحُ بينها وبين الذي تلقى به حيـن تـصبـحُ

3. مباشرة وتأتي على شكل مشهد مستفيض يصف فيه الناقة، وكذلك مشهد آخر يصف فيه الإبل، وفيه يقول :

لهـا أذن حشـرٌ وذفـرى أسيلةٌ وخـذٌّ كـمـرآة الغـريبـةِ أسجـحُ
وعينا أحَمّ الروق فـرد، ومشفـرٌ كسبت اليمانـي، جـاهـل حين تمرحُ
ورجلٌ كظل الذئـب ألحـقَ سدوها وظيفٌ أمرّتـه عصـا السـاقِ أروحُ
وسوجٌ إذا الليـل الخـداريّ شقّـهُ عـن الركـب معروف السماوة أقرحُ

4. جاءت صوره غير معقدة.
5. برز عنصر اللون في صوره حين وصف الناقة البيضاء، والإبل السوداء، وغيرها :

إذا مات فوق الرحلِ أحييتُ روحَه بذكراكِ والعيـسُ المراسيلُ جُـنَّـحُ


سابعا: الموسيقى:

تتمثل الموسيقى في هذه القصيدة فيما يلي:

1. نظم قصيدته على البحر الطويل، وذلك البحر الذي نظم عليه معظم قصائد ديوانه، بل هو البحر الأكثر استخداما في الشعر العربي القدين.
2. حرف الروي هو الحاء المضمومة، وفيها نغم جميل.
3. تتميز القصيدة بوجود موسيقى داخلية بين ألفاظها ناجمة عن انسجام حروفها، وقد ساعد على زيادة اثر هذه الموسيقى اختيار روي موسيقي متمثل في الحاء المضمومة.
4. يوجد جرس موسيقي داخلي يتكون من تكرار حرف معين أكثر من مرة في أكثر من كلمة، مما أعطى للقصيدة سمة فنية جميلة، ويتمثل ذلك، على سبيل لمثال لا الحصر، في قوله حيث يتكرر حرف العين :

كأن البُرى والعـاجَ عيجـت متونـهُ علـى عُشـرٍ نهّى به السيلُ أبطحُ

ثامنا: سمات أخرى:

ومن السمات الأخرى التي يمكن أن نقف عليها من خلال الاطلاع على هذه القصيدة:
1. تتميز هذه القصيدة بتعدد الموضوعات فيها، فيتحدث بشكل أساسي عن الحب والصحراء، ويتحدث عن زوج مية.
2. الجُمل والتراكيب فيها تتميز بالتناسق والسلاسة والبساطة في التركيب دون التعقيد.
3. غياب الاستعارة والعناية بالصورة الفنية والتشبيهات بشكل ملفت للانتباه.
4. طول النفس الشعري، حيث تتكون من ثمانية وستين بيتاً من الشعر مما يدل على حجم المخزون الشعري لذي الرمة.
5. المُباشَرة في التصوير والحديث عن المشاعر وكل ما يدور في الفؤاد والعقل.
6. يلمح القارئ لهذه القصيدة والمحلل لها وجود وحدة عضوية بين أجزائها إضافة إلى تداخل بين المشاهد، وخاصة فيما يتعلق بالحديث عن حبه لِميّة ووصفه للصحراء.

والحمد لله رب العالمين


فهرس المصادر والمراجع


1. ابن خلكان، احمد بن محمد (ت 1064م): وفيات الاعيان، ج4، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، دار المعارف، 1971م
2. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (ت 889): الشعر والشعراء، بيروت، دار الكتب العلمية، 1985م
3. الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين (ت356هـ): الأغاني، مجلد 17-18، بيروت، دار الفكر، 1970م
4. بسج، احمد: ديوان ذي الرمة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1995م.
5. البغدادي، عبد القادر (ت1682م): خزانة الأدب، ج1، تحقيق عبد السلام هارون، د.ت.
6. الجبوري، كامل سلمان: معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة 2005م، مجلد 4، بيروت، دار الكتب العلمية، 2005م
7. الجمحي، محمد بن سلام (ت 846هـ): طبقات فحول الشعراء، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.
8. خليف، يوسف: ذو الرمة شاعر الحب والصحراء، مصر، دار المعارف، 1970م
9. ذو الرمة، غيرن بن عقبة: الديوان، شرح أبي نصر احمد بن حاتم الباهلي، تحقيق عبد القدوس صالح، دمشق، مطبعة طربين، 1972م
10. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 1505م): المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد جاد الله وآخرون، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1958م.
11. الشكعة، مصطفى: رحلة الشعر، د م ن، الدار المصرية اللبنانية، 1997م
12. ضيف، شوقي: العصر الإسلامي، مصر، دار المعارف، ط7، د ت.
13. : التطور والتجديد في الشعر الأموي، مصر، دار المعارف، ط5، د.ت.
14. العاني، سامي مكي: معجم ألقاب الشعراء، دبي، مكتبة الفلاح، 1982م
15. الفاخوري، حنا: تاريخ الأدب العربي، بيروت، المطبعة البولسية، د.ت.
16. فروخ، عمر: تاريخ الأدب العربي، ج1، بيروت، دار العلم للملايين، 1981م
17. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ج1، أخرجه إبراهيم مصطفى وآخرون، استانبول، المكتبة الإسلامية، ط2، د ت.
18. المرزباني، محمد بن عمران: الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، تحقيق محيي الدين الخطيب، القاهرة، المطبعة السلفية، 1985م.
19. الموسوعة العربية العالمية، م17و م23. السعودية، مؤسسة أعمال المجموعة للنشر والتوزيع، ط2، 1999م.
20. الموسوعة العربية الميسرة، ج2، القاهرة، دار الجيل، ط2، 2001م.
21. نوفل، سيد: شعر الطبيعة في الأدب العربي، مصر، دار المعارف، ط2، 1978م.
22. يوسف، يوسف: الغزل العذري – دراسة في الحب المقموع، د م ن، دار الحقائق، ط2، 1982م