المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : لغة الضاد ترثي المفكر الأستاذ الدكتور شاكر الفحّام في تأبينه في دمشق



الدكتور مروان
07-09-2008, 07:24 PM
لغة الضاد ترثي المفكر الأستاذ الدكتور شاكر الفحّام في تأبينه في دمشق :

أقيم في الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الثلاثاء 5\ 8 \ 2008 م على مدرج مكتبة الأسد بدمشق لقاء تأبين بمناسبة أربعينية المفكر العربي شاكر الفحام، وحضر إلى جانب آل الفقيد جمع من أصدقائه وطلابه ومعارفه وسياسيون شغل الفحام بعض مناصبهم سابقا قبل أن يتفرغ لرئاسة مجمع اللغة العربية بدمشق لحين وفاته.

ولد الفحام في مدينة حمص عام 1922 ورحل في 28 يونيو/ حزيران 2008، مخلفا مؤلفات هامة في الدراسات اللغوية التي شكلت محور اهتمامه، فلم تشغله المناصب السياسية التي تسلمها سفيرا ووزيرا للتعليم العالي ووزيرا للتربية عن عشقه للغة الضاد، وعرف عنه عمله الدؤوب لإعادة مجدها.

سفير التعريب :
وقام الفحام بدور بارز في حركة التعريب في الجزائر بعد استقلالها عندما شغل منصب سفير سوريا فيها بين العامين 1964 و1968م، وأصبح المشاور المعتمد في شؤون حركة التعريب في الجزائر.

وعن تلك المرحلة قال نائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق الدكتور مروان محاسني في كلمته إن "الفحام سفير للتعريب، فهو لم يكتف بممارسة عمله الدبلوماسي".

وفي السياق ألقيت في كلمة أرسلها للمناسبة وزير الخارجية السابق للجزائر الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي تحدث فيها عن مشاركة الفحام في بناء الجزائر الحديثة في التربية والتعليم.

وتطرق الإبراهيمي في كلمته لاستقدام الفحام خيرة الأساتذة والمعلمين السوريين للتعليم في الجزائر، وأشاد بإقناعه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بصرف رواتب المعلمين السوريين المنتدبين للتعليم في الجزائر، إضافة لما يتقاضونه لقاء تدريسهم في الجزائر.

ميله للتراث الشعريّ :
وللفحام نتاج فكري هام شمل المقالات والمصنفات وتحقيق تراجم بارزة لابن عساكر كما قام بتحقيق المخطوطات الهامة في مكتبة الظاهرية كالكوكبيات اضافة للكتب ومنها كتاب الدلائل في غريب الحديث.

إلا أن ميله للتراث الشعري كان واضحا ولعل ذلك يبرز في كتابه حول الشاعرين الفرزدق وبشار بن برد كما يقول الدكتور المحاسني

وعن دور الفحام في التعليم تحدث وزير التعليم العالي غياث بركات عن أهمية دوره كأستاذ جامعي في جامعة دمشق "حيث أسهم في تقدمها أيضا حينما تسلم رئاستها "

تفاؤله بمستقبل اللغة العربية :

عرف عن الفحام تفاؤله الشديد بمستقبل اللغة العربية، وتحدثت زوجته مديحة العنبري عن إيمانه بقدرة العربية على مواكبة العصر، الذي كان سببا لدعوته بإعادة بعثها.

وقالت ابنته الدكتورة ديما للجزيرة نت إن عائلته قدمت مكتبته الخاصة هدية لمكتبة الأسد ولروادها من طلبة العلم، مضيفة "فوالدي كان يستضيف طلابه في منزلنا ويناديهم بأولادي ويزودهم بما يحتاجونه من مكتبته الخاصة".

وبالمناسبة فإن الدكتور شاكر الفحام نال الإجازة الجامعية في اللغة العربية في جامعة القاهرة عام 1946، ثم الدكتوراه في الجامعة نفسها عام 1963، وشغل منصب المدير العام لهيئة الموسوعة العربية الكبرى، وكان عضوا في مختلف المجامع والهيئات والمجالس المعنية باللغة العربية.

الدكتور مروان
07-09-2008, 07:40 PM
أن يقوم اتحاد الكتاب العرب بتكريم أحد أعضائه من الأحياء فهذا أمر درج عليه؛ ثمّ صار سُنَّة محمودة اقتدت بها المؤسسات الثقافية والعلمية الأخرى، أما أن يقوم بتكريم علمائه ومبدعيه من أوساط فكرية وعلمية أخرى فهذا ما لم يعهده الناس من قبلُ...

فاتحادنا قد انتهج سيرة حميدة في يوم السابع من أيلول عام (2003م) في الاحتفاء بعلَم من أعلام الفكر والأدب واللغة؛ والثقافة والسياسة؛ عَلَم استحوذ على العقول والقلوب لعقود طويلة إنه الأستاذ الدكتور (شاكر الفحَّام) المولود في مدينة حمص عام (1921م) في بيئة عُرِفت بالصلاح، وأُسرة شُغِفَت بحب العلم والأدب...

ولعلّ هذا التكريم يفرض علينا أن نوجه إلى الصديق الدكتور علي عقلة عرسان ـ رئيس اتحاد الكتاب العرب السابق ـ كل الاحترام والتقدير، إذ كان رائداً في صنع مثل هذه المبادرات الخلاّقة التي تشهد لذوي الفضل بحقهم، وتوفّيهم أَقلَّ القليل من الوفاء لهم.

وإذا كان هذا السِّفْر من سلسلة (أدباء مكرمون) لم يقترن بإخوته إثر التكريم؛ فلأن الزمن أبى إلا أن يسوق مركبي إلى شاطئ عالمنا الفحّام، وأبت الأقدار إلا أن تتم فضلها عليَّ ليرى هذا السفر النور في هذه الأيام... ومن ثم لنعاهد صديقنا الدكتور عرسان على الاقتداء بمنهجه الطيّب مرددين قول الشاعر:


لسنا وإن كَرُمت أوائلنا = يوماً على الآباء نتكلُ
نبني كما كانت أوائلنا = تبني ونفعل مثلما فعلوا

ومن ثمّ يمكنني أن أقول: حين يختصّ التكريم بأحد العلماء الأفذاذ من أبناء بلدي الذين أنيطت بهم الآمال الكبار في حراسة الهوية العربية وثقافتها وتراثها ولغتها فإن هذا التكريم يصبح له مذاق خاص... فالأستاذ الدكتور شاكر الفحّام يتميّز بسيرة ذاتية وعلمية وفكرية ندرَ لأحد من الناس أن يضاهيه فيها.

فقد نذر نفسه وحياته للذود عن هذه الأمة وصون لغتها وتراثها، فكان الباحث المجلي الذي لا يشق له غبار، والمحقق المقتدر على تصيّد شوارد الأفكار، وشذرات الأساليب الأدبية الرفيعة... منذ أن كان معلماً في وزارة التربية سنة (1941م) ثم مدرساً في قسم اللغة العربية (1961م) بجامعة دمشق إلى أن أصبح مسؤولاً في سدّة القرار وسنامه في رئاسة جامعة دمشق (1968م) ووزيراً للتربية (1963م) ثم وزيراً للتعليم العالي (1980-1994م) ثم رئيساً لمجمع اللغة العربية (1993- وإلى اليوم) فضلاً عن رئاسته للموسوعة العربية، وعضويته في عدد من الهيئات والمجامع اللغوية العربية والعالمية مثل (مجمع اللغة العربية بالقاهرة والأردن، والمجمع العلمي في العراق والهند، ومعهد المخطوطات العربية، وأكاديمية المملكة المغربية) وغيرها.

وما زال سادناً للغة والثقافة العربية، يحرسهما بأهداب عيونه، ويدافع عنهما بكل قوّة واقتدار، ويرفع عنهما الضيم، ويزيل الفساد وبلبلة الألسن، وينصَبُّ على العابثين بهما والمناوئين لهما كالسيل العرم... وحينما يتناهى إلى آذانه لَحْن هنا وخطأ هناك تراه ينتفض كالمارد الثائر... وتستشعر منه الغضب الشديد لغيرته عليهما، وهو الحليم الصبور... لقد حملَ قضايا أمته بين جوانحه وضلوعه منذ أن نشأ في أسرته إلى أن أصبح طالباً في جامعة (فؤاد الأول) ـ القاهرة اليوم ـ فكان يتلقفها من جهابذة الجامعة أمثال (الدكتور طه حسين والدكتور شوقي ضيف، والدكتور عبد الوهاب عزام، والأستاذ أحمد أمين وغيرهم؛ وهم من هم؛ مكانة وعلماً وفضلاً... وظل هذا دأبه بعد أن شدّ الرحال ثانية إلى جامعة القاهرة سنة (1957م) ليستحق منها درجة الماجستير عن دراسة له في (بشار بن برد) قاربت (440) صفحة عام (1960م) والدكتوراه عن دراسة له في (الفرزدق) سنة (1963م)...

لم يرضَ أن تشوّه لغته العربية صاحبة الأساليب الراقية والجميلة، ولم يُطق أن يرى تراثها توجه إلى الأصابع المشوّهة بالغَمْز واللمز، ولم تُهن عزيمته على كثرة الذين انهزموا ثقافياً وفكرياً وسياسياً أمام المدنية الغربية وفلسفتها ولغتها، لأنه يدرك قيمة ما يملك من لغة وتراث، وهو القائل: "إن لغة الأمة هي هويتها، وأداة التواصل بين أبنائها، تحفظ تاريخها وتراثها، وتروي آدابها ومآثرها، وتحفظ وحدتها من الفرقة والتشتت".

وحينما يتحدث المرء عن علمه فإنه يشهد له القاصي والداني بأنه كان المنارة الثقافية والعلمية للسالكين في دربه، وهو قبلة المعرفة لكثير من شُداة العلم، إليه قصدوا فذلَّل لهم صعابها؛ ومهّد لهم مناهجها، وفتح لهم النوافذ المغلقة، وأطلق عقولهم من عقالها لتنبسط لهم مباهج الحياة على ثقافة الآخر وفلسفته وإتقان لغته وهو القائل: "وإني إذ أشير إلى حرصي على اللغة العربية وسلامتها لابدّ أن أدعو ـ أيضاً ـ إلى العناية باللغات الأجنبية وإتقانها، لأننا في أشد الحاجة إلى متابعة الحركة العلمية والثقافية العالمية والنقل عنها، لنُغْني بها بحوثنا وثقافتنا".

ولا شيء أدلّ على غزارة معارفه وفنونه وفصاحة لغته، ودقة منهجه مما تركه لنا من آثار سواء كانت تأليفاً أم تحقيقاً، أم مقالات كما نجده في رسالتيه المشار إليهما أو في تحقيقه لكتاب (اللامات) لأبي الحسن بن فارس، أو (الدلائل في غريب الحديث) للسرقسطي أو غيرهما؛ إذا أعرضنا عن الإشارة إلى ما كتبه من مقالات في مجلة (مجمّع اللغة العربية بدمشق) وغيرها مثل بحثه القيّم (نظرات في شعر بشار بن برد)، فضلاً عن أثره العظيم في الدارسين على يديه من طلبة الماجستير والدكتوراه ممّن أشرف على رسائلهم العلمية التي زادت على المئة، أو ممّن ناقشتهم فيها... وكان في الحالتين نِعمَ المشرف ونعم المشارك، إذ زودهم بزاد معرفي ومنهجي لا يقدّر بثمن؛ فصدق فيه قول عروة بن الورد:


أُقَسِّمُ جسمي في جسوم كثيرة = وأَحسُو قَرَاح الماء والماء بارد

لقد دلّنا أستاذنا الجليل على علم غزير، ودراية كبرى في سبر أغوار المعاني، وتصيّد شوارد الكلام، وفهم دقيق للثقافة، واضطلاع واسع بالمناهج النقدية والمدارس الأدبية... وكان في ذلك كلّه الأديب الفطن، واللغوي الحاذق، وصاحب الكلمة البعيدة الغور؛ ورجل البيان المتبحّر بأساليب البلاغة العربية، فلا غرو بعد ذلك كله أن يستحق جائزة الملك فيصل العالمية عن جدارة واقتدار في عام (1988م) مناصفة مع المرحوم الدكتور يوسف خليف.

وبعد، فإن لي تجربة خاصة مع شيخنا الفاضل تعود إلى مطلع سبعينيات القرن العشرين، وكان الشداة من طلبة العلم يترقبون دخول أستاذ مادة الأدب الأندلسي؛ وكانت مفاجأتهم عظيمة حين أطلّ عليهم رئيس الجامعة بشحمه ولحمه، وكان أنيق المنظر، نظيف الثوب، ممشوق القامة، وقوراً هادئاً... ما جعل أحداق الطلبة تتسمّر عند هيئته، لأنهم كانوا على دراسة ـ وهم طلبة السنة الثالثة ـ بأن الدكتور الفحّام مختص بالأدب الأموي والعباسي... وما لبث أن قدَّم لهم مصادر مادته، وأعادهم إلى الكتاب الذي قرره وهو (تاريخ الأدب الأندلسي) للمرحوم الدكتور إحسان عباس...

وظلّ هذا الموقف يشد الطلبة إلى عالم يعترف بالفضل لغيره، حين يثبت أن الدكتور عباس هو إمام هذه المادة، وعليه نعوّل في تدريسها... بيد أنه لم يكن لينحي معارفه وعلومه جانباً إذا أقامت وشائج كبرى بينها وبين ما كتبه الدكتور عباس، حتى جاءت في حُلَّة جديدة فكنّا ننهل منه صحة التفكير، وبهاء التعبير، وسلامة اللغة، وعمق التحليل ودقّة المنهج. لذلك كان الطلبة يصرّون على حضور محاضراته لأنهم استشعروا ـ فضلاً عن ذلك ـ في شخصه الكريم نبل الصفات وعفّة الثوب، ودماثة الخلق، وتواضع العالِم، ووضوح المنهج والسمت، وبذل العلم دون حرج أو تقتير... كان قريباً إلى النفوس؛ إذ دخل إليها ولم يخرج منها إلى اليوم، ولاسيما أنه كان رحب الصدر، حليماً وهو يتلقى مشكلات كثير من الطلبة في مكتبه في كلية الآداب أو في رئاسة الجامعة وغيرها...

ثم قوي جناح خرّيج قسم اللغة العربية، وقد تعلم الطيران على يدي أساتذة أفذاذ منحهم الله بلاد الشام عامّة وجامعة دمشق خاصة أمثال الأستاذ المرحوم عبد الهادي هاشم، والمرحوم الدكتور شكري فيصل والمرحوم الأستاذ عاصم البيطار، من الراحلين ـ رحمهم الله ـ وأمثال الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ السطلي، والدكتور عبد الكريم الأشتر، والدكتور محمود الربداوي، والدكتور مازن المبارك، وغيرهم من الأحياء ـ أطال الله عمرهم ـ...

وفي هذه المرحلة جاد الله علينا بعلامَة الشام المرحوم أحمد راتب النفاخ، وكان الصديق المبجّل عند شيخنا الفحَّام، وكان الفحَّام الصديق الصدوق له لا يُقَدِّم عليه أحداً ـ فيما أظن ـ... ومن فضل الله عليّ أنني كنت من طلبة علامة الشام النفاخ في قسم اللغة العربية، والمتردد على مجالس علمه في بيته الذي كان مورداً عذباً لناهلي العلم... وقد أصبحت المواصلة مع المرحوم ذات طعم خاص على اعتبار ما نراه من أستاذنا العالم الفحَّام من توقير للصديق؛ وإيثار له، وإكبار لمفاهيم الصداقة... ثم تجسَّد هذا الوفاء والخلق النبيل في مواقفه المتعددة معه، ومع بقية زملائه الكرام من رجال العلم والثقافة ممن ذكرناهم أو ممن لا يتسع المجال لذكرهم...

أدركت أن أستاذنا الفحَّام قد آمن بالحديث الشريف وعمل به على أحسن وجه ومفاده "لا يعرف الفضل إلا أهل الفضل". وأيقنت بأن المحبة والصدق والإخلاص والوفاء والإيثار وغيرها من السجايا، يمكن أن تتجسد في الرجال، في الرجال الذين يذكروننا بأئمتنا القدامى المبجلين الذين اعتصموا بالخلق والأدب والعقيدة والسنية...

فشمائله انطبعت في شخصه، وشخصه انطبع في سلوكه، فكان القدوة الحسنة، والرائد الذي لا يكذب أهله، وما زال على هذا الطبع الذي انقدح من زمام الخير وكنه المعروف إلى يومنا هذا، فما زرته في مجمع اللغة العربية إلا استقبلني بما يؤكد جوهره الصافي، وسماحته الرفيعة، وأدبه الجم حتى يشعرني تواضعه بخجل شديد.... وما أكرمني الدهر باجتماع معه في أحد المجالس أو الهيئات مثل (الهيئة العامة السورية للكتاب) إلا تعثّرت من الاستحياء منه؛ لأنني أراه قد ضبط نفسه على حقيقة زمن الاجتماع والالتزام بموعده، ومن ثم تتبع موضوعاته بأناة ووعي ودقة. فإذا ذهبنا نطلب رأياً وحكمة وجدناهما حاضرين لديه، وإذا نصبنا أنفسنا لفحوى اللغة وجدنا عنده الحجة الدامغة، دون أن يحيف علينا، لأنه أحد المنصفين الذين لا يقبلون الظلم والقهر؛ لا يتمادى عليك ولا يبخسك حقك، علماً أن أحدنا قليل البضاعة إذا قيست ببضاعته...

فالأستاذ العالم الفحّام مفخرة حقة للشام وللعروبة، شيّد مجدها بجليل علمه، ومباهج معارفه، ونفاذ فكره، وسرعة بديهته، وسمو همته، وبيان لسانه، وتعلقه بالصدق والحق... وهو أقدر الناس على معرفة أقدار الناس ومعرفة أحوالهم، ما جعله شديد الحذر حتى يبلغ ما يريده ويرغب فيه...

فإذا ذكر الرجال الذين يصنعُون مجد الأمم، كان الأستاذ الفحّام أحد الذين صانوا هوية الأمة ولغتها وثقافتها، وكان الضمير الحي لها خلال ما يزيد على نصف قرن... شيّد مآثرها وتولاها بالرعاية، ومن مداد قلمه أرّخ أَصالتها، وجمال لغتها بديباجته المشرقة، فاستحق منّا أن نعترف له بالفضل، وإن كنّا لا نستطيع أن نفيه كل حقوقه علينا...

ولا يسعنا إلا أن نقول له: كنت الوفاء والمحبة، وكنتَ صاحب القلب الدافئ والكلمة المحترمة، فالتفّ الجميع حولك، راجين من الله أن يسبغ عليك ثوب الصحة والعافية..

(الدكتور شاكر الفحَّام ـــ مجموعة باحثين ،،
أدباء مُكّرمون ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق ـ 2006م)

الدكتور مروان
07-09-2008, 07:53 PM
كلمة الأستاذ الدكتور محمود الربداوي رئيس تحرير مجلة التراث العربيّ :

أيها السادة الوزراء

أيها الأجلَّة الكتّاب والأدباء

أيتها السيدات والسادة الحضور

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قال الشاعر:


في رحاب النـهى, وصـــرح العلوم = جُمــع الشـمل مِثلَ عِقـــد النّظيــمِ
وأعــيدتْ إلى (عـــكـاظ) أمـــانٍ = كُـــنَّ حُـلــماً مجنَّـحَ التـــهويــــمِ
قــادة الفـــكر في ربـــوع بــلادي = يا أحـــقَّ الرجـــال بالتـــكريـــمِ
خـلـفـكم في الخـطـا مســيرة جيل = يتــحراكـــمُ بشــــوق الفــطيــمِ

يحتفل اتحاد الكتاب في هذه الأمسية الكريمة بواحد من قادة الفكر في القطر العربي السوري، رجل قاد حركة الفكر لحقبةٍ من الزمن وزيراً للتربية، ووزيراً للتعليم العالي، ورئيساً للجامعة، ومديراً لهيئة الموسوعة العربية، ورئيساً لمجمع اللغة العربية وأستاذاً للأدب، وهذه ميادين تركتُ لزملائي أن يحدثوكم عنها، وقد فعلوا.

وأستميح المحتفى به الدكتور شاكر الفحام أن يمنحني الفرصة كي أتحدث كواحدٍ من أصدقائه، عاشره فترة تزيد على ربع قرن، وعرفه عن كثب وزيراً مسؤولاً ومدرّساً أديباً، وقبل كل ذلك إنساناً رقيقاً يتمتع بخلق كريم، وبتواضع العلماء الواثقين من علمهم، الراسخين في تخصصهم، إذا حدثك في الأمور الإدارية وشؤون الوزارات التي تسنّم سُدَّتها حدثك حديثاً على مستوى عالٍ من الإحساس بالمسؤولية المنوطة به من جهة، والتي تتطلبها مصلحة الوطن ومقتضيات المرحلة التي يمر بها المجتمع من جهة أخرى.

وإذا حدَّثك في الأدب، فأنت أمام شخص يذوب رقةً وعذوبة في تحليل النصوص، وسبر كوامن المعاني المخبوءة في ثنايا القلم والعبارات والجمل والأساليب، عايش بشاراً والفرزدق، ورافق ابن زيدون وابن خفاجة، وتأدب بأدب المشارقة والمغاربة، فاستوعب فكره المشرق والمغرب، فحق أن يوصف بالآخذ من كل علم بطرف.

وإذا حدثك في الثقافة فأنت أمام عالم ثقف تجارب الأقدمين، واطلع على معطيات فكر المحدثين، فقد جمع الثقافة والمعرفة من أطرافها، وشارك بثقافته الواسعة في المؤتمرات والندوات والمحاضرات، وكان رأيه فيها الرأي الحصيف وكلمته الكلمة المسموعة، وقراره الذي يسبق آراء صنَّاع القرار.

ولم أنسَ ذلك اليوم أيضاً عندما خرج من محاضرته في قسم اللغة العربية ليستريح في مكتبي، فسألته -بسذاجتي الحورانية-: وهل الإعارة للجزائر والاغتراب لخدمة التعريب مجزية مادياً، فابتسم وتجاهل الإجابة عن الماديات، وأجابني ببيتين من الشعر، عرفت فيما بعد أنهما أثمن من الماديات، قال:


تغرَّب عن الأوطـان في طلب العـلى = وســـافر ففــي الأســفار خمس فوائد
تـفرُّج هـمٍّ, واكتــــساب معـيـشة = وعلـم, وآداب وصحبـــة مــــــاجد

عرفت الرجل عندما عاد من القاهرة هو ورفيق دراسته آنذاك الدكتور إحسان النص، وسعدت بزمالتهما في كلية الآداب في جامعة دمشق، ودارت الأيام فأصبح الدكتور شاكر رئيساً للجامعة، وأصبحت أنا رئيساً لقسم اللغة العربية، وكنت حديث عهد بالأمور الإدارية، فلم أنس ذلك اليوم الذي أخذني فيه إلى (أتوستراد المزة) حيث قرر أن تنشأ كلية الآداب، لأن كلية الآداب في المبنى القديم ضاقت بالعدد المتزايد من طلابها وطالباتها، وكان يحب أن يقف على آراء أصدقائه، وألا ينفرد بوجهة النظر ثم قامت كلية الآداب؛ وتوالى بعدها- في عهده قيام كليات أخرى وجامعات أخرى فأصبحت الآن صروحاً علمية تضم عشرات الآلاف من أبناء هذا الوطن الحبيب وشهادة أخرى أشهدها بحق صديقي هذا، خلاصتها أنه كان من أوائل السفراء الذين أرسلتهم سورية على أثر استقلال الجزائر سنة (1962) فأقام فيها سفيراً، ولكنه لم يقصر عمله على جهوده الدبلوماسية، بل كانت همته تحدثه بعمل علمي قلما يقوم بمثله السفراء، وهو تعريب القطر الجزائري الذي ران تحت السيطرة الفكرية والثقافة الفرنسية قرناً وثلث القرن، فأغرى الدكتور شاكر ـ بشرف الاستقدام ـ زملاءه من العلماء السوريين, كالدكتور أسعد الدرقاوي, والدكتور بديع الكسم, والدكتور شكري فيصل رحمهم الله جميعاً, والدكتور إحسان النص, وهشام الصفدي, ووحيد سوار, أطال الله في أعمارهم جميعاً، وكان هؤلاء يمثلون جيل المعرِّبين الأوائل، ولما عاد الدكتور شاكر إلى الوطن, جنَّد الجيل الثاني وأغراهم بمواصلة حركة التعريب في الجزائر، وكنت واحداً منهم, ومعي الدكاترة عمر موسى باشا, وعبد الكريم الأشتر, وصفوح خير، ومحمد رضوان الداية, وجودة الركابي. ومن كلية العلوم الدكتوران: حسن كنيش, وأدهم السمان رحمهما الله وقد شعر الدكتور شاكر بأن المرتبات التي يعطيها هذا البلد الناشئ الذي مازال يبني نفسه لاتتوازى مع اغتراب المدرسين وجهودهم في حقلي التعليم العالي والتعليم الأساسي فعرض على المرحوم الرئيس الخالد حافظ الأسد أن يُمنح المعارون للجزائر كامل المرتب من الموازنة السورية تقديراً لجهودهم في إعادة الاعتبار للغة القومية في المؤسسات التعليمية ووزارات الدولة الأخرى، ووافق الرئيس الأسد على هذا الاقتراح فكانت مكرمة تسجل للرجلين.

وظل الدكتور شاكر بعدها، موضع احترام وتقدير للرئيس هواري بومدين رحمه الله، وتقدير القيادات الكبرى في حزب جبهة التحرير الجزائري، أثمرت هذه المآثر نتائجها على سورية في حرب (1973)، قبل أن تؤول الجزائر إلى ما آلت إليه وقبل أن يدفع المتفرنسون أنصار اللغة الأمازيغية لتتحدى المكاسب التي حققتها حركة التعريب التي ناضل من أجلها الدكتور شاكر الفحام وكان هاجس التعليم والتعليم العالي خاصة يشغل بال الدكتور شاكر، فلما قامت الحرب الأهلية في لبنان انقسمت الجامعة اللبنانية إلى جامعة بيروت الشرقية وجامعة بيروت الغربية، واتجه أكثر الأساتذة اللبنانيين إلى الجامعة الشرقية، حتى كادت الغربية تفرغ من المدرسين، فما كان من الدكتور شاكر الذي كان رئيساً لجامعة دمشق إلا أن عضَّد جامعة بيروت الغربية ببعض الأساتذة من جامعة دمشق، فقاموا بدعم الجامعة الغربية في ظل ظروف لاتخلو من الخطورة، على مدار عدة سنوات كنا نراوح من جامعة دمشق إلى جامعة بيروت الغربيّة، حتى أذِن الله، وصمتت مدافع الحرب الأهلية في لبنان، واستعادت جامعة بيروت الغربية عافيتها، فتوقف الأساتذة السوريون عن المخاطرة أسبوعياً إلى الجامعة اللبنانية، وظلت هذه المساعدة العلمية في طيّ الكتمان؛ لأن الدكتور شاكر الذي أصبح وزيراً للتعليم العالي يهمُّه خدمة العلم والتعليم ولا يهمه الإعلام والإعلان والجهر حتى بعمل الخير.

اسمحوا لي -سيداتي وسادتي- أن أحدثكم عن جوانب من علم الرجل، هذا الرجل الذي اختطفته الوزارات والإدارة منا، من ميدان العلم والأدب، ولكنه - رغم هذا الاختطاف الذي فرضته مصلحة الوطن وثقة الرئيس الخالد، ظل مشدوداً إلى ميدان العلم والأدب، فكان يترك وزاراته في الساعة الثانية ليلتقى بطلابه في كلية الآداب محاضراً مناقشاً لرسائل جامعية، وإذا كانت شهادة الصديق بصديقه مجروحة، فلآتكم بشهادة أكبر مؤسسة ثقافية في الوطن العربي تحكم على إنتاج العلماء والمفكرين، تلكم هي مؤسسة الملك فيصل التي منحته جائزتها عندما أعْلَنَتْ عن موضوعها عام 1409 فكان «الدراسات التي تناولت الشخصيات الأدبية في الشعر والنثر حتى نهاية القرن الثالث الهجري» وهي أرفع جائزة عالمية في الوطن العربي نالها ملوك ورؤساء وزارات، وشخصيات مرموقة كشوقي ضيف, وناصر الدين الأسد, وإحسان عباس, ويوسف القرضاوي, وشكري عياد, وروجيه غارودي, وفي ميدان العلوم نالها الدكتور أحمد زويل الذي حاز مؤخراً جائزة نوبل العالمية للعلوم أيضا.

أتاحت لي فرصة إقامتي في الرياض وبالقرب من مركز الجائزة أن أطّلع على الثناء العاطر الذي حملته الصحافة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة على الجانب العلمي الذي يتمتع به الدكتور شاكر، وكان من بعض جوانبه أن تقدمت أثنينية الأستاذ عبد المقصود خوجه في جدة بإقامة حفلة تكريم شهدها كبار المثقفين في المملكة العربية السعودية, فإذا أضفت إلى هذا الكتب والمقالات التي كان يسرق نفسه من العمل الإداري ليكتبها كنظراته في ديوان بشار، أو إمكانية تصميم نظرية عربية لغوية منسجمة مع خصائص الحاسوب، أو الكتب التي حققها ككتاب اللامات لأبي الحسن بن فارس، والدلائل في غريب الحديث للسرقسطي، وعشرات الرسائل الجامعية التي أشرف عليها وناقشها، أدركت أن الرجل متعلق بالأدب، متشبث باللغة العربية، ويلذ له أن يكون من سدنتها. .

هذا غيض من فيض مما أعرفه من سلوكيات الرجل، ذكرت أقلها وسكت عن أكثرها لأني لا أحب أن أثقل عليكم، ولكنني يحلو لي أن أضيف إلى مكارمه العلمية والإدارية التي تحدثت عن بعضها مكارم خُلُقية، فقد أمضى ثمانية عقود من عمره عف الجيب، عف الإزار، وتذكرني كناية (عف الجيب) بقصة جعلتني أكبره عندما تواعدنا أن نذهب لحفل تكريم الدكتور وهبة الزحيلي، فسألته عن موقع بيته ورقم هاتفه لأصطحبه في سيارتي فقال لي: أنت تعرف بيتي ورقم هاتفي لم يتغيرا منذ ثلاثين سنة، فكبر الرجل في عيني لأنه تسلّم وزارة التربية مرتين، ووزارة التعليم العالي مرتين ورئاسة الجامعة ومناصب أخرى، كان فيها من صنّاع القرار.

ولم يأخذ برأي أبي حيان التوحيدي الذي كان يقول: «يتنافس الرجال في كل زمان، على لقمة أسوغ من لقمة، ومركوب أفره من مركوب، ومسكن أفخر من مسكن، وعيش أرغد من عيش وسكن أجمل من سكن وفراشٍ أوطأ من فراش».

وإنما أخذ الدكتور شاكر بقول الشاعر الآخر:


وأفضــل النـــاس مابين الورى رجل = تُقـــضى على يده للنــاس حاجات
لايقطـعن عـادة الإحسـان عن أحد = مـــادام يقــدر والأيــام تــارات


يـاأبــا مـــالك، وذكـــرك فخــر = يــاأحــق الرجـــال بــالتــكريم

اسمح لي ونحن في مأدبة التكريم، وشعارنا الاعتراف لكل ذي فضلٍ بفضله، بعيدين عن المجاملة، أن أتوجه بالتجلَّة والتقدير للسيدة مديحة العنبري، الزوجة الوفية التي وقفت بجانبكم في اغترابكم سفيراً، ورافقتكم وزيراً، طوال أيام جهودكم ونضالكم في خدمة هذا الوطن، وخدمة العلم والتعليم، واللغة العربية ويحق لنا أن نعترف بامتياز بالعبارة التي علمتنا إياها أدبيات لغتنا، وأدبيات أمتنا أن (وراء كل عظيم امرأة).

سيداتي سادتي:

بعض هذا الذي قلتُه يعرفه الدكتور شاكر ويذكره، وبعضه صنعه ونسيه، ولكنَّ التاريخ وذاكرة الوطن لم تنسَ، وسيظل التاريخ يسجِّل على صُناع القرار، والجالسين على كراسي المسؤولية مآثرهم، قد تُطوى الآن في زحمة الأحداث ولكنها ستنشر في يوم، ليعرف جيل الأحفاد بعضَ ماحققه الأجداد، ولعله ينهض في قادمات الأيام جيل رجال يقولون:


لســـنا وإن كَرُمــت أوائلــنا = يـومــاً عـــلى الآبـــاء نتــكل
نبني كـــما كــانــت أوائلــنا = تبني، ونفعــل مثــلما فعـــلوا

أيها الجمع الكريم: أتوجه أيضاً بالشكر للدكتور علي عقلة عرسان، رئيس اتحاد الكتاب العرب، الذي تقدم بهذه المبادرة، وأرجو أن تتبعها مبادرات، تقال فيها الكلمة الصادقة، وتُشهد فيها الشهادة الحق، التي عايشناها، ونظل ننشد:


قـــادة الفــكر في ربــوع بــلادي = يـــا أحـق الرجــال بـالتكريم
خلفكـــم في الخطا مســيرة جيل = يتـحراكـــم بشـــوق الفطيمِِِ

والسلام عليكم

(الدكتور شاكر الفحَّام ـــ مجموعة باحثين :

أدباء مُكّرمون ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب في دمشق ـ 2006م)

محمد ماهر
07-09-2008, 08:22 PM
رحمه الله رحمة واسعة ورحم علماءنا الأفذاذ، وأطال عمر من بقي منهم في الخير ...

عامر مشيش
08-09-2008, 05:47 PM
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

محمد سعد
08-09-2008, 06:06 PM
رحم الله استاذنا الفحَّام وهو من الذين تتلمذت على كتبهم
وكل الشكر والتقدير لدكتورنا الكريم مروان على ما يقوم به من جهد لتعريفنا بهذه الكوكبة من علمائنا الأفذاذ

الدكتور مروان
08-09-2008, 06:44 PM
رحم الله استاذنا الفحَّام وهو من الذين تتلمذت على كتبهم
وكل الشكر والتقدير لدكتورنا الكريم مروان على ما يقوم به من جهد لتعريفنا بهذه الكوكبة من علمائنا الأفذاذ


شكرا لك أخي الحبيب الغالي محمد سعد
أرجو أن تكون ، ومن تحب ، بكل خير وعافية
وللعلم فإن مقالاته وبحوثه جمعت في هذا العام في ستة مجلدات
وطبعت في دمشق
ودمتَ بودٍّ