المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الأصمعي



مسعـود
14-09-2008, 06:38 PM
قال أبو سعيد عبد الملك الأصمعي: "كنت بالبصرة أطلب العلم ، وأنا فقير . وكان على باب زقاقنا بقّال ، إذا خرجتُ باكرا يقول لي إلى أين ؟ فأقول إلى فلان المحدّث . وإذا عدت مساء يقول لي: من أين ؟ فأقول من عند فلان الإخباريّ أو اللغويّ . فيقول البقال: يا هذا، اقبل وصيّتي ، أنت شاب فلا تضيّع نفسك في هذا الهراء ، واطلب عملا يعود عليك نفعه ، وأعطني جميع ما عندك من الكتب فأحرقها . فوالله لو طلبت مني بجميع كتبك جزرة ، ما أعطيتُك ! فلما ضاق صدري بمداومته هذا الكلام ، صرت أخرج من بيتي ليلا وأدخله ليلا ، وحالي في خلال ذلك تزداد ضيقا ، حتى اضطررت إلى بيع ثياب لي ، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي ، وطال شعري ، وأخلق ثوبي ، واتّسخ بدني .

فأنا كذلك ، متحيّرا في أمري ، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي فقال لي: أجب الأمير . فقلت: ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى ؟ فلما رأى سوء حالي وقبح منظري ، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري ، ثم عاد إليّ ومعه تخوت ثياب ، ودرج فيه بخور ، وكيس فيه ألف دينار ، وقال: قد أمرني الأمير أن أُدخلك الحمام ، وأُلبِسك من هذه الثياب وأدع باقيها عندك ، وأطعِمك من هذا الطعام ، وأبخّرك ، لترجع إليك نفسك ، ثم أحملك إليه . فسررت سرورا شديدا ، ودعوتُ له ، وعملتُ ما قال ، ومضيت معه حتى دخلت على محمد بن سليمان . فلما سلّمتُ عليه ، قرّبني ورفعني ثم قال: يا عبد الملك ، قد سمعت عنك ، واخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين ، فتجهّز للخروج إلى بغداد . فشكرته ودعوت له ، وقلت: سمعا وطاعة . سآخذ شيئا من كتبي وأتوجّه إليه غدا . ‏

وعدت إلى داري فأخذت ما احتجت إليه من الكتب ، وجعلتُ باقيها في حجرة سددتُ بابها ، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا تحفظها . فلما وصلت إلى بغداد دخلت على أمير المؤمنين هارون الرشيد . قال: أنت عبد الملك الأصمعي ؟ قلت: نعم ، أنا عبد أمير المؤمنين الأصمعي . قال: أعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه . وها أنا أسلم إليك ابني محمدا بأمانة الله . فلا تعلمه ما يُفسد عليه دينه ، فلعله أن يكون للمسلمين إماما . قلت: السمع والطاعة . فأخرجه إليّ ، وحُوِّلْتُ معه إلى دار قد أُخليت لتأديبه ، وأجرى عليّ في كل شهر عشرة آلاف درهم . فأقمت معه حتى قرأ القرآن ، وتفقّه في الدين ، وروي الشعر واللغة ، وعلم أيام الناس وأخبارهم . واستعرضه الرشيد فأُعجب به وقال: أريد أن يصلي بالناس في يوم الجمعة ، فاختر له خطبة فحفِّظْه إياها . فحفّظتُه عشرا ، وخرج فصلى بالناس وأنا معه ، فأعجب الرشيد به وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية ، فجمعت مالا عظيما اشتريت به عقارا وضياعا وبنيت لنفسي دارا بالبصرة .

فلما عمرت الدار وكثرت الضياع ، استأذنتُ الرشيد في الانحدار إلى البصرة ، فأذن لي . فلما جئتها أقبل عليّ أهلها للتحية وقد فَشَتْ فيهم أخبار نعمتي . وتأمّلت من جاءني ، فإذا بينهما البقال وعليه عمامة وسخة ، وجبّة قصيرة . فلما رآني صاح: عبد الملك ! فضحكت من حماقته ومخاطبته إيّاي بما كان يخاطبني به الرشيد ثم قلت له: يا هذا ! قد والله جاءتني كتبي بما هو خير من الجَزَرَة !"

والله أبت نفسي إلا أن أورد قصة الأصمعي جميعها ، لجمال اللغة التي فيها . وقد تحسّرت أن الأصمعي - رحمه الله - لم يكن يصنف الكتب الطوال ، حتى نأخذ عنه هذه اللغة .

ثم رجع بنا القول إلى النحو .

في المقطع الثاني من القصة ، ".. فأنا كذلك ، متحيرا في أمري.." ، ما إعراب (متحيرا) ؟ وأظن أن مثل ذلك "بينما فلان (جالسا)" ، فما الإعراب ؟

الأحمر
15-09-2008, 01:32 AM
السلام عليك ورحمة الله وبركاته

حال منصوبة

ضاد
15-09-2008, 01:42 AM
أعجبني أسلوبه السردي. رائع جدا.

مسعـود
15-09-2008, 05:17 AM
أخي الأخفش ،

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

هل "أنا كذلك" مبتدأ وشبه الجملة (كذلك) خبر ؟ وما الإعراب الكامل لـ"بينما فلان جالسا" ؟ ولم لا تكون (جالس) مرفوعة ؟

أخي ضاد ،

:) هذه اللغة حقا رائعة ، ويمكن أن أقول أنها العربية التي يصبها تغيير كثير ، لأن الكتّاب الذين كانوا حتى قريبا من نهاية القرن الثالث الهجري ، كانت لغتهم قريبة جدا من هذه على وجه عام . مثل الجاحظ في (الحيوان) ، وأبي حنيفة الدنيوري الذي قد ضاعت أكثر كتبه ولكني قرأت له كتابه (النبات) ولغته علمية وغاية في الفصاحة والجزالة ، وأبي هلال العسكري في (جمهرة الأمثال) . وأرى أن لغة أبي نواس في شعره شبيهة بها .

تحية طيبة .

مسعـود
15-09-2008, 07:52 PM
يا أهل النحو ،

1- "فأنا كذلك متحيرا في أمري" ، هل (أنا) مبتدأ ، وشبه الجملة (كذلك) خبر ؟

2- ما الإعراب الكامل لـ"بينما فلان جالسا" ؟

:)

ضاد
15-09-2008, 09:43 PM
ممكن. ويكون \متحيرا..\ تفصيلا لكذلك.