المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : سؤال حول الآية : { مِنْ بَعْدِ مَوْتِها }



أحمد العبد الجبار
16-09-2008, 11:09 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الله تعالى في سورة البقرة :

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)


وقال تعالى في آية أخرى - سورة العنكبوت :

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)


سؤالي هو :

هل يوجد فرق في المعني بين ( بعد موتها ) وبين ( من بعد موتها)؟

وما الذي أفاده وجود ( من ) في الآية الثانية؟

أحمد الغنام
16-09-2008, 11:13 AM
الجواب هنا عن موقع"ملتقى أهل الحديث"

بعد ومن بعد "



بحث لغوي :

لما أنزل الله القرآن بلغة العرب جمع في آياته معاني التحدي وبقيت العرب ذاهلة أمام الكتاب بل اعترفت بعظمته فقالت (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)...
ثم كان أن سلب الله اللسان العربي بريقه فضرب بين العرب وبين تحسس إعجازه اللغوي بسور من التصنع المرهق,فصار الواحد منا يتساءل عن الدقائق الأسلوبية ولا يجد مناصاً لحل مشكلها من العودة إلى ما كتبه اللغويون في كتبهم ...
وموضوع بحثنا الآن في الدقة الأدائية التي يراعيها القرآن حين يستعمل حرف الجر (من) مع كلمة (بعد ) والتي لفتتنا إليها آيات إحياء الأرض في القرآن :

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) -السورة البقرة آية 164

(وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) السورة البقرة آية 259

(وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) النحل آية 65

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) العنكبوت آية 63

لماذا انفردت آية العنكبوت في استعمال حرف الجر (من ) مع كلمة (بعد) ؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد أن نرجع إلى معاني هذا الحرف.

قال ابن أُمّ قَاسِم المرادي قي الجنى الداني في حروف المعاني :
( (من ابتداء الغاية، في المكان اتفاقاً، نحو "من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى". وكذا فيما نزل منزلة المكان، نحو: من فلان إلى فلان. وفي الزمان عند الكوفيين، كقوله تعالى "من أول يوم". وصححه ابن مالك، لكثرة شواهده. وتأويل البصريين ما ورد من ذلك تعسف. ونقل ابن يعيش عن المبرد، وابن درستويه، موافقة الكوفيين.وتأول البصريون من أول يوم على تقدير: من تأسيس أول يوم. فإن قلت: فما يصنعون بنحو قوله "لله الأمر من قبل، ومن بعد"? قلت: ذكر ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح أن محل الخلاف إنما هو في الموضع الذي يصلح فيه دخول منذ. وهذا لا يصح فيه دخول منذ، فلا يقع خلاف في صحة وقوع من هنا.
وقد ذهب المبرد، وابن السراج، والأخفش الأصغر، وطائفة من الحذاق، والسهيلي، إلى أنها لا تكون إلا لابتداء الغاية، وأن سائر المعاني التي ذكروها راجع إلى هذا المعنى؛ ألا ترى أن التبعيض من أشهر معانيها، وهو راجع إلى ابتداء الغاية. فإنك إذا قلت: أكلت من الرغيف، إنما أوقعت الأكل على أول أجزائه، فانفصل. فمآل معنى الكلام إلى ابتداء الغاية. وإلى هذا ذهب الزمخشري))
فإن أخذنا بقول الزمخشري في أن (من) لابتداء الغاية لنا فما معنى أن يستعمل مع (بعد).نجد الوجه الأسلوبي بعد استقراء كثير من آيات القرآن التي تستعمل هذا
الأداء :
(الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) السورة البقرة آية 27

فإذا وجدت مفارقة منطقية في ما قبل (بعد)وما بعدها فاعلم أنه أولى الأساليب ب(من) ومن الآية السابقة نكتب على طريقة الرياضيين:
(ميثاق) و(نقض) اقتضت (من بعد)
فكأن (من) استعملت هنا لتصرح بما يلي :
من الممكن أن نجد قوماً ينقضون المواثيق ولكن انتبه أيها السامع أن الغرابة في
سلوك هؤلاء أن بداية نقضهم للمواثيق كانت بعد ميثاقه.
(ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) السورة البقرة آية 56
(موت) و(بعث) اقتضت (من بعد)
(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا) السورة البقرة آية 109

(كفر) و(إيمان) اقتضت (من بعد)
وهذا الأسلوب عام في كتاب الله وحتى يتسنى لك تمييزه لا بد لك أن تقارنه مع الآيات التي لا تستعمل (من) مع (بعد) :
(فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) البقرة آية 181
(يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) البقرة آية 75
في الآية الثانية (تحريف) و(تعقل) اقتضت (من بعد)
أما السماع في الآية الأولى لا يشترط تعقلاً ولا يحمل معنى المفارقة المنطقية ذاته الذي دلت عليه الآية الثانية.
وإذا تأمل القارئ فيما يلي:
(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) البقرة آية 120
(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) البقرة آية 145
له أن يتساءل : لماذا انفردت الآية الثانية باستعمال (من) مع أن كلا الآيتين تحملان المفارقة المنطقة ذاتها ,فلماذا لم تنطبق قاعدتنا:
(اتباع الهوى) و(علم) اقتضت (من بعد)
والجواب أن الآية الثانية عبرت عن تناقض غريب بين سلوك قد تتبعه وبين جبلتك التي جبلت عليها:
(ما أنت بتابع قبلتهم-بجبلتك-) و(اتبعت هواهم-ومنها قبلتهم-) ß (من بعد)
وإذا عدنا لآيات إحياء الأرض بعد موتها علمنا أن إظهار التناقض أولى ما يكون في معرض الجدل والبرهان ,وهنا استعمل (من) ليثبت لهم الفاعل :
(إحياء الأرض) و(موت الأرض) اقتضت(مرجح هو الله)
أما بقية الآيات فليست سوى استعراض لقدرة الفاعل بعد أن اعترفت له العقول
وإذا ما استمعنا لنستمع إلى مايقوله الطاهر بن عاشور في آيات إحياء الأرض وحيثية استعمال من في آية العنكبوت وجدناه يلمس هذا المعنى البلاغي فيقول:( ولما كان سياق الكلام هنا في مساق التقرير كان المقام مقتضيا للتأكيد بزيادة )من( في قوله )من بعد موتها( إلجاء لهم إلى الإقرار بأن فاعل ذلك هو الله دون أصنامهم فلذلك لم يكن مقتضىً لزيادة )من( في آية البقرة، وفي آية الجاثية(فأحيا به الأرض بعد موتها))



أعده :يزن الجيرودي