المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ملامحُ الخطابِ النفسيّ في القرآنِ الكريم ..



ندى الرميح
24-09-2008, 01:06 AM
:::

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شاع في الخطاب القرآني كثيرٌ من المعاني النفسية التي تبدو واضحة من السياق ، والقرائن ، والألفاظ ؛ لتكون أوعية مشحونة بتلك المعاني ، وهذا أمر مهم في تبليغ الخطاب وإيصاله إلى النفوس ؛ بغية تقبله والإيمان به ؛ لأن العقل وحده لا يدفع إلى الإيمان بعمق ؛ إذ لا بد من تضافر العقل والنفس .

وهنا سأعرض بعضًا من المعاني النفسية التي عبر عنها القرآن الكريم بطريقته المفتنة ، تخيّرتها - بتصرّف - من كتاب ( الخطاب النفسي في القرآن الكريم - دراسة دلالية أسلوبية ) للدكتور/ كريم الخالدي :


1/ الخوف والرهبة :

صور الخطاب القرآني الخوف والرهبة في نفوس المسلمين أو الكافرين بدقة ووضوح ؛ فأظهر ما يعتري النفوس في حالات الشدة أو الكوارث ، فيحس المخاطب بما ينتاب الموصوفين من خلال ربط الحالات التي عاشوها بأدوات التعبير عنها ؛ إذ يرتبط الخوف بعلامات كثيرة تعرض لها الذكر الحكيم .


ولنأخذ على ذلك شاهدًا :

قال تعالى : ( فإذا جاءَ الخوفُ رأيتَهم ينظرون إليك تدورُ أعينُهم كالذي يُغشى عليه من الموت ) ( الأحزاب : 19 )


لاحظوا معي كيف عُبر عن الخوف هنا ( خوف المنافقين ) :


إن إسناد الدوران إلى العيون ( وعدم الاكتفاء بقوله ينظرون ) ، وتشبيهه بنظر المغشي عليه الذي يعاني سكرات الموت تعبير دقيق عن حالة الخوف والرهبة الكاملة ؛ لأن الفعل ( دور ) يعني : اللف حول الشيء ، وهذا يوضح اضطراب نفوسهم ، وتغلغل الخوف فيها ، مما يجعلهم يبحثون عن مفر يلجؤون إليه ، أو حل لما هم فيه ، لذا تدور الأعين في أرجاء المكان ، ينظر أحدهم في وجه الآخر ، وتتقلب أحداقهم في حركة دائبة ، وهذا المعنى لن يَأْلقَ لولا وجود دليل الخوف البادي في الآية ( تدور أعينهم ) .

والتشبيه ركيزة أخرى من ملامح التعبير عن النفسية الوجلة هنا ( كالذي يغشى عليه من الموت ) فهو يصور عظم الخوف ، ويقرب صورته ؛ لما يكون عليه حال المغشي عليه من انهيار وخور ، فلا يرى الأشياء كما هي ، بل يشعر بدوران الأرض حوله ، ثم فقد الوعي ، ولم تكن حركة عيونهم أمارة حيوية أو حياة ، وإنما مظهر عجز واستسلام ...... وهكذا حال المنافقين الخائفين الشديدة في الآية .

والله - تعالى - أعلم .

يُتبع بحول الله .

عبدالعزيز بن حمد العمار
24-09-2008, 04:44 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ...
ما شاء الله !
يا لروعة القرآن !
اسمحي لي بالمشاركة ، واعذريني على المقاطعة من فضلك :
لقد تحدثت عن البلاغة بشكل رائع في الآية من خلال دوران الأعين والتشبيه كعادتك ، ولقد لفت انتباهي ، ونال إعجابي زادك الله علمًا .
قرأت الآية مرة أخرى ، فخرج لي الآتي ، والرأي لك .
فهل ما أقول بالطريق الصحيح ؟
بدئت الآية بالظرف ( إذا ) وهي للتكثير ، ولم تبدأ ( بإن ) . فالمنافقون كما ذكر- تعالى - ( يحسبون كل صيحة عليهم ) ، والذي اقشعر له جسدي حين توالت الأفعال - سبحان الله - والله لقد اقشعر جسدي :
- جاء الخوف + رأيتهم + ينظرون
ومما يزيد الأمر جمالا وقوة ً تصويرُ الخوف حتى كأنه الرجل يأتي .
والسامع للآية تذهله كثرة الحركة في الآية من خلال توالي الأفعال ، ومع الحركة والاضطراب ثمة صور تقدح في ذهن السامع :
مجيء الخوف + رؤيتهم + الخطاب الموجه للنفس + صور كثيرة لأشخاص كثر تدور أعينهم + صور أخرى : ( الموت و كربه ) . سبحان الله !
والآية تخلب السامع بالبناء للمعلوم حتى تصل إلى أعلى حد ، فتترك السامع ليتصور أشياء كثيرة ، وذلك بالبناء للمجهول ( يُغشى ) .
دعواتي .

خالد مغربي
24-09-2008, 05:05 AM
أشعلت فتيل التأمل أختي ندى فانبجس عبدالعزيز بتأمل تضافر مع تأملك فلله دركما
مزيدا من التألق أخوي العزيزين

أبو عمار الكوفى
24-09-2008, 05:18 PM
بارك الله فيكم :
ولْنَظرْ لروعة التصوير : { تدور أعينهم } فالعين كلها تدور رغم أن المنظور إليه شخص النبي صلى الله عليه وسلم ؛ دلالة على شدة الرعب والتحير .
{ كالذي يغشى عليه من الموت } فمَن في السكرات ينظر بكلتي عينيه لمن حوله في ذهول ورعب ، وحيرة مما يحدث .

ندى الرميح
27-09-2008, 02:35 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ...
ما شاء الله !
يا لروعة القرآن !
اسمحي لي بالمشاركة ، واعذريني على المقاطعة من فضلك :
لقد تحدثت عن البلاغة بشكل رائع في الآية من خلال دوران الأعين والتشبيه كعادتك ، ولقد لفت انتباهي ، ونال إعجابي زادك الله علمًا .
قرأت الآية مرة أخرى ، فخرج لي الآتي ، والرأي لك .
فهل ما أقول بالطريق الصحيح ؟
بدئت الآية بالظرف ( إذا ) وهي للتكثير ، ولم تبدأ ( بإن ) . فالمنافقون كما ذكر- تعالى - ( يحسبون كل صيحة عليهم ) ، والذي اقشعر له جسدي حين توالت الأفعال - سبحان الله - والله لقد اقشعر جسدي :
- جاء الخوف + رأيتهم + ينظرون
ومما يزيد الأمر جمالا وقوة ً تصويرُ الخوف حتى كأنه الرجل يأتي .
والسامع للآية تذهله كثرة الحركة في الآية من خلال توالي الأفعال ، ومع الحركة والاضطراب ثمة صور تقدح في ذهن السامع :
مجيء الخوف + رؤيتهم + الخطاب الموجه للنفس + صور كثيرة لأشخاص كثر تدور أعينهم + صور أخرى : ( الموت و كربه ) . سبحان الله !
والآية تخلب السامع بالبناء للمعلوم حتى تصل إلى أعلى حد ، فتترك السامع ليتصور أشياء كثيرة ، وذلك بالبناء للمجهول ( يُغشى ) .
دعواتي .

الأستاذ الفاضل عبدالعزيز العمار :

بورك هذا التأمل الكريم ... أسأل الله أن يعمر قلبك بنور القرآن ، ويوقد ذهنك لتدبر البيان .
من أهم أغراض البلاغة : هي أن يكتشف المتلقي سر الجمال في التعبير ، فيحس به ، وتسري في دخيلته تلك الرعشة الكهربية اللذيذة ! فيجلي حسنه ، ويكشف دقة تركيبه .
ليست المصطلحات البلاغية غاية في حد ذاتها ، بل وسيلة لاكتشاف المكنون من الجمال .

وفقت أخي ..

ندى الرميح
27-09-2008, 02:37 PM
أشعلت فتيل التأمل أختي ندى فانبجس عبدالعزيز بتأمل تضافر مع تأملك فلله دركما
مزيدا من التألق أخوي العزيزين

الأستاذ الفاضل مغربي :

حضورٌ يعني كثيرًا ، وتشجيعٌ يحتاجه أمثالي ..

ندى الرميح
27-09-2008, 02:48 PM
بارك الله فيكم :
ولْنَظرْ لروعة التصوير : { تدور أعينهم } فالعين كلها تدور رغم أن المنظور إليه شخص النبي صلى الله عليه وسلم ؛ دلالة على شدة الرعب والتحير .

الأستاذ الفاضل أبو عمار الكوفي :
لقطة حصيفة استوقفتني أيها الكريم ، جعلتني أردد النظر فيها متسائلة :

ما الذي يدور فعلاً من أجزاء العين ؟
في المتعارف المشهور : أن الذي يدور هو الحدقة ، لا العين كلها بما فيها من رمش وجفن !

ولكنه البيان الأسمى الذي جعلنا نتخيل أن عيون المنافقين كلها - بما فيها من أهداب وجفون - تدور !
ولا شك أن هذا التعبير أدخل في إبراز الخوف ، وأكثر بيانًا لشدة الحركة المضطربة اللاهثة !

وهذا التعبير لون من المجاز المرسل ، من إطلاق المحل على الحال .

والله - تعالى - أعلم .

ندى الرميح
29-09-2008, 04:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أكمل - بإذن الله - هذه الملامح التي تمس التعبير عن المعاني النفسية في القرآن مسًا ، ولا تتعمق فيه درسًا .. والله المستعان ..


2/ الفرح والحزن :


تناول الخطاب القرآني الفرح والحزن ، وصور مظاهرهما الكثيرة : القولية والفعلية على السواء .


من ذلك :


عبر الخطاب القرآني الكريم بـ ( العين ) ؛ للدلالة على حالات الحزن والفرح ، من ذلك :


قوله تعالى : " فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون " ( الواقعة : 83 – 84 )


فالحزن والألم في نفوس أهل الميت يظهران على ملامح وجوههم وهم يعيشون لحظات وداعه ، وهو مسجًى بينهم ، ينظرون إليه وهو يصارع الموت نظرات الحزين المتفطر الذي ينتظر فراق الحبيب ، ونظرات المودع المفارق لمن لا يريد فراقه !


ولصيغة المضارع ( تنظرون ) دلالة على استحضار الحال ، فأي حزن أقسى من فراق حبيب ينازع بين ناظريك ؟!


لقد لامس القرآن ذلك ، وأشهدنا الموقف ، فتفطّرت من التصوير قلوب !


******


وقال تعالى : " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون " ( التوبة : 92 )


لتعيشوا في ظلال التعبير الآسر ، ألخص سبب نزول الآية :


( الآية خطاب للرسول – صلى الله عليه وسلم – نزلت في جماعة جاءت إليه تسأله حملهم إلى الجهاد ، فرد عليهم عليه الصلاة والسلام : بأنه لا يجد حمولة يحملهم عليها ، فما كان منهم إلا الرجوع بقلب مفجوع ! إذ لم تتحقق أمنيتهم في الجهاد ) ( ينظر : أسباب النزول للواحدي / 210 ) .


لاحظوا معي التعبير القرآني البديع في استعمال الفعل : ( تفيض ) !


ذلك أن الفيضان يدل على الكثرة ، والمبالغة في التعبير عن سيلان الدمع للحزن الذي يكمن في صدورهم ، وجاء نصب ( حَزَنًا ) ؛ ليكون دليلاً على أن فيضان الدمع من أجل عدم حصولهم على ما يركبونه للجهاد !


فلله در التعبير هنا عن الإيمان ما أصدقه !


********


ومن التعبير القرآني للفرح :


قوله تعالى : " وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة ." ( عبس / 38-39 ).


هنا التعبير الدقيق عن حالة الفرح العارمة ، جعل الأداة ( الوجه ) وكأنها هي التي تركز فيها الفرح والبشر ، وليس الإنسان ككل ، وهذا لون من التعبير يسميه أهل البيان بالمجاز المرسل ، من إطلاق الجزء وإرادة الكل .


ولا شك أن هذا التجسيد لحالة الفرح أكثر قدرة على الإيضاح ؛ لأن اقتطاع جزء من الجسد ليُبرز ما ألمّ بالنفس من فرح يفيد أكثر ؛ ذلك أن الوجه هو الجزء المختص بإظهار معالم الحزن والفرح ، وتظهر هنا ذروة الخطاب القرآني المعبر عن الفرح ، وكأن هذه الوجوه هي المستبشرة الضاحكة ، وليس صاحبها لبيان مواطن ظهورها بجلاء !


ثم إن حالات الفرح هنا جاءت على صيغة اسم الفاعل ( مسفرة ، ضاحكة ، مستبشرة ) واسم الفاعل يعد أقوى صياغة دالة على ثبات الوصف ! (1) وهو في الآية : ثبات البشر والفرح للأتقياء يوم القيامة ، فهو فرح سرمدي ، وسرور لا ينقضي !


اللهم اجعلنا من أصحاب تلك الوجوه ..


والله - تعالى - أعلم ..


(1) يسمي الكوفيون اسم الفاعل : الفعل الدائم .

أنوار
29-09-2008, 05:29 PM
اللهم آمين .... وجزاكِ عنَّا " أستاذه ندى " كل خير .. على هذه الوقفات الجميلة الماتعة ..

فمازلت أقـــــــرأ .. إلى أن فوجئـــت بدعائـــك يستوقفــــــــني .. أتمنى منكِ المزيد ..

د.عليّ الحارثي
05-10-2008, 10:30 AM
بارك الله فيك أستاذة ندى الرميح!

و جزيت خيرًا على إضافة هذا الموضوع!

و جزى الله خيرًا الإخوة المشاركين فيه!



... جعلتني أردد النظر فيها متسائلة :

ما الذي يدور فعلاً من أجزاء العين ؟
في المتعارف المشهور : أن الذي يدور هو الحدقة ، لا العين كلها بما فيها من رمش وجفن !

ولكنه البيان الأسمى الذي جعلنا نتخيل أن عيون المنافقين كلها - بما فيها من أهداب وجفون - تدور !
ولا شك أن هذا التعبير أدخل في إبراز الخوف ، وأكثر بيانًا لشدة الحركة المضطربة اللاهثة !

وهذا التعبير لون من المجاز المرسل ، من إطلاق المحل على الحال .

والله - تعالى - أعلم .


بل هو ـ بارك الله فيك ـ من إطلاق الكلِّ و إرادة الجزء؛فأطلق الأعين و أراد الحَدَقَ؛مبالغةً في تصوير ما بلغوا من الخوف, و للمعاني التي ذكرتِها.

و لا يُعدّ هذا من إطلاق المحلّ على الحالِّ؛لأنّ هذا الضرب من العلاقة لا يكون إلّا بين منفصلين يحلّ أحدهما في الآخر في بعض الوقت , ولا يكون جزءًا منه ثابتًا فيه كما الحدقة من العين.

هذا على إرادة المجاز.

و يمكن أنْ يُفهم من (أعينهم) في قوله تعالى: ( تدور أعينهم) حقيقة معناها؛لأنّ المقصود بها هنا حاسّة الرؤية,و لا يدخل فيها الجفون و لا غيرها مما يليها, و لأنّ الذي يدور ـ على الحقيقة ـ العينُ كلُّها: الحدقة و البياض المحيط بها, وعليه فلا مجاز في الآية.

و يمكن أنْ يُحملَ المعنى على أنّ المعتدّ به ـ في الرؤية ـ هو الحدق,و إنْ كان الذي يدور ـ في الحقيقة ـ هو العين كلّها؛إذْ المقصود بالعين حاسّة الرؤية,و عليه يسوغ القول بالمجاز المرسل؛ بعلاقة الكليّة.

لطيفةٌ أخرى:

من لطائف البيان الحكيم في هذه الآية عدم الفصل بين الشرط و جوابه بفاصل؛إذْ قال سبحانه: ( فإذا جاءَ الخوفُ رأيتَهم ينظرون إليك تدورُ أعينُهم كالذي يُغشى عليه من الموت ) ( الأحزاب : 19 )؛فجاء بجواب الشرط: (رأيتهم ...) و ما دخل في حكمه مما جاء بعده من تصوير حال شدة ذعرهم ـ جاء به بعد انقضاء الشرط مباشرة؛ إيذانًا بأنّ هذه الحال كائنةٌ منهم لا محالة بمجرد تحقق الشرط, وأنّها متمكّنةٌ في طباعهم تمكُّنَ الجِبلّة؛حتى إنّه لا يُتوقّعُ منهم خلافها, و هو تصوير لدواخل نفوس المنافقين و ما عُرفوا به من دوام التوجّس و الخوف الشديد,و المسارعة في ما وصفهم به الله تعالى من قوله : (يحسبون كلَّ صيحةٍ عليهم...).


و جزاكم الله خيرا!

أحاول أن
08-10-2008, 01:09 PM
جزاكم الله خيرا أجمعين ..
تفاعل ٌ ماتع مفيد ..
نرجو أستاذة ندى ألا يتوقف تدفق مثل هذه الصفحات العِذاب ..

ندى الرميح
10-10-2008, 01:29 AM
اللهم آمين .... وجزاكِ عنَّا " أستاذه ندى " كل خير .. على هذه الوقفات الجميلة الماتعة ..

فمازلت أقـــــــرأ .. إلى أن فوجئـــت بدعائـــك يستوقفــــــــني .. أتمنى منكِ المزيد ..

العزيزة أنوار :

أشكر حضورك الجميل ، وفقك الله وأنار دربك .


بارك الله فيك أستاذة ندى الرميح!

و جزيت خيرًا على إضافة هذا الموضوع!

و جزى الله خيرًا الإخوة المشاركين فيه!





بل هو ـ بارك الله فيك ـ من إطلاق الكلِّ و إرادة الجزء؛فأطلق الأعين و أراد الحَدَقَ؛مبالغةً في تصوير ما بلغوا من الخوف, و للمعاني التي ذكرتِها.

و لا يُعدّ هذا من إطلاق المحلّ على الحالِّ؛لأنّ هذا الضرب من العلاقة لا يكون إلّا بين منفصلين يحلّ أحدهما في الآخر في بعض الوقت , ولا يكون جزءًا منه ثابتًا فيه كما الحدقة من العين.

هذا على إرادة المجاز.

و يمكن أنْ يُفهم من (أعينهم) في قوله تعالى: ( تدور أعينهم) حقيقة معناها؛لأنّ المقصود بها هنا حاسّة الرؤية,و لا يدخل فيها الجفون و لا غيرها مما يليها, و لأنّ الذي يدور ـ على الحقيقة ـ العينُ كلُّها: الحدقة و البياض المحيط بها, وعليه فلا مجاز في الآية.

و يمكن أنْ يُحملَ المعنى على أنّ المعتدّ به ـ في الرؤية ـ هو الحدق,و إنْ كان الذي يدور ـ في الحقيقة ـ هو العين كلّها؛إذْ المقصود بالعين حاسّة الرؤية,و عليه يسوغ القول بالمجاز المرسل؛ بعلاقة الكليّة.

لطيفةٌ أخرى:

من لطائف البيان الحكيم في هذه الآية عدم الفصل بين الشرط و جوابه بفاصل؛إذْ قال سبحانه: ( فإذا جاءَ الخوفُ رأيتَهم ينظرون إليك تدورُ أعينُهم كالذي يُغشى عليه من الموت ) ( الأحزاب : 19 )؛فجاء بجواب الشرط: (رأيتهم ...) و ما دخل في حكمه مما جاء بعده من تصوير حال شدة ذعرهم ـ جاء به بعد انقضاء الشرط مباشرة؛ إيذانًا بأنّ هذه الحال كائنةٌ منهم لا محالة بمجرد تحقق الشرط, وأنّها متمكّنةٌ في طباعهم تمكُّنَ الجِبلّة؛حتى إنّه لا يُتوقّعُ منهم خلافها, و هو تصوير لدواخل نفوس المنافقين و ما عُرفوا به من دوام التوجّس و الخوف الشديد,و المسارعة في ما وصفهم به الله تعالى من قوله : (يحسبون كلَّ صيحةٍ عليهم...).


و جزاكم الله خيرا!

الدكتور الفاضل علي الحارثي :

ما أسعدني بهذه المداخلة المثرية ! دعواتي أن تجود بمثلها فننهل من نمير نبعها .

زادك الله علمًا وفضلا .


جزاكم الله خيرا أجمعين ..
تفاعل ٌ ماتع مفيد ..
نرجو أستاذة ندى ألا يتوقف تدفق مثل هذه الصفحات العِذاب ..

الأستاذة الفاضلة أحاول أن :

أشكر كريم حضورك ، بارك الله فيك .

ضياء الأمل
18-10-2008, 08:42 AM
بالفعل موضوع رائع ومليئ بالدرر والجواهر
نفع الله بعلمكم أستاذه ندى والأساتذة الأفاضل
عبد العزيز العمار ، وعلي الحارثي
وقفاتكم وتأملاتكم في النصوص القرآنية
مما يعمق الإيمان ويرسخ العقيدة
لا حرمتم أجر ماسطرتم
ونرجوا أن لا تقفوا عند هذا الحد
تابعوا لنستفيد من علمكم
جزيتم الجنة

ندى الرميح
20-10-2008, 12:59 AM
بالفعل موضوع رائع ومليئ بالدرر والجواهر


نفع الله بعلمكم أستاذه ندى والأساتذة الأفاضل
عبد العزيز العمار ، وعلي الحارثي
وقفاتكم وتأملاتكم في النصوص القرآنية
مما يعمق الإيمان ويرسخ العقيدة
لا حرمتم أجر ماسطرتم
ونرجوا أن لا تقفوا عند هذا الحد
تابعوا لنستفيد من علمكم

جزيتم الجنة


عزيزتي ضياء الأمل :
أشكر ذوقك ، ورقة كلماتك ، وتسعدني متابعاتك .
جزيتِ الحسنى وزيادة .

ندى الرميح
20-10-2008, 01:10 AM
أواصل - إخوتي في الله - تلك اللمسات النفسية التي رسمها البيان العظيم ..


3/ الندم :

وصف الخطاب القرآني الندم في آيات كثيرة منه ، وصف فيها حالات النفس حين يدرك المرء خطأه ، وسوء عمله ، فيبكت نفسه ويلومها ، ويشعر بأنه قد جنى عليها .

وهي حالات يصاحبها الحزن والألم ؛ لذا جاءت موصوفة بعبارات يتمنى فيها النادم أن تتاح له فسحة من العمر ؛ لكي يصحح فيها خطأه ، وهذه العبارات مشحونة بما يدل على الحسرات ؛ لذا اقترنت كثيرًا بـ ( يا ) الدالة على التمني أو التحسر .

ومن أمثلة وصف القرآن للندم ، قوله تعالى :
" يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا " ( الأحزاب : 66 ) .

نسمع أنينهم في النار ، تتقطع أنفاسهم حسرات على ما فعلوا في الدنيا حتى نالوا ذلك العذاب الأليم ، فيقولون – بصوت ممتد بحسرة – " يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا " !

تأملوا ندمهم البادي في قولهم هنا ، إن كل لفظة من هذه الألفاظ تمتد فيها حسرة طويلة موصولة بألف يمتد معها الصوت : ( يا ) ( ليتنا ) ( أطعنا ) ( الرسولا ) .

وإن من البيان القرآني هنا ما لا تقضي النفس منه عجبًا !

لاحظوا معي كلمة ( الرسولا ) . في أسلوبنا البشري اللغوي ننصب الكلمة بعلامة الفتحة من غير زيادة ألف في آخرها ؛ لأن الكلمة معرفة بـ ( أل ) ، فنقول : الرسولَ .

ولكنه البيان الأسمى الذي تقصر دونه أفهام حُذاق البلاغة وأرباب البيان !

ذلك البيان الذي أراد إظهار حسرة النادمين في كل لفظ يتلفظونه ، فجاءت الألف تقفو ( الرسول ) ؛ مجانسة بذلك امتداد صوت النادمين متردد الصدى بلا نهاية ، وهم يتحسرون في قاع جهنم ؛ ندمًا على ما فعلوا ، ولتمتد عباراتهم الأسيفة حينما يستذكرون ما ارتكبوه من جرائر بإطاعة ساداتهم وكبرائهم حتى ضلوا السبيل ، فجاءت دعواهم عليهم وهم في تلك الحالة من الندم : " ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرا " ( الأحزاب : 68 ).

****

ويقرن الخطاب القرآني معنى الندم بوصف حال النادمين ، وبيان ما آلوا إليه مما لا يتمنونه ، قال تعالى : " ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون " ( السجدة : 12 ) .

هنا دلالة على ندمهم وذلهم معًا بقوله : ( ناكسو رؤوسهم ) ، وهي عبارة تثير الأسى في النفس ؛ حتى تعلم أن الطاغي أو المتكبر أو الجبار في حالة استكانة وذل وانهيار ، قد نكس رأسه ذلاً وخوفًا وشعورًا بالندم ، يتمنى أن يرد إلى الحياة ؛ ليصحح مسيرة حياته ، وذلك أمر محال !


والله - تعالى - أعلم .