المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : وزن ( اطَّـيَّـر ، وادَّارَك ) وما شابههما .



ابن بريدة
02-10-2008, 04:39 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

كل عام وأنتم بألف خير وسلامة وعافية ، وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام .

سأل الأخ الفاضل الأخفش عن وزن هاتين الكلمتين فكلٌّ أبدى رأيه ، فأحببت أن أضع بين أيديكم ما وقفت عليه من آراء العلماء حول هذه المسألة ، والله الموفق .

قال الله تعالى : " ‏قالوا اطيرنا بك "
وقال عز وجل : " بل ادارك علمهم في الآخرة "
الأصل ( تطيرنا ) فأدغمت التاء في الطاء ، واجتلبت الألف لسكون الطاء ، فإذا ابتدأت قلتَ : اطيرنا بك ، وإذا وصلت لم تذكر الألف وتسقط لأنها ألف وصل . (1)
وادَّارك على معنى ( تدارك ) بإدغام التاء في الدال فتصير دالاً ساكنة ، فلا يبتدأ بها فيَأتي بألف الوصل لتصل إلى التكلم بها . (2)
وأدغمت التاء في الدال حتى تصير دالاً ؛ لأنهما من موضع واحد ، وهما شديدتان ليس بينهما شيء إلا الجهر والهمس . (3)
واختلف أهل اللغة في وزن هاتين الكلمتين وما شابههما ، وهذا الخلاف مبني على اختلافهم في مراعاة الإبدال من تاء الافتعال وما شابهه في الميزان الصرفي من عدمه .
فالفريق الأول يرى إنهما على وزن ( تَـفَـعَّـل ، تَـفَـاعَـل ) باعتبار أصلهما ، وأن الإبدال والإدغام الحادث فيهما لا يراعى في الميزان الصرفي ، وممن يرى هذا الرأي إمام النحاة سيبويه – رحمه الله – ، ولم أقف على نصٍّ صريح له يوافق فيه هذا الرأي ، لكننا نفهم ذلك من أحد نصوصه حيث يقول : " وقالوا في مفتعلٍ من صبرتُ : مُصطبِرٌ " (4)
ومنهم ابن الحاجب - رحمه الله – حيث ذكر أن المبدل من تاء الافتعال وإن كان زائدًا فإنه يعبر عنه بالتاء ولا يعبر عنه بلفظه ؛ إما للاستثقال ، وإما للتنبيه على الأصل .
ووافقهم على ذلك ابن هشام – رحمه الله – فذكر أن الزائد في الكلمة يقابل في الميزان بلفظه ، فـ ( اصطبر ، وادَّكر ) على وزن افتعل ؛ لأن الأصل : اصتبر ، واذتكر . (5)
ومن العلماء المعاصرين نجد أن الدكتور فخر الدين قباوة يذهب هذا المذهب ، ويذكر أن الفعل ( يَطَّرِد ) على وزن ( يَفْتَعِل ) . (6)
ونجد أيضًا الأستاذ الدكتور أبا أوس الشمسان يذكر أن وزن المتغير على نوعين : نوع نزنه بحسب أصله ، أي : بنائه الباطن ولا نلتفت إلى بنائه الظاهر ، ونوع نزنه حسب صورته الحاضرة ، ثم ذكر من مواضع النوع الأول : الإدغام فيما هو على أبنية ( افتعل ، وتفعَّل ، وتفاعل ) وفروعها ، وذكر عدة أمثلة منها : اثَّاقل على وزن تفاعل ؛ لأن أصلها تثاقل فهي مغيرة عن الأصل ، وإنما حدث التغيير طلبًا للإدغام وخفة النطق على اللسان . (7)
وذهب هذا المذهب الدكتور محمد عبدالخالق عضيمة فذكر أن الجمهور يرى أن الإبدال من تاء الافتعال وشبهه لا يراعى في الميزان الصرفي ، فنقول في وزن اطَّيَّر تفعَّل ، وفي ادَّارك تفاعل . (8)


وأما الفريق الثاني فيرى وجوب مراعاة الإبدال من تاء الافتعال وما شابهها في الميزان الصرفي ، ولم أجد إلا الرضيَّ – رحمه الله – يرى هذا الرأي ، فنراه يرد على ابن الحاجب في قوله الذي نقلناه في هذه المسألة ، فيقول : " وهذا مما لا يُسلم له ، بل تقول : اضطرب على وزن افطعل .. فيعبر عن كل الزائد المبدل منه بالبدل لا بالمبدل منه " (9)
ثم رد على تعليل ابن الحاجب بأن هذين حاصلان – يعني الاستثقال والتنبيه على الأصل – في ( فَحَصْطُ ، وفُزْدُ ) – أي فحصت وفزت – ولا يوزنان إلا بلفظ البدل ، ولو قال – يعني ابن الحاجب - : ويعبر عن الزائد بلفظه ، إلا المدغم في أصلي فإنه بما بعده ، والمكرر فإنه بما قبله ؛ ليدخل فيه نحو قولك : ازَّيَّن ، وادَّارك على وزن افَّعَّل وافَّاعل ، وقولك : قردد ، وقطَّع واطَّلب على وزن فَعْلَل وفعَّل وافَّعَل لكان أولى وأعم . (10)
ثم وجدت أن الدكتور محمد عبدالخالق عضيمة يشير إلى هذا الرأي فيقول : وبعضهم يزنها بالصفة التي هي عليها فيقول اطَّيَّر على وزن افَّعَّل ، وفي وزن ادَّارَك افَّاعل (11) ، ولكنه نسب القول الأول إلى جمهور النحاة – كما أسلفنا - .

===========
1 انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ج 4 ص 93
2 المصدر السابق ج 4 ص 97
3 انظر كتاب سيبويه ج 4 ص 461
4 انظر الكتاب ج 4 ص 467
5 انظر أوضح المسالك ج 4 ص 324
6 انظر المورد النحوي الكبير ص 349
7 انظر دروس في علم الصرف ج 1 ص 26 – 29
8 انظر المغني في تصريف الأفعال ص 39
9 انظر شرح الرضي على الكافية ج 1 ص 18
10 انظر شرح الرضي على الشافية ج 1 ص 19
11 انظر المغني في تصريف الأفعال ص 39

أ.د. أبو أوس الشمسان
02-10-2008, 04:48 PM
بوركت أخي ابن بريدة

حرف
02-10-2008, 06:14 PM
بارك الله فيك أخي ( ابن بريدة ) على هذا الاستقصاء الموثَّق .

الأحمر
02-10-2008, 07:32 PM
السلام عليك ورحمة الله وبركاته

أخي الفاضل ابن بريدة
أشكرك على هذا البحث الموثق فبارك الله فيك وجزاك كل خير
إذن وزن ( اطـّـيـّـر ) هو تفعّـل ووزن ( ادّارك ) هو تفاعل
بقي مصدر الفعلين ووزنهما فما هما ؟
وددتُ لو أنك وضعته في موضوعي للعلاقة بينهما
موضوعي هنا
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=38603

ابن بريدة
02-10-2008, 09:36 PM
أشكر جميع الأساتذة الذين شرفوني بشكرهم ، وألتمس العذر من أخينا الأخفش بوضع البحث في موضوع مستقل ، وقد كان حقه أن أدرجه في موضوعه السابق .

مصدر اطَّـيَّـر >> تَـطَـيُّـر على وزن تَـفَـعُّـل
وأما ادَّارَك فمصدرها تَـدَارُك على وزن تَفَاعُـل

والله أعلم ..

أنوار
04-10-2008, 10:33 AM
جوزيتــــــــم خيراً ..

الدكتور مروان
04-10-2008, 11:12 AM
وللزيادة في توضيح الكلمة الثانية :
{بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ..} [النمل :66]
هذه قراءة أكثر النحويين ؛ منهم شيبة ونافع ويحيى بن وثاب وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي ،
وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير وحُمَيْدٌ {بَل أدْرَكَ}،
وقرأ عطاء بن يسار {بَل ادْرَكَ} بتخفيف الهمزة ،
وقرأ ابن محيصن {بَل ادْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} ،
وقرأ ابن عباس {بَلَى أدّارَكَ} ..
وإسناده إسناد صحيح ، وهو من حديث شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، وزعم هارون القارئ أن قراءة أُبَيّ بن كعب :
{بل تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ}.
القراءة الأولى والآخرة معناهما واحد ؛
لأن أصل ادّارَكَ تَدَارَكَ أُدغِمَتِ التاء في الدال فجيء بألف الوصل ؛
لأنه لا يُبتَدأُ بساكن فإِذا وصَلَت سَقَطَت ألف الوصل وكُسِرَتِ اللام لالتقاء الساكنين.
وفي معناه قولان:
أحدُهُما أنّ المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كلَّما وعِدُوا به معانيةً فتكامَلَ علمهم به ،
والقول الآخر أنّ المعنى بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا تكون، وقالوا لا تكون.
وفي معنى أدْرَكَ قولان:
أحدهما معناه كمل في الآخرة، وهو مثل الأول، والآخر على معنى الانكار ، وهذا مذهب أبي إسحاق، واستدل على معنى صحَّةِ هذا القول بأن بعده :
{بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ}.
فأما معنى ادْرَكَ فليس فيه إلاّ وجهٌ واحد، يكون فيه معنى الانكار كما تقول : أأنا قاتلتكَ ؛ أي لم أقاتلك ؛ فيكون المعنى لم يُدْرِكْ.
"بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ" حُذِفَتْ منه الياء لالتقاء الساكنين، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.

الدكتور مروان
04-10-2008, 11:19 AM
وقال سيبويه ؛ في كتابه ، في بابة :
(باب الإدغام في حروف طرف اللسان)
(( وتصديق ذلك قوله عز وجل:
"فادارأتم فيها" يريد: فتدارأتم "وازينت" إنما هي تزينت. وتقول في المصدر: ازينا ودارأ. ومن ذلك قوله عز وجل: "اطيرنا بك".
وينبغي على هذا أن تقول في تترس: اترس. فإن بينت فحسن البيان كحسنه فيما قبله )) .

الدكتور مروان
04-10-2008, 11:29 AM
وقال المبرد ؛ في كتابه الرائع : المقتضب :
في :(باب الأسماء التي وقعت على حرفين) :
(( اعلم أن الحرفين المثلين إذا كانا ملتقيين في كلمة، وكلاهما متحرك، وقبل المتحرك الأول ساكن، طرحت حركة المتحرك الأول على ذلك الساكن، وأدغمت كنحو ما ذكرت لك ...
فإذا التقيا وهما سواء أو متقاربان، والأول منهما أول الكلمة أدخلت ألف الوصل وأدغمت وذلك: اطير زيد إنما كانت تطير، فأسكنت التاء، فلم يجز أن تبتدىء بساكن، فأدخلت ألف الوصل، ثم أدغمت التاء في الطاء.
وكذلك اترس زيد إذا أردته تترس.
فدخول الألف هاهنا كسقوطها من اقتتتلوا إذا قلت: قتلوا، فالتحريك يسقطها، كما أن الإسكان يجلبها.
ومن ذلك قوله " وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها " وإنما كان تدارأتم فيها، فأدغمت التاء في الدال، فاحتجت إلى ألف الوصل لاستحالة الابتداء بساكن، ومثله :
" قالوا اطيرنا بك وبمن معك " )) .

الدكتور مروان
04-10-2008, 11:35 AM
لطيـــــفة ؛ وبعيدا عن النحو والصرف ، ذكر الحكيم الترمذي ؛
في كتابه : المنهيات ؛ الطيرة ، وقال عنها :

(( وأما قوله:( ونهى عن الطيرة).
فالطيرة هى الفرار من أقدار الله وأقضيته، وهى لاحقة به حيثما فر.
فالفار ممقوت..
ألا ترى إلى قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) .
قال: مقتهم بفرارهم، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا بكلمة عن آخرهم، ثم تفضل عليهم بأن أحياهم لآجالهم الباقية.
والطيرة: أن يسمع صوت طائر في أول النهارن أوف ي ابتداء عمل، أو استقبلك رجل ناقص الخلق أو أعمى أو مشوه، فتتشاءم وتترك ذلك الوجه. فهذا قد ساء ظنه بربه من غير أصل معقول، ثم يفر من قدرة؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
فهذا المتطير قد ساء ظنه بربه، ففر من ذلك الأمر وتركه، فالضرر حال به؛ لأنه فار من ربه مسىء الظن به؛ فأدركه بذلك الذي ظن وعاجله كي يعلم أن ربه غير معجز، قال الله تعالى فيما يحكي: (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرنا بِكُم لَئِن لَم تَنتَهُوا لَنَرجُمَنَّكُم وَلَيَمَسَّنَّكُم مِنَّا عَذَابٌ أَليمٌ).
قالت الرسل بل: (طَائِرُكُم مَعَكُم)، أي أن الذي طار من عند الله من أقداره وأقضيته هو معكم لازم لكم. قال الله تعالى:
(وَكُلّ إِنسانٍ أَلزَمناهُ طَائِرَهُ في عُنُقهِ) ، وقال في قصة صالح:
(قَالوا: اَطَيَرنا بِكَ وَبِمَن مَعَكَ، قال: طاَئِرَكُم عِندَ اللهِ، بَل أَنتُم قَومٌ تُفتَنُونَ).

ابن بريدة
04-10-2008, 02:23 PM
إضافات رائعة دكتورنا الكريم .

الأحمر
04-10-2008, 02:30 PM
السلام عليك ورحمة الله وبركاته
أشكرك يا أستاذي الدكتور الفاضل مروان على هذه الفوائد الجليلة