المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : يقولون: لا تبعد وهم يدفنونني!



ديك الجن
27-08-2004, 11:42 PM
:::


يقول مالك بن الريب
يقولون: لا تبعد ، وهم يدفـنـونـنـي**وأين مكان الـبـعـد إلا مكانـيا؟

يظهر أن جملة " وهم يدفنونني " في محل نصب حال . وفي النفس شيئ من هذا الإعراب .
إذ كيف يمكن وصفهم بهذا الحال أثناء قولهم : لا تبعد ؟
متى كان اتصافهم بهذا الحال ؟
ما أراه إلا يبدأ جملة جديدة يستغرب فيها من دفنهم إياه ومن قولهم : لا تبعد .
يمارسون إبعاده ويقولون له : لا تبعد !
يفعلون به النقيضين . فهو كمن يقول :
يدعون لي أن لا أبعد وهم أنفسهم يدفنونني .. هل مكان البعد إلا المكان الذي يضعونني فيه ؟
بتعبير مختصر : يقولون : لا تبعد ، وهم ، أنفسهم ، يبعدونني !

ما ذا ترون في : وهم يدفنونني " ؟

حازم
28-08-2004, 10:59 AM
مرحبـًا بالأسـتاذ المتمـيز / ديك الجـن

ولعلَّـها أول مشـاركة نحـوية في صفحـة النحـو ، لكنهـا مشـاركة قويـة ، وتتَّسـم بالإثـارة وتداخل المعـاني .

لفت انتبـاهي أنـك بنـيتَ قاعدة السـؤال ، ثمَّ أثـرت الشـبهات حول الجـواب المفـترض والمتبـادر بكلِّ إلى الأذهـان .
فقد بدا واضحـًا أنك تنظـر إلى المعنـى من زاوية معيَّـنة .

وقبـل أن أبـدأ برفقتـك رحلةً بريـةً وَعِـرة المسـالك – أو هـكذا تبـدو لي - ، أودُّ أن أطـرح تسـاؤلاً بين يـدي التصـوُّر الذي ذهبتَ إليـه .

إذا ترجَّـح لديك أنَّ جملة " وهم يدفنـونني " اسـتئنافية ، فما هو الرابط الذي يربط بين جملة " لا تبعد " ، وجملة " وهل مكان البُعـد إلاَّ مكـانيا " .

ختـامًا ، أرجـو أن لا يكون انقـيادك لاختلاف التصورات صعبًا كصعوبة انقيـاد شـاعرنا في بداية مغامراته ، بل أرجو أن يكون كما انتهت به الحال ، حيث قال :

خُـذاني فجُـرَّاني بـبَردي إليكمـا & فقد كنتُ قبـلَ اليـومِ صعبـًا قِيـادِيا
أسـأل الله التيسـير
وتقبـل أجمـل تحيـاتي

ديك الجن
28-08-2004, 04:18 PM
مرحبا بك أخي الكريم حازم
ولك أجمل تحياتي
قرأت حديثك بفرح وإكبار ، وأنا أخي حازم من الأعضاء القدامى في الفصيح ولكني أنقطع أحيانا لأسباب قد أقولها فيما بعد .
سؤالك الحاذق عن الرابط جعلني أعيد النظر في البيت كله وسأصر على أن ( وهم يدفنوني ) ليست حالا إذ يصعب تصورها حالا ، ولا أعتقد أن مالكا يريد وصفهم بـ ( الدافنين ) أثناء قولهم / الفعل ( لا تبعد ) .
دعني أتحرر ـ مؤقتا ـ من الجزم بأن ( وهم يدفنوني ) استئنافية ، وأتمسك ـ دائما ـ بالجزم بأنها ليست حالا .
الرابط هو وضوح السياق بين ( لا تبعد ) وبين ( وأين مكان البعد إلا مكانيا ) . صحيح لا أجد رابطا من ضمير أو نحوه لكني أرى الرابط واضحا في السياق .
أخي حازم : لو أبعدنا جملة ( وهم يدفنوني ) وقرأنا البيت بدونها هكذا :
يقولون لا تبعد ، وأين مكان البعد إلا مكانيا ! .
لأمكن القول إن ( وهم يدفنونني ) اعتراضية يتم المعنى الأصلي بدونها ، لكنه يفقد معنى الاستغراب من التناقض الذي جاء الاستفهام يؤكده ( واين مكان البعد إلا مكانيا )
إما أن نضحي بمعنى الاستغراب والتعجب الذي في السؤال ونعتبر ( وهم يدفنونني ) اعتراضية لا تؤدي معنى أساسيا ، وإما أن نعتبر أنها تؤدي معنى أساسيا وهنا يجب أن يكون لها وضعا مهما كالابتداء وليس فضلة زائدة كالحال أو الاعتراض .
وهذا يعود تقديره لفهم كل قارئ للبيت ولنفسية مالك ولما أراد أن يقول .
تأمل هذه الجملة :
تقول لي لا تتألم ، وأنت تضربني ، كيف لا أتألم ؟!!
ها أنا أطرح الاستئناف والاعتراض والابتداء .. لكني لا أطرح الحال .
أخي حازم : خذاني فجراني ببردي إلى أي من الاستئناف والابتداء والاعتراض لكن ليس إلى الحال .
تقبل يا حازم أجمل تحاياي

حازم
28-08-2004, 11:43 PM
أسـتاذي الألمعـي / " ديك الجـن "

سـعدتُ كثـيرًا بهـذا الحـوار الشـيِّق ، وبأسـلوبك الممـيَّز في تصـوير المعـاني .
أشـعر أننـا اقـتربنا خـطوةً ، إلاَّ أنَّه لا يزال في الوقتِ متَّسـعٌ للكـلام عن الإعـراب .

كمـا أودَّ أن أبـديَ غبطـتي الشديدة بمهارتكم الذكيـة في سـرعة التقـاط ما قصـدتُه في تعقيبـي السـابق ( ما شـاء الله ) ، ويظهـر أنَّ أمـريَ لن يكـون سـهلاً .

قولك : " إنَّ الرابط هو وضوح السـياق " ، لم يُعـطِ فائـدة ، فوضوح سـياق المعـاني ينسـحب على كامل أبيـات القصـيدة ، ولكن المقصود بالرابط هو ما يربط جملة بجملة أو بكلمة ، ومن خلال هذا الربط يتعـيَّن إعراب محـدَّد يعطـي معـنًى لكـلِّ تركيب من الكلام ، ولذلك تجـد أنَّ الإعراب ينتهي بنهاية الفائدة في الكلام ، ولا تزال المعـاني متَّصلة ـ لترسـم في النهـاية اللوحـة التي أرادها الشـاعر .

فيبقـى سـؤالي قائمـًا : ما هي فائدة معنى الشـطر الثاني بصدر البيت ؟
وأمّـا اضـطرابك في تحـديد جملة " وهم يدفنـونني " ، فقد بـدا واضحـًا .

إذ أنَّ قولك : هي : جملة اسـتئنافية أو ابتـدائية " كلام فيه نظـر .

فهما كلمتان بمعنًى واحد ، الابتـدائية : ما ابتـدأت به الكلام ، والاسـتئنافية مثلها إلاَّ أنها بعـد حشـو ، وإن شـئت فقل : بعد ابتـداء الكلام .
فأيـن الجديد في الزيادة ؟؟

وقولك : " هي جملة اعـتراضية " فيه نظـر أيضـًا .
فالجملة الاعتراضية هي : ما اعتـرضت بين لازمـين ، لم ينتـه الكـلام على أولهما ، مثل المبتـدأ وخـبره ، أو الفعل وفاعله .

ومعلوم : أنَّ جملة " لا تبعـدْ " جملة تامَّة المعنـى ، فأيـن الاعـتراض فيهـا ؟؟
وأما إشـارتك إلى وجود معنى الاسـتغراب والتعجب الحاصل في السؤال ( وأين مكانُ البعد إلا مكانيـا )
أقول : لا أرَى أنَّ سـؤال مالكِ بقوله : " وأين مكانُ البعد إلا مكانيـا " يفيد الاسـتغراب والتعجب .

بل هو سؤال إنكـاريٌّ عليهم ، وإن شـئتَ فقل : إنشـاءٌ بمعنـى الخـبر والتقـرير ، فهو يقـرَّر أنَّ مكان البعـد هو مكانه ، وصدق – رحمه الله - ، فالقـبر مكـانٌ لا يصـل إليـه الأحيـاء ، نسـأل الله أن يجعل قبورنا جميعـًا روضةً من رياض الجنة .

ولا تزال هناك نقـاط تحتـاج إلى إيضـاح ، صرفتُ النظـر عنها الآن ، بينمـا تعيـد أنتَ النظـر في رؤيـة معـاني البيت مرة أخـرى ، فإن لم تلحظ شـيئًا جديدًا ، فأرجو أن تتأمَّـل حروف الكلمـات ، علَّهـا تعطيك انطباعـًا آخـر .

وأخشـى أن تكون هناك عـداوة قديمة مع " الحـال " ، فتنصـرف بآمـالك عنه .

ختامـًا ، أسـتاذي العـزيز : لن تُجـرَّ – إن شـاء الله - ، لا ببـردك ولا بأي شـيءٍ آخر نحو " الحال " ، ولكن أرجـو أن تتَّسـع لنا الطـرق في رحلتنـا لنصـل إلى الهدف المنشـود ، وهو معـرفة الصواب .

كما أرجو أن لا يطول بنا الطـريق ، فزادي قليـل ، وعلمـي ضئيـل ، وسـاقي هـزيل ، ولا حولَ ولا قـوَّةَ إلاَّ بالله .

دمتَ بكلِّ الودِّ والتقـدير
مع عاطـر التحـايا

ديك الجن
29-08-2004, 02:37 AM
الله الله !
ما أجمل حديثك أخي حازم
أتمنى أن يطول الطريق بنا ، فمن كنتَ رفيقه لا يبالي متى بلغ المنزل
أعجبني هذا الحصار المحكم بالأسئلة ولعمري فإن الأسئلة أقصر الدروب إلى المعرفة ، ولا شيء أنفع للقناعات من محاصرتها بالشكوك والأسئلة . وسأبقى في مكاني الذي وضعتني فيه مستجوَبا محاصَرا ولتبق أنت في مكانك مستجوِبا محاصرا ، وليكن ذلك إلى حين .
ويبدو أن السحر انقلب على الساحر فقد أردت أن أثير الشبهات حول حالية الجملة فثارت الشبهات حول شبهاتي . ما أسعدني بك أخي وما أحراني بالإفادة منك !
كل تصويباتك لي في محلها في ما يخص الاستئنافية والابتدائية والاعتراضبة .
وأنا لم أسق ذلك إلا للتأكيد أن أي إعراب ـ سوى الحال ـ سأقتنع به . وليس بيني وبين الحال عداوة ، لكني لم أستسغ أن أعربها حالا . وقد صرحتُ بأني مصر على أنها ليست حالا ولتكن ماشاءت .
إن المخاطب في ( لا تبعد ) و المفعول في ( يدفنونني ) والمضاف إليه في ( مكانيا ) هو واحد / مالك بن الريب نفسه .
ولا أعرف ما ذا تقصد بالرابط ؟ هل هو رابط مثل ما يربط جملة الحال بصاحبها ؟
وأما سؤالك القائم " ما هي فائدة معنى الشـطر الثاني بصدر البيت ؟" فهلا وضحته قليلا ؟
أنا قلت يستغرب ويتعجب وأنت قلت يستنكر ، وفي الحالتين فموضوع استغرابه أو استنكاره هو ما يفعله الذين يدعون له بألا يبعد وهم أنفسهم يمارسون إبعاده . أما أنه تقرير حال فلك ما تراه لكني ألمس علاقة قوية بين ( مكان البعد ) و ( لا تبعد ) وهي علاقة تتعدى مجرد تقرير حال ، وإذا كانت تقرير حال فإن الشطر الأول لا داعي له أصلا .
أخي حازم :
أنا أنطلق من المعاني إلى التراكيب ، من المعنى إلى الوصف النحوي . وقد رأيت أن جملة ( وهم يدفنونني ) لم تخطر على بال مالك بعد قوله ( يقولون لا تبعد ) إلا لأن له فيها معنى غير مجرد وصفهم بها ، هذا المعنى هو أنهم يفعلون به فعلين متناقضين ، الأول : الدعاء بعدم البعد ، والثاني : وضعه في مكان البعد ( الدفن ) . وعلى هذا المعنى فقد تساوت قوة الفعلين وأهميتهما وهذا التساوي في القوة لا يمكن أن يجعل أحدهما فضلة / حالا .
أما إذا اعربنا ها حالا فهذا يعني أنها يمكن الاستغناء عنها وأنا ـ حسب فهمي للبيت ـ أرى أنها ضرورية وتؤدي معنى ضروريا ، وهو مناقضة الفعل الأل ، وهذا التناقض هو ما يمهد لما سميته أنا بالاستغراب والتعجب وما سميته أنت بالإنكار ، وسأغفل تماما قولك أنه تقرير حال .
ولو أنك سألتني مم يستغرب ويتعجب أو ما ذا يستنكر ؟ لكان جوابي هو : من فعلين متناقضين رأى مالك جماعته يفعلونهما به .
هذا وقد ضربت مثلا بالجملة التي ختمت بها ردي السابق وهي : تقول لي لا تتألم ، وأنت تضربني ، كيف لا أتألم ؟!!
وقد أملت منها أن توضح ما أعنيه .
إن معنى الاستغراب أو الإنكار في الشطر الثاني هو ما جعلني أستبعد حالية ( وهم يدفنونني ) كما أستبعد اعتراضيتها فالحال والاعتراض لا يمكن أن يكونا في قوة الابتداء ليكونا مناقضين له ومساويين لقوته .

أخي حازم : ليس هناك إلا معنى واحد أراده مالك من بيته هذا ، أي أنه ليس هناك إلا إعراب واحد صحيح ، وأما تعدد الإعرابات فهو ليس لأن المعنى متعدد بل لأن الأفهام متعددة . بعبارة أخرى ، كلما تعددت الإعرابات لقول واحد فواحد منها فقط هو الصحيح .
أعتذر عن طول حدبثي فسلت ممن يحسنون الإيجاز .
أستاذي حازم : ليلنا جميل ونسيمه عليل فدع الطريق يطول . نعم الرفيق أنت .

بديع الزمان
29-08-2004, 04:14 AM
أخويّ الكريمين ديك الجنّ وحازم
استفزّني حواركما الشائق للمشاركة مع أني لن آتي بجديد ينسجم مع جمال ما ترقمه أناملكما على هذه الصفحة التي باتت حلة قشيبة طرّزتها المفردة السامقة ورصّعتها اللمحة الألمعية0
ابتداء ،أشارككما والكرى يخاتل جفنيّ فاعذراني إن أتت حروفي كليلة غير قادرة على الجري في مضماركما والسير في ركابكما والنهوض إلى مقامكما0

لو أعربنا الجملة مستأنفة أو ابتدائية أو معترضة فذلك ـ في نظري ـ لا ينسجم مع الغرض البلاغي والسياق المعنوي الذي وردت فيه أي أننا بذلك سنسلخها من السياق فتغدو بعيدة عنه مقحمة فيه0

أخويّ أليست جملة : (لاتبعد) في محل نصب مفعول به لـ: (يقولون)؟ أي أنها مقول القول فالأصل في منصوب قال واشتقاقه أن يكون جملة تامة؛فهي إذن من متممات هذه الجملة وليست مستقلة بنفسها0

يبدو لي ـ والله أعلم ـ أنّ الإشكال النّاشئ عند أخينا الفاضل ديك الجنّ في إعراب جملة (وهم يدفنوني) حالا صرفه إيّاها إلى أن يكون صاحبها فاعل (تبعد) وليس كذلك فصاحبها هنا هو : الواو في (يقولون) أي : يقولون حالة دفنهم إياي : لا تبعد ...إلخ0 يؤيّد ذلك الضمير الرّابط في هذه الحال وهو:( هم ) كما أن الواو رابط آخر0

فائدة : قد تكون الحال بمنزلة العمدة فلا يستغنى عنها في إتمام معنى الجملة بل قد يفسد معناها أحيانا بدونها قال تغالى : " وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ " (الشعراء:130) فهل يتم المعنى الأساسيّ للجملة إن حذفت هذه الحال؟ فهذه ولا يستغنى عنها في إتمام معنى الجملة0
وفي قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ" (الانبياء:16) فواضح أنّ حذف هذه الحال يفسد المعنى تماما ويخرج به من معنى إلى نقيضه تماما0

شكرا لكما وتقبلا عاطر التحايا0

حازم
29-08-2004, 10:46 PM
بكَـى صَاحِبـي لمَّـا رأى الدرْبَ دوننـا & وأيْقَـنَ أنـي قد ضللْتُ الأمـانيـا
فقلتُ لـه : لا تَبــكِ عَينــكَ إنمــا & أُراوِدُ " حـالاً " أو تَطُـولَ لَيـالِيـا

أسـتاذي الفاضـل الذكـيّ ، المتمـيِّز بحـرفه النـديّ ، وهمسِـه الشـجيّ / " ديـك الجـنّ

للهِ درُّك أديبـًا ، وحـاذقـًا لبيبـًا ، فقد وصفـتَ فأجـدتَ ، وبيَّـنْـتَ فأفـدتَ .

أعجبـني جـدًا تصـويرُك للمعـاني ، واختيـار الإيقاعـات التي تناسـب المشـهد ،
ولسـتُ – والله – جديرًا بأن أحكـم على عطـائك ، ولكن لا بـدَّ أن أعـترف بما لمسـته من تعقيبـك ، فأنت تأسـر بقـوة البيـان ، وتسـتميل الأحاسيس والوجـدان .

أوافقـك في كثـيرٍ ممَّـا ذهبتَ إليـه .

وقـد أضاف أسـتاذي الفاضـل الأمجـد / بديـع الزمان ، بمـروره الـرائـع لمسـات من الجمـال ، أرى معهـا أنه لا مجـال لي معكما ، فلا يمكن أن يظهر أثـر شـمعة خافتـة بحضور الكواكب السـاطعة .

إلا أنَّ حبِّـي لمعـانقة صـدى همسـاتك ، والتلـذذ بالاسـتماع لعـزف كلمـاتك ، يجعلنـي أتقـوَّى بهـذه الشـمعة – بعد توفيق الله واعتمـادي عليـه - لأواصل طريقي في رحـلتي مع شـاعرنا المـازنـيِّ – رحمه الله - .

أسـتاذي الكـريم : لقد بدا واضحًا تمامًا أنه لا يمكن أن تكون جملة " وهم يدفنـونني " جملةً اعـتراضية ، وأنتَ ترى أنها لا يمكن أن تكون جملةً حالية ، فلم يبـق لك خيـارٌ إلاَّ أن تقول : إنها جملةٌ اسـتئنافية .

وسـأنطلق معك على هذا الأسـاس ، فإن قلتَ : لماذا ؟؟

قلتُ لك : لا بـدَّ أن تصنِّفها وتحـدِّدها ، ولم أرك تجاوزتَ هذه الاختيـارات ، لذلك بنيـتُ عليها .
تأمَّـل قولك : ( قلت يستغرب ويتعجب ، وأنت قلت يستنكر ، وفي الحالتين فموضوع استغرابه أو استنكاره هو ما يفعله الذين يدعون له بألا يبعد ، وهم أنفسهم يمارسون إبعاده ) .

أنت تربط بـين جملة " لا تبعد " ، وجملة " وأين مكان البعد إلا مكانيا " لتصوير الاسـتغراب ، وفي نفس الوقت لا تريد أن تكون الجملة الواقعة بينهمـا " وهم يدفنـونني " حاليـة .

فكيف يكون هـذا ؟؟؟

تخـيَّل أنهم قالوا له في وقتٍ من الأوقات : " لا تبعـد " ، ثم بعد ذلك دفنـوه ، لأن جملة " وهم يدفنونني " – على زعمـك – ليسـت حالية ، فهل يصـحُّ أن يقول بعد ذلك : " وأين مكان البعد إلا مكانيا " .

كان الأولى أن تكون الجمل الثلاثة كلها مفكَّكـة ، لا رابط يربطهم ، ولا نكتـة بلاغية تنظمهم في عقـدٍ واحد .
وكان الأولى أن يقول : ومكاني - أي بعد دفنه – بعيد جدا ، ولا حاجة بأن يسـتخدم صيغة الاسـتفهام " وأين مكان .. " .

هذا هو السـياق المفـترض ، كما أتصـورُّه .

وإذا كانت جملة " وهم يدفنونني " اسـتئنافية ، فهل كان لا بـدَّ لـ" مالك " أن يسـتخدم ضميرًا في جملة " وهم يدفنونني " يعود على فاعل " يقولون " ؟

لم يكن بحاجة له ، بل كان بإمكانه أن يقول : يقولون لا تبعد ، ثم قاموا بدفني ، أو ما أشـبه ذلك .

فإن قال قائل : لـمَ لا نعتـبر عدم وجود جملة " وهم يدفنونني " ابتـداءً ؟

قلتُ : لا يمكن إلغاؤها من الكلام ، إذ لا يمكن أن يكون لجملة " وأين مكان البعد إلا مكانيا " معنـى .

فجملة " وهم يدفنـونني " أشـارت إلى مكانه ، الذي قال عنه بعدها : " وأين مكان البعـد إلا مكـانيا "
فإن قال قائل " أليس الحال فضلة ؟ فإلغاؤها لا يغـير معنى الجملة .

قلتُ : قد أجابَ عن ذلك أسـتاذي الأمجـد / بديـع .

فالغالب في الحـال أن يكون فضلة ، وفي بعض الأحيـان يكون بمنزلة العمـدة في إتمام المعنى الأسـاسي للجملة ، أو في منع فسـاده :
فالأولى : كالحال التي تسـدَّ مسـدَّ الخبر ، في نحو : ضـربيَ العبـدَ مسـيئًا .، فإن المعنى الأساسي هنا لا يتـمُّ إلاَّ بذكر الحال .

وكالحال في قوله تعالى : (( وإذا قاموا إلى الصلاةِ قاموا كُسَـالَى )) سورة النساء 142 .

وقوله عزَّ وجلَّ : (( وَإِذَا بَطَشْـتُمْ بَطَشْـتُمْ جَبَّـارِينَ )) سورة الشعراء 130 .

والثانية : وهي الحال التي يفسد معنى الجملة بحذفها ، نحو قوله – عزَّ في علاه - : (( وَمَا خَلَقْنَـا السَّـمـواتِ وَالأرْضَ وَمَا بَينَـهُمَا لاعِبـينَ )) سورة الدخان 38 .

وأقول : ومعنى كونه فضلة : أي بالنسـبة للجملة التي اصطلح عليها علماء النحو ، أما بالنسـبة للمعنى ، فالحال وغيره أساسـيٌّ في الجملة ، ولا تقوم المعاني واضحةً إلا بكامل التركيب .

بقـي النظـر في المعني الذي أحطـته بالشـبهات :

وهو قولك : ( هذا المعنى هو أنهم يفعلون به فعلين متناقضين ، الأول : الدعاء بعدم البعد ، والثاني : وضعه في مكان البعد ( الدفن ) . وعلى هذا المعنى فقد تساوت قوة الفعلين وأهميتهما وهذا التساوي في القوة لا يمكن أن يجعل أحدهما فضلة / حالا .)
أقول : سـأؤجل إجابة هذا السـؤال حتى أرى الحاجة قد غدت به مُلـحَّـة .

وقولك : ( هذا وقد ضربت مثلا بالجملة التي ختمت بها ردي السابق وهي : تقول لي لا تتألم ، وأنت تضربني ، كيف لا أتألم ؟!! وقد أملت منها أن توضح ما أعنيه .)

أقول : قد صرفتُ النظـر عن هذا المثـال لكون القياس عليه غير صحيح ، إذ أنَّ المثال لا ينطبق على بيت مالك ، بل هناك فرق من وجهـين ، وسـأترك لك تدقيق النظر فيه لتتبـين بنفسـك .
والله أعلم .

ختامـًا ، فقد والله سـعدت بصحبتك ، فصحبتك واحـةٌ وارفـة الظـلال ، سـاحرة الجمـال ، وكأنها نسـيج من الخيـال ، فأكـرم وأنعـم بك .

دمتَ بكلِّ الـودِّ والتقـدير
مع أعـذب وأرق التحـايا

الكاتب1
30-08-2004, 01:35 AM
أخوتي الكرام أناملي استحيت أن تخط كلمة بعد كلماتكم الرائعة وتحليلاتكم الأدبية فما عساني أكتب ؟ خاصة

وأنّ أخي" البديع الرائع ، يكتب والكرى يخاتل جفنيه . فكيف به إذا كان في قمة نشاطه !ماشاء الله تبارك

الله .

ولا أظن أخي حازم بارك الله فيه ببعيد عن أسلوبه وروعة تحليله بارك الله فيه وأعانه على تحمل مسؤليته الجديد

في الإشراف ، وينافسهما أخونا المبدع " ديك الجن " في تصويره للمعاني .

أخي " ديك الجن "

أنا مع أخي بديع الزمان في كل ما قال ، ولا أظن للجملة " وهم يدفونني " موقعا غير الحال فالمعنى وسبك الجملة يقرّان ذلك ، ولعل النهي في قوله " لاتبعد " ليس على حقيقته بل خرج إلى معنى بلاغي وهو التصبير والتسلية فهم يصبرونه ويسلونه

ديك الجن
31-08-2004, 06:05 AM
طاب بكم مسرانا يا رفاق
ليلنا في أعذبه ، وحيثنا في أطيبه
غمرتموني بفضل أنتم أهله ، وأفدتموني بعلم أنتم كبراؤه .
ترتيب الألفاظ ـ كما يقول الجرجاني ـ على حسب ترتيب المعاني في النفس ، وقد أشار أخي بديع الزمان إلى ذلك بقوله " لو أعربنا الجملة مستأنفة أو ابتدائية أو معترضة فذلك ـ في نظري ـ لا ينسجم مع الغرض البلاغي والسياق المعنوي الذي وردت فيه أي أننا بذلك سنسلخها من السياق فتغدو بعيدة عنه مقحمة فيه0"
وليت بديع الزمان يذكر الغرض البلاغي والسياق المعنوي في البيت ، إذ أن الإعراب تبع لهذا الغرض ولذياك السياق ، وقد اجتهدت في عرضي لهما آنفا ، وقلت فيهما ما أظنه صائبا .
أما أن يكون الحال عمدة أو لا يكون في الجملة فهذه معلومة متفق عليها عن الحال وحالاته وليست إعرابا لـ ( وهم يدفنونني ) ، وإذا كانت ( وهم يدفنونني ) حالا ضرورية وتفيد معنى أساسيا بحيث لا يمكن حذفها مثل الحال ( لاعبين ) في الآية الكريمة فكيف أمكن للجملة أن يتم معناها بدونها ؟ في حين لا يتم معنى الآية الكريمة إلا بذكر ( لاعبين )
وسؤالي للإخوان الذي يعربونها حالا .. هل هي حال ضرورية وعمدة وأساسية أم أنها حال غير ضرورية يمكن الاستغناء عنها ويتم معنى الجملة الأساسية بدونها ؟
أخي بديع الزمان : تقول : " يبدو لي ـ والله أعلم ـ أنّ الإشكال النّاشئ عند أخينا الفاضل ديك الجنّ في إعراب جملة (وهم يدفنوني) حالا صرفه إيّاها إلى أن يكون صاحبها فاعل (تبعد) وليس كذلك "
أنا أصلا لا أعربها حالا فكيف أفكر في صاحبها وضمير عائد إليه ؟ أما الواو والضمير في ( وهم ) فهي تشبه شكلا وصورة الضمير العائد لصاحب الحال لكن الغرض البلاغي يختلف هنا ويخرجها ـ في نظري ـ من أن تكون واو حال وضمير ربط .
إن كل جملة من الجمل الثلاث مستقلة بمعناها الجزئي وبمكوناتها على هذا النحو :
ـ الأولى : فعل الدعاء له
ـ الثانية : هم يدفنونه ( فعل الدفن = وضعه في مكان البعد )
ـ الثالثة : إنكار وتعجب واستغراب ( وأين مكان البعد إلا مكانيا )
إن مأ اقول عنه استغراب وتعجب وإنكار يعود للجملتين الأوليين ، فهما ضروريتان لنشوء مثل هذا الاستغراب ، ولو كان الجملة الثانية ( وهم يدفنونني ) حالا يمكن الاستغناء عنها ويمكن بقاؤها فما قيمة الاستغراب والاستفهام في الجملة الثالثة ؟

أخي حازم :
تقول : " أنت تربط بـين جملة " لا تبعد " ، وجملة " وأين مكان البعد إلا مكانيا " لتصوير الاسـتغراب ، وفي نفس الوقت لا تريد أن تكون الجملة الواقعة بينهمـا " وهم يدفنـونني " حاليـة . فكيف يكون هـذا ؟؟؟"
وأقول : وهل لا بد لأي جملة توسطت بين جملتين أن تكون حالا ؟ كيف يكون هذا ؟ ثم إني لا أرى الاستغراب ناشئا من الجملة الأولى وحدها بل من الجملتين معا وهذا ما سبق لي قوله .
وما ألطف تعبيرك إذا تقول : " تخـيَّل أنهم قالوا له في وقتٍ من الأوقات : " لا تبعـد " ، ثم بعد ذلك دفنـوه ، لأن جملة " وهم يدفنونني " – على زعمـك – ليسـت حالية ، فهل يصـحُّ أن يقول بعد ذلك : " وأين مكان البعد إلا مكانيا " "
كأنك تريد أن تقول إن جملة ( وهم يدفنونني ) تمت في نفس الوقت الذي تم فيه قولهم " لا تبعد " . إنك تتقدم بنا خطوة جميلة في مسرانا العذب الممتع .
حسنا ، أولا : نحن ليس أمامنا إلا بيت مالك ، وبيت مالك للأسف لم يوضح متى قالوا " لا تبعد " ومتى دفنوه ! لكننا لن نختلف أن الفعلين وقعا معا في وقت واحد ،هكذا أفهمنا مالك ببيانه ، لكن هل كل فعلين يقعان معا يجب أن يكون ثانيهما حالا لصاحب الأول ؟
إن الرابط الزمني بين الحدثين هو الذي يربط بقوة بين الجمل الثلاث .
وتقول " وإذا كانت جملة " وهم يدفنونني " اسـتئنافية ، فهل كان لا بـدَّ لـ" مالك " أن يسـتخدم ضميرًا في جملة " وهم يدفنونني " يعود على فاعل " يقولون " ؟"
وأقول : اختار مالك كلامه على حسب معناه وهو حر فيما اختار ، وهل استخدامه للضمير ( هم ) يعني أن مالكا أراد أن يؤكد لنا أنه أرادها حالا ؟ وهل الجملة الاستئنافيه يجب أن تخلو من أي ضمير يعود على ما في جملة قبلها ؟ فإذا خلت من هذا الضمير لزمنا أن نعربها أي إعراب سوى أن تكون استئنافية ؟
ثم إني أوافقك أنه لا يليق إبعاد وإلغاء جملة " وهم يدفنونني " من الكلام لأنها ضرورية . ضرورية لأداء ( الغرض البلاغي ) الذي أراده لها مالك .، وقد قلت رأيي في هذا الغرض البلاغي جاعلا كل أجزاء البيت ( الجمل الثلاث ) ضرورية بدرجة متساوية لأداء هذا الغرض البلاغي .
أما تأجيلك للجواب عن رأيي في مسألة تساوي الحدثين في القوة ( الدعاء والدفن ) ، فلا عليك . متى رأيت الرغبة ملحة فقل ما تراه ، وأما الجملة التي أوردتها أنا لأوضح بها فكرتي فهي لا تعدو كونها مثال توضيح لا استنساخ لجملة مالك ، بل هي تكاد تختصر كلامي كله في تبيان ما أريد .
أخي حازم : قال النحاة أن الحال هو ما يصف هيئة الفاعل أو المفعول وقت وقوع الفعل . والفعل هنا هو ( يقولون ) والحال ـ كما تراود أنت ـ هو ( وهم يدفنونني ) وليتك تصور لي حالة تلبسهم بالدفن وقت ( يقولون لا تبعد ) .
ثم كان يمكن لمالك أن يقول : ( يقولون لا تبعد وهم يبكون أو هم يألمون ) لكن مالكا اختار ( وهم يدفنونني ) والغرض البلاغي في اختياره لـ ( يدفنونني ) بدل أي اختيار آخر هو ما يحدد إعراب الجملة .
ما ألطف ـ يا حازم ـ تأنيك وتأتيك لما تراود ، وما أجمل وأوضح بيانك لما تقصد ، وما زال في الليل متسع لحدائك الشيق ، أنت الرفيق الذي لا يشقى به رفيقه ولا يضل طريقه ، وقل لصاحبك لا تبك عينه وإن طالت الليالي .

أخي النحوي الصغير :
عفا الله عنك وعني : إن كنت توافق حازما على رأيه فكريم وافق كريما وقد أويتَ إلى ركن شديد .
لو كنت أوافقكم أن ( وهم يدفنونني ) حال ما بثثت همي بين يديكم ولا طرقت بها ناديكم . على أني أتمنى أن لا ينتهي بي حديثكم ، واشهد الله أنني أنست بكم وبددت بكم وحشة غربة وكربة أبعدتني عن وطني ورمت بي في بلاد فيها الفتى العربي غريب الوجه واليد واللسان .
ألا فشكرا لك ثم شكرا .

حازم
01-09-2004, 10:56 PM
يا لَيْـلُ : الصَّبُّ متَـى غَـدُهُ ؟ & أقِيَـامُ السَّـــاعةِ مَـوْعِـدُهُ
رَقَــدَ " الجِنِّـيُّ " فَـأَرَّقَــهُ & شَــغَفٌ " لِلْحــالِ " يُـرَدِّدُهُ
فَبَكَـــاهُ النَّجْــمُ ورَقَّ لَـهُ & مِمَّـا يَـرْعَــاهُ ويَـرْصُــدُهُ
يَهْـوَى أنْ يُـدْرِكَ " لا تَبْعُـدْ " & حُجَــجُ " الجِنِّـيِّ " تُبَـعِّــدُهُ
نَصَبَـتْ عَيْنــايَ لهُ شَــرَكًا & في النَّــوْمِ فَعَــزَّ تَصَـيُّـدُهُ
وكَفَــى عَجَبــًا أنـي قَنِصٌ & " للدِّيـكِ " فَفـاقُ تَشَــــدُّدُهُ
" عَلَـمٌ " مُزْدَهِـرٌ فـي الأَدَبِ & أهْـــوَاهُ ولا أَتَعَـبَّـــدُهُ

أسـتاذي الشـامخ بحَـرْفـه ، المتـألِّق بروعـة عَـزْفـه / " ديك الجـنّ "
لا زال إعجـابي ببراعتـك في الحـوار الهـادئ متواصلا ، ولا زال سـروري بإبداعك في تصوير المعـاني متكـاملا .

أيها الرحَّـال الحـزين : من أيِّ بحـرٍ تنتقـي حـروفك ؟ وبأيِّ لَحْـنٍ تعـزفُ كلمـاتك ؟

وما تَغَـرَّبتُ عنْ أهْلـي وعن سَـكَني & لكن يُنـازِعُنـي إحْسـاسُ مُغْـتَرِبِ
زادك اللهُ من فضله .

قولك : ( وسؤالي للإخوان الذي يعربونها حالا ، هل هي حال ضرورية وعمدة وأساسية ، أم أنها حال غير ضرورية يمكن الاسـتغناء عنها ، ويتم معنى الجملة الأساسية بدونها ؟ )
أقول : ما الفـائدة المرجـوَّة من إجابة هـذا السـؤال ، إذا كنتَ لا ترى أنها حال أصلاً .
وهل يُغنـي الفـرعُ عن الأصـل ؟؟


وقولك : ( الثالثة : إنكار وتعجب واستغراب " وأين مكان البعد إلا مكانيا " )

أقول : كيف جاز لك أن تجمـعَ بين الإنكار والتعجب في أسلوب واحد ؟؟
وهل جملة " وأين مكان البعد إلا مكانيا " تحتـوي المعنيـين ؟؟

لا أرى هـذا ، فابتـداءً ، أنتَ قلتَ : إنها للاسـتغراب والتعجب .

ورددتُ عليك في تعقيبي بعد ذلك قائلاً : هو سـؤال إنكـاريٌّ أو إنشـاءٌ بمعنـى الخـبر والتقرير .

والآن أراك قد بدأت تمزج المعنيـين في إنـاء صغـير يكـاد يضيق بهما ، أو قد ضاق .
فهلاَّ أفصحتَ عن رأيٍ واحدٍ نجعله إطارًا في طريقنـا نمشـي بمحاذاته فلا نحيـد عنـه .

وقولك ( وهل لا بد لأي جملة توسطت بين جملتين أن تكون حالا ؟ )

هـذا سـؤال اسـتنكاري ، كسـؤال صاحبنـا في البيت محـلِّ الخلاف ، ومع ذلك سـأوضِّح رأيـي فيه .
ليس كلُّ جملة متوسِّـطة بـين جملتين ، تُعرب حالاً .

وقولك : ( هل كل فعلين يقعان معا يجب أن يكون ثانيهما حالا لصاحب الأول ؟ )
هـذا السـؤال لم يـأتِ مطابقـًا لِمـا نحنُ بصـدده ، ولعـلَّ الاسـتعجال وراء ذلك .
فالذي لدينـا جملة فعلية ، ابتدأت بالفعـل " يقولون " ، تلتهـا جملة اسـمية ، وجاء الضمير " هم " صدرًا لها مسـبوقًا بواو .

فليس الأمـر فعلـين وقعـا معـًا ، إنمـا الواقـع هو جملة فعلية تفيد حَـدَثًا مقرونًا بزمن ، ثم بعد ذلك جملة اسـمية .
وهذه الجملة الاسـمية هي محلِّ الاختلاف ، وتبـاين وجهات النظـر بيننا .
فما بالك تريد أن تقلِّـلَ من شـأنها ؟

والجملة الاسمية ، إذا لم تقـع موقع الاسم المفرد ، فلا محلَّ لها من الإعراب ، كالجملة الاسـتئنافية .
وإن وقعت موقعه ، كان لها محلٌّ من الإعراب ، كأن تُعرب حالاً مثلاً .

ولا بـدَّ أن أعترف بذكـائك لإثبـات ما تصبو إليه ، وها أنتَ تزرع الإيهام بين السـطور ، وتثـير الشـبهات حول الآراء ، في تصـوير رائـع للمعـاني ، وانسـياب رقراق للكلمـات .
أما إن كان السـؤال عن أي فعلين يقعان معًا ، ما حكم الثاني منهما ؟
فالجواب : تُقـدَّر الأمـور بقدرها .

فإن كنتَ تعني بذلك نحو : " قامَ زيـدٌ وجلسَ عمـرٌو " ، يعني حدث الفعلان في الوقت نفسه ، فالجملة الثانية معطوفة على الأولى .
وقول المتنبي :

دَمْـعٌ جَـرَى فَقَضَـى في الـرَّبْـعِ ما وَجَبَـا & لأهْلِـهِ وشَـفَى أنَّـى ولا كَرَبَـا

فهـذه ثلاثةُ أفعال : جرى ، قضى ، شفى ، والجملتان التاليتـان معطوفتان على الأولى .

وقد تكون جملة الثاني حالاً من فاعل الأولى ، أو من مفعوله .
أقبل زيـدٌ يبتسـمُ .

وقد تكون نعتًا : أقبل طالبٌ يبتسـمُ .

وقولك : ( وأما الجملة التي أوردتها أنا لأوضح بها فكرتي فهي لا تعدو كونها مثال توضيح لا استنساخ لجملة مالك )

الجملة التي تعنيها بدهاءٍ ماكر هي : ( تقول لي لا تتألم ، وأنت تضربني ، كيف لا أتألم )
قلتُ سـابقًا : بين مثالك وبيت مالك فرقٌ من وجهين :
الأول : النكتة البلاغية المتألقة في بيت مالك ، والتي جعلت البيت وباقي القصيدة من روائع الشـعر في الرثـاء ، بينما أجد هذا المثال عارٍ تمامًا عن هذا الضرب من البلاغة .

فإن قلتَ لي : وما هي النكتة البلاغية التي تتكلَّم عنها ؟
قلتُ : لا زال الوقتُ مبكِّـرًا للخوض فيها .

الثاني : قد أوردتَ هذا المثال ، وأنت تريده أن يكون مطابقًا لقول المازنيَِّ من ناحية الاسـتغراب والتعجب الناشـئين من الجملة الثالثة " كيف لا أتألم " .

وهـذا المثال فيه نظـر ، فمثالك مُصدَّر باسم الاسـتفهام " كيف " الذي يعطي دلالةً واضحة للتعجب والاسـتغراب من فعل الضارب .

بينمـا قول شـاعرنا : " وأين مكانُ البُعـدِ إلاَّ مكـانيا " ، مبـدوء بـ" أين " ، اسـتفهام غير حقيقي ، إذ أنه ليس المقصود منه أن يسـتفهم عن المكان ، بل هو اسـتفهام بمعنى الخبر ، ويمكن أن يكون تقديره : " وما مكانُ البعدِ إلاَّ مكانيا " .

أرأيت – يا صديقي – كيف أتيتَ بمثال يختلف تمامًا عن بيت مالكٍ ، محاولةً منك للوصول إلى هدفك من أقصر الطرق ، ولكن أنَّـى لك هـذا ؟؟

لازلنا في أوَّل الطريق ، ولا زال لديك متَّسـعٌ من الوقت ، لكي تؤسِّـسَ البُنيـان ، وتُحكِـمَ شَـدَّ جَـوانبِه ، ولكن
متَـى يَبلـغُ البُنيـانُ يومًا تَمـامَهُ & إذا كنتَ تَبنِيـهِ ومِثلِـيَ يَهْـدِمُ

والآن جاء دوري لإبداء ما لديَّ من نقـاط :
أنتَ لا ترى أنَّ جملة " وهم يدفنـونني " جملةٌ حالية ، لكونك ترى تناقضـًا بين قولهم " لا تبعـدْ " وبين فعلهم ، وهو القيام بدفنـه ، أليس كذلك ؟
فلو فرضنا أنهم قالوا له : " لا تقنط من رحمة الله " ، وهم يدفنونه .
أترى أنها حـال ؟
وماذا ترى في جملة " ولم تَكْـثُرِ القَتلَـى بها حـينَ سُـلَّتِ " في قول الشـاعر :

بأيْـدي رجـالٍ لم يَشِـيمُوا سُـيوفَهُمْ & ولم تَكْـثُرِ القَتلَـى بها حـينَ سُـلَّتِ

وسـؤالي الأخـير : هل يمكن الاسـتغناء عن جملة " وهم يدفنـونني " ، أم لا ؟

لأنَّ أقوالَك قد تضاربت ، فذكرتَ في ردِّك السـابق أثنـاء تعقيبـك على كلام أسـتاذي الأمجد / بديع : ( أما أن يكون الحال عمدة أو لا يكون في الجملة فهذه معلومة متفق عليها عن الحال وحالاته وليست إعرابا لـ ( وهم يدفنونني ) ، وإذا كانت " وهم يدفنونني " حالا ضرورية وتفيد معنى أساسيا بحيث لا يمكن حذفها مثل الحال " لاعبين " في الآية الكريمة فكيف أمكن للجملة أن يتم معناها بدونها ؟ في حين لا يتم معنى الآية الكريمة إلا بذكر " لاعبين " )

أخـيرًا ، أسـتاذي الفاضـل النِّحْـرير ، قـل لي : إلى أين المسـير ، في ظُلمـة الدربِ العسـير ، طالت لَيـاليـهِ بنـا ، والعُمْـرُ – لو تَـدري – قَصـير ، ولا حولَ ولا قُـوَّةَ إلاَّ بالله .

دمتَ سـالمًا
مع أعـذب وأرقِّ التحـايـا

ديك الجن
03-09-2004, 01:53 AM
طاب ليلكم يا نداماي ، أنتم القوم الذي ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب التمر .
نجوم الليل أنتم وهدى الساري .
للصب غد قبل يوم قيام الساعة يا حازم وإن طال ليله ، وكيف يطول ليل صب أنتم معللوه ونداماه ؟!
قلت ـ نفع الله بك ـ : " قولك : ( وسؤالي للإخوان الذي يعربونها حالا ، هل هي حال ضرورية وعمدة وأساسية ، أم أنها حال غير ضرورية يمكن الاسـتغناء عنها ، ويتم معنى الجملة الأساسية بدونها ؟ ) .أقول : ما الفـائدة المرجـوَّة من إجابة هـذا السـؤال ، إذا كنتَ لا ترى أنها حال أصلاً .
وهل يُغنـي الفـرعُ عن الأصـل ؟؟"
هكذا قرطست لي سؤالي وأعدته لي كاملا دون نقصان ، وكنت أنتظر منك الإجابة فلله أنت !
وأقول حامدا مصليا : إنما قلت ذلك مجاراة لكم ومضيا على طريقكم فقد رأيتكم تعربونها حالا ، وتؤكدون على ضرورتها وبقائها في الجملة أسوة بالحال ( لا عبين ) في الآية الكريمة . إذ بجوابكم عن هذا السؤال سينفتح بابا للقول والرد ، فإن قال من يعرب " وهم يدفنونني " حالا أنها ضرورية لبقاء المعنى الأساسي في البيت فقوله بضروريتها مردود بما رأينا من إمكان حذفها وبقاء المعنى كاملا ( يقولون لا تبعد . وأين مكان البعد إلا مكانيا ) ،
وإن قال أنها حال ولكنها فضلة وغير ضرورية لكمال المعنى الأساسي فإن استشهاده بالحال " لاعبين " في الآية الكريمة استشهاد في غير محله .
وقولك : " أقول : كيف جاز لك أن تجمـعَ بين الإنكار والتعجب في أسلوب واحد ؟؟
وهل جملة " وأين مكان البعد إلا مكانيا " تحتـوي المعنيـين ؟؟"
وأقول : وما الذي يمنع أن يجتمع كل ذلك وأكثر منه في جملة واحدة ألا ترى أن أنة واحدة من مريض تحمل معنى التوجع والحسرة وإظهر الضعف ، وإظهار الألم وأكثر ؟
إن قول مالك ( وأين مكان البعد إلا مكانيا ) يحمل استغرابا من تناقضهم وتعجبا مما يقولون ويفعلون واستنكارا على ما يمارسون ، ولك أن تضيف أن فيه حسرة وعجزا وألما وضعفا !! ولا أجد حرجا في إضافة معان أخر في إناء ضيق صغير ، فالجملة بماهي مفردات ليست إناء يضيق فيشكو ولكنها إشارات ودلالات إلى ما هو أوسع وأبعد .
أما قولك بارك الله فيك : " وقولك : ( هل كل فعلين يقعان معا يجب أن يكون ثانيهما حالا لصاحب الأول ؟ )
هـذا السـؤال لم يـأتِ مطابقـًا لِمـا نحنُ بصـدده ، ولعـلَّ الاسـتعجال وراء ذلك .
فالذي لدينـا جملة فعلية ، ابتدأت بالفعـل " يقولون " ، تلتهـا جملة اسـمية ، وجاء الضمير " هم " صدرًا لها مسـبوقًا بواو ".
أقول : لا أدري ياحازم أينا كان في عجلة ؟! فأنا أعرف أن الجملة الأولى فعلية والثانية إسمية ، ولكني قصدت بالفعلين الحدثين ( الدعاء والدفن ) وهل الفعل على التحقيق إلا حدث ؟.
تتهمني أنني أقلل من أهمية جملة ( وهم يدفنونني )؟
أأنا أقلل من أهميتها ؟ ؟ أنا يا نديمي ؟
أنا الذي أقول عنها أنها جملة جديدة وأنها تساوي في الأهمية الجملة الأولى وأنه لا يمكن الاستغناء عنها ؟
حاشاي أن أقلل منها وحاشاك أن لا ترى تأكيدي على أهميتها وحرصي على استقلاليتها . لقد فتحت من أجلها الموضوع كله ثم تقول لي : لم تقلل من أهميتها ؟ . لو كنت أقلل من أهميتها لأعربتها حالا وانتهى الأمر !!!!
أما حديثك عن جملتي التي قاربتُ بها لمعناي واعتراضك عليها فسأؤجل الكلام على قولك فيها حتى أرى الحاجة غدت ملحة .!
أما سؤالك : " فلو فرضنا أنهم قالوا له : " لا تقنط من رحمة الله " ، وهم يدفنونه . أترى أنها حـال ؟ ". فلكل مقام مقال ياصاحبي والأمور تقدر بقدرها ، والعبرة بسياق الكلام ومرمى الأغراض ومقتضى الأحوال .
وأنتهي بقولك " هل يمكن الاسـتغناء عن جملة " وهم يدفنـونني " ، أم لا ؟"
كيف تسألني هذا السؤال وأنا أؤكد من أول الليل أنها ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها ، وانظر مداخلاتي كلها تضج بهذا التأكيد .
ليس شديدا علي أن يقال لي أن أقوالي تضاربت وأني أتناقض ، لكن الشديد أن لا يدلني أحد على أين تضاربت أقوالي وأين تناقضت ؟
ما زالت أسئلتي كلها قائمة للذين ( يراودونها ) حالا ! ، كيف نجري عليهم صفة حال الدفن وقت قولهم : لا تبعد ؟ وهل ( وهم يدفنونني ) ضرورية في قول مالك ؟ ومن أي نوعي الحال هي عمدة أم فضلة ؟

أحي حازم : أصدقك القول إنني أقرأ حديثك أكثر من مرة مستمتعا ببيانه مأخوذا بجماله مبتسما عند كل فخ تنصبه وكل شرك تحكمه ، ولا تأمن مني مثلها ! .
كأن الرفاق تساقوا كأس الكرى يا حازم ، مالي لا أسمع منهم غناء ؟

حازم
04-09-2004, 11:38 AM
لِكُـلِّ امْـرِئٍ مِنْ دَهْـرِهِ ما تَعَـوَّدا & وعاداتُ دِيكِ الجِنِّ أنْ لا يَرَى الهُـدَى
وأنْ يُلْبِسَ الأبْيـاتَ معنًى بِضِـدِّها & ولوْ شـاءَ كانَ الـرأْيُ منـهُ مُسَـدَّدا
فإنَّـي وَجَـدتُّ الفَهْـمَ فيـهِ سَـجِيَّةً & يَـرَى قَلْبُـهُ في يَومِهِ ما يُـرَى غَـدا
وَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا & مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى
ومَنْ يَجْعَـلِ الضِّرْغامَ بـازًا لِصَـيْدِهِ & تَصَـيَّدَهُ الضِّرْغامُ في مـا تَصَـيَّدا

أسـتاذي العـزيز ، المتألِّـق بذكائـه ، المتملِّص بدهائـه / ديك الجنّ

نظرتُ في أمرنا ، فرأيتُ أننـا لم نقطع المسافات التي نأمل أن نصل بها قبل نفـاد الزاد .
وأخشى أن نكون قد ضللنـا طريقنـا في فَـلاةٍ من الأرض .
أخشى أن نسـير بلا هدف ، فلا بـدَّ من تحديد هدف نجعله الغـاية ، إذ أنَّ السـيرَ بدونـه ضيـاع بلا نهاية .
كما أخشى أن يضـلَّ كل واحدٍ منا عن صاحبـه ، في مفـازة موحشـة ، فتتقطَّـع بنـا السُّـبُل ، وينتهـي بنـا الأجـل ، وينقطـع دوننـا الأمـل .

قلت : ( ليس شديدا علي أن يقال لي : إن أقوالي تضاربت وأني أتناقض ، لكن الشديد أن لا يدلني أحد على أين تضاربت أقوالي وأين تناقضت ؟ )

أقول : بلى ، لازلتَ متردِّدًا في أقوالك مع الجملة محلِّ النقاش ، " وهم يدفنونني " ، ففي بداية حديثك عن الذين اسـتَشهدوا بالآية الكريمة (( وما بينهما لاعِبـين )) ، قلتَ إنَّ من يقول :" بضروريتها مردود بما رأينا من إمكان حذفها وبقاء المعنى كاملا ( يقولون لا تبعد، وأين مكان البعد إلا مكانيا " .

وقلتَ في موضع آخر لاحقًا : " أنا الذي أقول عنها إنها جملة جديدة ، وإنها تساوي في الأهمية الجملة الأولى وإنه لا يمكن الاسـتغناء عنها ؟ "

فيا للعجب من الـتردُّد في الرأي !! ، وقد طلبتُ منك مرارًا أن تفصح عن رأيٍ واحدٍ فلا تَحيـد عنه .

وعجبتُ من قولك : " بما رأينا من إمكان حذفها وبقاء المعنى كاملا ( يقولون لا تبعد ، وأين مكان البعد إلا مكانيا ) "
كيف سـاغ لك تَقـبُّل الشـطر بدون " وهم يدفنـونني " ؟
هل يمكن أن يُتَوصَّل إلى فهم المعنى كاملاً – كما زعمتَ – بدونها ؟

أقـول : إنَّ مَن يقول بهـذا لا يمكن أن يكون ذا رأيٍ ، ولا يمكن أن يكونَ فهمُه صحيحًا .

كيف سـاغَ لمالكٍ أن يقول : " وأين مكان البعد إلا مكانيا ؟ " ، إلاَّ بعد أن مهَّـد لها بقوله : " وهم يدفنـونني " ، ومنها عُلِـمَ أنه يقصد بقوله : " وأين مكان البعد إلا مكانيا ؟ " مكان القـبر .
وبدون " وهم يدفنـونني " لا يمكن أن نعلم ما المقصود بمكانه البعيـد .

أفبعـد هـذا لا زلتَ ترَى إمكانية حذفها وبقاء المعنى كاملاً ؟

أرأيتَ أنه لا زالت هناكَ حلَقةٌ مفقودةٌ لم تَجدها إلى الآن .
فكيف تسـتميت مدافعًا عن رأيٍ شـاذٍّ وأنتَ لا زلتَ تجهلُ تركيبَ الجمل الثلاث .

هل اسـتطعتَ بشـجاعة أن تجيب عن سـؤالي السـابق :
" ما إعراب جملة " وهم يدفنـونني " لو أنهم قالوا له : " لا تَقنطْ من رحمةِ الله " بدلاً من " لا تَبعـدْ " .

هل فكـرَّتَ في الإجابة عن جملة " ولم تَكـثرِ القَتلَـى بها حينَ سُـلَّتِ " في بيت الفرزدق .

أتخشـى الانزلاق ، أوَ تظـنُّ أنَّ الأمر بيننا هو محاولة كلِّ واحدٍ منَّـا أن يُوقِـع يصاحبه ؟!

كلاَّ – والله - ، ليس هـذا هدفي ، وإنمـا كان هدفي – ابتـداءً – أن أجد طريقـًا مناسـبًا للوصول بك إلى الإعـراب الصحيح الذي أراه ، والذي وافقني عليه مَن أدلَـى برأيه حول هـذا الموضوع .

ولكن – لا بأس - دعنـا – يا صديقي - نسـتأنف رحلتنـا ، فقد اخـترنا الرفقـة ، ولا بـدَّ أن نُكمـل السـير حتى النهـاية ، لا مناصَ من ذلك ، وإني أتشـرَّف بك رفيقـًا مُسـلِّيـًا وصاحبـًا مؤانسـًا ، وأديبـًا لامعـًا ، وذا عِلمٍ جـمٍّ ، حتَّـى وإنِ اختلفتْ آراؤنا ، وتبـاينت وِجهـاتنا .

قلتَ : ( وما الذي يمنع أن يجتمع كل ذلك وأكثر منه في جملة واحدة ألا ترى أنَّ أنَّـةً واحدةً من مريض تحمل معنى التوجُّـع والحسرة وإظهار الضعف ، وإظهار الألم وأكثر ؟ )

أقول : كيف جاز لك أن تقيس الجملة " وأين مكان البعد إلا مكانيا ؟ " بأنَّـةِ المريض ؟
وهل " أنَّـةُ المريض " تُعـدُّ كلامًا ؟

أنَّـةُ المريض ، ولغـةُ الإشـارة ، والتصفيق ، ولغـةُ العيـون في قول الشـاعر :

وتَعطَّلتْ لغـةُ الكـلامِ وخاطبتْ & عَيْـنَـيَّ في لغةِ الهَـوَى عَيْنـاكِ

كلُّ هـذا لا يُعَـدُّ كلامًا ، باتفـاقِ العلمـاء ، قال ابنُ مالكٍ – رحمه الله - :
كـلامُنا لَفـظٌ مُفيـدٌ كاسْـتَقمْ & واسـمٌ وفِعـلٌ ثمَّ حرفٌ الكَلِـمْ

ومع ذلك ، سـأجيبك عن مثـالك ، نعم – أسـتاذي الكريم - ، قد يحمل التعبـير بالكلمة أكـثر من معنـىً في وقتٍ واحد ، بل ويمكن أن تختلف الآراء على تفسـير كلمة ما على عِـدَّة أقوال .

لكن كلمة صاحبنا ، " وأين مكان البعد إلا مكانيا ؟ " ، ليسـت من هـذا النـوع ، فلا زلتُ أقول : إنها إنشـائيةُ المَبنَـى ، خَـبريةُ المعنـى ، ولا توحي بالتعجُّب والاسـتغراب .

وأنَّـى لِرجلٍ قد تيقَّـن من موته

ولمَّـا تراءَت عنـدَ مـرو مَنـيَّـتي & وحـلَّ بها جسـمي " وحانت وفاتيـا "

وبدأ يعـدُّ له العـدَّة

أقيمـا عليَّ اليــوم أو بعض ليلــةٍ & ولا تعجـــلاني قـد تبـيَّن ما بيـا
وقوما إذا ما اسـتُلَّ روحـي فهـيِّـئَا & لـيَ الســدر والأكفـان ثم ابكيا ليـا
ولا تحســــداني بارك الله فيكمـا& من الأرض ذات العرض أن تُوسَّعا ليـا
وخُطَّـا بأطـراف الأسـنَّةِ مضجعي & ورُدَّا علـى عينـيَّ فضـلَ رِدَائيـــا

أنَّـى له أن يسـتغرب ويتعجَّب من مكانه الذي سـيؤول إليه ؟

وأما قولك : ( أما حديثك عن جملتي التي قاربتُ بها لمعناي واعتراضك عليها ، فسأؤجل الكلام على قولك فيها حتى أرى الحاجة غدت ملحة(!

أقول : لا عليك يا صديقي ، أجَّـل كلامك عنها إلى أن تجد الوقت مناسـبًا ، أو إذا ضاقت بك السُّـبُل ، ولا أظـنُّ أنَّ مثلَك قد تضيق به ، أو عندما نقـترب من نهاية رحلتنـا .

أخـيرًا ، أرجـو الرجـوع إلى بيت الفرزدق وتحديد نوع الجملة المطلوبة فيه ، كما أرجو النظـر في البيتـين التاليـين ، وهل الاسـتفهام فيهمـا بمعنًى واحد :

أتَجْعَـلُ ذا الكِـيرِ مِن مالكٍ & وأيـنَ سُـهَيلُ مِن الفَـرْقَـدِ ؟

عَن يَمَـينـي وعَن شِـمالي وقُـدَّا & مِـي وخَلْفـي ، فأيـنَ عَنهُ أحِيـدُ ؟

ختـامًا ، أسـتاذي العـزيز : لازلتَ بحـرفِك آسِـرًا ، ولازلتُ عن مَضـارعتك قاصِـرًا .
كمـا أنـي لازلتُ أرَى الطريق طـويلا ، ونفسـي عليلـة ، وحُـجَّـتي هَـزيلة ، ولا حولَ ولا قـوَّةَ إلاَّ بالله .

دمتَ سـالمًا مع كلِّ الـودِّ والتقـدير
ولك أعـذب وعـاطر التحيــة

ديك الجن
04-09-2004, 06:01 PM
سلام عليك يا حازم .
لو سألك أحد عن إعراب ( وهم يدفنونني ) فقل له إنها حال .
ولو سألني أحد عنها فسأقول إنها ابتدائية لا محل لها من الإعراب مثلها مثل الجملتيين الباقيتين في البيت .
ولن أتهمك يا حازم أنك لست ذا رأي وأن فهمك ليس صحيحا ، ولن أتهمك أنك تدافع عن رأي شاذ وأنك لازلت تجهل تركيب الجمل الثلاث .
ولن أدعي أني سآخذ بيدك إلى الإعراب الصحيح .
ليس هذا طبعي .

فقد قدمتُ بالقول إنه لا يوجد سوى إعراب صحيح واحد لكل جملة مبينة مفيدة وأنا وأنت إنما نعرب أفهامنا .
لم أدخل هذا النقاش لأتهمك بجهل أو لأفرض عليك رأي . كلا . حسبنا أن يعرض كل منا رأيه ويبسط حججه وكفى ـ أما اتفاقنا على رأي واحد فهو أمر يأتي أو لا يأتي ، وأهم منه أن نعرف كيف نبسط حججنا ونعرض آراءنا .
أما تضارب أقوالي فما أراك إلا ظالما لي عندما اقتطعت جملة من سياقها وحكمت علي بها : أنا قلتها هكذا :
" تتهمني أنني أقلل من أهمية جملة ( وهم يدفنونني )؟
أأنا أقلل من أهميتها ؟ ؟ أنا يا نديمي ؟
أنا الذي أقول عنها أنها جملة جديدة وأنها تساوي في الأهمية الجملة الأولى وأنه لا يمكن الاستغناء عنها ؟
حاشاي أن أقلل منها وحاشاك أن لا ترى تأكيدي على أهميتها وحرصي على استقلاليتها . لقد فتحت من أجلها الموضوع كله ثم تقول لي : لم تقلل من أهميتها ؟ . لو كنت أقلل من أهميتها لأعربتها حالا وانتهى الأمر !!!!
"
هذا تأكيد مني على أهميتها ، وقد أكدت على ضرورة بقائها من أجل أداء الغرض البلاغي الذي أعتقد أن مالكا أراده . وأما قولي بحذفها فكان ردا لمن أراد أن يعربها حالا غير فضلة . وما زلت أقول إن المعنى الأساسي يتم بدونها في حالة إعرابها حالا ، على عكس الحال في الآية الكريمة : "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ" فلاعبين حال لا جدال ولكن لا يمكن حذفها ولا يتم المعنى الأساس بدونها . أما ( وهم يدفنونني ) فإن المعنى الأساسي يتم بدونها لو أعربت حالا .

أخيرا : لقد راقني حديثكم واستفدت منكم وليس مهما اتفاقنا على فهم واحد ، وأكيد أننا سعدنا بصحبة مالك وبتقليب المعاني ، ولعمري إن تلك هي الفائدة .
دمتم سالمين مصابيح علم ورفاق درب وندامى أطايب الحديث وأستغفر الله لي ولكم .

حازم
05-09-2004, 12:06 AM
يا أهْـلَ الشَّـوْقِ لَنـا شَــرَقٌ & بِالـدَّمْــعِ يَفِيضُ مُـوَرِّدُهُ

يَهْــوَى المُشْــتاقُ لِقَــاءَكُمُ & وصُروفُ الـدَّهْـرِ تُبَعِّـدُهُ

ما أحْلَـى الوَصْـلَ وأعْـذَبَـهُ & لَـولا الأيَّــــامُ تُنَـكِّـدُهُ

بِالْبَـيْنِ وبِالْهُجْـــرَانِ ، فيَـا & لِفُـــؤادي كَيْفَ تَجَلُّـدُهُ ؟!

أسـتاذي الحبيب العـزيز / " ديك الجـنّ "

حقـَّا قد أحـزننـي ردَّك الأخـير ، وهـا أنـا ذا أتقـدَّم إليـك باعتـذارٍ شـديد ، على كلِّ كلمـة صدرتْ مـنِّي تجاهـك ، فما عرفتُـك إلاَّ إنسـانًا دمِثَ الأخلاق ، حبيبـًا إلى القلـوب ، وقد حبـاك الله ذكـاءً وفِطنـة ، وفهمـًا ثاقبـًا .

وقد تشـرَّفتُ بصحبتـك ، وسـعدتُ برفقتـك ، فما أجمـل حديثـك ، وما أروع بيـانك .

مُبتَـدأٌ " دِيـكٌ " وعـاذِرٌ خَـبَرْ & إنْ قُلتَ " دِيـكٌ " عـاذِرٌ مَنِ اعْـتَذَرْ

حقيقـةً ، لم أكُنْ مُتمَنِّيـًا أن يَنتهـي الموضـوع قبل أن نُقلِّـل طـول المسـافة بيننـا ، فقد كانت رحلتنـا شَـيِّقة وممتعـة ، كنَّـا رفيقـيْ بيت مالكٍ الـرائـع ، وكنتَ خـير نديـم حـرف .

فكيف طابت نفسـك أن تـتركني في صحراء موحشـة ، كما تُـرِك المـازنـيُّ ؟؟

يَعِـزُّ علَـيَّ حِـينَ أُديـرُ عَيْنـي & أُفَتِّـشُ في مَكـانِكَ لا أراكَـا

وأعـترفُ في مَقـامي هـذا بأنَّ لك فضـلاً كبـيرًا ، وقـدرًا عظيمـًا ، فقد كنتَ السـبب في إحيـاء قصـيدة مالك ابن الريب المـازنـيِّ ، والتي بحق تعتـبر من درر الشـعر وعيونه .

وجعلتَ القـرَّاء والـزوَّار يتـلذَّذون بروعـة معـانيها .

وأتمنَّـى أن أرى مشـاركاتك المُمـيَّزة ، ذات الطابـع السـاحر الخـلاَّب تتواصـل ، وأن لا تنقطـع عن هـذا المنتـدى .

وإنَّـكَ كالليـلِ الذي هـوَ مُـدْركِـي & وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنتـأَى عَنكَ واسِـعُ

ختـامًا ، أودُّ أن أذكِّـرك بأنَّـك الأجـدر أن تختـار الإعـراب الذي تـراه متوافقـًا مع المعنـى الذي ارتضـاه المـازنـيُّ ، فقد تبـيَّن لي أنك ذو دراية واسعة في علم النحو ، إضافة إلى علم الأدب والبلاغة – ما شاء الله ، تبـارك الله .
ولن تُسَـاق بـبُردك ولا بغـيره إلى الجملـة الحـالية .

أسـأل الله لك مزيدًا من فضله ، وأسـألك الصفح ، فقد تجاوزتُ وشـططتُ .

دمتَ سـالمًا وتقبَّـل أعذب تحيـاتي وأرقَّـها .

والسـلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخـوك : حـازم

أبوأيمن
05-09-2004, 01:35 AM
أمر على الديار ديار صحبي&&أقبل ذا الجدار و ذا الجدار
و ما حب الديار شغفن قلبي&&ولكن حب من سكن الديارا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أساتذتي الأجلاء، شدني حديثكم، و سحرني بيانكم و حواركم، فأ حببت أن أبعث إليكما بجزيل شكري، فقد - والله - استفدت من حديثكما، و أسرني تحاوركما وسط تلك الصورة السحرية بارك الله فيكما وزادكما من علمـه و جوده وكرمـه،
وأستاذنا الجليل / حـازم لاأحـد يجهل فضله وحسن خلقه و تواضعه، و حيا الله أستاذنا الكريم ديك الجن أديبا بارعا ونحن معكم في ليلكم نسمع غناءكم و نمشي خلفكم

تقبلوا فائق الاحترام و التقدير

تلميذكم المحب

أبو أيمن

حازم
05-09-2004, 01:57 PM
يَمينُـكَ أوْرَى - إنْ قَدَحْتَ – مِنَ الـزنْـدِ & وَوَجْهُـكَ أجْـدَى – إنْ قَدِمْتَ – من السَّـعْدِ
وعَـزْمُـكَ أمضَـى حِينَ يَشْـتَجِرُ القَنَـا & مِنَ الأسْــمَرِ الخطِّـيِّ والأبيضِ الهِنْــدِي
وذِكْــرُكَ أحْلَــى أوْ ألَـذُّ مِنَ المُنَــى & وإنْ قيــلَ أحْلَــى أوْ ألَـذُّ مِنَ الشَّــهْدِ
وقُـرْبُـكَ أوْفَـى بِالمَكَــارِمِ والعُـــلا & مِنَ الحُـرِّ بِالمَـأْثُـورِ أوْ كَـرَمِ العَهْــدِ

أسـتاذي الحبيب الفاضـل / أبا أيمـن
سَـعدتُّ كثـيرًا بمـرورك العطـر ، وسـخاء قلمـك ، وبريق حروفـك التي تلألأت كالنجـوم في سـماء صـافية .

وأشـكر لك هـذه الإطـلالة المشـرقة , وهـذه المشـاعر الصـادقة .

وأرجـو أن تواصـل إتحـافنـا بطـرحك المُمـيَّز ، وأن تغـدق علينـا من بحـر علمـك الصـافي .

أسـأل الله الكريم لك مزيـدًا من فضله ، وأن يبـارك في علمـك ، وينفـع بك .
وتقبـل خالص تحيـاتي وتقـديري

ديك الجن
05-09-2004, 05:42 PM
الحبيب العزيز حازم
لا تقل أننا لم نقلل المسافة بيننا ، فلقد قللناها وأذبناها والتقينا في كل خاطر دار أو ربما دار في ذهن مالك . هل أقول أننا التقينا قبل ألف سنة في خاطر رجل يجود بنفسه فأحييناه !! ؟
ليس أقرب من أن أسمع لك وتسمع لي وتقول رأيك وأقول رأيي ولا حرج علي ولا عليك ، وسيبقى حديثنا أمام زائر وقارئ وله أن يختار ما شاء وأن يحكم بما شاء ، ويكفي أن يمر بنا فيسمع حديثا طيبا ، وتلك هي الغاية .
ولا أعتقد أننا سنعرض بأكثر مما عرضنا فقد أوصل كل منا رأيه . وما ذا يريد بعد ؟
النقاش الجيد هو الذي ينتهي عندما يجب أن ينتهي وإلا ترهل بعدها وصار سجالا كلاميا عقيما .

يا صاحبي أخجلتني حقا . ولأنت الكريم الكريم المهذب المهذب ، وما زادك عندي إلا هيبة وتقديرا ..
( هل وصفك أحد يوما بأنك عنيد )!!؟ ،
حاولت تقليدك في أسلوبك وفي استحضارك الشواهد والأبيات والتحوير فيها ففشلت . ولكني سأتعلم .
أما المنتدى فأنا لن أقاطعه ما دمت أجد فيه مثل هذه المذاكرات ، إلا أني أكره أن أكون ثقيلا بكثرة المشاركات .

الكرام الأحباب :
النحوي الصغير
بديع الزمان
أبو أيمن
شكرا لكم ، بحضوركم صار للحديث معنى أجمل وأشرف ، وأعترف أني استفدت منكم أدبا وعلما وخلقا . فلكم شكري ، أجمله ، ولكم تحاياي ، أطيبها .
محبكم : الديك .