المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من قوله تعالى : (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)



مهاجر
28-12-2008, 08:36 AM
من قوله تعالى : (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)

فقد استشكل بعض الأعاجم عندنا في مصر عطف "المقيمين" على "المؤمنون" ، لأن الأولى منصوبة والثانية مرفوعة ، والقاعدة أن العطف يوجب الاتحاد في الحكم ، فإما أن تكون مرفوعة جميعا وإما أن تكون منصوبة جميعا ، كما يقول ذلك الساذج ، والقاعدة صحيحة ، ولكنه أغفل ، جهلا أو سوء طوية ، أن كسر الإعراب أو "القطع" ، في لغة العرب يكون لنكتة بلاغية لا يعرفها أمثاله ، فالقطع أسلوب شائع في كلام العرب ، وقد أشار إليه أئمة النحو في دواوينهم ، فعلى سبيل المثال يقول ابن عقيل ، رحمه الله ، في شرحه على الألفية :

"وإن لم يكونا مفردين ، بأن كانا مركبين ، (أي : الاسم واللقب) ، نحو : عبد الله أنف الناقة ، أو مركبا ومفردا نحو : عبد الله كرز ، (والكرز : هو القصير عظيم البطن والله أعلم) ، وجب الإتباع ، فتتبع الثاني ، "أي : اللقب" ، الأول ، "أي : الاسم" في إعرابه ، ويجوز القطع إلى الرفع أو النصب ، (وهذا شاهد كلامنا) ، نحو : مررت بزيد أنفُ الناقة ، برفع أنف ، على إضمار مبتدأ ، فيكون تقدير الكلام : مررت بزيد هو أنفُ الناقة ، والنصب على إضمار فعل ، والتقدير : مررت بزيد أعني أنفَ الناقة ، والقطع في لغة العرب لا يكون إلا إلى الرفع والنصب فلا قطع إلى الجر ، فيصح أن تقول : هذا زيد أنفَ الناقة ، بالقطع إلى النصب ، ولا يجوز القطع إلى الجر ، والله أعلم .
بتصرف من شرح ابن عقيل ، رحمه الله ، نسخة الشيخ محمد محيي الدين ، رحمه الله ، (1/104) .
والقطع في المثال السابق للذم ، ولذلك فإن الأنسب في القطع إلى النصب أن يكون العامل المقدر دالا على الذم نحو : مررت بزيد أذم ، أو : أخص بالذم أنفَ الناقة .

وحذف المبتدأ عند القطع إلى الرفع من مواضع حذف المبتدأ وجوبا ، وإليه أشار ابن عقيل ، رحمه الله ، بقوله :
"الأول ، (أي : من مواضع حذف المبتدأ وجوبا) : النعت المقطوع إلى الرفع : في مدح ، نحو : "مررت بزيد الكريمُ" أو ذم ، نحو : "مررت بزيد الخبيثُ" أو ترحم ، نحو : "مررت بزيد المسكينُ" فالمبتدأ محذوف في هذه المثل ونحوها وجوبا ، والتقدير : (هو الكريم ، وهو الخبيث ، وهو المسكين)" . اهــــ
"شرح ابن عقيل" ، (1/209) .

ويقول إمام النحاة ابن هشام ، رحمه الله ، في "أوضح المسالك" :
"ثم إن كان اللقب وما قبله مضافين ، كــ : عبد الله زين العابدين ، أو كان الأول مفردا والثاني مضافا كـــ : كزيد زين العابدين ، أو كانا العكس ، كـــ : عبد الله كرز ، أتبعت الثاني للأول : إما بدلا ، أو عطف بيان ، أو قطعته عن التبعية ، (وهو : شاهدنا في هذا الموضع) ، إما برفعه خبرا لمبتدأ محذوف ، أو بنصبه مفعولا لفعل محذوف" .
بتصرف من "أوضح المسالك" ، ص53 .

ففي قولك : مررت بعبد الله زين العابدين ، إما أن تتبع "زين" ، لـــ : "عبد" المجرورة ، فتجرها كبدل أو عطف بيان ، بدليل جواز إتيان الثانية محل الأولى دون أن يختل المعنى فتقول : مررت بزين العابدين ، فــ "زين العابدين" هو "عبد الله" و "عبد الله" هو "زين العابدين" .

وأما القطع : فقد سبقت الإشارة إليه في كلام ابن عقيل ، رحمه الله ، فالرفع بتقدير مبتدأ محذوف تقديره : هو ، والنصب بتقدير فعل محذوف : أعني ، والله أعلم .

وعليه يحمل قولك : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، برفع ونصب "الرجيم" ، فتقدير الرفع : أعوذ بالله من الشيطان هو الرجيمُ ، وتقدير النصب : أعوذ بالله من الشيطان أذم الرجيمَ ، من الذم ، فالفعل المقدر يجب أن يكون مناسبا للسياق ، والسياق هنا سياق ذم ، والله أعلم .

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ، بقطع : "أهلَ" إلى النصب مدحا لدلالة السياق على ذلك ، فيكون تقدير الكلام : أعني أهلَ البيت ، أو أخص بالمدح أهلَ البيت .

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
"نحن معاشرَ الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة"
فالنصب على الاختصاص ، فيؤول الكلام إلى : نحن أخص بالذكر : معاشرَ الأنبياء .....................

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
"إنا آلَ محمد لا تحل لنا الصدقة"
فالنصب على الاختصاص ، أيضا ، ، فيؤول الكلام إلى : نحن أخص بالذكر : آلَ محمد .....................

وقول الشاعر :
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ******* ننعي ابن عفان بأطراف الأسل
فـــ : "بني" : منصوب على الاختصاص وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم ، فتقدير الكلام : نحن أخص بالذكر بني ضبة .

وقولهن :
نحن بناتِ طارق ******* نمشي على النمارق
فـــ : "بناتِ" : منصوب على الاختصاص وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ، فتقدير الكلام : نحن أخص بالذكر بناتِ طارق .

وقول الآخر :
لنا معشرَ الأنصار مجد مؤثل ******* بإرضائنا خير البرية أحمد
فـــ : "معشرَ" : منصوب على الاختصاص فتقدير الكلام : لنا أخص بالذكر معشرَ الأنصار ........................

والشواهد على ذلك كثيرة ويمكن الرجوع في ذلك إلى باب "الاختصاص" في كتب النحو سواء أكانت من كتب التراث أم من الكتب الحديثة .


ففي كل ما سبق بيان لجواز القطع في لغة العرب من جهة : الصناعة النحوية .

فيقال في الآية محل البحث :
وقع القطع في السياق مرتين : (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)

فالسياق ابتداء جارٍ على الرفع : "الراسخون" و "المؤمنون" ، ثم قطع إلى النصب على الاختصاص في : "والمقيمين" ، ثم قطع إلى الرفع مرة أخرى ليرجع السياق إلى ما كان عليه ، بتقدير مبتدأ محذوف لـــ : "المؤتون" ، فيكون تقدير الكلام : وأخص بالذكر المقيمين الصلاة ، ثم يقطع إلى الرفع بتقدير : وهم المؤتون الزكاة .


وأما من جهة الصناعة البلاغية : فإن الكسر أو القطع في الإعراب ، يلفت نظر السامع إلى معنى جديد في الكلام ، فهو بمثابة جرس إنذار يسترعي انتباه القارئ لنكتة في هذا الموضع من السياق ، إما أن تكون مدحا أو ذما أو تحذيرا أو ............... إلخ .

فمن أمثلة الذم :
قوله تعالى : (وامرأته حمالةَ الحطب) : بنصب حمالةَ ، فتقدير الكلام : وامرأته أعني حمالةَ الحطب ، أو : وامرأته أذم حمالةَ الحطب ، والله أعلم .

ومن أمثلة التحذير :
قوله تعالى : (فقال لهم رسول الله ناقةَ الله وسقياها) ، بنصب "ناقةَ" ، فسياق الكلام ، للوهلة الأولى ، يرجح رفع : "ناقة" ، لأنها صدر جملة مقول القول ، ولكنها نصبت هنا على التحذير ، كما أشار إلى ذلك القرطبي ، رحمه الله ، فتقدير الكلام : احذروا ناقةَ الله ، أو : احذروا أن تمسوا ناقةَ الله بسوء ، والله أعلم .

ومن أمثلة المدح :
الآية التي بين أيدينا ، فتقدير الكلام : لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وأخص بالذكر أو أمدح المقيمين الصلاة .......... ، والله أعلم .

وحديث كعب بن عجرة ، رضي الله عنه ، عند الطبراني ، رحمه الله ، في "المعجم الكبير" ، وفيه : "نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْصَارِ آمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ، وَقَاتَلْنَا مَعَهُ" ، فالنصب على الاختصاص مدحا .

وكذلك قول الشاعر :
إنا بني نهشل لا ندعي لأب *******
فتقدير الكلام : إنا أخص بالذكر أو المدح : بني نهشل .
يقول أبو زكريا التبريزي رحمه الله :
"وانتصاب : (بني) على إضمار فعل ، كأنه قال : أذكر بني نهشل ، وهذا على الاختصاص أو المدح ، وخبر إن : (لا ندعي) ، ولو رفع فقال : إنا بنو نهشل ، على أن يكون خبرا ، و : (لا ندعي) في موضع الحال ، والفرق بين أن يكون اختصاصا وبين أن يكون خبرا صراحا هو : أنه لو جعله خبرا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب ، وكان لا يخلو فعله ذلك من خمول فيهم أو جهل من عند المخاطب بشأنهم ، فإذا جعل اختصاصا فقد أمن الأمرين جميعا" . اهــــ
نقلا عن حاشية : "منتهى الأرب" على شرح : "شذور الذهب" ، ص246 .

فالقطع كما تقدم يلفت الانتباه ويشحذ الذهن ، بخلاف الرفع الصريح فإنه يعني خمول ذكر المتكلم حتى احتاج إلى أن يعرف نفسه ، أو جهل المخاطب حتى احتاج إلى من يعرفه بالمتكلم .

&&&&&

وإلى أقوال أئمة التفسير في هذه الآية :

فالطبري ، رحمه الله ، بدأ بذكر بعض الروايات التي تذهب إلى أن هذا الأمر خطأ من الكاتب ، وهي روايات تمسك بها مثيرو الشبهات ، وقد أشار شيخ الإسلام ، رحمه الله ، إلى بطلانها ، ومن أبرزها ما نسبوه لعثمان رضي الله عنه ، من قوله : (إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها) ، وكذا ما نسبوه لأم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، من قولها في هذه الآية وآيات أخرى لعروة بن الزبير رحمه الله : (يا ابن أخي ، هذا خطأ من الكاتب) .

وبطلان هذه الروايات أظهر من أن يشار إليه ، إذ كيف يترك الصحابة ، رضوان الله عليهم ، هذه الأخطاء ، لو صح أنها أخطاء كما يزعم المخالف ، في المصحف ، وهم أفصح العرب ، وبلغتهم نزل القرآن ، ثم إن أرباب الفصاحة من كفار قريش ، لم يشيروا لهذه الأخطاء التي اكتشفها ذلك الساذج ، بعد 14 قرنا من نزول القرآن ، مع حرصهم الشديد على القدح في القرآن الكريم ، معجزة الإسلام الخالدة ، ولكنهم لما كانوا عربا خلصا لم تخالط العجمة ألسنتهم عرفوا هذه المعاني الدقيقة للوهلة الأولى ، فأعياهم القرآن بنظمه المحكم ، ولم يستطع أحدهم أن يأتي بآية من مثله .

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الموضع : لما أورد الطبري ، رحمه الله ، هذه الروايات التي قد يتمسك بها بعض المغرضين في تفسيره ؟!

والجواب : أن كتاب الطبري ، رحمه الله ، من اسمه ، جامع ، فهو يجمع كل الروايات التي وردت في تفسير آية معينة ، مسندة إلى قائليها ، بغض النظر عن صحتها ، ومن أسند فقد أحال ، أي أنه بإبراز سند الرواية التي يسوقها يكون قد خرج من عهدتها فكأنه يقول للناظر في كتابه : لقد أبرزت لك رجال رواياتي وعليك أن تبحث في حالهم جرحا وتعديلا ، وتبحث في الرواية سندا ومتنا من جهة الشذوذ أو النكارة أو العلة الخفية القادحة ...... إلخ ، وكذلك الحال في سفره العظيم في التاريخ : "تاريخ الرسل والملوك" فهو يبرز رجال الرواية ويترك بقية الأمر للمتخصص في علوم الرواية ، فلا يصح لمستدل أن يقول دليلي ما رواه الطبري في تفسيره أو تاريخه ، قبل أن يبحث في حال السند ويتأكد من توفر شروط الصحة فيه ، لأن الطبري لم يشترط الصحة ، فلم يصنع صنيع البخاري ومسلم ، رحمها الله ، ليحتج بكل رواية يوردها رأسا ، دون بحث ، كما هو حال أحاديث الصحيحين ، بل إنه قد أكثر في تفسيره من الرواية عن شيخه ابن حميد ، وابن حميد ، متهم بالكذب ، مع كونه حافظا ، فهل يصلح إسناد فيه متهم بالكذب للاحتجاج ؟!!! ، ومما رواه عن ابن حميد ، القول المنسوب لأم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، بوقوع الخطأ من الكاتب فسياق الإسناد في كتابه :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبـيه ، أنه سأل عائشة : ......... إلخ .


وهذا الأمر في غاية الدقة ، لأنه بالبحث في رجال روايات الطبري في تفسيره وتاريخه يسد باب شر عظيم قد يلج منه المغرضون للطعن في القرآن ، كما هو الحال في هذا الموضع ، أو للطعن في الصحابة ، رضوان الله عليهم ، عند مطالعة الروايات التي أوردها في أحداث الفتنة التي وقعت في آخر عهد عثمان ، رضي الله عنه ، وما تلا ذلك من أحداث ، والله أعلم .

وقد اعتذر ، رحمه الله ، عن ذلك في مقدمة تاريخه بقوله :
"فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا" . اهــــ

وبعد ذلك أشار الطبري ، رحمه الله ، إلى الرأي المشهور في الآية محل البحث وهو أن النصب فيها : على الاختصاص بالمدح ، وبالرغم ذلك ، لم يرجح الطبري هذا الرأي ، وإنما رجح الرأي القائل بأن تقدير الكلام : والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنزل إلـيك يا مـحمد من الكتاب وبـما أنزل من قبلك من كتبي وبالـملائكة الذين يقيـمون الصلاة ، فيكون المقصود بـــ "المقيمين الصلاة" : الملائكة ، فالموصوفون في الآية يؤمنون بالكتاب كله وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة .

يقول الطبري رحمه الله :
"وأولـى الأقوال عندي بـالصواب ، أن يكون الـمقـيـمين فـي موضع خفض نسقاً علـى «ما» التـي فـي قوله : { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } وأن يوجه معنى الـمقـيـمين الصلاة إلـى الـملائكة ، فـيكون تأويـل الكلام : والـمؤمنون منهم يؤمنون بـما أنزل إلـيك يا مـحمد من الكتاب وبـما أنزل من قبلك من كتبـي وبـالـملائكة الذين يقـيـمون الصلاة ثم يرجع إلـى صفة الراسخين فـي العلـم فـيقول : لكن الراسخون فـي العلـم منهم ، والـمؤمنون بـالكتب ، والـمؤتون الزكاة، والـمؤمنون بـالله والـيوم الآخر" . اهـــ


وأما الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، فيقول في تفسيره :
وقوله : { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة ، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب ، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود : والمقيمون الصلاة ، قال : والصحيح قراءة الجميع ، ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب ، ثم ذكر اختلاف الناس ، فقال بعضهم : هو منصوب على المدح ، كما جاء في قوله تعالى :
{ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ }
[البقرة : 177] ، قال : وهذا سائغ في كلام العرب ، كما قال الشاعر :
لا يبعدنْ قومي الذين هُمو ******* سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجزرِ
النازلين بكلِّ مُعْتَرَكٍ ******* والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ

فلو كان الكلام على الإتباع ، لقال : النازلون ، ولكنه قطع إلى "النازلين" .

وقال آخرون : هو مخفوض عطفاً على قوله : { بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يعني: وبالمقيمين الصلاة ، وكأنه يقول : وبإقامة الصلاة ، أي : يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم ، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة : الملائكة ، وهذا اختيار ابن جرير" . اهـــ بتصرف

فإما أن يكون المقصود الملائكة : مقيمي الصلاة ، وهذا اختيار ابن جرير الطبري ، رحمه الله ، كما تقدم ، أو الصلاة نفسها .

ويقول الزمخشري ، غفر الله له ، في "كشافه" :
"و { وَالمقيمين } نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، وهو باب واسع . وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد . ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان ، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه ، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقاً يرفوه من يلحق بهم . وقيل : هو عطف على { بِمآ أُنزَلَ إِلَيْكَ } أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء . وفي مصحف عبد الله : «والمقيمون»، بالواو . وهي قراءة مالك بن دينار ، والجحدري ، وعيسى الثقفي" . اهـــ

فالأولون كانوا أكثر غيرة على القرآن منا فما الذي منعهم من إقامة هذا اللحن المزعوم ؟!!! .
والزمخشري يضيف هنا معنى جديدا وهو الإيمان بالأنبياء ، فهم المعنيون بقوله تعالى : (والمقيمين الصلاة) .

ويقول القرطبي ، رحمه الله ، في "جامعه" :
"واختلف في نصبه على أقوال ستة ، أصحها قول سيبويه بأنه نصِب على المدح ، أي وأعني : المقيمين ، قال سيبويه : هذا باب ما ينتصب على التعظيم ومن ذلك «والمُقِيمِين الصَّلاَةَ» وأنشد :
وكل قومٍ أطاعوا أمر سيِدهم ******* إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
ويروى أمر مرشدهم.
الظّاعِنين ولما يُظْعِنُوا أحداً ******* والقائِلُونَ لِمَنْ دارٌ نُخَلِّيها

فلو كان الكلام على الإتباع لقال : "الظاعنون" ، ولكنه قطع إلى "الظاعنين" .

وينقل عن القُشيري قوله : وهذا المسلك باطل ، لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في اللغة ، فلا يظنّ بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل .
فلا يتصور اللحن من قوم كلامهم في حد ذاته حجة .
ويرجح القرطبي ، رحمه الله ، القطع إذ يقول :
"وأصح هذه الأقوال قول سيبويه وهو قول الخليل ، أي القطع على الاختصاص ، وقول الكسائي ، أي أن المقصود هم : الملائكة ، هو اختيار القَفّال والطبري ، والله أعلم" .

ويقول أبو حيان ، رحمه الله ، في "بحره المحيط" :
"وانتصب المقيمين على المدح ، وارتفع والمؤتون أيضاً على إضمار : وهم على سبيل القطع إلى الرفع ، ..................... ، وهذا القطع لبيان فضل الصلاة والزكاة ، فكثر الوصف بأن جعل في جمل" .

والله أعلى وأعلم .

أحمد سالم الشنقيطي
29-12-2008, 05:50 PM
جزاك الله خيرا، أخي الفاضل.
سبق لي مناقشة الموضوع نفسه في الرابط التالي:
مذاهب المفسرين والنحاة في إعراب "والمقيمين الصلاة". (http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=17875)
مع تقديري لكم.

أحمد سالم الشنقيطي
29-12-2008, 05:55 PM
جزاكم الله خيرا أخانا مهاجرا.

هذه أهم التوجيهات في كلمة "المقيمين" مع الاختصار والترتيب والترجيح:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أما تفصيل الكلام في هذه التأويلات والتوجيهات فهو كما يلي :

ــ القول بالنصب على المدح (القطع)، وهو مذهب البصريين ، لأدلة سماعية مأثورة عن العرب منها :

****** ويأوي إلى نسوة عطـــــل .......... وشعثـًا مراضيعَ مثل السعالى ********

ووافقهم في ذلك الفراء والنحاس والزجاج والزمخشري وابن هشام وأبو حيان . وهذا القول هو المرجح عند كثير من المحدثين .

أما الكوفيون فقد تأولوا الآية ، وذهبوا إلى منع جواز نصب "والمقيمين" على المدح ، لأنهم لا يجيزون النصب على المدح قبل تمام الكلام ؛ والخبر في الآية عندهم أتى متأخرا عن الكلمة المقصودة .

ـــ العطف على "ما" ، وإليه ذهب الكسائي وتبعه السيرافي ، وأيده الطبري . فيكون التقدير :"والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، وبالمقيمين الصلاة" وهم الأنبياء أو الملائكة أو المذهب والدين، على اختلاف بين المفسرين القائلين بهذا التأويل، أو الناقلين له . واختار هذا القول أيضا مكي بن أبي طالب ، وابن هشام .

ـــ عطف "والمقيمين" على الكاف في "من قبلك" ، والتقدير : (وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة) . وممن ذكره وأجازه القرطبي ، ومكي بن أبي طالب .

ـــ العطف على الهاء في "منهم" ، فيكون التقدير : (ولكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة) ، وممن أجاز هذا الوجه مكي بن أبي طالب .

ـــ العطف على الكاف في "إليك" ، والتقدير : (والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك .......... وإلى المقيمين الصلاة) وهم الأنبياء . وممن أجازه العكبري ، والقرطبي .

ـــ تضمين "لكن" بالنسبة إليها لفظ "إلا" ، فتعمل عملها في النصب . ويكون أن المعنى أن "المقيمين الصلاة" مستثنون ممن أعد الله لهم العذاب الأليم المذكورين في الآية السابقة . وذكره البقاعي ، وأجازه على بُعد .


ويظهر أن المذهب الراجح هو النصب على المدح ، وقال به جمهور البصريين، ووافقهم جماعة من الكوفيين لما يلي :
1ـــ السماع من العرب .
2ـــ لا دليل على منع النصب على المدح قبل تمام الكلام .
3ـــ احتمال أن يكون الخبر في الآية هو جملة "يؤمنون" وعليه فالكلام تام ، ولا وجه للاعتراض .

وقد أخذت مشاركتي هذه من الرابط الذي أشرت إليه أعلاه، وهي تعود إلى تاريخ 20/01/2007م.

مهاجر
09-01-2009, 08:22 AM
عذرا أخي الحامدي لم أدخل على الموضوع إلا الآن ، ومشاركتي نافلة بعد الفريضة التي أديتها فالحمد لله رب العالمين .