المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : لِمَ لا تكون ( مِن ) اسمًا ؟



أبو قصي
08-01-2009, 05:25 PM
لو ادَّعى مدَّعٍ أنَّ ( مِن ) اسمٌ ، بدليلِ أنَّها تقعُ موقعَ ( بعضٍ ) ، وأنَّها تقعُ في موضع الفاعل ، حيثُ لا فاعلَ ، وموضعِ المفعول حيثُ لا مفعولَ .
فأمّا وقوعُها موقِع ( بعض ) ، فأوضح مثالٍ عليهِ قراءة الجمهورِ : (( لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبون )) ، وقراءة ابن مسعود : (( حتى تنفقوا بعضَ ما تحبون )) .
وأمَّا وقوعُها موضع الفاعل حيثُ لا فاعلَ ، فمثلُ قوله تعالى : (( ولقد جاءك من نبأ المرسلين )) .
وأمَّا وقوعها موضع المفعول حيثُ لا مفعولَ ، فمثلُ قوله تعالى : (( فشربوا منه إلا قليلاً منهم )) .


فما أصرحُ دليلٍ على الفرق بينهما يمكنك أن تُجيب به ؟

ابن القاضي
08-01-2009, 07:43 PM
أنها تكون زائدة باتفاق ، والأسماء لا تزاد .

أبو قصي
09-01-2009, 12:04 PM
حياك الله أخي الحبيب / ابن القاضي

فإن قال لك هذا الرجل :
إنما أعني بـ ( مِن ) التي بمعنى ( بعض ) ؛ فلا يرد عليَّ ( مِن ) الزائدة .

ابن القاضي
10-01-2009, 03:55 PM
هذه محاولة أخرى ، ولعلكم ـ أستاذنا الكريم ـ ترشدونا إلى موضع الخلل ، فمنكم نستفيد .
أقول : لو صح أن تكون " مِن " التبعيضية اسما لصح إحلالها محل "بعض" في كل موضع ؛ وهو ممتنع .
ألا ترى أن الكاف الاسمية لما صح إحلالها محل "مثل" في كل موضع ألحقوها بالأسماء . تقول : علي مثل زيد ، وعلي كزيد .
وكذلك "على" تكون اسما لصحة مجيئها موضع "فوق" بلا تخلف . تقول : نزل من فوق الجبل ، ومن على الجبل .

أبو قصي
10-01-2009, 11:25 PM
المعوَّل عليهِ في التفرقة بين أصناف الكَلِم هو الحَدُّ ، لا العلاماتُ ؛ إذ الحدُّ موضوعٌ لبَيانِ حقيقةِ الشيءِ ، وتمييزِه عن غيره . فإذا أردنا معرفةَ شيءٍ من الكلمِ ، وإلى أيِّ صنفٍ من الأصنافِ الثلاثةِ ينتمي ، عرَضناه على الحدِّ ، بعدَ تمحيصِه ، والاطمئنانِ إلى سلامتِه ، والاستيثاق من دوَرانه طردًا وَّعكسًا .

فإذا استبهمَ علينا الحدُّ ، ولم يهدِنا النظَرُ فيهِ ، ثمَّ النظرُ إلى الكلمةِ المرادِ معرفةُ صنفِها ، إلى يقينٍ قاطعٍ ، استعنَّا بالنظر في العلاماتِ ، والخواصِّ التي أعطيَتها هذه الكلمةُ ؛ إذ لكلِّ صِنفٍ من الأصنافِ خواصُّ لا يشرَكه فيها غيرُه ، توجَد في بعض أنواعِه دونَ بعضٍ . وهي خواصُّ اقتضتها طبيعتُه ، كدخولِ حرف التعريف على الأسماء دونَ غيرِها ؛ فإنما ذلكَ لأنَّ الفعلَ ليسَ اسمًا لشيءٍ ثابتٍ ؛ فيقبلَ التعريفَ ، والتنكيرَ ، ولأنَّ الحرفَ ناقصُ الدّلالةِ ، لا يتِم معناه إلا بغيرِهِ .

وينبغي قبلَ النظر في العلاماتِ أن ننظرَ في الحدودِ ، لأنَّ العلاماتِ ربَّما تخلَّفت ، كما في ( عدا ، وخلا ) في الاستثناء ، وربَّما انتقضت ، كما في ( دامنَّ سعدك لو رحمتِ متيَّمًا ... ) ، و ( أقائلُنَّ أحضروا الشهودا ) ، وربَّما اختُلِفَ فيها ، كما في لحاقِ ياء المتكلم معَ نون الوقاية اسمَ الفعلِ ( عليكَني ) ، على أنَّ ادِّعاءَ أنَّ ما يسمونَه ( أسماءَ فعالٍ ) أسماءً ، فيهِ نَظرٌ .

أمَّا الحدودُ ، فإنها متى أُحكِمت ، لم يتطرَّق إليها خللٌ ، ولم يمسسها خوَرٌ . والنحاةُ كثيرًا ما يُقدِّمون حكمَ العلامات على حكمَ الحدودِ ، كما فعلوا في ( ليسَ ) ؛ فعدوه فِعلاً ، والحقُّ أنه حرفٌ ، كما قالَ أبو بكر بنُ شُقيرٍ ، وأبو علي الفارسيّ . وذلكَ لدلالةِ الجنسِ ، ودلالةِ العلاماتِ المطردةِ ، والغالبةِ . أمَّا لَحاق التأنيث الساكنة ، وضمائر الرفعِ بها ، فلهُ توجيهٌ لعلي أفيضُ الكلامَ عليهِ ، وعلى حقيقةِ ( ليس ) عامَّةً في موضعٍ آخرَ إن شاءَ الله .

ونرجعُ إلى حدي الاسمِ ، والحرف .
حدُّ الاسمِ : كلمةٌ دالَّة على معنًى في نفسِها غيرِ مقترنٍ بزمنٍ محصَّلٍ .
وحدُّ الحرفِ : كلمةٌ دالّةٌ على معنًى في غيرِها فقط .

وإذا نظرنا في ( بعضٍ ) ، وجدناها تدلُّ ( بنفسِها ) على ذاتٍ ؛ تقولُ : ( هؤلاء بعض الناسِ ، وهؤلاءِ بعضٌ ) ؛ فلا تحتاجُ إلى اسمٍ بعدها تتمِّمُ بها معناها ، لأنَّ ( بعضًا ) تُفهِم بنفسِها صورةً تامَّةً ، إذا كانَ معلومًا بالسياقِ الجنسُ الذي يُنمى إليه هذا ( البعض ) ، كما تقولُ : ( هؤلاءِ نِصف الناسِ ، وهؤلاءِ نِصفٌ ) . ولولا أنَّ ( بعضًا ) ، و ( نصفًا ) من الألفاظِ العامَّةِ التي تُطلَق على أجناسٍ متعدِّدة مختلِفةٍ ، لما احتجتَ إلى وضعها في كلامٍ ليستبينَ لك معناها تامًّا . وليس صوابًا قولُ مَن ادَّعى أنَّ التنوين في ( بعضٍ ) تنوينُ عوضٍ ؛ فإن تنوينَ التمكين سابقٌ لهُ ؛ فأيَّ شيءٍ أفادَ هذا التنوينُ الجديدُ . والذي أدخلَ عليهم اللبسَ أنَّ هذا اللفظَ ونحوَه ، كـ ( جزء ، وكلّ ، ونصفٍ ) منَ الألفاظِ العامَّة التي ليسَ لها حقيقةٌ ثابتةٌ ؛ وإنما تطلَقُ على كلِّ ذي أفرادٍ من أيِّ جنسٍ كانَ . فلهذا كان قولُك : ( هؤلاءِ بعضٌ ) ، كقولك : ( هؤلاءِ قومٌ ) إلا ما ذكرتُ من اختلافِ النوعينِ من جهةِ الانحصارِ ، والعمومِ .

أما ( مِن ) ، فإنها وإن قاربت ( بعضًا ) شيئًا من المقاربةِ ، فبينَهما عندَ التحقيقِ فرقٌ ؛ وهو أنَّ ( مِن ) لا يُفهَم معناها إلا بغيرِها ؛ فلا تقول : ( هؤلاء مِن ) حتى تأتيَ بعدَها باسمٍ .

فهذا بشيءٍ من الاختصارِ بيانُ الاختلافِ بينهما في الحدِّ ، وصدقِ انطباقِه عليهما .

أمَّا الخواصُّ ، فضربانِ ؛ خواصُّ مطَّرِدةٌ ، وخواصُّ غالبةٌ ؛ فالخواصُّ المطرِدةُ يكتفَى بها ، وتوجِب المصيرَ إلى لازمِها . والخواصُّ الغالبةُ يؤخذ بها متى عُدِمت المطرِدة ، ولم ينكشف الحدُّ ؛ وهي التي تُسمَّى في ( قوانين الاحتجاج ) بـ ( الحمل على الغالبِ ) ، على أنَّ ذكرَها هنا داعٍ للاستئناسِ ، وتثبيتِ الرأيِ .
وإنَّما احتجنا إلى النظر في الخواصِّ ، لأنَّ الحدَّ ربَّما يخفَى أحيانًا ، أو يكونُ غيرَ صريحِ الدِّلالةِ ، أو ربما لا نعلَم قصدَ العربِ في اللفظِ نفسِهِ . ولأنَّ النظرَ في الخواصِّ أيسرُ أيضًا ، وأقلُّ مئونةً على الناظرِ .

أمَّا الخواصُّ المطردةُ ، فمنها أنك تقول : ( إن من البيانِ لسحرًا ) ، وتقولُ : ( إنَّ بعضَ البيانِ لسحرٌ ) . وهذه علامةٌ تركيبيةٌ ، بيِّنةٌ كلَّ التبيُّنِ . ومنها عدمُ قَبولها علامةً من علاماتِ الأسماء .

وأمَّا الخواصُّ الغالبةُ ، فمنها :
1-عدمُ اشتقاقِ الكلمةِ .
2-كونُها على حرفينِ ، كما يغلب على الحروف .
3-بناؤها .
4-أنَّ معنى ( التبعيض ) فيها لم يدلَّ عليه اللفظُ بالوضعِ ؛ إذ الأصل في معنى ( مِن ) الابتداءِ ، كما الأصلُ في معنَى الباء الإلصاقُ ؛ وإنما دَلَّ عليه بالتفرّع عن المعنَى الأصليِّ . وهذا أشبه بالحروف .

وبقِيَ أيضًا أن نذكرَ قانونًا من قوانينِ الاحتجاجِ آخرَ ؛ وهو قانونُ عدمِ تردُّد الشيء الواحد بينَ حقيقتينِ ، أو معنيينِ ما أمكنَ . وذلكَ أنك إذا جعلتَ ( مِن ) مرةً اسمًا ، ومرةً حرفًا ، كانَ هذا أقربَ إلى أن يخالِفَ ناموسَ اللغةِ ، لأنَّ حقيقةَ الاسميةِ مباينةٌ كلَّ المباينةِ حقيقةَ الحرفيةِ . والحرفُ إذا وُضِع لمعًنى مَّا ، وكان له حقيقةٌ ثابتةٌ ، لم ينتقل من حقيقته إلا بمجازٍ مقبولٍ ، أو توسُّع متصوَّرٍ في الذهنِ ، جارٍ على عوائدِ التطوُّرِ . ولذلك ذكر سيبويه رحمه الله أنَّ جميع معاني الباء راجعةٌ إلى الإلزاق ، والاختلاط .
أمَّا ( ما ) ، فإنما كانت في بعض حالاتها اسمًا ، وفي الأخرى حرفًا ، لأنهما وضِعتا على هاتين الحقيقتين وضعًا واحدًا ، واتفقتا في الصورة . وليس أحدُهما تطورًا من الآخر ، أو توسُّعًا فيه ، لمناقضة هذا لقوانينِ التطور . وهذا يَجري على أكثرِ حروفِ الجرِّ ؛ فإن كثيرًا من النحاةِ ، ولا سيَّما ممَن يقِف عند المعنى الظاهرِ ، كابن مالكٍ رحمه الله [ وقد أشار إلى هذا الشاطبيُّ في أكثر من موضعٍ ] ، لا ينظرونَ إلى أصولِ المعاني ، وأسبابِ التوسُّع فيها ، والتطوُّرِ . وظنِّي أن الذي حملَهم على هذا وَلوعهم بالاستكثارِ من الإحصاءِ ، كما فعلوا في علاماتِ الاسم ، ومسوغات الابتداء بالنكرةِ ؛ وإنْ كانت كلُّها ترجِعُ إلى شيءٍ وَّاحدٍ .

أمَّا استدلال هذا المدَّعي اسميتها بوقوعها موقِع ( بعض ) ، فليس دليلاً ، لأنَّ اسم الفعلِ – وهو اسمٌ على رأيِهم – يقعُ موقِع الفِعل ؛ تقولُ : ( انزل ) ، و ( نزالِ ) ، و ( اسكت ) ، و ( صه ) .
ولأنَّ بعض حروف الجرِّ ، كحرف الباء يقعُ أيضًا موقع الاسمِ ( بدل ) ، ونحوِه . وهو حرفٌ باتّفاقٍ في ما أعلمُ .

وأما وقوعُها موقِع الفاعل حيثُ لا فاعلَ ، وموقع المفعول حيث لا مفعولَ ، فعلى حذفِ الفاعلِ ، والمفعولِ لدلالتِها عليهِما ، كما حُذف المبتدأ في قوله تعالى : http://www.ahlalloghah.com/images/up/01204cbc20.gif وما منا إلا له مقامٌ معلومٌ http://www.ahlalloghah.com/images/up/2654672cb0.gif وغيره .

ولأخي الفاضل / ابن القاضي
ما ذكرتَه من تخلُّفِ ( مِن ) عن بعض مواضع ( بعض ) حجَّة ظنِّية جيِّدة ، وليست يقينيةً قاطعةً ؛ إذ لا يجِب أن تكونَ ( مِن ) مثلَ ( بعض ) في كلِّ شيءٍ ، حتى تكونَ اسمًا ؛ فإن ( ما ) ، و ( إنْ ) النافيتين حرفانِ ، وأحكامُهما ليست واحدةً . ولا يقضي بالتساوي في الأحكامِ شيءٌ من الأصولِ . ونظيرُ ذلكَ نون التوكيد الثقيلة ، ونون التوكيد الخفيفة ؛ فإن الثانيةَ فرعٌ من الأولى ، وهي مع ذلكَ تخالِفها في بعض الأحكامِ . وكذلك ( إنْ ) المؤكدة فرعٌ عن ( إنَّ ) ، وهي تخالِفها في بعض الأحكام أيضًا .

وأشكر لك تفضلكَ بالمشاركةِ الطيِّبةِ .

أبو قصي
12-01-2009, 12:18 PM
تصحيح :
( أنَّ ادِّعاءَ أنَّ ما يسمونَه ( أسماءَ فعالٍ ) أسماءً )
الصواب :
( أسماءٌ ) ، أو حذف ( أن ) .

أ.د. أبو أوس الشمسان
12-01-2009, 01:37 PM
أستاذنا الجليل أبا قصي
ما رأيك بإعرابهم (منذ/مذ) حسب مدخولها حرفًا أو ظرفًا، ألا ترى أن للتركيب أثرًا في تصنيف الأدوات؟

ابن القاضي
12-01-2009, 01:58 PM
شكر الله لك أستاذنا المبارك على هذا الطرح الرائع الذي يحمل في ثناياه كثيرا من الفوائد النفيسة .
ثم لي هنا استفسار ، هل ما أشرتم إليه بقولكم :" والنحاةُ كثيرًا ما يُقدِّمون حكمَ العلامات على حكم الحدودِ" هل هي مدارس ينتحلها النحاة في طرق التفريق بين الكلم . أم أن الأمر لا يعدو كونه أخذا بالأسهل ، كما أشرتم إليه بقولكم : "وإنَّما احتجنا إلى النظر في الخواصِّ ، لأنَّ الحدَّ ربَّما يخفَى أحيانًا ، أو يكونُ غيرَ صريحِ الدِّلالةِ ، أو ربما لا نعلَم قصدَ العربِ في اللفظِ نفسِهِ . ولأنَّ النظرَ في الخواصِّ أيسرُ أيضًا ، وأقلُّ مئونةً على الناظرِ" ؟؟
دمت سالما معافى .

أبو قصي
15-01-2009, 03:52 PM
أستاذنا الجليل أبا قصي
ما رأيك بإعرابهم (منذ/مذ) حسب مدخولها حرفًا أو ظرفًا، ألا ترى أن للتركيب أثرًا في تصنيف الأدوات؟

الأستاذ الفاضل الدكتور / أبا أوس

أعتذر عن تأخُّر ردِّي لسفرٍ طارئٍ .

لا شكَّ أن النظَر إلى الكلمةِ بعد تركيبِها ابتغاءَ معرفةِ حقيقتِها ممَّا يُحتاجُ إليهِ ؛ ولكن على ألا يناقِضَ ذلكَ الحدودَ الموضوعةَ ، أو يفرِّق بينَ المتماثلين . وأنا ذاكرٌ الآنَ شيئًا من أثرِ التركيبِ في الاستدلالِ على الحقائقِ ؛ وذلكَ في صنفين :

الأول : أن يلتبس الغرضُ من وضعِ العرب للفظٍ من الألفاظِ ، فيُفزع إلى العلاماتِ لمعرفته . من ذلكَ اختلافُهم في ( لمَّا ) ، و ( إذْ ما ) ، و ( مهما ) أسم هي أم حرفٌ . وهذا مذهبٌ صحيحٌ مقبولٌ .

الثاني : أن يكونَ الحدُّ دالاًّ على نوعِ الكلمةِ ؛ ولكن يعارِضُه بعضُ العلاماتِ ؛ فيأخذ النحاةُ بها ، ولا يلتفتوا إلى دلالةِ الحدِّ . وهذا المذهبُ مرفوضٌ ، لأنَّ العلاماتِ دَلائلُ تركيبيةٌ ، والحدودَ دلائلُ إفراديةٌ ، والعلاماتِ من لوازمِ الجنسِ ، وقد تتخلَّف ، أو توجد في غيرِ موضعِها ، وربَّما لم يسلَّم بها ، والحدود هي السبيلُ إلى معرفة الجنسِ ذاتِه ، لا لازمِهِ . والنظرُ إلى المفردِ مقدَّم على النظرِ إلى التركيبِ ، والنظر إلى الجنسِ مقدَّم على النظر إلى لازمِه . ومن أمثلة ذلك عندهم :
1-ادِّعاؤهم أنَّ ( هلمّ ) في لغة الحجاز اسمٌ ، وفي لغةِ تميم فِعلٌ ، لا لفرقٍ في الدلالة ؛ وإنما لأنَّ الأول لا تتصل به الضمائِر ، والثاني تتصلُ بهِ .
2-ادِّعاؤهم أنَّ ( عسى ) فِعلٌ ؛ ولكنَّه إذا اتصلَ بها ضميرُ نصبٍ صارت حرفًا من أخواتِ ( إنَّ ) الناصبةِ ، كما قال الشاعرُ :
*** فقلتُ : عساها ضوءُ نارٍ ، وعلَّها ***
معَ أنَّ دلالتَهما واحدةٌ .
3-ادِّعاؤهم أنَّ الكافَ ، و ( على ) ، و ( مِن ) حروفٌ ؛ ولكنَّه إذا دخلَ عليها حرفُ جرٍّ ، أصبحت أسماءً ، كقول الشاعرِ :
*** يضحكن عن كالبَردِ المنهمِّ ***
والآخرِ :
*** غدت مِن عليه بعد ما تمَّ ظمؤها ***
والآخر :
*** مِن عن يميني مرَّةً ، وأمامي ***
4-ادِّعاؤهم أنَّ ( أل ) حرفٌ ؛ ولكنه إذا وليَها صفةٌ صريحةٌ ، فهي اسمٌ .
5-ادِّعاؤهم أنَّ ( إذ ) اسمٌ ؛ فإذا كانت للتعليلِ ، والمفاجأة ، كانت حرفًا ( وهذا رأي بعضهم ) .
6-ادِّعاؤهم أنَّ ( ما ) تكون اسمًا في مواضعَ ، وحرفًا في مواضعَ أخَرَ .
7-ادِّعاؤهم أنَّ ( عدا ) ، و ( خلا ) تكونان أفعالاً ، وتكونانِ حروفًا .

وهذا الصنف مطَّرَحٌ مرفوضٌ في مُعظَمه ، إما لعدمِ ثبوت الدليلِ على اختلافِ الحقيقتينِ ، كما في ( أل ) ، أو لثبوت أن أحدَهما أعمُّ من الآخرِ ، وأنه أصلُه ، كما في ( إذْ ) ، أو غير ذلك .
ولا يُصار إلى ادِّعاء أن العربَ وضعتِ الكلمةَ على وضعينِ ، إلا إذا امتنعَ حملُ إحداهما على الأخرى ، كما في ( ما ) الحرفية ، والاسميةِ ، و ( خلا ) ، و ( عدا ) .
ولا يُعتدُّ بالنظر في العلاماتِ بادئَ الرأيِ ، لإثبات التفرقةِ ، لأن العلاماتِ أمرٌ عارضٌ بعد التركيب ؛ والتركيبُ لا يغيِّر الحقائقَ ؛ إذ هي ثابتة قبله ؛ ولكنَّه ممَّا يستدَلّ به عليها عند عدَم معرفتِها .

وأمَّا ( منذ ) و ( مذ ) فمِن الصنفِ الأولِ ، لأنا لم ندرِ غرض العربِ منه ؛ أفأرادوا في نحو قولهم : ( ما رأيته منذ يومانِ ) أن يجعلوا ( منذ ) لفظًا مستقِلاً بنفسِه ، معناه ( أمدُ ذلك ) ، أم أرادوا أن يجعلوه لفظًا معناه لغيرِه ؛ فيكون بمعنى ( مِن ) ؟
فلمَّا اشتبه على النحاة أمرُه ، انقسموا ثلاثة أقسامٍ ؛ فبعضهم رأى حرفيتَه ، وأوَّلَ ما أوهمَ الاسميَّة من استعمالاته ، وبعضٌ رأى اسميَّته ، وأوَّل ما أوهم الحرفيةَ . وبعضٌ رأى اسميته في مواضع ، وحرفيته في مواضعَ أخَرَ .
وعندي أنَّ أضعفَها الوجهُ الثالثُ ، لأنَّه لا فرقَ بين معنى ما ادُّعي فيه الاسمية منهما ، ومعنى ما ادُّعي فيه الحرفيةُ . ألا ترى أنهم يقولون : ( إذا وليَهما مجرورٌ ، فهما حرفانِ ، وإذا وليَهما مرفوع ، أو جملةٌ ، فهما اسمانِ ) ؛ فعلَّقوا معرفة حقيقتها على ما بعدَها إذا رُكِّبت ، لا على معناها .
والأرجح عندي أنهما حرفانِ ، لأسبابٍ يطولُ ذكرُها .

مع الشكر ، والتقدير لكم .

أبو قصي
15-01-2009, 03:56 PM
الأخ الحبيب الفهِم / ابن القاضي

لعلي أجبتُ عن سؤالكم في ردِّي على أبي أوس .

لك مني الشكرُ الصادقُ .

أ.د. أبو أوس الشمسان
16-01-2009, 12:57 AM
أخي الأستاذ الفاضل أبا قصي
أشكرك لهذه الإجابة المفصلة. وأوافقك كل الموافقة في عدّ (منذ/مذ) حرفًا، وقد أعددت موضوعًا في هذا سينشر في وقته، ولعل وقتك يتسع للاطلاع عليه وإبداء الرأي.
الحمد لله على سلامتك. ودمت بخير وعافية.

ابن القاضي
16-01-2009, 12:52 PM
3-ادِّعاؤهم أنَّ الكافَ ، و ( على ) ، و ( مِن ) حروفٌ ؛ ولكنَّه إذا دخلَ عليها حرفُ جرٍّ ، أصبحت أسماءً ، كقول الشاعرِ :
*** يضحكن عن كالبَردِ المنهمِّ ***
والآخرِ :
*** غدت مِن عليه بعد ما تمَّ ظمؤها ***
والآخر :
*** مِن عن يميني مرَّةً ، وأمامي ***
.
أستاذ أبا قصي / لعلك أردت "عَن" ، لا "مِن"

أبو قصي
16-01-2009, 01:13 PM
أخي الحبيب الأستاذ الدكتور أبا أوس

سلمك الله ، وبارك فيك .

أنتظر مقالَك هذا بشوق .

أبو قصي
16-01-2009, 01:14 PM
أستاذ أبا قصي / لعلك أردت "عَن" ، لا "مِن"

هو كما ذكرتَ جزاك الله خيرًا .