المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من قوله تعالى : (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)



مهاجر
20-01-2009, 09:14 AM
في قوله تعالى : (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)

قال بعض النحاة : "رهبانية" : منصوبة على الاشتغال ، فيفسره ما بعده ، فيكون العامل المقدر في "رهبانية" : من جنس المذكور بعده ، فتقدير الكلام : وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، وحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، إذ هو عوض عنه ، وقد تقرر في لغة العرب أنه لا يجمع بين العوض والمعوض عنه .

ويشكل على هذا الإعراب أنه يدل على أن الرهبانية إنما هي من ابتداع العبد ، أي : من خلقه وإحداثه ، وهذا قول القدرية النفاة الذين ينفون خلق الله ، عز وجل ، لأفعال العباد ، على تفاوت بينهم ، فمنهم من ينفي خلق الله ، عز وجل ، الشر ، فقط ، ومنهم من ينفي خلق الله ، عز وجل ، الخير والشر ، والقول الأول عند التحقيق : مرقاة إلى القول الثاني ، كما أثر عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، كما روى عنه الآجري ، رحمه الله ، في "الشريعة" .
ولفظه : "والذي نفسي بيده لا ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله تعالى من أن يكون قدر الخير ، كما أخرجوه من أن يقدر الشر" . اهــــ
"الشريعة" ، ص201 .

وإلى طرف من ذلك أشار ابن هشام ، رحمه الله ، في "مغني اللبيب" بقوله :
"وقول الفارسي في : (ورهبانيةً ابتدعوها) : إنه من باب زيداً ضربته واعترضه ابن الشجري بأن المنصوب في هذا الباب شرطُه أن يكون مختصاً ليصح رفعه بالابتداء ، والمشهورُ أنه عطف على ما قبله ، و "ابتدعوها" : صفة ، ولا بد من تقدير مضاف ، أي وحُبَّ رهبانية ، وإنما لم يحمل أبو علي الآية على ذلك لاعتزاله ، فقال : لأن ما يبتدعونه لا يخلقه الله عز وجل" . اهــــ
"مغني اللبيب" ، (2/233) .

فلم يحمل أبو علي الفارسي ، غفر الله له ، الآية على أن الله جعل تلك الرهبانية في قلوبهم كونا ، وإن لم يردها شرعا ، لأنه على مذهب الاعتزال في نفي القدر ، فأفعال العباد على أصول المعتزلة : من خلق العبد لا من خلق الرب .

وهذا من الأمثلة الشهيرة على تأثر بعض النحاة في تقريراتهم بخلفيتهم العقدية ، فتحمل الآيات على أوجه إعرابية تؤيد ما يعتقده النحوي ، وإن كانت أوجها مرجوحة أو ضعيفة .

فمن جهة الصناعة النحوية : يرد على قول أبي علي : أن من شروط الاشتغال أن يكون صالحا للابتداء ، و : "رهبانية" لا تصلح للابتداء إذ هي نكرة محضة ، فالصحيح أنها معطوفة على ما قبلها ، وجملة : "ابتدعوها" : صفة لها ، كما تقدم من كلام ابن هشام رحمه الله ، وإليه أشار الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، بقوله :
"الخامس ، (أي من شروط الاسم المشغول عنه) : كونه صالحا للابتداء به ، بألا يكون نكرة محضة ، فنحو قوله تعالى : (ورهبانية ابتدعوها) ليس من باب الاشتغال ، بل : (رهبانية) معطوف على ما قبله بالواو ، وجملة : (ابتدعوها) صفة" . اهـــ
"منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" ، (2/99) .

والصحيح أيضا : أن أفعال العباد : خيرها وشرها من خلق الله ، عز وجل ، فهو الخالق لها ولإراداتهم التي يوقعون بها أفعالهم ، وهم الفاعلون بإرادات مخلوقة له ، عز وجل ، فلا تخرج إرادة العبد عن إرادة الرب ، جل وعلا ، الكونية ، وإن جاز خروجها عن إرادته الشرعية ، فإن الأمر الشرعي قد يتخلف لعدم الامتثال ، بخلاف الأمر الكوني ، فإنه لا راد له ، فما أراده ، عز وجل ، كونا ، واقع لا محالة ، وإن لم يكن مما يحبه ويرضاه ، فإنه عندئذ يكون مرادا لغيره ، فإن كان شرا في نفسه كالكفر فالمصلحة المترتبة على وجوده من جهاده وظهور الإيمان به إذ : بضدها تتميز الأشياء وظهور الإيمان عليه مصداق قوله تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، هذه المصلحة أعظم من مفسدة وجوده ، وهذا عين الحكمة ، والله ، عز وجل ، عليم بخلقه ، حكيم في أمره الكوني والشرعي ، فلا يشرع إلا ما يصلح الأديان والأبدان ، ولا يقدر إلا ما فيه خير باعتبار الحال ، أو المآل ، فقد يكون الأمر شرا في الظاهر باعتبار المقدور ، لا قدر الله ، عز وجل ، فقدره كله خير ، ولكنه خير في باطنه ، فيكون الشر الذي تقدمه بمنزلة الدواء المر الذي تستجلب به عافية البدن وإن عافته النفس ابتداء ، (كما وقع في نازلة غزة التي كانت شرا باعتبار المقدور خيرا باعتبار القدر ، فاستجلب بها من المصالح الشرعية ما استجلب وإن غفلت عنها عقولنا في ظل مرارة الخسائر) ، وهذا أصل عظيم في معرفة الحكمة من خلق الشر ، فإبليس مادة الشر ، وأصل كل فساد في هذا العالم ، قد حصل بخلقه من المصالح ما لا يعلمه إلا الخالق ، عز وجل ، فبه استخرجت عبوديات الجهاد : بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان ، وبه تميز المؤمن من الكافر ........... إلخ . وقل مثل ذلك في كل شر خلقه الله ، عز وجل ، فهو : محنة في الظاهر منحة في الباطن .
ولا حجة لهم في قوله تعالى : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) ، فلا يقال : الله ، عز وجل ، خالق الحسنة ، والعبد : خالق السيئة ، لأن جهة الإضافة هنا مختلفة ، فإضافة الحسنة إلى الرب عز وجل : إضافة خلق ، فالله ، عز وجل ، خالقها ، وإضافة السيئة إلى العبد : إضافة فعل ، فالعبد هو فاعل السيئة ، وإن كان الله ، عز وجل ، خالقها ، وإنما لم تضف إليه إضافة الحسنة ، تأدبا ، على وزان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) ، كما في حديث علي ، رضي الله عنه ، عند مسلم والثلاثة ، فالشر ليس إليك شرعا إذ لا يتقرب إلى الله عز وجل ، بالمعصية ، وإن صحت نسبته إليك كونا فأنت خالقه .
فالحسنة مرادة شرعا ولذلك حسنت نسبتها إلى الله ، عز وجل ، والسيئة مرادة كونا ، ولذلك حسنت نسبتها إلى فاعلها تأدبا مع الله ، عز وجل ، وإن كان هو خالقها وخالق فاعلها ، فلا استقلال له بفعله من جهة الخلق ، وإن كانت له إرادة مؤثرة يوقع بها أفعاله ، ولكنها كما تقدم ، لا تخرج عن إرادة الله عز وجل الكونية التي تخضع لها كل ذرة في هذا العالم .
والآية لا تفسر إلا بضمها إلى ما قبلها : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، فكل من عند الله : كونا ، فهو خالق الخير والشر ، فالنسبة هنا واحدة وهي : نسبة الخلق ، بخلاف النسبة في الآية الأولى فهي متعددة بتعدد جهات الإضافة على التفصيل المتقدم .

يقول الآجري رحمه الله :
"فإن اعترض بعض هؤلاء القدرية بتأويله الخطأ ، فقال : قال الله تعالى : (ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فيزعم أن السيئة من نفسه ، دون أن يكون الله تعالى قضاها وقدرها عليه ، قيل له : .......... إن الذي أنزلت عليه هذه الآية هو أعلم بتأويلها منك ، وهو الذي بين لنا جميع ما تقدم ذكرنا له من إثبات القدر ، وكذلك الصحابة الذين شاهدوا التنزيل رضي الله عنهم ، هم الذين بينوا لنا ولك إثبات المقادير بكل ما هو كائن من خير وشر ، وقيل : لو عقلت تأويلها لم تعارض بها ، ولعلمت أن الحجة عليك لا لك فإن قال : كيف ؟ قيل له : قوله تعالى : (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) أليس الله تعالى أصابه بها : خيرا كان أو شرا ؟ .......... أليس قال الله تعالى : (نصيب برحمتنا من نشاء) وقال تعالى : (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) وقال تعالى : (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير) وهذا في القرآن كثير ، ألا ترى أن الله تعالى يخبرنا أن كل مصيبة تكون بالعباد من خير أو شر فالله يصيبهم بها ، وقد كتب مصابهم في علم قد سبق ، وجرى به القلم على حسب ما تقدم ذكرنا له" . اهــ
بتصرف من : "الشريعة" ، ص208 ، 209 .

وعند اللالكائي ، رحمه الله ، من طريق :
محمد بن جعفر ، ثنا عبيد الله بن ثابت ، ثنا أحمد بن منصور ، ثنا أبو صالح ، ثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) يقول : الحسنة والسيئة من عند الله ، أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها .
"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" ، (3/254) .

فكل من عند الله : الحسنة فضلا والسيئة عدلا .

والرد على أهل الاعتزال في مسألة القدر رد على النصارى إذ اقتبس المعتزلة شعبة نفي القدر من النصارى كما قد علم من تاريخ مقالات الفرق الإسلامية .


وأما القول الثاني فهو : أنها معطوفة على الرأفة والرحمة ، فيكون الجعل في الآية : جعلا كونيا ، فلا يكون في الآية مدح للرهبانية المبتدعة ، إذ الأمر الكوني يعم : الخير والشر ، الإيمان والكفر ، السنة والبدعة .
وعليه يكون الاستثناء في : (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) ، منقطعا ، فيكون تقدير الكلام : وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ولكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله .
فيكون في السياق : طباق بالسلب بين : "ما كتبناها" المذكورة ، و : "كتبنا" المقدرة ، والمختار في مثل ذلك النصب ، لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ، فالمستثنى منه : غير مشروع إذ لم يكتبه الله ، عز وجل ، علينا ، بل هو بدعة محظورة ، والمستثنى مشروع ، إذ كتبه الله ، عز وجل ، علينا ، إما وجوبا : كالفرائض ، وإما استحبابا : كالنوافل .
فالأصل في ذلك : أن المستثنى ينصب إن لم يكن من جنس المستثنى منه ، فلا يبدل منه إن كان الكلام تاما منفيا ، كما في سياق الآية : (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) ، لأن الأصل في البدل أن يكون من جنس المبدل منه ، فالضمير في : "كتبناها" هو المستثنى منه ، فيكون الكلام تاما بذكره ، والسياق منفي بــ : "ما" ، والأصل في الاستثناء من الكلام التام المنفي : جواز نصب المستثنى ، أو إبداله من المستثنى منه ، فتقول : ما جاء الطلاب إلا محمدا ، على النصب ، و : ما جاء الطلاب إلا محمدٌ على الإبدال ، فلا إشكال في كليهما ، إذ المستثنى : "محمد" من جنس المستثنى منه : "الطلاب" ، بخلاف قولك : ما جاء القوم إلا فرسا ، فإنه لا يجوز فيه إلا النصب ، إذ الفرس ليس من جنس القوم ليبدل منهم ، فكذلك الحال في الآية إذ : المشروع المستثنى ليس من جنس غير المشروع المستثنى منه .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وأما قول من قال : ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله فهذا المعنى لو دل عليه الكلام لم يكن في ذلك مدح للرهبانية فإن من فعل ما لم يأمر الله به بل نهاه عنه مع حسن مقصده غايته أن يثاب على قصده لا يثاب على ما نهى عنه ولا على ما ليس بواجب ولا مستحب فكيف والكلام لا يدل عليه فإن الله قال : {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} . ولم يقل : ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله ولا قال : ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله ولو كان المراد ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله لكان منصوبا على المفعولية ولم يتقدم لفظ الفعل ليعمل فيه ولا نفي الابتداع بل أثبته لهم وإنما تقدم لفظ الكتابة فعلم أن القول الذي ذكرناه هو الصواب وأنه استثناء منقطع فتقديره : وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله فإن إرضاء الله واجب مكتوب على الخلق وذلك يكون بفعل المأمور وبترك المحظور لا بفعل ما لم يأمر بفعله وبترك ما لم ينه عن تركه والرهبانية فيها فعل ما لم يؤمر به وترك ما لم ينه عنه" . اهــــ
"الجواب الصحيح" ، (1/384) .

فتقدم نفي الكتابة : "ما كتبناها" ، لا نفي الفعل ، أو نفي الابتداع ، بل السياق قد دل على ابتداعهم لها . وغاية ما يعتذر به لهم أنهم : قصدوا خيرا ، ولكنهم ضلوا بجهلهم ، فإن أثيب المبتدع فعلى حسن نيته لا على صحة عمله ، فعمله غير مشروع ابتداء وانتهاء ، كمن يحتفل بالمولد النبوي ، على سبيل المثال ، فإنه قد أتى ببدعة لا مستند لها من الوحي المنزل ، ولكنه قد يثاب من جهة إرادته تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

وإرضاء الرب ، جل وعلا ، لا يكون إلا بامتثال ما شرعه على ألسنة رسله ، عليهم السلام ، أمرا أو نهيا .
وقد قام الداعي إلى الرهبانية زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وانتفى المانع ، إذ الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، أحرص الناس على رضا الرب تبارك وتعالى ، بل ووقع ذلك من بعضهم كعثمان بن مظعون ، رضي الله عنه ، الذي اعتزل أهله ، والثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلو كانت الرهبانية خيرا لأقرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليها ، ولظهر التصوف زمن الرسالة ، فلما نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هجر المباحات تعبدا ، علم أن الرهبانية مذمومة شرعا ، لما فيها من الغلو المفضي إلى السآمة والملل من العبادة .

وأما القول بأن الجعل في الآية : شرعي فهو مردود من وجوه ، كما ذكر ابن تيمية ، رحمه الله ، منها :
"أن الرهبانية لم تكن في كل من اتبعه بل الذين صحبوه كالحواريين لم يكن فيهم راهب وإنما ابتدعت الرهبانية بعد ذلك بخلاف الرأفة والرحمة فإنها جعلت في قلب كل من اتبعه .
ومنها أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرهبانية بخلاف الرأفة والرحمة فإنهم لم يبتدعوها وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم فإن كان المراد هو الجعل الشرعي الديني لا الجعل الكوني القدري فلم تدخل الرهبانية في ذلك وإن كان المراد الجعل الخلقي الكوني فلا مدح للرهبانية في ذلك .
ومنها أن الرأفة والرحمة جعلها في القلوب والرهبانية لا تختص بالقلوب بل الرهبانية ترك المباحات من النكاح واللحم . (فالآية قد نصت في أولها على أن الجعل في القلب ، ومظاهر الرهبانية إنما تظهر على الأجساد لا القلوب ، فعلم الجعل كوني يعم الممدوح : الرأفة والرحمة في القلوب ، والمذموم : الرهبانية في الأجساد ، والأصل في العطف الاشتراك في الحكم ، وفالقول بأن الجعل كوني يعم كل المعطوفات بلا إشكال ، لأن القول بأنه شرعي ينافي ما ذكر من وصفها بالمبتدعة غير المكتوبة) ، وغير ذلك وقد كان طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم هموا بالرهبانية فأنزل الله : تعالى نهيهم عن ذلك بقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} وثبت في الصحيحين أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهم : أما أنا فأصوم لا أفطر وقال آخر : أما أنا فأقوم لا أنام وقال آخر : أما أنا فلا أتزوج النساء وقال آخر : أما أنا فلا آكل اللحم .
فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال : "ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني" .
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال : ما هذا . قالوا : هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم . فقال : مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه وثبت في صحيح مسلم عن النبي أنه كان يقول في خطبته : (خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)" . اهــــ
بتصرف من : "الجواب الصحيح" ، (1/381) .

والرهبانية حادثة بعد زمن المسيح عليه الصلاة والسلام فلم يدع إليها ، وإنما هي مما ابتدعته النصارى في دينها حتى خرجت عن حدود الفطرة والعقل إلى ضروب من الغلو تشبه ما كان عليه رهبان الهند والترك .......... إلخ من الأمم الوثنية التي لم تعرف النبوات ، فاشتغلت بتحصيل كمال النفوس برياضات مبتدعة ، فظهر الزهد الغالي في مقابل الإفراط في تعاطي الشهوات ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فأصل البدعة مأخوذ عن أمم لم تعرف النبوات ، وقد سرت هذه الطريقة إلى دين النصارى ، ومنه إلى : متصوفة المسلمين الذين غلوا في الطرائق الزهدية غلوا خرج عن حد الاعتدال ، والبدعة : شر وإن كان فاعلها حسن النية سليم القصد .

وقد ذم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترك المباحات تعبدا كما تقدم في حديث النفرالذين سألوا عن عبادته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إذ ترك المباحات من الأطعمة والأنكحة ......... إلخ بنية التعبد : بدعة تَرْكِيَة ، من الترك المضاد للأخذ .
وعند أحمد ، رحمه الله ، في "مسنده" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ : الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَة .
وعنده ، أيضا ، في المسند من حديث أبي أمامة الباهلي ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلَا بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَكِنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَة" .

والإفراط مظنة الملل والترك ، فإن النفس سريعة النفور ، فليس من حسن السياسة حملها على وتيرة واحدة ، لئلا تنقلب من ضد إلى ضد ، فلا إفراط ولا تفريط .

ولذلك كانت أمة الإسلام : خير الأمم لوسطية أخبارها وأحكامها وسياساتها وأخلاقها ، وكان أهل السنة خير الفرق لوسطيتهم في ذلك .

والبدن آلة التكليف فإن لم تعط الآلة حظها من الاستجمام تعطلت عن أداء وظيفتها ، وقد أمر الله ، عز وجل ، رسله ، صفوة خلقه ، بتعاطي الطيبات ، فقال : (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ، فالطيبات : غذاء الأبدان ، والصالحات غذاء الأرواح .
وجعل النكاح لهم سنة ، فقال : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) .

ومع تشديد الرهبان على أنفسهم بالتزام ما لا يلزم : لم يوفوا به ، فتوجه الذم إليهم من جهة : الابتداع أولا ، ومن جهة عدم التزامه ثانيا .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"فإن قيل : قوله تعالى : {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} . يدل على أنهم لو رعوها حق رعايتها لكانوا ممدوحين .
قيل : ليس في الكلام ما يدل على ذلك بل يدل على أنهم مع عدم الرعاية يستحقون من الذم ما لا يستحقونه بدون ذلك فيكون ذم من ابتدع البدعة ولم يرعها حق رعايتها أعظم من ذم من رعاها وإن لم يكن واحد منهما محمودا بل مذموما مثل نصارى بني تغلب ونحوهم ممن دخل في النصرانية ولم يقوموا بواجباتها بل أخذوا منها ما وافق أهواءهم فكان كفرهم وذمهم أغلظ ممن هو أقل شرا منهم والنار دركات كما أن الجنة درجات" . اهـــ
"الجواب الصحيح" ، (1/383) .

والله أعلى وأعلم .

عنزي
01-02-2009, 11:43 AM
مع أنه أني لا أتفق معك في فكرتك و استنتاجك و لكني أشكرك في المسألة النحوية في كلمة "رهبانية".