المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الإعجاز البياني في القرآن



سمر الأرناؤوط
06-10-2004, 10:02 AM
الإعجاز البياني في القرآن
من برنامج آفاق على قناة إقرأ الفضائية

كل كلمة في القرآن وُضعت في مكان لا يمكن لأي كلمة أخرى أن تحل محلها.

دلالة كلمة غلام، ولد، صبي في القرآن الكريم:
ورد في القرآن الكريم كلمة غلام عندما بُشّر زكريا بيحيى في سورة آل عمران (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)) وأعقب تعالى في قصة مريم وقال على لسانها (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)) وقال تعالى (كذلك يفعل ما يشاء) في الرد على زكريا وفي قصة مريم جاء الردّ بقوله تعالى (يخلق ما يشاء).
الغلام يُطلق على الطفل منذ لحظة ولادته إلى أن يشبّ. والطفل تطلق على المولود منذ أن يولد إلى أن يبلغ. والصبي تُطلق من الولادة إلى ما قبل الفطام مباشرة. والوليد تُطلق على المولود لحظة ولادته.
أمنية كل أبّ أن يكون له غلام يأخذه بين يديه ويسير معه ويمشي بين يديه. أما بالنسبة لمريم (غلام) في سوة مريم بينما في آخر سورة آل عمران قالت (ولد) لأن الملِك لمّا بشّرها في سورة مريم قال (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)) فأجابت على السؤال (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)) أما في سورة آل عمران فإذا قرأنا الآية التي بُشرت فيها مريم بعيسى  (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)) فبشّرها بأن عيسى  سيكون له شأن فاطمأنت أن هذا الغلام سيكون له شأن ومكانة لكنها تساءلت أنّى يكون لها ولد وهي لم تتزوج ولم يمسسها بشر. وفي سورة مريم عندما ذهبت به إلى قومها لو يكونوا على علم أنها ولدت فكان التعبير بكلمة صبي (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)).
ولادة يحيى أمر طبيعي من أب وأم ولا توجد أسباب بشرية تحول دون تنفيذ قدرة الله تعالى فأمر طبيعي أن يقول تعالى (يفعل ما يشاء) أما في أمر مريم وعيسى فالأمر مختلف فعيسى سيأتي من أم بلا أب والخلق إيجاد وإبداع فكان التعبير (يخلق ما يشاء). والمعجزة هنا أكبر فلا بد من التعبير بقوله تعالى (يخلق ما يشاء).

قال تعالى في سورة آل عمران (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)) فما دلالة تقديم السجود على الركوع؟
هذا من دقة القرآن الكريم. والبعض يوقولن أن هذه كنت عبادتهم لكن لا يوجد دليل على ذلك وعندما ندقق نجد أن الكلام في لغتنا على طريقتين: إما الترقّي من الأدنى إلى الأعلى أو التدني في الأعلى إلى الأدنى. والكلام في الآية هي الترتيب من العام فالخاصّ فالأخصّ. والقنوت عام يكون في الصلاة وفي غيرها فهو عام ثم انتقل إلى الخاصّ وهو السجود لأنه يكون في الصلاة وفي سجود التلاوة وسجدة الشكر لكنه أخصّ من القنوت ثم انتقل إلى الركوع الذي هو أخصّ من السجود فلا ركوع إلا في الصلاة.
وفي آية أخرى قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {س}(77) الحج) هنا انتقل من الأخص فالخاص فالعام فالأعم. والركوع أخص الخصوص ثم انتقل إلى السجود ثم العام (اعبدوا ربكم) ثم الأعم (وافعلوا الخير).

وفي قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) قدّم الأخ وهذا الترتيب جاء من المهم فالأهم زيادة في التهويل والتعتيم لهذا الموقف. الإنسان في الدنيا يتمسّك بأخيه وبأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. ونلاحظ أنه قال صاحبته ولم يقل زوجه مثرً لأن الحق تعالى يصوّر الفرار في هذا اليوم من أعز الناس على هذا الإنسان (لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه) ونعض الزوجات قد يكون بينها وبين زوجها شيء من المشاكل فربما يفهم البعض أن الزوج يفر منها في الآخرة بسبب ما بينهما من مشاكل في الدنيا لكن استخدام كلمة صاحبته ينفي هذا الإحتمال لأن الصاحبة تدل على المصاحبة فهي التي صاحبته في حياته. وقد جاء في الآية الكريم ذكر الترتيب الطبيعي في الفرار فآخر ما يفر الإنسان من بنيه لأنهم أغلى ما عنده.
أما في آية أخرى (ومنه قوله تعالى (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) المعارج) فاختلف الترتيب ولم يرد ذكر امه وأبيه هنا وذلك لأن الآية تتحدث عن الإفتداء فابتدأ بالترتيب من بنيه لأنهم أعزّ وأغلى ما لديه يقدمهم ليفتدي بهم نفسه لو استطاع ثم بالأدنى فالأدنى. ولم يرد ذكر الأم والأب كما قلنا لأنه لا يصح أن يفتدي الإنسان بهما مهما كان وهذا حفاظاً على مكانتهما والبرّ بهما.

قال تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) وقال في آية أخرى (ولا تمشي في الأرض مرحا) كيف نفرق بين الأمر بالمشي والنهي عنه؟هذه من دقة القرآن الكريم. ففي الآية الأولى ذكر أن عباد الرحمن يمشون على الأرض باستخدام حرف الجر (على) الت تفيد الإستعلاء والتمكّن والمؤمن يمشي مستعلياً متمكناً والدنيا ليست في قلبه فهو يعلن أنه مفارقها وهو في هدوء واطمئنان واثق في خطواته. أما في الآية الثانية فالله تعالى نهى الإنسان عن المشي في الأرض الذي يدل على التكبر والإستعلاء (باستخدام حف الجر في) الذي يفيد الظرفية فالإنسان المتكبر يمشي ويدبّ ف الأرض كأنه يريد أن يخرقها (إنك لن تخرق الأرض) فكأن الله تعالى ينهى في مشية الإنسان أن يمشي متكبراً.
وجاء في آية أخرى (فامشوا في مناكبها) المشي في الأصل على الأرض وعندما نهى كان النهي عن المشي في الأرض تكبراً أما في هذه الآية فالأمر بالمشي هنا المقصود به الحصول على الرزق الذي يحتاج إلى عمق في الحركة ويحتاج إلى جهد.
وقال تعالى في آية أخرى (أفلم يهد لهم يمشون في مساكنهم) ونقول كيف جاءت هنا يمشون في؟ المقصود بهذه الآية المشي للإعتبار والتأمل وليس مجرد المرور على المساكن. فكأن الآية تخاطب اللاحقين بأن يعتبروا من الأمم السابقة.
وفي قوله تعالى (أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس) هذا مثال للمؤمن فالمؤمن ينفع من حوله ولا يتوقف عند حدّ الإهتداء والإيمان وإنما يؤثّر على من حوله فيمشي بنور الإيمان في الناس بالتخلّق بأخلاق الإيمان.

الفرق بين اسطاعوا واستطاعوا وتسطع وتستطع في سورة الكهف:
قال تعالى () فعل اسطاعوا جاء مع يظهروه وفعل استطاعوا جاء مع النقب وهذا لأن الصعود فوق السد أيسر بكثير من إحداث نقب فيه فاستعمل الفعل الذي هو أقل حرفاً مع الفعل الأيسر والأسهل. أما استطاعوا فجاءت مع الفعل الأصعب وهو إحداث النقب في السد.
والفرق بين تسطع وتستطع : فمع أن الخضر أخذ على موسى  العهد بالصبر لكنه عندما خرق السفينة سأله موسى ولم يصبر فأجابه الخضر (ألم أقل أنك) وفي قتل الغلام لم يصبر موسى أيضاً فأجابه الخضر (ألم أقل لك أنك) باستخدام (لك) التي تفيد التوكيد والتقريع بمعنى ألم أقل لك أنت دون غيرك. وعندما أراد أن يفصّل له قال (تستطع) لما فيه مشقة ولم تصبر عليه. وفي الأخير قال (لم تسطع عليه صبرا).

دلالة تذكير كلمة (القانتين) في الحديث عن مريم:عندما يُعبّر الله تعالى يعبّر بدقة متناهية فقد جاء بالتأنيث في (كانت) ثم المذكر (القانتين) والبعض يقولون هذا لمراعاة فواصل الآيات وهذه ليست حجة. فإذا أطلق المذكر فيعمّ المذكر والمؤنث أما إذا أطلق المؤنث فلا يشمل إلا المؤنث. ومثال آخر في سورة يوسف في قصة امرأة العزيز (إنك كنت من الخاطئين) لأن ما دبرته امرأة العزيز تفوقت فيه على بنات جنسها وعلى جنس الرجال وهذ من دقة التعبير. وهناك فرق أيضاً بين كلمة خاطئ ومخطئ. فالخاطئ هو الذي يفعل الذنب بتخطيط وتدبير وهذا ما نجده في الآية التي تتحدث عن إخوة يوسف (إنا كنا من الخاطئين).
ومن دقة التعبير القرآني أن كلام الله تعالى كلام اللطيف الخبير فما معنى قوله (إن الله لا يحب الظالمين)؟ بمعنى يكره الظالمين لكنه سبحانه لا يستخدم لفظ يكره حتى مع الكافرين. فهناك فرق في أسلوب الخطاب بين أن تقول لا يحب أو يكرهفمعنى صيغة لا يحب الظالمين أنه يفتح أمامهم المجال أنهم لو تخلوا عن صفة الظلم هذه لأحبهم الله تعالى وهذا من باب رحمة الله تعالى بالناس أجمعين . أما صيغة يكره فهي تسد الأبواب وتغلقها أمام الظالمين. كأن الله تعالى يوجه خطابه إلى الظالمين أو الكافرين أو غيرهم أنه يا من فيه صفاة من هذه الصفات التي لا يحبها الله تعالى تخلّوا عن هذه الصفات حتى أحبكم وكأنه سبحانه وتعالى يفتح الباب أمام الناس حتى يشملهم حبه تعالى.

قال تعالى (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره) الإطفاء لا يأتي مقابله الإتمام فلماذا عبّر تعالى بالإطفاء؟الحق تعالى يريد أن يطمئن العباد أن دين الله هو ناصره لكن سنة الله تعالى في خلقه هي الإبتلاء والمحن الذي يريد أن يطفئوا نور الله بمعنى أن هؤلاء تصرفهم تصرف مجانين فكيف يحاولون إطفاء نور الله وهل هذا ممكن أصلاً؟، وكأن الله تعالى يقول لا تلتفت لهذا بل التفت إلى أمور دينك (أيحسب الذين آمنوا أن يتركوا) والله تعالى متم نوره ليدلل على الريادة وكلما حاولوا ما يريد الله إلا أن يتم نوره والإتمام معناه الريادة والسيادة والإنتشار ومهما حاول المغرضون على أهل الدين أن يتمسكوا بأمور دينهم.
وقد جاءت هذه الآية بصيغتين (ليطفئوا) و(أن يطفئوا) . آية سورة التوبة إرادة الإطفاء متوجهة مباشرة إلى الإطفاء (قالت اليهود عزير ) هم يريدون إطفاء نور الله مباشرة. أما في سورة الصفّ وهي مدنية جاءت الآية بقوله (ليطفئوا) واللام تفيد أنه كان هناك محذوف بين اللام ويطفئون (يفترون على الله الكذب) فهم يريدون افتراء الأكاذيب ليطفئوا نور الله.

قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) عندما ينادي الله تعالى المؤمن بهذا الأسلوب (يا أيها الذين آمنوا) كأنه ينادي من اتصف بصفة الإيمان فهو تعالى ينهى المؤمن عن أن يلتهي بالمال والولد فلم يقل لهم لا تلتهوا بأموالكم وأولادكم وهناك فرق بين لا تلهكم ولا تلتهوا ففي الأولى جعل الأموال والأولاد هي الفاعل لأنه عندما يكون للإنسان ولد مثلاً ذو خلق وهو يثق به كثيراً ويعرف إنه لا ينحرف بسهولة إذا صاحب شخصاً آخر ليس بنفس مستواه ثقة فيقول الإنسان لابنه لا يلهك هذا الولد فإن لم تكن تثق بابنك تقول له لا تلتهي بهذا الصديق. فالحق تبارك وتعالى صدّر الآية بـ (يا أيها الذين آمنوا) فلا ينبغي لهم أن يلتهوا هم لكنه تعالى يحذرهم من أن تلههم الأموال والأولاد فعليهم أن يحذروا منهم.
والإلهاء هو الإنشغال فلماذا لم تستخدم كلمة الإنشغال؟ لأن الإنشغال منه ما هو محمود كما جاء في الحديث (إن في الصلاة لشغلا) وكما جاء في قوله تعالى (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فكهون) ومنه ما هو مذموم. أما الإلهاء فينصرف إلى الإلهاء المذموم وهذا يدل على أنه لا مانع أن ينشغل الإنسان بماله وولده إنما التحذير من الإلتهاء بالمال والولد.
ولذلك جاء في قوله تعالى (فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا) آثر تفضيل شيء على شيء بحيث يستحيل اجتماعهما وعندما يجتمع أمر ديني وأمر دنيوي فأيهما تؤثر؟ لا بأس من حب الدنيا والأموال والألاولاد لكن بشرط أن لا تلهي الؤمن عن طاعة الله تعالى.
قدم الأموال على الأولاد في الآية مع أن الولد أحب إلى الإنسان من الأموال والإنسان قد يضع ماله كله ليفتدي به ولده أو يدفع عنه ضرراً أو غيره. أما في شأن الزينة والفتنة يقدم تعالى الأولاد على الأموال لأن الإلتهاء والإنشغال بالمال أكثر من الإلتهاء بالولد فكأن الله تعالى يريد أن يلفتنا لهذه النقطة.
أما عن الحب والفطرة فيقدّم الله تعالى الأبناء على الأموال (إن كان آباؤكم وأبناؤكم) (زين للناس حب الشهوات).
تكرار (ولا) في الآية يفيد أن كلاً من المعطوف والمعطوف عليه يشتركان في الحكم السابق سواء اجتمعا أو تفرقا. ولو قال أموالكم وأولادكم لأفاد أن النهي عنهما إذا اجتمعا فقط.
الفرق بين الفعل والعمل:قوله تعالى (ومن يفعل ذلك) ولم يقل (ولم يعمل ذلك) . الفعل هو عمل لا يمتد في الزمان ولا يأخذ وقتاً ولا يُخطط له بل يأتي مصادفة أما العمل فهو الفعل الذب يمتد في الزمان ويأخذ وقتاً طويلاً ويُخطط له. (والذين إذا فعلوا فاحشة) فعلوها ولم يخططوا لها ولم تأخذ وقتاً كأن غفلوا لحظة وتنبهوا فوراً. والمؤمن لا يعمل المعصية ولا يعمل الإلتهاء إنما يفعله وهو مضطر أو نائم وما من شأنه أن يعمل هذا العمل لكنه يفعل. وقد أتى بأسلوب الشرط ولم يضع له جزاء أو عقوبة (فأولئك هم الخاسرون) أنت الذي تخسر إذا التهيت بالأموال والأولاد عن الله تعالى وكلٌ يخسر بحسب التهائه وهذا من دقة التعبير القرآني.
أما كلمة الصنعة فهي فعل يحتاج إلى دقة ومهارة (خبير بما يصنعون).

دلالة السعي في القرآن الكريم:
نجده في القرآن يتعدى مرة بـ (إلى) (فاسعوا إلى ذكر الله) وهو السعي العام الذي يشمل العمل والفعل والصنعة. وقد يتعدّى باللام (وسعى لها سعيها) بمعنى عمل لأجلها كل حركاته وسكناته لأجل الآخرة. وقد يتعدّى بـ (في) (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) (والذين يسعون في آياتنا) (ويسعون في الأرض فسادا) استعملت في الخراب لأن الإنسان الذي بداخله شر عندما يسعى في الخراب يطرح كل أموره الأخرى خلفه ويفرّغ نفسه للسعي في هذا السيء. وهناك سعي بين (يسعى نورهم بين أيديهم) التردد بين أمرين. وهناك سعي عام (يوم يتذكر الإنسان ما سعى) لم يقل ما عمل ولا ما فعل ولا ما صنع وإنما ما سعى فهو يحاسب في الآخرة على هدف حياته وقد عبّر تعالى بما سعى ليشمل عمله وفعله وصنعته وكل حركته وشمل كل أنواع السعي ما سعى فيه وإليه وبه.
لماذ قال تعالى (فامشوا) ولم يقل (فاسعوا)؟ السعي يفيد المشي بسرعة وتدل على شدة الإهتمام (وأما من جاءك يسعى) فالكفيف لا يمكن أن يوصف مشيه بسرعة والسعي في هذه الآية جاء بمعنى من جاءك مهتماً وشغوفاً بأمور الدين. واستعمال المشي بدل السعي حتى لا يُفهم أن أن على الإنسان أن يجري ويسارع وإنما عليه الأخذ بالأسباب فقط لأن الرزق يأتيه من الله تعالى ولهذا قال تعالى (فامشوا في مناكبها) لكن تعمّق عندما تحتاج. وقوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) في الآخرة تأتي سعى وحدها لتشمل كل المعاني.

كلمة زوج وبعل في القرآن:
الله تعالى لا يستعمل كلمة زوج إلا إذا كانت الحياة الزوجية متفقة (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وهي قصة خولة التي ظاهر منها زوجها جاءت تشتكي إل النبي وعلِم الحق تعالى حرص هذه المرأة على زوجها وعلى إتمام الحياة الزوجية ولهذا ما ضنّ عليها بكلمة زوج لأنه تعالى علم ما في نفسها من رغبة باستمرار حياتها الزوجية.
وقوله تعالى (أمسك عليك زوجك) لزيد بن حارثة مع العلم أنه طلقها لأن الله تعالى لا يريد أن يوسع دائرة الخلاف وقوله تعالى أن أمسك توحي بالتمسك بالحياة الزوجية.
وقوله تعالى (تبتغي مرضاة أزواجك) لم تكن هناك خلافات زوجية وإنما كانت غيرة نساء وكيف لا والرسول  حرّم على نفسه شرب العسل الذي حلله الله تعالى.
في المطلّقة الرجعية قال تعالى (وبعولتهن أحق بردهن) تعبير بالبعل لأنها مطلقة والحياة الزوجية منقطعة. وفي المطلقة البائنة قال تعالى (فلا تضلوهن أن ينكحن أزواجهن) بتعبير أزواجهن مع أن الحياة الزوجية منقطعة والزوجة لا تعود إلا بمهر جديد وعقد جديد. فلماذا هذا الإختلاف في استعمال اللفظتين؟ لأنه في الأولى (الطلقة الرجعية) يذكر القرآن أن هناك منافسة (أحق بردّهن) فالزوج يعلم أن هناك من يريد أن يتدخل ليتزوج زوجته والبعض يراجع فقط لا لأنه يريد الإصلاح وإنما لأنه يريد إرجاعها ليمدد العدّة فلذلك أضاف تعالى (إن أرادوا إصلاحاً) وقد لا يكون انهم يريدون إصلاحا. أما في الثانية. فإذا عاد إليها زوجها من جديد ففي هذا اعتراف منه بها ودليل على مكانتها عنده (فإذا تراضوا) والزوجة رقيقة القلب عندما ترى زوجها جاء لينكحها تتصور أنه لم يجد في الكون من هي أفضل منها ولهذا ردّها إليه ومن أجل هذا عبّر القرآن بالزوجية ليذكر الأولياء إن هذا كان زوجها هو أولى وأحق بها والحياة الزوجية ستستمر إن شاء الله تعالى.