المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من آيات القتال



مهاجر
10-02-2009, 09:44 PM
قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .

كُتِبَ : لفظ يوحي بالوجوب ، بل هو من ألفاظ الوجوب الصريحة ، و : "عليكم" : قرينة أخرى تؤكد معنى الوجوب إذ "على" مئنة من الإلزام .
وحذف الفاعل للعلم به ، ففي الشرعيات لا موجب إلا الله ، عز وجل ، بوحي متلو أو على لسان رسله عليهم الصلاة والسلام بوحي غير متلو ، فمرجع التشريع كله إليه ، عز وجل ، فهو الرب المشرع الحاكم الآمر الناهي .
وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ : حال مقيدة تزيد التكليف مشقة ، وإن كانت المشقة في الشرعيات غير مرادة لذاتها فالرب ، جل وعلا ، غني عن تعذيب عباده أنفسهم ، وإنما تطرأ المشقة عرضا ، لا أصلا ، فالملة حنيفية سمحة لا تعسفية فجة .
وفي استعمال : "كره" : وهو مصدر ، في الإخبار عن القتال : نوع مبالغة ، إذ القتل مكروه للنفوس حتى صح الإخبار عنه بأنه نفس الكره ، فهو من باب : محمد عدل ، فقد بلغ من العدل منزلة صح الإخبار به عنه .
فــ : "كره" بمعنى : "مكروه" ، وذلك مما اصطلح على تسميته بــ : "تبادل الصيغ" ، وهو باب واسع في لغة العرب .

وإلى طرف من ذلك أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله :"{ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } حالية أي والحال أنه مكروهٌ لكم طبعاً على أن الكُرهَ مصدرٌ وُصف به المفعولُ مبالغة ، أو بمعنى المفعولِ كالخُبز بمعنى المخبوز" . اهــــ

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ : "عسى" في القرآن واجبة ، وفي الجملة نوع مقابلة بين : "تكرهوا" و "تحبوا" ، و : "خير" و "شر" .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ : مقابلة أخرى ، وإن شئت قلت : طباق بالسلب بين : "يعلم" و "لا تعلمون" تزيد المعنى بيانا ، ففي مقابل إثبات العلم للرب ، عز وجل ، العليم بما يصلح عباده : عدم علم العباد بالمصلحة الدينية بل والدنيوية المعتبرة ، فرؤيتهم قاصرة ، إذ جل همهم تحصيل المصلحة العاجلة ، وإن أدت إلى مفسدة آجلة ، فالقعود عن القتال ، كما هو حالنا في العصر الحاضر : مصلحة مؤقتة بحفظ نفوس مآلها البلى ، تفضي إلى مفسدة عظيمة ، مفسدة : (سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) ، ولله در أبي الطيب إذ يقول :
عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ ******* بين طعنِ القنا وخفقِ البنُدِ

ولله دره إذ يقول أيضا :
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ ******* فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ ******* كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ

وحذف معمول : "يعلم" و "تعلمون" لدلالة السياق عليه ، فتقدير الكلام : والله يعلم ما يصلح شأنكم في الأولى والآخرة إما في شأن القتال خاصة ، أو في كل شأن عامة ، وأنتم لا تعلمون ذلك ، وحمل السياق على عموم المصلحة أولى ، فالله ، عز وجل ، عليم بالكليات والجزئيات ، حكيم فلا يشرع لعباده إلا ما فيه خير الدارين .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
12-02-2009, 06:29 AM
ومن قوله تعالى : (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)
فليقاتل : أمر يفيد الوجوب أو الاستحباب تبعا لطبيعة القتال هل هو من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات ، ولا أقل من حمله على الاستحباب ، فهو طاعة ، والطاعة لا تنفك عن كونها واجبة أو مستحبة على اقل تقدير ، وفي تقديم الحكم الشرعي وإردافه بوصف المقاتلين ، وهو وصف يبعث الهمم من سباتها ، في ذلك : نوع تهييج وإلهاب للمخاطب على طريقة : إن كنتم رجالا فهلم إلى قتل وحرب تتمايز به أقدار الرجال وتظهر فيه معادنهم ، فالقتال للرجال فقط ، الذين من صفتهم أنهم :
يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ : فذكر الموصول مجملا ثم أردفه بالصلة المبينة ، كما تقدم مرارا ، وقيد القتال بأنه في سبيله ، عز وجل ، احترازا من أي راية أخرى ، وفي حديث أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) ، وفي الشراء استعارة مبادلة العين بثمنها لمبادلة الروح بنعيمها ، والباء إنما تدخل على الثمن ، فثمن الدنيا الفانية : الآخرة الباقية . وقد يقال بأنها استعارة تصريحية في الفعل : "يشرون" إذ ناب عن الفعل : "يستبدلون" ، وهي تبعية في نفس الوقت إذ وقعت في الفعل وهو مشتق من مصدره ، وذلك حد الاستعارة التبعية التي تقع في المشتقات لا الجوامد .

ثم أردف بذكر جزاء ذلك على سبيل الشرط حفزا للهمم ، فهو خبري المبنى طلبي المعنى ، فلن تنال النفس المشروط من الجزاء إلا بامتثال شرطه ، ومن خطب الحسناء لم يغله المهر :
وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا :
فــ : "من" اسم شرط وهو نص في العموم ، وهو محفوظ لا مخصص له ، إذا استوفى المقاتل شرط القبول وانتفت عنه موانعه من قبيل الدَيْن ، وما حكي عن أهل الأعراف في قول بأنهم الشهداء الذين خرجوا بلا إذن آبائهم في غير الفرض الواجب إذ لا استئذان في فروض الأعيان .

فيقتل أو يغلب : استيفاء لأوجه القسمة العقلية طمأنة للنفوس ، فالمقاتل في سبيل الله رابح على كل حال ، فإما شهادة وإما نصر ، وقدم القتل إذ هو أسمى غايات المقاتل ، والجزاء : أجر موطئ لما بعده من وصف العظمة ، وتنكيره مئنة من عظمه فلا يعلم قدره إلا الله عز وجل .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
13-02-2009, 08:14 AM
جزاك الله خيرا أبا العباس على المرور والتعليق .

ومن قوله تعالى : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)

التفات من الغيبة في : (وَمَنْ يُقَاتِلْ) ، إلى الحضور في مقام المخاطبة في : (وما لكم) ، والاستفهام إنكاري فيه معنى الحض والإلهاب والتهييج بذكر حال المستضعفين أولى الناس بالنصرة إن كان في القلب إيمان وإسلام ، وفصل أعيان المستضعفين إمعانا في البيان فالإطناب في بيان أحوال من تجب نصرتهم في موضع تجيش فيه همم الرجال أمر مراد .
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا : أمر يفيد الدعاء ، ودعاء المستضعف المظلوم مظنة الإطناب ، أيضا ، ولذلك أردفوا بقولهم : وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ، فوقع التكرار في العامل : "اجعل" مع التباين في المعمول : "وليا" و "نصيرا" ، وإلى ذلك أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله : "وتكريرُ الفعلِ ومتعلِّقَيْه للمبالغة في التضرع والابتهال" . اهــــ

وما تكرره قناة الجزيرة في فواصل برامجها من تسجيلات لأطفال غزة أصل في : "وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ" ، وفي المقابل تستولي سلطات دول الجوار المساعدات الإنسانية المرسلة إليهم كما حدث بالأمس من الاستيلاء على 2000 طن من المعونات الإنسانية على معبر رفح فضلا عن إحباط محاولة تهريب آثمة لمعونات إنسانية إلى غزة !!!! . وليس للموحدين في غزة إلا التضرع بآخر هذه الآية ، فثم ذكور ولا رجال لينجدوهم .

وإلى الله المشتكى .

هاني السمعو
13-02-2009, 09:31 AM
ما أبرعك أخي مهاجر في إدخال الواقع في تحليلك بوركت وحييت

ندى الرميح
13-02-2009, 08:59 PM
فتح الله عليك أستاذنا الكريم ، وزادك من فضله .

واسمح لي بهذا الملمح في قوله تعالى : " الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا " ؛ حيث نسب الظلم إلى أهل القرية هنا على الحقيقة ، ولم يأت عن طريق المجاز ، كما في العديد من الآيات ، نحو : " وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة " إلى قوله : " فكفرت بأنعم الله " ، ونحو قوله : " وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ... " .

والغرض من العدول إلى الإسناد الحقيقي في الآية - موضع النظر - هو : أن المراد بالقرية هنا مكة المكرمة - حرسها الله - ، فوقرت عن نسبة الظلم إليها ؛ تشريفًا لها .

والله - تعالى - أعلم .

مهاجر
20-02-2009, 08:26 AM
جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق أيها الكرام الأفاضل .

ومن قوله تعالى : (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)

في الموصول مئنة من تعليق حكم الخبر على الوصف الذي اشتقت منه صلته وهو وصف : "الإيمان" ، فمن اتصف به هو الذي يقاتل فعلا في سبيل الله ، وكذا الحال في الشطر الثاني من القسمة العقلية الثنائية : قسمة الحق والباطل ، قسمة الإيمان والكفر ، فمن قام به وصف الكفر الذي اشتقت منه صلة الموصول الثاني : "وَالَّذِينَ كَفَرُوا" هم الذين يقاتلون فعلا في سبيل الطاغوت .
ففي الكلام مقابلة بين الشطرين تزيد المعنى بيانا باستيفاء احتمالات القسمة العقلية كما تقدم وبضدها تتميز الأشياء .

فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ : أمر على بابه يفيد الوجوب العيني أو الكفائي ، وقتالهم يكون في كل ميدان فتارة يكون بالحجة والبرهان وأخرى يكون بالسيف والسنان ، ولكل حلبة سلاحها .

إن كيد الشيطان كان ضعيفا : علة ما قبله ، وفيه من الإلهاب والتهييج للمقاتلين ما فيه إذ يزيل عنهم رهبة نزال أولياء عدو ضعيف ، فهم بوصف الضعف أحق ، إذ ليسوا سوى أذناب له ، فإذا كان الأصل ضعيفا ، فالفرع أضعف وأضعف .

وفي السياق : شبه كمال الاتصال بين العلة ومعلولها ، مما سوغ الفصل ، وقد أكدت العلة بــ : "إن" واسمية الجملة : "إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا" .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
21-02-2009, 04:43 PM
ومن قوله تعالى : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) :
فقاتل : فيه إيجاز بحذف شرط مقدر ، إذ تقدير الكلام : إذا كان الأمر كذلك فلتقاتل في سبيل الله ، وفيه أيضا ، تلوين في الخطاب بالالتفات من مخاطبة الجميع في قوله تعالى : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) إلى مخاطبة الفرد ، وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإلى ما سبق أشار أبو السعود ، رحمه الله ، وقد يقال بأن العموم مستفاد من جهة أن الأصل في خطابات الشارع ، عز وجل ، العموم ، فخطاب المواجهة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوصفه المبلغ عن ربه فيتوجه إليه الأمر والنهي أول ما يتوجه وأمته تبع له في ذلك .
وقوله تعالى : (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) : تخفيف عن المكلف ، فلا يتحمل وزر غيره على وزان قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ، فلو كفر أهل الأرض جميعا ما ضر المؤمن من ذلك شيء إذا قام بواجب التكليف في نفسه والبلاغ والإرشاد لغيره ، وليس عليه أن يؤمن غيره ، إذ ذلك ليس له أصلا ، فتكليفه به : تكليف بما لا يطاق .


وقوله تعالى : (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) : فلا يملك حملهم على الامتثال ، إذ خلق إرادة الطاعة الجازمة والقدرة التامة في العباد مما اختص به الله ، عز وجل ، فليست هداية التوفيق إلا له ، وإنما بعثت الرسل عليهم السلام بهداية الإرشاد .

وقوله : (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) : عدة من الله ، عز وجل ، وهي واجبة ، إذ لا يجوز في حقه ، جل وعلا ، إخلاف الوعد مصداق قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ، وإن جاز إخلاف الوعيد في حقه ، جل وعلا ، تكرما ، فالكريم إذا وعد أوفى وإذا توعد صفح .

(وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) : إظهار الاسم الجليل : اسم الرب الكريم : لفظ الجلالة : "الله" في موضع الإضمار تربية للمهابة ، كما ذكر ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، وفي إعادة الخبر : "وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا" مزيد توكيد ، فالإطناب في مقام الإلهاب للمؤمنين لحملهم على القتال والتهديد للكفار لحملهم على الإيمان مظنة البسط في العبارة .

وفي الآية : جناس بين "بأس" و : "بأسا" فمقابل بأسهم بأس الباري ، عز وجل ، وشتان !!! .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
24-02-2009, 08:50 AM
ومن قوله تعالى : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .

لا يستوي : نفي تسلط على المصدر الكامن في : "يستوي" فأفاد العموم وفي الخبر تعريض يلهب همة القاعد القادر ليقوم ذبا عن الملة .
من المؤمنين : احتراس ، فهم مع نقصهم بالقعود : مؤمنون ، فدل ذلك على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاوت أهله فيه مع اشتراكهم في قدر كلي مجزئ في إثبات اسم الإيمان .
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ : احتراس آخر ، فالقدرة مناط التكليف .

فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً :إظهار في موضع الإضمار تأكيدا على المظهر فيصح في غير القرآن : فضل الله الآخرين على الأولين ، ولكنه أظهر عناية ببيان الفارق بينهما ، وتنكير درجة مئنة من التعظيم .
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى : احتراس لئلا يقنط القاعدون فهم من أهل الوعد وإن قصروا في هذا الباب ، فأبواب الدين كثيرة فمن قصر في باب أو حيل بينه وبين الولوج منه فليعدل إلى باب آخر يسره الله ، عز وجل ، له ، فلن يعدم باب خير يليق بحاله ، وذلك من فضل الله عز وجل . فمن فتح له باب من الصلاة فليلج منه ، ومن فتح له باب من الزكاة فليلج منه ..... إلخ .

وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا : إطناب في معرض الوعد على غرار ما تقدم من إلهاب الهمم .
و "أجرا عظيما" ينزل منزلة البيان لإبهام : "درجة" .
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً : بيان بعد بيان ، وفيه إطناب في معرض الوعد كما تقدم .
و : "من" في : "منه" : لابتداء الغاية تشريفا لتلك الدرجات بإضافتها إلى خالقها ، عز وجل ، على وزان قوله تعالى : (وَرُوحٌ مِنْهُ) ، فشرف روح المسيح عليه السلام بنسبتها إلى خالقها على جهة الاختصاص وإن كانت كل الأرواح منه خلقا ، وشرف درجات الجنان المخلوقة بنسبتها إلى خالقها ، عز وجل ، إذ شرف الدرجة من شرف مانحها ، وأي درجة أعظم من درجة أعدها الله ، عز وجل ، لعباده المؤمنين في دار المقامة ؟!! .


وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا : تذييل لفظي يناسب ما تقدم من الوعد .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
02-03-2009, 07:21 AM
قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
أمر بصيغة المفاعلة ، فيه زيادة معنى بزيادة المبنى بألف المفاعلة على وزان قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
في سبيل الله : قيد فارق بين جهاد أهل الدين وجهاد أهل الدنيا .
الذين يقاتلونكم : قيد آخر ، على القول بأن هذه الآية نص في الأمر بقتال الدفع ذبا عن الملة ، إذ الأمر فيها مظنة الوجوب ولا صارف له ، فتكون تالية في التشريع لقوله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، على القول بأن الإذن فيها يعني الإباحة دون إلزام ، كما أثر عن الصديق رضي الله عنه .
وفي السياق جناس بين : "وَقَاتِلُوا" ، و "يُقَاتِلُونَكُمْ" ، فمادة الاشتقاق : "القتل" واحدة ، وهي علة الأمر ، إذ دل عليها لفظ الحكم : "قاتلوا" وجملة الصلة : "يقاتلونكم" التي سيقت لبيان العلة إذ علق الحكم على الوصف الذي اشتقت منه .

وتكون المرحلة التالية : الأمر بجهاد الطلب ، إن تيسرت أسبابه حملا للرسالة ، وإزاحة للطواغيت التي تحول بين نور الوحي وأمم الأرض ، وهي التي جاء بها قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، وقوله تعالى : (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .

وتكون المراحل على قول بعض أهل العلم : ناسخة لبعضها البعض ، فتحريم في مكة ، فإذن ، فجهاد دفع ، فجهاد طلب .
والنسخ في عرف المتقدمين يطلق على كل زيادة ، وإن لم تكن ناسخة بالمعنى الاصطلاحي المعروف الذي يلزم منه رفع الحكم المتقدم بالحكم المتأخر ، فزيادة الحكم في مسألة لا يلزم منها نسخ بقية الأحكام ، إذ قد يكون في المسألة أكثر من صورة ، ولكل صورة حكم ، فلا تتعارض الأحكام ، وإنما تتكامل ، وإعمال النصوص أولى من إهمالها ، كما قرر ذلك أهل العلم . فتكون آيات القتال على الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم : منسوءة لا منسوخة ، فلكل حال حكم ، فليست صورة القتال : قتال طلب فقط باعتبار كونه ناسخا لما قبله ، فيؤمر المسلمون بغزو عدوهم وإن كانوا قلة مستضعفة يخشى فناؤها في قتال غير متكافئ ، وإنما لكل صورة حكم ، فأحيانا تكون المصلحة الشرعية في كف الأيدي وتحريم القتال ، كما كان حال الفئة المستضعفة في مكة ، إذ لو حملوا على قريش ، لأفنتهم ، والشريعة إنما يقام بنيانها على ملاحظة الأسباب ، فليس من الحكمة إقحام المسلمين ابتداء في معارك غير متكافئة ، بخلاف ما لو دهم العدو أرضهم ، كما حدث في نازلة غزة الماضية ، فلا مناص حينئذ من حمل السلاح دفعا للعدو عن محلة المسلمين .
وأحيانا يكون الأمر : أمر دفع ، فيؤمر أهل المحلة كلهم بدفع عدوهم إن دهم أرضهم كل حسب استطاعته .
فإذا قويت شوكة المسلمين وصارت لهم الدولة وجب عليهم تجييش الجيوش وبدء العدو بالقتال ، وجوبا كفائيا ، فصار الحكم منوطا بعلله المختلفة التي تختلف باختلاف صوره ، فمتى وجدت علة نوع من القتال وجد حكمه ، ومتى تخلفت تخلف حكمه .
وإلى طرف مما سبق أشار القرطبي ، رحمه الله ، بقوله :
"وقال الجمهور من الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير لوجوب طاعته ............... قال ابن عطية : والذى استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية ، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين ، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين" . اهـــ
بتصرف من : "الجامع لأحكام القرآن" ، (3/35) .

وذلك التفاوت يقع أيضا في حكم الجهاد فإنه قد يكون محرما في حق بعض المكلفين ، كجهاد التطوع بلا إذن الأبوين ، وقد يكون مستحبا باعتبار الأفراد واجبا كفائيا باعتبار الجماعة ، في أزمنة القوة والتمكين ، وقد يكون واجبا عينيا ، كجهاد الدفع إذا دهم العدو المحلة ، كما تقدم ، وكتعيين الإمام ، إن كان للمسلمين إمام ، لمكلف بعينه ، فإنه يصير حينئذ واجبا في حقه ، وإن لم يجب على غيره ، فالأحكام تتفاوت تبعا لتفاوت أحوال المكلفين ، وكحضور القتال فيحرم التولي إلا انحيازا إلى فئة .

وقوله : "ولا تعتدوا" : احتراس لئلا يقع من الدافع تعد ، فيكون القتال حينئذ كدفع الصائل الذي يرد عدوانه بما يردعه دون زيادة تعد ، فإن دفع بالأدنى فقد حصل المطلوب فلا يصار إلى الأعلى ابتداء ، وإنما الضرورة تقدر بقدرها ، وهذا على القول بأن الآية في نص جهاد الدفع على التفصيل المتقدم .

وقد تسلط النهي على المصدر الكامن في : "تعتدوا" : فأفاد العموم ، وقد ذيلت الآية تذييلا لفظيا من جنس مادة : "العدوان" التي وقعت في حيز النهي بصيغة التعليل لما قبله بلا وصل ، فصارت الصورة من صور : شبه كمال الاتصال ، لقوة الرباط المعنوي بين المعلول المتقدم والعلة المتأخرة التي تولدت من السؤال المقدر بـــ : وما علة ذلك النهي ؟ ، فجاء الجواب مصدرا بـــ : "إن" التوكيدية فأفاد معنى التعليل وإن لم يكن نصا صريحا فيه ، وإنما جاز ذلك لدلالة القرينة السياقية عليه ، وهي قرينة معتبرة في تحديد المعنى المراد .
وأكدت جملة التعليل أيضا بــــ : اسمية الجملة ، والفاعل المستتر في عامله : "يحب" ، وجيء به مضارعا مئنة من التجدد ، وذلك أدعى إلى دوام المراقبة لئلا يقع التعدي الذي لا يحبه الله ، عز وجل ، وقد علق الحكم على مادة العدوان التي اشتق منها النهي : "ولا تعتدوا" والصفة المشبهة : "المعتدين" فبينهما جناس اشتقاقي لاتحاد مادتهما ، وذلك أبلغ في تقرير الحكم .

وقد يقال بأن في الآية : إيجازا بالحذف دل عليه السياق اقتضاء ، على قول من قال بأن هذه الآية محكمة عامة في كل أحوال القتال ، فيؤول المعنى إلى : وقاتلوا في سبيل الله الذين من شأنهم أن يقاتلوكم ، وذلك عام في كل الأحوال : إذنا ودفعا وطلبا ، فالمقاتِل من شأنه أن يقاتل المقاتََل بداهة ، وإلا لم يقع قتال أصلا !! ، ولا تعتدوا في رده إن كان الجهاد دفعا ، ولا تعتدوا بقتل من نهيتم عن قتله من النساء والشيوخ والأطفال والرهبان ، وقد يترجح هذا المعنى من جهة عمومه لكل صور القتال بخلاف المعنى الأول الذي اقتصر على صورة بعينها ، وحمل النصوص على العموم أولى وأبلغ في تقرير جملة من الأحكام بلفظ واحد . .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
03-03-2009, 06:52 AM
ومن قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
قتال فيه : بدل اشتمال ، أورد مورد الخاص بعد العام ، أو المبين بعد المجمل تنويها بشأنه ، فهو محط الفائدة المرادة بالحكم ابتداء ، فالمبدل منه : "الشهر الحرام" على نية الطرح ، وإنما جيء به توطئة لما بعده ، ونكر القتال : إرادة العموم ، فالسؤال عن حكم القتال في الشهر الحرام مطلقا ، لا عن قتال بعينه ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، إذ الأصل في النصوص : العموم لتشمل كل الصور فتفيد أحكاما متكاثرة بألفاظ يسيرة المبنى عظيمة المعنى ، والتنكير مظنته ، والعبرة كما يقول الأصوليون بــ : عموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فلا يخصص سبب النزول ، وهو سرية ابن جحش رضي الله عنه ، عموم النكرة : "قتال" ، وإن كان قطعي الدخول فيها ، فإن دخوله لا يمنع دخول غيره من صور القتال في الشهر الحرام ، وإنما الشأن : شأن فرد من أفراد العام ذكر لكونه أولها وأولاها بالحكم ، لنزول الوحي بيانا له ، فلا يخصص ذكره العموم كما قرر أهل الأصول .
و : "أل" في : "الشهر الحرام" : جنسية استغراقية تفيد عموم ما دخلت عليه ، فالسؤال عن القتال في الأشهر الحرم ، لا شهر بعينه ، وتلك جهة عموم أخرى ، فليس السؤال عن القتال في رجب الفرد الذي وقعت في أول أيامه تلك الحادثة ، فهي على وزان "أل" في قوله تعالى : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) ، أي : الأطفال .
قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ : مبتدأ خص بمتعلقه فساغ الابتداء به لما في التخصيص من نوع توضيح يرفع الإبهام ويسوغ الابتداء ، وإن لم يحصل به التعريف ، فهو كبير ولكن ما ارتكبتموه في حق الموحدين من الصد عن سبيل الله ، والإخراج من المسجد الحرام ، أكبر عند الله ، فأفاد الجناس بين : "كبير" ، و : "أكبر" مع الاستدراك عليهم بالإبطال لدعواهم بمعارضتها بدعوى أعظم ، أفاد بيانا للمعنى المراد ، فإن كل شر في المسلمين فهو في غيرهم أعظم ، وكل خير في غيرهم ، فهو فيهم أعظم ، فلم تضمن العصمة لآحادهم ، وإن ضمنت لجماعتهم ، فلا يخرج الحق عنها .
وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ : "أل" عهدية تشير إلى فتنة الدين خصوصا ، فتلك أعظم من القتل ، إذ هلاك الأرواح أعظم من هلاك الأبدان .
وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا : سنة كونية جارية ، نشهد في كل زمان صورا لها ، ذات معنى واحد ، وإن اختلفت مبانيها ، فبالسلاح تارة ، وبالشُبَهِ أخرى ، وبالقمح ثالثة !!!! .
وأضاف الدين إليهم حضا على التمسك به في وجه تلك الغارة الشرسة على وزان : (لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ) ، فذلك أبلغ في العناية ، يقول ابن دقيق العيد رحمه الله :
"فإن فيه زيادة ، أي قوله : "صَلَاتِكُمْ" ، ألا ترى أن لو قلنا : لا تغلبن على مالك : كان أشد تنفيرا من قولنا : لا تغلبن على مال أو على المال ؟ لدلالة الإضافة على الاختصاص به" . اهـــ
"إحكام الأحكام" ، ص182 .
إذ النفس تغار لمملوكها فتحوطه بالعناية وتذب عنه الجناية .

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ : شرط سيق مساق الوعيد مقيدا بحال الموت على الكفران ، عياذا بالرحمن ، ففيه بدلالة المفهوم من الحض على الاستمساك بالوحي المنزل والشرع المسطر ما فيه .
فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ :
إطناب في الوعيد زجرا ، فأشار إليهم بإشارة البعيد تحقيرا ، وأخبر عن بطلان أعمالهم في الدارين تعميما ، وفي ذلك من النكاية والمساءة ما فيه ، فلا أولى ولا آخرة : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فعيش نكد ومصير أنكد ثم فرع على ذلك : الخلود في النار نتيجة ، وأعاد المسند إليه زيادة في المساءة على ما تقرر ، فهم المخصوصون بذلك الوعيد تحقيقا لا غيرهم ، وأكد ذلك بنسبتهم إلى دار العذاب نسبة الصاحب الملازم ، واسمية الجملة وتعريف جزأيها ، وضمير الفصل المؤكد وتقديم ما حقه التأخير : فيها" ، فأي نكاية بعد ذلك ؟!! .
فيكون عطف الجزاء الأخروي على فساد العمل الدنيوي من باب : عطف المسَبَب على سببه ، وفي ذلك إقامة للحجة ببرهان عقلي دامغ ، كما استعمل قياس الأولى في صدر الآية ، فإن ما ارتكبوه في حق الموحدين أولى بالشجب والاستنكار !!! ، مما ارتكبه الموحدون ، فإذا صح توجه الإنكار إلى الآخرين ، فللأولين منه أوفر نصيب .
والحبوط معنى كلي يفيد بمادته ا: لفساد ، كما ذكر القرطبي ، رحمه الله ، فيتفرع عنه :
الحبوط المادي : كما تفسد الدابة إذا أسرفت في الطعام .
والحبوط المعنوي : حبوط الأعمال بالردة والكفران ، ولكل مقام مقال ، ولكل سياق دلالته . فهو من قبيل : "المشترك المعنوي" ذي الدلالة الكلية الجامعة : التي تتفرع عنها معان جزئية تبعا لمراد المتكلم ، وذلك مئنة من الثراء المعنوي للسان العرب : لسان التنزيل .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
04-03-2009, 08:56 PM
ومن قوله تعالى : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
أمر على جهة الوجوب وفيه مزيد حض بدلالة سبب النزول ، إذ مال بعض الأنصار ، رضي الله عنهم ، إلى إصلاح الأموال بعد نصرة الدين ، وذلك مظنة التعلق بها ، والتعلق بالمال سبب في الإمساك ، فجاء الأمر حاسما لذلك ، وإن لم يقع بعد .
وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ : الباء زائدة في المبنى زيادةً في المعنى ، وقد أطلق الأيدي ، وهي بعض ، وأراد الأنفس ، وهي كل ، على وزان قوله تعالى : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ، كما نقل ذلك القرطبي ، رحمه الله ، عن المبرد ، رحمه الله ، فتكون المسألة من باب : المجاز المرسل ذي العلاقة الجزئية ، وقد نص على اليد لكونها آلة الاكتساب المعهودة ، فبها يقع غالب كسب الإنسان الخير واكتسابه الشر .
وسبب النزول هنا ، أيضا ، فيصل في إزالة الإلباس الذي قد يرد على المتبادر إلى الذهن من هذه الآية ، فإن المتكاسل يجدها حجة في القعود حفظا للنفس من التهلكة ، فيحملها على غير ما نزلت فيه ، فقد نزلت في ضد ذلك ، إذ التهلكة في القعود عن نصرة الدين ، فحفظ الأبدان من الضرورات ، ولكن حفظ الأديان مقدم عليه ، فإذا كان صلاح الدين بإتلاف البدن ، فهي النجاة ، وإن كان صلاح البدن بإتلاف الدين فهي الهلكة ، فالأديان عمارة للقلوب بالإيمان ، وللأبدان بصنوف الطاعات ، وتلك الحياة حقيقة مصداق قوله تعالى : (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) ، وكم من أبدان تلفت فجعل الله لها لسان صدق في الآخرين ، وكم من أبدان سلمت وقد تخللتها أرواح ميتة ، فهي أرطال من الطين الفاني بلا نور من الوحي الهادي .
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ : جناس اشتقاقي بين : "أحسنوا" و : "المحسنين" يزيد المعنى بيانا إذ علق الحكم في جملة التعليل التي سيقت بلا وصل بمعلولها لشبه كمال الاتصال بينهما ، علق الحكم على المعنى الذي اشتق منه الأمر : "أحسنوا" ، فكان ذلك أدعى إلى امتثاله ، وقد أكدت العلة بــ : "إن" ، واسمية الجملة والمضارع وهو مئنة من تجدد الفعل بتجدد الإحسان ، وإن كان قديم النوع ، فهو من صفات الباري ، عز وجل ، الفعلية المتعلقة بمشيئته ، فنوعه قديم أزلي بأزلية الذات القدسية ، وآحاده حادثة بتجدد المشيئة الربانية ، فمن وافق المشيئة الشرعية استحق المحبة الإلهية ، ومن لا فلا ، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، والكلام دال بمنطوقه مدحا ، ومفهومه ذما .

وقد أورد المفسرون كالقرطبي ، رحمه الله ، في تفسير الإحسان معان مختلفة المبنى متحدة المعنى ، فكلها من صور الإحسان ، فلا إشكال في حمل الآية عليها إذ هي بمنزلة الأفراد لعموم يشملها ، وتوسيع دائرة العموم المعنوي ليشمل صورا عديدة أمر مراد في بيان بلاغة الكتاب العزيز الذي تحوي ألفاظه الموجزة معان مطنبة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
07-03-2009, 09:49 AM
جزاك الله خيرا على المرور وتكرار الشكر فذلك مئنة من حسن الظن وكمال الفضل .

ومن قوله تعالى : (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)
إن قيل بأن أصل وضع النكث للمحسوسات كالحبال المجدولات صار في الكلام : استعارة مكنية تبعية ، إذ شبه اليمين المعنوية بالحبل المادي المحسوس ، وحذف المشبه به ، وكنى عنه بلازم من لوازمه وهو النقض ، وقد وقعت الاستعارة في الفعل المشتق : "نكث" فكانت تبعية من هذا الوجه .
وقد يقال بالعكس ، فيكون الوضع الأول للمعاني والثاني للمحسوسات .
وقد يقال بالتوقف ، وقد يقال على مذهب منكري المجاز : النكث معنى كلي مشترك يدل على النقض ماديا كان أو معنويا ، ومن ثم قيدت أفراده بالمحسوسات الظاهرة أو المعلومات الباطنة تبعا للسياق الذي ترد فيه ، فهي تندرج تحت المعنى العام اندراج الأفراد تحت عموماتها .
وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ : إطناب ببيان مجمل النكث ، فهو من عطف المبين على المجمل ، وقد يقال هو من عطف اللازم على ملزومه ، أو هو من عطف المتغايرات ، فيكون النكث سببا ، والطعن سببا آخر ، وذلك أدعى لقتالهم ، وأيا كان فإن الإطناب في بيان علة الحكم أمر مراد لذاته لتقرر الأحكام بأدلتها فذلك أدعى إلى الامتثال ، وإن كانت الطاعة ابتداء : فرضا لازما ، مصداق قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) .

فقاتلوا : أمر فرع عما قبله ، إذ قامت العلة بنكثهم فوجد الحكم تبعا لها ، فيفيد الشرط بمنطوقه : وجود الحكم بوجود العلة ، ويفيد بمفهومه : عدمه بعدمها ، فلا يحل قتالهم ما التزموا العهد فلم يأتوا بناقض يحل قتالهم . وقد استدل بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ، رحمه الله ، في "الصارم المسلول" بهذه الآية على نقض عهد من تعرض لمقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسب أو الانتقاص ، وقد وقع ذلك من يهود ، أعداء الرسل عليهم السلام ، مؤخرا ، ولم يتحرك أحد من زبائن موائد المفاوضات التي تحتسى عليها أنخاب السلام : الخيار الاستراتيجي الأول ، ولو سب أحدهم لأقام الدنيا انتصارا لنفسه !! .

أئمة الكفر : تجريد ، فالقياس : فقاتلوهم ، وإنما عدل عنه بيانا لعلة قتالهم ، فوصفهم بالإمامة في الكفر جار مجرى التعليل للأمر بقتالهم ، أو يقال هو من باب الخاص الذي أريد به العام ، فالأمر بقتال رؤسائهم أمر بقتال آحادهم من باب أولى ، ولا يتوصل غالبا إلى قتال الرؤساء دون قتال الآحاد ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، في تفسيره .

إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ : مزيد إطناب في بيان علة الأمر بقتالهم ، إذ انتفت أيمانهم نفيا عاما أفاده ورود النكرة : "أيمان" في سياق النفي ، فقد نقضوا كل يمين بالطعن في دينكم ، ولذلك حسن الفصل لشبه كمال الاتصال بين جملة العلة المصدرة بالتوكيد بـــ : "إن" الذي رجح جانب العلية فيها ، وجملة المعلول التي تقدمتها .
لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ : علة ثانية فقتالهم في هذه الصورة ، لينتهوا عن غيهم ، فإن انتهوا فقد زالت العلة فيزول الحكم تبعا لزوالها .

والله أعلى وأعلم .

وبطبيعة الحال لم تزل علة حكم قتال يهود الذين طعنوا في الدين بإهانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، رغم تعطيل الحكم ابتداء خشية انهيار مفاوضات السلام ! ، فهى أولى بالاعتبار من عرض النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم !!! .

مهاجر
08-03-2009, 09:05 AM
ومن قوله تعالى : (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
ألا تقاتلون : حض على قتال أولئك الناكثين ، و : "قوما" : نكرة في سياق الاستفهام الذي سيق مساق الإلهاب والتهييج فيفيد العموم المعنوي ، فليس أي قوم يقاتلون ، وإنما يعم الحكم من تحققت فيه صورة السبب المبيح لذلك من الأوصاف التي خصت بها النكرة : "نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ" ، و : "وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ" ، و : "وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" ، وفي الإطناب في وصفهم مزيد بيان لإجمال عموم "قوما" اللفظي ، فإن الأوصاف تقيد الألفاظ ، فتدل على معان بعينها ، تصلح لأن تعلق عليها الأحكام ، فضلا عما في تعداد جرائمهم من مزيد إلهاب لمشاعر المسلمين ، وهو ما يتلاءم مع الاستفهام التحضيضي الذي صدرت به الآية .
أتخشونهم : استفهام إنكاري ، فيه معنى العتاب ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالله أحق أن تخشوه ، فعطفها على ما تقدم بمنزلة الإبطال له ، إذ خشية الله ، عز وجل ، مبطلة لخشية من سواه إلا إن كانت الخشية فيه ، فتعظيم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والخشية من مخالفة أمره ، مما يحمد صاحبه إذ ما فعله إلا خشية من الله ، عز وجل ، فخشية المرسَل فرع عن خشية مرسِله ، وفي التنزيل : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وبين : "أتخشونهم" ، و : "أن تخشوه" : جناس اشتقاقي فمادتهما واحدة ، وذلك مما يزيد المعنى بيانا .
والإتيان بفعل الخشية في صورة المصدر المؤول من : "أن" وما دخلت عليه مئنة من الدوام والاستمرار ، فذلك مما يحمد به العبد ، إذ مراقبة الباري ، عز وجل ، واجبة في كل حال ، في : السر والعلن ، في الليل والنهار ، في السراء والضراء .............. إلخ ، فلا يخلو المكلف في كل أحواله من عبادة أو ذكر ، فــ : للطعام ذكر ، وللنوم ذكر ، وللنكاح ذكر ............... إلخ . ومثله في التنزيل : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ، فاستحضار معنى الصيام طوال نهاره ، مما يحمد فاعله ، إذ هو أدعى إلى اجتناب ما يبطله أو يخدشه .
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ : شرط سيق مساق الإلهاب الذي اطرد في هذه الآية ، على وزان : إن كنت رجلا فافعل ، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا) ، فليس للشرط في مثل هذا السياق مفهوم ، ليقال : وإن لم تكونوا مؤمنين فلا حرج عليكم ألا تقاتلوهم ، أو : إن لم تستطع ألا يرينها منك أحد ، فلا جناح عليك في ترك الستر .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
09-03-2009, 09:21 AM
ومن قوله تعالى : (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
فــ : "قاتلوهم" : أمر سيق مساق الوجوب بقرينة ما تقدم من نكث الأيمان .
وفي السياق إيجاز بالحذف انتقالا إلى محط الفائدة التي يتلهف المخاطب في معرض الأمر إليها ، فكل مأمور متلهف إلى معرفة جزائه إن امتثل ، فحذف الشرط المقدر الذي جزم جواب الأمر فيه ، وقد يقال من جهة أخرى : لا حذف إذ الأصل عدمه ، وقد اطرد في كلام العرب جزم المضارع في جواب الأمر .
ثم أطنب في بيان الثواب حملا لنفوس المخاطبين على الامتثال ، ففي القتال من المصالح :
تعذيب الكافرين عدلا ، وخصت الأيدي بالذكر ، وإن لم تكن آلة القتال الوحيدة : تغليبا ، فالعراك مظنة استعمال الأيدي طلبا ودفعا .
وخزيهم : وهو فرع عن قهرهم بالسلاح .
وفي مقابل ذلك : وينصركم عليهم ويشفي صدوركم بإذهاب غيظها ، فعطف إذهاب الغيظ على شفاء الصدور عطف سب على مسببه ، فشفاء الصدور ، كما تقدم ، يكون بإذهاب غيظها ، أو يقال بأنه من عطف اللازم على ملزومه فإذهاب الغيظ لازم شفاء الصدور .
وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة تنبيها على المعنى الذي علقت عليه تلك المصالح ، وهو الإيمان .
ويتوب : استئناف ، إذ ما بعده لا يتعلق بما قبله ، فما قبله في حق المؤمنين ، وما بعده في حق الكافرين فلن يخلو الأمر من مصلحة للكافرين ، فإن منهم من يكون قهره بالسلاح ووقوعه في الأسر سببا في هدايته ، على وزان حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ("كنتم خير أمة أخرجت للناس" ، قال : كنتم خير الناس للناس ، تجيئون بهم في السلاسل ، تدخلونهم في الإسلام) .
وليس في ذلك مظنة إكراه ، إذ إكراه الأسير على الإسلام غير مشروع إجماعا ، وإنما يكون الأسر ، كما تقدم ، سببا في إسلامه ، وتلك من حسنات الرق في دين الإسلام ، إذ فيه نوع استصلاح للأسير ، فيرى من دين المسلمين وأخلاقهم ما ينير بصيرته ، ويذهب شبهات المبطلين من أعداء الملة الذين ملئوا قلبه غلا لدين الإرهابيين وكتابهم الذي يحض على الإرهاب والتطرف !!!! .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
11-03-2009, 09:08 AM
ومن قوله تعالى : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)
قاتلوا : أمر بجهاد الطلب لما توافرت أسبابه ، فبلغ المسلمون من القوة الدينية والدنيوية ما يؤهلهم لحمل الرسالة إلى بقية الأمم ، واقتضت سنة التدافع الكونية بوقوع الصدام الحتمي بين الحق والباطل ، فلن يرضى رؤساء الباطل أن يصل الحق إلى الأتباع طواعية إذ في ذلك زوال رياساتهم .
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ : إطناب في بيان إجمال الموصول : "الذين" إذ تعلق الحكم بالأوصاف التي اشتقت منها جملة صلته وما عطف عليها ، وكرر النفي مع كل وصف إمعانا في التوكيد ، وتلك أوصاف تفيد بمنطوقها وجوب قتال من قامت به ، وبمفهومها وجوب الكف عمن لم تقم به ، ولا يكون ذلك إلى بالإسلام أو دفع الجزية حال الصغار .
وقد استوعبت الأوصاف أوجه الفساد : العلمي ، والعملي ، ثم جاء الوصف الأخير جامعا لهما ، فدين الحق : عقيدة وشريعة ، أخبار وأحكام ، علم وعمل .
فإن قيل : أهل الكتاب مؤمنون بالله ، إذ ليسوا كبقية الأمم ذات الآلهة الأرضية ، فهم أصحاب شريعة سماوية ، وإن بدلوا فيها ما بدلوا ، فالجواب : أنهم حرفوا الرسالة : أخبارا وأحكاما ، فمقالتهم في الإلهيات من أفسد المقالات ، فصح نفي الإيمان بالله ، عنهم ، وإن أقروا باللفظ الدال على ذاته القدسية المتصفة بصفات الكمال الإلهية : "الله" ، إذ ليس "الله" ، عز وجل ، هو من اعتقدوه إلها ، ولفظ : "الله" كما يقول أحد الفضلاء المعاصرين : لفظ مشترك في جميع اللغات إذ لا تنفك أمة عن إله تعبده ، ولا يلزم من ذلك الاشتراك اللفظي : الاشتراك في المعنى ، فلا يلزم من الاشتراك في الاسم : الاشتراك في المسمى ، بل لفظ : "الله" عند المسلمين دال على مسمى لا يدل عليه لفظ : "الله" عند النصارى أو اليهود أو ........... إلخ من أمم الأرض ، فــ : "الله" : عز وجل ، عند المسلمين : إله كامل قد اتصف بصفات الكمال المطلق أزلا وأبدا ، و "الله" : عند النصارى قد اتصف بصفات نقص مطلق التزموها بل قرروها في أمانتهم ، وهي أوصاف ، كما تقدم في أكثر من مناسبة ، تغني حكايتها عن إبطالها ، فهي أظهر من أن ينقدها ناقد ، فلا يرضاها إلا من ختم الله ، عز وجل ، على قلبه وبصيرته ، فإنه لا يرى فسادها المناقض لصحائح المنقول من الرسالات وصرائح المعقول من البينات ، وهكذا بتتبع آلهة بقية الأمم تظهر مزية مقالة المسلمين في هذا الباب فهي مقالة مستندها الوحي المعصوم ابتداء المحفوظ انتهاء وليس ذلك لأحد سوانا .
وهذا ضابط في الحكم على أي قول سواء أكان في العلم أو العمل ، إذ لا يكفي الوقوف عند مبناه اللفظي دون النظر في معناه ، فالمتكلم قد يريد باللفظ ما لا يريده المخاطب ، واعتبر بألفاظ من قبيل : "الإرهاب" و "التطرف" ........... إلخ التي يتشدق بها الغرب فيتذرع بها لغزو الشرق المسلم ، فإن حد الإرهاب في قاموسه الفكري ليس حده بالتأكيد في قاموس المسلمين الفكري ، إذ لا يعني بتلك الألفاظ المنفرة إلا حرب دين الإسلام نفسه ، لا حرب مظاهر الغلو والتطرف فيه ، وإنما تلك الحجة الظاهرة لستر النية الباطنة .
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ : "من" جنسية بيانية .
و : "أل" في "الكتاب" عهدية : فالمراد الكتابان الأولان : التوراة والإنجيل .
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ : غاية القتال ، فتفيد بمفهومها وجوب نصب القتال ما امتنعوا عن دفع الجزية ، وفي السياق إيجاز بحذف المفعول الأول ، إذ دل السياق عليه ، فتقدير الكلام : حتى يعطوكم ، وقد دلت النصوص الأخرى من قبيل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) ، على الغاية الأخرى فإما الإسلام ، وإما الجزية ، وإما السيف ، ولو كان المراد مجرد القتل والسلب ، ما كان لغاية الإسلام فائدة ، فإن الإسلام يحقن الدم ويعصم المال ، فلا يزال الملاك عن أراضيهم ، بل لا يزال الملوك عن عروشهم إذا ارتضوا الإسلام دينا ، فحكموا به أممهم ، وكانت تلك سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع من أسلم من الملوك ورؤساء القبائل والعشائر ، فلم يكن يولي عليهم إلا من ارتضوه منهم .
ولو كان القتل والسلب غاية ما كان للجزية فائدة فهي لا ترد طامعا ، إذ ليست كمكوس الروم وفارس التي ضربوها على الزراع ، الذين عرفوا صدق الرسالة من أخلاق الفاتحين ، فكان إسلام أحدهم أحب إليهم من ماله وأرضه ، وقد استاء خالد ، رضي الله عنه ، من أهل الحيرة لما اختاروا الجزية على الإسلام فقال : "تبا لكم ، إن الكفر فلاة مضلة ، فأحمق العرب من سلكها" ، ولما فتحت دمشق : عنوة من جهة ، وصلحا من جهة أخرى ، أجروها صلحا ، وقياس المصلحة الدنيوية العاجلة : جعلها عنوة ليغنمها الغزاة كاملة ، أو على أقل تقدير : جعل النصف منها عنوة لئلا تضيع جهود المقتحمين ، وليست تلك بأخلاق لصوص طامعين ، وإنما تلك أخلاق غزاة فاتحين . والأمثلة على ذلك أكثر من أن تسرد في هذه العجالة .

وسيف الإسلام كان سيف رحمة باعتراف كل منصف من أبناء البلاد المفتوحة ، أزاح عن كواهل أهل الشام ومصر عبء قيصر ، وأزاح عن كواهل أهل العراق وفارس عبء كسرى ، ولم تعرف بلاد كمصر معنى الحرية الدينية التي يتشدق بها الغرب اليوم إلا على يد عمرو ، رضي الله عنه ، فتخلص نصارى مصر الأرثوذكس من طغيان الروم الكاثوليك ، فانشرحت الصدور لدين التوحيد ، فنبذ جل أهلها ديانة التثليث ، وتلك صورة جديدة من صور فتح البلاد والقلوب بسيوف الحق الهادية ، فكتاب هاد يبصر ، وحديد ماضٍ ينصر ، مصداق قوله تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
12-03-2009, 09:01 AM
من المشاركة السابقة : "لا حرب مظاهر الغلو والتطرف فيه" . اهـــ
الأصح أن يقال : حرب مظاهر الغلو والتطرف في سلوك بعض المسلمين إذ ليس في الإسلام الصحيح النقي من البدع الذي بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تطرف أصلا .

ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)

يا أيها : نداء للبعيد مئنة من علو منزلة المخاطِب واسترعاء لانتباه المخاطَب .
الذين آمنوا : تعليق للحكم على وصف الإيمان الذي اشتقت منه الصلة .
قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ : جهاد طلب لا يقوم به آحاد المكلفين ، وإلا فهم منه وجوب قتال كل مسلم من جاوره من أهل الذمة !! .
و : "من" : لبيان الجنس ، فليس المراد نوعا بعينه من الكفار ، وإنما المراد جنس الكفار ، وفي ذلك ترجيح لمذهب أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله ، في علة قتال الكفار ، فليست علة قتالهم : اعتداؤهم على المسلمين ، فإنهم قد لا يعتدون ، وإن كان ذلك نادرا ، فالسنة الكونية ، كما تقدم ، جارية بوقوع الصدام بين الحق والباطل ، فلو هادن أهل الحق ، لتجرأ أهل الباطل فعقدوا ألوية غزو المسلمين في دورهم كما هو واقع الآن ، وإنما علة قتالهم : وصف الكفر ، فذلك مما شرع لأجله قتالهم قتال طلب إن وجد المسلمون في أنفسهم قوة ، إظهارا لشعار الدين ، وتبليغا لرسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً : أي شدة في القتال ، ونكرها : تعظيما ، فإن القتال من مواطن : الجلال التي يحسن فيها إظهار الشدة ، فلا يحسن فيها إظهار اللين ، إذ اللين بمواضع الجمال أليق ، ولكل مقام مقال ، فلجهاد الكلمة ما يناسبه من جمال القول ، ولجهاد السيف ما يناسبه من جلال الفعل .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ : إن قصد بهم المخاطبون ، فهو إظهار في موضع الإضمار تنبيها على الوصف الذي استحقوا به معية الله ، عز وجل ، الخاصة : معية النصرة والتأييد ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، فالقياس في غير القرآن على توجه الخطاب إليهم : واعلموا أن الله معكم .
وإن قصد به جنس المتقين ، فالأمر ظاهر ، إذ علق الباري ، عز وجل ، حكم معيته الخاصة على وصف التقوى الذي اشتق منه اسم الفاعل : "المتقين" ، فأفاد بمنطوقه : ثبوتها لمن اتقى ، وبمفهومه : انتفاءها عمن لم يتق ، فالأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
16-03-2009, 08:05 AM
ومن قوله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)
أذن : شرعا ، وقد حذف الفاعل للعلم به فلا يأذن في الشرعيات إلا رب البريات جل وعلا .
للذين يقاتلون : علة الإذن مشتقة من صلة الموصول .
وفي السياق إيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه ، فتقدير الكلام : أذن لهم في القتال فرعا عن قتال الكفار لهم ، فبين العلة المذكورة والمعلول المقدر : جناس اشتقاقي يزيد المعنى بيانا ، فقتال مقابل قتال .
بأنهم ظلموا : لأنهم ظلموا ، فأشربت الباء معنى السببية .
وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ : تذييل معنوي يلائم السياق ، فالقتال مظنة طلب النصرة من الرب ، جل وعلا ، إذ النصرة لا تكون إلا من قدير .

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
بيان لأحوال المقاتلين ، فقد أخرجوا من ديارهم لا لشيء ، وإنما كان ذنبهم : أنهم آمنوا بالله ، عز وجل ، ففي الكلام إيراد للمدح في صورة الذم على طريقة : فلان ما فيه عيب إلا أنه كريم .
وجيء بالمصدر مؤولا من : "أن" وما دخلت عليه توكيدا على علة إخراجهم فهو آكد من جهة الدلالة المعنوية من المصدر الصريح .
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا : بيان لسنة التدافع بين الحق والباطل ، وهي سنة كونية جارية . وخصت المساجد بوصف : "يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" ، إذ الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور تشريفا لها ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله ، لا سيما بعد نسخ شريعة اليهودية ذات الصلوات وشريعة النصرانية ذات البيع والصوامع .
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ : توكيد بقسم محذوف دلت عليه اللام الموطئة فضلا عن دخول نون التوكيد المثقلة ، وعلق الحكم على وصف النصرة على جهة المقابلة ، فمن نصر الله نصره الله ، ومن خذل الله خذله الله ، فالقسم حاض بمنطوقه على نصرة الحق وأهله ، زاجر بمفهومه عن خذلان الحق وأهله ، فهو أحد صور قياس الطرد والعكس في الكتاب العزيز ، والحكم عام لا يتعلق بشخص بعينه ، ولذلك علق على : "من" الموصولة وهي نص في العموم .
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ : تذييل معنوي يلائم السياق ، فالنصرة لا تكون إلى من قوي عزيز لا يغلب ولا يقهر . ومن أحق من الرب ، جل وعلا ، بذلك الوصف الأحمد .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
19-03-2009, 07:40 AM
ومن قوله تعالى : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم :
طباق بالسلب ، يبين حقيقة عقيدة أهل الإسلام في القضاء والقدر ، فلم تقتلوهم كونا ، وإن باشرتم سبب ذلك شرعا ، برميهم ، فإن السبب ، وإن كان مؤثرا في وقوع المسبب ، إلا أن تأثيره لا يكون إلا بعد إذن الله ، عز وجل ، الكوني ، بنفاذه ، فلا بد له من شروط يستوفيها وموانع تنتفي ، وفي ذلك من الحث على بذل الأسباب في القتال دون الركون إليها ما فيه ، فيعد المجاهد عدته ، ويستفرغ وسعه وطاقته ، فيمتثل أمر الشرع ، والله ، عز وجل ، هو الذي يجري النصر فضلا ، أو الهزيمة عدلا .
وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى : طباق آخر بالسلب يزيد المعنى المتقدم بيانا ، فهو بمنزلة التكرار المؤكد ، فما رميت : رمي الإصابة ، فذلك لا يكون إلا بإذن الله الكوني النافذ ، إذ رميت : باذلا وسعك ممتثلا الأمر الشرعي بقتالهم ، ولكن الله رمى : فيسر الأسباب ونفى الموانع ، فأصاب رميك من العدو مقتله ، فالرمي الكوني لا يعارض الرمي الشرعي ، إذ رميت شرعا أولا ، فرمى الله ، عز وجل ، لك كونا ثانيا ، وتلك عقيدة أهل الإسلام : أخذ بالأسباب الشرعية مع تمام التوكل على مجري الأسباب الكونية .

وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا : أي نعمة ، فالبلاء على ذلك من المتضادات إذ يدل على النعمة والنقمة معا ، والسياق الذي يرد فيه اللفظ هو الذي يعين المعنى المراد ، والسياق هنا : سياق امتنان على المؤمنين يشهد لمعنى النعمة ، فضلا عن وصف البلاء بالحسن ، فتلك قرينة لفظية تقطع بإرادة معنى النعمة ، وتعليق البلاء الحسن على وصف الإيمان الذي اشتق منه وصف : "المؤمنين" مئنة من الحض على التزام ذلك الوصف لينال صاحبه تلك النعمة الربانية السابغة .

والله سميع عليم : تذييل معنوي يناسب السياق إذ سمع الله ، عز وجل ، دعاؤهم في أرض المعركة ، وعلم صدق ما في قلوبهم ، فرمى لهم ، فكان نصر بدر الذي جرت بذكره الركبان .

والله أعلى وأعلم .

محب البيان
20-03-2009, 03:13 PM
جزاك الله عنا كل خير ...... وزادك من علمه وفضله ونفع بك المسلمين ،،

مهاجر
22-03-2009, 08:15 AM
وجزاك خيرا أخي محب ، وبارك فيك ، ونفعك ونفع بك ، وزودك من التقوى والعلم والفضل والأدب زادا لا ينفد ، وعذرا على التأخر في الرد .

ومن قوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)
توكيد في مقام الوعد ، تعلق من جهة الفاعلية ، بالرب ، جل وعلا ، إذ مقام الربوبية في الآية ظاهر من جهة : الابتلاء الكوني بالإخراج من الديار والأموال ، وبمشقة الجهاد ، وهي غير مرادة لذاتها ، وإنما لزمت القتال لزوم المشقة أي تكليف ، فلا يخلو التكليف من مشقة ، وإن دقت ، وذلك ، أيضا ، من السنن الكونية المتعلقة بربوبية الله ، عز وجل ، الذي قضى بحكمه الكوني النافذ بتلازم الفعل والمشقة .
ومن جهة : الوعد بالمغفرة والرحمة ، فذلك لا يكون إلا من الرب الذي بيده مقاليد الكون : تدبيرا وتصريفا ، يغفر لمن يشاء فضلا ويعذب من يشاء عدلا .
لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا :
تعلق آخر للوعد من جهة فعل العباد ، فالتعلق الأول من جهة فعل رب العباد ، فعلق الحكم على الأوصاف التي اشتقت منها الصلة ومتبوعاتها : الهجرة والجهاد والصبر ، وعطف الصبر على الجهاد : عطف متلازمين فلا يكون جهاد إلا بصبر ، بل لا تكون طاعة مطلقا إلا بصبر ، وإنما نص على الصبر هنا ، لكونه أظهر في تلك العبادة الشاقة من بقية العبادات .
تماما كما نص على الاستطاعة في عبادة الحج في قوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) ، إذ هي في الحج تزيد عن الاستطاعة التي تجب لكل عبادة ، فقد فسرت في أحاديث لا تخلو أسانيدها من مقال بالزاد والراحلة ، وذلك قدر زائد عن الاستطاعة التي يتعلق بها التكليف ببقية العبادات .
إن ربك : إطناب بالتكرار توكيدا ، ولطول الفصل على وزان :
لقد علم الحي اليمانون أنني ******* إذا قلت أما بعد أني خطيبها.
لغفور رحيم : توكيد باللام في خبر الناسخ المؤكد ، والتذييل بصفتي المغفرة والرحمة الخاصة : الرحمة بالمؤمنين : رحمة : "الرحيم" : فيه من التناسب بينهما ، إذ كلاهما لا يكون إلا بالمؤمنين ، بخلاف الرحمة العامة : رحمة : "الرحمن" فهي بالغة المؤمن والكافر ، فضلا عن التناسب مع بقية الآية ، إذ الوعد بهما مقابل ما لقيه المؤمنون من ابتلاء يحمل المكلف على الصبر ، بل الرضا ، طمعا في عطاء المغفرة والرحمة ، وذلك عطاء تفرد به الرب جل وعلا ، فلا يكون لملك مقرب أو نبي مرسل .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
23-03-2009, 08:08 AM
ومن قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)
وقاتلوا : أمر يفيد الوجوب على بابه ، وقد علق الحكم على وصف الإشراك بالله ، عز وجل ، وهو شاهد لمذهب الشافعي ، رحمه الله ، بأن علة قتال المشركين : الشرك ، لا اعتداؤهم على المسلمين ابتداء ، فيجب على المسلمين متى ما توفرت لديهم أسباب جهاد الطلب أن يقاتلوا المشركين فلا يقبلوا إلا الإسلام أو الجزية عن يد صاغرة أو السيف ، وسبقت الإشارة إلى ذلك في مداخلة سابقة على نفس النافذة .


كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً : مشاكلة في اللفظ والمعنى فكما يقاتلونكم كافة فالواجب عليكم قتالهم كافة ، فإن السنة الكونية جارية بحتمية الصدام بين الحق والباطل ، وإن تهادنا حينا ، فكما قاتلوكم ويقاتلونكم وسيقاتلونكم على قلب رجل واحد ، وإن اختلفت مللهم ونحلهم ، فالواجب عليكم قتالهم أيضا مجتمعين على قلب رجل واحد .

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ : توكيد بـــ : "إن" وما دخلت عليه ، فقد سدت مسد مفعولي : "اعلموا" ، في مقام النصرة والتأييد يناسب السياق ، فهو أبلغ من قولك في غير القرآن : واعلموا كينونة معية الله ، عز وجل ، المعية الخاصة مع عباده المتقين ، في قتالهم المشركين كائنةً ، والتذييل المعنوي بتلك المعية الخاصة : معية النصرة والتأييد ، مما يلائم السياق كما تقدم ، إذ المقاتل بحاجة إلى معونة الرب القاهر ، جل وعلا ، فإن الله ، عز وجل ، ناصر عباده الموحدين على أعدائهم من المشركين بصفات جلاله القاهرة ، فلا يؤيد بنصره إلا من حقق وصف التقوى الذي علق عليه حكم المعية ، وفي الآية : إظهار في موضع الإضمار ، إذ القياس في غير التنزيل : واعلموا أن الله معكم ، ولكنه عدل عن الإضمار إلى الإظهار بمشتق : "المتقين" ، بيانا لتعلق الحكم بالوصف الذي اشتق منه ، وهو وصف التقوى ، كما تقدم ، وذلك ، كما تقرر في الأصول ، قائم مقام التعليل للحكم ، إذ علق على وصف بعينه ، فلزم أن يكون ذلك الوصف مناطه ، وإلا كان الكلام معيبا ، وذلك مما يتنزه عنه الرب جل وعلا .

والكلام ترغيب بمنطوقه فالله ، عز وجل ، ناصر المتقين ، ترهيب بمفهومه فهو خاذل الفجار المارقين ، ففيه من الطرد والعكس ما اطرد في آي الكتاب العزيز ، فمن اتصف بالتقوى اطردت معية النصرة الخاصة في حقه ، ومن اتصف بضدها اطرد ضدها من الخذلان في حقه ، وكل ميسر لما خلق له .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
24-03-2009, 07:58 AM
ومن قوله تعالى : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)
جاء المبتدأ على صيغة الموصول مئنة من تعلق حكم الخبر على الوصف الذي اشتقت منه جملة الصلة ، وهو : "الجهاد" ، كما تقرر مرارا ، وفيه بيان بعد إجمال يسترعي انتباه السامع ، وهو أعم من جهة المعنى من القتال ، فكل قتال في سبيل الله ، جهاد ، ولا عكس ، وإن كان الجهاد بالمال والنفس من آكد أنواع الجهاد ، حتى صار هو المتبادر إلى الذهن عند إطلاق الجهاد حتى ترد قرينة تصرفه إلى غيره ، أو لا تمنع دخول غيره معه ، كما هو الحال في هذه الآية ، إذ السياق لا يمنع دخول كل صور الجهاد في سبيل الله ، في حكم الآية من جهاد النفس بطلب العلم الشرعي والعمل به وتعليمه ، وجهاد الغير بالصبر على أذاهم حال نشر الحق وتعليم الخير ، فإن شياطين الإنس لن يدعوا داعيا إلى الحق دون أن يناله من أذاهم ما يناله ، سنة كونية جارية ، مصداق قوله تعالى : (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، وذلك من آكد المواضع التي ينبغي سؤال الله ، عز وجل ، فيها العافية في الأديان والأبدان .
فِينَا : مجاز بالحذف عند من يقول بالمجاز ، أو إيجاز بالحذف إذ تقدير الكلام : في سبيلنا ، ومنكر المجاز يرى ذلك تكلفا إذ قد أبان السياق عن المراد بداهة .
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا : توكيد الحكم بإيراده جملة قسمية إنشائية ، على مذهب من يجوز وقوع الخبر قسما ، والمقام مقام : تثبيت للمجاهدين ليلزموا الصبر على مشقة الجهاد ، فناسب أن يؤكد بالقسم الذي دلت عليه اللام الموطئة في : "لنهدينهم" ، فضلا عن دخول نون التوكيد المثقلة عليه ، ومن يمنع وقوع الخبر قسما ، لا يماري فيما أورد من مؤكدات ، ولكنه يقدر محذوفا يصح وقوعه خبرا قولا واحدا ، فتصير المسألة عنده من مجاز الحذف ، أيضا ، بتقدير ما يلائم السياق على مذهبه ، نحو : والذين جاهدوا فينا مقول فيهم : لنهدينهم سبلنا .
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ : معية نصرة وتأييد ، وردت في سياق مؤكد بــ : "إن" واللام المزحلقة في خبر الناسخ المؤكد معلقة على وصف الإحسان ، الذي أظهر في موضع الإضمار عناية بشأنه ، كما تقدم ، في المداخلة السابقة ، في قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
25-03-2009, 08:08 AM
ومن قوله تعالى : (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ)
حذف الفاعل للعلم به فإن الآيات الشرعيات لا ينزلها إلا رب البريات جل وعلا ، والآيات الكونيات لا تجري إلا بكلماته التكوينيات النافذات ، فهو مدبر الكون مقرر الشرع تبارك وتعالى .
و : "أن" : تفسيرية ، إذ مجمل ما قبلها قد فسره ما بعدها ، فالآية الشرعية قد نزلت بالتكليف الإلهي فرعا عن التدبير الرباني ، فإن من له ملك هذا الكون ، وفيه تنفذ أحكامه القدرية ، هو الذي يقرر ما شاء من الشرائع الحكمية ، لتحفظ بها الأديان ، وتساس بها الأبدان .
آمنوا بالله : أمر على بابه يفيد الوجوب والتكرار المستغرق لحياة المكلف بقرينة تعلق النجاة بامتثاله ، فلا ينفك العبد عن تحصيل أسبابه ، بتصديق الأخبار وامتثال الأحكام .
وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ : عطف خاص على عام تنويها بذكره ، وهو في نفس الوقت من التلازم بمكان ، إذ لا ينفك الإيمان عن جهاد في سبيل نصرته ، وإعلاء كلمته ، ولا يكون ذلك إلا مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حال حياته ، وعلى سنته بعد وفاته ، فالمعية : معية لذاته الشريفة حال حياته ، ومعية لشرعه بعد وفاته ، نصرة لدينه ، وذبا عن عرضه ، فبذلك يكون علو الذكر ، فلكل مجاهد في سبيل نشر دينه وتقرير شرعه نصيب من قوله تعالى : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ، كما ذكر ذلك المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام رحمه الله .
وأما المنافقون فلهم ضد ذلك من خمول الذكر ، وسوء المنقلب في الأولى والآخرة ، فمع سعتهم وقدرتهم : (قَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) ، وقد حذف متعلق الاستئذان ، لدلالة العطف التفسيري بــ : "و" عليه ، إذ تقدير الكلام : استأذنوك في القعود ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، فلما وردت مادة القعود في الجملة المفسرة : "قَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ" ، دل المتأخر على المتقدم ، فحذف إيجازا ، والحذف بالإيجاز مئنة من بلاغة المتكلم كما قد علم من كلام البلاغيين .
وفي السياق حذف آخر ، إذ حذف الشرط الذي جزم الفعل : "نكن" في جوابه ، انتقالا إلى مرادهم ، وفي ذلك تعريض بهم لظهور تعجلهم في الطلب ، وما أخسه من طلب ، فالنفوس قد ارتضت المهانة بالكينونة مع النساء والذريات وأصحاب الأعذار والحاجات .

والله أعلى وأعلم .

تلميذه
25-03-2009, 10:38 AM
ما شاء الله

خطاب وإعراب ..

سآتي هنا كثيراً

مهاجر
26-03-2009, 08:17 AM
جزاك الله خيرا على المرور والتعليق ، ونفعك ونفع بك ، ويسر لك أمر الدين والدنيا .

ومن قوله تعالى : (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ)

ففيه إطناب في ذمهم بإيراد وصف السوء الذي قام بهم ، إذ رضوا بالكينونة مع الخوالف ، وهن النساء الجالسات في الخيام ، وإنما أطلق عليهم ذلك من باب المجاز ، عند من يقول به ، فالعرب ، قد سمت الخيام باسم الخوالف ، وهي الأوتاد التي تقوم عليها ، ففيه مجاز الجزئية ، إذ أطلق الجزء وأراد الكل ، وإنما خص الوتد بذلك ، لكونه عند التحقيق ، الجزء الذي يقوم به الكل ، فنزل منزلته ، ومن ثم أطلقت الخوالف على ساكنيها ، من باب المجاز المرسل الذي علاقته المحلية ، إذ أطلق المحل وأراد الحال فيه ، كما سمت العرب المرأة بالظعينة ، فأطلقت المحل ، وهو الهودج ، وأرادت الحال فيه . ففي الكلام على هذا القول : مجاز بعد مجاز .
ومنكر المجاز يرد الأمر إلى استعمال العرب للكلمة لا لأصل وضعها ، فقد صار إطلاق الخوالف على النساء مشتهرا ، فلو سلم بأنه مجاز ، فهو مجاز مشتهر نزل منزلة الحقيقة العرفية المتداولة وهي مقدمة بالإجماع على الحقيقة اللغوية ، فآل الأمر إلى تعارض بين حقيقتين قدم أشهرهما وأكثرهما جريانا على لسان العرب ، وطالما اشتهر اللفظ وجرت به الألسنة ، فهو حقيقة إذ يتبادر منه معنى تدركه الأذهان ابتداء دون تكلف المجاز بعلاقاته المتشعبة وقرائنه العقلية .

وهذه محاججة مطردة بين الفريقين في كل موضع يقع الخلاف في وقوع المجاز فيه من عدمه .

وهذا ، أيضا ، من المواضع التي تصلح لأن تكون مثالا على الألفاظ التي استعملها العرب لغير ما وضعت له ، على التسليم بالوضع الأول ، حتى هجرت الحقيقة فلا يكاد يعرفها أحد ، واشتهر المجاز ، فنزل ، كما تقدم ، منزلة الحقيقة العرفية العامة التي يعرفها أكثر المتكلمين بلغة الضاد .

ومن الأمثلة الأخرى على ذلك :

لفظ المراء : فقد نقل من مراء الحالب اللبن من الضرع ، أي استخراجه إلى المراء في الجدال لأن المماري يحتال لاستخراج ما عند صاحبه ، فالمعنى الأصلي مهجور والمعنى الفرعي هو المشهور .

والعذل : فقد نقل من الإحراق إلى اللوم ، وكأن فيه استعارة الإحراق الحسي للإحراق المعنوي .

والإملاء : وهو يكون للدابة بإرخاء القيد ، كما ذكر صاحب اللسان ، رحمه الله ، فنقل إلى إرخاء الأجل للكافرين استدراجا في نحو قوله تعالى : (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) ، فكأن فيه ، أيضا ، استعارة الإرخاء الحسي للإرخاء المعنوي .

والغائط : وأصله المكان المنخفض ، ثم صار يطلق على الخارج لأن العرب كانت ترتاد الأماكن المنخفضة لقضاء حوائجها .

والعذرة : وأصلها فناء الدار ، لأن العرب كانت تلقي المخلفات فيها ، فصارت مجازا مشتهرا على الخارج وكاد الوضع الأول أن يندثر .

والمسألة تستحق إفرادها بالجمع والتحرير ، ومن مظانها مبحث : الحقيقة والمجاز ، لا سيما الحقيقة العرفية والمجاز المشتهر في كتب البلاغة وأصول الفقه .

وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ : كونا ، فالله ، عز وجل ، أراد منهم الإيمان شرعا ، ولكنه طبع على قلوبهم فحرمهم الهدى كونا ، فحصل لهم من البيان الشرعي ما حصل للمؤمنين ، مع سلامة أبدانهم وصحة آلاتهم ، ولكنهم لم يوقفوا بخلق إرادة الخير في قلوبهم ، فلم يعنهم الله ، عز وجل ، على الطاعة ، كما أعان المؤمنين ، وفي التنزيل : (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) ، فجرى على الكافرين والمنافقين عدله ، وجرى على المؤمنين فضله ، وهو أعلم بحكمته البالغة بالمحال التي تقبل الهدى ، فيضعه في قلوب أوليائه ، ويحرمه قلوب أعدائه ، فيصرف قلوب الأولين على الطاعة بمقتضى كلماته الشرعية ، ويصرف قلوب الآخرين على المعصية بمقتضى كلماته الكونية ، ولا استقلال لكليهما بفعله خلقا ، وإن صح قيامه بهما وصفا ، فالرب : خالق بكلماته التكوينية ، والعبد فاعل بإرادته التأثيرية ، فهي سبب خلقه الله ، عز وجل ، في عبده ، والسبب المخلوق لا يخرج في عمله عن إرادة خالقه ، فلا تخرج إرادة العبد المخلوقة عن إرادة الرب الخالقة .

فالجهة منفكة : جهة الرب خلقا وجهة العبد فعلا .

وفي الكلام : إيجاز بالحذف ، إذ حذف فاعل الطبع للعلم به ، وهو الله ، عز وجل ، على التفصيل المتقدم .
فهم لا يفقهون : في الفاء معنى الفورية والسببية كما اطرد من معانيها ، فمسبَب الطبع الكوني : عدم الفقه الشرعي ، فلا ينتفعون بما يبلغهم من الكلمات الشرعيات ، لانسداد طرق الهدى إلى قلوبهم بموجب الكلمات الكونيات .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
27-03-2009, 08:38 AM
ومن قوله تعالى : (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
استدراك ببيان الضد ، على طريقة القرآن من الجمع بين المتقابلات إمعانا في بيان المتضادات ، فمقابل تخاذلهم الصادر عن نفاقهم : (الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ، ومعيتهم له : معية نصرة وتأييد ، وإن استغنى بنصر الله ، عز وجل ، وتأييده ، عن نصرة وتأييد سواه ، مصداق قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ، فهم معه بالانقياد الباطني ، مشفوعا بالانقياد الظاهري جهادا بالنفس والمال ، فدعواهم الإيمان مشفوعة بجهاد المال والأبدان ، فهو ذروة سنام الملة ، وبه يصان الدين وترتفع ألوية السنة .

وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ : إشارة بالبعيد تشريفا ، فلهم من المنازل أعلاها ، وقدم متعلق الخبر : "لهم" حصرا وتوكيدا ، و : "أل" في الخيرات : جنسية استغراقية لعموم ما دخلت عليه ، فعموم الخيرات كثرة : كيفا وكما ، استفيد منها ، وإن دخلت على جمع مؤنث سالم يفيد بأصل الوضع القلة .
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ : إطناب بتكرار ذكر المسند إليه : "أولئك" في معرض الثناء بالوعد الحسن ، فذلك مظنته ، مع توكيد وصفهم بالفلاح بضمير الفصل : "هم" : ففيه نوع قصر واختصاص ، فهم ، ومن سار على طريقتهم : المفلحون لا غير ، فالعموم مستفاد من المعنى ، وإن تعلق اللفظ بهم ابتداء ، فهم أولى الناس بخطاب المواجهة لأنهم أشد الناس امتثالا لمضمونه ، فلا يمنع ذلك من دخول غيرهم معهم فيه ، إن امتثلوا مضمونه امتثالهم ، أو قريبا من امتثالهم ، إن شئت الدقة ، فهم ذروة سنام طباق الأمة ، فلا مطمع في درك منزلتهم ، ولا مطمح في نيل رتبتهم ، فهم السابقون الأولون ، ومن بعدهم : (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) ، فاتباعهم بإحسان شرط في حصول النجاة ، والمتبعون لهم المقتفون لآثارهم على تفاوت في ذلك لا يعلمه إلا الله ، فمن مقل معرض ومن مستكثر مقبل . والسير على الطريقة المثلى : عطاء من الله ، عز وجل ، يؤتيه من شاء فضلا ويمنعه من شاء عدلا .

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ : إطناب اطرد في سياق الوعد على ما تقدم في الآية السابقة ، وحسن الفصل فلا عاطف لشبه كمال الاتصال بين السياقين ، فكلاهما في بيان ثواب الممدوحين بوصف الصحبة ، والإيمان ، والجهاد بالسيف والسنان وكرائم الأموال ، وفيه دليل على خلق الجنات ، إذ أعدت لساكنيها ، وتزينت لمستحقيها ، فأنهارها جارية ونعيمها خالد لا ينقطع ، وداخلها خالد لا يفنى ولا يبيد ، فلا يلحقه هرم ولا مرض . و : ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وقد أشير إليه بإشارة البعيد على ما اطرد من علو المرتبة الحسية والمعنوية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
28-03-2009, 07:42 AM
ومن قوله تعالى : (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)
نفي تسلط على المصدر الكامن في الفعل ، فالاستئذان المنفي هو الاستئذان في الخروج إلى الجهاد ، فأهل الإيمان لا ينتظرون الإذن في الطاعة بل يبادرون إلى الفعل ، وقال بعض أهل العلم ، كما ذكر أبو السعود ، رحمه الله ، بوقوع الإيجاز بالحذف لدلالة السياق على المحذوف ، فالاستئذان يكون في التخلف والقعود عن الخروج ، فيكون تقدير الكلام : لَا يَسْتَأْذِنُكَ المؤمنون في التخلف والقعود ، فإن ذلك ليس من شيمهم . وذلك بخلاف الاستئذان في نحو قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فهو ممدوح ، إذ المناط مختلف ، فالأولون يستأذنون نكوصا عن الطاعة ، والآخرون يستأذنون من المجلس أدبا ، فلا ينصرفون من تلقاء أنفسهم ، ولو كانت لهم حاجة تقتضي الانصراف ، فلا يكون ذلك إلا بإذن صاحب المجلس صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهذا أكمل ما يكون في الطاعة والانضباط الذي تصلح به أمور الدين والدنيا ، فالصلاة لا ينصرف المصلي منها حتى ينصرف الإمام يمينا أو يسارا ، ومجالس السياسة والحرب لا ينصرف الإنسان منها حتى يأذن القائد .
وعلى التقدير الأول يكون في الكلام حذف ، أيضا ، بتقدير : لا يستأذنك المؤمنون في أن يجاهدوا ، فحذف الجار الذي دخل على المصدر المؤول من : "أن" ومدخولها ، والإتيان به مؤولا لا صريحا ، مطرد في المواضع التي تستلزم التوكيد والتجدد ، إذ دلالة : "إن" عليهما أقوى من دلالة المصدر الصريح ، والجهاد عبادة تتكرر بتكرار دواعيها طلبا أو دفعا .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ : تذييل معنوي يناسب السياق ، فالله ، عز وجل ، عليم بالمتقين الذين صدقت نواياهم فلا يستأذنون في القيام بالطاعة الواجبة ، ولا يتعللون بالحجج الواهيات إيثارا لسلامة عاجلة . وتعلق العلم بوصف التقوى إشارة لطيفة إلى علة الامتثال فإنه لا يبادر به إلا من اتصف بكمال التقوى .
وعلى الجانب الآخر ، وعلى طريقة القرآن المطردة في بيان المتقابلات بإيرادها متعاقبة :
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ : فيقال فيه ، أيضا ، بإيجاز الحذف على تقدير إنما يستأذنك في القعود الذين لا يؤمنون بالآخرة ....... ، فتتحقق صورة المقابلة أو طباق السلب بين الآيتين : فالأولون : يؤمنون إيجابا ، والآخرون : لا يؤمنون سلبا . والأولون : لا يستأذنون في القعود سلبا ، والآخرون : يستأذنون في القعود إيجابا ، فللمؤمنين من أوصاف المدح : الإيجاب ، ومن أوصاف الذم : السلب ، وللآخرين العكس ، وهذا من أبلغ ما يكون في بيان الأمر بضده .

وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ : أي أنفسهم ، فأسند الريبة إلى القلب لكونه محل المعاني والعقود ، فبه تعقد الهمم طاعة أو معصية ، وبه تنفسخ ، فهو مناط التوفيق والخذلان ، فمن شاء الله ، عز وجل ، وفقه إلى عقد الإيمان فضلا ، ومن شاء خذله فانفسخ عقد إيمانه عدلا ، فتصريف القلوب إقامة وإزاغة بين أصبعيه ، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) .
فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ : فمتى فسخ عقد الإيمان زال اليقين وحلت الريبة محله فصاحبها في أمر مريج ، يتردد بين الإرادات المتعارضة ، واعتبر بحال من أعرض عن الوحي في زماننا ، فهو اليوم شيوعي وغدا رأسمالي وبعد غد ليبرالي .......... إلخ ، فيتلون تلون الحرباء تبعا لتغير المصالح والأهواء .

وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ : فلو أرادوا الخروج امتثالا للأمر الشرعي لبذلوا السبب ، فإن الفعل يصدق القول ، والعلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل ، كما أثر عن بعض أهل العلم ، ولكن الله ، كره انبعاثهم لما علم ما في قلوبهم ، فأراد منهم الخروج شرعا ، ولكنه منعهم إياه كونا ، فكرهه إلى نفوسهم بإرادته الكونية النافذة ، لما علم أنهم ليسوا أهلا له ، بل هم أهل للعقاب بالحرمان من الطاعة ، فخذلهم وثبطهم عدلا ،
وقيل : اقعدوا مع القاعدين : فالأمر فيه إهانة لهم ، على وزان :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ******* واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

وحذف الفاعل في : "وقيل" للعلم به ، وقد يقال بأن فيه مزيد إهانة لهم بعدم ذكر اسم الله ، عز وجل ، فحرموا حتى جوار اسمه الكريم ولو في معرض الذم والتوبيخ .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
29-03-2009, 08:47 AM
ومن قوله تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)
استفهام إنكاري توبيخي على طريقة الالتفات من الغائب في الآية السابقة : "فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ" ، إلى المخاطب في قوله تعالى : "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" إمعانا في التوبيخ بتوجهه إليهم مباشرة .
وفي الآية تشبيه فعل : "سِقَايَةَ الْحَاجِّ" ، بعين : "مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ" ، فوجب تقدير مضاف هنا أو هنا ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، فيؤول الكلام إلى : أجعلتم من يسقي كمن يغزو ، أو : أجعلتم فعل السقاية كفعل الجهاد .
آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : عطف الجهاد على الإيمان : عطف خاص على عام ، كما تقدم مرارا ، وأظهر لفظ الجلالة : "الله" في مقام الإضمار لسبق ذكره ، فتقدير الكلام : وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِه ، أظهره على التفصيل السابق تنويها بالجهاد المعتبر بتعظيم سبيله ، فالجهاد وسيلة للنصرة ، وعظمة النصرة من عظمة المنصور ، وعظمة الجهاد من عظمة سبيله ، فلا يستوي من جاهد في سبيل الله ، ومن جاهد في سبيل الحرية والمساواة والإخاء والإنسانية والحب أحيانا ! ......... إلخ .
لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ : فصل لانتقال السياق من الإنشاء بالتوبيخ إلى الإخبار عن حال الفريقين ، وهو لا يخلو مع كونه خبرا محضا من جهة المبنى عن توبيخ بالتعريض من جهة المعنى ، ويقويه في هذا الباب : التعريض بعدم هداية الظالمين ، هداية التوفيق الكونية ، وإن هدوا هداية البيان الشرعية كما تقدم مرارا .
فالتعريض بعدم التسوية بين :
القاعد عن الجهاد مكتفيا بزخرفة المساجد ، كما هو حال كثير من حكام المسلمين اليوم ، فكل ملك وأمير ورئيس يتفنن في بناء مسجد يخلد ذكراه وإن قصر العبودية على الصلاة فيه إن كان يصلي أصلا ! .
والقائم في سبيل الله ، فيه نوع توبيخ للقاعد شفع بتعريض آخر ، أظهر فيه لفظ الجلالة في مقام الإضمار ، مبالغة في الزجر ، فعظم العقوبة من عظم من يوقعها ، وأي عقوبة أعظم من سد منافذ الهداية عن قلوب الظالمين عدلا منه ، عز وجل ، جزاء وفاقا لمن ظلم بتكذيب الشرع أو مخالفة أحكامه .

وفي المقابل وعلى طريقة الكتاب العزيز في التثنية بذكر المتقابلات إمعانا في البيان :
الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ : استئناف ببيان حال الضد فيه إطناب على طريقة العام المشفوع بالخاص ، تنويها بالهجرة والجهاد ، والترتيب بينهما : ترتيب وجودي فالهجرة تسبق الجهاد غالبا كما وقع للصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وفي ذكر محاسنهم تنويه بها وحض على الاتصاف بها ، على طريقة التعريض ، فأولئك هم : أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ، فقدم المسند إليه الذي جاء بصيغة الموصول تنبيها على علية ما اشتقت منه صلته والمعطوف عليها : الإيمان والهجرة والجهاد ، للمسند : "أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" ، وأخر المسند تشويقا إليه ، فإن النفوس لما علمت أوصاف أولئك السادة الممدوحين اشتاقت إلى معرفة جزائهم ، وفي ذلك مزيد حض على امتثال طريقتهم .
وقد أطنب في الجزاء فذكره مجملا : "درجة" ، وأثنى على أصحابه بوصف الفوز محصورا عليهم بدلالة ضمير الفصل : "هم" ، ثم أتبع ذلك ببيان واف :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ :
فالبشرى على حقيقتها بخلاف بشرى المشركين تهكما في نحو قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) .
وأسند البشرى إلى الرب ، جل وعلا ، وخص المبشَرين بوصف الربوبية : تخصيصا في مقام الثناء ، فهو ربهم ورب غيرهم : الربوبية العامة : ربوبية الخلق والتدبير ، ولكنه ربهم هم وحدهم : الربوبية الخاصة : ربوبية الثواب فرعا عن الرضا عنهم والمحبة لهم .

والرحمة منه جل وعلا ، وفي نسبتها إليه تعظيم لشأنها إن كانت صفة ، فعظم الصفة من عظم الموصوف بها ، فأي رحمة أعظم من رحمته ، جل وعلا ؟! .

وتشريف لها لا يخلو من تعظيم ، إن قصد بها الجنة ، الرحمة المخلوقة ، فتكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفا ، ويؤيد معنى العظمة : ورودها منكرة تفيد التقليل ، فقليل الرحمة منه ، جل وعلا ، عظيم ، على وزان :
قليل منك يكفيني و لكن ******* قليلك لا يقال له قليل
وقل مثل ذلك في الرضوان فأقل رضوان منه ، جل وعلا ، هو الفوز المبين ، وأي فوز أعظم من الفوز برضا رب العالمين .
ويؤيد كون الرحمة هي الصفة لا الجنة المخلوقة ، ورود ذكر الجنة بعد ذلك في سياق بيان جزائهم :
وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ : إذ الأصل في الكلام : عدم التكرار ، فلو فسرت الرحمة بالجنة ابتداء ، ثم ثني بذكرها انتهاء ، كان الكلام من باب التوكيد ، بخلاف ما لو فسرت بصفة الجمال الإلهية : الرحمة الخاصة : رحمة الرحيم بعباده المؤمنين وحدهم ، فإن الكلام يكون من باب التأسيس ، وإذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس فحمله على التأسيس أولى ، إذ يفيد معنى جديدا ، وفي ذلك إثراء للسياق بتعدد مدلولاته .
وقدم : "لهم" : حصرا وتوكيدا على ما اطرد في كلام البلاغيين ، واستعار وصف الإقامة للنعيم ، وفيه مزيد بشرى ، إذ نعيم الدنيا مهما عظم مفارَق ، فإما أن يرحل وإما أن يرحل صاحبه ، بخلاف النعيم المقيم ، وأكد على ذلك إمعانا في البشرى : خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا : فهو مقيم لا يفارقهم ، وهم خالدون لا يفارقونه .
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ : تذييل معنوي يناسب ما اطرد في سياق أجر المؤمنين المجاهدين ، وقد استغرق بيان ذلك الأجر آيتين وبضع آية ، وهو لمن اعتبر باعث على امتثال التكليف الإلهي طمعا في الثواب الرباني .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
30-03-2009, 07:52 AM
ومن قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
إن كان آباؤكم : شرط في سياق التهديد وقد استغرق المحبوبات التي تقعد المكلفين عن الجهاد من الأرحام : الآباء والإخوان والزوجات والعشائر ، فقدمها إذ تعلق النفوس بها أعظم من تعلقها بالأموال ، ثم ثنى بالأموال عموما ، وعطف عليها التجارة خصوصا ، إذ التجارة مما يستلزم المتابعة الدائمة التي تستهلك الأوقات والأعصاب كما هو مشاهد من أحوال كثير من التجار فيكاد الواحد منهم يقضي عمره بين دفاتر الأرباح والخسائر ، إلا من رحم الله ، ثم ثلث بالدور ، فهي آخر متعلقات النفس ، فإن كان كل ذلك :
أحب : وفيه شفقة بالمكلفين ، بمراعاة ما جبلوا عليه من حب تلك المتعلقات ، فتكليفهم بالإعراض عنها بالكلية : تكليف بما لا يطاق لم ترد به شريعتنا السمحة .
وفي تقديم المتعلقات السابقة على الخبر : "أحب" : تشويق إذ تعددت أفراد المسند إليه فتطلعت النفس إلى معرفة الحكم الذي أسند إليها في معرض التهديد الذي يستلزم الحذر والترقب .
مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ : فعطفُ ذكرِ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذكر مرسِله ، عز وجل ، كالعطف بينهما في الشهادة ، التي هي ، عند التحقيق ، إيجاز للملة ففيها أقسام التوحيد الثلاثة : فإفراده بالألوهية إنما يكون فرعا عن الشهادة له بكمال الربوبية ، والشهادة له بكمال الربوبية إنما تكون فرعا عن الشهادة له بكمال الذات القدسية والأسماء الحسنى والصفات العلية ، والشهادة لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرسالة داخلة في حد إفراده بالألوهية ، إذ قد بعث عليه الصلاة والسلام ، بالرسالة المتضمنة أحكام التأله له ، عز وجل ، تصديقا لخبره وامتثالا لأمره ، ففيها كل العلوم الإلهية النافعة والأعمال الحكمية الصالحة في العبادات والمعاملات والأخلاق والسياسات .
وهي من جهة أخرى تستوفي القسمة الثنائية للتوحيد : توحيد المرسِل ، وهو الله ، عز وجل ، المحبوب المراد لذاته ، وتوحيد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسير على طريقته وحده في العلم والعمل ، فهي معقد النجاة ، إذ لا رسالة بعد رسالته الخاتمة ، وذلك أعظم ما يتقرب به إلى مرسِله ، فمن أحب الرسول فقد أحب مرسِله ، فتوسل بحب الأول إلى رضا الثاني ، وعلامة المحبة : الاتباع لا محض الدعوى مع الابتداع ، وفي التنزيل : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

وعطف الجهاد عليهما : عطف خاص على عام تنويها بذكره ، فهو مما ندب إليه الوحي المنزل من عند الله ، والسنة الصادرة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل هو الوسيلة إلى نشرهما طلبا ، والذب عنهما دفعا ، فبه تصان الملة ، وترفع ألوية السنة ، وإفراده بالذكر مما يتواءم مع سياق التهديد لمن قعد عن نصرة الدين اشتغالا بعرض الدنيا الزائل .

والضمير في : "سبيله" : عائد على غير أقرب مذكور ، على خلاف الأصل ، فهو عائد على الله ، عز وجل ، وقد يقال بعودته على المذكورين : الله ورسوله من جهة كون الجهاد ، في حقيقته ، إعلاء لمنهاج النبوة ، ومنهاج النبوة عند التحقيق هو سيبل الله المنصور ، وفي التنزيل : (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، فقرن بينهما في سياق الغلبة والظهور .
فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ : أمر يفيد التهديد على وزان قوله تعالى : (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وأبهم المصير : فلم يذكر كنه ذلك الأمر الكوني الآتي إمعانا في الزجر والتهديد ، وأظهر اسم الجلالة في مقام الإضمار تربية للمهابة ، كما اطرد في سياقات التهديد ، وعرض بهم بالنص على عدم هداية الفاسقين ، فأولى لكم ألا توافقوهم لئلا تجري عليكم أحكامهم طردا ، وإنما السلامة أن تخالفوهم فيجري عليكم ضد أحكامهم عكسا ، على ما اطرد في الكتاب العزيز من الطرد والعكس ، فإن الكلام يفيد بمنطوقه : ذم الفاسقين وذم من سار على طريقتهم طردا ، ويفيد بمفهومه : مدح المؤمنين ومدح من سار على طريقتهم طردا ، ولا يكون ذلك بداهة إلا بعدم السير على طريقة الفاسقين عكسا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
02-04-2009, 07:52 AM
ومن قوله تعالى : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ : توكيد بإيراد المصدر النائب عن عامله ، فدلالته في الثبوت المؤكد على وجوب الفعل أقوى من دلالة عامله المحذوف الذي يفيد التجدد بمادته ، فكأن الأمر ثابت بداية فلا مجال للتردد أو المناقشة فيه ، فهو : حتم لازم .
وإلى ذلك أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله :
"{ فَضَرْبَ الرقاب } أصلُه فاضربُوا الرقابَ ضرباً فحُذفَ الفعلُ وقُدِّمَ المصدرُ وأُنيبَ مُنابَهُ مُضافاً إلى المفعولِ ، وفيِه اختصارٌ وتأكيدٌ بليغٌ" . اهــ
ووجه الاختصار فيه أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه في سياق واحد حذرا من التكرار المعيب ، فيكتفى بإيراد أحدهما دالا على نفسه أصالة وعن الآخر نيابة ، فيتحقق التوكيد معنى والاختصار لفظا .
وضرب الرقاب : كناية عن القتل فإنه يكون بغير ضرب الرقاب ، ولكن الأظهر في ذلك الزمان : زمان القتال بالسيف ، حصول القتل بضرب العنق ، فهو أحق أفراد عموم القتل بالذكر ، آنذاك ، ولكل زمان سيفه ، فلا يعني ذكر فرد من أفراد العموم تخصيصه ، وإنما المراد وقوع النكاية بالقتل المشروع بلا تحريق أو مثلة على تفصيل ليس هذا موضعه .


حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ : فيوقع القتل المنكي فيهم أولا ، ثم يتخذ الأسرى منهم ثانيا ، فكنى بذكر الوثاق عن الموثَق به ، إذ لا ينفك الأسير غالبا عن وثاق يقيده .
فالأمر على ذلك للندب ، إذ ليس اتخاذ الأسرى بواجب ، وإنما هو تبع للمصلحة الشرعية التي تتفاوت تبعا لتفاوت الحال ، فيكون اتخاذهم أسرى أحيانا أولى ، ويكون قتلهم أحيانا أخرى أولى ، ولا ينظر في ذلك إلا أولوا الأمر والعلماء الربانيون الذين يملكون آلة الاجتهاد طلبا للمصلحة العظمى إذا تعارضت المصالح ، فالمصلحة في تلك الصورة مترددة بين : قتلهم لإحداث النكاية في العدو ، وإبقائهم للفداء أو المن عليهم إن كان يرجى إسلامهم ......... إلخ .
ولذلك قال : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) ، وفيه إيجاز بحذف العامل وجوبا لدلالة المصدر النائب عنه عليه فلا يجمع بين البدل والمبدل منه كما تقدم .
فتقدير الكلام : فإما تمنون منا وإما تفدون فداء ، فأما : تفريعية لأوجه القسمة العقلية في شأنهم .

ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ : كونا فالله ، عز وجل ، قادر ابتداء على إفنائهم بقدرته الكونية النافذة .
وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ : شرعا فيستخرج بكفر الكافر المراد لغيره : إيمان المؤمن وقيامه إلى جهاد الكافر بالحجة والبرهان والسيف والسنان .......... إلخ من الحكم الشرعية المرادة لذاتها ، فالأمر دائر بين : إرادة كونية نافذة تقع بها الحوادث سواء أكانت طاعات أم معاصٍ ، وإرادة شرعية آمرة لا تتعلق إلا بمحاب الله ، عز وجل ، وقد تقع إن شاء الله ، عز وجل ، ذلك فتكون فضلا في حق الطائع ، فلا يصطفي الله ، عز وجل ، لطاعته ، ومن أعظم صورها : الجهاد ، إلا من تفضل عليه بالهداية وتحمل المشاق طلبا لرضاه ، تبارك وتعالى ، وهو أجل الغايات ، وقد لا تقع ، فتكون عدلا في حق العاصي ، فيخذله الله ، عز وجل ، فيقعد عن الطاعة ، ويقعد عن الجهاد ويركن إلى الدنيا ، كما هو حال أمة الإسلام اليوم .
يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في "مدارج السالكين" :
"وقد أجمع العارفون بالله : أن (التوفيق) هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن (الخذلان) هو أن يخلى بينك وبين نفسك فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له فهو دائر بين توفيقه وخذلانه فإن وفقه فبفضله ورحمته وإن خذله فبعدله وحكمته وهو المحمود على هذا وهذا له أتم حمد وأكمله ولم يمنع العبد شيئا هو له وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله ؟ .
فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه علم شدة ضرورته وحاجته إلى التوفيق في كل نفس وكل لحفظ وطرفة عين وأن إيمانه وتوحيده بيده تعالى لو تخلى عنه طرفة عين لثل عرش توحيده ولخرت سماء إيمانه على الأرض وأن الممسك له هو من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فهجيرى قلبه ودأب لسانه : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) ودعواه : (يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك)" . اهـــ
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ : خبر سيق مساق الشرط في معرض الإلهاب والتهييج على الامتثال .
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ : إطناب في مقام الوعد حضا على امتثال الأمر .
والهداية الشرعية في الدنيا موصلة إلى الهداية في الآخرة بمعرفة منازلهم في الجنة فهم أعرف بها من منازلهم في الدنيا .

وقال بعض أهل العلم : عرفها لهم ، أي : طيبها لهم ، من : "العَرْف" وهو : الريح الطيبة ، ولا إشكال في الجمع بين المعنيين لعدم تعارضهما فقد عرفهم مكانها وعرفها لهم فهي طيبة النشر وذلك من تمام النعيم .

وإلى طرف مما سبق أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله :
"(وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ) : في الدُّنيا بذكرِ أوصافِها بحيثُ اشتاقُوا إليها أو بيَّنها لهم بحيثُ يعلم كلُّ أحدٍ منزلَه ويهتدي إليهِ كأنه كان ساكنَهُ منذُ خُلقَ وعن مقاتل : أنَّ الملكَ الموكلَ بعملهِ في الدُّنيا يمشي بين يديِه فيعرفُه كلَّ شيءٍ أعطاهُ الله تعالى . أو طيَّبها لهم من العَرْفِ وهو طيبُ الرائحةِ ، أو حدَّدها لهم وأفرزَها ، من عَرفُ الدَّارِ فجنةُ كلَ منهم محددةٌ مفرزةٌ" . اهـــــ

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
05-04-2009, 08:11 AM
ثم تطرقت الآيات إلى القانون العام والسنة الربانية المطردة في هذا الباب :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ :
فالشرط قد سيق مساق الإلهاب والتهييج ، كما تقدم ، مرارا ، فله منطوق النصر بتحقق الشرط ، ومفهوم الهزيمة ، كما هو واقعنا اليوم ، بتخلف الشرط ، ففي السياق : جناس ومشاكلة بين النصرتين : نصرة العبد ربه بتصديق وحيه واتباع شرعه ، فيصدق العمل العلم ، ونصرة الرب عبده في ساحات الجهاد كافة ، فليس الأمر مقصورا على ساحة الوغى ، فتلك صورة من صور الجهاد ، ولكل ساحة سلاحها ، فالسنان سلاح الأبدان ، والبرهان سلاح الألباب ، فإن قصرت همتك عن نصرة الحق في ساحة ، فلا أقل من ملء ثغرة في ساحة أخرى ، ولكل طاقته ، ولا يكلف الله ، نفسا ، إلا وسعها ، فالقدرة مناط التكليف ، ومن حيل الشيطان قصر أبواب الخير على أبواب بعينها قد يعجز عنها المكلف ، فيصيبه الغم لفواتها ، فينصرف عن غيرها ، ودين الله ، عز وجل ، يتسع لكل المكلفين ، فمنه ما يلائم القوي ، ومنه ما يلائم الضعيف ، ومنه ما يلائم الشجاع ومنه ما يلائم الجبان ......... إلخ .
وعند الطبراني ، رحمه الله ، من حديث : الْحُسَيْنِ بن عَلِيًّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنِّي جَبَانٌ ، وَإِنِّي ضَعِيفٌ ، قَالَ : "هَلُمَّ إِلَى جِهَادٍ لا شَوْكَةَ فِيهِ ، الْحَجُّ" . اهـــ

وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ : فعطفه على عموم النصرة : عطف خاص على عام ، فتثبيت الأقدام صورة من صور النصرة ، وهو كناية عن التأييد ، فقد تكون القدم أيضا : حسية في موضع القتال بالأبدان ، فلا تمتنع إرادة الحقيقة ، كما تقرر في حد الكناية عند البلاغيين ، فيكون التثبيت للقلب كناية ، وللقدم حقيقة ، وخصت القدم بالذكر لأن بثباتها ثبات بقية البدن ، كما خص القلب بأوصاف الجرأة والشجاعة إذ هو محلها ، وقد تكون القدم : معنوية في موضع الجهاد بالحجة والبرهان ، فقد يكون الحق مع المستدل ، ولكن لسانه يعجز عن إفهامه ، فيخذل الحق ، لا لعيب فيه ، وإنما لعيب في صاحبه ، فالحق بلا حجة ، كالسهم بلا رام ، فمهما بلغ من جودة الصناعة ، فإنه لا أثر له ، ولا نكاية له في العدو إذ لم يصبه أصلا ! ، ومن كلام بعض المفكرين المعاصرين من أهل مصر ممن شهد لهم بالفضل وسطوع الحجة ما معناه : الإسلام قضية رابحة ولكن المحامي فاشل ! ، فيخسر أصحاب الدعوى القضية كما خسرها المسلمون اليوم ، لا لأنهم على باطل ، ولكن لأنهم محامون فاشلون ، لا يصلحون للعمل في مهنة المحاماة ولو : تحت التمرين ! .

وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ :
بيان لحال الطرف الثاني من القسمة الثنائية العقلية : مؤمن وكافر ، على ما اطرد في الكتاب العزيز من الجمع بين المتقابلات زيادة في البيان .
والخبر دعائي ، وهو آكد في النكاية من الخبر الصريح ، على مذهب من يجوز وقوع الإنشاء خبرا ، ومن لا يجوز ، فإنه يقدر محذوفا يلائم السياق ، فتكون الصورة عنده صورة : إيجاز بالحذف ، على تقدير : والذين كفروا مقول فيهم : تعسا لهم ، وأطنب في وعيدهم نكاية فيهم فلهم من الله ، عز وجل ، التعاسة ، جزاء وفاقا ، فهي عقوبة كونية فرعا عن مخالفة الأمر الشرعي ، و : أضل أعمالهم ، وحذف الفاعل للعلم به ، ووقع فعل الإضلال على الأعمال ، وإن كان الضال حقيقة هم أصحابها ، على وزان قوله تعالى : (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) ، وهم الضالون .
وفي هذه الآية دليل على أن الله ، عز وجل ، يهدي من يشاء فضلا ، ويضل من يشاء عدلا ، فإضلاله لهم : حقيقة لا مجاز ، فليس إضلاله لهم : تسميتهم ضلالا ، كما زعمت القدرية ، وإنما أضلهم بحجب نور الحق عن قلوبهم وغلق منافذ الهدى إليها ، إذ سبق في علمه الأزلي بمقتضى حكمته البالغة أنهم ليسوا أهلا للإيمان ، وإن خوطبوا به شرعا ، إذ في إيمانهم فوات حكم تفوق حكمة هدايتهم إلى الحق ، وللرب ، جل وعلا ، حكمة تعجز عقول البشر عن إدراكها ، فالسلامة كل السلامة الكف عن الخوض في دقائقها ، ولا يستغني العبد عن توفيق الله ، عز وجل ، بتيسير الخيرات ، وصرف المنكرات ، وفي الحديث : "يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ" .
فلا التزام بالأمر الشرعي إلا إذا شاء الله ، عز وجل ، ذلك بإرادته الكونية النافذة تفضلا وتمننا منه على عبده ، فليس للعبد سابقة عند الرب ، وإنما يستعين به كونا : "إياك نستعين" ، ليسدده شرعا : "إياك نعبد" . وكل من وكل إلى نفسه خذل ، فكم من همم فترت وكم من عزائم فسخت ، وذلك أمر مشاهد ومجرب . عافانا الله من سوء الخاتمة .

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ :
بيان لعلة ما نالهم من العقاب العظيم ، وأي عقاب أعظم من صد العبد عن سبيل الهدى ؟! ، فذلك : على طريقة العرب في الإشارة إلى ما انقضى قريبا باسم الإشارة المستعمل للبعيد .
كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ : من الكلمات الشرعيات الآمرات .
فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ : بقدره الكوني النافذ ، فصدوا عن السبيل جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد .

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا :

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ : استفهام إنكاري توبيخي ، يزداد معنى الإنكار فيه جزالة بتقدير محذوف من قبيل : أقعدوا فلم يسيروا في الأرض ، فيلحقهم الذم من جهة القعود وعدم السير : سير التدبر في الآيات الكونيات الباهرات .
فَيَنْظُرُوا : نظر تأمل واعتبار .
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ : إجمال تلاه البيان : دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا : طردا على ما اطرد في الكتاب العزيز من الطرد ، فيفيد السياق نجاة المؤمنين عكسا ، فمن آمن فله العمار ، ومن كفر فله الدمار ، سنة كونية جارية لا تتخلف ، مصداق قوله تعالى : (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) .
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ :
فما تقدم فرع عن ولاية النصرة والتأييد للمؤمنين في مقابل عدمها للكافرين ، ففي السياق : طباق بالسلب ، إذ أثبت المولى للمؤمنين ، وأعظم به من مولى وناصر ! ، ونفاه عن الكافرين ، وإن كان لهم أولياء غير الله ، عز وجل ، فولايتهم عند التحقيق : كلا ولاية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
07-04-2009, 08:49 AM
ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
ففيه النداء في معرض التنبيه معلقا على وصف الإيمان المستلزم لامتثال الأمر الشرعي على ما اطرد مرارا ، ولا يعني ذلك قصره عليهم بل هو لهم : أصل ، وغيرهم عنهم : فرع ، وإنما خصوا بالذكر إذ هم مظنة الامتثال ، فهم أولى الناس بخطاب التكليف لاستيفائهم شروطه ، وإن كلف به غيرهم ، فرعا عن التكليف الأول : تكليف الإيمان .
لا تَكُونُوا : شرعا ، فالنهي في أفعال العباد الاختيارية يتعلق بالتكليفات الشرعية لا المقدرات الكونية ، فلم يؤمروا بمباينة الكفار في الخلقة البشرية ، أو الخصائص الآدمية ، فإن التكليف إنما يكون بأمثال : لا تكفر لا تقتل .......... إلخ ، لا بأمثال : لا تأكل لا تشرب ........ إلخ من الأمور التي يشترك فيها البشر جبلة .
كَالَّذِينَ كَفَرُوا : فيه طباق بالإيجاب بين الإيمان والكفران يهيج السامع على التحلي بالأول والنفور من الثاني .
وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى :
عطف متلازمين ، أو : عطف خاص على عام فإن فساد القول في مقالة القدر خاصة ، فرع عن فساد القول في مقالة الإيمان عامة ، فالمقالات الفاسدة متلازمة واعتبر بأقوال أهل الملل الباطلة والنحل المبتدعة كيف انتقلوا من باطل إلى باطل ، فحادوا شبرا وانتهوا أميالا ، كما ذكر بعض المحققين من أهل العلم ، ويقال أيضا : فساد العلم والعمل متلازمان ، فإن فساد عملهم بالقعود عن الضرب في الأرض وترك الغزو فرع عن فساد علمهم في باب القدر ، فمبنى الأمر على : الإيمان بالأمر الكوني القدري وامتثال الأمر الشرعي الحكمي ، فلا يغني حذر من قدر ، ولا يحتج بقدر على معصية أو تفريط ، وإنما يحتج به في المصائب الكونية التي لا يملك المكلف لها دفعا ، أو المعايب الشرعية إذا تاب العبد منها وأقلع ، بخلاف من هو قائم على الذنب مصر على المعصية فإن احتجاجه بالقدر احتجاج الذين أشركوا في قوله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) .

وفي الإتيان بظرف الاستقبال في قوله : "إِذَا ضَرَبُوا" استحضار للصورة ، وذلك مما يقرب المعنى إلى الأذهان .


لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا : لف ونشر مرتبان فمقابل : الضرب في الأرض : مصيبة الموت في سبيل طلب الرزق ، ومقابل الغزو : منحة القتل في سبيل الله ، وليس من مات في سبيل مباح ، وإن لم يلحقه الذم ، كمن مات في سبيل واجب أو مندوب .
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ :
اللام : لام التعليل ، والجعل : كوني قدري ، فقد قدر الله ، عز وجل ، ذلك عليهم لحكمة بالغة ، ونكرت الحسرة تعظيما وخص القلب بها لأنه موضعها ، فهو مستودع الأسرار ومحل الأفراح والأتراح ، فبه تقوم الأمور الوجدانية والمعاني النفسانية .
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ : إبطال لمقالتهم في نسبة الحوادث إلى غير الله ، عز وجل ، على سبيل الاستقلال ، فهي أسباب قضاها الله ، عز وجل ، عليهم أزلا ، والسبب لا يستقل بإحداث المسبَب حتى يشاء خالقه نفاذه ، فإن شاء أمضاه ، وإن شاء أثناه ، والطباق بالإيجاب بين : الإحياء والإماتة ، مستوف لأوجه القسمة العقلية في ذلك الأمر ، فالرب ، جل وعلا ، هو المتفرد القادر على الشيء وضده ، فهو الذي : يحيي ويميت ، ويعطي ويمنع ، ويعز ويذل ......... إلخ .
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ : تذييل معنوي يناسب السياق ، فهو ، عز وجل ، عليم ، بما يعملون ظاهرا ، وما يعتقدون باطنا ، ومناسبة البصر لعمل الجوارح أظهر ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله .
وقرئ بالياء : "يعملون" : فيكون تهديدا لهم تحذيرا لغيرهم على سبيل التعريض ، كما أشار إلى ذلك ، أيضا ، أبو السعود رحمه الله .

وأظهر لفظ الجلالة في : "وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" في موضع الإضمار ، فالقياس : "وهو بما تعملون ........." تربية للمهابة في مقام الوعيد والتحذير وذلك مما يلائم السياق ويزيده بيانا وجزالة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
08-04-2009, 08:25 AM
ومن قوله تعالى : (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158))
قسم في معرض التوكيد على بطلان مقالتهم ، فهو منزل منزلة الإضراب المبطل لها ، واللام موطئة لقسم محذوف فاستغني بذكرها عن ذكره إيجازا بالحذف ، كما اطرد في آي الكتاب العزيز فلا يجمع بين أمرين يغني ذكر أحدهما عن ذكر الآخر ، تفاديا للتطويل بتكرار لا طائل من ورائه .
وقد وقع الإيجاز من وجه آخر ، إذ اجتمع في صدر الآية : قسم وشرط يطلب كلاهما جوابا فاستغني بجواب أحدهما عن جواب الآخر ، فجواب القسم : "لمغفرة" : ساد عن نفسه أصالة وعن جواب الشرط نيابة .
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ : استيفاء للقسمة المتقدمة : القتل في سبيل الله ، والموت حال الضرب في الأرض ، وقدم القتل إذ هو أشرف عاقبة من الموت حتف الأنف .
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ : توكيد بلام الابتداء تنويها بما بعدها ، فأي شيء أعظم من مغفرة الله ، عز وجل ، وقد نكرت تقليلا ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، فأقل مغفرة منه ، جل وعلا ، خير مما يجمع الجامعون ، وأفعل التفضيل : منزوعة الدلالة ، فلا وجه للمقارنة بين مغفرة الله ، عز وجل ، وما يجمعون ، ليقال بأنها على حقيقتها ، و : "من" : لابتداء الغاية ، فهي قيد مراد للمتكلم ، ورد في سياق الامتنان ، فالتنبيه على عطاء الربوبية بالمغفرة مضافة إلى الله ، عز وجل ، فرع عن إتلاف المقاتل نفسه في قتال مضاف إلى الله ، عز وجل ، فكما التزم الأمر الإلهي بالقتال ، استحق العطاء الرباني بالمغفرة : استحقاق تفضل وامتنان من الله ، عز وجل ، فلا حق للعبد على ربه إلا ما كتبه الرب ، جل وعلا ، على نفسه ، تكرما منه على عباده ، ولو شاء لعذبهم غير ظالم لهم ، فهو المعافي فضلا ، المبتلي عدلا .
وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ : وعطفت الرحمة على المغفرة من باب : عطف اللازم على الملزوم ، أو النتيجة على السبب ، فلازم المغفرة وستر الذنوب : الفوز بالرحمة الخاصة : رحمة الرحيم بعباده المؤمنين ، ونكرت للتقليل ، أيضا ، على ما اطرد في سياق المنة الربانية ، فأقل مغفرة منه وأقل رحمة منه ، جل وعلا ، خير مما جمع الجامعون ، وكنز المكتنزون .
وحذف وصف الرحمة اكتفاء بالقيد الأول ، إيجازا بدلالة المتقدم على المتأخر . فتقدير الكلام : لمغفرة من الله ورحمة من الله .

وحذف عائد الصلة ، أيضا ، في : "يجمعون" على ما اطرد من الإيجاز بحذف ما دل عليه السياق أو استقر عند أهل اللسان جواز حذفه ، فشاع بينهم بلا نكير .

وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ : يقال فيه ما قيل في الآية السابقة ، وإنما قدم القتل هناك لكونه مما يتبادر إلى الذهن وقوع المغفرة بعده ، وقد ذيلت الآية بها ، وقدم الموت هنا ، لكونه مما يتبادر إلى الذهن وقوع الحشر بعده ، وقد ذيلت الآية به ، فهو عام لكل الخلائق : مؤمنين أو كافرين ، فليس فيه مزية توجب تقديم القتل في سبيل الله ، بخلاف المغفرة والرحمة التي يختص بها أهل الإيمان ، لا سيما الشهداء ، فذلك مما يوجب تقديم أصحابها .
وإلى طرف من ذلك أشار الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، بقوله :
"وقُدّم القتل في الأولى والموتُ في الثانية اعتباراً بعطف ما يظنّ أنّه أبْعد عن الحكم فإنّ كون القتل في سبيل الله سبباً للمغفرة أمر قريب ، ولكن كون الموت في غير السبيل مثل ذلك أمر خفي مستبعد ، وكذلك تقديم الموت في الثَّانية لأنّ القتل في سبيل الله قد يظنّ أنَّه بعيد عن أن يعقبه الحشر ، مع ما فيه من التفنّن ، ومن ردّ العجز على الصدر وجعل القتل مبدأ الكلام وعوده" . اهـــ
فبدأ بالقتل فالموت فالموت فالقتل ، فانتهى بما بدأ به الكلام .

وقوله : "لإلى الله تحشرون" : فيه من فنون البلاغة : تقديم ما حقه التأخير حصرا وتوكيدا ، فإلى الله ، عز وجل ، وحده ، تحشرون ، ففيه نوع إلهاب وتهييج على إخلاص النية في كل أمر إذ المآل إلى العليم بذات الصدور ، الخبير بمكنونات القلوب ، فلا تخفى عليه خافية من أمركم ، ولا ينفع معه تملق أو مداهنة كملوك الدنيا الذين تحشر لهم الجيوش ، وقد انطوت صدور أفرادها على الغل والحقد لهم ، فلا يطلعون على شيء منها ، وربما ، بل كثيرا ، ما يكون مصرع الملك على أيدي جنده الذين أظهروا الولاء وأبطنوا العداء ! ، وذلك مما اختص به الرب ، جل وعلا ، فلا يعلم ما تخفيه الضمائر إلا هو ، ولك أن تتصور حال البشر لو كانت صفحات قلوبهم مبسوطة للقراء ! . والحمد لله على نعمة الستر .
وتأمل تلك الآيات يقطع بكمال الرب ، عز وجل ، في مقابل نقص العبد ، ففيه من التعريض به بإظهار كمال خالقه ما يحمله على امتثال أمره الشرعي ، فإن من له تمام الربوبية : جلالا وجمالا ، هو المستحق وحده للعبادة تصديقا وامتثالا ، تصديقا بخبر النبوة الصادق ، وامتثالا لأمر الشريعة الحاكم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
09-04-2009, 07:00 AM
ومن قوله تعالى : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)
فالتوكيد يلائم ما قد يرد في ذهن المخاطب من تعجب ، إذ صورة القتل المادية أمام ناظريه ، فناسب نفي تلك الصورة من ذهنه إيرادها مؤكدة إمعانا في تقرير الخبر ، وإنما يؤتى من يؤتى في هذا الباب من قياس أحكام دار البرزخ الغيبية على دار الدنيا المشهودة ، فليست الحياة كالحياة فرعا عن اختلاف الدارين ، فلكل دار أحكامها ، وقياس الغائب على الشاهد : قياس مع الفارق ، فحياتهم برزخية للروح منها الصدارة ، فهي الأصل والجسد فرع عنها ، بخلاف حياتهم الدنيوية فإن للبدن منها الصدارة ، فهو الأصل في النعيم أو العذاب ، وهي الفرع عنه ، فتنعم بتنعمه وتتألم بتألمه ، بل تفارقه إن فسد فلم يعد محلا قابلا لها .
فالنفي قد تسلط على الموت في دار البرزخ لا الموت المعهود في دار الدنيا ، فذلك حوض كل الناس عليه وارد ، ثم زيد في تقرير ذلك بالإضراب إبطالا : بل أحياء ، مع ما للطباق بالإيجاب بين : أمواتا وأحياء من تقرير للنفي بإيراد ضد المنفي في سياق الإثبات ، وقيد الحياة بقيدي : "عِنْدَ رَبِّهِمْ" و "يُرْزَقُونَ" ، احترازا عن الحياة الأولى ، وشرف المضاف من شرف المضاف إليه ، فحياتهم عند الله ، عز وجل ، أشرف من حياتهم عند غيره ، فرعا عن عظم قدره ، عز وجل ، بالنسبة إلى غيره .
وفي : "يرزقون" : تأكيدٌ لكونهم أحياءً وتحقيقٌ لمعنى حياتِهم ، إذ الرزق لا يجري إلا على حي كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله .

وفي السياق أيضا : إيجاز بحذف مبتدأ الخبر : "أحياء" فتقدير الكلام : بل هم أحياء ، وتقديره يزيد المعنى توكيدا فهم لا غيرهم الأحياء عند ربهم ، بمنزلة من يقول : لست جانيا ، فيقول المدعي : بل أنت الجاني ، فهو بمنزلة : أنت لا غيرك الجاني توكيدا على ارتكابه الجناية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
10-04-2009, 07:16 AM
ومن قوله تعالى : (فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)
فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ : صيغة مبالغة : "فرِح" تناسب سياق البشرى لمن قتل في سبيل الله ، فحالهم : الفرح بسبب ما آتاهم الله من فضله ، فليست الباء : باء عوض ، إذ لا يقدر أحد ، وإن قرض جلده في سبيل الله ، على استيفاء شكر المنعم ، جل وعلا ، بل هو ، عز وجل ، الذي يشكر القليل ، فينميه لصاحبه ، كما في حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا كَانَ إِنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ يُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) ، فحال العبد من الشكر : العجز ، وحال الرب جل وعلا منه : القدرة بفضله وكرمه وكمال صفاته العلية ونفاذ مشيئته الربانية .
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ : إجمال للبشرى فيه نوع تشويق عقب بالبيان :
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ : فلا خوف عليهم من حاضر أو آت ، ولا يحزنون على ماض . فاستوفى اللفظ القسمة العقلية لأحوال الإنسان .
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ : إطناب في مقام البشرى ، فيستبشرون بالمسبَب وهو النعمة ، والسبب : وهو فضل الله بإيتائها ، فما قتلوا في سبيله نعمة إلا بعد أن اصطفاهم لنصرة دينه فضلا ، وأي شرف أعظم من شرف الاستعمال في نصرة الحق وملء ثغوره ؟! .

وفيه إيجاز بالحذف من المتأخر : "وفضل" لدلالة المتقدم : "بنعمة من الله" على المحذوف ، فتقدير الكلام : يستبشرون بنعمة من الله وفضل منه .

وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ : تذييل يناسب ما تقدم فالله ، عز وجل ، لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وفي ذلك مزيد إلهاب على تصحيح المعتقد وتحرير النية وتجويد العمل ، إذ لا يخشى العبد ظلم الرب ، تبارك وتعالى ، كما يخشى العامل في الدنيا ظلم مالكه أو مستأجره .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
11-04-2009, 09:47 AM
ومن قوله تعالى : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)

صيغة المضارع فيها استحضار لذلك الموقف ، مع كونه ماضيا قد انقضى ، لما فيه من العبر ، فقد أرادوا شيئا وأراد الله ، عز وجل ، أمرا .

فظاهره محنة بمقارعة ذوي الشوكة ، وحقيقته : منحة بما جرى يوم بدر من ظهور للحق وانكسار للباطل مع ما نالوه من الغنائم ، فالنعمة يوم بدر سابغة : دينية بظهور الحق ، ودنيوية بنيل المغنم .
وقوله : "أنها لكم" : بدل مبين لإجمال ما قبله ، فيه من تقرير الوعد ما يحملهم على امتثال الأمر رجاء تحققه ، فإحدى الطائفتين لكم فلا ينفك الحال عن ظهور على الكفر وأهله .
وإلى طرف من ذلك أشار الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، بقوله : "وجملة : { أنّها لكم } في تأويل مصدر ، هو بدل اشتمال من إحدى الطائفتين ، أي : يعدكم مصيرَ إحدى الطائفتين لكم ، أي كونها معطاة لكم ، وهو إعطاء النصر والغلبة عليها بين قتل وأسر وغنيمة .
واللام للملك وهو هنا ملك عُرفي ، كما يقولون كان يومُ كذا لبني فلان على بني فلان ، فيعرف أنه كان لهم فيه غلبة حرب وهي بالقتل والأسر والغنيمة" . اهــ
وتودون : بحكم الجبلة البشرية التي تركن إلى السهل ، وفي قوله : "ذَاتِ الشَّوْكَةِ" : استعارة تزيد المعنى بيانا ، فلازم الشوكة المعروفة : الألم إذا غرزت في الجلد ، فكذلك سنان العدو إذا طعن به الجسد ، فالذهن ينتقل من الملزوم المذكور وهو الأداة التي تقع بها النكاية إلى لازمها وهو : الألم الذي تنفر منه النفوس جبلة .
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ : إرادة كونية نافذة بأن هيأ أسباب اللقاء من غير ميعاد سابق ، وإرادة شرعية آمرة لكم بمناجزة العدو ، وإن كرهت نفوسكم القتال ، فتلك كراهة طبع لا يؤاخذ المكلف عليها ، ولا يتعلق بها الذم إلا إن تمادى صاحبها فصيرها حجة للقعود عن نصرة الدين ، فالعبد يسأل الله ، عز وجل ، السلامة في دينه وبدنه ما أمكن ، ولا يقعده ذلك عن مباشرة أسباب نصرة الدين ، ولا يحمله بذل السبب على استجلاب البلاء ، واستعجال المواجهة بلا تحضير سابق ، واصطناع الأعداء مع إمكان تأليف قلوبهم ، فيبذل السبب الشرعي تعبدا ، ويكل الأمر الكوني إلى مجري الأسباب ، جل وعلا ، فقد بذل وسعه و : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فإن شاء الله ، عز وجل ، بارك عمله فضلا ، وإن شاء رده وأحبطه عدلا ، فإن أتي المكلف فمن قبل نفسه : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، وإن ظهر فمن قبل ربه : (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) .
فأراد الله ، عز وجل ، يوم بدر : أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ : الكونيات النافذة ، ولازم ذلك أن : َيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ بهزيمة كاسحة ، فذيلت الآية بعطف اللازم على ملزومه ، إمعانا في تقرير الحكمة الربانية الباهرة في وقوع ذلك اللقاء بلا ترتيب سابق .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
12-04-2009, 08:50 AM
ثم أكد الباري ، عز وجل ، تلك الحكمة الباهرة فقال : (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)
فعطف بين متلازمين إذ : إحقاق الحق لازمه : إبطال الباطل ، فهما متناقضان لا يجتمعان ولا يرتفعان سواء أكان ذلك في الجماعات أم الأفراد ، فالجماعة إما أن تحق الحق فترد ما تنازعت فيه من أمر دينها ودنياها إلى حكم الملك ، عز وجل ، وحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوصفه صاحب الشريعة الخاتمة ، ففي أمر الدين : يكون الحكم مباشرا فإذا صح النقل سلم العقل ، وفي أمر الدنيا : يكون الحكم مباشرا كسائر أحكام المعاملات التي نص الشارع عز وجل على أحكامها وعليها يقاس ما استحدث من جنسها كصور الربا المعاصرة وما أكثرها ! ، أو غير مباشر كسائر المصالح المرسلة التي أطلقها الشارع ، عز وجل ، فلم يعتبرها ولم يلغها ، وإنما تركها للمكلفين ليجتهدوا في اعتبارها أو إلغائها بما يناسب المصلحة الشرعية فلها الاعتبار الأول في كل أمور الحياة . وإما أن تقر الباطل فتحكم نخالة أذهان فلان أو فلان من مشرعي البشر ، فتتعدد مصادر تلقيها بتعدد مشرعيها !! ، ولكل عقل ولكل هوى ولكل جدل عما شرع ولا فيصل بين تلك العقول المتنافرة إلا نصوص الوحي المنزلة .

وقل مثل ذلك في الفرد فإنه إما أن يجعل الوحي سلطانا نافذ الحكم على أقواله وأفعاله ، وإما أن يجعله ديكورا يتجمل به أمام أقرانه ، فيصير الوحي آيا تتلى باللسان لا بالفِعال .

وفي طباق الإيجاب بين الحق والباطل ما يزيد المعنى بيانا بإيراد المتضادين في معرض إثبات أحدهما وإقراره ونفي الآخر وإنكاره .
وإلى طرف من ذلك أشار الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، بقوله :
" وأما قوله : { ويبطل الباطل } فهو ضد معنى قوله : { ليُحق الحق } وهو من لوازم معنى ليُحق الحق ، لأنه إذا حصل الحق ذهب الباطل كما قال تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ } [ الأنبياء : 18 ] ، ولما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر . ومن لطائف عبد الله بن عباس أنه قال لعُمر بن أبي ربيعة : كم سِنّك فقال ابن أبي ربيعة وُلدت يوم مات عمر بن الخطاب ، فقال ابن عباس : «أي حق رُفع وأيّ باطل وضع» أي في ذلك اليوم" . اهــ
وفي : "يحق الحق" ، و : "يبطل الباطل" : جناس اشتقاقي إذ اللفظان في كل جملة قد اشتقا من مادة واحدة : "الحق" و : "الباطل" .
ولو كره المجرمون : إيجاز بالحذف دل عليه ما تقدم من قوله : "لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ" ، فتقدير الكلام : ولو كره المجرمون إحقاق الحق وإبطال الباطل فإن الله سيقضي بذلك ، أو : ولو كره المجرمون ذلك إشارة إلى ما انقضى من الكلام .
والشرط قائم مقام الاحتراس ، فلا ترد إرادتهم إرادته ، عز وجل ، فلو كرهوا ظهور الحق فأعدوا له الحد والحديد ، فإن الله ، عز وجل ، ناصر دينه ، ولو قعد أتباعه عن ذلك ، فحاصل أمرهم : الذلة والمهانة ثم الاستبدال بقوم لا يكونوا أمثالهم ، وفي التنزيل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، و : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
13-04-2009, 08:14 AM
ومن قوله تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ)

استحضار للصورة المنقضية إمعانا في تقرير المنة الربانية عليهم يوم بدر ، وذلك أمر اطرد في هذا السياق .

والخطاب في : "تستغيثون" : إما أن يكون على حقيقته فيكون الكل قد استغاث ، وذلك الظن بالصحابة ، رضي الله عنهم ، في ذلك الموطن ، فهم أحرص الناس على طلب المدد الرباني بعد استفراغ الجهد ببذل السبب العادي .
وإما أن يكون المستغيث هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الرواية المشهورة في دعائه في عريشه صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى أشفق عليه الصديق رضي الله عنه . فتكون من باب إطلاق الكل وإرادة البعض ، فالصيغة : صيغة جمع والمراد واحد ، كما أشار إلى ذلك الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، كما قيل في قوله تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، فــ : "الناس" الأولى : جماعة أريد بها واحد هو أبو سفيان ، رضي الله عنه ، أيام كان على الشرك ، و : "الناس" الثانية : كذلك أيضا ، وإن أريد بها واحد آخر هو نعيم بن مسعود ، رضي الله عنه ، أيام كان هو الآخر على الشرك . فتكون مجازا عند من يقول به بإرادة البعض بصيغة تدل على الكل فعلاقته : الكلية كما قرر مثبتو المجاز .
وهو عكس مجاز الجزئية في نحو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) ، فالمخاطب واحد والمراد جماعة المؤمنين بقرينة ضمير الجمع في : "طَلَّقْتُمُ" ، وتلك قرينة لفظية سياقية كفيلة بمنع المجاز في ذلك الموضع إذ السياق قيد في فهم المعنى لا يخرجه عن الحقيقة .

والأولى في الاستغاثة أن تكون على حقيقتها لما تقدم من حرص الصحابة ، رضي الله عنهم ، على الاستغاثة بالله ، عز وجل ، في مواضع القتال .

ربكم : علق الاستغاثة على وصف الربوبية ، إذ تلك من أفعال الربوبية فلا يغيث المضطر إلا الرب ذو القدرة التامة والإرادة النافذة .
وفي إضافة اسم الرب إلى ضميرهم : مزيد إيناس لهم فهي ربوبية خاصة : ربوبية الحفظ والعناية . فليست الربوبيةَ العامة التي يصل عطاءها إلى المؤمن والكافر ، البر والفاجر ، بل تلك ربوبية لازمها النصر والتمكين ، فعطاؤها أجل ، عطاء : (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، و : (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ، و : (تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) .
فاستجاب : الفاء تفيد السببية والفورية ، فاستجابته بقدره الكوني النافذ فرع عن امتثالكم الأمر الشرعي بالدعاء ، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى بذل السبب الشرعي ، كما يبذل السبب العادي من إعداد الجيوش وتجهيز السلاح ، بل الأول آكد ، إذ الأمر بيد الله ، عز وجل ، لا بيد فلان أو فلان من : صناع النصر ! الذين أضاعوا النصر الرباني بشؤم مقالاتهم فنسبوا عطاء الربوبية بالظهور على العدو إلى أنفسهم ، فسلب المسلمون ما أعطوا عدلا منه جل وعلا .
أَنِّي مُمِدُّكُمْ : بيان إجمال ما تقدمه على اختيار الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، من كونها : تفسيرية توكيدية ، فهي مزيلة لإجمال ما تقدمها مؤكدة لما بعدها ، وذلك في معرض الامتنان بالإمداد الرباني أبلغ ، فدلالتها أقوى من قولك في غير القرآن : فاستجاب لكم بإمدادكم ......... ، وإن كان المصدر المؤول يؤول في نهاية الأمر من جهة المعنى الكلي إلى معنى المصدر الصريح ، ولكن يبقى أنه يمتاز عنه بالدلالة التوكيدية للحرف المصدري الذي أول منه ومن مدخوله .

وذلك الإمداد ، على ما تقدم ، إمداد رباني يتعلق بالإرادة الكونية النافذة ، فرعا عن التزام الأمر الشرعي الحاكم ، فهو إمداد مخصوص لا يجري مجرى العموم .

بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ : لتتحقق صورة السبب ، وإن كان الله ، عز وجل ، قادرا على نصرهم بكلمته التكوينية النافذة : "كن" ولكنه ، جل وعلا ، أقام شريعته على بذل الأسباب ويبقى النصر معلقا بإرادته النافذة : إن شاء نصر فضلا وإن شاء خذل عدلا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
14-04-2009, 07:57 AM
ومن قوله تعالى : (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
قصر بأقوى أساليبه : النفي والاستثناء يناسب مقام الامتنان بالبشرى التي نكرت تعظيما فهي بشرى عظيمة الشأن جليلة القدر ، أيما جلال ، وقد يقال من جهة أخرى : إن القصر إضافي إذ لم يكن ذلك الإنزال لتلك العلة فقط فقد تعددت علله فهو : بشرى للمؤمنين ، وسبب في نصرهم ، وعذاب لعدوهم ، وجريان لسنة الله ، عز وجل ، الشرعية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ............... إلخ .
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ : إطناب في معرض الامتنان ، وهو ما يؤكد أن القصر إضافي إذ تلك علة جديدة ، وقدم المطمئِن ، بالكسر ، على المطمئَن ، بالفتح ، عناية بشأنه تقريرا لنعمة الله ، عز وجل ، أن تفضل به على الجيش الذي أخذ بالأسباب الشرعية فكوفئ بتصريف قلوب جنوده على الثبات ، في حين صرفت قلوب خصومه على الرعب ، فالتلازم مطرد بين تحقيق الأسباب الشرعية الآمرة والنصرة بالأسباب الكونية النافذة ، واسأل الكافر والعاصي عن سبب رهبته من المؤمن والطائع ، وإن كان أقل منه عددا وأضعف منه عدة ، فلا تجد إلا السنة الكونية التي يعجز عن تفسيرها من يقيم أمره على الأسباب المادية فقط ، فجماع الأمر : شرع بأخذ أسباب المادة ، وقدر باستجلاب النصر ممن بيده مقادير الكون ، فكلمته التكوينية النافذة فيصل بين المتنازعين ، فينصر من شاء فضلا ويخذل من شاء عدلا .
وخص الطمأنينة بالقلوب إذ هي محلها .
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ : قصر حقيقي بأقوى أساليبه مؤكد لما تقدم من نفاذ أمره الكوني ، فلا نصر إلا بإذنه .
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ : تذييل معنوي يناسب ما تقدم فهو بمنزلة الجواب المبين لعلة ما تقدمه ، فكأن المخاطب لما سمع قوله تعالى : (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، تولد في ذهنه السؤال عن سبب ذلك ، فجاء الجواب مفصولا بلا عاطف لشبه كمال الاتصال بينه وبين السؤال إذ هو علته ، والتلازم بين العلة والمعلول تلازم قوي يحسن معه الفصل ، فجواب سؤالك : لأن الله عزيز حكيم ، والتذييل بصفة العزة وهي من صفات الجلال يناسب سياق النصرة ، فلا ينصر إلا العزيز الذي لا ينال جانبه ولا جانب من التجأ إليه ، وهو الحكيم الذي يضع الأمور في نصابها ، فينصر من يستحق فضلا ، ويخذل من لا يستحق عدلا ، فأفعاله جارية على مقتضى : قدرته النافذة وحكمته الباهرة ، وذلك فقه قدره ، عز وجل ، فالجمع بين : الحكمة ومتعلقها من الشرع ، والقدرة ومتعلقها من القدر من أنفع ما يحصله المكلف من العلم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
15-04-2009, 08:30 AM
ومن قوله تعالى : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ)
جريا على ما اطرد من استحضار الصورة بإيراد المضارع في بيان صورة منقضية استحضارا للمنة الربانية .
أمنة منه : فالنعاس في مواضع القتال من علامات الإيمان ، و : "من" لابتداء الغاية ، وابتداء غايته من الله ، عز وجل ، جار مجرى التشريف ، كما أشار إلى ذلك الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، وذلك على وزان قوله تعالى : (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) ، فليس النصر من غير الله ، عز وجل ، كالنصر من عنده ، فذاك : غلبة مادية ، وهذا : ظهور حجة وبرهان بسيف وسنان الحق .


ومن جرب الغفوة اليسيرة التي تجدد النشاط عرف عظم امتنان الله ، عز وجل ، على أولئك النفر الكرام ، رضي الله عنهم ، بأن منحهم تلك الراحة القصيرة في زمنها العظيمة في نفعها في ذلك الموقف العصيب الذي يذهل فيه اللبيب ، فتجدد نشاطهم وصاروا أقدر على بذل السبب الشرعي في نزال عدوهم .

وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ : أي من السحاب ، فيكون في الكلام مجاز عند من يقول به ، إذ أطلق المحل وأراد الحال فيه ، ومن ينكر المجاز يقول : السماء كل ما علاك ، والسحاب يعلوك فهو سماء بالنسبة لك ، فقد نزل المطر من العلو حقيقة لا مجازا .

مَاءً : نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق الذي يستدل به الفقهاء في أحكام المياه .
لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ : حسا .
وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ : معنى .
والعطف بينهما : عطف متلازمين ، فالغسل من الجنابة لازمه ذهاب الرجز والكسل الذي يعتري الإنسان إذا أجنب ، فيزول عن نفسه خبثها ، ويتجدد لها نشاطها ، وذلك مما يقطع طرق الشيطان إليها ، إذ بذل السبب الشرعي بالغل الواجب : طهارة للجسد موطئة لطهارة الروح ، ولا أدل على ذلك من نوم المتوضئ إذا بدل السبب الشرعي بالحرص على الطهارة البدنية بالوضوء والطهارة الروحية بالأذكار وتخلية القلب من الأحقاد والضغائن التي تنغص على صاحبها نومه . والشرع خير كله : خير للروح والبدن ، خير للمعاش والمعاد .......... إلخ .

وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ : معنى .
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ : حسا .
وهما أيضا متلازمان : فإن الملك إذا ثبت ، فثباته تثبت الأجناد ، وإذا زاع انهزمت عساكره واستبيحت دساكره .

فقد عمت النعمة السابغة القلوب والأبدان لما التزمت الأمر الشرعي فصارت أهلا للمدد الرباني ، وفي الإطناب بذكر موارد النفع من ذلك الماء المبارك تقرير بديع لتلك المنة الربانية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
16-04-2009, 08:30 AM
ومن قوله تعالى : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)

اطراد لما تقدم من استحضار الصورة .

والوحي هنا : الأمر ، وهو أمر نافذ إذ الملائكة : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وفي ذكر الآمر ، جل وعلا ، بلفظ الربوبية الخاصة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مزيد عناية وتلطف به ، فهو أولى الناس بذلك المقام ، فقد بلغ أعلى مراتب العبودية بتحقيق مراد الله ، عز وجل ، الشرعي ، فما وطئ الثرى عبد أكمل في عبوديته منه ، وما نصر دين الله عز وجل وقام به نصرته وقيامه ، فاستحق أعلى مراتب الربوبية : ربوبية العناية بالنعمة الربانية السابغة ، وذلك أصل مطرد ، وفي التنزيل : (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) ، فإذا حصل الذل بالسجود حصل القرب من الرب المعبود .
أَنِّي مَعَكُمْ : معية خاصة : معية النصرة والتأييد ، فتلك لا تكون إلا لمن نصر الله ، عز وجل ، والسياق شاهد لها .
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا : تعليق للحكم بالوصف الذي اشتقت منه جملة الصلة فلا يكون ذلك إلا للمؤمنين .
وعلى سبيل المقابلة أو طباق السلب :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ : تفصيل يناسب سياق الامتنان بقطع دابر الكافرين .
وخص الأعناق والبنان بالذكر لكونها مناط القوة ، فالعنق : مناط قوة الحياة ، والبنان : مناط قوة الضرب بالسيف ، فتعطل كلاهما بضرب الملائكة كما أشار إلى ذلك الطاهر بن عاشور رحمه الله .

وفي ذلك اطراد لصورة السبب جريا على السنن التي أقام الله ، عز وجل ، عليها شريعته .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
17-04-2009, 08:20 AM
ومن قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ)
ذَلِكَ : على ما اطرد من كلام العرب من الإشارة إلى المنقضي قريبا بإشارة البعيد ، أو يقال هو من باب الإشارة ببعد مكانته على جهة التحقير إمعانا في النكاية فيهم على وزان قوله تعالى : (فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) ، أي : بعدا .

بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ : الباء سببية في معرض بيان استحقاقهم لما تقدم من النكال .
وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ : شرط فيه معنى الوعيد ، ذيل بما يناسب السياق ، من شدة العقاب ، فذلك أبلغ في الزجر ، فعظم العقوبة من عظم صاحبها ، وعظم الجناية التي تسببت فيها من عظم حق من وقعت في حقه ، وأي جناية أعظم من الجناية في حق الله ورسوله بحرب دينه وأوليائه ؟! .
والعموم في الآية محفوظ لا مخصص له إلا التوبة في نحو قوله تعالى : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) . وللآية كسائر آيات الوعيد : طرد في حق من قام به وصفها ، عكس لمن قام به ضدها من نصرة الله ورسوله فله ضد العقاب الشديد من النعيم المقيم .


ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ : تكرار في معرض الوعيد إمعانا في النكاية فذوقوه في الدنيا وفي الآخرة : لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ، فعم العذاب الدارين ، واستوفى السياق شطري القسمة العقلية : دار الفناء ودار البقاء ، فترتيب النكاية في هذا السياق من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، كما في قوله تعالى : (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ، على القول بأن العذاب الأدنى هو مصائب الدنيا أو عذاب القبر ، والعذاب الأكبر هو عذاب النار .

وفي الآية إيجاز بحذف خبر المبتدأ ، فتقدير الكلام : ذلكم العذاب فذوقوه ، والفاء تفريعية لإظهار الشماتة ، كما ذكر ذلك الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، فالأمر للإهانة والشماتة على وزان قوله تعالى : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) .

والشماتة بأعداء الله إذا نزل بهم العقاب حق بخلاف الشماتة بأولياء الله ، فالفعل واحد ولكن اختلاف متعلقه غير حكمه من حظر إلى إباحة ، بل هو مما يرضاه الله عز وجل من عباده المؤمنين إذا شاهدوا أعدائه يعذبون في ناره بمقتضى عدله وحكمته البالغة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
18-04-2009, 07:45 AM
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ :

نداء للتنبيه خص به المؤمنون مواجهة ، وعم غيرهم لزوما على ما اطرد من عموم التكليف فيكون من الخاص الذي أريد به العام ، فالوصف الذي اشتقت من الصلة فرض على كل مكلف .
إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا : على جهة المقابلة في سنة التدافع الكونية فالمؤمن في مواجهة الكافر : سنة جارية لا تتخلف وإن تهادنا حينا ، فكل ينصر حجته ، ويذب عن مقالته بلسانه حينا وبيده حينا ، والعاقبة للمتقين ، ولا تنال المطالب الدينية إلا بصبر ويقين ، بهما تظهر أعلام الدين ، وتحكم شريعة رب العالمين : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) .
زَحْفًا : حال جاءت على وزان المصدر ، تقريرا للمعنى على وزان : طلع زيد بغتة ، فذلك آكد في الدلالة من : طلع زيد مباغتا .
فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ : فاء رابطة لا تخلو من معنى السببية ، فما قبلها من وقوع اللقاء كونا سبب لما بعدها من وجوب الثبات شرعا ، فلقاء العدو ابتلاء كوني ، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه : (أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) ، يستعان فيه بالتزام الأمر الشرعي ، وخصت الأدبار بالذكر تقبيحا لصورة المنهزم في الأذهان ، فليس ذلك وصف أهل الإيمان .

ومن يولهم : شرط سيق مساق التهديد .
إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ : استثناء مخرج لصور المستثنى من عموم الذم الذي أفاده الشرط .
فقد باء : رجع تحقيقا أفادته : "قد" ، وكأنه قصد الرجوع بروحه سالمة فجاء الجزاء من جنس العمل فرجع ولكن بــــ : .
بغضب : عظيم فالتنوين للتنكير ، وازداد وصفه عظمة بابتداء غايته من الله ، عز وجل ، فليس كأي غضب صادر من غيره .
وَمَأْوَاهُ : على سبيل المقابلة ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، فقد ابتغى لنفسه مأوى فهرب ولكن إلى :

جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ : وفيه إطناب في أوصاف الذم في معرض التبكيت لمن خالف الأمر الشرعي .

وأخطر ما في الأمر أن تختل الموازين بحجة : (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، فيوضع القرآن على غير ما أريد به .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
19-04-2009, 08:11 AM
وعن حال القوم الكافرين :

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ :
ففي بيان حالهم تهكما :
إن تستفتحوا بطلب الفتح : فقد جاءكم ، وتسمية ما حل بهم فتحا : من صور التهكم ، فهو فتح لأعدائهم مصيبة في أبدانهم وأموالهم .
وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ : مزيج من التهديد والترغيب في آن واحد ، فإن تتوبوا فهو خير لكم ترغيبا ، ومفهومه : وإن لم تتوبوا فويل لكم ترهيبا .
و : "خير" منزوعة الدلالة ، فلا خير فيما هم فيه من الكفر ليقال بأن الإيمان خير منه .
وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ : تهديد آخر فيه جناس اشتقاقي بين الشرط وجوابه أفاد المعنى مزيد بيان فالجزاء من جنس العمل ، فإن تعودوا للمعصية بمخالفة الأمر الشرعي وحرب الدين وأهله نعد بالعقوبة الكونية والهزيمة في الحرب .
وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا : نفي تسلط على المصدر الكامن في الفعل فأفاد العموم الذي أكد بــ : "شيئا" فلن تغني عنكم أي إغناء .
وَلَوْ كَثُرَتْ : تقييد بالحال احتراسا ، فقد يظن الكافر لعدده وعتاده أنه ظاهر على المؤمن ، فلا نصيب له ، عند التحقيق ، إلا في بذل الأسباب الكونية التي قام عليها ناموس الكون ، دون التفات إلى الأسباب الشرعية التي يستجلب بها النصر ، فإن ظهر فإنما ذلك لتقصير المؤمن في بذل السبب الشرعي ، أو تواكله بعدم استفراغ الجهد في تحصيل السبب الكوني ، وذلك عند التحقيق يرجع إلى التقصير الشرعي ، إذ الشريعة قائمة على بذل السبب رجاء وقوع المسبب بإذن الله ، فمن عطل الأسباب الظاهرة فقد عطل الشريعة الظاهرة ، وتلك في حد ذاتها معصية تستوجب الانكسار عند اللقاء ، واعتبر بحال من قعد في المساجد يقرأ صحيح البخاري لما دهم العدو أرضه رجاء دحره ، فهل جعل الله ، عز وجل ، قراءة الصحيح سببا كونيا مؤثرا في إحداث النكاية في الأعداء أو هو سبب شرعي في تحصيل العلم ، وواجب الوقت آنذاك : القتال لا طلب العلم ، فمن اشتغل بأسباب عبادة في غير وقتها فقد قصر بإعراضه عن أسباب عبادة أخرى حل أوانها ، ولكل مقام مقال ، والواجبات تختلف تبعا لاختلاف الأعصار والأمصار وأعيان المكلفين ، فلا يجب في حق زيد الفقير ما يجب في حق عمرو الغني من فرض الزكاة ........... إلخ .

وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ : إيجاز بحذف لام كي المعللة ، فما تقدم لكون الله ، عز وجل ، مع عباده المؤمنين : معية نصرة وتأييد ، فأنى لكم بالظفر بهم والظهور عليهم ؟! .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
20-04-2009, 08:18 AM
ومن نصرتهم لباطلهم على طريقة : (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ :
توكيد بالناسخ ودخول اللام على الخبر الذي يفيد التجدد ، فصدهم عن سبيل الله دائم دائب ، فلهم في ذلك همة هي فرع عن قدر الله ، عز وجل ، الكوني ، إضلالا لهم ، وفتنة لغيرهم ، على مقتضى حكمته ، عز وجل ، بإجراء سنة التدافع بين الحق والباطل ، فإن حكم عليهم بالضلال فبعدله ، وإن هداهم إلى شرعه فبفضله ، وإن فتن بهم ضعاف النفوس كونا ، فبتقصيرهم في الأخذ بأسباب النجاة شرعا ، فلا يستميلون إلا الهمل ، برياسة أو مال أو شهوة ......... إلخ ، وانظر إلى حال المنصرين إذ ليس لهم من الحجج الشرعية أو البراهين العقلية نصيب ، فلا نقل عن النبوات الصحيحات ولا أقيسة توافق العقول الصريحات ، وإنما محض خرافات تشبعت أنفس معتنقيها بالحقد ، فتولد من الخرافة والحقد : تعصب أعمى حمل صاحبه على ظلم المخالف واستحلال دمه وعرضه وماله ، واعتبر بحال أعداء الملة وأعداء السنة من الكفار الأصليين والمبتدعة تجد عجبا ! . فقوم عادوا من لم يعرفوه أصلا ، وأعملوا السيف في خصومهم تقليدا لمقالة درجوا عليها ، فلا عقل ليزن الأمور ، ومع ذلك يدعون : العقلانية والموضوعية ، مع أنهم لم يعملوا عقولهم في مقالة مخالفهم إلا على سبيل القدح بإثارة شبهة أو التقاط زلة لا تنسب إلى الملة ، فتعمل آلات الدعاية زورا ، على وزان : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) ، و : (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) ، فلسان حالكم : (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) ، ومن أوتي أداة التكليف فعطلها ، فلا يلومن إلا نفسه التي أهلكها .

فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ : إطناب في معرض النكاية ، والتنكير في : "حسرة" للتعظيم ، فحسرتهم على ما فرطوا عظيمة يوم لا تنفع حسرة ، و : (لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) . فقد طبع على قلوبهم من الأزل كونا ، فحرموا الفضل وعوملوا بالعدل ، و : (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

واعتبر بحسرتهم العاجلة بفشل مخططاتهم ، مع تخاذل أهل الحق عن نصرته ، فضلا عن حسرتهم الآجلة ، وهي أشد وأنكى .
وما ذلك إلا لقوة الحق الذاتية فلو وكل إلينا حفظه لزال من الوجود أثره ، ولانتهى من قديم أمره ! ، فالحمد لله أن تكفل بحفظ دينه ، فقيض له رجالا حملوا أمانته ونصروا رسالته .



وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ : مزيد إطناب للنكاية ، وقدم المصير على فعل الحشر تعجيلا بالمساءة ، فضلا عما اطرد من الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير .

لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ :
متعلق الحشر فبه يحصل التمايز بين أهل الإيمان وأهل الأوثان .
أو الإنفاق ، فمن مؤمن عوفي بالإنفاق في سبيل الرحمن ، ومن كافر عوقب بالإنفاق في سبيل الشيطان ، فاستعمل النعمة الكونية في حرب الطريقة الشرعية ، ففيه يصدق وصف الخبث ، فما وقع ذلك إلا ابتلاء وتمحيصا ، وما كان ذلك على الله ، عز وجل ، خفيا ، بل قد علمه علما أزليا ، وإنما حصل التمايز في عالم الشهادة بعد رقمه في الكتاب الأول : إقامة للحجة ، فبه يتعلق الثواب فضلا والعقاب عدلا ، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى .
فصار ذلك الابتلاء الكوني بأهل الكفر : علة ظهور أهل الإيمان ، ولو غلبوا حينا ، فمآلهم إلى التمكين يقينا ، فاستخرج به من الحكم الشرعية والمطالب الإلهية ما فاق مفسدة وقوعه ، وتلك عين الحكمة الربانية ، ولولا ظلمة الباطل ما علم العباد عظم المنة بإشراق شمس الحق المبين على عقول المكلفين ، ببعث النبيين مبشرين ومنذرين ، فالنبوات أعظم ما امتن به رب البريات ، عز وجل ، فبها صلاح كل الكائنات .

وذلك مما يثلج الصدر ويقوي القلب على السير في طريق الحق وإن قل سالكوه ، فمن كان الله أنيسه فلا يستوحش ، ومن كان الله ناصره فلن يغلب .

وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ :

ويجعل الخبيث حسا ومعنى فهما متلازمان ، إذ خبث الأرواح مئنة من خبث الأبدان ، وإن كانت الصورة في أصلها مليحة فإن للمعصية شؤما يصيرها قبيحة .

ومن فوائد هذا الركم ما أشار إليه الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، بقوله :
"لزيادة تمييزه عن الطيب ، ولتشهير من كانوا يُسرون الكفر ويظهرون الإيمان ، وفي جمعه بهذه الكيفية تذليل لهم وإيلام ، إذ يجعل بعضهم على بعض حتى يصيروا رُكاماً" . اهــــ

أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ : توكيد على ما اطرد من تعريف الجزأين ووقع ضمير الفصل بين الركنين ، وأشير إليهم بالبعيد على يقتضيه السياق من ذم وتحقير .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
21-04-2009, 08:54 AM
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ : ترغيب واستمالة لهم بشرط يلهب المخاطب ويحمله على التزامه رجاء تحقق المشروط ، وحذف الفاعل للعلم به فلا يغفر الذنوب إلا الله .
وعلى ما اطرد في التنزيل من الجمع بين الترغيب والترهيب :
وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ : جارية لا تتخلف ، فالنصرة للأنبياء وأتباعهم ، والخسران للطواغيت وأذنابهم وإن مكنوا حينا تمحيصا للمؤمنين واستدراجا للكافرين .
وفي العدول عن خطاب المواجهة : "إن تنتهوا" إلى خطاب الغيبة : (إِنْ يَنْتَهُوا) نكتة لطيفة ، إذ نزل الأمر منزلة الواقع المقرر عندهم ، فصاروا كأنهم الرسل إلى من وراءهم من الكفار ، ولن يكون ذلك إلا إن صدقوا الخبر وامتثلوا الأمر ، فصاروا كأنهم هم المخاطبون بأمر الإبلاغ إلى غيرهم ، فلم يعد في الصورة من يصح توجه الخطاب إليه إذ هو خطاب للكفار ، فتوجه الخطاب إلى من غاب منهم ، إذ الحاضرون ملزمون به إلزاما صح معه تنزيلهم منزلة المقرين ، وإن لم يقع الإقرار منهم بعد ، وإلى طرف من ذلك أشار الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، بقوله : "وأسند الفعل في الجملة المحكية بالقول إلى ضمير الغائبين لأنه حكاية بالمعنى روعي فيها جانب المخاطب بالأمر تنبيهاً على أنه ليس حَظه مجرد تبليغ مقالة ، فجُعل حَظه حظ لمخبر بالقضية الذي يُراد تقررها لديه قبل تبليغها ، وهو إذا بلغ إليهم يبلغ إليهم ما أعلم به وبُلغ إليه ، فيكون مخبراً بخبر وليس مجرد حامل لرسالة" . اهـــ

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ : بيان لعلة قتالهم عطف فيها إفراد الله ، عز وجل بالدين ، على نفي الفتنة عطف متلازمين ، فلازم انتفاء الفتنة في الدين : ظهور أعلامه ، والتزام أحكامه فيكون كله لله .
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ : تذييل فيه معنى الترغيب ، فإن انتهوا فالله عليم بصدق نواياهم إن صدقوا ، فلن يترهم أعمالهم ، وقد يقال بأن فيه نوع تهديد يناسب سياق القتال ، فإن انتهوا ، فالله ، عز وجل ، بصير بمكنون صدورهم أكفوا عن القتال وانتحلوا مقالة أهل الإيمان أم أضمروا الغدر وثبتوا على مقالة أهل الكفران .

وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ : بشرى للمؤمنين تحملهم امتثال الأمر الشرعي بمناجزة من كفر علما وتولى عملا ، فما تولى عن العمل إلا لفساد علمه ، وقد صدرت البشرى بالأمر الذي أريد به إظهار الاهتمام والعناية بما بعده ، والتوكيد بــ : "إن" ، والولاية المثبتتة : ولاية النصرة بالتأييد الكوني فرعا عن التزام الأمر الشرعي ، وذيلت الآية بما يناسب السياق بالإطناب في مقام المدح بكمال الولاية وكمال ما تفرع عنها من النصرة فهما متلازمان أيضا فمن كان الله ، عز وجل ، وليه ، فهو المنصور قطعا ، ولا ينال التأييد بالآيات الكونية إلا فرعا عن التزام الآيات الشرعية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
22-04-2009, 08:44 AM
ومن قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

أمر يفيد عناية المتكلم بما يليه ، فنبه المخاطب بما يحمله على الإصغاء ، فالنفوس بطبعا تسمو إلى الكمال ، والأمر بالعلم مظنته ، ففيه نوع شحذ للهمم لتحسن تلقي الخبر بالتصديق أو الامتثال .
أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ : "ما" : موصولة مجملة بيانها : "من شيء" إرادة التوكيد على العموم ، فأي شيء غنمتموه فحقه الذي ورد في الآية .
وقوله تعالى : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) : بيان لمصارف الخمس الذي يؤخذ من غنائم الكفار لا من أموال المسلمين كما يصنع بعض رؤوس الضلالة من سدنة المشاهد والأضرحة ، وهو أمر فاش في كل ملة أو نحلة أسست على شفا جرف تقديس الرجال من دون الله ، فعند قبر كل قديس أو إمام أو ولي : إن كانوا كذلك فعلا ، عند قبورهم : طواغيت أسست رياساتها وملأت خزائنها من ذلك الوهم ، فعبدت فئاما من البشر لغير الله ، بسلطان الخلاص في الآخرة واستجابة الدعاء وقضاء الحاجات ........... إلخ في الدنيا ، فالإرهاب الفكري بقرارات الحرمان الكنسي الظالم وغضب الإمام والولي الطالب الغالب يحمل الأتباع على الرضوخ وتقبيل العتبات .......... إلخ من مظاهر الغلو ، ولكل قديس سر لا يعرفه إلا كاهنه ، ولكل إمام أو ولي سادن يعلم الناس فنون الإشراك بالله ! رجاء حصول النجاة ، مع أن ما يدعون إليه آكد أسباب الهلاك ! ، فيدعون الناس إلى النار باسم الجنة ، ويدعونهم إلى البدعة باسم السنة ، ويسوغون الغلو والشرك باسم التعظيم والمحبة ! ، والغلو في الأفاضل آفة أصيبت بها البشرية من لدن قوم نوح عليه السلام وإلى يوم الناس هذا .

وقد بعث الأنبياء عليهم السلام لتحرير عقول وأبدان المكلفين من ذلك القيد ، بإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد فأبى المبطلون إلا حرب الرسل عليهم السلام إذ ما بعثوا بتقريره : ناقض لرياساتهم مزيل لطغيانهم فلا بقاء لظلام الشرك إذا سطعت شمس الرسالة .

وفي السياق إيجاز بحذف مبتدأ أو خبر للمصدر المؤول من : "أن لله خمسه" ، على تقدير : فحقه لله خمسه ، والإتيان بالمصدر المؤول في مثل ذلك الموضع آكد في الدلالة التوكيدية في مقام يقتضي التوكيد من المصدر الصريح ، كما أشار إلى ذلك الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، كما في قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، فهو آكد في بيان معية الله ، عز وجل ، الخاصة للمؤمنين من قولك في غير القرآن : واعلموا معية الله للمتقين .

إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ : شرط سيق مساق الإلهاب والتهييج .
والإضافة في : "يوم الفرقان" : إضافة تشريف ، بنسبة اليوم إلى ذلك الفرقان الذي وقع فيه بين معسكر الحق ومعسكر الباطل ، و : "يوم التقى الجمعان" : بدل جيء به زيادة في البيان ، وقد يرد على ذلك أن المبدل منه على نية الطرح ، فليس مراد ابتداء ، وإنما جيء به توطئة لما بعده ، والسياق يشهد بأن وصف الفرقان معتبر ، فلا يليق أن يكون على نية الطرح إذ فيه من التشريف ما تقدم ، فيحسن بناء على ذلك جعل : "يوم التقى الجمعان" : عطف بيان ، فيكون المعطوف عليه والمعطوف كلاهما مرادان للمتكلم .
والله على كل شيء قدير : تذييل يناسب السياق ، ففي معرض ذكر ذلك اليوم الذي نصر الله ، عز وجل ، فيه الفئة القليلة على الفئة الكثيرة التي أقبلت بحدها وحديدها ، في معرض ذلك تظهر آثار قدرة الله ، عز وجل ، الكونية ، إذ قضى للمؤمنين بقدره الكوني النافذ نصرا وفتحا ، فرعا عن امتثالهم قدره الشرعي الحاكم ، فالسنة ، كما تقرر مرارا ، مطردة ، فمتى كان شرع فثم نصر ، وإن ديل على المؤمنين ابتداء فتمحيص وابتلاء يعقبه النصر والتمكين في الأرض ، ومتى لم يكن شرع فذلة ومهانة ، واستعلاء لأراذل الخلق عقوبة ربانية على مخالفة الإرادة الشرعية فليس ثم بين الله ، عز وجل ، وعباده من نسب إلا الطاعة ، فطرد في الإيجاب والسلب : نصر لدين لله عز وجل يستلزم نصرا للمؤمنين إيجابا ، وخذلان للشرع وأهله يستلزم خذلانا وانكسارا في ساحة الحرب سلبا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
23-04-2009, 09:42 AM
ومن قوله تعالى : (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)
إذ أنتم : عطف بيان ثان لمشهد من مشاهد ذلك اليوم الجليل استحضارا للمنة الربانية السابغة فيه . وفيه تفصيل لحال أطراف النزاع ، إن صح التعبير ، فأنتم بالعدوة الدنيا ، و "هم" : كناية بضمير الغائب كراهة ذكرهم صراحة ، فهم أحقر من أن يذكروا باسم أو وصف إلا وصف الذم القادح ، أو ضمير البعيد الغائب ، والركب أسفل منكم .
وفي ذلك العرض مزيد امتنان من الله ، عز وجل ، على عباده المؤمنين ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، إذ العدوة الدنيا لينة تسيخ فيها الأقدام ، فنزل المطر فصلبت وبنى المسلمون حوضا يستقون منه وغوروا ما سواه ، وهم بالعدوة القصوى قد جمعوا العدة والعتاد ، وخرجوا دفاعا عن الأموال والتجارات ، فنزل المطر فكان في حقهم عائقا ، فالفعل واحد ولكنه : نعمة في حق أقوام نقمة في حق آخرين .

ولو قيس الأمر بميزان الدنيا ابتداء : لرجحت كفتهم ، ولكن الشأن : شأن الإيمان الذي يثبت الله به قلوب أوليائه في مقابل الرعب الذي تطير منه أفئدة أعدائه إذا التقت الجيوش والتحمت الصفوف .


وإلى طرف من ذلك أشار الطاهر بن عاشور رحمه الله :
"وقد أريد من هذا الظرف وما أضيف إليه تذكيرهم بحالة حرجة كان المسلمون فيها ، وتنبيههم للطف عظيم حفّهم من الله تعالى ، وهي حالة موقع جيش المسلمين من جيش المشركين ، وكيف التقى الجيشان في مكان واحد عن غير ميعاد ، ووجَد المسلمون أنفسهم أمام عدوّ قوي العِدّة والعُدّة والمَكانة من حسن الموقع . ولولا هذا المقصد من وصف هذه الهيئة لما كان من داع لهذا الإطناب إذ ليس من أغراض القرآن وصف المنازل إذا لم تكن فيه عبرة" . اهـــ

وذلك بخلاف الكتب الأخرى التي دخلها التبديل وزيد فيها ونقص منها تبعا لأهواء كُتابِها ، فصارت أشبه بكتب السير ، بل كتب السير أحسن حالا منها من جهة النقل سندا ومتنا ، فضلا عن إسهاب مؤلفيها في سرد أسماء الأماكن بصورة جعلتها كتبا جغرافية ! على ما فيها من ثغرات مكنت بعض النقاد من القدح في نسبتها إلى أصحابها ، وجعلتها محل تندر بعض آخر كفولتير أحد مبشري العلمانية قبل ظهورها رسميا بميلاد الجمهورية الفرنسية .

وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا : قضاء كونيا نافذا لا مرد له ، وإن لم يقع الترتيب منكم أو منهم ، ولذلك حكمة ربانية بالغة أجملها بقوله : (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) ، ثم بين هذا الإجنال ببدل تلا مبدله تلاوة المبين مجمله ، فبعد استثارة الأذهان بالأول جاء البيان الشافي بالثاني :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ : مقابلة بين الفريقين : الهالك والناجي ، فقد قامت الحجة الرسالية عليهما فلا عذر بعد حصول البيان ، إذ ذلك مظنة الامتثال ، فلا يستوي من علم ، ومن جهل ، وإن كان الجهل مظنة الذم ، إذ لا يخلو صاحبه من نوع تقصير في طلب الحق فإن الله ، عز وجل ، قد أقام على الحق ، لمن هدي فتأمل ، البينات الواضحات الموضِحات ، فمن تجرد في طلبه فإن الله ، عز وجل ، يهديه إليه فضلا ، ولو شاء لأضله عدلا ، ولا يظلم ربك أحدا .
والهلاك : معنوي للأديان ، مادي للأبدان ، ولا إشكال في الجمع بينهما ، إذ الكافر : هالك في دينه هالك في بدنه إذا تصدى له مؤمن قد جمع أسباب القوة الروحية والمادية امتثال قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) ، وإن ظهر الكافر فبرهة ، فمآله : الهلاك ، بينما المؤمن : ناج في كليهما فعقد قلبه سليم وبدنه صحيح ، إن ظفر بعدوه ، وإن أصيب ، فإلى دار خير من الدار ، وإلى حال أكمل من الحال ، فيبدله الله ، عز وجل ، بدنا أكمل من بدنه ، وأهلا خيرا من أهله ، ودارا خير من داره ، ورزقا خيرا من رزقه ، وفي التنزيل : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .

وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ : تذييل بصفة السمع لأقوال الألسنة ، والعلم بمكنونات الصدور ، فعم أحوال المكلفين : ظاهرا وباطنا ، علانية وسرا ، وتحت ظلال السيوف تظهر الحقائق وتنكشف المعائب ، فيظهر معلوم الله ، عز وجل ، الأزلي ، على ألسنة وجوارح المقاتلين ، فيسمعها ربنا ، جل وعلا ، سمع إحاطة ، وسمع إجابة لخواصه المؤمنين الذين تلهج ألسنتهم بالذكر والدعاء تأويلَ قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فله ، جل وعلا ، في ذلك الموطن ، وفي كل موطن ، كمال الصفات : ذاتا وأفعالا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
24-04-2009, 08:12 AM
ومن قوله تعالى : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)

استحضار للصورة على ما اطرد من تقرير المنة الربانية ، فهون الخطب عليك ابتداء برؤيتهم قليلا في المنام ، ومفهومه أنه لو رآهم كثيرا لحصل بذلك ما لا تحمد عقباه ، وقد نص على ذلك المفهوم إمعانا في تقرير المنة ، مع أنه متبادر إلى الذهن بالنظر في المنطوق ، فحكم المنطوق يثبت عكسه للمفهوم بداهة ، فلو رأيتهم كثيرا : وفي الكثرة مقابل القلة : طباق إيجاب استوفى القسمة العقلية لأحوال الجيوش عددا وعدة ، فلو رأيتهم كذلك لوقع الفشل والنزاع ، وعطف النزاع على الفشل : عطف لازم على ملزومه ، فإن النفوس إذا جبنت عن اللقاء وقع بينها النزاع فتتضارب الأقوال ، وتضطرب الأحوال ، واعتبر بحال الجيوش المنهزمة كيف يقع الاضطراب في صفوفها فرعا عن فشلها ، والثبات في الميدان نعمة ربانية لا تكون إلا لمن التزم الشرعة الإلهية ، والأمر مطرد سلبا اطراده في الإيجاب فإن الفشل والتنازع عقوبة ربانية فرعا عن مخالفة الشرعة الإلهية .
وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ : فلطف بكم فضلا منه ومنة .
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ : فصل لشبه كمال الاتصال ، فهو بمنزلة العلة لما قبله ، والترابط بين العلة والمعلول وثيق كما تقدم في أكثر من مناسبة ، فالتذييل بتلك العلة مما يناسب السياق ، إذ الله ، عز وجل ، أعلم بما تكنه الصدور من أمور وجدانية جبل عليها البشر من صبر وجزع ، وجرأة ونكول ............. إلخ ، فدبر لكم أسباب النصر فضلا ودبر لعدوكم أسباب الهزيمة عدلا .

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ :
رؤية حقيقة للجيش كله عيانا بعد رؤية قائده لها مناما لتعم الطمأنينة ، وفي المقابل : قللكم في أعينهم استدراجا لهم ، فصار الفعل واحدا ، ولكنه في حق فئة : نعمة جرأتهم ، وفي حق أخرى : نقمة غرتهم فاستخفوا بعدوهم وتلك أولى خطوات الهزيمة ، فما وكل أحد إلى نفسه إلا خذل . وفي التنزيل : (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا : قضاء كونيا كما تقدم .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ : تذييل يناسب ما تقدم من القضاء الكوني النافذ ، فإليه ترجع المقادير فيحكم لا معقب لحكمه ، فينصر من شاء فضلا ، ويخذل من شاء عدلا ، وقد يقال بعموم : "أل" الجنسية في الأمور : فتعم الأمر الشرعي فلا حق إلا ما شرعه ، والأمر القدري فلا نافذ إلا ما قدره .
وفي السياق تقديم ما حقه التأخير حصرا وتوكيدا على ما اطرد مرارا فليس ذلك إلا لله عز وجل .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
25-04-2009, 08:34 AM
وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
شرط للإلهاب والتهييج لا مفهوم له فالأمر بالثبات في الدين وذكر رب العالمين مطرد في كل حين إلا المواضع التي استثناها الشارع ، عز وجل ، من خلاء ونحوه .
وعطف ذكر الله على الثبات : عطف سبب على مسببه ، فالذكر الدائم سبب في التثبيت ، لا سيما في أزمنة الفتن التي تطيش فيها العقول تحت وطأة الشبهات والشهوات فلا يدفع ذلك البلاء إلا بالعلم النافع والعمل الصالح ، فبالعلم تصان القلوب من الشبهات ، وبالعمل تصان الجوارح من الشهوات ، والذكر يشمل الأمرين فمنه العلم الذي يجري على الألسنة ، ومنه الاشتغال بالتسبيح والتهليل ........ إلخ الذي تطمئن به القلوب ، فهذا عمل مراد لذاته ، إذ هو من جنس العبادات المحضة ، ولا غنى لأي عبد في رحلته إلى الدار الباقية عن كلا الدرعين فبهما يتقي وساوس الثقلين ، فشياطين الجن والإنس قد عقدوا العزم على إضلال عباد الرحمن ، وفي التنزيل : (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينً) ، و : (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) ، فلهم من الهمة ما تقصر عنه نفوس كثير من أهل الحق ، وأعمالهم ، مع ذلك ، زبد وإن علا ، ولا محيص من وقوع الصدام بين الفريقين ، وإن تهادنا حينا ، فتلك من السنن الكونية الجارية ولعل ما نراه في زماننا من تدافع بين الحق والباطل في ميادين القتال بالأبدان ، وميادين الحجاج بالأفكار ......... إلخ ، ولعل تلك الهجمة الشرسة من سائر ملل ونحل الباطل على ملة الإسلام ونحلة أهل السنة خير شاهد على تلك السنة الكونية التي يستخرج بها الله ، عز وجل ، مكنون الصدور ، و : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .

وفي الكلام حذف لصفة الفئة لدلالة السياق عليها فهي مقابل الفئة المؤمنة ومقابل الإيمان : الكفر بداهة فلا حاجة إلى ذكرها ، إذ القسمة العقلية في هذا الموضع ثنائية لا ثالث لها كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله .

وقوله : لعلكم تفلحون : معلول آخر للذكر هو أعم من المعلول الأول ، إذ الفلاح أعم من الثبات في مواطن القتال ، فلكل موطن أمر إلهي وتكليف شرعي ، فمن هدي إلى مقال كل مقام فهو الموفق الفالح ، فللحلم مواضع ، وللانتصار مواضع ، وللسان مواضع ، ولليد مواضع كما أن لكل جارحة ما يليق بها من الأفعال .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
26-04-2009, 08:43 AM
ومن قوله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ : إيجابا ، فطاعة الرسول من طاعة مرسله ، فلا يستقل أحد من البشر بالطاعة المطلقة إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وليس ذلك بموجب بشريتهم ، إذ ذلك مما استووا فيه مع بقية البشر ، وإن فاقوهم في بعض القوى ، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ، وإنما تكون تلك الطاعة لاصطفاء الله ، عز وجل ، لهم بالرسالة ، وفي التنزيل : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، فهو من جهة التكوين : بشر ، ومن جهة التشريع : يوحى إليه ، فليس كلامه في معرض تقرير أو بيان الشريعة ككلام غيره ، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا من أوتي الوحي الرحماني ، ولما كان الأمر : صحة دليل وصحة استدلال ، وضع المحققون من أهل العلم مقدمتين لقبول أي خبر من أخبار النبوات : صحة النقل ، وذلك مما انفرد به أهل الإسلام ، فليس لأمة من الأمم إسناد إلى النبي الذي تنتسب إليه ، أو حتى المفكر أو المصلح الذي تنتحل مقالته إن كانت ممن لم تنعم بجنس النبوات ، ليس لكل أولئك ولو سند واحد صحيح إلى معظميهم ، بخلاف أمة الإسلام : أمة الإسناد .
ومعرفة مراد القائل : فإن كان قوله مترجما كأناجيل النصارى ، لو سلم بأن المسيح عليه السلام قد نطق بكل ما فيها فهي أشبه إلى كتب السير منها إلى الوحي المنزل ، إن كان كذلك فلا بد من التأكد من دقة الترجمة حتى لا تحمل الألفاظ المتشابهة من المعاني الباطلة ما تحمل ، فقد تفسد الترجمة المعنى ، وقد تصيره متشابها بعد أن كان محكما لاختلاف أعراف اللغات ، فما تواتر في عصر فصار محكما معلوم المعنى قد يخفى معناه في عصر آخر حتى يصير مجملا يفتقر إلى البيان .

وإن كان قوله منقولا بلغته فلا بد من ملاحظة عرف الخطاب في عصره ، فلا يفسر كلامه باصطلاح حادث بعده ، ولذلك كان الصدر الأول ، خير طباق الأمة ، أعلم الناس بمراد الشارع ، عز وجل ، فرعا عن كونهم أهل اللسان الذي نزل به الوحي ، فكانت لغة الوحي لغتهم قبل طروء العجمة ، وقصر الألفاظ على معان اصطلاحية حادثة تعارف عليها أصحاب الفنون بعد تدوين العلوم .

وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا : عطف لازم على ملزومه ، فإن لازم الطاعة لله ورسوله : عدم التنازع في الأمر ، إذ لا مجال للتقدم بين يدي الله ورسوله ، فتطرد الأقوال والأفعال ، فلا يقع فيها ما يقع في الأقوال والأعمال المحدثة من تفاوت واضطراب تبعا لأهواء القائلين وعقول المفتين ، فكل يستحسن ويستقبح بعقله ، والوحي قد عزل عن منصب البيان . والفاء تفريعية سببية تفيد الفورية ، فالفشل فرع عن التنازع ، مسبب عنه ، تال له .
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ : استعارة جريان الريح واطرادها لجريان أمر الجيش وظهوره إذا استقام على الطريقة النبوية فهو غالب منصور ، ولكنه مبتلى بالثبات على الأمر الشرعي والرضا والتسليم بالأمر الكوني ، وذلك يستلزم صبرا نص على الأمر به فقال :
وَاصْبِرُوا ، وعلة ذلك : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وحسن الفصل ، كما تقدم مرارا ، لشبه كمال الاتصال بين المعلول وعلته وهي قائمة مقام : التذييل اللفظي المشتق من مادة الأمر : "الصبر" ، التي علق عليها حكم المعية الربانية الخاصة لأهل الصبر : معية النصرة والتأييد والتثبيت في مواضع الزلزلة ففي السياق إيماء إلى منفعة الصبر بدلالة منطوقه ، وتعريض بمن لم يلتزمه بدلالة مفهومه ، فقد علق الحكم إيجابا على وجود المعنى الذي اشتق منه وصف : "الصابرين" ، وسلبا على زوال ذلك المعنى فالأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما كما قرر أهل العلم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
27-04-2009, 09:39 AM
ومن قوله تعالى : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)

نهي شرعي عطف على الأمر بالصبر ، فالشريعة : إيجاب وسلب ، إيجاب للممدوحات فعلا ، سلب للمذمومات كفا ، وأشار الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، إلى وجه آخر تكون فيه من باب عطف النهي على النهي بقوله : "جملة : { ولا تكونوا } معطوفة على { ولا تنازعوا } [ الأنفال : 46 ] عطف نهي على نهي" .

وأشار إلى وجه ثالث يكون العطف فيه على أمر آخر فقال :
"ويصحّ أن تكون معطوفة على جملة { فاثبتوا } [ الأنفال : 45 ] عطف نهي على أمر ، إكمالاً لأسباب النجاح والفوز عند اللقاء ، بأن يتلبسوا بما يدنيهم من النصر ، وأن يتجنّبوا ما يفسد إخلاصهم في الجهاد"

وأيا كان الأمر فإن ذلك العطف مما يستوجب استجلاب النصر باستكمال أسبابه من ثبات وصبر وخضوع وتواضع وإخلاص لله ، عز وجل ، بالنهي عن ضده من البطر والرياء ، فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده ، كما قرر الأصوليون ، وليس النهي بمنزلة الأمر ، فالأخير أشرف منه ، ولذلك كان فعل جنس الطاعات أشرف من ترك جنس المعاصي ، إذ الأول مراد لذاته ، بخلاف الثاني الذي يراد لذاته من جهة امتثال النهي ، ولكنه في حقيقته مراد لغيره ، إذ لازمه التلبس بضده من الطاعة ، فهو كالقيد الاحترازي الذي يحمى به جانب الإيمان ، بخلاف الطاعة التي هي جزء من بنيان الإيمان ، فهي شرط لكماله الواجب للخروج من دائرة الذم الشرعي والوعيد بالعقاب الأخروي ، وليس ما أريد لغيره كما أريد لذاته ، فالثاني كما تقدم أشرف وأعلى رتبة .
وجاء الحال بالمصدر : بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ : مبالغة في الذم ، على وزان : جاء زيد مشيا ، فهو أبلغ في وصف حاله متلبسا بالفعل من جاء زيد ماشيا ، أو جاء زيد : يمشي .
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ : عدول عن الوصف بالاسم إلى الوصف بالفعل إرادة بيان التجدد والحدوث ، كما أشار إلى ذلك الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، فذلك دأبهم الدائم فليس وصفا عارضا ، وإنما هم ، كأهل الباطل في كل زمان ، مصرون عليه ساعون فيه ، قد عقدوا العزائم والنوايا على نصرته ، وشمروا السواعد وأنفقوا الأموال وجندوا العقول والأذهان طلبا لغلبته ، فالسنة الكونية مطردة إذ بجلدهم على الكفران تظهر مزية أهل الإيمان ، فيقع التدافع بين الحق القديم والباطل المحدث .

والله بما يعملون محيط : تذييل بصفة علم الإحاطة الكونية ، فقد علم الله ، عز وجل ، ما هم فاعلون أزلا ، وفي ذلك تهديد ووعيد لهم ، وتعريض بكل من زين له شيطانه محادة الله ، عز وجل ، وحرب أوليائه .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
28-04-2009, 09:11 AM
ومن قوله تعالى : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
إيجاز بحذف العامل ، فتقدير الكلام : واذكر إذ ، وتزيين الشيطان لهم ، إنما هو بإرادة الله ، عز وجل ، الكونية ، فهو عقوبة قدرية لمخالفة الأمر الشرعي ، فلا يتسلط الشيطان ذو الكيد الضعيف على الإنسان إلا إذا ابتعد عن الله ، عز وجل ، فسقطت حصون إيمانه تحت وطأة حصار شياطين الإنس والجن لها ، فلم يكن لهم أن يقتحموها إلا فرعا عن تفريطه الشرعي في جناب ربه العلي ، فإرسالهم عليه : عقوبة كونية مقدرة ، وفي التنزيل : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) .
ثم جاء بيان ذلك التزيين بعد إجماله فأطنب في خداعهم فقال : لا غالب لكم اليوم ، و : "أل" في : "اليوم" : للعهد الحضوري أي : يوم بدر ، و : "أل" في الناس : عهدية ذهنية تشير إلى المؤمنين أو على أصلها : جنسية استغراقية إمعانا في التغرير بهم بوعوده الكاذبة التي زادتهم بطرا ورئاء فظنوا أنهم الأعلون ، وهم الأدنون ، وواصل خداعه فقال وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ : ، ثم كانت عاقبة الأمر : أن فر ، وأطنب في الاحتجاج كما أطنب في الاستدراج ، (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) ، وإظهار الاسم الكريم في موضع الإضمار في : (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، فيه من بيان العظمة والجلالة الإلهية ما يناسب سياق وعيد من تصدى لحرب جند الرحمن من الملائكة الكرام والصحب الأخيار رضي الله عنهم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
29-04-2009, 09:04 AM
وقوله تعالى : (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49))
استحضار لحال المنافقين ، والذين في قلوبهم مرض ، وهم صنف سرى الشك إليه ، ولما يدخل الإيمان في قلبه ، وإن حصل له إسلام في الجملة ، وهم بالنسبة لجمهور المؤمنين قلة ، بل إنهم عند التحقيق ، خارجون عنهم ، بائنون منهم ، بدليل إشارة أولئك للمؤمنين بإشارة البعيد : "هؤلاء" فدل ذلك على أنهم لم يكونوا من الطائفة المنصورة آنذاك ، وهذا أمر مشاهد في كل زمان ، فتجد المؤمن الجازم ، وتجد المؤمن المضطرب الشاك فهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، وإن كان مؤمنا في الجملة إيمانا يخرجه عن حد الكفران ، وتجد المنافق الذي يستخفي بنفاقه فإذا ما واتته أي فرصة أظهر مكنون صدره من غل وحقد على الدين وأهله ، وتأمل حال العلمانيين في زماننا ، وقد حصل لهم نوع تمكين إملاء واستدراجا لهم ، وعقابا وابتلاء للمؤمنين ، ففتنتهم عقاب لمن قصر في الأخذ بأسباب الشرع العاصم ، ابتلاء لأهل الإيمان تجري به سنة التدافع بين الحق والباطل .
والقول في هذا السياق : قول لفظي في حق المنافقين فقد ظهر على ألسنتهم صراحة ، وقول في النفس في حق ضعاف الإيمان فلم تنطق بها ألسنتهم ، وإلا نافقوا بذلك ، بل نزل شك صدورهم منزلة القول بجامع ظهور الحال بكليهما فاللسان لسانان : لسان مقال ولسان حال .
وقد استعار المرض الحسي للمرض المعنوي ، ونص على موضع الداء ، إذ الشبهات والشهوات إنما تصيب القلوب ابتداء فيظهر فسادها على الألسنة والجوارح انتهاء ، فكل فساد عملي ، فإنما هو فرع عن فساد القلب العلمي ، فالحكم فرع عن التصور ، بصلاحه يصلح وبفساده يفسد .
غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ : بأن وعدهم النصر ، ففيه مجاز إسنادي ، عند من يقول بالمجاز إذ نسب الفعل إلى الدين إجمالا ، وإلى نصوص الوعد بالنصر والتمكين تحديدا ، من قبيل : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ، وأشير إلى المسلمين إشارة البعيد مع عدم تقدم ذكرهم ، فلا مرجع لاسم الإشارة ، لدلالة السياق عليه ، فكلام المنافقين ومرضى القلوب لن يتناول بالذم والثلب إلا المؤمنين .
وفي المقابل : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ :
فهو شرط سيق مساق الوعد ، ففيه نوع حض على التوكل على الله ، عز وجل ، بعد الأخذ بأسباب النصر الكونية ، إذ من توكل عليه فإنه : العزيز الذي لا يغلب ولا يغلب من التجأ إلى حماه ، وهو الحكيم فلا يهب النصر لمن لا يستحق ممن عطل الشرع والكون ، فلم يمتثل الأمر شرعا ولم يعد العدة كونا ، فإن في ترك العمل بالشرع شؤما تباد به أعظم الجيوش ، وفي ترك الأخذ بأسباب الكون : نقصا في العقول يستحق أصحابه التعزير إذ عطلوا السنن التي أقام الله ، عز وجل ، عليها كونه .
وكل يبذل السبب في تحصيل مراده ولكن المؤمن يمتاز عن غيره باستحضار النية التي تصير العادة الكونية العامة : عبادة شرعية خاصة .
وقد أظهر الاسم الكريم : "الله" في : "فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" ، وحقه الإضمار لتقدم ذكره تربية للمهابة في قلوب الكافرين المغلوبين ، والعزة في قلوب المؤمنين الغالبين .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
30-04-2009, 09:45 AM
ومن قوله تعالى : (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)
استحضار لحال الكفار حين الاحتضار ، وقتلاهم في الحرب أولى الناس بالحكم ، إذ هم الأعظم جناية بمباشرة أسباب الحرب لله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فضلا عن دلالة السياق على ذلك ، فبعد فرار الشيطان الذي خذلهم ، وقعت فيهم المقتلة والمأسرة ، والتبكيت بالفعل : ضربا للوجوه والأدبار فعم ما أقبل وأدبر ، والقول : ذوقوا عذاب الحريق ، فالأمر : أمر إهانة ، وجيء بالمصدر وصفا كناية عن شدة إحراق العذاب وإيلامه .

وجعله الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، من إضافة الجنس إلى نوعه بيانا ، فنوع العذاب : عذاب الحريق .

ذلك : ما تقدم ، بسبب أعمالكم ، وخصت الأيدي بالذكر لأنها آكد ألات مباشرة الأفعال واكتسابها .
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ : نفي وصف نقص عن الباري ، عز وجل ، أكد بالناسخ المؤكد : "أن" ، واسمية الجملة ، ودخول الباء على خبر الناسخ ، ونفي النقص في باب الصفات الإلهية : يستلزم إثبات كمال ضده لرب البرية ، جل وعلا ، فليس النفي المحض مدحا حتى يقترن بإثبات كمال ضده ، فمفهوم الكلام : بل هو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين ، فقد حكم عليهم بالكفر بإرادته الكونية النافذة لحكمة جريان سنة المدافعة بين الحق والباطل ، ولم يظلمكم شيئا ، إذ ليس مفتقرا إلى ما في أيديكم من عطاياه التي من بها عليكم ابتداء ، ليس مفتقرا إليها ليظلمكم بسلبه إياها ، فالهدى فيض من عطاياه ، إن كان لكم من دونه فقد ظلمكم إياه ، وليس ذلك بحق ، بل هو محض عطائه يهبه من شاء فضلا ويمنعه من شاء عدلا .

وجيء بصيغة المبالغة إشارة إلى تعدد العبيد ، فلا مفهوم لصيغة المبالغة ليقال ليس بظلام ، ولكنه قد يكون ظالما ، تعالى الملك عن ذلك علوا كبيرا .


وإليه أشار الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، بقوله :
"ونفي ظَلاَّم بصيغة المبالغة لا يفيد إثبات ظلم غير قوي ؛ لأنّ الصيغ لا مفاهيم لها ، وجرت عادة العلماء أن يجيبوا بأنّ المبالغة منصرفة إلى النفي كما جاء ذلك كثيراً في مثل هذا ، ويزاد هنا الجواب باحتمال أنّ الكثرة باعتبار تعلّق الظلم المنفي ، لو قدر ثبوته ، بالعبيد الكثيرين ، فعبّر بالمبالغة عن كثرة أعداد الظلم باعتبار تعدّد أفراد معموله .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
01-05-2009, 09:23 AM
ومن قوله تعالى : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)
قدم الحكم تنفيرا ممن حاله كذلك ، فذلك أبلغ في مخالفة طريقته ، فالأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما ، وقد نزل بهم وصف الكفر إلى دركة الدواب ، بل شرها ، وذلك من الدناءة بمكان .
فهم لا يؤمنون : فرع عما تقدم ، في معرض الإطناب في الذم ، فلازم ذلك الوصف : هذا الحكم فلا يتصور إيمان على جهة التكليف من بهيم شرير .
الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ :
إجابة عن سؤال مقدر عن حال أولئك لئلا يتلبس المكلف بوصفهم ، فمن أولئك الذين استحقوا ذلك الذم ؟ : الذين ، فيكون في السياق حذف للمبتدأ على تقدير : هم الذين ، أو : يقال بنصب الموصول على جهة الذم ، أو على جهة البدل أو عطف البيان من : "الذين كفروا" ، وكلها مجلية موضحة لحالهم وإن امتاز كلٌ بمعنى لا يوجد في غيره .

فهم : الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ : وصيغة المضارع ، كما يقول أبو السعود ، رحمه الله ، مئنة من التجدد فتلك حالهم المطردة ، فقد انطوت الصدور على نية الغدر سلفا ، وإن تظاهروا بالوفاء حينا ، فإن صارت المصلحة النفعية العاجلة في نقض العهود نقضت ومزقت ، وتأمل حالهم من زمن الرسالة إلى يوم الناس هذا ، فالغدر أصل والوفاء استثناء ، وما ذلك إلا لفساد تصورهم العلمي ، فلو قدروا الله ، عز وجل ، حق قدره ، فعلموا أنه مطلع على سرائرهم لأورثهم ذلك نوع تعظيم للعهود والمواثيق ، على جهة التدين ، ولكنهم أساءوا الأدب معه فوصفوه بأوصاف النقص ، فقل تعظيمه ، جل وعلا ، في نفوسهم ، فتجرءوا على نقض عهده وقتل رسله وحرب أوليائه ، وكل فساد في العمل فإنما مرجعه عند التحقيق لفساد في العلم عريض .

وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ : تذييل منزل منزلة العلة لما قبله ، فهم لا يتقون رهبة ولا يرجون رغبة ليلتزموا أمرا شرعيا ، فغايتهم تحصيل منفعة عاجلة ولو بأدنى الحيل وأخس الطرق .
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ : تفريع عما تقدم . وفي مقام الحث على قتالهم جيء بالتوكيد بالنون المثقلة ، إذ ما تقدم من سوء وصفهم وفساد طريقتهم مظنة التوكيد على استئصالهم إذا جمعتنا بهم ساحة قتال .
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ : فلعل حرارة السيف توقظ قلوبهم من غفوتها ، فتؤتي الشدة من الثمرة ما لا يؤتيه اللين ، ولكل موضع ، فمن الناس من تلائمه الحجة والبرهان ، ومنهم من يلائمه السيف والسنان .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
02-05-2009, 10:46 AM
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ :
توكيد يناسب السياق ، فلا يكفي مجرد الظن حتى يترجح ، فيغلب على الظن أنهم خائنون لا محالة فيكون الخوف عندئذ قد صار بمنزلة الواقع الذي يلزم التصدي له .
والسياق عام في كل قوم ، وقل مثل ذلك في الخيانة التي وردت منكرة في سياق الشرط .
فانبذ إليهم : ولا يكون إعداد العدة للقائهم إلا بعد إعلامهم . فيكون نبذك عهدهم على طريق مستو ظاهر لا لبس فيه لئلا يشوبك من ذلك شائبة خيانة كما ذكر ذلك أبو السعود رحمه الله .

وعلة ما تقدم : إن الله لا يحب الخائنين ، فهو بمنزلة التذييل اللفظي إذ مادة الخيانة قد وردت في سياق الشرط بصيغة المصدر ، ثم وردت في العلة المؤكدة بــ : "إن" بصيغة اسم الفاعل : "الْخَائِنِينَ"، وحسن الفصل ، كما تقدم مرارا ، لشبه كمال الاتصال بين العلة والعلول فهي بمنزلة جواب لسؤال تولد مما تقدمها من الشرط ، إذ التقدير : وما الموجب لالتزام ذلك الشرط ؟ ، فجاء الجواب بالنص على ما ينفر المكلف من مخالفته ، فأي شؤم أعظم من أن تنتفي محبة الله ، عز وجل ، لعبده ، فرعا عن ذنب خالف به أمره الشرعي ، وإن كان واقعا بأمره الكوني ؟ .

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ :في مقام تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يحسبن أعداؤكم من الكفار أنهم سبقوا الله ، أو سبقوكم ، بنجاة مؤقتة ، فمصيرهم الهلاك إما بسيوفكم ، وإنا بعقوبة كونية عاجلة ، فإن تأخرت العقوبة في الدنيا فالنار مثوى لهم .
وقوله تعالى : (إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) : تعليل سواء قرئ بالفتح على تقدير : لأنهم ، أو الكسر ، إلا أن الكسر يزيد عليه دلالة الاستئناف ، إذ تكسر همزة إن وجوبا في صدر الكلام ، كما أشار إلى ذلك صاحب الكشاف ، غفر الله له ، فهو على ما تقدم من التذييل المعنوي بورود العلة عقيب معلولها ، فالنهي الذي أريد به التسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتبكيت والمساءة لأعدائه علته : أنهم لن يعجزوا الله ، عز وجل ، هربا .

والله أعلى وأعلم .

نـُورُ الـدِّيـن ِ مَحْـمُـود
02-05-2009, 02:02 PM
أحسنت أخي الكريم أحسنَ اللهُ إليك َ .. بورك فيك وزادك علماً ورفعة .. وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك ..

مهاجر
03-05-2009, 09:46 AM
أحسن الله إليك : نور الدين : أيها الكريم ، وجزاك خير الجزاء على المرور وحسن الظن .

ومن قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)

أمر على أصله للإيجاب ، والقدرة مناط التكليف ، فأعدوا لهم : (مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) ، وعطف رباط الخيل على القوة : عطف خاص على عام تنويها بذكره ، إذ كانت الخيل من أعظم العدة في قتال الكفار ، وليس النص عليها تخصيصا لعموم القوة ، بل لكل زمان قوته ، ولكل جيش عدته ، فيقاس عليها من باب القياس المساوي بملاحظة المعنى الكلي الجامع وهو كونها مما يستعان به في الحروب من الآلات يقاس عليها كل سلاح حديث لا سيما ما شاركها الوصف الأخص من المدرعات وناقلات الجنود ، فكل وسيلة لنقل الرجال والمؤن تقاس عليها قياسا مساويا .
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ : نص على علة ذلك الإعداد ، فهو من باب سد الذرائع ، إذ رؤيتهم عدتكم الحقيقية لا الوهمية التي نراها في العروض العسكرية الفلكلورية ! لجيوش العالم الثالث المتهالكة ، رؤيتهم لذلك مع تلمسهم لعقيدة قتالية شرعية لا وطنية تقدس التراب الوطني الذي تطؤه النعال ليل نهار ! ، كل أولئك مما يرهب قلوبهم فيكفوا عن قتالكم ويطلبوا سلمكم ، وما نحن فيه اليوم من طلبهم لنا في كل مكان حتى في بلادنا إنما هو عقوبة كونية نافذة فرعا عن مخالفة هذا الأمر الشرعي .
وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ : طباق بالسلب يزيد المعنى بيانا في معرض بيان كمال علم الرب ، جل وعلا ، في مقابل نقصان علم العباد القاصر . وذلك أصل مطرد في كل صفة اشترك فيها الخالق ، عز وجل ، والمخلوق ، فالاشتراك واقع في المعنى الكلي على سبيل الاشتراك المعنوي ، دون كمال الوصف وحقيقته ، فللرب ، جل وعلا ، منه الكمال المطلق والحقيقة الغيبية التي لا تدركها العقول القاصرات ، وللمربوب منها الكمال المقيد بحاله التي لا تنفك عن النقصان بحكم الجبلة التكوينية ذات القدرات المحدودة ، فليس سمع الباري ، عز وجل ، الذي وسع الأصوات كلها ، كسمع المخلوق المحدود ، وعلى هذا فقس ، إذ لا بد من قدر مشترك لتدرك العقول المعاني ، وقدر فارق يمتاز به الباري ، عز وجل ، المتصف بكل كمال مطلق ورد به الخبر فضلا عما حجب عنا من نعوت جماله وجلاله ، يمتاز به عن المخلوق الناقص .

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ : إلهاب بشرط سيق مساق الوعد ، وهو تذييل معنوي بديع جار على ما تقدم من سياق إعداد العدة ، إذ لا يكون ذلك إلا بالبذل ، فيكون من باب عطف السبب على مسَبَبه .


والله أعلى وأعلم .

مهاجر
04-05-2009, 10:55 AM
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ :
أي مالوا : فاستعير فيه الجنوح الحسي للجنوح المعنوي ، فإن طلبوا السلم فرعا عما رأوه من قوتكم المعنوية والمادية التي أدخلت الرهبة في قلوبهم : فاجنح لها : أمر إباحة أو إرشاد ، فيه جناس أو مشاكلة بين : "جنحوا" و : "فاجنح" تزيد المعنى بيانا ، فليس ذلك بواجب ، بل هو منسوخ على قول طائفة من أهل العلم ، منسوء على قول طائفة آخرى ، وهو الراجح ، فيرجع في ذلك إلى المصلحة الشرعية المعتبرة ، فقد تكون المصلحة في المهادنة حينا لتجهيز العدة ، أو لضعف اعترى المسلمين فلا يقدرون على النهوض لقتال أعدائهم ، والأيام دول ، والمرض يعتري الأمم كما يعتري الأبدان ، فتصح تارة وتعتل أخرى ، و : (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ، وقد تكون المصلحة الشرعية في نصب القتال لهم جهادَ دفع للذب عن بيضة الدين ، أو طلبٍ لتبليغ رسالة رب العالمين ، فيعمل في كلٍ بحكمه ، إذ ليس حكم الضعيف كحكم القوي ، فالأحكام ثابتة في مناطاتها ، متباينة في تحقيقها تبعا لحال الأمة ، والفقيه من نظر في أحوال زمانه ، فألم بها قبل أن يقضي بفعل أو ترك ، وميزان المصالح والمفاسد ميزان دقيق ، والناس فيه ما بين مضيق وموسع ، فمضيق لا أثر لروح الشريعة في قضائه ، وموسع يتذرع بفقه المصالح والمفاسد لإهدار مصالح شرعية معتبرة باسم : "فقه الواقع" ! ، فيؤول حاله إلى تعطيل الشريعة باسم الشريعة تكلفا لسماحة هي إلى التفريط أقرب ، وحسن النية لا يصلح ما يطرأ على الأقوال والأفعال من فساد بتخطي حاجز الشرع العاصم .

والاستدلال بهذه الآية على عقد المعاهدات الباطلة شرعا التي حُيِدَ فيها قطاع عريض من المسلمين وأقصي من ساحة النزال تحت شعار : التنمية ، وحرب كذا : آخر الحروب ، ومعركة السلام الوهمية التي اصطنع لها أبطال من ورق لا تقل ضراوة عن معركة الحرب التي قادها الأبطال من غرف العمليات المكيفة ! ، ثم تبجحوا بصناعة السلام صناعتهم النصر الذي من الله ، عز وجل ، به على ثلة من الضباط والجنود أخلصت النوايا لرب العالمين فلم تكن على طريقة القادة والزعماء الملهمين ! ، فكانت عاقبة تلك التبجح أن حل العقاب الرباني العاجل ، وبيع النصر بعد ذلك بثمن بخس : دولارات معدودة ، الاستدلال بهذه الآية على تلك المهزلة هو مثال قياسي لما أشار إليه ابن القيم ، رحمه الله ، في "إعلام الموقعين" من جناية التأويل الفاسد على الأديان .
وتوكل على الله : فهو القادر على رد عدوانهم إن أضمروا غدرا ، فأظهروا نية السلم وأبطنوا نية الحرب ، وعلة ذلك التوكل : إنه هو السميع العليم ، فهو السميع لما يتناجون به ، العليم بمكنونات صدورهم ، فالتذييل بهذين الوصفين : تذييل معنوي بديع يناسب السياق ، أيما مناسبة ، وهو مفصول لشبه كمال الاتصال على ما اطرد في آي الكتاب من التلازم بين العلة ومعلولها .

فالسمع والعلم في حق المؤمنين : باعث على الطمأنينة إذ لازمه النصرة والتأييد بفضح مكنون صدور أعدائهم .

وفي حق الكافرين : باعث على الخوف إذ لازمه التهديد بكشف أمرهم وفضح سترهم .

فالألفاظ واحدة والموارد مختلفة تبعا لأحوال أصحابها قربا وبعدا من الإيمان : مناط النصر في الأولى والنجاة في الآخرة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
06-05-2009, 10:37 AM
ومن قوله تعالى : (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
وفي مقام التسلية :
وإن يريدوا الخيانة بعقد الصلح ظاهرا ونية الغدر باطنا فجواب ذلك :
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ : مؤكدا بــ : "إن" وتعريف الجزأين ، فهو ناصرك وكافيك وحده ، فالقصر هنا : قصر حقيقي .
ودليل ذلك : (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) ، فالفصل على ما اطرد من التعليل بطريق الاستئناف ، لقوة التلازم بين العلة والمعلول ، كما أشار إلى طرف من ذلك أبو السعود رحمه الله .

فأيدك بالفعل الذي يدل على ربوبيته القاهرة ، فالنصر لا يكون إلا بكلمته التكوينية النافذة فرعا عن امتثال كلمته الشرعية الحاكمة وبالمؤمنين : فأعيد حرف الجر توكيدا بالتكرار ، وزيد في المنة الربانية بذكر بالإشارة إلى حالهم قبل البعثة ، والعرب قد جبلوا على اختلاف القلوب وقسوتها فلا ينتظمهم إلا سلك الرسالة التي ألفت بين قلوبهم ، والتأليف بين قلوبٍ هكذا وصفها لا يكون إلا بأمر الرب ، عز وجل ، مصرف القلوب ، فذلك مئنة من كمال ربوبيته إذ جمع من لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولا جمعت بين أبدانهم ، فالجماعة قد تجلت في أبهى صورها في عصر الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، قبل ظهور الأهواء ، فكانت جماعة أديان باطنة وأبدان ظاهرة ، فجمعهم عقد القلب ، وجمعتهم المدينة النبوية ، ولما تطاول الزمن ، وظهرت الأهواء ، في الأمصار النائية التي لم تشرق عليها شمس الرسالة إشراقها على مهبط الوحي ، بدأ البنيان في التصدع ، كما اطرد في السنة الكونية الجارية : فليس بعد التمام إلا النقصان ، وإن بقيت طائفة من الأمة على الأمر الأول لا يضرها من خذلها ، ولا ينال منها عدوها ، فإن تطاول عليها بإيصال الأذى إلى الأبدان فلا سبيل له إلى التطاول عليها بتحريف الأديان ، فدينها محفوظ وإجماعها معصوم والسائر على طريقها وإن قل منصور .

وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ : طباق بالإيجاب فنفى الفعل عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأثبته لنفسه إمعانا في بيان النعمة الربانية بتأليف القلوب على الوحي المنزل ، وعلة ذلك : إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ : فإجراء القلوب على مراده من تمام عزته إذ العزيز لا يغلب ، وهو مع ذلك حكيم لا يضع الهدى إلا في محل قابل ، وأي محال قبلت بذرة الإيمان قبول قلوب الأصحاب ، رضي الله عنهم ؟! ، لها ، فهم خير طباق الأمة .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : نداء لبيان علو منزلة المنادى ، فلم ينادَ في الكتاب العزيز إلا بوصف النبوة أو الرسالة ، إجلالا لقدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
حسبك الله : توكيد بتكرار الحسب مقصورا بتعريف الجزأين ، وحسب من اتبعك من المؤمنين ، بتقدير مضاف اقتضاء ، فهو كافيك وكافي أتباعك ، فثبت للفرع حكم الأصل بجامع علة اتباع الرسالة الخاتمة ، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، كما تكرر مرارا ، ففيه نص بالمنطوق على حكم المتابعة كفاية ونصرا ، وإشارة بالمفهوم على حكم المخالفة خذلانا وهزيمة ، فإن السنة جارية طردا بالإيجاب والسلب ، وفي ذلك إلهاب على امتثال أحكام الرسالة وترهيب من مخالفتها ، فتلك النصوص ، عند التحقيق ، أخبار يراد بها الإنشاء بدلالة اللزوم ، فليست إنشاءات صريحة ، وليست أخبارا أريد بها الإنشاء قياسا ، وإنما ورد عليها الإنشاء بطرد لوازمها على التفصيل المتقدم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
10-05-2009, 06:16 AM
ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)
نداء بوصف النبوة الآمر الناهي فرعا عن أمر الشارع ، عز وجل ، ونهيه ، فمقام النبوة مقام التبليغ عن رب العالمين : بلاغا معصوما لا يتطرق إليه الخطأ أو الذهول أو النسيان بخلاف إعلام بقية الموقعين من العلماء والمجتهدين فإنهم ، وإن سمت نفوسهم واتسعت علومهم ليسوا براجي عصمة فيلزمهم أن يردوا قولهم إلى قول الوحي ، فإن وافقه فعنه يصدرون ، وإن خالفه لم يحظ بشرط القبول ، وإن كان القائل أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله عنهم : أرشد الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
حرض : إلهابا لحماسهم فللأمر الشرعي أبلغ الأثر في قلوب المؤمنين الذين تعلق بهم الحكم ففيه تعريض بغيرهم ممن لم يستجب لداعي الشرع الآمر ، فانصاع لداعي الطبع الغالب الذي يؤثر الدعة والسلامة ، ولو ناله من ذلك الذل والمهانة ، كحال أمة الإسلام التي أخلدت إلى الأرض فرضيت بالزرع واتبعت أذناب البقر ! .
و : "أل" في "القتال" : عهدية تشير إلى قتال أعداء الدين : أشرس قتال عرفته البشرية وإن رغمت أنوف العلمانيين والشيوعيين والماديين ممن قصروا علل الحروب على الأغراض المادية البحتة ، فالإنسان عندهم لا يتحرك ولا يتعصب إلا لبطنه وفرجه ! . وذلك طابع حيواني غلب على الشيوعية واقتبست العلمانية المعاصرة من شعبه ما اقتبست ! . فقضاء الوطر أسمى أماني الفرد في المجتمع العلماني ، وتأمل حالهم تجدهم كسائر من أعرض عن سلوك طريق النبوات فسار في مسالك الشبهات والشهوات ، فالغالب عليهم الإلحاد ، بلسان الحال أو المقال في كثير من الأحيان ، فلا ترى من النصرانية إلا رسوما يجيد الساسة تفعيلها : "وقت اللزوم" لحشد الرعاع لحرب الإسلام مع أنهم علمانيون ملاحدة فلا تعظيم لأي دين في قلوبهم ، ولكنه أداة فعالة في تحقيق أغراض الساسة ، فقد صار الدين عندهم إما محض ذكريات تعسة تشمئز نفس الأوروبي العصري ! من استحضارها ، لما وقع فيها من كبت وحجر على العقول وتسلط على الأبدان بصنوف الإهانات وإما وسيلة فعالة في تجييش المشاعر ضد الخطر القادم من الشرق المسلم وجنوب المتوسط . وفي حرب البلقان ، كما تقدم في مناسبات عديدة ، كان الشعار : لا لكيان إسلامي في جنوب القارة العجوز ، فتحرك عباد الصليب على ما بينهم من شقاق فرعا عن النزاع التاريخي بين الأرثوذكس والكاثوليك من لدن مجمع نيقية وإلى يوم الناس هذا ، تحركوا تحت غطاء سياسي وعسكري أوروبي لاستئصال تلك الدولة الناشئة ، وبالأمس كان بيندكت زعيم الكاثوليك يعرض بالإسلام ، فانتقد تسييس الدين واستعماله في حشد الأتباع انتصارا لطائفة على أخرى ! ، وهو بذلك لا يعني إلا القضاء على عقيدة الولاء والبراء الإسلامية : أوثق عرى الإيمان فعلى المسلم أن ينسى أنه مسلم ، ويكفيه أنه مصري أو ........ إلخ ، وعلى الجانب الآخر تربى أجيال على كراهية الإسلام والطعن في ثوابته واستحلال محارمه ، وليس ذلك تسييسا للدين ! ، وإنما تسييس الدين هو : امتثال أحكامه القلبية ولاء وبراء ، و : رمتني بدائها وانسلت ! .

وقيل عن الغرب النصراني : إنه علماني الأفراد ، ديني الدولة ، ففساد الأديان والأخلاق على المستوى الفردي فيه أظهر ، وقيل عن الشرق المسلم : إنه ديني الأفراد ، علماني الدولة ، فأفراده مع ما هم عليه من فساد بتنحية الشرع المنزل في كثير من شئونهم أحسن حالا من أفراد المجتمع الأوروبي العلماني ، ففي الشرق تجد تعظيما للدين وشعائره ، وإن لم يلتزم بها المعظمون ، وتجد من الشعائر اليومية التي تربط الناس بالوحي المنزل ما لا تجده هناك ، وتجد من تعظيم الأعراض المصونة ما لا تجده هناك من أعراض صارت كلأ مباحا لكل راع وراتع ، وفي المقابل : تجد دولته علمانية الطابع لا يحركها إلا المصالح السياسية والاقتصادية ، فالمسألة عندها : لعبة توازنات استراتيجية ، والولاء والبراء للتجمعات الدولية والإقليمية التي تخدم مصالحها المادية البحتة ، وحتى في صراعها مع أصحاب المذاهب الهدامة تجدها تتعامل مع الأمر من وجهة سياسية وإن استعانت بالكوادر الدينية كما يحدث الآن في مصر في إطار الحملة على بدعة الغلو في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وسب الصحابة ، رضي الله عنهم ، فمنتحلو تلك البدعة من العجم الذين تغلي قلوبهم حقدا على العرب حملة الرسالة يسيسون المذهب فيحشدون الأتباع باسم حب الآل ، رضي الله عنهم ، وهدفهم التمدد السياسي لاستعادة إمبراطوريتهم التي داستها سنابك خيول الفتح في القادسية ونهاوند ، وفي المقابل : الحكومة المصرية تدفع عن كيانها السياسي الضعيف بالحد من انتشار ذلك الفكر المؤذن بوقوع توتر طائفي آخر بالإضافة إلى التوتر الطائفي بين : المسلمين والنصارى ! و : "خبطتين في الراس توجع" كما يقال عندنا في مصر .

الشاهد أن ذلك الإلحاد المتفشي في أوروبا : فساد علمي بتنحية النبوات ، تفرع عنه الفساد العملي في الأخلاق والمعاملات ، وذلك أمر مطرد ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا ، فحيث صلح العلم : صلح العمل ، إذ أدواته تبع لمستودع العلوم : القلب ، وإذا فسد الأول أصلا فسد الثاني تبعا .


إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ : خبر أريد به إنشاء الأمر بمصابرة الواحد العشرةَ ابتداء ، إذ كان المؤمنون قلة فشق التكليف فرعا عن قلة العدد والعتاد ثم جاء التخفيف لما زالت العلة بكثرة العدد وتوافر العدد . وقوله : بأنهم قوم لا يفقهون : تفريع بذكر السبب فيه من الذم لأهل الكفر ما هم له أهل فرعا عن ضلالهم بمخالفة الأمر الشرعي فإن ذلك مئنة من عدم الفقه ، بل صار في أحيان كثيرة مئنة من عدم العقل : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) .
الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ : امتنان من الله ، عز وجل ، بورود التخفيف الشرعي ، فورد الناسخ المخفف على المنسوخ المثقل . و "أل" في : "الآن" : للعهد الحضوري .

وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا : علما أزليا ، صار شهادة بوقوعه في دار التكليف فتعلق به حكم التخفيف إذ الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما كما تقرر في التشريع .
فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ : خبر أريد به إنشاء الناسخ المخفف بمصابرة الواحد الاثنين .
بِإِذْنِ اللَّهِ : الكوني فرعا عن التزام أمره الشرعي المتقدم .
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ : على الأمر امتثالا وعلى الألم احتسابا فهي معية خاصة ، أظهر فيها الاسم الجليل وحقه الإضمار عناية بشأنهم ، إذ معية النصرة والتأييد مظنة العناية والرعاية الربانية فرعا عن امتثال الشرعة الإلهية فالترابط بينهما أمر قد اطرد بيانه في نصوص الوحي المنزل .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
22-05-2009, 12:40 PM
ومن قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
نفي جحود يقتضي المبالغة في عتاب الرب ، جل وعلا ، نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إذ فعل خلاف الأولى ، فأبقى على أسرى بدر ، ترجيحا لرأي الصديق ، رضي الله عنه ، وهو من هو في الجمال ، على رأي الفاروق الملهم ، رضي الله عنه ، وهو من هو في الجلال ، فكان المشهد : مشهد جلال لا مشهد جمال إذ الأصل في القتال : جلال السيف الناصر ، فللحديد الناصر ميدانه وللكتاب الهادي ميدانه ، ولكل ساحة نزال رجالها ، فأرباب القلم رجال ميادين الذب باللسان ، وأرباب السيف رجال ميادين الذب بالسنان ، ولا غنى لدين الإسلام عن كلا الصنفين ، فصنف يقرر ويؤصل ويدحض شبهات الخصوم ، وصنف يذب وينصر ويريق دماء أعداء الملة في ساحات الوغى ، دفعا وطلبا ، فيدفع العدوان ، ويرفع العوائق التي أقامها طواغيت الأرض لصد الأمم عن الدين الخاتم : دين المنقول الصحيح والمعقول الصريح ، فهو الدين الذي فطر الله ، عز وجل ، الناس عليه مصداق قوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فمن المحال أن يتناقض الدين الذي أنزله الله ، عز وجل ، على قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع العقول والفطر التي ذرأها الله ، عز وجل ، فإن المصدر واحد ، وتصور ذلك : إساءة ظن بالباري ، عز وجل ، ما بعدها إساءة ، فهو الذي خلق هذا الإنسان وركب فيه ذلك العقل ، وغرز فيه تلك الفطرة التي تحمله على التأله حملا فإن لم يتأله للمعبود الحق ، جل وعلا ، المتصف بكل كمال ، المنزه عن كل نفص ، الذي أنعم عليه بالخلق ابتداء ، فأوجده من عدم ، ولم يك شيئا ، ثم أعده فزوده بآلات الإدراك ، ثم أمده بمدد النبوات ، وليس له فيه غرض ، فلم يتودد إليه تودد المخلوق الذي يصانع المخلوق لغاية يريدها منه ، فإذا نالها أعرض ونأى بجانبه ، وإنما خلقه ليكرمه في الدنيا باتباع روح : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) ، وفي الآخرة بروح : (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) ، فروح الدنيا يستلزم روح الآخرة ، ومن فاز به في الدنيا فاز به في الآخرة ، فهنيئا له ! ، فهو في روح دائم يتنقل في رياض جنان الأرض ، جنان : "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قَالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ حِلَقُ الذِّكْرِ" ، فيرتع فيها فإذا ما انتقل إلى جوار الرب الكريم ذي الأفضال والمنن ، جل في علاه ، فهو مرتحل من جنان الذكر الأرضية إلى جنان الخلد السماوية حيث جوار الرحمن ، تبارك زتعالى ، والجزاء من جنس العمل ، فإنه استحق الجوار الأخروي فرعا عن الجوار الدنيوي ، فصبر نفسه مع الذين يدعون رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، فكان أهلا لـــ : (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي) .

وعودة إلى سياق الآيات :
حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ : مفهوم غاية ، فلما بعد الغاية نقيض ما قبلها ، فإن المصلحة الشرعية تقتضي الإثخان في العدو قتلا حتى إذا انهارت قواه ، ووقعت النكاية في صفوفه : ساغ عندئذ اتخاذ الأسرى منه ، إذ قد تحقق الغرض من الإثخان فزال الحكم بزوال علته ، إذ المصلحة الشرعية بعد كسر شوكة العدو قد تكون في اتخاذ الأسرى لفداء أسرى المسلمين ، أو لعل الأسرى من العدو يرون من عدل الإسلام وفضله ما يكون سببا في هدايتهم ، وهذا أمر ظاهر ، إذ المسلمون عموما وأهل السنة خصوصا ، أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق ، بشهادة خصومهم ، فليسوا كغيرهم يرون القتل وإراقة الدماء تشفيا : غرضا مرادا لذاته ، بل القتل عندهم مراد لغيره ، فمتى حصل المراد بكسر شوكة العدو وإزالة العوائق أمام انتشار دعوة الحق صار حكم القتل على الجواز ، فللإمام أن يمن ابتداء ، وله أن يقبل الفداء ، كما وقع يوم بدر ، وله أن يقتل إن كانت المصلحة في ذلك ، فإن القتل لم يصر محرما بمقتضى مفهوم الغاية ، وإنما انتقل من مرتبة الوجوب إلى مرتبة الجواز ، وتلك مسائل دقيقة لا يتقنها إلا علماء الشرع وأمراء الحرب ، فالحكم يدور مع المصلحة الشرعية وجودا وعدما ، فالمصلحة الشرعية المعتبرة في مسائل كتلك التي يسوغ الاجتهاد البشري فيها ، إذ هي من باب الأحكام القضائية ، تلك المصلحة هي قطب الرحى .
و : "نبي" : نكرة في سياق النفي تفيد العموم ، والأنبياء مقصودون أصلا بذلك العموم ، ومن وراءهم من أقوامهم مقصودون بالتبع ، إذ النبي المقاتل يجري قتاله مجرى التشريع لأمته ، فمقام العصمة مظنة الاقتداء ، إذ التسليم لأمر المعصوم هو عين العصمة .
وقد يقال في هذا الموضع : إن النفي : خبر أريد به إنشاء النهي ، أو يقال كما قال الطاهر بن عاشور رحمه الله : "وقد يجيء بمعنى أنه لا يصْلح ، كما هُنا ، لأن هذا الكلام جاء تمهيداً للعتاب فتعيّن أن يكون مراداً منه ما لا يصلح من حيث الرأي والسياسة" . اهــ
فقد فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلاف الأولى فعاتبه ، ربه ، عز وجل ، وذلك أليق بمقام النبوة .
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ :
علة ما تقدم ، ولذلك حسن الفصل إذ اقتران العلة بالمعلول : اقتران وثيق يسوغ الفصل ، لشبه كمال الاتصال المعنوي بينهما .
وقد يقال بأن في السياق حذفا على تقدير استفهام إنكاري يلائم سياق العتاب ، فيكون تقدير الكلام : أتريدون بذلك عرض الحياة الدنيا ؟! .
وفي السياق طباق بين إرادتهم عرض الدنيا السريع الزوال ، وإرادة الله ، عز وجل ، ثواب الآخرة ، الذي حذف لدلالة المتقدم عليه على ما اطرد في كلام العرب ، فالمتقدم المذكور يدل على المتأخر المحذوف ، فحذف المضاف : "ثواب" وأقيم المضاف إليه : "الآخرة" مقامه ، وقرينة السياق تدل على المحذوف إذ الكلام في معرض المقارنة بين عرض الديا الفاني وثواب الآخرة الباقي ، وحسن ذكر المضاف مع الدنيا ، لدلالة مادته على معنى العروض الطارئ الذي سرعان ما يزول ، فهو يفيد بنفسه معنى زائدا يثري السياق ، فهو وإن كان ثوابا ، إلا أن معنى العروض لا ينفك عنه ، وذلك أدعى إلى الزهد فيه ، ولو كان ذهبا ، وثواب الآخرة : خزفا ، ما عدل العاقل عن الخزف الباقي إلى الذهب الفاني ، إذ منفعة الخزف إن قدر له الدوام أعظم من منفعة الذهب المحكوم عليه بالفناء ، وإن كان جنس الذهب أشرف من جنس الخزف ، فكيف والدنيا هي الخزف الفاني ، فاجتمع لها الجنس والوصف الأدنيان ، والآخرة هي : الذهب الباقي ، فاجتمع لها الوصفان الأعليان ، أيستبدل العاقل الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟!
وأظهر الاسم الكريم في موضع الإضمار في التذييل بقوله : (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، تنويها بذكره ، جل وعلا ، وتربية للمهابة في مقام التعليم والتذييل بوصفي العزة والحكمة يلائم السياق ، إذ العزيز مستغن عن غيره فكذلك شأن عباده أصحاب الهمم العالية ، فالأليق بهم الاستغناء عن عرض الدنيا الزائل ، ووصف : "الحكيم" ، كما يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله : "يقتضي أنّه العالم بالمنافع الحقّ على ما هي عليه ، لأنّ الحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه" . فالمنفعة الحق فيما شرعه الله ، عز وجل ، في الإثخان في العدو في هذا الموضع خصوصا ، وفي كل مواضع التشريع عموما ، فحيث كان االشرع كانت المصلحة العاجلة والآجلة ، وإن كان ظاهره المشقة ، فهي مشقة غير معتبرة في مقابل المصلحة العظمى الحاصلة من إنفاذ أحكام الشرع المنزل ، والمصلحة الخالصة في دار التكليف عزيزة إن لم تكن محالة ، فالدنيا دار اجتمع فيها الخير والشر ، فحيث غلب أحدهما على الفعل أو العين ترجح حكمه ، وحيث استويا ، إن تصور ذلك ، غلب جانب التحريم احتياطا ، إلا أن يقال بأن الأصل في الأعيان والأفعال الإباحة ، ويرد على ذلك أن الأصل في بعض الأعيان والأفعال الحرمة كالأبضاع والذبائح .
بخلاف الآخرة فإن فيها دارين : دار خير خالص ، و : دار شر خالص ، فمن كان من أهل الخير الخالص كالمؤمن الذي استكمل شروط الإيمان المنجي ، فمآله : دار الخير الخالص ، ومن كان من أهل الشر الخالص كالكافر فمآله : دار الشر الخالص ، ومن كان مخلطا معه أصل التوحيد فقد اجتمع فيه العنصران ، فيدخل النار إلا أن يعفو عنه الباري ، عز وجل ، أو يشفع له شافع كما تقرر في أصول الدين ، فكير النار يذهب خبث روحه فتخلص من الشوائب وتصير أهلا لجوار الباري ، عز وجل ، في دار الخير المحض ، إذ قد طهرت فصارت من صنف الخير المحض الذي تلائمه دار الخير المحض .
وفي ذلك رد على المتكلمين من نفاة التعليل ، وإن أثبتوه في الفروع ، فقد تناقضوا بنفيه في الأصول وإثباته في الفروع ، فجلهم يقول بالقياس ، والقياس يستلزم تنقيح أو تخريج المناط الذي علق عليه حكم الأصل فهو العلة المتعدية إلى الفرع ، فتعدى حكم الأصل إليه بجامع تلك العلة المشتركة ، فالأحكام الشرعية ذات علل وحكم علمها من علمها وجهلها من جهلها ، فلأفعاله ، عز وجل ، حكم ، لا يستلزم إثباتها تعليل الأحكام بالأغراض التي تدل على حاجة الفاعل إليها ، فتلك شبهتهم ، إذ راموا تنزيه الباري ، عز وجل ، عن الافتقار إلى الأغراض ، وما ذلك إلا فرع عن قياسهم أفعال الخالق ، عز وجل ، على أفعال المخلوق ، فهو الذي يصح تعليل أفعاله بالأغراض ، إذ هو مفتقر إليها ، بخلاف الباري ، عز وجل ، الغني في ذاته ، المغني لعباده ، فلا يفتقر إلى ما سواه ، بل كل الأسباب إليه مفتقرة ، فهي عن خلقه صادرة ، فهو الذي خلق السبب وجعله مئنة من وقوع مسببه بمقتضى سنته الكونية الجارية ، فهي ماضية إلا أن يشاء الله ، عز وجل ، خرقها معجزة لنبي أو كرامة لولي أو فتنة بدجال غوي .
فأفعاله ، عز وجل ، أفعال حكيمة في نفسها ، فوصف الحكمة ملازم لها إذ قد بلغت الغاية فيه ، بخلاف ما قرره المتكلمون الذين جعلوا وقوع الحكم عقيبها من باب الاقتران غير المؤثر جريا على طريقتهم في الكسب ، فنزعوا عنها وصف الجكمة ، وتحيلوا في تخريج المنافع المترتبة عليها فجعلوها من باب الاتفاق العارض لا الإتقان المراد ابتداء ، وتلك أقوال في غاية التكلف التزمها من التزمها تنزيها للباري ، عز وجل ، عن مشابهة المخلوق ، فجردوه من كمال الأفعال إذ شبهوه أولا بالمخلوق فأفعاله كأفعال خلقه ! ، فنفرت نفوسهم من لازم ذلك القياس الفاسد ، فاضطرهم ذلك إلى نفي صفة الكمال التي يشترك المخلوق معه فيها اشتراكا معنويا كليا لا يستلزم إثباته تشبيها أو تمثيلا ، إذ هو مما يوجد في الأذهان مطلقا لا في الأعيان مقيدا بعين فلان أو فلان من خلقه ليقال بأن في ذلك الإثبات قياسه ، عز وجل ، أو قياس أسمائه الحسنى أو صفاته العلى أو أفعاله على خلقه ، وهذا أصل مطرد في باب الأسماء التوقيفية والصفات الربانية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
24-05-2009, 12:43 PM
ومن قوله تعالى : (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
ففيه جواب عن سؤال محذوف دل عليه السياق اقتضاء ، فقد تطلعت أنفسهم رهبة إلى ما بعد قبول الفداء ، فلسان حالهم ، وما جزاء من عدل عن الفاضل بقتل الأسرى إلى المفضول بقبول الفداء منهم ، فجاء الجواب :
امتناع وقوع العذاب فرعا عن وجود الكتاب الذي نكر مئنة من عمومه فهي سنة شرعية سبقت من الله ، عز وجل ، و : "من" : لابتداء الغاية ، فهي كبقية السنن الشرعية : إلهية المصدر ، ولما كان المقام : مقام تشريع ، ناسب أن يذكر متعلقه : اسم : "الله" إذ مقتضى السنة الشرعية : التأله بالتزامها تصديقا بالجنان فذلك حظه منها ، وقولا باللسان فذلك ، أيضا ، حظه منها ، وامتثالا بالفعل أو الترك ، فذلك حظ الجوارح منها ، وتواطؤ القلب واللسان والجوارح مئنة من كمال الإيمان ، فيوافق عقد القلب الباطن ، وهو الأصل لما بعده ، فما سواه فرع عليه استقامة أو اعوجاجا ، يوافق ذلك العقد الباطن ، عقد اللسان الظاهر ، وعقد الجوارح المصدق ، فإنه لا بد للدعوى من دليل ، ودليل دعوى الإيمان : استقامة الظاهر على مقتضى الشريعة الظاهرة ، وفي التنزيل : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) .
لمسكم : أي أصابكم ففيه الكناية عن الفعل بذكر مبادئه فأول الإصابة : المس .
فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ : تعليل بــ : "في" على وزان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ) .
ونكر العذاب إمعانا في التحذير فضلا عن وصفه بالعظمة ، فذكره في السياق موطئ لما بعده ، إذ المراد بيان وصفه لا مجرد التنبيه على وقوعه ، فإن وقوع العذاب لا يكون رادعا إلا إذا اقترن بوصف يزعج النفوس فيحملها على اجتناب أسبابه ، فإن من خاف شيئا هجر أسبابه تركا ، ومن رجا شيئا باشر أسبابه فعلا ، ودعوى اللسان لا تكفي في مقام الابتلاء ، فكم من ألسن باشرت القول فلما جاء وقت العمل قعدت الجوارح فخذل الله ، عز وجل ، صاحبها بعدله ، ولو شاء لأقامها على مقتضى دعوتها بفضله ، و : (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .

ومن قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
ففيه بث للطمأنينة في نفوسهم بعد ما انتابهم من اضطراب فرعا عما تقدم من ذكر العتاب .
والأمر في : "كلوا" دائر بين :
الإباحة : بقرينة حظر ذلك على الأمم السابقة ، والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة كما قرر الأصوليون ، وعلى القول بأنه يفيد رجوع الشيء إلى ما كان عليه : إباحة أو ندبا أو وجوبا ، فهو ، أيضا ، يفيد الإباحة ، إذ الأكل مباح في أصله
والامتنان : على وزان قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) .
ويرجحه وروده بعد الوعيد بالعذاب ، وكونه مما اختصت به هذه الأمة ، كما في حديث جابر ، رضي الله عنه ، مرفوعا وفيه : (وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي) ، والاختصاص مظنة الامتنان .
وقد رجح الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، معنى الامتنان ، فقال :
"والأمر في { كلوا } مستعمل في المنّة ولا يحمل على الإباحة هنا : لأنّ إباحة المغانم مقرّرة من قبله يوم بدر ، وليكون قوله : { حلالاً } حالاً مؤسسّة لا مؤكّدة لمعنى الإباحة" . اهــ
لأن الأمر لو كان للإباحة لصارت الحال : "حلالا" مؤكدة لمعنى الحلية الذي استفيد من الإباحة المتقدمة الذكر ، بخلاف ما لو حمل الأمر على الامتنان ، فتكون الحال مؤسسة لمعنى لم يتقدم ذكره ، وقد تقرر في الأصول أن الأمر إذا دار بين التأسيس والتوكيد فحمله على التأسيس أولى ، لإثراء السياق بمعنى جديد .

واتقوا الله : فلا تتعدوا بأكل ما لم يحل لكم ، فإن التذكير بحدود الشرع في مواضع التوسع في تناول المباحات يكبح جماح النفس التي جبلت على التعدي ، والتعدي مذموم ولو في تناول المباح ، إذ الإفراط في تناوله : مظنة الخلل ، ففضول المباحات من طعام وشراب ونوم وخلطة من أسباب فساد القلب وذلك أمر يعاني منه معظمنا فقل من يسلم من أحدها ، وربما اجتمع فيه أكثر من واحدة ، بل ربما اجتمعت فيه كلها ، وإلى الله المشتكى .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : تذييل يناسب السياق ، إذ الامتنان مظنة غفران الله ، عز وجل ، عدولهم عن الأولى بقتل الأسرى إلى أخذ الفدية ، وهو من جهة أخرى قائم مقام التعليل لما قبله ، ولذلك حسن الفصل لشبه كمال الاتصال بين العلة ومعلولها ، فيقدر سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء كأن يقال : وما علة ما تقدم من الامتنان بإباحة أكل الغنائم ؟ ، فجاء الجواب : إن الله غفور رحيم قد تجاوز عنكم لما علم من ضعفكم فأباح لكم ما لم يبح لبقية الأمم السابقة ، وأظهر الاسم الكريم : "الله" وحقه الإضمار لتقدم ذكره عناية بالشأن ، إذ المغفرة والرحمة من الله ، عز وجل ، لا من غيره ، وعظم شأن الصفة يكون فرعا عن عظم شأن الموصوف بها .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
26-05-2009, 07:46 PM
ومن قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ : خطاب تشريع فهو خاص باعتبار المواجهة ، عام باعتبار المعنى ، بقرينة عموم التشريع إلا ما خص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو غيره ، وذلك خلاف الأصل .
قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ : جناس بين "خيرا" الأولى والثانية يزيد المعنى بيانا ، فالأولى : نكرة في سياق شرط ، والثانية : من باب أفعل التفضيل . وعلم الله ، عز وجل ، في هذا السياق هو العلم المتعلق بآحاد الأفعال بعد صيرورتها شهادة يؤاخذ فاعلها عليها ، فليس العلم الأزلي بالأعيان والأحوال قبل إيجادها ، فذلك مما لا يؤاخذ الله ، عز وجل ، عباده به ، فمن رحمته ، جل وعلا ، أنه لا يجازي عباده بمعلومه الأزلي فيهم ، فلا يجازون إلا بما قدمت أيديهم من الأفعال في عالم الشهادة .
وَيَغْفِرْ لَكُمْ : إطناب في الوعد ترغيبا في امتثال أمر الشارع ، عز وجل ، بإخلاص عقد القلب ، وفيه تسلية لمن فاته شيء من حظ الدنيا ، فما عند الله خير وأبقى ، ومن ترك شيئا لله عوضه خيرا منه .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ : تذييل يناسب السياق إذ المغفرة والرحمة من الباري ، عز وجل ، أعظم عوض ، فلا يعدله فائت من عرض الدنيا الزائل ، وهو ، كما اطرد في التذييل بأوصاف كماله عز وجل ، بمنزلة التعليل لما قبله ، فعلة مغفرته لكم أنه هو : الغفور الرحيم ، فلا يغفر الذنوب إلا هو ، وذلك دال بدلالة اللزوم على قدرته ، عز وجل ، إذ ليست المغفرة لسواه فلا يقدر عليها غيره ، فالمغفرة والحرمان ليست لأصحاب الصكوك ومن ضاهاهم من مبتدعة أهل القبلة ممن غلوا في الأئمة والشيوخ .
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ : فخيانة الرسالة المنزلة لا تكون إلا فرعا عن خيانة منزلها ، عز وجل ، فالجناس الاشتقاقي بين : "خِيَانَتَكَ" و : "خَانُوا" يزيد قبح فعلتهم بيانا .
فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ : إذ الخيانة نقص مطلق فلا تحسن مقابلتها بجنسها إذ لا تقبل الانقسام كصفات : المكر والخداع فيكون منها الممدوح الذي يليق بجلال الباري ، عز وجل ، وعظمته والمذموم بل كل صورها مذمومة ، فهي خدعة في مقام الائتمان وذلك من القبح بمكان فلا يمكن معه تصور وجه حسن فيه ، ولذلك قابل خيانتهم بالإمكان منهم .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ : تذييل يناسب السياق ، فهو العليم بما في صدروهم الحكيم في تدبيره الكوني بالإمكان منهم .

والله أعلى وأعلم

مهاجر
30-05-2009, 05:04 AM
ومن قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : آمنوا أصلا ، ثم تفرع عن إيمانهم خصوص أعمال هي من الإيمان ، فالعطف من قبيل : عطف الخاص على العام ، عناية بشأنه ، فإن في الهجرة وترك الأوطان ، من منافرة الطبع امتثالا لأمر الشارع ، عز وجل ، ما يدل على صحة الإيمان ، فضلا عن الابتلاء بالجهاد بالأموال والأنفس ، ففارقوا الأوطان ، وبذلوا الأموال ، بل والمهج في سبيل الله ، جل وعلا ، وذلك برهان صدق ، لا يقوى عليه كثير من المدعين ، فما أسهل الدعوى وأصعب الدليل ، إذ الدليل : عملي ، والأعمال أثقل شيء على النفوس ، فهي الفاضحة التي يعرف بها من بكى ممن تباكى ، والحمد لله على نعمة الستر بالمعافاة من البلايا التي تكشف معادن الرجال وهممهم .
وعلى طريقة الوحي في الإجمال ثم البيان في المواضع التي يحسن فيها التشويق ، جيء بالموصول المجمل ابتداء ، ثم عقب بالصلة المبينة مع ما عطف عليها ، فالصفات التي اشتقت منها تلك المتعاطفات هي علل ما يأتي من الأحكام ، فضلا عما في تقديم المسند إليه : "الذين" في مثل هذا الموضع من تشويق ، فالتشويق داخل من الوجهين .
وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا : القسم الثاني وهم الأنصار ، وما قيل في تعلق الحكم بالأوصاف التي اشتقت منها الصلة في القسم الأول يقال هنا ، أيضا ، فاستوفت القسمة المؤمنين الذين امتازوا بدار الإسلام ، فهم فئة متميزة عن فئة الكفار .
أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ : إشارة البعيد تنويها بشأنهم ، فلهم من علو المنزلة ما لهم . والولاية هنا : ولاية النصرة والتأييد ، وأشار صاحب التحرير والتنوير ، رحمه الله ، إلى أن العبرة بعموم لفظ الولاية ، فذكر ولاية النصرة خاص ، والخاص أحد أفراد العام ، وذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ، كما قرر أهل العلم ، واستدل لذلك بحمل ابن عباس ، رضي الله عنهما ، الولاية هنا على صورة أخرى من صور الولاية لا تخرج عن معنى النصرة وهي الميراث الذي نسخ بقوله تعالى : (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) .
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا : وهذا هو القسم الثالث من المؤمنين وهم فئة آمنت ولم تهاجر فلم يحصل لها التمايز الكامل عن فئة الكفار فليس لها من أحكام الولاية ما للفئة المتميزة بقسيمها : المهاجرين والأنصار ، فتلك قد امتثلت من أمر الشارع ، عز وجل ، ما لم تلتزمه هذه ، فلا يستويان في الحكم ، فقد ثبت لمن امتثل لأمر الهجرة والجهاد من حكم النصرة ما لم يثبت لمن لم يمتثل ، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، وهو ما أفاده مفهوم الغاية في : "حتى يهاجروا" ، فيثبت لهم بعد بلوغ غاية الهجرة من الولاية نقيض ما ثبت لهم من عدم الولاية قبلها . ومن قرأ بفتح الواو فالوَلاية بمعنى النصرة على بابها ، ومن قرأ بالكسر وهو حمزة ، رحمه الله ، فقراءته محمولة على كون الولاية قد استمكنت من نفوسهم حتى صارت بمنزلة الصناعة كالخِياطة والقصارة ، كما نقل ذلك الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، عن الزجاج ، رحمه الله ، وهو اختيار صاحب الكشاف غفر الله له وعفا عنه .
وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ :
شرط سيق مساق الإلهاب يشهد لذلك : استدعاء الفعل بالألف والسين والتاء وتعليل ذلك بالدين فهو آكد أسباب النصرة ، فالفاء في : "في الدين" : سببية ، وتقديم ما يفيد الوجوب : "عليكم" وحقه التأخير ، ودلالة : "أل" العهدية في : (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)على النصرة في الدين خصيصا بدلالة ما تقدم .
إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ : ووجه ذلك ، كما ذكر الطاهر بن عاشور ، رحمه الله ، أنّ الميثاق يقتضي عدم قتالهم إلاّ إذا نكثوا عهدهم مع المسلمين ، وعهدهم مع المسلمين لا يتعلّق إلاّ بالمسلمين المتميزين بجماعة ووطن واحد ، وهم يومئذ المهاجرون والأنصار ، فأمّا المسلمون الذين أسلموا ولم يهاجروا من دار الشرك فلا يتحمّل المسلمون تبعاتهم . اهــ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ :
تذييل يناسب السياق فالتنويه بذكر إحاطة الله ، عز وجل ، بأعمالهم إحاطة بصرية علمية بقرينة تعلقها بالأعمال ، مع عدم امتناع الإحاطة البصرية الحقيقية إذ هما من المتلازمات ، فدلالة كل منهما على الآخر دلالة لزوم ، التنويه بذلك ، مع تقديم ما حقه التأخير : "بما تعملون" حصرا وتوكيدا : يحمل المؤمنين على احترام المواثيق فلا يتعدون بنقضها طالما التزم الكفار بها ، فليس من خلق أهل الإسلام الغدر ولو بالكفار أفسد الناس علما وعملا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
31-05-2009, 05:19 AM
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ :
في مقابل الذين آمنوا على طريقة القرآن الكريم في ذكر المتقابلات .
فبعضهم أولياء بعض في مقابل ولاية المؤمنين بعضهم البعض . ومن آكد صور الولاية : صورة القتال ، إذ لا تتحرك النفس حمية إلا للمثيل ، فالعقيدة في القتال : عقيدة انتصار للرأي ، وربما كانت للطبع ، فأصحاب الطباع المتشابهة يتداعون إلى نصرة بعضهم البعض باليد واللسان ، ولذلك كانت العقود الوطنية والقومية ............. إلخ أوهى العقود ، إذ الوطن يجمع بشرا من مختلف الأهواء والمشارب ، فلا يكفي اجتماعهم على أرض واحدة لكي يكونوا على قلب رجل واحد .
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ : إن لا تفعلوا قطع ولاية الكفار بقرينة تحزب كل فريق :
تكن فتنة : عظيمة فالتنكير دال على ذلك ، وأي فتنة أعظم من موالاة الكفار ، ولو في الظاهر ، فتمييع الحدود الفاصلة بين الأمم مما يخشاه العقلاء على الهوية الوطنية أو الأممية ، فالأمم ، وإن كانت على غير طريق الهدى ، حريصة على الظهور بما يميزها عن بقية الأمم ، فتراها تتوجس من الغزو الثقافي الخارجي ، ولو كان في صورة نشاط ترفيهي كالسينما ، أو غذائي ، كمطاعم الوجبات السريعة ، أو حتى في الملبس ، فلا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب ، كما أثر عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، بإسناد متكلم فيه ، والأمم الضعيفة مولعة بتقليد الأمم القوية كما ذكر ذلك ابن خلدون ، رحمه الله ، وانظر إلى توجس فرنسا ذات الشخصية القومية المتميزة ، من غزو السينما الأمريكية ومطاعم الوجبات السريعة الأمريكية والمنتجات الأمريكية عموما فهي تخشى على ثقافتها ، وتخشى على اقتصادها ، مع كون الغزو آت من دولة تشاطرها الملة ، وإن خالفتها النحلة ، ولذلك تذمر كثير من الفرنسيين ، من تبعية بلادهم لأمريكا ، وهو أمر أخذ في الازدياد مذ وصل الرئيس الفرنسي ذو الأصول اليهودية : "نيكولا ساركوزي" إلى سدة الحكم ، فتأثره بالإدارة الأمريكية المنصرمة ، وهي من التطرف بما قد علم ، تأثره بها أمر ظاهر جلب عليه كثيرا من انتقادات شعب يعتز بقوميته ، وأهل الإسلام أولى بتلك الأنفة ، فهم أولى الناس بالتميز لا عتصرية ، وإنما صيانة لأركان الشخصية المسلمة من سرقة الطباع بانحلال عرى الاستقلالية والتميز فرعا عن : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) ، والتسمية مظنة التميز ، وإن فرطت الأمة المسلمة في ذلك ، فإن بقية الأمم لا تفرط في تميزها ، وإن كانت على الباطل ، فذلك أمر جبلت عليه النفوس .
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ : عطف لازم على ملزومه ، فلازم الفتنة الفساد ، والفساد : تغير يعتري الصحة ، وهو عند من يقول بالمجاز : حقيقة في الأعيان مجاز في المعاني ، وموالاة الكفار فساد في كليهما ، فهو فساد لمعاني التوحيد والإخلاص والولاء لأولياء الله والبراء من أعدائهم ............. إلخ من عقود القلب المعنوية ، وهو فساد لأبدان المكلفين بحملها على طريقة من فسدت فطرهم ، وبتعريضها للعذاب إن هي والت أعداء الله ، عز وجل ، فذلك مظنة الخسران في دار الجزاء ، وانظر إلى من سار على طريقتهم تجده في فساد حال في قوله وعمله وبدنه ، وإن بدا في أكمل وأنظر صورة ، إذ أولئك قوم قد حادوا عن الفطرة الأولى : فطرة التوحيد فاستتبع ذلك نكوص عن مقتضيات تلك الفطرة في القلوب والأبدان فوقعوا في فساد عريض هو مآل من سار على طريقتهم ، وإن لم يشاركهم فساد فطرة التوحيد ، فالنهي عن مشابهتهم ، إنما هو صيانة لجانب التوحيد وسد لذرائع الخدش فيه ولو بالإعجاب بطريقة الكفار الظاهرة فيما اختصوا به ، وذلك قيد من الأهمية بمكان ، فالاشتراك فيما لا اختصاص فيه من أمور المأكل والمشرب والملبس المباحة لا يدخل في حد التشبه المذموم الذي يولد ولاء خفيا على التفصيل المتقدم ، وتحرير ذلك من أشرف ما عمرت به الأوقات ، إذ به تتميز الأمة المسلمة في كل علومها وأعمالها عن بقية الأمم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
01-06-2009, 05:07 PM
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا : إطناب بذكر وجهي القسمة الثنائية لأهل الإيمان أصحاب الولاية الكاملة : المهاجرين والأنصار ، وذكر جزائهم فــ : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ : نكرت تعظيما وقدم ما حقه التأخير حصرا وتوكيدا مع ما للام : "لهم" من دلالة الاختصاص فضلا وامتنانا من الله عز وجل . وَرِزْقٌ كَرِيمٌ : فهو من باب عطف المسبب على سببه ، فالمغفرة : سبب الرزق الكريم في جنان الرحمن ، ولقائل أن يقول : بل العطف من عطف الخاص على العام ، فالمغفرة نوع تندرج تحته أفراد من المعاني والمحسوسات ، والرزق الكريم منه أيضا : المعنوي : من العلم بالله ، عز وجل ، برؤيته في دار السلام ، وتلك رأس النعم معنوية كانت أو حسية ، ومنه الحسي المتبادر إلى الذهن من المطعم والمشرب والملبس والمنكح ........... إلخ من رزق الأبدان ، فالجنة دار قد كفل لسكانها أرفع مراتب الرزق معنويا كان أو ماديا مع خلوصه مما ينغصه وذلك مما لا طمع فيه في دار الفناء ، فالنعم محفوفة بالمنغصات ولو خوف زوالها أو الزوال عنها .
وذكر الرزق : موطئ لما بعده من وصف الكرامة إذ هو المقصود بالذكر أصالة ، وفي وصفه بالكرم تعريض برزق الدنيا ، وإن كان نعيما يستوجب شكر المنعم ، جل وعلا ، ولكنه في مقابل رزق الجنان : أسماء ومبان ، فلا يجمعهما إلا الاسم والمعنى الكلي ، بخلاف الحقيقة الخارجية فليس سواء رزق الفانية الذي يسرع إليه الفساد والعطب والتغير بحلول الأجواف التي تخرجه عن طبيعته فيستفيد منه البدن جزءا ويطرد جزءا فليست لذته كاملة ولا فائدته خالصة ، ليس سواء رزق هكذا وصفه ورزق الآخرة الباقي الخالص اللذة والفائدة وبنقص الأولى عرف كمال الآخرة وبضدها تتميز الأشياء .

وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ : فقد حققوا وصف المهاجرين ، فبهجرتهم انتفى عنهم ما كان مانعا من تمام ولايتهم ، فأولئك : إشارة بالبعيد تنويها بشأنهم : منكم فلهم ما لكم وعليهم ما عليكم .
وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ : نسخ لتوارث المهاجرين والأنصار ، فالأرحام أولى بالاعتبار في الميراث ، وإنما شرع توارث الفريقين ابتداء تقوية لأواصر المحبة والولاء بينهما ، فالميراث من أعظم الوشائج ، ثم صارت المصلحة بعد ذلك في إرجاع الحكم الشرعي إلى ما كان عليه ، فنسخ توارث ولاية النصرة والمحبة وأحكم توارث ولاية الدم ، وذيلت الآية بإثبات وصف العلم لله ، عز وجل ، فــ : (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . فعلم المصلحة في توارث الفريقين ابتداء فشرعه ، وعلم المصلحة في نسخ ذلك بزوال علته فنسخه ، فهو العليم ، سبحانه بما يصلح شؤون عباده في معادهم ومعاشهم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
11-06-2009, 05:22 AM
ومن صور التولي والنكوص على الأعقاب :
قصة موسى مع قومه الذي نكصوا عن قتال الجبارين فرعا عن استمرائهم الذلة والمسكنة في قصور فرعون عبيدا وإماء مسخرين .
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ : تمهيد يناسب ما هم بصدده من التكليف الشرعي بالقتال ، فناسب أن يذكرهم بنعم الله ، عز وجل ، متعلق ربوبيته الخاصة : ربوبية الإنعام والاصطفاء ، فقد اصطفاهم بأن جعل جنس النبوة فيهم ، وجعل منهم الملوك ، فجمع لهم : القيادة الدينية والقيادة السياسية ، وذلك مظنة الهدى بعلوم الأنبياء والتمكين بسياسات الملوك ، وامتثال الأمر الإلهي بقتال أو نحوه إنما يكون فرعا عن تصور الربوبية تصورا صحيحا بتأمل أسماء الرب ، وجل وعلا ، وصفاته ، وأفعاله ، ففيها يظهر كمال ربوبيته ، وذلك مظنة الاطمئنان لحكمه الشرعي إذ قد صدر عن رب كامل حكيم في أفعاله حالا ومآلا ، فلا يخشى العاقل من امتثال أمر رب هذا وصفه من الكمال بخلاف أمر البشر ، فطاعته إن لم تكن فرعا عن طاعة الرب ، جل وعلا ، مظنة الخسران ، ففي التنزيل : (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ، إذ لا يكون سلطان التشريع إلا لمن بيده سلطان التقدير ، فهو الملِك المتصرف بالأمر والنهي فرعا عن كونه المالك المتصرف بالتدبير بمقتضى أحكام ربوبيته النافذة ، بل ذلك مظنة الخسران حتى بأقيسة العقل التي لا تعرف إلا لغة الأرقام ، فطاعة من يتذبذب في رأيه وحكمه تبعا لطروء النوازل فما استقبحه بالأمس بستحسنه اليوم ، وما سنه بالأمس بيطله اليوم .......... إلخ من صور التذبذب ، طاعة من هذا حاله مظنة التذبذب ، فالعقل الناقص الذي يعتريه ما يعتريه من الجهل والغفلة ....... إلخ من العوارض البشرية لا ينتج تصورا وحكما كاملا ، فتراه يفتقر إلى التعديل والتبديل بتوالي الأحداث ، فأين ذلك من اتباع الشرع المعصوم الذي لا يتبدل إذ له من السعة ما يستوعب آحاد النوازل فرعا عن استيعابه أنواعها بقواعده الكلية المجملة ، فمناطاته قد خرجت ومقاصده قد حررت ، وإنما يقوم المجتهد أو الفقيه بإعمال تلك القواعد وتحقيق تلك المناطات ومراعاة تلك المقاصد في النازلة فيستنبط لها من الأحكام ما يلائمها وفق أصول ثابتة مطردة لا تناقض فيها ولا تذبذب ، بخلاف أصول أهل التشريع الوضعي الذين ضاهوا بها التشريع الإلهي ، فأنتجت عقولهم تلك المسوخ التشريعية التي تطفح بها مواد الدساتير الأرضية ، فكيف يسوى بين الطرفين بل يغلب الطرف الخاسر فيصير هو المطرد في عالم اليوم : عالم الديمقراطية التي هي في حقيقتها ديكتاتورية الجماعة التي نصبت نفسها إلها يشرع ، فاستبدلت عبادة بنات أفكارها الكاسدة بعبادة بنات أفكار الكنيسة البالية ، فمن تطرف في تأليه الفرد إلى تطرف في تأليه الجماعة وكلا الإلهين فقير إلى ما يقيم أوده من أسباب الحياة ، فكيف يكون حكمه عادلا وشرعه كاملا ، وهو فقير في نفسه فقرا ذاتيا ، والفقر مظنة الحيف والظلم إذ الفقير يتطلع دوما إلى سد فاقته ، فيقع في قوله وفعله ما يقع من التجاوزات ، وتأمل عظم الثغرات في الدساتير الأرضية كما وكيفا ، فهي دليل دامغ على ذلك الفقر ، إذ هي نتاج عقول ذات أهواء تفتقر إلى تلك الأهواء وإن كان فيها عطبها ، فتزين ما استحسنته ولو كان قبيحا لحاجتها إلى إشباع نهمتها منه ، ولكل شهوته ، ولكل هواه الذي يبغي تحصيله بخلاف الباري ، عز وجل ، الغني عن كل حاجة ، المنزه عن كل نقص أو فاقة أو شهوة ، فحكمه لا يصدر إلا عن كمال استغنائه عن الأسباب ، إذ هو خالقها ومجريها فكيف يفتقر إليها ؟! وحكم غيره إنما يصدر عن كمال افتقاره إلى الأسباب التي تقوم بها حياته وشتان الحكمان ! .
وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ : عموم بعد خصوص نعمتي : النبوة : أعظم النعم عند التحقيق ، فبها صلاح الدين والدنيا ، وعمار الآجلة محط الرحال ، والعاجلة دار الانتقال ، والملك : فبه تصلح أمور الرعية بإقامة الأحكام ، وإدارة شئون الجماعة . فقد أوتوا من النعم عموما بعد تينك النعمتين خصوصا ما لم يؤته أحد من العالمين ، و : "أل" في : "العالمين" : عهدية تشير إلى عالمي زمانهم دون من سواهم ، فقد أعطيت أمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعدهم من الخصائص ما لم تعطه أمة سواها فضلا من الله ، عز وجل ، واصطفاء .
يَا قَوْمِ : تكرار النداء بــ : "قوم" تأليفا لهم واستمالة .
ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ : فذلك أدعى إلى امتثال الأمر إذ قد كتبها الله ، عز وجل ، لكم ، إما كونا ، وإما شرعا بحصول المشروط إذا امتثل المخاطب مقتضى الشرط من بذل السبب الشرعي بجهاد سكانها من الجبارين ، فالحكم دائر مع علته الشرعية وجودا وعدما ، فمتى وجدت العلة بامتثال أمر الشارع ، عز وجل ، وجد الحكم بالنصرة والتأييد على العدو وتملك أرضه ، إذ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، وأولى الناس بوراثتها من التزموا أمره الشرعي فاستحقوا عطاءه الرباني بالظهور على العدو ووراثة أرضه وماله .
وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ : وعيد بعد الوعد اكتمل به شقا التكليف ، فهو أمر يرغب في امتثاله بالوعد ، ونهي ينفر عن ارتكاب منهيه بالوعيد .
فعاقبة التولي :
فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ : فالفاء سببية تفريعية عما تقدم من النكوص والارتداد ، إذ عاقبة السيئة سيئة تتبعها عدلا من الباري ، عز وجل ، وهو ما جرى لهم على ما يأتي بيانه إن شاء الله ، فقد لحقتهم تبعة العقاب الكوني بالتيه فرعا عن مخالفتهم الأمر الشرعي بدخول الأرض المقدسة ، وسنن الله ، عز وجل ، في الثواب والعقاب : مطردة لا تفرق بين شريف ووضيع ، بل تلحق العقوبة أهل العصيان ولو كانوا برفقة الأنبياء والمرسلين .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
12-06-2009, 05:16 AM
قَالُوا يَا مُوسَى : تعد في الخطاب بقرينة السياق ، فنداء البعيد للقريب مظنة رفع الصوت فضلا عن مخاطبته بالاسم المجرد عن وصف النبوة .
إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ : تقديم للعلة على معلولها .
وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا : المعلول ، وفيه دلالة على كون لن ليست نصا في التأبيد ، بخلاف ما ذهب إليه صاحب الكشاف ، غفر الله له ، إذ حدوا غاية امتناع دخولهم بخروج الجبارين منها .
وأكدوا امتناعهم بتصدير الجملة بــ : "إن" فضلا عن دلالة : "لن" على النفي المؤكد وإن لم يكن مؤبدا كما تقدم .

فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ : توكيد لما تقدم ، فيه إشعار بلزومهم تلك الطريقة ، فنصوا صراحة ، ثم أكدوا بتعليق المشروط المأمور به ، بالشرط الذي وافق هواهم ، وإنما أمروا بالدخول مطلقا ، فقيدوه بما استحسنته عقولهم ، وذلك شأن كل من حاد عن الأمر الإلهي ، فإنه لا بد أن يعارضه بقياس أو ذوق يرى فيه وجه المصلحة وإن ألغاها الشارع ، عز وجل ، فيعتبر ما ألغاه ، ويلغي ما اعتبره ، وذلك مظنة الخذلان ، إذ معارضة الشرع بالعقل أو الذوق من أسباب فساد الأديان .
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ : إيجاز بالحذف على تقدير : يخافون الله ، وفيه تعريض بمن عداهما ، إذ مفهومه أن نكوصهم عن دخول الأرض المقدسة فرع عن نقص الخوف من الله ، عز وجل ، في قلوبهم ، فلو خافوه لسارعوا إلى تنفيذ أمره خشية عقابه ، وفي التنزيل : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا : إطناب في مدحهما بذكر وصف ثان لهما هو بمنزلة العلة لما تقدمه ، فالخوف من الله ، عز وجل ، وهو من العبادات القلبية ، نعمة منه ، جل وعلا ، وفضل ، والتزام الطاعة والدوام على العبادة أعظم كرامة لمن تأملها إذ بها صلاح الدارين ، فذلك الخوف الشرعي إنما هو فرع عن نعمة سابغة بتصريف قلوبهما عليه بمقتضى الأمر الكوني ، وهذا أصل مطرد في باب القدر ، إذ أفعال العباد من طاعات أو معاص لا تقع إلا بأمر كوني نافذ ، فإذا كان الفعل طاعة ، اجتمع له الإرادتان : الشرعية الآمرة والكونية النافذة ، وإن كان معصية كان واقعا بمقتضى الأمر الكوني وإن كان على خلاف الأمر الشرعي لحكمة تفوق مفسدة وقوعه ، فهو شر باعتبار نفسه ، لا باعتبار فعل الله ، عز وجل ، ففعله كله خير ، فالمحنة العاجلة بِشَر تكرهه النفوس : منحة آجلة لمن تدبره وعمل فيه بمقتضى أمر الشرع فاستخرج به من الخير الآجل ما تقر به عينه .
وخرجه بعض أهل العلم على كونه خبرا أريد به إنشاء الدعاء لهما ، بالنعمة الربانية السابغة ، فرعا عن التزامهما الحكم الإلهي الآمر ، ولا إشكال في حمل الآية على ذلك ، إذ الثناء في كلا الحالين متحقق ، إما بالوصف الحسن ، أو بالدعاء لهما بالتلبس بذلك الوصف .
وإلى طرف من ذلك ، أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله : "{ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا } أي بالتثبيت وربْطِ الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده ، أو بالإيمان وهو صفة ثانيةٌ لرجلان ، أو اعتراض ، وقيل : حال من الضمير في يخافون أو من رجلان لتخصّصه بالصفة" . اهــ
فقوله : اعتراض : إشارة إلى الاعتراض بجملة الدعاء الإنشائية في سياق خبري .
وتخريجه على الحالية لا ينافي دلالته الوصفية ، إذ الحال وصف في المعنى ، بدليل كونها مشتقة أو مؤولة بالمشتق ، فالدلالة المعنوية فيها بارزة ، وقد سوغ مجيئها من النكرة : "رجلان" على هذا التخريج : وصفها ، وهو ما أكسبها نوع تخصيص ، فصارت إلى المعرفة أقرب وبها أشبه فجاز مجيء الحال منها .

ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ : أمر تحريض على الامتثال ، وقدم "عليهم" وحقه التأخير إشارة إلى المراد أصالة وهو : دخولكم عليهم حال كونهم في بلدهم ، لا دخولكم البلاد وقد خرجوا منها كما أردتم ، فرعا عما استقر في قلوبكم من جبن وهلع .
وفي السياق إيجاز بحذف الجار على طريقة : "الحذف والإيصال" ، فتقدير الكلام : ادخلوا عليهم من الباب ، وفيه دلالة على معنى التمكن من الفعل ، وذلك أبلغ في حثهم على الامتثال ، وهو من جهة أخرى دليل على تخاذلهم حتى احتاجوا إلى كل تلك المحفزات ، فعالي الهمة لا يحتاج من يحفزه ، إذ همته ، قد بلغت الغاية ، بخلاف ساقط الهمة الذي يحتاج إلى الحث والحض باستمرار : ترغيبا وترهيبا ، فلا يمتثل إلا إذا حمل على الامتثال حملا بوعد أو وعيد ، وغالبا ، ما يكون الوعيد في حقه أليق ، إذ النفوس المعلقة بالدنيا ، المفرطة في أمر الدين لا يناسبها إلا الترهيب بأوصاف الجلال الربانية لترجع إلى جادة الشرع خشية العقاب .
فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ : وعد في مقام التحريض على الفعل يلهب همة الناكص أو المتردد ، وذلك حالهم فناسب أن يرد ذلك الشرط في معرض الأمر ، على طريقة : تقدم ولا تخف فإنك منصور إن شاء الله . وأكد الجواب بــ : "إن" على ما اطرد من الحث والتحريض .

وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ : إلهاب آخر لاستنهاض الهمم القاعدة ، على طريقة : إن كنت رجلا فافعل ، وفيه حصر وتوكيد بتقديم ما حقه التأخير ، فعلى الله وحده توكلوا ، وفيه تعريض بمن نكص ، إذ ذلك مئنة من ضعف توكله على الله ، عز وجل ، فينتفي عنه بدلالة المفهوم : وصف الإيمان بقدر ذلك الضعف ، وتوارد هذا العدد من المحفزات مئنة من خسة همة المخاطب وضعف نفسه إذ كثرة التداوي مئنة من عظم الداء .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
13-06-2009, 04:59 AM
قَالُوا يَا مُوسَى : تكرار للنداء المجحف بمقام النبوة إمعانا في التمرد على الأمر الشرعي .
إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا : تكرار مؤكد للعصيان مع ما تقدم من الترغيب والترهيب ، فتلك أمة قد استطابت مرارة الذلة لما فسدت النفوس وسقطت الهمم بمعالجة خسائس الأمور زمن حكم الفراعنة الجائر الذين ، كانوا كبقية طواغيت البشر ، يقتلون العزة في نفوس أتباعهم بالترغيب والترهيب إماتة للهمم وإسكاتا لأي حر يأبى قيد العبودية لبشر ناقص ، وتلك وسيلة الطغاة في كل عصر ومصر ، فمعظم الناس قد صاروا عبيدا لشهواتهم ، فأولئك : يتلهون بما يعرض عليهم من الفتن فيفسد حالهم ابتداء دون كبير معالجة ، فقد كفوا الطغاة مؤنتهم ، ولذلك كان أعداء الإسلام أشد حرصا في الأعصار المتأخرة على الغزو الثقافي ، إذ أثبت الغزو العسكري ، ولا زال ، فشله الذريع ، بل إنه يأتي بنتائج عكسية بإيقاظ الهمم وإحياء روح الجهاد في النفوس الأبية ، وتصحيح المفاهيم القومية والعلمانية لتصير ربانية إسلامية ، ولعل احتلال أرض الرافدين أخيرا وظهور المقاومة ذات الطابع الإسلامي ، على ما وقعت فيه بعض فصائلها من أخطاء وتعرضت له من مؤامرات أثرت على أدائها سلبا ، لعل ذلك المثال الحي خير شاهد على ذلك ، فكان الأولى والأقوى والآمن : بث الشبهات والشهوات في نفوس المسلمين ليتحقق النصر رخيصا بلا ثمن إلا ثمن إنتاج بضاعة مسمومة تروج عبر الأقمار الصناعية ووسائل البث الحديثة لكل فئة عمرية منها نصيب ، فلم يسلم منها حتى الأطفال ، كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين ، فلهم منها نصيب ، بل التركيز إنما يكون عليهم أساسا ، إذ بفسادهم وطمس هويتهم : يتم القضاء على أي مستقبل واعد للإسلام ، فإن البذرة إذا فسدت لم يرج منها ، وإن نمت وأثمرت ، ثمرة صالحة .
وذلك حال كثير من سلاطين العصر ، ممن أقاموا رياساتهم على أنقاض ما هدموه من كرامة وأخلاق شعوبهم .
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا : أمر يوحي بالضجر والاستخفاف والسخرية مع ما فيه من سوء الأدب بقصر وصف الربوبية على موسى عليه السلام ، وكأنه ، عز وجل ، ليس ربا لهم يلزمهم امتثال أمره الشرعي فرعا عن عموم ربوبيته القاهرة .
إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ : على ما اطرد من توكيدهم ما ارتضوه لأنفسهم من الذلة والمهانة والنكوص عن أمر الشرع ، فصدروا كلامهم بــ : "إن" ، فضلا عن الإشارة إلى مكان قعودهم بمعزل عن المكان الذي أمروا بدخوله .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
14-06-2009, 05:50 AM
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي : اعتذار إلى الباري ، عز وجل ، بعد بذل السبب ، فالقدرة مناط التكليف ، ولا يقدر أحد على هداية غيره وحمله على الطاعة ، ولو كان نبيا يوحى إليه ، وفي التنزيل : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، فلا يملك الهداية الكونية إلا الرب ، جل وعلا ، ولعل ذلك سبب تصدير الدعاء بالاسم الدال على الربوبية ، إذ القدرة الكونية النافذة من أخص أوصاف الربوبية العامة ، ومنها : ربوبية القلوب تصريفا على الطاعة أو المعصية ، فغاية العبد أن يهدي غيره دلالة البيان والإرشاد وهي وظيفة الرسل عليهم السلام ومن سار على دربهم من الدعاة ، مصداق قوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ : فرقانا ينجينا من العقوبة الكونية إذا نزلت ، كما أشار إلى ذلك صاحب التحرير والتنوير ، رحمه الله ، مصداق قوله تعالى : (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ، وقد علق الحكم على ما اشتقت منه الصفة المشبهة : "الفاسقين" ، فإن الفسق علة في إظهار البراءة من صاحبه معذرة إلى الله ، عز وجل ، وهو يفيد بمفهومه : ولاء من اتصف بضده من الإيمان والتقوى ، وذلك شأن كل وصف مشتق علق عليه حكم شرعي ، فإنه يدور معه وجودا وعدما ، دوران المعلول مع علته ، والولاء والبراء من أخص أوصاف أهل الإيمان ، فبه يصح عقد القلب ، فيظهر أثر ذلك على الجوارح ولو بإظهار الامتعاض من أهل الكفر والفسوق ، فإن كل إناء بما فيه ينضح ، فإناء القلب الباطن ينضح على الظاهر إقبالا على أهل الإيمان ونفورا من أهل الكفران .
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ : تحريما كونيا فرعا عن مخالفتهم الأمر الإلهي ، فالعقوبة النازلة بالقدر الكوني النافذ ، فرع على مخالفة القدر الشرعي الآمر الناهي ، فلما عصوا استحقوا التيه ، فعوقبوا بالحرمان من دخول الأرض المقدسة التي كتبت لهم ، جزاء وفاقا ، إذ النكوص عن الطاعة سبب في الحرمان ، كما أن مباشرة المعصية سبب فيه ، ومن أعظم صور الحرمان : الحرمان من الطاعة ، فلا يوفق العاصي إلى طاعة ، بل ينتقل من معصية إلى أخرى حتى يحدث توبة ، وعلى النقيض : يوفق الطائع إلى الطاعة ، فينتقل من طاعة إلى طاعة ، والتوفيق والخذلان من صور الربوبية القاهرة ، إذ لا يوفق المطيع إلا بفضل الله ، ولا يخذل العاصي إلا بعدله ، فمن يسر للأول أسباب الطاعة ، ويسر للثاني أسباب المعصية هو الرب المجري للأسباب الكونية وفق قدرته النافذة وحكمته البالغة .
وتصدير التحريم بالتوكيد في مقابل توكيدهم النكول عن امتثال الأمر بدخول الأرض المقدسة .
أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ : فيموت جيل جبان وينشأ جيل يستحق النصر ، فتجري على الأول سنة الاستبدال ، مصداق قوله تعالى : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) ، وتحري على الثاني : سنة الاصطفاء ، و : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) .
وفي العصر الحاضر استبدلت أجيال ولا تزال من لدن سقطت خلافة آل عثمان الجامعة فتشرذم المسلمون دويلات متنافرة ، ومن لدن سقط بيت المقدس ، والسنة الكونية مطردة لا تعرف المجاملة لتستثني أمما بمجرد حمل الهويات الإسلامية بلا انقياد للتكليفات الشرعية .

فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ :
نهي إرشاد وتسلية فلا تأس عليهم ، وكرر وصفهم بالفسق توكيدا على علة ذمهم التي ذكرها موسى عليه السلام في دعائه .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
15-06-2009, 06:15 AM
ومن صور النكوص الأخرى :

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى :
تكرار للتعجب من حالهم استنكارا وتوبيخا ، على القول بتعلقه بما تقدم من قوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) . كما أشار إلى ذلك صاحب التحرير والتنوير رحمه الله .
و : "من" الأولى : بيانية جنسية ، إذ كان ذلك مراد جمعهم لا بعضهم .
و : "من" الثانية : لابتداء الغاية ، فاستعمل اللفظ الواحد استعمال المشترك الذي دل السياق على المراد من معانيه فزال إجمال اشتراكه ، والسياق ، كما تقدم في أكثر من مناسبة ، أصل في معرفة مراد المتكلم .


إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ : قيد للتعجب والاستنكار المتقدم .
ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : بعثا شرعيا على وزان قوله تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، وفي السياق إيجاز بالحذف ، إذ حذف الشرط الذي جزم فيه جواب الطلب : "نقاتل" ، وفيه تجوز في السياق وصولا إلى محط الفائدة ، فالقتال مطلب الجمهور ، على مشقته التي لا يعرفها إلا من عالجه ، فما أيسر الكلام ، وأصعب الفعل ، إذ تبلى السرائر والهمم في ساحات الوغى ، وكثير من شجعان السلم ينكلون في أوقات الحرب ، إذ تنفسخ همم كثير عند معاينة الموت ، بل ذلك حال أغلب الناس ، بل قد تنفسخ الهمم فيما دون ذلك من ابتلاءات كونية بمرض أو حبس أو نحوه ، إذ القلوب بيد مقلبها فهو الذي يثبت من شاء فضلا ، ويزيغ من شاء عدلا ، فله من المكر وصف الكمال ، إذ به يستخرج مكنون القلوب في أوقات الشدة ، فكثير قد انطوى باطنه على ما يخالف ظاهره ، فجاء الابتلاء كاشفا ، ولأصحاب الدعاوى فاضحا ، وهو ما وقع بالفعل كما يأتي من سياق القصة ، ومناط الأمر : ربوبية قاهرة تصرف القلوب ، وألوهية شارعة ، فلكل حال حكم ، فحال السلم غير حال الحرب ، والفقيه من يسأل الله ، عز وجل ، السلامة في دينه ودنياه ، فيستعين بالسبب الشرعي على دفع البلاء ابتداء ، فإذا ما وقع بمقتضى الإرادة الكونية النافذة ، استعان بالسبب الشرعي على رفعه ، كجهاد عدو أو درء شبهة ......... إلخ ، فإن لم يمكنه ذلك ، فله في عبودية الصبر عوض ، فواجبه الشرعي إزاء ما عجز عن رده من القضاء الكوني : أن يصبر محتسبا ، ولا يكون ذلك بعد بذل ما يقدر عليه من أسباب ، والتوكل والصبر ، عند التحقيق ، زاد المبتلى سواء باشر السبب في رفع البلاء بقتال أو نحوه ، فإن ذلك يستلزم توكلا وصبرا على مشقة معالجة الأسباب ، وفي التنزيل : (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، أو استنفد الأسباب فالتوكل والصبر في حقه آكد ، والترابط الوثيق بين ربوبية الابتلاء في مقابل عبودية الصبر والاحتساب مما يضبط هذا الباب الذي فرط فيه فريق فقعدوا عن نصرة الدين ابتداء خشية الابتلاء وهو واقع لا محالة فإن لم يكن في سبيل الله ففي سبيل غيره حتى وصل الأمر إلى تعلق الهمم وتشوف النفوس في بعض بلاد المسلمين إلى رغيف خبز تأنف البهائم من أكله ، فلا يتجاوز طموح كثير من المسلمين : قضاء شهوة بطنه بالطعام والشراب وقضاء شهوة فرجه بالنكاح ، وأفرط فيه فريق آخر فتمنوا الابتلاء وليسوا له بأهل ، إذ لما تعد النفوس لتحمله بعد ، فلا يعدو الأمر مجرد عاطفة سريعة الاشتعال سريعة الانطفاء ، فما يأتي جملة يذهب جملة ، والكلام في حال السلامة يسير ، وامتثاله حال الابتلاء عسير ، فليس أحد وكل إلى نفسه إلا خذل ، ولذلك كان سؤال السلامة ، كما تقدم ، مئنة من فقه السائل ، ولنا في ذلك أصل جليل ترد إليه فروع هذه المسألة : أصل : "أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" . فاسألوا الله العافية ابتداء فذلك شرع السلم ، فإذا لقيتم العدو فاصبروا فذلك شرع الحرب ، فلكل قدر كوني من سلم أو حرب ما يقابله من التكليف الشرعي بدعاء أو صبر ، وتلازم الربوبية والألوهية ، كما تقدم ، أمر مطرد في كل أحوال المكلفين ، فمن الرب : الابتلاء إظهارا لقدرته وحكمته ، ومن العبد : الصبر والامتثال إظهارا لعبوديته .
وقد كان نبيهم عليما بدخائل النفوس فاستفهم محذرا :
قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا : والكتابة في هذا السياق شرعية بدليل مخالفة أكثرهم لمقتضاها لما جد الجد ، ولو كانت كونية ما تخلف أحد منهم عن مقتضاها .
واستفهم عن حال النفي : "ألا تقاتلوا" ولم يستفهم عن حال الإثبات ، فقد ترجح عنده نكوصهم عن القتال إذا فرض عليهم ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، وذلك جار على ما تقدم من إفراط في الحماس لفظا فإذا جاء التكليف بالفعل خفتت الأصوات وانحلت العزمات .

قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا : استنكار لسؤال النبي ، مع وجاهته ، علته : "وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا" ، على تقدير محذوف : وأبعدنا عن أبنائنا ، أو يكون الإخراج من الأبناء بتسلط العامل في "ديارنا" على : "أبنائنا" : آكد في البيان ، فالإخراج فيه معنى القهر والظلم وذلك مما يهيج النفوس ويلهب الهمم ، فلا يرفع الظلم إلا بحد السيف ، وما سلب بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ، ومن غلب على أرضه وولده ضعف تعلقه بالحياة فصار القتال عليه أهون ، كما أشار إلى ذلك صاحب التحرير والتنوير ، رحمه الله ، ولذلك اشترط يوشع بن نون ، عليه السلام ، على أتباعه التجرد من علائق الدنيا قبل دخول الأرض المقدسة فقال : (لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا) .
ومع كل تلك الدعاوى العريضة :
لَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ : فصار فرضا شرعيا وتكليفا حتميا .
تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ : فوقع ما كان يخشاه نبيهم ، بانفساخ هممهم وتثاقل أبدانهم ، إلا قليلا منهم ، أخلصوا النية لله ، عز وجل ، بتصديق الفعل القولَ ، فثبت الرب ، جل وعلا ، جنانهم بمقتضى إرادته الكونية فرعا عن امتثالهم مقتضى إرادته الشرعية بفرض القتال . والتلازم بين الأمرين قد سبقت الإشارة إليه في أكثر من موضع فهو أصل يفزع إليه في كل تكليف شرعي ، فلا تجتمع الإرادتان : الكونية النافذة والشرعية الآمرة إلا في المؤمن الذي استعان بالرب القادر على امتثال أمر الإله الشارع .

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ : تذييل يناسب السياق فيه من التهديد للقاعدين ما يحملهم على امتثال الأمر فقد علم ، عز وجل ، أزلا من سيقعد ومن سيخرج ، وعلم علما ثانيا يتعلق به الثواب والعقاب من قعد ومن خرج لما صار الغيب شهادة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
16-06-2009, 05:12 AM
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا :
بعثا شرعيا ، إذ لو كان كونيا ما وسعهم المخالفة ، وقد خالفوا فدل ذلك على أنه من باب الشرع الآمر ، ولا بد للجهاد من راية شرعية ، فهو أمر لا يقوم به آحاد المكلفين ، إلا في أحوال بعينها كمداهمة العدو أرض المسلمين .
وقد أكد الحكم بــ : "إن" ، وناسب ذكر اسم : "الله" في معرض تقرير الشرع ، على القول باشتقاقه من معنى التأله ، وإنما يتأله العباد لربهم بامتثال أمره الشرعي الحاكم .
وفي اللام معنى الاختصاص ، من باب التأنيس لهم فما بعث إلا لكم لتنتظم صفوفكم تحت قيادته .
قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا : استفهام فيه معنى الإنكار والتعجب ، وذلك سوء أدب مع الملك ، عز وجل ، الذي امتن عليهم ببعث طالوت ، فعارضوا الحكم الشرعي بقياسهم العقلي ، وذلك مسلك إبليسي ، فإبليس أول من عارض الحكم الشرعي بقياسه العقلي الفاسد ، فالنار في قياسه أفضل من الطين ، والفاضل لا يسجد للمفضول ، وهو قياس فاسد المقدمة ، إذ الطين أفضل من النار من جهة كونه مادة نماء لما بذر فيه بخلاف النار فهي مادة فناء لما ألقي فيها ، وفساد النتيجة فرع عن فساد المقدمة .
وجاء الإنكار بــ : "أنى" التي تحتمل : كيف ، ومن أين ، ومتى ، ولا مانع من حملها على كل تلك المعاني على سبيل الاشتراك لعدم التعارض ، بل ذلك آكد في تصوير استنكارهم فرعا عن نتيجة قياسهم الفاسد .
وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ : دعوى في مقابل الأمر بتمليك طالوت .
وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ : حال معللة لدعواهم ، فمناط الاستحقاق عندهم : سعة المال ، وذلك قياس عقول أرباب الدنيا .
قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ : اصطفاء شرعيا فرعا عما وهبه من العطية الكونية : عطية العلم والجسم .
عطية : وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ : فذلك منزل منزلة العلة للحكم الشرعي ، وعموم اللفظ فيها معتبر وإن وردت على سبب خاص ، فصحة الجسم ، وسعة العلم ، مما اشترطه الفقهاء في أصحاب الولايات الكبرى ، فليس لجاهل بشرع الله ، عز وجل ، تولي ولاية عظمى ، كما هو حال أغلب أصحاب الولايات من الحكام والوزراء .......... إلخ في عصرنا الحاضر .
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ : يحتمل أن يكون من كلام النبي ، أو هو من التذييل لكلامه ، فيكون من كلام الباري ، عز وجل ، وعلى كل فهو منزل منزلة العلة الجامعة ، فالله ، عز وجل ، لا يسأل عما يفعل من إيتاء وحرمان لتمام قدرته فهو يؤتي ملكه من يشاء ، ولتمام حكمته فهو وَاسِعٌ : له من سعة الذات وسعة الصفات وسعة الملك وسعة التدبير ما يهب به من شاء فضلا ويمنع به من شاء عدلا فرعا عن كونه : عَلِيمٌا بعباده فيعلم من يستحق ممن لا يستحق ، وفي التنزيل : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ، وفيس على عطاء الرسالة كل عطاء كوني وهبه من شاء من خلقه بمقتضى عموم ربوبيته .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
20-06-2009, 05:56 AM
ومن قوله تعالى : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ) : تكرار لطول العهد ، على وزان :
لقد علم الحي اليمانون أنني ******* إذا قلت أما بعد أني خطيبها
وجعله أبو السعود ، رحمه الله ، من باب إيجاز الحذف لما دل عليه السياق اقتضاء ، إذ هو مشعر بانقطاع ما سبق عما لحق ، فكأنهم سألوه آية لملك طالوت ، فوقع الأخذ والرد ، فقال لهم بعده :
إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ : الكونية ، فالآية هنا ليست شرعية إذ لا تكليف فيها ، وإن تعلق بها التكليف من جهة لزوم التصديق والامتثال بعد ورود الآية الكونية ، وإلا وقع العذاب على ما اطرد من سنة الله ، عز وجل ، الجارية بإهلاك من طلب آية بعينها ، فجاءت كما طلب فكفر بعدها ، إذ قد ظهر له من أمارات الصدق ما لم يظهر لمن لم يطلب ، فكان تكذيبه أقبح ، فاستحق العقوبة العاجلة ، إذ عظم العقاب فرع عن عظم الذنب ، فلما أخل بالتكليف الشرعي مع قيام الداعي لامتثاله من الإعجاز الكوني الذي اشترطه صار أهلا للعقوبة الكونية فرعا عن الإرادة النافذة ، فالتكليف فرع عن الإرادة الشرعية ، والعقوبة لمن أخل به فرع عن الإرادة الكونية ، والتكليف فرع من صفة الحكمة الربانية ، وهي صفة جمال ذاتية ، والعقوبة فرع من صفة الشدة في نحو قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، وهي صفة جلال فعلية ، فصفات الجمال القائمة بالذات القدسية تورث في النفس الرغبة في الأجر فرعا عن امتثال مقتضى الشرع ، وصفات الجلال المتعلقة بالمشيئة الكونية تورث في النفس الرهبة خشية وقوع العقاب فرعا عن مخالفة مقتضى الشرع ، وهذا أصل نفيس ، أشار إليه ابن القيم ، رحمه الله ، إذ المحبة مرادة لذاتها فتعلقت بصفات الجمال الذاتية ، والخوف مراد لغيره إذ به تجتنب المعاصي ، فمتعلقه الكف ، والفعل أشرف منه ، فتعلق بصفات الجلال الفعلية .

أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ : في مستقبل أمركم لتمحض الفعل للاستقبال بدخول "أن" عليه ، فضلا عما للمصدر المؤول من دلالة توكيدية تفوق دلالة المصدر الصريح ، ولو من جهة زيادة المبنى فهو مئنة من زيادة المعنى كما اطرد في كلام البلاغيين .
و : "أل" في التابوت : عهدية ذهنية تشير إلى تابوت بعينه له من الأوصاف :
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ : فالجملة الحالية وصفية في معناها ، وتقديم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، وذلك أبلغ في بث الطمأنينة في نفوسهم بإتيانه ، ففيه يقينا لا في غيره السكينة التي بها يثبت الله ، عز وجل ، عباده المؤمنين في ساحات الوغى في مقابل نزعها من قلوب أعدائه ، مصداق قوله تعالى : (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) ، وفي تنكير السكينة : تعظيم لقدرها ، فضلا عن ابتداء غايتها من الله ، عز وجل ، فليست كأي سكينة من أي أحد ، بل هي سكينة ممن بيده تصريف القلوب إقامة وإزاغة ، فهو الرب الذي تجري الأمور وفق كلماته الكونيات النافذات ، فمن شاء أقامه فضلا ، ومن شاء أزاغه عدلا ، وإنما تستخرج كوامن الصدور في أوقات الشدة ، كما سيأتي إن شاء الله ، فيقع الابتلاء الكوني بلقاء العدو ، فبه تفتضح كثير من النفوس ، بظهور خسة معدنها ، وإن بدا نفيسا في أوقات الدعة ، ولا يأمن مكر الله ، عز وجل ، إلا مغرور ، ولا يتمنى الابتلاء إلا جاهل بعواقبه ، ولا يسأل الله ، عز وجل ، السلامة ، إلا مقر بضعفه مظهر لعجزه في مقابل قوة وقدرة الرب العلي القهار ، جل وعلا ، فمنه وحده التثبيت ، وبه وحده التوفيق .
وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ : وفيه دليل على جواز التبرك بآثار الأنبياء عليهم السلام ، وذلك بمقام الشدة أليق ، ولا يعني ذلك اعتقاد النفع والضر في ذاتها بل هي سبب مشروع ، فلا استقلال له بنفسه في التأثير بل هو تابع لإرادة مجري الأسباب جل وعلا .

تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ : حال ثانية تزيد وصف التابوت بيانا ، وحملان الملائكة له مئنة من عظم شأنه ، وتأنيس للمقاتلين وحفز لهممهم ، إذ الملائكة من آكد أسباب النصر الغيبية .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ : توكيد بــ : "إن" واللام المزحلقة في : "لآية" ، في معرض الحض ، والشرط للإلهاب على ما اطرد من طريقة : إن كنت رجلا فافعل ، فإن كنتم مؤمنين حقا فتلك آية كونية أرسلت لكم فامتثلوا أمر نبيكم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
21-06-2009, 05:52 AM
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ :
إيجاز بحذف مقدرات دل عليها السياق إذ جاء التابوت آية لهم ، فارتضوا طالوت ملكا ، فأعد الجيش ، وانتظم الجند فسار بهم طالوت حتى جاوزوا مساكنهم وفارقوا ديارهم طلبا لعدوهم ، على وزان الحذف في قوله تعالى : (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) ، أي : فأرسلوه فدخل على يوسف عليه السلام وقال له : يوسف ........... وذلك مما تطمح إليه نفوس البلاغيين دون النحويين ، كما أشار إلى ذلك ابن هشام رحمه الله في "المغني" ، إذ الحذف هنا من باب : حذف ما دل عليه السياق اقتضاء فليس له وجه نحوي كحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ........... إلخ من صور الحذف التي قررها النحاة في كتبهم فهي وثيقة الصلة بالمبنى لا بالمعنى ، بخلاف الصورة الأولى فهي إلى المعنى أقرب وبه أليق .
قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ : ابتلاء شرعيا ، نسبه إلى الله ، عز وجل ، ولعل في نسبته إلى لفظ الجلالة : "الله" ، على القول باشتقاقه لغة لا شرعا من التأله بمعنى التعبد ، لعل في نسبته إلى اسم يتضمن معنى التعبد ما يؤكد كون الابتلاء شرعيا لتمحيص القلوب ، فنسب إلى الإله الشارع دون اسم الرب الذي يتضمن معنى السيادة وتلك بالابتلاء الكوني أليق ، وليس الابتلاء هنا كونيا ، إذ لو كان كذلك لوقع لا محالة ، ولكنه تخلف في حق معظم أفراد الجيش الذين رسبوا في أول اختبار شرعي جريا على سنة : (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، فالغالب على العباد : مخالفة الأمر الشرعي دون الأمر الكوني الذي يجري على وجه الحتم والإلزام على كل العباد مؤمنهم وكافرهم ، تقيهم وفاجرهم .
وقد أكد كلامه بتصدير الجملة بــ : "إن" ، وذكر الابتلاء مجملا ، فتشوفت النفوس إلى البيان ، فعقب به مقرونا بالفاء الدالة على التعقيب ، فليس بين الإجمال والبيان في كلامه فسحة ، إذ قد قامت الحاجة إلى بيان الحكم ، لقرب زمان الابتلاء ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي : "من" الأولى لابتداء الغاية ، فابتداء غاية فعل الشرب تكون من النهر فيكون الشرط نصا فيمن كرع الماء بفيه كناية عن نهمه وقلة صبره على العطش ، فذلك المتوعد بجواب الشرط دون من استثناه ممن اغترف غرفة بيده دفعا للضرر ، فيكون فعله من باب الضرورة التي يرخص فيها بقدر ما ترتفع به ، فالضرورات تقدر بقدرها .
و : "من" الثانية : "اتصالية" كما اصطلح بعض النحاة على تسميتها بذلك ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فاستعار انقطاع الاتصال الحسي بين الشارب والقائد لانقطاع الاتصال المعنوي بينهما ، وقد يقال بأن كلا الأمرين مراد ، بل هما متلازمين ، إذ انقطاع الوصلة المعنوية بينهما سبب في انقطاع الوصلة الحسية بفصل العصاة الذين لم يمتثلوا الأمر عن بقية الجيش ، لئلا يناله من شؤم معصيتهم ما يكون سببا في هزيمته ، وهذا أصل في هجر العصاة تأديبا ودفعا لضررهم ، فلا أضر على الجماعة من عصاتها ، فهم سبب في استنزال العذاب ومحق البركة ، مصداق قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ) ، فكان فعل طالوت عين الحكمة الشرعية ، وفي مقابل الترهيب بنفي العصاة :

جاء الترغيب على سبيل المقابلة بين شطري القسمة العقلية : من عصى فشرب فانتفت صلته بالقائد وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي : فصلته بالقائد باقية إذ قد اجتاز أول ابتلاء شرعي مُمَحِّص بنجاح ، واستثنى مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ : دفعا لضرورته كما تقدم .
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ : الفاء فصيحة على تقدير : فلم يمتثلوا الأمر فشربوا منه ............. ، واستثنى القلة المؤمنة ، وقرئ برفع "قليل" ، إذ في معنى إقدامهم على الشرب انتفاء امتثالهم الأمر بتركه لزوما ، فكأن الاستثناء ورد على كلام تام منفي ، على تقدير فلم يمتثلوا الأمر ، فجاز فيه الوجهان : النصب على الاستثناء والرفع على البدلية من الضمير في : "يمتثلوا" ، فآل المعنى إلى : فلم يمتثلوا الأمر إلا قليلٌ .
فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ : تعريض بمن لم يجاوز بإثبات وصف الإيمان لمن جاوز فهو يفيد بمفهومه نفيه عمن لم يجاوز ، وإن لم يكفر بذلك ، ولكنه لم يحقق الإيمان الواجب لتجاوز هذا الابتلاء فلم يصر أهلا لتلك الكرامة : كرامة التثبيت في أوقات الشدة ، فتلك لا تكون إلا لمن شاء الله ، عز وجل ، له الثبات كونا ، فرعا عن امتثاله الأمر ديانة ، فلا يحظى بعطايا الربوبية ، ومنها تثبيت الجنان وتصريفه على مقتضى الإيمان إلا من حقق تمام الألوهية .
قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ : لما لقيهم من نصب ومشقة .
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ : أي يوقنون ، فالظن هنا بمعنى اليقين لدلالة السياق على كونهم أرفع طبقات الجيش منزلة ، وأصلبهم عودا ، فرعا عن كمال إيمانهم . و : "أن" وما دخلت عليه قد سدت مسد مفعولي ظن . أو المفعول الأول لها والمفعول الثاني محذوف على تقدير : قال الذين يظنون ملاقاة الله كائنةً ، وهذا اختيار الأخفش رحمه الله ، وعلى كلا القولين يكون الإتيان بالجملة المصدرة بــ : "أن" المصدرية مع ما لها من دلالة توكيدية بأصل الوضع أبلغ في بيان يقينهم من الإتيان بالمصدر الصريح .

أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ : الإضافة للتخفيف .

كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ : طباق بين القلة والكثرة في معرض بيان القدرة الإلهية ، والإذن هنا ، كوني ، بخلاف الإذن في نحو قوله تعالى : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) ، أي : ما لم يشرعه الله عز وجل . وذلك الإذن الكوني فرع عن امتثال الأمر الشرعي كما تقدم في أكثر من موضع .

وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ : إظهار في موضع الإضمار ، لبيان كمال العناية بهم بورود لفظ الجلالة في معرض معيته الخاصة لهم : معية النصرة والتأييد ، وقد علق الحكم على الوصف المشتق من الصفة المشبهة : "الصابرين" التي ذيلت بها الآية فهي مما يلائم ما تقدمها من أحداث جسام تتطلب صبرا على البلاء وثباتا عند اللقاء .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
22-06-2009, 05:43 AM
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ : فتعين القتال على كل حاضر ، وتلك أشد ساعات الابتلاء ، ولا أشق على النفس من الفروض العينية فهي بطبعها تميل إلى التنصل والتملص من التكليف ، فإن لم يقيدها صاحبها بقيد الشرع الحاكم تفلتت ، وهذا حال أغلب المكلفين إلا من رحم الله ، عز وجل ، فالثبات على طريق الهداية أشق من معرفته والسير عليه ، فالحجة الرسالية قائمة ببيان الطريق لكل مكلف ، وتلك أيسر المنازل ، ويليها السير على طريق الهداية ، وتلك أعلى من الأولى فليس كل من علم عمل ، بل لا تكون إرادة العبد في مباشرة الفعل إلا فرعا عن إرادة الله ، عز وجل ، الكونية بخلق تلك الإرادة فيه ، وخلق ذات الفعل .
وأصعبها الثبات على طريق الحق ، فكثير سار وقطع أشواطا إلى الله ، عز وجل ، ثم انقطع عن السير ، إذ الطريق موحش ، والسالكون قلة ، فإن لم يثبت الله ، عز وجل ، العبد في سيره ، زل وانفسخت همته فانقطع عن السير ، وكذلك حال المقاتل ساعة لقاء العدو ، وقد تعين القتال وصارت الأماني حقائق ، مصداق قوله تعالى : (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) . ولذلك كان تمني ذلك الابتلاء مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خشية افتضاح صاحبه حيث لا محيص ، فإن فر المقاتل في الدنيا موليا دبره ، فأنى له الفرار يوم التناد ، فقتال العدو : أمر ندب إليه الشارع ، عز وجل ، ولكنه لا يكون بحماسة يوكل صاحبها إلى نفسه ، بل إظهار الضعف والتضرع كما صنع أولئك ساعة لقاء جالوت وجنوده هو مفتاح النصر .
فكان دعاؤهم :
رَبَّنَا : إذ استمدوه من عطاء ربوبيته : صبرا للجنان ، وتثبيتا للأقدام ، وعطفهما من قبيل عطف المتلازمات ، إذ الجوارح الظاهرة تعكس صورة القلب الباطنة ، فالعلم تصور والعمل حكم ، ولا يصح حكم بلا تصور صحيح ، فإذا صح القلب علما وعملا ، كان ذلك مئنة من استقامة الجوارح على الطاعة ، وصورتها يوم الزحف : الثبات وعدم التولي .
والإفراغ مئنة من الكثرة ، كما ذكر ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، فلقائل أن يقول : إن في السياق : استعارة الإفراغ الحسي للإفراغ المعنوي : استعارة مكنية تبعية ، إذ شبه الصبر بالماء المصبوب بكثرة غامرة ، فذلك المعنى المتبادر إلى الذهن من لفظ : "أفرغ" ، وحذف المشبه به وكنى عنه بلازم من لوازمه وهو فعل الإفراغ ، ويؤيده تنكير الصبر تعظيما ، فذلك مما يرجح مقابلته في الاستعارة بالماء الكثير الذي بلغ حد الصب بالإفراغ صبا غامرا متواليا لا ينقطع ، فيكون مدد الصبر منه ، جل وعلا ، متجددا لا انقطاع له ، فيحصل للمقاتل الصبر في كل مراحل المعركة ، وآكدها الساعة الأخيرة فإنها أحرج ساعات القتال ، والنصر لمن صبر فيها كما علم ذلك من باشر القتال وشدته .
وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ : عطف لازم على ملزومه ، فالنصر فرع الصبر ، كما تقدم ، وفي وصفهم بالكافرين تضرع إلى الله ، عز وجل ، بمفهوم السياق ، فهو توسل بإيمانهم في مقابل كفر خصمهم ، وقد وعد الله ، المؤمنين النصر في الأولى والآخرة ، مصداق قوله تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
02-07-2009, 07:04 AM
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ : الفاء للفورية إذ نزل النصر بتحقق أسبابه وشرائطه ، ولو تخلفت الأسباب لتخلف النصر ، فهو حكم كوني يماثل الحكم الشرعي في كونه يدور مع علله وأسبابه وجودا وعدما ، فلما بذلوا الأسباب الشرعية من إعداد عدة وصبر على الابتلاء زمن الورود على النهر ودعاء وتضرع زمن اللقاء ، لما استكملوا تلك الأسباب : نزل النصر بإذن الله ، الكوني ، فمدد الربوبية لا يستجلب إلا بكمال الألوهية ، فلا يتنزل نصر على عصاة لم يستكملوا أسباب النصر الشرعية ، وتلك سنن جارية لا تجامل ولا تداهن أحدا وإن كان الصحب الكرام ، رضي الله عنهم ، خير طباق الأمة ، فقد تخلف الشرط في حقهم يوم أحد ، وإن كانوا متأولين غير عامدين ، فجرت عليهم سنة الابتلاء بما مسهم من القرح .
وفي السياق نوع تناسب وتلاؤم بين إذن الله ، في قولهم : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، في مقام التضرع ، وقوله تعالى : (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) ، في مقام الانتصار لأهل الإيمان ، فكلاهما من : الإذن الكوني النافذ ، وذلك من حسن السياق بمكان كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله .

وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ : وذلك من الخاص بعد العام ، وفيه مزيد بيان للنعمة الربانية على ذلك الجيش ، إذ كانت الهزيمة ساحقة والضربة قاضية بمقتل رأس العدو ، إذ قتل القائد مظنة انفراط عقد الجيش مهما بلغت قوته ، والتاريخ العسكري شاهد بذلك ، ويوم بلاط الشهداء ، رجحت كفة المسلمين ابتداء حتى قتل الغافقي ، رحمه الله ، أعظم ولاة الأندلس في دورها الأول : دور الولاة ، بل لعله من أعظم من تولى أمر الجماعة في أندلسنا المفقود ، فلا يعادله إلا رجال من أمثال الداخل والناصر والحاجب المنصور ، فلما قتل دبت الفوضى في صفوف المسلمين فكان ما كان من هزيمة البلاط الأليمة التي أوقفت زحف الإسلام نحو باريس ، فكان ذلك سببا في تأخر أوروبا عن ركب الحضارة قرونا أخرى بعد أن تصدت في عنصرية بغيضة لشعاع النور الساطع من قرطبة .
وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ : وذلك ، أيضا ، من الخصوص بعد العموم إطنابا في بيان المنة الربانية على داود ، عليه السلام خصوصا ، فقد أوتي الملك والنبوة ، والإطناب بذكر أفراد النعمة الربانية مما يلائم سياق الامتنان بها ، ولم يجتمع الأمران لأحد قبله من بني إسرائيل إذ كانت النبوة في سبط والملك في سبط آخر .
وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ : من علوم النبوات ، فهو من عطف اللازم على ملزومه ، وهو جار على ما تقدم من الإطناب في معرض الامتنان .
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ : وتلك سنة كونية جارية : سنة التدافع .
لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ : باستيلاء أهل الفجور عليها ، ولكن الله قيض لهم من يدحض حجتهم بالبرهان ويكسر شوكتهم بالسنان .
وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ : فلم تفسد الأرض ، لما تقدم ، من ظهور حجة الله البالغة ، فلن تخلو الأرض من قائم لله بحجة . والتنكير في : "فضل" : مئنة من التعظيم ، ففضله على عباده عظيم : فضل كوني بأنواع الأسباب الكونية التي تقوم بها الأبدان ، فهو ، جل وعلا ، المقيم المقيت لها بأنواع القوت الحسي ، وفضل شرعي ، وهو أعظم صور الفضل فبأنواع الأسباب الشرعية التي جاءت بها النبوات ، تحيى القلوب بالعلوم النافعة والجوارح بالأعمال الصالحة ، فهي قوت معنوي نافع أجراه الله ، عز وجل ، على القلوب إقامة لها على التوحيد العلمي ، وعلى الأبدان إقامة لها على التوحيد العملي . فثنائية : العلم الذي يصح به التصور والعمل الذي يصدقه : ثنائية مطردة في دين الإسلام ، فلا صلاح إلا بكليهما ، فعلم بلا عمل مسلك الأمة الغضبية من يهود قتلة الرسل والأنبياء ، وعمل بلا علم مسلك الأمة الضالة من النصارى عباد الصليب . وكل خير في مخالفتهما ، وكل شر دخل على هذه الأمة فإنما يرجع عند التحقيق إلا اتباع طرائقهم العلمية والعملية .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
04-07-2009, 06:40 AM
تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ :
أي ما تقدم على طريقة العرب في الإشارة إلى ما انقضى قريبا بإشارة البعيد ، أو لبيان علو مكانة تلك الآيات ، فهي آيات شرعية من جهة كونها أخبارا ، وهي آيات كونيات من جهة دلالتها على تأييد الله ، عز وجل ، أنبياءه وأوليائه ، وإن قلت فئتهم ، فلهم من الأسباب الغيبية من تأييد الملائكة ، مصداق قوله تعالى : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا) ، فهي عامة في حق كل فئة مؤمنة ، لهم من ذلك النصيب الوافر ، وإن فاقهم عدوهم في الأسباب المشهودة من عدد وعدة وعتاد .
وهي آية على صحة رسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إذ الإخبار بذلك الغيب الذي لا يعلمه إلا نبي مرسل ، أو عالم قد باشر علوم الأولين ، كأحبار يهود وقساوسة النصارى ممن لهم بالنبوات الأولى معرفة ، الإخبار بذلك من قبل من لا علم سابق له به ، بل لا علم له بالقراءة فهو أمي ، إمعانا في تكريمه إذ علمه ربه ، عز وجل ، فلم يجلس إلى معلم من البشر ، وإمعانا في إقامة الحجة على مخالفه بقطع كل أسباب العلم الكسبي عنه ، فلا قراءة ولا كتابة ولا مخالطة لعلماء أهل الكتاب ليتلقى عنهم مشافهة ، فلم يبق إلا القطع بأن علمه وهبي فرعا عن نبوة معصومة لا يتطرق الخطأ إلى خبرها ، ولا البطلان إلى حكمها ، فلا تنال النبوة باكتساب أو اجتهاد وإنما هي فضل وهب وامتنان من الرب الكريم المنان .

يقول ابن تيمية ، رحمه الله ، في "الجواب الصحيح" :
"وقد أتاهم ، (أي : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ، بجلية ما في الصحف الأولى كالتوراة والإنجيل مع علمهم بأنه لم يأخذ عن أهل الكتاب شيئا فإذا أخبرهم بالغيوب التي لا يعلمها إلا نبي أو من أخبره نبي وهم يعلمون أنه لم يعلم ذلك بخبر أحد من الأنبياء تبين لهم أنه نبي وتبين ذلك لسائر الأمم فإنه إذا كان قومه المعادون وغير المعادين له مقرين بأنه لم يجتمع بأحد يعلمه ذلك صار هذا منقولا بالتواتر وكان مما أقر به مخالفوه مع حرصهم على الطعن لو أمكن .
فهذه الأخبار بالغيوب المتقدمة قامت بها الحجة على قومه وعلى جميع من بلغه خبر ذلك وقد أخبر بالغيوب المستقبلة وهذه تقوم بها الحجة على من عرف تصديق ذلك الخبر كما قال تعالى : {غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ} .
ثم قال : {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .
وقال تعالى : {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ} .
فأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك في المستقبل وكان كما أخبر وقال تعالى : {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} .
فأخبر أنه لا يقدر الإنس والجن إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثل هذا القرآن وهذا الخبر قد مضى له أكثر من سبعمائة سنة ، (في زمن المؤلف) ، ولم يقدر أحد من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن .......... وقد أيده تأييدا لا يؤيد به إلا الأنبياء بل لم يؤيد أحد من الأنبياء كما أيد به كما أنه بعث بأفضل الكتب إلى أفضل الأمم بأفضل الشرائع وجعله سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم" . اهــ بتصرف .

والتقييد بالحال في قوله : (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) : لا مفهوم له إذ هو من الوصف الكاشف ، فلا يكون من الوحي ما يتلى بالباطل ، وإنما هو من باب الإطناب في وصف تلك الآيات بأوصاف الكمال .
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ : تذييل يلائم السياق بتوكيد الرسالة فرعا عن صحة أخبارها ، ومنها ما تقدم من خبر طالوت وجالوت .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
13-07-2009, 08:05 AM
ومن قوله تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) :

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ : إشارة إلى الرسل عليهم السلام بإشارة البعيد مئنة من علو مكانتهم ، مع وقوع التفاضل بينهم ، فإن ذلك لا يعني انتقاص المفضول ، وعلى ذلك خرج النهي عن المفاضلة بينهم ، فالمنهي عنه : التفضيل المفضي إلى التعصب للفاضل وانتقاص المفضول ، وهما أمران متلازمان لا انفكاك لهما ، إذ لا يخلو المتعصب عادة من جهل مركب بحال الفاضل فيظنه على غير ما هو عليه غلوا كمن يعتقد صفات الألوهية في نبي أو إمام أو شيخ ......... إلخ ، كحال غلاة الأمم ، وجهل مركب آخر بحال المفضول فيظنه على غير ما هو عليه جفاء ، وتأمل حال يهود الذين جفوا في حق المسيح عليه السلام حتى طعنوا في نسبه في مقابل غلو النصارى فيه حتى أنزلوه منزلة الألوهية ، فلا الأولون نزهوه عما لا يليق بمقام النبوة ، ولا الآخرون عرفوه بأوصاف النبوة الحقة بل خلعوا عليه من الأوصاف ما لا يجوز في حق بشر أصلا وإن كان من صفوتهم ، بل من أولي العزم منهم ، فكلاهما عند التحقيق لم يعرف مذمومه أو ممدوحه ، فاليهود ذموا مسيحا لا وجود له ، والنصارى أطروا مسيحا آخر لا وجود له ، أيضا ، والمسلمون عرفوا المسيح الحق عليه السلام فأعطوه حقه من أوصاف الكمال إثباتا ، ونزهوه عما لا يليق بمقام النبوة نفيا ، فهو : عبد الله : وتلك أشرف منازل العالمين عموما ، والمرسلين خصوصا ، فليس فيه ولا في غيره من أوصاف الألوهية شيء ، بل هو من جهة أصل الخلقة : بشر كسائر البشر يجري عليه ما يجري عليهم من السنن الكونية من : مرض وموت وابتلاء بالآلام ......... إلخ ، وإنما خص بوصف الرسالة تلقيا وأداء ، وفي التنزيل : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فذلك القدر المشترك بين الرسل وبقية البشر ، و : (يُوحَى إِلَيَّ) فذلك القدر الفارق ، فمن نظر إلى القدر المشترك دون القدر الفارق : مال إلى جفاء يهود في حق الأنبياء فالتسوية بينهم وبين البشر من كل وجه كحال من يجعلهم : ساسة ومصلحين لهم قوى علمية وتأثيرية في العالم ، فمؤدى قوله الحط من مقام النبوات بجعلها من جنس الملكات البشرية ، فتصير قابلة للاكتساب بالدربة ! ، كما زعم غلاة الفلاسفة ومن سار على طريقتهم ممن يعظم الأنبياء تعظيم القادة والساسة ، فيجعلهم من جنس نابليون أو جيفارا أو .......... إلخ ، ومن نظر إلى القدر الفارق : القدر الغيبي الذي اختصوا به من الوحي الإلهي دون نظر إلى القدر المشترك مال إلى غلو النصارى فأطراهم بما ليس فيهم : فأصل خلقتهم من غير الطين الذي خلقت منه السلالة الآدمية ، ولهم من علوم الغيب ما يضارع العلوم الربانية التي اختص بها الله ، عز وجل ........... إلخ من صور الغلو التي تخرج بصاحبها عن جوهر التوحيد الذي بعث الرسل بتقريره إلى عين الشرك الذي بعثوا بإبطاله وتفنيده .


وتأمل حال غلاة المبتدعة الذين غلوا في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وقدحوا في الأصحاب ، رضي الله عنهم ، فوقعوا في جنس ما وقعت فيه النصارى من الغلو ، وجنس ما وقع فيه اليهود من الجفاء ، فجمعوا السوأتين ، إذ لا انفكاك لهما ، كما تقدم ، فلا هم ، أيضا ، عرفوا من يظهرون الانتصار له على حقيقته ، ولا هم عرفوا من يقدحون فيه على حقيقته ، بل غلوا في معدوم وجفوا في معدوم ! ، فالجهل المركب كائن في كليهما ، والحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فإذا صح التصور بعلم صحيح صح الحكم ، وإذا فسد بجهل بسيط أو مركب فسد الحكم ، ولذلك كان العلم أول منازل العمل ، إذ به يصح نية وصفة ، فتصحيح النية يكون بالعلم ، وتصحيح العبادة صفة وهيئة يكون ، أيضا ، بالعلم .

وقاعدة القدر المشترك والقدر الفارق ، كما قال المحققون من أهل العلم ، أصل جليل في مثل تلك المضائق ، فإنه لا بد من وجود قدر مشترك بين الموجودات ولو في أصل صفة الوجود ، وقدر فارق يظهر به التباين بينها تبعا للتباين في أعيانها وأوصافها .
فوصف النبوة : قدر مشترك تساوى فيه الأنبياء عليهم السلام . وتفاضلوا في القدر الفارق ، فأولوا العزم عليهم السلام أفضل ممن سواهم ، وموسى عليه السلام ، أفضل من نوح وعيسى ، عليهما السلام ، والخليل ، عليه السلام ، أفضل منهم ، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضلهم بل هو أفضل الخلق جميعا .

ووصف الصحبة : قدر مشترك تساوى فيه الصحابة رضي الله عنهم . فتثبت الصحبة لكل من رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طالت الرؤية أو قصرت ، لازمه أو لم يلازمه ، كلمه أو لم يكلمه ، روى عنه أو لم يرو ، تثبت لكل من ذلك وصفه إذا مات على الإسلام ولو تخلل ذلك ردة على الصحيح من أقوال أهل العلم .
وتفاضلوا في القدر الفارق ، فالخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، أفضل ممن سواهم ، وعثمان ، أفضل من علي ، رضي الله عنهما ، وإن ساغ الخلاف في التفضيل لا في التقديم في الخلافة ، فلا يضلل من قال بذلك ما لم يجره ذلك إلى انتقاص عثمان ، رضي الله عنه ، وإن كان قول جماهير أهل السنة ، في هذه المسألة ، أولى بالاتباع فرعا عن كونه ثابتا بإجماع أهل المدينة قبل تفرقهم في الأمصار ، وعمر ، رضي الله عنه ، خير منهما ، وأبو بكر ، خيرهم ، بل هو خير من وطئ الثرى بعد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، فهو الصديق الأعظم والولي الأول .

وقل مثل ذلك في مسائل كالإيمان واختلاف الناس في حقيقته :
فإن فيه قدرا مشتركا بين عموم المؤمنين : وهو مطلق التصديق الذي لا يثبت عقد الإسلام إلا به .
وقدرا فارقا : وهو ما يتفاضل فيه الناس من أعمال القلوب والجوارح .
فهو يزيد وينقص تبعا لزيادتها ونقصانها : زيادة الكل باستيفاء أجزائه أو نقصانه بتخلفها دون ذهابه بالكلية إلا إذا وقع في ناقض للأصل ، بخلاف مطلق التصديق ، وإن ذكر بعض أهل العلم أنه ، أيضا ، مما يتفاوت باعتبار النظر والتأمل في الأدلة فليس تصديق النبي أو الصديق كتصديق آحاد المؤمنين .

وفي باب الصفات :
يوجد قدر مشترك في بين أي موصوفين هو الحقائق الكلية المشتركة في الذهن ، وقدر فارق في الحقائق الجزئية في الخارج . فلكل موصوف حقيقة مستقلة باستقلال ذاته تباين حقيقة بقية الموصوفات ، وتباين الصفات فرع عن تباين ذوات الموصوفات .

وفي باب البلاغ : يلزم المبلِغ ، لا سيما في أمور الديانة ، وفي أمور الغيب التي تحار فيها العقول وإن كانت لا تجيلها إلا أنها مظنة الفتنة إذا كان المخاطب ضعيف العقل ، يلزمه أن ينظر بعين الاعتبار إلى القدر المشترك بين أفهام الناس ، فيحدثهم بما لا تستنكره العقول الصريحة والفطر السوية ، ومن رحمة الله ، عز وجل ، أن علق النجاة على تصديق أخبار وامتثال أحكام لا غموض فيها ولا خفاء ، فكل المكلفين يمكنهم إدراك معاني التوحيد ، بل ذلك مما ركز في فطرهم فلا يجدون مشقة في تصديقه إجمالا ، وتصديق بقية الغيبيات على سبيل الإجمال ، أيضا ، وامتثال الأحكام الشرعية من العبادات القولية والبدنية التي لا يجد المؤمن ، وإن لم يكن من أهل العلم ، صعوبة في أدائها بل الإقبال عليها لما يجده من أثرها البارز في صلاح دينه ودنياه ، فهي حافظة للقلب حافظة للبدن ، فبحفظ الدين : الضرورة الأولى : يحفظ القلب ، وبحفظ النفس والعرض والعقل والمال يحفظ البدن : آلة التكليف ، فالقصاص من القاتل يحفظه من التلف ، وتحريم الفواحش يحفظ نسبه من الاختلاط المفضي إلى التشريد والضياع ، وتحريم الخبائث من المسكرات يحفظ عقله من الزوال المفضي إلى فساد الرأي والعمل ، وعقوبات الجنايات المالية من قطع للسارق وتعزير للمختلس والمنتهب ...... إلخ تحفظ المال الذي هو عصب الحياة فبه تحفظ الأديان والأبدان معا .

فذلك القدر المشترك بين عموم المكلفين .

وأما القدر الفارق من دقائق المسائل التي لا يدركها إلا أهل الاختصاص في كل فن ، فتلك لا تنفع حكايتها لعموم المكلفين بل قد تضر إن كان فيها من الشبهات ما قد يعلق بالقلوب الضعيفة لا سيما مع قلة العلم وغلبة الجهل ، إلا إن تعين ذكرها على سبيل التحذير من فتنة قد أثيرت ، فيكون ذكرها من باب البيان الذي قد قامت الحاجة إليه ، فتذكر على سبيل الرد لا على سبيل التقرير والبسط ابتداء دون حاجة .
ومثلها أخبار الفتنة التي وقعت بين الأصحاب ، رضي الله عنهم ، متأولين الحق مجتهدين في طلبه ، فتلك من مراتع الكفار الأصليين وأهل البدعة المغلظة ومن سار على طريقتهم من أفراخ العلمانية المعاصرة ، إذ هي مادة دسمة للطعن في دين الإسلام بالطعن في حملته ، وتشكيك عموم المسلمين في أصل ملتهم ، وذلك منتهى إرادة القوم ، فهو نصر بارد لا عناء فيه سوى جمع القصص المكذوب من كتب كذبة الإخباريين الذين يسيرون على طريقة "ألف ليلة وليلة" التي تصلح لمؤانسة رواد المقاهي الشعبية ! ، فيصير الدين مجرد قصص وأساطير ، وتلقى المصادر الأصلية من نصوص الكتاب والسنة خلف الظهور إذ فيها ما ينقض ذلك الغزل الواهي نقضا . فتلك ، أيضا ، مما لا يشرع الخوض فيه إلا على سبيل التحذير من مقالة فاسدة ، وما أكثر مقالات السوء في الصحب ، رضي الله عنهم ، في هذا الزمن الذي انتفش فيه أهل الباطل من الكفار والمبتدعة ، ولعل ما يتعرض له عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، على سبيل الخصوص ، في مصر من حملات مسعورة من النصارى والعلمانيين الذين يسيرهم الكفار تارة والمبتدعة تارة أخرى ، فهم مع من أظهر الطعن في الإسلام أيا كان شخصه ، لعل تلك الحملات من قبيل مقالة حادثة أظهرها ساذج نعت عمرا ، رضي الله عنه ، بالمكر على طريقة دهاقنة السياسة المعاصرين فهو الذي يلعب بـــ : "البيضة والحجر" كما يقال عندنا في مصر ، والتطهير العرقي على طريقة سفاحي الحروب الحديثة ، والإرهاب الفكري فهو عدو الفكر الإنساني الذي حرق مكتبة الإسكندرية .............. إلخ ، لعل ذلك من أبرز أمثلة تلك الحملة المنظمة ، وهي اتهامات تدل على جهل مركب حتى بالتاريخ المصري من منظور نصراني إذ لم يورد أحد من مؤرخي تلك الحقبة من النصارى شيئا من تلك الافتراءات ، بل المتواتر عند عقلائهم ما نعم به أسلافهم من حرية دينية بعد زوال الاحتلال الروماني الذي يشاركهم الملة وإن خالفهم النحلة ، إذ كانت مصر قبل الفتح الإسلامي نموذجا للاضطهاد الديني ، بل المذهبي ، وكان قبط مصر خير عون لجيش الفتح في الطريق إلى فتح الإسكندرية عاصمة مصر آنذاك ، وكان من شروط اتفاقية الجلاء الروماني ، إن صح التعبير ، ألا يتعرض المسلمون لكنائس النصارى ولا يتدخلوا في شئونهم الدينية ولا تزال كنائسهم الأثرية باقية إلى يوم الناس هذا شاهد عدل آخر على وفاء المسلمين بعهودهم ، ولك أن تقارن بنود تلك الاتفاقية ببنود اتفاقية استسلام غرناطة وكانت تتضمن هي الأخرى وعودا مؤكدة بالأيمان الملكية المغلظة بالحفاظ على حرية المسلمين الدينية ولكنها تبخرت بعد سنوات قليلة وظهرت إلى الوجود مأساة الموريسكيين ومحاكم التفتيش الكنسية التي يخجل أي نصراني ويشمئز أي آدمي من مجرد ذكرها أو تخيل ما نقل من صور التعذيب الوحشي في أقبيتها ، لك أن تقارن بين أولئك وأولئك ، والكل يحظى بلقب الفاتح ، لتدرك الفارق بين فتح المسلمين وفتح غيرهم ، ولكن قلوبا أعماها التعصب فبثت تلك الأراجيف وقلوبا أخرى أعماها الجهل فصدقتها وانتحلتها لا يستغرب منها التعدي على أولئك السادة بل قد تعدوا على من هو أعظم منهم من الرسل عليهم السلام لا سيما خاتمهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل قد تعدوا على رب العالمين بنعته بأوصاف يتنزه عنها آحاد المخلوقين فعلام العجب ؟! .

والشاهد أن أهل الحق قد اضطروا في هذه الأزمنة إلى الخوض في تلك الدقائق مع كونها من القدر الفارق ، لمصلحة تربو على مفسدة ما قد تحدثه من اضطراب لبعض الأفهام ، والضرورة تقدر بقدرها ، وقول علي رضي الله عنه : "حدثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون ; أتحبون أن يكذب الله ورسوله" : أصل في هذا الباب .


وعودة إلى سياق الآية :

إذ وجه التفاضل في صدرها مجمل على طريقة التنزيل في إيراد المجمل من باب التشويق استحضارا لذهن المخاطب ثم التذييل بالمبين فيقع في النفس أبلغ موقع .
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ : إشارة إلى الكليم عليه السلام ، وفي السياق التفات من التكلم إلى الغيبة على ما اطرد من تربية المهابة في النفوس إذا كان ذلك في حق الله ، عز وجل ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله .

وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ : عالية رفيعة ، فالتنكير للتعظيم ، وقال بعض أهل العلم إن المراد هنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما أبهم ذكره تفخيما لأمره .
وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ : فلفظ الإيتاء أبلغ في بيان المنة الربانية على المسيح عليه السلام ، إذ هو مما لا يقبل المطاوعة ، وما لا يقبل المطاوعة كما قرر اللغويون أقوى دلالة على وقوع الفعل مما يقبل المطاوعة ، فما يقبل من قبيل : كسرته يحتمل وقوع الفعل فيقال : كسرته فانكسر ، أو عدم وقوعه فيقال : كسرته فما انكسر ، بخلاف الإيتاء فهو واقع لا محالة ، إذ النبوة منحة ربانية لا تقبل الرد ، فمن اصطفاه الله ، عز وجل ، لحمل رسالته وتبليغ كلماته الشرعيات أخبارا وأحكاما لا يملك الاستقالة إذ الأمر على جهة اللزوم لا التخيير ، وفي التنزيل : (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ) ، والأصل في الأمر الوجوب كما قرر الأصوليون ، وذلك آكد واجب يتصور في حق البشر بعد إخلاص العبودية لله عز وجل .

وجاء التفصيل في مقام الامتنان على عيسى عليه السلام لدحض شبه الغلاة والجفاة فيه ، فأما الجفاة من يهود فبالنص على تأييده بالروح الأمين ، عليه السلام ، وهو الملك الموكل بالوحي ، ففيه النص على نبوته التي أنكروها ، فليس تخصيصه بالذكر في هذا المقام بناف وقوع التأييد لغيره من الرسل بالروح الأمين عليه السلام ، إذ السياق غير حاصر ، وإنما هو من باب إثبات الحكم لفرد من العام فلا يلزم منه نفيه عن بقية الأفراد . وفي التنزيل : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) . فضلا عن كونه عليه السلام عدوهم اللدود فذكره في مقام التأييد تبكيت لهم إذ أظهروا العداوة لمن اختصه الله ، عز وجل ، بأشرف الوظائف الملكية ، فهو النازل بأشرف الكلمات على أشرف أفراد النوع الإنساني الذين اصطفاهم الله ، عز وجل ، لأشرف وظيفة بشرية .

وأما الغلاة فبالنص على أن ما جاء به المسيح عليه السلام من البينات لم يكن إلا محض عطية ربانية له ، فلا استقلال له بتكوين الطير أو إبراء الأكمه والأبرص أو إحياء الموتى أو الإخبار بالمغيبات ، وفي التنزيل : (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
فرد الأمر إلى الإذن التكويني النافذ ، وإنما باشر عليه السلام السبب فصور الطين على هيئة الطير ونفخ فيه كما نفخ الروح الأمين في جيب درع أمه البتول عليها السلام ، فتحققت صورة السبب ، فسرت الحياة إلى الطير بإذن ربه .

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ : إذ مجيئها مظنة ارتفاع الخلاف ، إذ
النقل قاطع لمادة الخلاف ، ولكن الاختلاف في تأويله بالعقل أفسد الأديان ، وصير المحكم متشابها ، فلكل قياس عقله ، فلم ترد المتشابهات إلى المحكمات ليرتفع الخلاف ، بل عزل النص عن ولايته ، وولي العقل مع عدم كفايته ، ولاية المتغلب بسيف التأويل ، فتصدر من حقه التأخير ، ووسد أمر النبوات لغير أهله ، والقتال في ساحات الوغى فرع عن المعركة الأولى : معركة إبليس : أول من قدم العقل على النقل فرجح قياس عقله على أمر ربه ، فاستحق الرد فوسوس لذرية آدم بما وقع فيه ، فلا تجد معارك الأبدان إلا فرعا عن معارك الأديان ، إذ التصور سابق الحكم ، ولا تجد معارك الأديان إلا فرعا عن تقديم الآراء والأذواق المضطربة على أخبار النبوات المطردة . فكل من استحسن مقالة ، ولو كانت عين الباطل تكلف لها من التأويلات ما يرد به محكم الأخبار ، وكلما ازداد بعد مقالته عن دائرة الحق زاد بطلان تأويله حتى يصير في بعض الأحيان لعبا أو جنونا يستحي من له أدنى مسكة من عقل .
َلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ : وذانك وجها القسمة العقلية ، فكان وقوع القتال بالأبدان حتما فرعا عن وقوع الخلاف في الأديان ، كما تقدم ، فليست الحروب : حروب مصالح استراتيجية ، وإن كانت تلك مما يأتي تبعا ، بل هي حروب عقاد دينية فتلك : سنة ربانية جارية إذ التدافع بين الحزبين قائم حتي يأتي أمر الله بظهور الحق .
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا : توكيد بالتكرار على أن ذلك من السنن الربانية المتعلقة بالمشيئة الكونية النافذة ، فلو شاء الله ، كونا ، ائتلاف القلوب على الحق ، لنفذت مشيئته في خلقه ، ولكنه شاء الاختلاف كونا ، لتظهر معاني قدرته في خلق الضدين وحكمته في ابتلاء كل ضد بضده ، فتعمل السنن الربانية في إتقان يظهر حكمته الكونية ، فضلا عن سننه الشرعية التي جاء بها الرسل عليهم السلام فتلك ، أيضا ، مئنة من بلوغ حكمته الغاية في الإتقان فرعا عن علمه المحيط ، فبالسير عليها ، ومدافعة السنن الكونية بها ، يصلح الحال والمآل .

وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ : فهو الفعال لما يريد من الممكنات لا المحالات الذاتية فتلك ليس لها حقائق ابتداء لتتعلق بها الإرادة ، والمضارع مئنة من دوام الاتصاف بأفعال الكمال على الوجه اللائق بجلاله ، وتعلق الفعل بما يريده ، جل وعلا ، كونا ، نص في إبطال مقالة الفلاسفة الذين نفوا صفات الله ، عز وجل ، فزعموا أنه فاعل بالطبع ، لا بالإرادة والعلم ، إذ لا تنفك الإرادة وهي حكم ، عن علم سابق ، فهو تصور ، والحكم ، كما تقدم ، فرع عن التصور ، فإرادته ، عز وجل ، الفعل ، فرع عن علمه المحيط وحكمته البالغة ، فاجتمع له ، عز وجل ، وصف الجلال بنفاذ الإرادة القاهرة ، ووصف الجمال بالحكمة البالغة . فله الكمال : جلالا يحمل على الرهبة من عقابه ، وجمالا يحمل على الرغبة في ثوابه .

والله أعلى وأعلم .

احمد السنيد
15-07-2009, 08:36 AM
جزاك الله خيرا على هذا الاختيار الموفق , هكذا هو حال القران الكريم كلما تدبرت معانيه تشعر انه يتنزل على الواقع الذي انت فيه ( لايخلق على كثرة الرد ، و لاتنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، و من عمل به أجر ، و من حكم به عدل ، و من دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم )

احمد السنيد
15-07-2009, 08:46 AM
جزاك الله خيرا على هذا الاختيار الموفق , هكذا هو حال القران الكريم كلما تدبرت معانيه تشعر انه يتنزل على الواقع الذي انت فيه ( لايخلق على كثرة الرد ، و لاتنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، و من عمل به أجر ، و من حكم به عدل ، و من دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم )

مهاجر
17-07-2009, 06:28 AM
جزاك الله خيرا أخي أحمد ، شكر الله لك المرور والتعليق ونفع بك عباده في تعليم كتابه العزيز ، وجعلك من أهله وخاصته .

ومن قوله تعالى : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) :
فهو شرط سيق مساق التحذير من التعدي ، إذ العقاب مظنته ، فإن عاقبتم فاستوفوا الجزاء على قدر الجناية ، ويؤيد ذلك سبب نزول الآية على القول بأنها نزلت في مقتل حمزة ، سيد الشهداء ، رضي الله عنه ، والتمثيل بجثمانه ، إذ أقسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أن يمثل بسبعين من قريش إن أظفره الله بهم ، ولا إشكال في حملها على هذا الوجه ، وإن كانت السورة مكية ، إذ ليس ذلك بمانع من ورود آيات مدنية فيها ، فوصف المكي أو المدني إذا تعلق بالسورة إنما يراد به الوصف الأغلبي لا الشمولي كما قرر ذلك من صنف في علوم القرآن ، وقد جعلها صاحب "الإتقان" ، رحمه الله ، مما تعدد نزوله على القول بوقوع ذلك ، إذ الخلاف بين أهل العلم فيه ، لا سيما من المتأخرين ، معروف ، فتكون قد نزلت في مكة آمرة المسلمين بالصبر على أذى الكفار ، ثم نزلت يوم أحد ، ثم نزلت يوم الفتح ، إذ كان يوم المرحمة كما سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
والعلماء يستدلون بهذه الآية على جواز التمثيل بالقاتل إن كان قد مثل بمقتوله ولو حرقا ، فذلك مخصص للنهي عن القتل بالتحريق والتمثيل إذ قد نهي عن ذلك على جهة الابتداء لا على جهة الاقتصاص .

وذلك أمر يعم صورة السبب ويتعداه إلى بقية صور إزهاق الروح ، أو ما دونها من العقوبات البدنية من قطع وضرب وحبس ....... إلخ ، فالقول بعمومه أولى من تخصيصه بعين سبب النزول إذ لا دلالة في اللفظ على اختصاصه بحمزة ، رضي الله عنه ، أو اختصاصه بنوعه ، بقصر العموم على صورة السبب وهي : التمثيل بقتلى المعارك ، فالأولى حمل اللفظ على عمومه اللفظي لئلا تهدر دلالة عمومه على الأفراد التي تندرج تحته ، وهذا أصل في النظر في نصوص الوحي ، فالأصل فيها العموم سواء أكان مطلقا أم واردا على سبب ، فلا يصار إلى التخصيص إلا إذا دلت القرينة المعتبرة على ذلك .

واختار صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، وهو ممن له عناية كبيرة بعلم المناسبات ، فكثيرا ما يشير إلى مناسبة الآية لما قبلها ، ومناسبة السورة لما قبلها في بيان الوحدة الموضوعية للكتاب العزيز بأكمله ، ووحدة السورة ، بل الآية الواحدة تلمس فيها وحدة بين أولها وآخرها فيكون التذييل لفظيا كان أو معنويا ملائما للتصدير لا سيما في الآيات التي ذيلت بأوصاف الكمال الربانية ، فتكون الآية مذيلة بصفات الجمال في سياق الوعد كما في قوله تعالى : (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، مذيلة بصفات الجلال في مقام الوعيد ، كما في قوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .
اختار ، رحمه الله ، القول بأنها مما نزل بمكة ، إذ السياق قبلها سياق دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وكان ذلك واجب الوقت في الفترة المكية ، ولما كانت الدعوة مظنة تعرض صاحبها لصنوف من الأذى ، وإن كان يريد الخير للمدعو ، فتلك سنة كونية جارية ، أمر بالصبر في الآية التالية ، فإن كان معاقبا لا محالة فلا يتعد في استيفاء حقه .
وفي السياق مشاكلة بين : "عَاقَبْتُمْ" ، و : "فَعَاقِبُوا" على حد قوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، وقد يقال بأنها على حقيقتها من جهة أن قتال المشركين نوع عقوبة لهم على إعراضهم عن الدين وتكذيبهم بالوحي ، وقتالهم للمؤمنين نوع عقوبة منهم للمؤمنين لما يظنونه جرما من تسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم ، كما أشار إلى طرف من ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، وهذا أولى من حمل الكلام على المشاكلة ، إذ هي خلاف الأصل ، فالقول بوقوعها في الألفاظ لا أثر له ، وإنما يظهر أثر ذلك في المعنى ، إذ يحمل اللفظ على غير ما جرى به عرف اللسان ، فتحمل العقوبة على معنيين : العقوبة المعهودة ، والمعاملة على تضمين فعل : "عاقبتم" معنى الفعل : "عاملتم" ، وذلك مما توصل به أهل التأويل في بعض المواضع إلى تأويل صفات الباري ، عز وجل ، ففي نحو قوله تعالى : (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) ، المشاكلة اللفظية لا أثر لها ، وإنما ظهر الأثر بتأويل : "نفسك" بــ : غيرك ، أو : عندك ........ إلخ ، فتوصلوا بذلك إلى تأويل صفة النفس الثابتة لله ، عز وجل ، بنص التنزيل ، على الوجه اللائق بجلاله ، توصلوا بذلك إلى تأويلها بدعوى المشاكلة اللفظية التي تصير اللفظ المبين : مجملا ، بحمله على معنيين متباينين ، خلاف الأصل ، فتصير دلالته : دلالة المشترك اللفظي المجمل على أحد معنييه ، بعد أن كانت دلالته على معناه بينة لا إشكال فيها .

وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ : وهو مرجح لمن قال بمكية الآية فالأمر بالصبر إنما كان في الفترة المكية ، إذ لا قوة للمسلمين آنذاك ، وهذا أمر جار على كل أزمنة الضعف ، فيكون الصبر خيرا من باب درء المفسدة الكبرى بتحمل المفسدة الصغرى ، فالحكم منسوء لا منسوخ ، كما تقرر في موضع سابق في معرض بيان تدرج الوحي في تشريع الجهاد ، إذ وقوع القتال حال قلة العدد والعدة مظنة فناء الجماعة المسلمة فضلا عن وقوع الفتنة في كل بيت إذا قوتل أهله على الدين فالصبر تأليفا للقلوب خير للصابرين ، وأظهر الوصف وحقه الإضمار على تقدير : "لهو خير لكم" إشارة إلى عموم المعنى الذي تعلق به المدح وهو الصبر ، فليس المراد قوما بعينهم قام بهم هذا الوصف ، وإنما المراد كل من تحلى بالصبر على جهة الديانة ، فالصبر عبودية يعجز عن القيام بها معظم المكلفين لا سيما عند وقوع العدوان عليه .
ولما كان الصبر مرادا بالأصالة في هذا الموضع ، إذ لم يعلق تعليقا شرطيا يحتمل الوقوع أو عدمه ، وإنما سيق مساق الترغيب في التخلق به ، لما كان كذلك ، أكد سياقه بعدد من المؤكدات منها : اللام الموطئة في : "لئن" ، ولام الجواب في : "لهو" ، وهو ضمير مرجعه المصدر المتصيد من السياق ، على تقدير : ولئن صبرتم فالصبر خير للصابرين .
وإليه أشار الطبري ، رحمه الله ، بقوله : "وهو من قوله : (لَهُوَ) كناية عن الصبر ، وحسن ذلك ، وإن لم يكن ذكر قبل ذلك الصبر لدلالة قوله : (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) عليه" . اهـ
فهو على حد قوله تعالى : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، أي : اعدلوا العدل ، فمرجع الضمير أيضا : المصدر المتصيد من السياق .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
18-07-2009, 03:41 PM
ومن قوله تعالى : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)

وَاصْبِرْ : صبر احتساب لا صبر اضطرار ، والأمر فيه للإرشاد ، ولا يمنع ذلك من حمله على دلالته الأصلية على الوجوب ، فالصبر على المصيبة الكونية واجب ، والصبر على التكليف الشرعي : أمرا ونهيا واجب ، وهو أرفع من الصبر على النوازل الكونية التي لا يملك المكلف ردها ، كما وقع للمؤمنين يوم أحد ، وكما وقع لهم قبل ذلك من سنة الابتلاء الكونية في مكة ، وقد يقال ، كما اختار بعض أهل العلم ، بأن هذا مما تتباين فيه أحوال المكلفين ، فإن منهم من يصبر على الأمر الشرعي ولكنه يجزع عند وقوع الأمر الكوني بما لا يحب ، فله من إياك نعبد نصيب ، وليس له من إياك نستعين نصيب ، ومنهم من يصبر على النوازل ولا يصبر على التكليف الشرعي ، فله من إياك نستعين نصيب ، وليس له من إياك نعبد نصيب ، ومنهم من ليس له صبر على أمر شرعي أو نازلة كونية ، فليس له نصيب من إياك نعبد ولا إياك نستعين وهذا أخبث نوع ، ومهم من جمع بين المقامين : مقام العبودية الشرعية فله من الصبر على التكليف الشرعي نصيب ، ومقام العبودية الكونية فله من الصبر على النوازل الكونية نصيب ، فهو أعلى الأنواع قدرا إذ قد جمع بين الحسنيين : امتثال المأمور والصبر على المقدور ، فله من ثنائية : الشرع والقدر أوفر نصيب ، إذ لا تعارض بينهما عند من فقه سنن الله ، عز وجل ، فهو الذي يبتلي بكلماته الكونيات ليمحص القلوب ، وفي التنزيل : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) ، وهو الذي يبتلي بكلماته الشرعيات ليطهر القلوب ويزكي الأنفس بصنوف العلوم النافعة والأعمال الصالحة ، فالذي قدر هو الذي شرع ، ووقوع التناقض بين سننه التي هي فرع عن كلماته الكونية والشرعية محال إلا عند من لم يقدر الله ، عز وجل ، حق قدره ، فأساء الظن بربه ، لا سيما في أوقات النوازل التي تعظم فيها الظنون ، وتضيق فيها الصدور .
ومَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ : إطناب في مقام الإرشاد إلى الطريقة المثلى ، فالأمر بالصبر ظاهر من جهة المعنى ، مجمل من جهة الكيف ، فكل يعرف معنى الصبر ، فهو حبس النفس عن التسخط والجزع ، ولكن الشأن في ذلك : كيف يصبر الإنسان صبر المؤمن المحتسب ؟ ، فجاء تعليق الصبر بالله ، عز وجل ، استعانة به : بذكره وإخلاص العبودية له في زمن الرخاء ، وزمن الشدة من باب أولى ، وفي حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء) ، جاء ذلك من باب البيان بعد الإجمال على تقدير سؤال اضطراري يتولد في ذهن كل مخاطب : وكيف يكون الصبر الإيماني لا الصبر الاضطراري ؟ ، فجاء الجواب بأقوى أساليب القصر : النفي والاستثناء فلا صبر إلا بذلك ، وإن تلهى العبد بصنوف الملهيات كما يقع لكثير من المبتلين فرارا من ألم المصيبة ، وما أشده على النفس التي لا تستحضر المعنى الشرعي له ، ولا تنظر إلى جانب الحكمة الربانية فيه ، فلا ترى إلا جانب القدرة النافذة ، ولا يكتمل الإيمان بالقضاء والقدر إلا بالنظر إلى كلا الوجهين : القدرة الربانية فبها تقع المقدرات والحكمة الربانية فبها يصنع الله ، عز وجل ، لعباده من المصالح العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة ما تعجز عقولهم عن إدراكها ساعة نزول البلاء ، فهي ساعة تضيق فيها العقول عن الفهم والقلوب عن الصبر ، إلا من عصم الله ، عز وجل ، وهذا أمر لا ينفع فيه مقال إلا على جهة الإشارة إلى معان لا تقوم إلا بالنفوس الكبار ، فكل يحسن القول زمن الرخاء ، وقليل من يحسن العمل زمن الشدة ، ولذلك كان الفقه ، كل الفقه ، أن يسأل العبد ربه ، عز وجل ، السلامة في دينه ودنياه إذ لا قبل له بابتلاء الباري ، عز وجل ، فإن وقع الابتلاء فليس ثم إلا الصبر ولو تجلدا للشامتين ، وإلا هلك العبد لدخيلة سوء في نفسه استخرجها الابتلاء بمقتضى عدله ، عز وجل ، إذ ليس له إلى عبده حاجة ليظلمه فيسلبه نعمة هو إليها مفتقر ، فهو واهب النعم ابتداء ، فإن شاء أقر العبد عليها فضلا ، وإن شاء نزعها منه عدلا ، وإن شاء ألهمه الصبر إذا وقع الابتلاء فضلا ، وإن شاء وكله إلى نفسه فسخط وجزع عدلا ، ومن علم ذلك : علم تمام افتقاره إلى ربه ، عز وجل ، في كل وقت : في أوقات السلم وأوقات الحرب ، في أوقات الغنى وأوقات الفقر ، في أوقات الصحة وأوقات المرض فهو ما بين نعمة يصونها بالشكر ، ونقمة يستدفعها بالصبر ، ولكل ابتلاؤه ، ولكل مقامه عند ربه عز وجل .

ومن أهل العلم من اطرد قوله في مثل هذه المواضع فقال بأنها مما نسخ بآيات السيف المدنية ، إذ السورة مكية ، والأمر بالصبر جار على ما كان عليه المؤمنون في مكة ، فكان كف الأيدي والصبر على أذى المشركين واجب الوقت ، وذلك مما يرجح كون الآية مكية ، كما تقدم من اختيار صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، فالسياق السابق واللاحق شاهد بذلك ، فالدعوة بالحكمة سباقا ، والأمر بالصبر لحاقا من خصائص العهد المكي ، إذ لا قوة لأهل الإسلام يدفعون بها عن أنفسهم ، فصارت الحكمة في التزام السكينة والصبر على الأذى ترويضا للنفوس الأبية التي اعتادت الانتصار من الظالم المتعدي ، وتربية لها على معاني الصبر على الابتلاء في ذات الله عز وجل .
والسياق ، كما تقدم مرارا ، أصل في معرفة مراد المتكلم .


وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ : إذ تولوا عن الإيمان فإنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ما كسبوا ، فذلك من سنة إملائه لأعدائه .
وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ : نفي تسلط على النكرة : "ضيق" فأفاد العموم وذلك في مقام التسلية آكد ، فضلا عن تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل : "تك" ، مع حذف نونه إذ المقام مقام تسلية مصاب فيحسن فيه إيجاز المبنى وإطناب المعنى ، والضيق واقع لا محالة ، فالنهي عنه من قبيل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (لا تغضب) ، وليس أحد إلا يغضب ، فهو مما جبلت عليه النفوس في مقام الانتصار من الظالم إذا كان المظلوم يقدر على إنفاذ غضبه ، فإن عجز صار حقدا كامنا في النفس حتى تسنح فرصة لإنفاذه ، وفي مواضع القدرة يظهر معنى النهي المتقدم فهو نهي عما يلي الغضب من التعدي في القول أو العمل وكذلك النهي عن الضيق نهي عما يليه من اليأس والقنوط ، والعجز والقعود .
والنهي عن الحزن والضيق من لوازم الصبر فعطفهما عليه من باب عطف اللازم على ملزومه إمعانا في التوكيد كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
21-07-2009, 06:45 AM
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ :
تذييل لما تقدم من الأمر بالصبر ، ومن آكد صوره ، كما تقدم ، الصبر عن شهوة البغي والتعدي في استيفاء الثأر من العدو ، فإنما قوتل ابتداء على سبيل الديانة لا على سبيل الحمية ، على حد حديث أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
فلو أسلم الحربي لصار من جماعة المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، ولانقلبت العداوة ولاية ، والبغض محبة ، فتلك معاقد الولاء والبراء التي تناط بها همم الموحدين ، ويوم تبدلت المناطات فصارت قومية بعد أن كانت دينية شرعية ، تخلفت المعية الربانية الخاصة : معية النصرة والتأييد ، فصار القتال : جيشا لجيش ، وعتادا لعتاد ، وجند الباطل أكثر عددا ، وأوفر عدة ، فالسنة الكونية قاضية بظهورهم على أهل الإسلام المفرِّطين ، وليس بين الله ، عز وجل ، وبين عباده أنساب إلا الطاعة : علة التمكين التي يدور معها وجودا وعدما ، وليس التمكين : تمكين أبدان فحسب ، فقد يمكن الإنسان إملاء واستدراجا ، أو عقوبة لمفرِّط فيتسلط عليه بما عنده من القوة ، وإنما التمكين : تمكين أديان ابتداء يلحقه تمكين الأبدان إذ صلاحها بصلاح الأديان ، وصلاح الأديان بالسير على طريق النبوات الهادية ، فهي مادة صلاح هذا الكون ، إذ بها ينعم الموافق ويأمن المخالف ، على حد قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، فبقاء النبوات أمان من نزول عذاب الاستئصال ، والإيمان بها استدفاع له ، فبالسنة الشرعية تدافع السنة الكونية وتلك طريقة أهل الإيمان في مباشرة الأسباب ولا يكون ذلك إلا فرعا عن قلب عمره التوكل ، وهو من أعظم وأعسر العبوديات لا سيما في زمن طغت فيه الأسباب المادية المحسوسة ، فصارت هي المعيار الوحيد في قياس الأمور ، فذلك ، أيضا ، من المقامات التي لا ينفع فيها كثير كلام ، فهي من جهة القول : يسيرة خفيفة على اللسان ، ومن جهة الفعل : عسيرة ثقيلة على النفس ، فلا : (يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ، ولو كانت هينة لنالها كل مريد ، ولكنها عزيزة لا تنالها إلا النفوس الكبار ، والكلام عن أصحاب تلك النفوس ذريعة إلى التشبه بهم ، وإن كان اللحاق بركابهم أمرا عسيرا ، فــ : (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) ، وفي ذلك سلوى لمن بطأ به السير ، فحسبه أن يسدد ويقارب ، ويسير على الطريق ولو ثقلت خطواته ، فلا ينقطع لئلا يحرم ما يُنال بالنية إذا قصرت الهمة وضعف العزم ، و : (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ) .

ولذلك حسن الفصل بين الآيتين ، إذ العلة والمعلول متلازمان ، كما تقدم مرارا ، فبينهما شبه كمال اتصال يحسن معه الفصل ويقبح الوصل بعاطف أو نحوه ، وصدرت بــ : "إن" المؤكدة ، والتوكيد يحسن في مقام التعليل .

والمعية : معية نصرة وتأييد بقرينة السياق ، فمادة : "مع" : أصل في مطلق المصاحبة ، فلا يلزم منه إثبات الحلول أو الممازجة أو نفيهما ، وإنما القرينة هي التي تدل على مراد المتكلم ، وآكدها في معرفة ذلك لا سيما في نصوص الإلهيات التي لا يدرك العقل حقيقتها الخارجية ، آكدها : القرينة السياقية اللفظية ، إذ السياق أصل في معرفة مراد المتكلم .
فقد يراد بها الممازجة في نحو : مزجت اللبن مع الماء ، وهذا معنى لا يليق في حق الله ، عز وجل ، بل هو في غاية الفساد ، إذ يلزم منه وصف الخالق ، عز وجل ، بأوصاف المخلوق ، وذلك عين الانتقاص ، فإنه لا بد أن يفقد المتمازجان أو المتحدان من أوصافهما ما يقع به الاتحاد بينهما ، كاللبن الذي يفقد من قوامه ما يفقد إذا امتزج بالماء ، والماء الذي يفقد من شفافيته ما يفقد إذا امتزج باللبن ، ليتولد من امتزاجهما وسيط لا يوصف بأوصاف أحدهما على جهة الإطلاق ، وتصور ذلك في حق الرب ، جل وعلا ، وإن قال به بعض مجانين البشر من عباد الصلبان ومن سار على طريقتهم من غلاة أهل الحلول والاتحاد ، تصوره يثير في النفس الاشمئزاز تنزيها للباري ، عز وجل ، أن يعتريه من أوصاف النقص البشري ما يقدح في كماله الذاتي الأزلي الأبدي .

وقد يراد بالمعية :
المعية العامة على حد قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فلا يستفاد منها مدح أو ذم ، إذ هي لكل حي ، بل لكل كائن ، فالله ، عز وجل ، معه بعلمه المحيط وقدرته النافذة ، معه بجنده الذين يحفظونه من أمره ، وأول الآية : "يَعْلَمُ" وآخرها : "بَصِيرٌ" شاهد بذلك ، على ما تقدم مرارا من كون القرينة السياقية أصلا في معرفة مراد المتكلم .
وكقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت" ، إذ ذلك يورث العبد دوام المراقبة لربه ، جل وعلا ، تصديقا بخبره وامتثالا لأمره ، فرعا عن معيته العامة له فلا يخفى عليه شيء من سكناته أو حركاته .

وقد يراد بها :
معية النصرة والتأييد :
كما في هذا السياق إذ قرينة تعليق حكم المعية على أوصاف التقوى والإحسان ، مئنة من كونها خاصة بعباده المتقين المحسنين ، فعلتها : أوصاف التقوى والإحسان التي اشتقت منها جملة الصلة والمعطوف عليها ، على ما تقرر مرارا ، من كون الإتيان بالموصول في معرض ترتيب الأحكام على الأوصاف مظنة تعليق الحكم على الوصف الذي اشتقت منه صلته ، فذلك من أبرز أغراضه البلاغية .

وعليه فإن احتراز بعض أهل العلم بحمل المعية في هذا السياق على المجاز في التأييد والنصرة ، قد يرد عليه أن دلالة اللفظ قد ظهرت بملاحظة السياق الذي ورد فيه ، فعموم المصاحبة : ظاهر لفظ : "مع" في لغة العرب ، ولكن ذلك الظاهر البسيط قد اقترنت به دلالة السياق على إرادة النصرة بتعليق الحكم على أوصاف التقوى والإحسان ، وهي أوصاف ثناء يصح تعليق معنى النصرة عليها ، فصار : "ظاهرا مركبا" في معنى النصرة والتأييد ، فزال إجماله بانضمام القرينة إلى اللفظ ، فالقول بأنه في هذا السياق : حقيقة في النصرة لما احتف به من القرائن أولى من القول بأنه مجاز ، إذ الأصل في الكلام حمله على الحقيقة ما أمكن فلا يصار إلى المجاز وهو الفرع إلا بعد تعذر حمله على الأصل .

وقد يراد بها :
معية الثواب : كما تقدم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ"

وحذف معمول التقوى مئنة من عموم الأمر ، وقد ذكره في مواضع أخر ، فيكون ذلك مما أجمل في موضع وبين في موضع آخر من التنزيل ، وذلك من آكد وأسلم طرق تفسير الكتاب العزيز ، إذ المتكلم أعلم بمراده ، ولا تكتمل صورة الاستدلال إلا بمطالعة النصوص على جهة الاستقراء الكلي ، لا الاستقطاع الجزئي ، كما يصنع أهل الأهواء الذين يقتطعون من النصوص : المتشابه الذي يشهد لمقالتهم ، ويعرضون عن المحكم الذي ينقضها نقضا على وزان : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) ! .

فالتقوى قد تضاف إلى لفظ الجلالة : "الله" : ولفظ الجلالة اسم علم على الذات القدسية المتصفة بأوصاف وأفعال الكمال المطلق ، ومنها أوصاف الجلال متعلق التقوى .
وقد تضاف إلى عقاب الله أو مكانه أو زمانه ، كما في قوله تعالى : (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ، فالنار : جنس العقاب ومكانه ، فبها يقع التعذيب وهي علم على محله ، و : (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) ، فالتقوى من ذلك اليوم لا فيه ، إذ قد انقطع التكليف في دار الجزاء .

وفي السياق ترقٍ من الأخص إلى الأعم ، فإن التقوى من جهة الحد : أخص من الإحسان الأعم فهو أعلى مراتب الدين ، كما في حديث جبريل عليه السلام ، وإن كانت أعم من جهة الأفراد : فالمتقون أكثر من المحسنين ، كما أن المسلمين أكثر من المتقين .

وتقديم التقوى على الإحسان من باب التخلية قبل التحلية كما ذكر ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، إذ :
الأصل في التقوى الكف عن الرذائل ، ولذلك ترد دوما في سياق الترهيب مما يحذر : فيقال : اتق عذاب الله ، أو : غضبه ، أو : اتق شر من أحسنت إليه .
والأصل في الإحسان التحلي بالفضائل وذلك لا يكون إلا بعد تخلية المحل من المعائب فهو بمعنى الترغيب أليق ، كما أن التقوى بمعنى الترهيب أليق ، وجنس الترغيب في فعل المأمورات أشرف من جنس الترهيب من ارتكاب المحظورات ، كما قرر ذلك المحققون من أهل العلم كابن القيم ، رحمه الله ، إذ الأول مراد لذاته فعلا بينما الثاني مراد لغيره تركا فهو بمنزلة السياج الحامي للأول .

وإيراد التقوى بصيغة الفعل مئنة من الحدوث والتجدد بخلاف إيراد الإحسان بصيغة الاسم فذلك مئنة من الثبوت والاستمرار ، إذ قد صار ملكة راسخة وشيمة أصيلة فيهم ، وذلك مما يشهد ، لما تقدم ، من معنى الترقي من التقوى إلى الإحسان .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
24-07-2009, 07:28 AM
ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا : نداء يسترعي الانتباه في معرض تقرير المنة الربانية .
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ : ذكر شكر وثناء ، وأجملت النعمة تشويقا ، وأضيفت إلى الله ، عز وجل ، تشريفا ، إن أريد بها ذات النعمة ، أو إضافة وصف إلى موصوفه ، إن أريد بها وصف إنعام الله ، عز وجل ، عليهم ، وهو وصف فعل متعد به تقع النعمة على سبيل التجدد ، فنعم الله ، عز وجل ، لا تنقطع عن عباده ليل نهار ، سواء أكانت نعما كونية عامة تعم المؤمن والكافر ، أم نعما شرعية خاصة يستأثر بها المؤمن ، إذ خص بمزيد فضل من الرب تبارك وتعالى .
وإضافة النعمة إلى الله ، عز وجل ، مئنة من عمومها ، وإن نزلت الآية على سبب خاص ، فإن ورود العام على سبب لا يخصصه ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وإن كان السبب مقدما على بقية أفراد العام من جهة دخوله في حد العام دخولا قطعيا لا يقبل النسخ أو التخصيص بخلاف بقية الصور فدخولها في حده ظني يقبل النسخ أو التخصيص ، فالعام يدل على السبب دلالة قطعية ويدل على بقية أفراده دلالة ظنية ، فتلك مزية السبب ، وهي مزية لازمة له لا تتعدى إلى بقية الأفراد بالإبطال ، فلا يهدر عموم النصوص بتخصيص متوهم ، وهذا أصل في نصوص التنزيل : حملها على العموم ما أمكن ، لئلا تهدر دلالاتها .

ودعوى التخصيص بلا دليل من أبرز سمات مناهج الاستدلال عند أصحاب المقالات الردية ، إذ يتصرف في النصوص بالتأويلات الباطلة التي لا يشهد لها نقل أو عقل أو لسان ، فتخصص عموماتها وتهدر دلالاتها انتصارا لمقالة حادثة أو نحلة فاسدة .

إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ : بدل أريد بالحكم ابتداء فتقديم المبدل منه إنما كان توطئة له ، كما قرر النحاة ، فهو من قبيل البيان الوافي بعد حصول التشويق بإيراد المجمل ، فنعمة الله ، عز وجل ، التي خصت بالذكر بعد العموم الموطئ ، على سبيل التنويه بشأنها ، هي : كَفُّ أَيْدِيَهِمْ عَنْكُمْ .

وقد قيل في سبب نزولها أنه : ما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع غَوْرَث بن الحارث ، لما سل سيف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المعلق ، ثم أقبل عليه صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني ؟ قال : "الله" ! قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا : من يمنعك مني ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : "الله" ! قال : فَشَام الأعرابي السيف ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خَبَرَ الأعرابي ، وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه .

واستبعده صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، من جهة إطلاق القوم في الآية ، والمذكور في القصة واحد .
وقد يجاب عن ذلك بأن ذلك من باب إطلاق الجمع وإرادة الواحد ، فيكون ذلك من المجاز المرسل المفرد الذي علاقته : الكلية ، إذ أطلق الكل وأراد الجزء أو البعض ، على حد قوله تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فهو ، أيضا ، اسم جمع لا مفرد له من لفظه أطلق والمراد به واحد بعينه .


قال ابن كثير ، رحمه الله ، عقب إخراج هذه الرواية : وقال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا ، وذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي ، وتأول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } الآية .

وذلك مما يشير إلى كون الآية قد نزلت على سبب آخر ، فتأولها في هذا السياق ، إنما هو حملٌ لتلك الحادثة بعينها وهي من : الخاص على عموم لفظها ، فالصورة : صورة دلالة عام على حكم أحد أفراده ، وذلك مما يشهد لما تقدم من كون العام الوارد على سبب يدل على حكم بقية الأفراد فلا يخص بصورة السبب ، إذ حكمه جار عليها وعلى بقية الصور ، وإن كان حكمه عليها أقوى من حكمه على بقية الصور ، فدخولها في حده كما تقدم : قطعي ، ودخول بقية الصور : ظني .

وقد يحمل لفظ التأويل هنا أيضا : على تصديق الخبر على حد قول عائشة ، رضي الله عنها : (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) ، فتأويل الخبر : تصديقه ، وتأويل الأمر كما في الحديث السابق : امتثاله ، فكأن تلك الواقعة قد جاءت مصدقة لنص التنزيل ، فيقال على سبيل المثال : يصح تأول قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) بهذة الواقعة ، وإن لم تكن سبب نزوله ، ويقال كذلك : كل آية أو حديث في عصمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : عصمة البلاغ يصح تأولها بهذه الواقعة إذ عمومها المعنوي يشملها ، وإن لم يكن لفظها دالا عليها بعينها ، فهي حادثة واحدة ، والنصوص الدالة على العصمة : متعددة . فلا يتصور كون تلك الحادثة بعينها سبب نزول خاص لكل تلك النصوص ، وإنما هي ، كما تقدم ، مما يندرج تحت عموماتها .

فتأويل الخبر : حقيقته التي توجد خارج الذهن إذا وقع ، فكأن وقوع تلك الحادثة حقيقة خارجية يصح تأويل الآية بها ، وإن لم تكن سبب نزولها ، فالعبرة ، كما تقدم ، بتحقق معنى الآية فيها على جهة العموم ، لا بدلالة مبناها اللفظي عليها على جهة الخصوص ، وذلك جار على ما سبقت الإشارة إليه من حمل النصوص على العموم ما أمكن لئلا تهدر دلالاتها اللفظية والمعنوية .


ويقال ذلك ، أيضا ، في قول محمد بن إسحاق ، رحمه الله ، في نزول الآية في عمرو بن جحاش الذي أراد قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإلقاء حجر عليه كما في حادثة إجلاء بني النضير لما نقضوا العهد .
فعمرو بن جحاش واحد فيكون اللفظ في الآية مجازا فيه ، أو حقيقة باعتبار الماهية ، أو حقيقة بالنظر إلى مجموع المتآمرين ، فلم يكن ابن جحاش وحده المتولي لتلك الجناية بل صدر عن رأي جماعة أشراف بني النضير ، فهم في الوزر سواء .

وذكر صاحب التحرير والتنوير ، رحمه الله ، احتمالات في تعيين أولئك القوم ، منها ما تقدم ، ولم يرتض منها شيئا ، بل مال إلى الترجيح بموضع آخر من التنزيل ، على طريقة المحققين من أهل العلم في تفسير آي التنزيل بالتنزيل ما أمكن ، فهو أول ما يفزع إليه في هذا الشأن ، فقال :
"وقد ذكر المفسّرون احتمالات في تعيين القوم المذكورين في هذه الآية . والّذي يبدو لي أنّ المراد قوم يعرفهم المسلمون يومئذٍ ؛ فيتعيّن أن تكون إشارة إلى وقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة . ولم أر فيما ذكروه ما تطمئنّ له النّفس . والّذي أحسب أنّها تذكير بيوم الأحْزاب ؛ لأنّها تشبه قوله : { يأيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها } [ الأحزاب : 9 ] الآية" . اهــ
فجعل التشابه في المعنى فرعا عن التشابه في اللفظ .

والشاهد مما تقدم : أنها نعمة ربانية جليلة : كفاية الله ، عز وجل ، المسلمين ، شر القتال ابتداء ، كما وقع يوم الأحزاب ، فلا يعدل العاقل بالسلامة شيئا ، كما تقرر في مواضع سابقة ، وإنما أمر المسلمون ببذل الأسباب ، مع كمال التسليم لرب الأسباب ومجريها ، عز وجل ، وفق سننه الكونية النافذة ، فبيده ملكوت كل شيء ، فقلوب الأعداء وأبدانهم تحت مشيئته ، فلو شاء لانتصر منهم ابتداء ، ولكنه قدر القتال إظهارا لمعاني حكمته الباهرة في جريان سنة التدافع الكونية ، وإظهارا لمعاني قدرته النافذة في ظهور الحق وإن قل عدده وعتاده ، على حد قوله تعالى : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) .

وتلك من صور افتقار العباد إلى ربهم ، عز وجل ، وهو افتقار لازم لا ينفك عنهم ، ولكنه يظهر في أوقات الشدة ما لا يظهر في أوقات الرخاء ، ففي ميدان النزال : يفتقر العباد إلى غوث ربهم ، عز وجل ، بإجراء أسباب النصر ، إذ النصر من جملة المولدات التي تحصل بفعل العبد المقدور له ، فهذا حد التكليف الشرعي ، وبأسباب خارجة عن قدرته ، فهذا حد التأييد الكوني ، تأييد : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) ، فلا غنى للعبد عن ربه ، عز وجل ، في إقداره على مباشرة السبب على جهة التكليف ، وحصول المراد على جهة التأييد .
وفي قوله تعالى : (أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) :
كناية أولى عن شدة سطوة العدو ، إذ بسط اليد مظنة التمكن من تناول الشيء على جهة القهر ، ولا تمنع تلك الكناية من إرادة المعنى الحقيقي إذ لا يقع العدوان عادة إلا باليد ، فهي أداة العراك الرئيسة ، وإن وقع بغيرها فعلى سبيل التبع ، فذكرها من باب : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) ، وإنما تكتسب الذنوب باليد والعين والقدم ........ إلخ ، وإنما ذكرت اليد تغليبا ، فلا مفهوم لها ، بل يعم البسط في الآية كل صور البسط بالسوء على حد قوله تعالى : (ويبسطوا إليكم أيديَهم وألسنتهم بالسوء) ، وفي الإتيان بالمضارع : "أن يبسطوا" : استحضار لصورة منقضية إمعانا في التذكير بالنعمة الربانية وفي مقابل هذه الكناية :
كناية أخرى عن ردعهم وزجرهم عما هموا به من العدوان ، فالكف مظنة الرد بقوة في مقابل البسط على سبيل التعدي والجور ، فالكلام جار على سبيل الطباق بين : البسط والكف ، على وزان : لا يفل الحديد غير الحديد ، وذلك آكد في تقرير ، ما تقدم ، من المنة الربانية ، بزجر أولئك وكفهم في مقابل همهم الجازم بإيقاع الأذى بالمؤمنين .
وَاتَّقُوا اللَّهَ : فذلك لازم النعمة الربانية ، فبعد الامتنان بعطاء الربوبية : ربوبية النصرة والعناية ، جاء النص على لازمها من الأمر بإفراد الرب القادر ، عز وجل ، بالألوهية ، إذ التقوى بفعل المأمور واجتناب المحظور من آكد صورها ، إن لم تكن هي الدين كله ، فمداره على : تصديق الخبر وامتثال الشرع .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ : إظهار في موضع الإضمار تربية للمهابة ، كما اطرد في كلام المفسرين ، فضلا عن دلالة الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير ، والتعريض بتعليق الحكم على وصف الإيمان فهو يفيد ذم من لم يقم به ذلك الوصف على حد : وعلى الله فليتوكل المؤمنون وحدهم أما الكافرون فلا حظ لهم في هذه العبودية الجليلة ، فهم بمنأى عنها ، فرعا عن نأي قلوبهم عن التصديق والإقرار الموجب لكمال التسليم والانقياد الظاهر والباطن .
وذكر التوكل في مقام رد العدوان فيه من تناسب المعنى ما يلتئم به السياق ، فالشدة ، كما تقدم ، مظنة استخراج عبوديات التوكل والاستغاثة والاستعانة .......... إلخ من عبوديات القلب المفقودة في الأعصار المتأخرة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
04-08-2009, 08:21 AM
ومن قوله تعالى : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ :
قضاء شرعيا على جهة الإخبار ، ولذلك عدي بــ : "إلى" ، على تضمين "قضينا" معنى : أبلغنا ، و : ووصلنا على حد قوله تعالى : (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ، فالتعدية باللام من جنس التعدية بــ : "إلى" وإن لم تماثلها من كل وجه ، أو تقدمنا إليهم بكذا ، وهو بخلاف القضاء الشرعي على جهة الأمر في نحو قوله تعالى : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ، أي : قضى شرعا وإن لم يقع كونا ، فذانك قسما القضاء الشرعي ، وهو قسيم القضاء الكوني النافذ في نحو قوله تعالى : (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) ، فمادة القضاء في التنزيل تدور حول ذينك النوعين : الشرعي الحاكم ولازمه : تصديق الخبر ، وامتثال الأمر فعلا والنهي تركا فهو من مقامات الألوهية ، و : الكوني النافذ ولازمه وقوع المقضي لا محالة فهو من مقامات الربوبية ، والتلازم بينهما قطب رحى الملة ، إذ الرب العليم الحكيم القدير : مدبر الكون بكلماته الكونيات النافذات هو الإله المستحق لتمام التأله بمقتضى كلماته الشرعيات التي جاءت بها النبوات وحيا : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) ، والإنذار ترهيب بما بعد الموت من الغيب الذي لا يدركه العقل فلا يعلم إلا من جهة السمع ، فانتظم ذلك أصول الإيمان : الإيمان بالرب الخالق والإله الشارع ، والنبوات ، والغيب الكائن في اليوم الآخر .
و : "أل" : في "الكتاب" : إما على العهد الذهني فيكون المراد : التوراة ، أو الاستغراق الجنسي فيكون المراد : جنس الكتب المتقدمة .

وبعد إجمال القضاء جاء البيان :
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ : إفسادا مؤكدا بلام جواب القسم المحذوف ، ونون التوكيد المثقلة ، وهو كائن بقدر الله ، عز وجل ، الكوني ، فالله ، عز وجل ، لا يحب الفساد ، على حد قوله تعالى : (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) . فلا يحبه دينا وإن شاء وقوعه لحكمة بالغة تربو على مصلحة عدم وقوع المكروه ، وتلك عين الحكمة الإلهية .
والإشارة بــ : "مرتين" إلى الملحمتين اللتين وقعتا ليهود مع :
البابليين والرومان ، فالتثنية باعتبار جنس الملحمتين وإن تضمنتا من الوقائع الجزئية ما يزيد على المرتين كما أشار إلى ذلك صاحب التحرير والتنوير رحمه الله .
وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا : عطف لازم على ملزومه فإن من لوازم الإفساد في الأرض العلو والاستكبار بغير الحق ، فهو مظنة البغي ، وقد بلغ القوم غايته قبل أن تحل بهم الملحمتان على جهة العقوبة .
ومن علا في الأرض فإنه يتشبع بما لم يعطه من وصف الكمال المطلق ، فالمتكبر مستغن عمن سواه بل قاهر له ، وتلك معان جلال لا يصح إطلاقها على جهة المدح إلا في حق الله ، عز وجل ، إذ العلو وصفه : ذاتا وشأنا لازما وقهرا متعديا ، قد قهر الخلق بإرادته الكونية النافذة ، فالأسباب لا تجري إلا وفق إرادته ، والأعيان لا توجد إلا وفق مشيئته ، فيجري عليها من سننه الكونية ما يجري فإيجاد وإعدام ، وشفاء وإعلال ، وإغناء وإفقار ........... إلخ .
فمن جوز لنفسه الاتصاف بهذه الصفات ، أو التلبس بها على جهة الزور والبهتان ، إن شئت الدقة ، عوقب بمقتضى سنة التدافع الكونية ، فسلط عليه جبار أطغى منه وأظلم ، ليقتص منه بجنس وصفه ، فهو من باب المشاكلة ، إن صح التعبير .
ومن تاريخ الأندلس الحبيب شاهد : إذ ظلم عبد الملك ابن جهور ، ملك قرطبة رعيته ، فسلط عليه يحيى بن ذي النون ملك طليطلة فاستنجد بالأمير الشهير : المعتمد بن عباد ، صاحب إشبيلية ، أعظم ملوك الطوائف ، فتظاهر بنصرته ، ثم استولى على حاضرة ملكه ، فقال ابن جهور في معرض تضرع المظلوم الذي كان بالأمس القريب ظالما : "اللهم كما أجبت الدعاء علينا فأجب الدعاء لنا ، فإننا اليوم مسلمون مظلومون" ، فسلط الله ، عز وجل ، أمير المسلمين : يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، بطل الزلاقة ، على المعتمد لما ظهر له تآمره مع ألفونسو السادس ملك النصارى ، فحمله إلى أغمات مأسورا مقيدا ، فكانت محنته الشهيرة التي ولدت أبياتا سارت بها الركبان :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا *** فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة *** يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة *** أبصارهن حسيراتٍ مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية *** كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به *** فإنما بات بالأحلام مغرورا


فلما طغا القوم أولا بعث عليهم البابليون ابتداء :
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا : أولى الملحمتين : والوعد مصدر على تأويل الموعود ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، على حد قوله تعالى : (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) ، فهو على حد مجاز التعلق الاشتقاقي أحد أقسام المجاز المرسل المفرد ، كتأويل قوله تعالى : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) ، بالمخلوق ، وتأويل قوله تعالى : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) بالمصنوع ، ومن ينكر وقوع المجاز في التنزيل يقول : لا حاجة إلى ذلك ، فإن السياق دال بداهة على مجيء الوعد الذي هو فعل الرب ، جل وعلا ، إذ بكلمته التكوينية النافذة ، تقع المقدورات في عالم الشهادة وفق ما علم وقدر أزلا ، فيجيء الخلق مطابقا للعلم ، إذ الموصوف بهما على حد الكمال المطلق : واحد ، فمن علم أزلا هو الذي شاء الخلق في لحظة بعينها فشاء بوعده : أن تجيش بابل جيوشها لتغزو بيت المقدس عقوبة لأهلها ، فمجيء فعله ، عز وجل ، وهو هنا : الوعد ، بمعنى حدوث آحاده ، بمقتضى مشيئته العامة ، يلزم منه مجيء الموعود الذي يكون به ، فالأمر الرباني يلزم منه وقوع المأمور الكوني ، على حد قوله تعالى : (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) ، ففيها تفرق الأمور الكونية بأوامر ربانية ، وكذلك الوعد الرباني بمسرة أو مساءة يلزم منه وقوع الموعود ، فالموعود فرع الوعد ، فإذا أتى الأصل فإن الفرع آت بداهة ، فالمخاطب يعلم بلا تكلف قرينة مجاز أن الآتي في عالم الشهادة هو مقتضى ذلك الوعد من خير أو شر ، وقد يقال بأن إيثار الوعد بالذكر في هذا السياق على الموعود تنبيه على قدرة الله ، عز وجل ، النافذة ، ففعله هو الأصل الذي صدر منه ذلك الغزو البابلي ، فصدوره : صدور مخلوق مكون من خالقه بكلمة تكوينية نافذة ، فهي العلة التامة المؤثرة التي يوجد المقدور عقبها ، إذ ترجع إليها بقية الأسباب الكونية المخلوقة ، فلا استقلال لها بالتأثير كاستقلال الكلمات الكونيات بالإيجاد والتدبير ، فكل سبب لا بد له من سبب سابق إلى أن ترجع الأسباب إلى سبب كامل لا يفتقر إلى ما سواه ، بل كل ما سواه هو المفتقر إليه على جهة الاضطرار ، وتلك حقيقة الغنى الذاتي المطلق الذي يعاقب كل من انتحله من الخلق المربوبين ، بتسليط سنة من سنن الكون عليه تكشف عواره وتفضح فقره واضطراره ، لعله يرجع عن كبره وغيه ، على حد قوله تعالى : (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) ، و : (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ، وقد انتحل فرعون والنمرود ذلك الوصف ، وهو من أخص أوصاف الربوبية القاهرة ، فكان من أمرهما ما كان ، والسنة الربانية ماضية مطردة ، فمآل مدعي الكمال افتضاح أمره بظهور نقيض ما ادعاه من النقصان ، ومآل مدعي الغنى افتضاح أمره بادعاء نقيض ما ادعاه من الفقر الذاتي ، وكل من نازع الجبار وصفا من أوصاف جلاله ، فمآله جريان السنة الربانية بإهلاكه وإذلاله .



فلا يلتفت العاقل إلى الواقع في عالم الشهادة دون المقضي في عالم الغيب ، فإن وقوع العقوبة الكونية مئنة من كمال ربوبيته ، عز وجل ، إذ أذن لسبب كوني أن يعمل بمقتضى مشيئته النافذة ، فصرف قلوب البابليين على حشد الجمع ، فبعث على بني إسرائيل بعثا كونيا نافذا ، ضمن معنى التسلط إمعانا في العقوبة والنكاية ، فالتسلط مظنة القهر ، بخلاف البعث فإن منه الشرعي النافع ، والكوني الماحق .


بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ :
ونكر العباد مئنة من عظم قواهم وكثرة عددهم وعتادهم ، وزيد في الوصف إطنابا في معرض تقرير سنة العقوبة الكونية ، فهم أولوا بأس شديد ، فكيف ببأس خالقهم ، عز وجل ، الذي أذن لهم بقدرته وعدله وحكمته أن يقتحموا محلة يهود ، ولو شاء لثبطهم وأقعدهم ، فقلوبهم بيده ، وذلك أمر تكرر في بعث المغول على حاضرة الخلافة ، ولو شاء الله ، عز وجل ، لانتصر منهم ، وحديثا بعثت أمم الشرق والغرب على أمة الإسلام فبعث السوفييت على بلاد الأفغان وبعث الصرب على مسلمي البلقان ، وبعث الروم على حاضرة الخلافة كما بعث المغول عليها من قبل ، فالمسمى واحد وإن اختلف الاسم ............... إلخ ، وتلك عقوبة كونية نافذة ، وفتنة وابتلاء ، ليظهر مكنون الصدور ، ويعلم المستيقن من الشاك المرتاب ، فإن من غفل عن السنن الربانية في الظهور والتمكين فرعا عن الطاعة ، وضعف الشوكة وانحسار الدولة فرعا عن المعصية ، من غفل عن ذلك تطرق إليه الشك في صحة هذه الرسالة ، لا سيما في الأعصار المتأخرة التي تقاس بها الأمور بأسباب الشهادة قياس الأرقام والمعادلات دون نظر في أسباب الغيب من سنن وكلمات تكوينيات .


فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ :
فاستباحوا المحلة بأكملها ، وتخللوا طرقها وأحياءها جيئة وذهابا ، وربما أقاموا نقاط تفتيش ، فنصبوا أكمنة ومتاريس ! .
و : "أل" : في "الديار" : عهدية تشير إلى ديار بعينها هي ديار بيت المقدس ، إن اعتبر خصوص السبب ، ولقائل أن يقول إن قياس الطرد القرآني في معرض الثواب والعقاب المعلقان على أسباب : الطاعة والمعصية ، قرينة تُجَوِّز تعميم المعنى ليشمل غيرهم ، فينظر إلى العموم المعنوي ، وإن لم يكن اللفظ عاما ، إذ هو بمنزلة العلة ، والعلة : وصف عام يصح تعديه من الأصل المقيس عليه إلى الفرع المقيس .

وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا :
أي موعودا كونيا نافذا مفعولا ، ووصفه باسم المفعول : "مفعولا" شاهد لما تقدم من إطلاق الوعد وإرادة الموعود ، والتذييل به جار على ما تقدم من التوكيد على طلاقة القدرة الربانية في معرض بعث السنن الكونية بما ينفع أو يضر ، وذلك ، كما تقدم ، شاهد لعظم شأن الرب ، جل وعلا ، من جهة نفاذ كلماته ، ومن جهة إيجاد الأضداد بها ، فلا يعجزه خلق الشيء وضده .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
15-08-2009, 07:28 AM
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ :
بمقتضى سنة التدافع ، إذ كان ما أوقعه بختنصر بهم استدراجا له ، وعقوبة لبني إسرائيل كما أثر ذلك عن دانيال عليه السلام ، فلما استوجب بختنصر الهلاك ببغيه وإفساده ، ورجع بنو إسرائيل إلى ربهم ، عز وجل ، إذ ذلك من منح البلايا ، فهي التي تجمع بين العبد وربه ، عز وجل ، فاستوجبوا النجاة ، فسلط الله ، عز وجل ، على البابليين ملك الفرس "كوروش" ، فأعمل سيف الاستئصال فيهم ، ورجع بنو إسرائيل إلى أورشليم مرة أخرى ، فالحكم دائر مع علته وجودا وعدما ، فذلك أصل عظيم في السنن الكونية والسنن الشرعية ، على حد سواء ، إذ قد أقيم الكون على أسباب تؤدي إلى مسبِّباتها ، تصدر عن السبب الأول الذي لا سبب وراءه : كلمات الله ، عز وجل ، الكونيات ، فهي العلة التامة المؤثرة في إيجاد الأسباب المغيبة والمشهودة وجريانها وفق سنن مطردة لتنتج مسبَّباتها ، وكذلك الشرع قد أقيم كثير من أحكامه على علل معقولة ، تدور معها الأحكام الشرعية وجودا وعدما ، وذلك ما اصطلح الأصوليون على تسميته بالدوران الوجودي والعدمي للحكم مع أوصاف منضبطة مؤثرة يدرك العقل ارتباطها بمسبَّباتها ، وذلك لا يكون في الأحكام التعبدية المحضة التي لا يدرك العقل وجه الحكمة فيها ، وإنما ابتلي بامتثالها فرعا عن تصديق خبر الرسالات .

والشاهد أنهم قد استوجبوا الرجوع إلى أورشليم لما رجعوا إلى الله ، عز وجل ، فتحققت فيهم علة استحقاق سكنى الأرض المقدسة ، إذ لا يسكنها إلا أتباع الرسالات على حد الاستمساك بالوحي لا التفريط فيه ، فإذا فرطوا : سلط الله ، عز وجل ، عليهم ، من الأمم من يسومهم سوء العذاب قتلا وسبيا وتشريدا ، ومع ذلك كانت تلك الملاحم ذريعة إلى حقد فئام من يهود على النوع الإنساني ، الذي أنزل بهم ذلك الكرب العظيم ، فتبلورت العنصرية التلمودية في تلك الأجواء ، فكتب التلمود دستورا لبني يهود ، يعترف بسيادة جنسهم ، لمجرد أنهم نسل إسرائيل ، ولو كانوا أبعد الناس عن طريقة الأنبياء ، عليهم السلام ، فكان دستورهم دستور كل محدث في الدين يدعي لنفسه من أوصاف الكمال والنجاة ما ليس له ، فدعواه عارية عن الصحة لا دليل يشهد لها من نقل صحيح أو عقل صريح ، إذ القياس العقلي المطرد أن النجاة لا تتعلق بالأعيان ، وإنما تتعلق بالأوصاف فمن تحققت فيه معاني التصديق والامتثال لأخبار النبوات وأحكامها ، فهو الأحق بالنجاة ، وإن كان جنسه أدنى الأجناس ، ومن لم تتحقق فيه فليس أهلا لها وإن كان أشرف الأجناس قدرا ، وأشرف الأعيان نسبا ، وأبو لهب شاهد عدل على تلك القاعدة الربانية المطردة ، قاعدة : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، وإن فضلت أجناس على أجناس ، فذلك باعتبار الكل لا الجزء ، فجنس العرب أفضل من بقية الأجناس جملة لا تفصيلا ، إذ من العجم من يزن أمة من العرب ، ولكن جملة العرب قد فضلوا على بقية الأمم بما اختصهم الله ، عز وجل ، به من أوصاف الكمال من : صحة عقل وفصاحة لسان ، فحسن لذلك بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم ، فكان المرجح الذي يعارض ، إذ ذلك دليل قاطع على تفضيل جنسهم على بقية الأجناس إذ لا تبعث الرسل عليهم السلام إلا في أفضل الأمم بل لا تبعث إلا في نسب قومها ، ولذلك كانت قريش أفضل العرب ، وذلك أيضا باعتبار جملتها لا آحادها ، فآحاد المؤمنين وإن لم يكونوا قرشيين خير من أبي جهل القرشي المخزومي النسيب ، والتفضيل الجملي باعتبار الجنس الكلي لا الفرد الجزئي أصل جليل في باب التفضيل .
ولم يكن لبني إسرائيل من أصحاب الطريقة التلمودية ، لم يكن لهم من ذلك نصيب إذ أعماهم التعصب ، فلم يروا شريفا إلا من كان إسرائيليا ، ولو كان تلموديا يهاجر بعداوة الرسالات ، ولم يروا وضيعا بل بهيمة في مسلاخ البشر قد خلق لخدمة سادته من الشعب المختار ! إلا بقية شعوب الأرض ، وقد كان ذلك الشعب يوما ما مفضلا على بقية الشعوب لكون النبوة متواترة فيه ، وذلك من بركات الوحي الذي يرفع الله ، عز وجل ، به أقواما ويضع أقواما ، فكان على ما تقدم من قاعدة التفاضل بين الأجناس : خير أجناس الأمم وإن لم يكن أفراده خير أفراد البشر ، إذ السائر على طريقة الأنبياء ، عليهم السلام ، هو الفرد المفضل بإطلاق ، ومن رحمة الله ، عز وجل ، أن ذلك الفرد المفضل : كلي مشترك لا يوجد إلا في الأذهان ، فتصوره لا يمنع وقوع الشركة فيه إذ هو مفضل باعتبار وصف عام إذا تحقق في أي فرد في خارج الذهن استحق وصفه من التفضيل ، على ما اطرد من دوران الحكم مع الوصف المعلِّل له وجودا أو عدما ، فليس ذلك حكرا على أفراد بعينهم ، وتلك قاعدة المدح والذم الشرعي ، وما يلزم منهما من الثواب والعقاب الرباني .
قاعدة : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) : فليست الخيرية في مقام التفضيل على بقية الأمم في الآية : عنصرية ، كما ادعى أعداء الملة الخاتمة ومن التحق بركبهم من المستغربين والعلمانيين ، بل هي خيرية : وصف : (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، كما أثر ذلك عن عمر ، رضي الله عنه ، ومجاهد واختاره الزجاج ، كما ذكر ذلك ابن الجوزي ، رحمه الله ، في "زاد المسير" ، فهو متحقق في أمة الإجابة باعتبار جملتها ، وأمة الإجابة : أمة عالمية لا عربية أو قرشية ، على حد قوله تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، فيدخل فيها المصري والشامي والمغربي والتركي والفارسي والأوروبي ........... إلخ من أجناس البشر إذا تحقق فيه وصف : (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) ، إذ الأمر ، كما تقدم ، قد علق على وصف كلي جامع ، يصلح لأي فرد في الخارج ، بخلاف من يلمز أتباع الملة الخاتمة بالعنصرية ، وهو لا يقبل تابعا يلتحق بركبه لئلا يتلطخ جنسه النقي بأدران الأمميين ! ، فليست أرض الميعاد إلا لليهود الخلص ، مع أنهم عند التحقيق بتلك الملة ملصقون ، ولنسبها مدعون ، فليسوا إسرائيليين خلص ، بل هم من شذاذ الآفاق من يهود الخزر ........... إلخ .

وقد كانوا بعد ذلك ، مع ادعائهم الخيرية المطلقة أعدى أعداء المسيح عليه السلام ، خاتم أنبياء بني إسرائيل قبل أن ترفع منهم النبوة فتنتقل إلى أبناء عمومتهم من بني إسماعيل الذين اختصهم الله ، عز وجل ، بأعظم كرامة إذ انتقلت القيادة من الفرع الإسحاقي إلى الفرع الإسماعيلي ، فاختار الله ، عز وجل ، العرب ، لحمل الرسالة الخاتمة إلى بقية الأمم برسم الفتح لا القهر ، برسم الإيمان لا الطغيان كبقية الفتوحات العسكرية التي كانت فتحا للبلاد نهبا لخيراتها وقهرا لأهلها ، ولذلك سرعان ما زالت بزوال دولها ، إذ جرت عليها سنة الإهلاك والاستبدال ، سنة : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) ، كما جرى للإسكندر ، وللقياصرة والأكاسرة من بعده ، فلم يعد لهم من الرسوم بعد زوال دولهم إلا آثار دارسة ، بخلاف دولة الإسلام التي فتحت القلوب لخير الأديان ، وأزالت الطغيان من البلدان ، فتخلص أهل تلك البلاد بشهادة التاريخ : شاهد العدل في تلك المضائق ، وشهادة المنصف وإن كان مخالفا ، من قيد الرق الذي أصاب القلوب والأبدان ، فكانت القلوب رقيقا لعقيدة قيصر أو كسرى ، فلهما من القداسة ما يجوز عبادتهما ، أو انتحال مقالتهما ، جبرا بلا اختيار ، فإذا تنصر قسطنطين ، ومزج دين المسيح عليه السلام بوثنياته الرومية ، فعلى شعوب الإمبراطورية أن تخضع للدين الجديد : دين الملكانيين ، وعلى المتآمرين في مجمع نيقية أن يقروه ، ولو بحد السيف ، فلا أغلبية إلا حزب الإمبراطور وإن قلت ، ولا أقلية إلا المعارضون وإن كثروا ، إن صحت تلك الطريقة البرلمانية في تقرير العقائد الإلهية ، فصار البشر في حاجة إلى إحداث مقالة تخالف مقالة النبوات بعد رفع صاحبها عليه السلام بنحو ثلاثة قرون ! ، وحسبك بذلك تحقيرا لأخبار الوحي وتعظيما لأهواء العقل ، وحال المصريين ، على سبيل المثال ، وقد كانوا على طريقة اليعاقبة ، وهي أشد فحشا وغلوا من طريقة الملكانيين ، حالهم خير شاهد على سياسة القهر الروماني الذي سامهم خطة الخسف حتى جاءت خطة الفتح العَمْري بالرسم العُمَري : رسم : "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" ، وإن كانوا كفارا ، بل وإن كانوا أشد كفرانا من الملكانيين الذين احتلوا أرضهم ونهبوا خيراتهم ، وصيروا بلادهم بقرة تستحلب لإمداد روما بالمؤن والغلال ، ولذلك كان فتح مصر ، وقد جرى على رسم النبوة ، سببا في إقبال المصريين على الدين الخاتم ، إذ عاينوا القدر الفارق بين فتح أهل الإيمان وفتح الرومان ، وقل مثل ذلك في حق أمم الشرق من أهل العراق وفارس وبلاد الترك وإلى الصين التي لا زال الإسلام في الأرض التابعة لها ، ولو على سبيل الاحتلال والقهر ، أرض : تركستان الشرقية : ظاهرا ، رغم كل صور الاضطهاد الديني في دولة تزعم أن إلحادها الشيوعي : ديمقراطي يسمح بتعدد الأديان والأعراق ! ، والشاهد أن القلوب كانت رقيقا ، والأبدان كانت لها في ذلك الرق تبعا ، حتى جاءت جيوش الفتح التوحيدي برسم : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) . والتاريخ ، كما تقدم ، شاهد عدل في تلك المضائق ، لا سيما وقد جرت السنة الكونية على أمة الإسلام الآن بانتزاع بيت المقدس منها ، لما حادت عن السنة الشرعية ورأينا من صور التسامح التلمودي مع المقدسيين ما لا يخفى ! ، وذلك فتحهم وهذا فتحنا ، ولكل عقل يزن به الأمور .

والشاهد أن السنة الكونية قد اطردت في حقهم وحق أعدائهم من أبناء بابل ، فكانت لهم الكرة بأن رجعوا أعزة إلى نفس المكان الذي أخرجوا منه أذلة صاغرين برسم السبي ، وذلك أبلغ في تقرير المنة الربانية ، ثم أطنب في بيان تلك المنة ، إذ يحسن التفصيل في مقام الامتنان : وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ : ونسبة الإمداد إلى الله ، عز وجل ، على التعظيم الذي دل عليه ضمير الجمع : "نا" : أبلغ في بيان عظم تلك النعمة ، إذ عظمها من عظم المنعم بها ، جل وعلا ، ونكرت الأموال والبنين تعظيما ، فذلك ، أيضا جار على ما تقدم من تقرير المنة الربانية على الشعب المسبي بالمعصية المعتق بالطاعة ، وفي نفس السياق : وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا :
فالجعل في هذا السياق : كوني فرعا عن التزام الأمر الشرعي ، والتفضيل إما باعتبار حالهم قبل السبي ، أو باعتبار عددهم في مقابل عدد عدوهم كما أشار إلى ذلك صاحب التحرير والتنوير رحمه الله .

وبعد ذلك جاء القانون الكلي المطرد : قاتون الثواب والعقاب العام ، إذ العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه ، فليس الأمر مقصورا على أمة أو جنس بعينه ، بل هو عام ، فالخطاب لهم باعتبار اللفظ ، ولجميع المكلفين باعتبار المعنى فــ :

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ : فإن أحسنتم بامتثال الشرع ، أحسنتم لأنفسكم باستدفاع محن القدر واستجلاب منحه ، فمن يمن الطاعة : صلاح الدين أصلا والدنيا تبعا ، ولو وقع الابتلاء ابتداء ليمتاز العباد وتمحص القلوب ، فإن مآل الأمر ظهور أهل الحق ، فلهم الدولة في الدنيا والآخرة على حد قوله تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ" . فالمشاكلة بين اللفظين باعتبار اختلاف المتعلقين : الشرعي في الإحسان الأول سواء أكان لازما في النفس أو متعديا في الغير فلا ينفك جنس الإحسان الشرعي عن ذينك النوعين كما أشار إلى ذلك أبو السعود رحمه الله ، و : الكوني في الثاني ، تلك المشاكلة تزيد المعنى بيانا وبهاء .
وجعلها صاحب التحرير والتنوير ، رحمه الله ، من باب تكرار الفعل تنويها بشأنه ، والتجريد إمعانا في بيان معنى الإحسان ، فكأن المحسن قد جردت منه ذات يتعدى إليها إحسانه ، فهو المحسن إلى نفسه حقيقة ، وإن كان فعل إحسانه متعديا إلى غيره ، إذ لا ينفك عن طلب الثواب الأعظم في دار الجزاء فهمته ، عند التحقيق ، متعلقة بمصلحته ، وإن كان ساعيا في مصلحة غيره ونص كلامه :
"وأسلوب إعادة الفعل عند إرادة تعلق شيء به أسلوب عربي فصيح يقصد به الاهتمام بذلك الفعل . وقد تكرر في القرآن ، قال تعالى : { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } [ الشعراء : 130 ] وقال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } [ الفرقان : 72 ] .
وقوله : (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) جاء على طريقة التجريد بأن جعلت نفس المحسن كذات يحسن لها . فاللام لتعدية فعل { أحسنتم } ، يقال : أحسنت لفلان" . اهــ

وعلى الجانب الآخر : من قبيل : الطباق أو المقابلة :
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا : أي عليها ، وذلك من شؤم المعصية في مقابل يمن الطاعة ، فالحكم مطرد منعكس ، فاطراده : ثبوت الحكم زيادة أو نقصانا لوجود العلة أو عدمها ، فمتى كانت طاعة كان الإحسان بالزيادة ، ومتى كانت معصية كانت الإساءة بالنقصان ، فهذا قياس الطرد ، وانعكاسه : ثبوت ضده بوجود ضد وصفه ، فيثبت ضد الوعد من الوعيد إذا لم توجد علة الوعد من الطاعة ، ويثبت ضد الوعيد من الوعد إذا لم توجد علة الوعيد من المعصية ، فهذا قياس العكس ، وهو أمر مطرد في كل سياق ورد فيه وعد أو وعيد ، وهو عام ، كما تقدم ، بالنظر إلى معناه الكلي الجامع ، فذلك الأصل في باب : الثواب والعقاب .

ولذلك : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا :
إذ كفروا ، كما تقدم ، بالمسيح عليه السلام ، بل وسعوا في قتله ، فأنجاه الله ، عز وجل ، منهم ، وتحقق فيهم الوصف الموجب للعقوبة الكونية ، فسلط الله ، عز وجل ، عليهم هذه المرة : "طيطس" القائد الروماني ، كما نقل ذلك ابن تيمية ، رحمه الله ، في "الجواب الصحيح" عن المؤرخ النصراني "ابن البطريق" : "ذكر أن طيطس خرب البيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة بعد أن حاصرها وأصاب أهلها جوع عظيم وقتل كل من كان فيها من ذكر وأنثى حتى كانوا يشقون بطون الحبالى ويضربون بأطفالهم الصخور .
وخرب المدينة والهيكل وأضرم بها النار وأحصى القتلى على يديه فكانوا ثلاثة آلاف ألف"
فذلك وعد الآخرة في قوله تعالى : (وَعْدُ الْآَخِرَةِ ) .
وإسناد الإساءة إلى الوجوه من باب إطلاق المسبَّب وإرادة سببه مما يستجلب به سواد الوجوه من جنس الإهانة والإذلال الذي لا يفارق وجوه الأمم المغلوبة . إلا إن كان الفتح برسم النبوة ، فإنه رحمة بالقلوب والأبدان فلا تعلو الوجوه به مهانة أو مذلة ، إذ القلوب آمنة مطمئنة .

وقد فعل بهم طيطس ما فعل لما استباح بيت المقدس ، وفعل عمر ، رضي الله عنه ، بهم ما فعل يوم فتح بيت المقدس ، وكل يعمل على شاكلته ، فذلك غزو طيطس وهذا فتح الخليفة الشهيد رضي الله عنه .

ودخولهم : دخول غزو غاشم لا فتح راحم ، إذ ليس لسيفهم نصيب من تركة النبوة ليرحم المخالف أو يعدل معه ، فلا حرية : "للآخر" ! ، ولا احترام لدينه أو مساجده أو سائر حرماته ، ولعل ما اطرد بعد ذلك من دخول أعداء الملة الخاتمة بلاد المسلمين : برسم الغزو والاستباحة خير شاهد على ذلك ، فدخولهم بيت المقدس بعد ذلك قد استبيحت فيه دماء سبعين ألفا من الموحدين ، ودخولهم أرض البلقان قد استبيحت فيه دماء مئات الآلاف ، ودخولهم العراق قد استبيحت به دماء أمة من البشر تجاوز عددها المليون ، وذلك فرقان بين طريقة النبوة وطريقة أعدائها . فهي ، كما تقدم ، رحمة للموافق والمخالف ، وتلك نقمة على الموافق قبل المخالف وحال جنود أمريكا خير شاهد على ذلك وعلى نفسها جنت براقش .
فمتى أحسنا رد إلينا المسجد الأسير ، كما رد لعمر وصلاح الدين ، ومتى أسأنا سلب منا كما سلب إبان الحملة الصليبية الغابرة ، وإبان الحملة اليهودية المعاصرة ، مع تبجح الزعيم الخالد آنذاك وتشدقه بعبارات الفتح ! ، ولم يكن الله ، عز وجل ، ليفتحها على يد عصابة من الأشرار نصبت العداء لدينه في أرض الإسلام ، فذلك خلاف السنة الكونية التي سبقت الإشارة إليها مرارا ، وبيت المقدس لا يفتح إلا برسم النبوة ، وإن كابر صناع القرار من أصحاب موائد الحوار المستديرة ! .

وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا : إمعان يالإطناب في تقرير العقوبة الكونية ، كما أمعن بالإطناب في الآية السابقة في تقرير المنة الربانية بالرجوع وكثرة الأموال والبنين والنفير . فذلك جار على ما اطرد في التنزيل من الجمع بين المتقابلات إذ بضدها تتميز الأشياء كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا .

والله أعلى وأعلم .