المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أنواع البراهين



مهاجر
14-02-2009, 09:57 AM
يقسم النظار البراهين إلى ثلاثة أنواع :

الأول : البرهان العاطفي أو الوجداني : وهو البرهان الغريزي الذي يتعلق بقوى الشعور الداخلية من جوع وعطش ، فتلك قوى باطنة تتعلق بالجسد ، والفرح والحزن ........ إلخ ، فتلك قوى باطنة تتعلق بالروح ، والتداخل بينهما دقيق دقة التداخل بين الروح والبدن ، فإن الفصل بينهما حال الحياة بحيث يصح تجريد جسد خالص وروح خالص أمر محال ، لخفاء أمر الروح ، مصداق قوله تعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ، فالجوع وإن كان يقع على البدن الطيني الكثيف ابتداء ، إلا أن الروح النورانية الخفيفة تتأثر به أيما تأثر فتجد الجائع مشتت الذهن ، فاسد المزاج ، سريع التهيج إذا هيج ، والجوع بئس الضجيع ، ومن دعائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ) ، وقل مثل ذلك في المدركات المعنوية ، فإنها ، وإن كانت تطال الروح ابتداء ، إلا أن للجسد منها نصيبا ، فالحزن يذهل الجائع عن جوعه ، وقل مثل ذلك في الفرح ، فإن الفَرِحَ يتلهى هو الآخر بما فَرَحَه ، وقد يصاب الحزين بأمراض عضوية تنال جسده الكثيف مع أن علته وجدانية ، وقد يصح الجسد العليل بسرور طارئ ، وتجد الرجلين أحدهمما : في سعة من عيش البدن ، فغذاؤه شهي وكساؤه جديد ، وفراشه وثير ، والآخر : فقير غذاؤه لقيمات وكساؤه خلق وفراشه خشن ، والأول : حزين جم بلابله ، والثاني : سعيد منشرح الصدر مستجمع قوى الروح ، فهو في سعادة لو علمها أبناء الملوك لجالدوه عليها بالسيوف ، ولله في خلقه شؤون ، وإنما سعد من سعد بانشراح الصدر بأنواع العلوم ، وعمران الجوارح بأنواع الأعمال ، وكلاهما لا يستمد إلا من مشكاة النبوة الأولى ففيها من العلوم والأعمال ما تصح به الأديان والأبدان .
وفي الدنيا تقع اللذات والآلام أول ما تقع على البدن والروح تبع لها ، وفي البرزخ تقع على الروح ابتداء والبدن تبع له ، وفي الآخرة تقع على كليهما ، فلكل دار أحكامها كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله .


والثاني هو : البرهان العقلي : وهو المبني على مقدمات ضرورية يستنبط منها العقل قوانين كلية ، فلا بد من مسلمة عقلية تشترك في إدراكها سائر العقول ، ليبنى عليها ما بعدها ، والنظريات الطبيعية والبراهين الرياضية خير شاهد على ذلك فإنها ترجع في أصولها إلى أمور اتفق عليها سائر العقلاء .

والثالث هو : البرهان الديني : وذلك إنما يكون في المسائل الخبرية التي لا يدركها العقل ابتداء ، فهو معزول عن منصب البيان في الإلهيات ، وإن أدرك أصولها إجمالا ، فالرسالات تأتي بالبيان المفصل ، والعقل الصريح يسلم للنقل الصحيح ، فما أشكل عليه من أمور الغيب رده إلى عالمه ، فمقام العقل من النبوة في الإلهيات : مقام التلميذ من الأستاذ ، والعامي من العالم ، بل هو أدنى ، إذ التلميذ يتعلم والعامي يتفقه فيصير الأول أستاذا والثاني عالما ، بينما العقل وإن بلغ من الكمال ما بلغ لا يصل إلى مرتبة النبوة ، إلا على مذهب من يجوز اكتساب النبوة فهي عنده قوى علمية ونفسية وتأثيرية تكتسب بمعالجة أسبابها !!! ، وذلك مذهب تغني حكاية مقالته عن إبطالها .

والشأن في البرهان الديني : ثبوت النبوة ، فليس الشأن : رد أحكامها بمقاييس العقول المتفاوتة ، إذ ليس العقل حكما على الوحي ، وإنما الشأن هل مدعي النبوة : صادق ليتبع أو كاذب ليجتنب ؟!!! ، ولذلك كان تقرير النبوة وإقامة الدلائل على صحتها نوعا وعينا من أشرف مطالب الإلهيات ، فهي الوسيلة لأشرف الغايات ، غاية : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، ولا يستقل العقل بإدراك دقائق العبادات علوما وأعمالا ، فلا بد من وحي قائد يصل بالعقل إلى بر الأمان ، أمان : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) ، أمان : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) .

وإنما يقع الخلط في هذا الباب من جهة إعمال البرهان في غير محله ، فيقدم البرهان العقلي في الإلهيات ، فيصير طاغوتا يتسلط على النبوة ليقبل ما وافق أقيسته ويرد ما خالفها في انتقائية لا مستند لها إلا تفاوت العقول في إدراكاتها ، فما استحسنه هذا ، استقبحه ذاك ، وما قبله هذا رده ذاك ، فلا يفصل النزاع إلى كتاب منزل .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء ، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل" . اهـــــ

واعتبر بحال الفرق الإسلامية التي خاضت في الإلهيات بقوانين عقلية حادثة ، فأعملوا أقيسة العقول المخلوقة في تقرير صفات الخالق ، عز وجل ، وذلك في حد ذاته ناقض لقانون العقل الكلي !!!! ، إذ قياس الغائب على الشاهد : قياس فاسد لعدم تصور الفرع المقيس ، إذ لا بد من إدراك حقيقته قبل رده إلى الأصل المقيس عليه ، فإذا قيس الباري ، عز وجل ، في ذاته وصفاته وأفعاله على المخلوق ، فمثل الممثل ، وعطل المعطل فرعا على تمثيله أولا ، فما رد الصحيح الثابت إلا بتصور فاسد جعل جنس الذات والصفات والأفعال الإلهية من جنس ذوات وصفات وأفعال البشر ، فإثبات صفات الذات كالعين واليد والقدم : تشبيه ، بزعمه ، لمجرد اشتراكها مع صفات البشر في الحقائق الكلية المطلقة ، مع أن تلك لا وجود لها إلا في الأذهان ، فلا توجد خارجها إلا بقيد الذات المتصفة بها ، فيكون التباين بينها تبعا للتباين في الذوات المتصفة بها ، وذلك أمر متصور في عالم الخلق المنظور ، فيد زيد غير يد عمرو ، وإن اشتركتا في اسم اليد ، بل وفي الجنس الأدنى : جنس البشرية ، بل وفي النوع : نوع الذكورية ، فكيف إذا اختلفا في النوع أو الجنس الأعلى فالأعلى ، فيد هند غير يد عمرو ، ويد الجمل غير يد زيد ، وبقدر التفاوت في حقائق الذات يكون التفاوت في حقائق الصفات ، فكيف إذا كان البحث في صفات الخالق ، عز وجل ، وقد تقرر لدى كل عاقل : عظم التفاوت بين جنس الربوبية وجنس العبودية ، فالتفاوت بين صفات الخالق ، عز وجل ، وصفات المخلوق فرع عن التباين في حقيقة الذات ، فمن ذا الذي يدرك كنه ذات الباري ، عز وجل ، ليقيسها على ذوات المخلوقات ، أو ليقيس الصفات القائمة بها على صفات المخلوقات الحادثة ، والشيء إنما يدرك كنهه برؤيته أو رؤية نظيره أو خبر صادق عنه ، وكلها ممتنعة في حق الباري ، عز وجل ، فلا تراه الأبصار في دار الفناء ، ولا تدركه في دار البقاء وإن تنعمت برؤيته في دار المقامة ، ولا نظير له في العالم المشهود ليقاس عليه ، ولم يره أحد من الخلق لنقبل خبره عنه ، فالطريق إلى إدراك كنه الحقائق مقطوع ، والطريق إلى علم المعاني بلا هاد من النبوة مسدود .

ومقابل الغلو في استعمال البرهان العقلي : ظهر غلو آخر في استعمال البرهان النقلي في مقابل إهمال البرهان العقلي ، فظهرت مقالة أهل الظاهر في العمليات ، فنحي العقل عن النظر في علل الأحكام ، ورد الأمر برمته إلى النص ، والغلو لا يرد بغلو ، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم .

يقول ابن تيمية ، رحمه الله ، في "الاستقامة" :
"وكذلك الأمور العملية التي يتكلم فيها الفقهاء فإن من الناس من يقول إن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص الدالة على الأحكام الشرعية كما يقول ذلك أبو المعالي ، (وهو : إمام الحرمين الجويني رحمه الله) ، وأمثاله من الفقهاء مع انتسابهم إلى مذهب الشافعي ونحوه من فقهاء الحديث فكيف بمن كان من أهل رأي الكوفة ونحوهم فإنه عندهم لا يثبت من الفقه بالنصوص إلا أقل من ذلك وإنما العمدة على الرأي والقياس حتى أن الخراسانيين من أصحاب الشافعي بسبب مخالطتهم لهم غلب عليهم استعمال الرأي وقلة المعرفة بالنصوص .
وبإزاء هؤلاء أهل الظاهر كابن حزم ونحوه ممن يدعى أن النصوص تستوعب جميع الحوادث بالأسماء اللغوية التي لا تحتاج إلى استنباط واستخراج أكثر من جمع النصوص حتى تنفي دلالة فحوى الخطاب وتثبته في معنى الأصل ونحو ذلك من المواضع التي يدل فيها اللفظ الخاص على المعنى العام .
والتوسط في ذلك طريقة فقهاء الحديث وهى إثبات النصوص والآثار الصحابية على جمهور الحوادث وما خرج عن ذلك كان في معنى الأصل فيستعملون قياس العلة والقياس في معنى الأصل وفحوى الخطاب إذ ذلك من جملة دلالات اللفظ" . اهــــ


وقل مثل ذلك في مقالة من نفى العلل الشرعية ، بل ونفى الأسباب الكونية ، فالنار يحدث الإحراق عندها لا بها ، فليس فيها قوة الإحراق الذاتية التي خلقها الله ، عز وجل ، فيها ، وإنما هي محض أمارة على وقوع فعل الاحتراق !!! ، وذلك أمر ينافي العقل الصريح بل والحس السليم ، وإثبات القوى الكامنة في الأسباب لا يستلزم استقلالها بالتأثير ، ليحترز بنفيها عن إثبات مؤثر مستقل بالتأثير سوى الباري ، عز وجل ، فإنه ما من سبب مخلوق إلا وله شريك معاون وضد ممانع ، فلا ينتج مسببه إلا باستيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، فلو شاء الله ، عز وجل ، لأبطل عمل الشرط ، ولو شاء لأنفذ عمل المانع ، فبطل عمل السبب ، بل لو شاء ، جل وعلا ، لنزع من السبب قوته الكامنة كما نزع من النار قوة الإحراق فكانت بردا وسلاما على الخليل عليه السلام ، وكما نزع قوة القطع من السكين فلم تعمل الذبح في عنق إسماعيل عليه السلام ، فلا محظور ليحترز عنه بما تقدم .

يقول ابن أبي العز رحمه الله :
"وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْبَابِ مُسْتَقِلًّا بِمَطْلُوبٍ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ انْضِمَامِ أَسْبَابٍ أُخَرَ إليه ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ صَرْفِ الْمَوَانِعِ وَالْمُعَارِضَاتِ عنه ، حتى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ ، فَكُلُّ سَبَبٍ فله شَرِيكٌ ، وله ضِدٌّ ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِنْه شَرِيكُه ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ عنه ضِدُّه - لَمْ تَحْصُلْ مَشِيئَة .
وَالْمَطَرُ وَحْدَه لَا يُنْبِتُ النَّبَاتَ إِلَّا بِمَا يَنْضَمُّ إليه مِنَ الْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ الزَّرْعُ لَا يَتِمُّ حتى تُصْرَفَ عنه الْآفَاتُ الْمُفْسِدَة له ، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لَا يُغَذِّي إِلَّا بِمَا جُعِلَ في الْبَدَنِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ إِنْ لَمْ تُصْرَفْ عنه الْمُفَسِدَاتُ .
وَالْمَخْلُوقُ الذي يُعْطِيكَ أَوْ يَنْصُرُكَ ، فَهُوَ - مَعَ أَنَّ الله يَجْعَلُ فيه الْإِرَادَة وَالْقُوَّة وَالْفِعْلَ - : فَلَا يَتِمُّ مَا يَفْعَلُه إِلَّا بِأَسْبَابٍ كثيرة ، خَارِجَة عَنْ قُدْرَتِه ، تُعَاوِنُه على مَطْلُوبِه ، وَلَوْ كَانَ مَلِكًا مُطَاعًا ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُصْرَفَ عَنِ الْأَسْبَابِ الْمُتَعَاوِنَة مَا يُعَارِضُهَا وَيُمَانِعُهَا ، فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ إِلَّا بِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ الْمَانِعِ وَكُلُّ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْمُقْتَضِي ، فَلَيْسَ في الْوُجُودِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هُوَ مُقْتَضٍ تَامٌّ ، وَإِنْ سُمِّي مُقْتَضِيًا ، وَسُمِّي سَائِرُ مَا يُعِينُه شُرُوطًا - فَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِي . وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ في الْمَخْلُوقَاتِ عِلَّة تَامَّة تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا فَهَذَا بَاطِلٌ .
وَمَنْ عَرَفَ هَذَا حَقَّ الْمَعْرِفَة انْفَتَحَ له بَابُ تَوْحِيدِ الله ، وَعَلِمَ أنه لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْأَلَ غيره ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْبَدَ غيره ، وَلَا يُتَوَكَّلَ على غيره ، وَلَا يُرْجَى غيره" . اهــــ
"شرح العقيدة الطحاوية" ، ص353 .


ومن مباحث هذا الباب الجليل :
مبحث ورود الشرائع فيما يقع فيه النزاع بين البشر : فإن الشرائع لا تأتي لتقرير مسائل الطبيعيات التي هي محل إجماع بين كل العقلاء ، فلا تأتي النبوة بتقرير معامل الجاذبية الأرضية ، أو درجة غليان الماء .......... !!! إلخ ، فتلك يدركها الحس والعقل بلا حاجة إلى نبوة تقررها ، وإن خفيت ابتداء ، فإن مآلها إلى الظهور والانكشاف إذا شاء الله ، عز وجل ، ذلك ، فنيوتن لم يبتدع الجاذبية الأرضية فهي سنة كونية موجودة قبل اكتشافه لها ، بل قبل أن يخلق أصلا !! . بخلاف الإلهيات فإن خفاء مسائلها وإن أدرك العقل أصولها إجمالا ، كما تقدم ، خفاء لا زوال له إلا بخبر الوحي الصادق .

والطبيعيات أمور لا أثر للهوى فيها ، فلا يقع النزاع فيها لتأتي الإلهيات بفصله ، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ، على سبيل المثال ، لم تستبح بيضة المسلمين في بلاد الأفغان والعراق لاختلافها معهم في تحديد معامل الجاذبية الأرضية !!! ، وإنما استباحت منهم ما استباحت لوقوع النزاع في أمور لا تفصلها إلا النبوات من : أخبار إلهية وأحكام شرعية تنظم العلاقة بين العبد والرب من جهة ، وبين العبد والعبد من جهة أخرى ، وإلا فما سر وقوف الغرب بكل صرامة في وجه أي حركة إسلامية إصلاحية تسعى إلى تحكيم الشرع المنزل ، وتوحيد الشرق المسلم المشتت تحت راية النبوة الخاتمة ، ورفع راية الجهاد المعطل ، فتلك أمور يحدث فيها النزاع ، إذ الحق والباطل لا يتصالحان وإن تهادنا ، فلا بد من وقوع الصراع بينهما ، فمخطئ من ظن بأن أحداث 11 سبتمبر هي سبب تلك الهجمة الصليبية الشرسة على الشرق المسلم ، فما هي إلا حجة قدمها من قدمها للغرب النصراني ليحتج بها على استباحة بيضة الإسلام ، ولو لم تقع لما عجز القوم عن إيجاد حجة أخرى .

والصراع إنما يزداد ضراروة في العلاقات الثنائية بين الأفراد والجماعات ، بخلاف الصراع في العلاقات بين الرب والعبد ، ولذلك لا تجد العلمانية متحفزة ضد الشعائر التعبدية تحفزها ضد الأحكام العملية المتعدية ، فهي تريد إسلاما مدجنا ، إسلاما فرديا قاصرا على الشعائر ، بل بعض العلماتيات المتطرفة تتحفز ضد أي مظهر إسلامي ، ولو كان فرديا لازما كالحجاب ، بل والصلاة في بعض الدول الإسلامية التي يطارد فيها المصلون !!! .

ومن مسائله أيضا :
تشدق العقلانيين بنبذ التقليد ، فحرية البحث مكفولة لكل عقل ، ولو كان فاسدا يعارض الوحي المعصوم بأقيسة مختلة ومصالح متوهمة ألغاها الشارع ، عز وجل ، فأبى ذلك المختل إلا اعتبارها ، كالتسوية بين الجنسين في الميراث بحجة عدم جرح مشاعر الأنثى ، فتلك عنده مصلحة معتبرة ، وإن ألغاها الشارع ، عز وجل ، بالنص الصحيح الصريح على عدم التسوية بين الجنسين فرعا عن عدم التسوية بينهما في الواجبات ، فالحقوق بقدر الواجبات ، فلكل حق يتناسب مع ما كلف به من واجبات ، وليس الذكر كالأنثى في الواجبات ليتساويا في الحقوق .

الشاهد أنهم يتشدقون بنبذ التقليد ، وإذا رأيت جل تقريراتهم وجدتها من باب : تسليم المتأخر للمتقدم ، فهي محض تقليد ، فحقيقة أمرهم أنهم عدلوا عن تقليد الوحي المعصوم إلى تقليد فلان وفلان من البشر ذوي العقول الحائرة ، فعدل الفلاسفة الإسلاميون ومن لف لفهم عن تقليد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإلهيات إلى تقليد أرسطو وأفلاطون وشيعتهما من فلاسفة اليونان !!! ، فعليهم يصدق قوله تعالى : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) . ولو عدلوا عن التقليد في الطبيعيات ما توجه اللوم إليهم على وزان : (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ) ، فلا إشكال في كون فلان وفلان من المبرمجين في العصر الحاضر أعلم من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدقائق البرمجيات وأنظمة تشغيل الحاسبات ، وإنما الإشكال أن يكون ذلك مرقاة إلى تقديم قول من علا كعبه في الطبيعيات في أمور الإلهيات ، لمجرد أنه اكتشف جينا جديدا أو صمم نظام تشغيل جديد ، وهي أمور ، كما تقدم ، لا يقع النزاع فيها ، فليس للنبوة فيها عمل أصلا ، كما أنه ليس للعقل المبحر في عالم الطبيعيات عمل في الإلهيات إلا التسليم والانقياد ، والنظر في علم النبوة نظر المستدل المفتقر لا المقرر المستغني بما عنده ابتداء ، فنظره نظر استعلاء وفرح بما عنده ، كنظر سائر العلمانيين في العصر الحاضر ممن فتن بمنجزات المدنية الأوروبية الحديثة ، فصار مدار الأمر عنده على من : يمتلك صواريخ أحدث ، وأنظمة تشغيل أسرع !!! ، فذلك كاف في الحكم على طريقته في العلم والعمل والأخلاق والسياسة بالصحة ، وإن كان شاذا يضاجع البهائم العجماوات !!!! .

وكانت تلك الخدعة هي سبب ضلال من ضل من المستغربين المعاصرين ، إذ نجحت مؤسسات الغرب في خداعهم باسم الموضوعية ونبذ التقليد ، فنقلوهم من تقليد الوحي المعصوم إلى تقليد المستشرق فلان ، فصارت طريقة القوم : سرقة زبالات أذهان الغرب ، وتقديمه لأمة الشرق على أنه بحث فكري مستقل ، وهو في حقيقته ذيل تابع لمن سود الصحائف بحروفه وكلماته ، فما هي إلا شبه بالية يتلقاها الخلف عن السلف .
وعميد الأدب العربي يفتن بمارجليوس ، المستشرق الإنجليزي اليهودي ، فيقدم إنتاجه في قضية انتحال الشعر الجاهلي إلى أمة الإسلام مشككا في تراثها العريق باسم الموضوعية والبحث العلمي ، ولسان حاله :
وإني وإن كنت الأخير زمانه ******* لآت بما لم تستطعه الأوائل

وما مقالته عند التحقيق إلا شعبة من مقالة رينيه ديكارت في الشك المطلق ، الذي اقتبسها هو الآخر من الإمام أبي حامد الغزالي ، رحمه الله ، في مرحلة من مراحل اضطرابه الفكري ، فليته هو الآخر أتى بشيء من كيسه ، وقضية التشكيك في سند المنقولات ليست هي الأخرى من كيس مارجليوس ، فما هو إلى لص ثان سطا على ضلالات المعتزلة ومن لف لفهم في التشكيك في سند النقل الذي عارضوه بعقولهم ، فهي سلسلة من اللصوص الفكريين تنتهي بضلالات سواء أكانت عن سوء قصد كضلالات المعتزلة ، أم كانت زلة كشك أبي حامد رحمه الله .
فأي الفريقين أحق بالأمن : فريق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو فريق ديكارت ومارجليوس !!! .

والله أعلى وأعلم .

ملاحظة : أصل هذه التعليقات مستفاد من شرح الشيخ صالح آل الشيخ ، حفظه الله وسدده ، للعقيدة الطحاوية ، وهو شرح رأيته لأول مرة هذا العام في معرض الكتاب الأخير ، طبعة دار ابن الجوزي ، فلعله جديد أو لعلي غافل فتأخرت معرفتي به ، وفيه من الفوائد ما يجعل الناظر فيه يحرص على اقتنائه ، فجزى الله الشيخ عنا خير الجزاء ونفعنا بعلمه .