المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ما معنى المسلماني ؟



قاسم أحمد
16-02-2009, 06:53 PM
مامعنى كلمة المسلماني الملونة بالأحمر في هذه الفقرة التي اقتطفتها من كتاب حاشية الدسوقي ؟
أرجو الإجابة لأنها تهمني ولكم جزيل الشكر .
فقوله : إني لأرى لك بالإثبات ( ورويت ) أيضا ( بالنفي ) أي لا أرى لك متكلما ( ابن القاسم ) قال [ ص: 250 ] بعد ما تقدم وأنا أراه ماضيا أي فلا تكلم لها ( إلا لضرر بين ) فلها التكلم ( و ) اختلف في جواب ( هل ) هو ( وفاق ) أو خلاف فقيل وفاق بتقييد كلام الإمام بعدم الضرر على رواية النفي أو بالضرر على رواية الإثبات فوافق ابن القاسم أو يكون كلام ابن القاسم بعد الوقوع لقوله أراه راضيا أي بعد الوقوع ، وأما ابتداء فيقول بقول الإمام لكن هذا الثاني إنما بقول يأتي على رواية الإثبات وقيل خلاف بحمل كلام الإمام على إطلاقه سواء كانت الرواية عنه بالإثبات أو النفي أي كان هناك ضرر أم لا وابن القاسم يقول بالتفصيل بين الضرر البين وعدمه وإلى ذلك أشار بقوله ( تأويلان ) ( والمولى ) أي العتيق ( وغير الشريف ) أي الدنيء في نفسه كالمسلماني أو في حرفته كحمار وزبال ( والأقل جاها ) أي قدرا أو منصبا ( كفء ) للحرة أصالة والشريفة وذات الجاه أكثر منه ( وفي ) كفاءة ( العبد ) للحرة وعدم كفاءته لها على الأرجح ( تأويلان ) .

الباز
16-02-2009, 07:25 PM
المسلماني هو المسلم -غير الشريف- نسبا أي أن يكون عجميا مسلما

جاء في العقد الفريد
العرب تسمي العجمي إذا أسلم : المفرج وهو المسلماني .


-------
يظهر لي أن هذه التسمية المجحفة ظهرت في عهود الإسلام المتأخرة
إذ يجب أن لا ننسى في هذا الصدد قول الرسول := :

مَن أسْرع به عَمَلُه لم يُبْطِىء به حَسَبُه ومَن أَبطأ به عملُه
لم يسرعْ به حسَبُه

وقوله := : لا فضل لعربيٍَ على عجميٍّ إلاّ بالتقوى


(و لي رأي شخصي في الموضوع هو أنني لا ألقي باللوم فقط على العرب
- و إن كانوا يتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية- في هذا التفريق بين المسلمين بالنَّسب بل اللوم أيضا على العجم لأن كثيرين منهم دخلوا الإسلام نفاقا أو خوفا لأنه كان القوة المسيطرة ثم بدأوا الدسَّ والفتنةَ كل حسب موقعه مما جعل الثقة في من يُسلم من العجم تهتز ..)

قاسم أحمد
17-02-2009, 06:45 AM
جزاك الله كل خير يا أخي الباز وزادك علما نافعا .

أخت المؤمنين
09-09-2014, 07:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
يبحث الأخ المكرّم قاسم أحمد، عن معنى كلمة (المسلماني)، فلم أجد في الموقع مَنْ يأتي بإجابةٍ شافية يشرحُ الصدرَ (فيما أعلم). كما هالني جهلُ العامَّةِ لهذه الكلمةِ الخطيرة، فأردتُ أن أنقُلَ لكم مقطعًا من كتابٍ للعلاَّمة الجليل الشيخ فريد صلاح الهاشمي المعروفِ باسمه الخاصِّ:Feriduddin AYDIN في تركيا.

أقْدَمَ فضيلتُهُ في الآونة الأخيرة على تأليفِ كتابٍ هامٍّ جدًّا بعنوان (تركيا في ضوء الحقائق). أفردَ فيه بابًا لشرحِ مصطلحِ (الْمُسْلُمَانِيَّةِ)، تجدون إنشاء الله تعالى فيما يلي جزءًا وجيزًا منه، اقتبستُهُ بعد إذنٍ منه، راجيًا نفعَهُ، كما يهمّني تنبيه الأعضاءِ الكرام على أهميّة هذا الكتاب الذي لم يُطبَعْ بعد، ويجب علَيَّ أيضًا أداءُ رسالةٍ كلّفنى فضيلتُهُ بإبلاغها. ألا وهي: إنّ هذا العملَ الجليلَ مهدّدٌ بخطرِ السطوِ عليه في أيِّ لحظةٍ لِمَا يضمُّ من حقائقَ تاريخيةٍ، وسياسيةٍ، واجتماعيةٍ، وثقافية، وأسرارٍ ظلت في طي الكتمان!

يناشد فضيلتُهُ أهلَ الحميةِ من أبناء الأمّةِ إسعافَ هذا الكتابِ وطبعَهُ ونشرَه في مكان آمن، قبل أن تمدَّ إليه يد الجور والتعسف!.

وهذا جزءٌ من كلمات الشيخ حولَ مصطلحِ (الْمُسْلُمَانِيَّةِ):

• " الْمُسْلُمَانيَّةُ (Müslümanlık)وَخَطَرُهَا عَلَى الإِسْلاَمِ.

أسلمتْ طوائفُ من الناس بعد الْعَرَبِ بِحُكْمِ الفتوحات ابتداءً من فتح الأراضِي الّتي كانت تحت سيطرةِ الدَّولتين العُظْمَيَيْنِ: (البيزنطيَّة والساسانيَّة)، وذلك في عهدِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لكنَّ الأتراك اعتنقوا الإسلامَ ودخلوا في دين الله أفواجًا بعد فتحِ بلادِ ماوراءِ النهر، على يد قتيبةَ بْنِ مسلمِ الباهليِّ (669-715م.)، في عهدِ عبد الملك بن مروان الأمويِّ. فأسلمتْ جماهيرُ غفيرةٌ منهم خاصَّة بعد فتحِ مدينةِ سَمَرْقَنْد (عام 705م.)، ومدينةِ بُخَارَى (عام 709م.) فَوْرَ انتصارِ الجيوشِ الإسلاميَّةِ على أهلهما.

نبغَ من الأترك على مدى تاريخهم علماءُ وخبراءُ وصلاحاءُ وزعماءُ ومجاهدونَ ساهموا في الدفاعِ عن الإسلامِ ونشرِ رايَتِهِ وبناءِ حضارَتِهِ. عُرِفَ عنهم قديمًا أنَّ أكثرَهم منذ دخولِهم إلى حظيرةِ الإسلام، يعتنقون عقيدةَ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ. يبرهنُ على ذلك سياسةُ سلاطينِ العثمانيَّة تجاهَ الدولةِ الصفويَّةِ المتشدِّدَةِ في التشيُّعِ، والحاقدةِ على أهل السنَّةِ والجماعةِ. كما يبرهن على هذه الحقيقةِ الفتاوَى الفقهيَّةُ الّتي أصدرتْها المشيخةُ الإسلاميَّةُ عبر التاريخِ العثمانِيِّ، كذلك كثيرٌ من تآليف علماءِ العثمانِيَّة تشهدُ على هذا الواقع البيِّن.

مع هذه الحقائق الْمُوَثَّقَةِ، ظهرتْ نزعاتٌ بِدْعِيَّةٌ وَتَيَّارَاتُ خَطِيرَةٌ في تاريخِ الأتراك، منها ما تَبَنَّى هدمَ الإسلامِ من أصلِهِ عمدًا لأسبابٍ مختلفة. مثل (الطَّرِيقَةِ الْمَلاَمَتِيَّةِ)، اعْتَنَقَتْهَا طائفةٌ صوفيَّةٌ احتقروا العباداتِ (كالصومِ والصلاةِ والحجِّ والإعتكافِ والجهادِ والتضحيةِ وغيرِها من فرائِضِ الإسلام)، فَرَأَوْا أداءَها جهارًا من الرياءِ والإشراكِ باللهِ وارتدادًا من الدِّين. زعموا أنَّ مَنْ أظهرَ مِنْ هذهِ الطاعاتِ والمناسكِ شيئًا فإنَّه منافقٌ مغترٌّ بنفسهِ، ونحو ذلك.. يُفْتَرَضُ أنّهم تبنَّوْا هذه القناعةَ ليؤكِّدوا بها على أهَمِّيَّةِ التواضُعِ والإخلاصِ للهِ، ذلك على سبيلِ التعميةِ والتشويش والإرباك، بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ. ومنها (الطَّرِيقَةُ الْقَلَنْدَرِيَّةُ) الّتي ازدادتْ بتفريطِهَا في الدِّينِ على الطريقةِ الْمَلاَمَتِيَّةِ. اعتنقها آلافٌ من خنافسِ الدراويشِ، مَرَدُوا على الإحادِ، ورفضوا الكدَّ والعملَ، عاشوا عالَةً على الناسِ بالتَّكَفُّفِ والسؤال، يحلقون حواجبَهُمْ ولِحَاهمْ وشواربَهمْ وشعرَ رؤوسِهِمْ، يطوفونَ في طَيْشٍ وابتذالٍ وهيئةٍ رثَّةٍ يعيفها مَنْ يراهم، بل تبعثُ الرُّعْبَ في نفسِ مَنْ يشاهِدُهُمْ. ومن هذه الشذوذيَّات: الحركةُ الإلحاديَّةُ الّتي قادها الشيخ محمود بدر الدين بن قاضي سِيمَاوْنَه (1360-1420م.)، الذي ضربَ الفقهَ الإسلامِيَّ عرضَ الحائطِ، فدعا إلى الشيوعِ في المالِ والممتلكات... نُفِّذَ فيه حكمُ الإعدام في عهدِ السلطان شلبي محمد العثماني بن بايزيد الأوَّل.

غير أنّ للحدثِ (سالفِ الذِّكْرِ) وجهٌ آخر يقتضي أن لا يُعتَبَرَ هذا التّمرُّدُ مجرَّدَ خروجٍ تقليدِيٍّ على النظامِ الشرعيِّ بِحُجَّة المصلحة، أو ثورةً هدفُها الإطاحةُ بالحاكمِ عن حظِّ نفسٍ، ولِمَحْضِ التغلُّبِ والاستيلاءِ ونحو ذلك، بل يجبُ على الباحثِ أن يتفهَّمَ ظروفَ تلكَ المرحلةِ، ويتعرَّفَ على مدى تعامُلِ السلطةِ مع قطاعٍ مِنَ الرعايا الذين لم يكونوا من أهل السُّنَّةِ؛ بَلْهَ أنَّهم كانوا مصدرَ شَغَبٍ وعجلةَ فِتَنٍ في المجتمعِ.. كما لا يخفى أنَّ سلطةَ الدولةِ العثمانيَّةِ التي بَدَأَتْ - منذ قيامِها على مسرح التاريخ - تنسج مذهبًا فقهيًّا مُغلَّفًا بـ"الحنفيَّةِ" على أساسِ التقليدِ الصِّرْفِ، وكراهيةِ مَنْ لا يعتنقُ هذا المذهبَ، فاتَّخذتْ من الجماعاتِ العلويَّةِ غرضًا تمارسُ ضِدَّها ضغطًا شديدًا بحجَّة "معتقداتِهم الشاذَّةِ، والبِدَعِ والزندقة المنتشرةِ بينهم". كانتْ هذه السياسةُ في الحقيقةِ قاسيةً خاليةً من كلِّ عاطفةٍ إنسانيَّةٍ، بعيدةً عن الرحمةِ والحكمةِ، لجأتْ في معظم الحالاتِ إلى استعمالِ العنفِ والسطوِ مجرَّدةً من روحِ الإرشادِ والتعليمِ والإصلاحِ، وبخلافِ ما يقوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن... (النحل: 125). بينما الحكمةُ في خطابِ الناسِ، وفي التعاملِ معهم يستوجبُ الإعتدالَ، وَلِينَ الجانبِ، ومراعاةَ مستوياتِهم الثقافيَّةِ والمعرفِيَّةِ كما ورد في كلام الحكماءِ: "خاطب الناس على قدر عقولهم". ومن الخطأِ الفاحشِ، بل من الظلمِ بمكان؛ أنْ يتحاملَ الآمر بالمعروفِ والناهي عن المنكرِ على إنسانٍ لم يتعرَّفْ على كُنهِ ما يُدْعَى إليهِ مِن الحقِّ، ولم يتذوَّق أصلاً طعمَ الحقيقةِ، ولم يشمَّ رائحةَ العلمِ والفقهِ، ولم يحظَ شيئًا من العلمِ في حياتِهِ، وهو مغمورٌ في عالَمٍ مظْلِمٍ يملؤُهُ الجهلُ والخرافاتُ. لذا لَقِيَتْ سياسةُ الدولةِ العثمانيَّة من المجتمعِ العلوِيِّ رَدًّا عنيفًا ومُواجهةً شديدةً وعِنادًا وإصرارًا على الزندقةِ والجهلِ إلى نهايَةِ حُكْمِهَا. كما أصرَّتِ السلطةُ على عزلِ العلويِّين عن العالَمِ الخارجِيِّ حتى في العهدِ الجمهوريِّ إلى نهايةِ العقدِ الخامسِ من القرنِ العشرين. ومن جانبٍ آخر استغلَّتْهُم الحكوماتُ الكماليَّةُ في مناهضةِ الدِّين، وأثارتْ فيهم العداوةَ على أهل السنَّةِ مِمَّا أدَّى ذلك إلى حرمانِهم من التعرُّف على الإسلامِ الصحيح، وأخَّرهم مِنْ إعدادِ الذَّاتِ بمعارفِ العصرِ وثقافتِهِ. فانتشرَ الجهلُ بين صفوفِهِمْ، ودفعَتْهُم النَّزَعَاتُ اليساريَّةُ إلى أتون الفتنِ السياسيَّةِ في السبعينِيَّاتِ، كما سدَّتْ أبوابَ الحوارِ بينهم وبين الحكوماتِ حتى في الظروفِ الْمُتَاحَةِ التي توفَّرتْ فيها فُرصةُ التعبيرِ عن الرأيِ خاصَّةً في عهدِ كلٍّ من الرئيسين للوزراءِ ترغوت أوزال، ورجب طيب أردوغان، ولكن تجربة الحواراتِ بائتْ بالفشلِ نتيجةَ انتفاءِ الكفائَةِ العلميَّةِ والثقافِيَّةِ وصياغَةِ الأسلوب المنطقي فيهم.

كانت هذه قطرةٌ من بحرٍ بالنسبة لِمَا يملأ تاريخَ هذا الشعبِ وحياتَهُ ومعتقداتِهِ وعَقْلِيَّتَهُ التي تأبي أن تتناغمَ مع ظروفِ العالَمِ الخارجِيِّ.

هذا، وربما ظهرَ أضعافُ ذلك في تاريخِ العربِ كحركةِ الخوارجِ، والرافضةِ، والمعتزلةِ، والقرامطةِ والراونديَّةِ، والدُّرزيَّةِ، والنُّصَيْرِيَّةِ، وغيرِها مِمَّا يصعب عَدُّهَا. بيد أنَّ أنماطًا من الشِّرْكِيَّاتِ الّتي نجدها منتشرةً في عقائدِ قطاعٍ كبيرٍ من الأتراكِ تدلَّ على أنَّها من امتدادِ معتقداتِهم قبل إسلامهم، وأنماطًا منها تدلُّ على أنَّهم قلَّدوا فيها الفُرْسَ تقليدًا أعمى.. وهذا ما ليس له أثرٌ في أهل السُّنَّةِ من العربِ، لأنَّهم حطَّموا أصنامَهُمْ ودمَّروها بأيديهِمْ، وقضوا عليها في أوَّلِ أمرِهِمْ تحت إمرة الرسول عليه الصلاة السلام بالذَّات، كما تشدَّدوا عبر تاريخهم على مَنْ وجدوا فيه شَمَّةً مِنْ مَيْلِ التأليهِ لغير الله، وذلك بأشكالٍ من التنكيلِ بِالقمعِ والسحقِ والتشريد...

ومن أهمِّ رموزِ الخروج على الإسلام في المجتمعِ التُّرْكِيِّ: تحريفُهُمْ لاسم الدِّين الإسلامي، واستبدالُهُ بكلمةِ (مُسْلُمَانْلِكْ müslümanlık)، اصطلحوها مكان الإسمِ الذي أطْلَقَهُ اللهُ على دِينِهِ بقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ (آل عمران/19).

لا يكادُ يوجد شخص من الأترك يُقِرُّ بأنَّهُ مسلمٌ، أو يُجِيبُ على سؤالِ مَنْ يَسْأَلُهُ عن دِينِهِ، إلاَّ قال (أَنَا مُسْلُمَانْ ben müslumanım))، بينما غَيْرُهُمْ من المسلمين في جميع أنحاء العالَم، يُعَبِّرُونَ عن انتمائِهم للدِّين الإسلاميِّ بالوجهِ الصحيح فالمسلم الإنجليزيُّ مثلاً يقوال (I’m muslim). ومن الغَرَابَةِ بمكان، أنَّ علماءَ العربِ غفلوا عن هذه البدعةِ على مدى قرونٍ إلى يومنا هذا، بحيثُ لم يتناولْ أحدٌ منهم هذه البدعةَ الخطيرةَ ولو في سطورٍ وجيزةٍ بحثًا لفتح باب النقاشِ على أقلِّ تقدير، لعلَّ يتنبه إليها علماءُ الأمَّةِ فيسرعوا إلى إرشادِ الأتراكِ وإنقاذِهِم من هذا الكفر البواح.

قد يعترَّضُ بعض الناسِ قائلاً: "إنَّ هذا الإختلافَ ناشِئٌ من اختلافِ اللُّغة، لا يستحقُّ الاكتراثَ له.. والانشغالُ والانهماكُ فيه فضولٌ بل مبالغةٌ لا طائل تحتَهَا، لأنَّ الشخصَ إذا كانَ ينطِقُ بكلمةِ الشهادةِ، ويؤمنُ باللهِ، وملائكتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، وباليومِ الآخِرِ، وبالقدَرِ؛ ويؤدِّي فرائضَهُ وفقًا للكتابِ والسُّنَّةِ، فأين الخطرُ والضَّرَرُ من هذهِ التّسميَةِ!

إنَّ الدفاعَ بمثلِ هذهِ الصيغةِ الْوَاهِيَةِ – في الحقيقةِ - ضربٌ من الْمُجَازَفَةِ والتَّحَزْلُقِ، وخروجٌ على ما أثْبَتَهُ اللهُ في كتابِهِ - تقدستْ كلماتُهُ-، فقد سَمَّى دِينَهُ (الإسلامَ)، وهذا شيءٌ توقيفيٌّ لا دخلَ للبشَرِ فيه. ولعلَّ هذهِ التسميةَ تدخلُ تحتَ قوله تعالى: وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (المائدة/13).

إنَّ (الْمُسْلُمَانيَّةَ) ليستْ محضَ تحريفٍ في الاسمِ وحسبُ، بل هي رمزٌ لِرُكَامٍ مِنَ البِدَعِ والعاداتِ والمعتقداتِ الدَّخيلةِ، تسرَّبت من الديانات القديمةِ للأتراكِ وامتدَّتْ إلى اليومِ عبرَ ممارساتِهم لها، وتفاعُلِهِمْ معها منذ أيَّامِ تَعَرُّفِهِمْ على الإسلام. يتمثَّلُ هذا الخليطُ في شِبْهِ دينٍ مستقلٍّ عن الإسلامِ، ويتميَّزُ عنه بفروقٍ كبيرةٍ في كِلاَ جَانِبَيْهَا الْعَقَدِيِّ والعمليِّ.

تلتبس الْمُسْلُمَانيَّةُ بالإسلامِ خاصَّةً على العربِ لِمَلاَمِحَ تسودُ صورَتَهَا الخارجيَّةَ، أخذَها الأتراكُ من الإسلامِ، واستعملوها كَغِلاَفٍ لِمُعْتَقَدَاتِهِمْ وطقوسِهم القديمةِ، فلا يكادُ الإنسانُ العربيُّ، حتى العلماءُ والمثقَّفون منهم اليومَ أنْ يميِّزوا بين الديانَتَيْن (الإسلامِ وَالْمُسْلُمَانِيَّةِ) بسبب المشابَهَةِ الناجمةِ من هذا التركيب الذي يغلِبُ عليه الطابِعُ الإسلاميُّ، إذ أنَّ الْمُسْلُمَانِيِّينَ أيضًا يصلُّون، ويصومون، ويحجُّون، ويزكُّون كالمسلمين، ويؤدِّي كثيرٌ منهم العباداتِ المفروضةَ في الإسلامِ، كذلك كثيرٌ منهم يواظبون على النوافلِ، ويتصدَّقون، ويتطوَّعون بأعمال البِرِّ، ويساهمون في خدماتِ الإغاثَةِ والإسعافِ والمعاونَةِ ونشرِ الفضائِلِ وغيرِها من الخيرات...

أمَّا الفاصلُ الذي يُفْرَقُ به بين الإسلام والْمُسْلُمَانيَّةِ في حقيقةِ الأمرِ، ولا يَتْرُكُ المجالَ للنِّقاشِ في أَنَّهُمَا لا يمكن أنْ يلتقيا بوجهٍ من الوجوه؛ إنِّمَا يتمثَّلُ في ثلاثةِ أمورٍ هَامَّةٍ جدًّا، ألاَ وهي: التوحيدُ في العقيدةِ، والتَّوْقِيفِيَّةُ في العبادَةِ، والتَّكَامُلِيَّةُ في التعالِيمِ."

أخت المؤمنين
09-09-2014, 07:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
يبحث الأخ المكرّم قاسم أحمد، عن معنى كلمة (المسلماني)، فلم أجد في الموقع مَنْ يأتي بإجابةٍ شافية يشرحُ الصدرَ (فيما أعلم). كما هالني جهلُ العامَّةِ لهذه الكلمةِ الخطيرة، فأردتُ أن أنقُلَ لكم مقطعًا من كتابٍ للعلاَّمة الجليل الشيخ فريد صلاح الهاشمي المعروفِ باسمه الخاصِّ:Feriduddin AYDIN في تركيا.

أقْدَمَ فضيلتُهُ في الآونة الأخيرة على تأليفِ كتابٍ هامٍّ جدًّا بعنوان (تركيا في ضوء الحقائق). أفردَ فيه بابًا لشرحِ مصطلحِ (الْمُسْلُمَانِيَّةِ)، تجدون إنشاء الله تعالى فيما يلي جزءًا وجيزًا منه، اقتبستُهُ بعد إذنٍ منه، راجيًا نفعَهُ، كما يهمّني تنبيه الأعضاءِ الكرام على أهميّة هذا الكتاب الذي لم يُطبَعْ بعد، ويجب علَيَّ أيضًا أداءُ رسالةٍ كلّفنى فضيلتُهُ بإبلاغها. ألا وهي: إنّ هذا العملَ الجليلَ مهدّدٌ بخطرِ السطوِ عليه في أيِّ لحظةٍ لِمَا يضمُّ من حقائقَ تاريخيةٍ، وسياسيةٍ، واجتماعيةٍ، وثقافية، وأسرارٍ ظلت في طي الكتمان!

يناشد فضيلتُهُ أهلَ الحميةِ من أبناء الأمّةِ إسعافَ هذا الكتابِ وطبعَهُ ونشرَه في مكان آمن، قبل أن تمدَّ إليه يد الجور والتعسف!.

وهذا جزءٌ من كلمات الشيخ حولَ مصطلحِ (الْمُسْلُمَانِيَّةِ):

• " الْمُسْلُمَانيَّةُ (Müslümanlık)وَخَطَرُهَا عَلَى الإِسْلاَمِ.

أسلمتْ طوائفُ من الناس بعد الْعَرَبِ بِحُكْمِ الفتوحات ابتداءً من فتح الأراضِي الّتي كانت تحت سيطرةِ الدَّولتين العُظْمَيَيْنِ: (البيزنطيَّة والساسانيَّة)، وذلك في عهدِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لكنَّ الأتراك اعتنقوا الإسلامَ ودخلوا في دين الله أفواجًا بعد فتحِ بلادِ ماوراءِ النهر، على يد قتيبةَ بْنِ مسلمِ الباهليِّ (669-715م.)، في عهدِ عبد الملك بن مروان الأمويِّ. فأسلمتْ جماهيرُ غفيرةٌ منهم خاصَّة بعد فتحِ مدينةِ سَمَرْقَنْد (عام 705م.)، ومدينةِ بُخَارَى (عام 709م.) فَوْرَ انتصارِ الجيوشِ الإسلاميَّةِ على أهلهما.

نبغَ من الأترك على مدى تاريخهم علماءُ وخبراءُ وصلاحاءُ وزعماءُ ومجاهدونَ ساهموا في الدفاعِ عن الإسلامِ ونشرِ رايَتِهِ وبناءِ حضارَتِهِ. عُرِفَ عنهم قديمًا أنَّ أكثرَهم منذ دخولِهم إلى حظيرةِ الإسلام، يعتنقون عقيدةَ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ. يبرهنُ على ذلك سياسةُ سلاطينِ العثمانيَّة تجاهَ الدولةِ الصفويَّةِ المتشدِّدَةِ في التشيُّعِ، والحاقدةِ على أهل السنَّةِ والجماعةِ. كما يبرهن على هذه الحقيقةِ الفتاوَى الفقهيَّةُ الّتي أصدرتْها المشيخةُ الإسلاميَّةُ عبر التاريخِ العثمانِيِّ، كذلك كثيرٌ من تآليف علماءِ العثمانِيَّة تشهدُ على هذا الواقع البيِّن.

مع هذه الحقائق الْمُوَثَّقَةِ، ظهرتْ نزعاتٌ بِدْعِيَّةٌ وَتَيَّارَاتُ خَطِيرَةٌ في تاريخِ الأتراك، منها ما تَبَنَّى هدمَ الإسلامِ من أصلِهِ عمدًا لأسبابٍ مختلفة. مثل (الطَّرِيقَةِ الْمَلاَمَتِيَّةِ)، اعْتَنَقَتْهَا طائفةٌ صوفيَّةٌ احتقروا العباداتِ (كالصومِ والصلاةِ والحجِّ والإعتكافِ والجهادِ والتضحيةِ وغيرِها من فرائِضِ الإسلام)، فَرَأَوْا أداءَها جهارًا من الرياءِ والإشراكِ باللهِ وارتدادًا من الدِّين. زعموا أنَّ مَنْ أظهرَ مِنْ هذهِ الطاعاتِ والمناسكِ شيئًا فإنَّه منافقٌ مغترٌّ بنفسهِ، ونحو ذلك.. يُفْتَرَضُ أنّهم تبنَّوْا هذه القناعةَ ليؤكِّدوا بها على أهَمِّيَّةِ التواضُعِ والإخلاصِ للهِ، ذلك على سبيلِ التعميةِ والتشويش والإرباك، بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ. ومنها (الطَّرِيقَةُ الْقَلَنْدَرِيَّةُ) الّتي ازدادتْ بتفريطِهَا في الدِّينِ على الطريقةِ الْمَلاَمَتِيَّةِ. اعتنقها آلافٌ من خنافسِ الدراويشِ، مَرَدُوا على الإحادِ، ورفضوا الكدَّ والعملَ، عاشوا عالَةً على الناسِ بالتَّكَفُّفِ والسؤال، يحلقون حواجبَهُمْ ولِحَاهمْ وشواربَهمْ وشعرَ رؤوسِهِمْ، يطوفونَ في طَيْشٍ وابتذالٍ وهيئةٍ رثَّةٍ يعيفها مَنْ يراهم، بل تبعثُ الرُّعْبَ في نفسِ مَنْ يشاهِدُهُمْ. ومن هذه الشذوذيَّات: الحركةُ الإلحاديَّةُ الّتي قادها الشيخ محمود بدر الدين بن قاضي سِيمَاوْنَه (1360-1420م.)، الذي ضربَ الفقهَ الإسلامِيَّ عرضَ الحائطِ، فدعا إلى الشيوعِ في المالِ والممتلكات... نُفِّذَ فيه حكمُ الإعدام في عهدِ السلطان شلبي محمد العثماني بن بايزيد الأوَّل.

غير أنّ للحدثِ (سالفِ الذِّكْرِ) وجهٌ آخر يقتضي أن لا يُعتَبَرَ هذا التّمرُّدُ مجرَّدَ خروجٍ تقليدِيٍّ على النظامِ الشرعيِّ بِحُجَّة المصلحة، أو ثورةً هدفُها الإطاحةُ بالحاكمِ عن حظِّ نفسٍ، ولِمَحْضِ التغلُّبِ والاستيلاءِ ونحو ذلك، بل يجبُ على الباحثِ أن يتفهَّمَ ظروفَ تلكَ المرحلةِ، ويتعرَّفَ على مدى تعامُلِ السلطةِ مع قطاعٍ مِنَ الرعايا الذين لم يكونوا من أهل السُّنَّةِ؛ بَلْهَ أنَّهم كانوا مصدرَ شَغَبٍ وعجلةَ فِتَنٍ في المجتمعِ.. كما لا يخفى أنَّ سلطةَ الدولةِ العثمانيَّةِ التي بَدَأَتْ - منذ قيامِها على مسرح التاريخ - تنسج مذهبًا فقهيًّا مُغلَّفًا بـ"الحنفيَّةِ" على أساسِ التقليدِ الصِّرْفِ، وكراهيةِ مَنْ لا يعتنقُ هذا المذهبَ، فاتَّخذتْ من الجماعاتِ العلويَّةِ غرضًا تمارسُ ضِدَّها ضغطًا شديدًا بحجَّة "معتقداتِهم الشاذَّةِ، والبِدَعِ والزندقة المنتشرةِ بينهم". كانتْ هذه السياسةُ في الحقيقةِ قاسيةً خاليةً من كلِّ عاطفةٍ إنسانيَّةٍ، بعيدةً عن الرحمةِ والحكمةِ، لجأتْ في معظم الحالاتِ إلى استعمالِ العنفِ والسطوِ مجرَّدةً من روحِ الإرشادِ والتعليمِ والإصلاحِ، وبخلافِ ما يقوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن... (النحل: 125). بينما الحكمةُ في خطابِ الناسِ، وفي التعاملِ معهم يستوجبُ الإعتدالَ، وَلِينَ الجانبِ، ومراعاةَ مستوياتِهم الثقافيَّةِ والمعرفِيَّةِ كما ورد في كلام الحكماءِ: "خاطب الناس على قدر عقولهم". ومن الخطأِ الفاحشِ، بل من الظلمِ بمكان؛ أنْ يتحاملَ الآمر بالمعروفِ والناهي عن المنكرِ على إنسانٍ لم يتعرَّفْ على كُنهِ ما يُدْعَى إليهِ مِن الحقِّ، ولم يتذوَّق أصلاً طعمَ الحقيقةِ، ولم يشمَّ رائحةَ العلمِ والفقهِ، ولم يحظَ شيئًا من العلمِ في حياتِهِ، وهو مغمورٌ في عالَمٍ مظْلِمٍ يملؤُهُ الجهلُ والخرافاتُ. لذا لَقِيَتْ سياسةُ الدولةِ العثمانيَّة من المجتمعِ العلوِيِّ رَدًّا عنيفًا ومُواجهةً شديدةً وعِنادًا وإصرارًا على الزندقةِ والجهلِ إلى نهايَةِ حُكْمِهَا. كما أصرَّتِ السلطةُ على عزلِ العلويِّين عن العالَمِ الخارجِيِّ حتى في العهدِ الجمهوريِّ إلى نهايةِ العقدِ الخامسِ من القرنِ العشرين. ومن جانبٍ آخر استغلَّتْهُم الحكوماتُ الكماليَّةُ في مناهضةِ الدِّين، وأثارتْ فيهم العداوةَ على أهل السنَّةِ مِمَّا أدَّى ذلك إلى حرمانِهم من التعرُّف على الإسلامِ الصحيح، وأخَّرهم مِنْ إعدادِ الذَّاتِ بمعارفِ العصرِ وثقافتِهِ. فانتشرَ الجهلُ بين صفوفِهِمْ، ودفعَتْهُم النَّزَعَاتُ اليساريَّةُ إلى أتون الفتنِ السياسيَّةِ في السبعينِيَّاتِ، كما سدَّتْ أبوابَ الحوارِ بينهم وبين الحكوماتِ حتى في الظروفِ الْمُتَاحَةِ التي توفَّرتْ فيها فُرصةُ التعبيرِ عن الرأيِ خاصَّةً في عهدِ كلٍّ من الرئيسين للوزراءِ ترغوت أوزال، ورجب طيب أردوغان، ولكن تجربة الحواراتِ بائتْ بالفشلِ نتيجةَ انتفاءِ الكفائَةِ العلميَّةِ والثقافِيَّةِ وصياغَةِ الأسلوب المنطقي فيهم.

كانت هذه قطرةٌ من بحرٍ بالنسبة لِمَا يملأ تاريخَ هذا الشعبِ وحياتَهُ ومعتقداتِهِ وعَقْلِيَّتَهُ التي تأبي أن تتناغمَ مع ظروفِ العالَمِ الخارجِيِّ.

هذا، وربما ظهرَ أضعافُ ذلك في تاريخِ العربِ كحركةِ الخوارجِ، والرافضةِ، والمعتزلةِ، والقرامطةِ والراونديَّةِ، والدُّرزيَّةِ، والنُّصَيْرِيَّةِ، وغيرِها مِمَّا يصعب عَدُّهَا. بيد أنَّ أنماطًا من الشِّرْكِيَّاتِ الّتي نجدها منتشرةً في عقائدِ قطاعٍ كبيرٍ من الأتراكِ تدلَّ على أنَّها من امتدادِ معتقداتِهم قبل إسلامهم، وأنماطًا منها تدلُّ على أنَّهم قلَّدوا فيها الفُرْسَ تقليدًا أعمى.. وهذا ما ليس له أثرٌ في أهل السُّنَّةِ من العربِ، لأنَّهم حطَّموا أصنامَهُمْ ودمَّروها بأيديهِمْ، وقضوا عليها في أوَّلِ أمرِهِمْ تحت إمرة الرسول عليه الصلاة السلام بالذَّات، كما تشدَّدوا عبر تاريخهم على مَنْ وجدوا فيه شَمَّةً مِنْ مَيْلِ التأليهِ لغير الله، وذلك بأشكالٍ من التنكيلِ بِالقمعِ والسحقِ والتشريد...

ومن أهمِّ رموزِ الخروج على الإسلام في المجتمعِ التُّرْكِيِّ: تحريفُهُمْ لاسم الدِّين الإسلامي، واستبدالُهُ بكلمةِ (مُسْلُمَانْلِكْ müslümanlık)، اصطلحوها مكان الإسمِ الذي أطْلَقَهُ اللهُ على دِينِهِ بقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ (آل عمران/19).

لا يكادُ يوجد شخص من الأترك يُقِرُّ بأنَّهُ مسلمٌ، أو يُجِيبُ على سؤالِ مَنْ يَسْأَلُهُ عن دِينِهِ، إلاَّ قال (أَنَا مُسْلُمَانْ ben müslumanım))، بينما غَيْرُهُمْ من المسلمين في جميع أنحاء العالَم، يُعَبِّرُونَ عن انتمائِهم للدِّين الإسلاميِّ بالوجهِ الصحيح فالمسلم الإنجليزيُّ مثلاً يقوال (I’m muslim). ومن الغَرَابَةِ بمكان، أنَّ علماءَ العربِ غفلوا عن هذه البدعةِ على مدى قرونٍ إلى يومنا هذا، بحيثُ لم يتناولْ أحدٌ منهم هذه البدعةَ الخطيرةَ ولو في سطورٍ وجيزةٍ بحثًا لفتح باب النقاشِ على أقلِّ تقدير، لعلَّ يتنبه إليها علماءُ الأمَّةِ فيسرعوا إلى إرشادِ الأتراكِ وإنقاذِهِم من هذا الكفر البواح.

قد يعترَّضُ بعض الناسِ قائلاً: "إنَّ هذا الإختلافَ ناشِئٌ من اختلافِ اللُّغة، لا يستحقُّ الاكتراثَ له.. والانشغالُ والانهماكُ فيه فضولٌ بل مبالغةٌ لا طائل تحتَهَا، لأنَّ الشخصَ إذا كانَ ينطِقُ بكلمةِ الشهادةِ، ويؤمنُ باللهِ، وملائكتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، وباليومِ الآخِرِ، وبالقدَرِ؛ ويؤدِّي فرائضَهُ وفقًا للكتابِ والسُّنَّةِ، فأين الخطرُ والضَّرَرُ من هذهِ التّسميَةِ!

إنَّ الدفاعَ بمثلِ هذهِ الصيغةِ الْوَاهِيَةِ – في الحقيقةِ - ضربٌ من الْمُجَازَفَةِ والتَّحَزْلُقِ، وخروجٌ على ما أثْبَتَهُ اللهُ في كتابِهِ - تقدستْ كلماتُهُ-، فقد سَمَّى دِينَهُ (الإسلامَ)، وهذا شيءٌ توقيفيٌّ لا دخلَ للبشَرِ فيه. ولعلَّ هذهِ التسميةَ تدخلُ تحتَ قوله تعالى: وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (المائدة/13).

إنَّ (الْمُسْلُمَانيَّةَ) ليستْ محضَ تحريفٍ في الاسمِ وحسبُ، بل هي رمزٌ لِرُكَامٍ مِنَ البِدَعِ والعاداتِ والمعتقداتِ الدَّخيلةِ، تسرَّبت من الديانات القديمةِ للأتراكِ وامتدَّتْ إلى اليومِ عبرَ ممارساتِهم لها، وتفاعُلِهِمْ معها منذ أيَّامِ تَعَرُّفِهِمْ على الإسلام. يتمثَّلُ هذا الخليطُ في شِبْهِ دينٍ مستقلٍّ عن الإسلامِ، ويتميَّزُ عنه بفروقٍ كبيرةٍ في كِلاَ جَانِبَيْهَا الْعَقَدِيِّ والعمليِّ.

تلتبس الْمُسْلُمَانيَّةُ بالإسلامِ خاصَّةً على العربِ لِمَلاَمِحَ تسودُ صورَتَهَا الخارجيَّةَ، أخذَها الأتراكُ من الإسلامِ، واستعملوها كَغِلاَفٍ لِمُعْتَقَدَاتِهِمْ وطقوسِهم القديمةِ، فلا يكادُ الإنسانُ العربيُّ، حتى العلماءُ والمثقَّفون منهم اليومَ أنْ يميِّزوا بين الديانَتَيْن (الإسلامِ وَالْمُسْلُمَانِيَّةِ) بسبب المشابَهَةِ الناجمةِ من هذا التركيب الذي يغلِبُ عليه الطابِعُ الإسلاميُّ، إذ أنَّ الْمُسْلُمَانِيِّينَ أيضًا يصلُّون، ويصومون، ويحجُّون، ويزكُّون كالمسلمين، ويؤدِّي كثيرٌ منهم العباداتِ المفروضةَ في الإسلامِ، كذلك كثيرٌ منهم يواظبون على النوافلِ، ويتصدَّقون، ويتطوَّعون بأعمال البِرِّ، ويساهمون في خدماتِ الإغاثَةِ والإسعافِ والمعاونَةِ ونشرِ الفضائِلِ وغيرِها من الخيرات...

أمَّا الفاصلُ الذي يُفْرَقُ به بين الإسلام والْمُسْلُمَانيَّةِ في حقيقةِ الأمرِ، ولا يَتْرُكُ المجالَ للنِّقاشِ في أَنَّهُمَا لا يمكن أنْ يلتقيا بوجهٍ من الوجوه؛ إنِّمَا يتمثَّلُ في ثلاثةِ أمورٍ هَامَّةٍ جدًّا، ألاَ وهي: التوحيدُ في العقيدةِ، والتَّوْقِيفِيَّةُ في العبادَةِ، والتَّكَامُلِيَّةُ في التعالِيمِ."