المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : هل الأسلوب القرآني فوضوي ؟؟



د. هشام عزمي
01-11-2004, 12:26 AM
من فوائد منتدى الجامع للحوار الإسلامي النصراني
هل الأسلوب القرآني فوضوي ؟؟
المصـــدر (http://www.aljame3.com/forums/index.php?showtopic=1950)

بسم الله الرحمن الرحيم


كان أحد الأخوة المسلمين - و هو بريطاني لا يجيد العربية - قد تصدى في محاورة كتابية على الشبكة لأحد المنصرين البروتستانت و امتدت المناظرة لأسلوب القرآن و طريقته في البيان و ادعى المنصر أن القرآن اسلوبه فوضوي غير مرتب أو مفهوم و قد دعم كلامه هذا بشهادات بعض المستشرقين الذين سماهم بعلماء في الإسلام .

و كان رد أخينا الفاضل مفصلا و دقيقًا متضمنًا نقدًا سليمًا لهؤلاء المستشرقين و بين ان هؤلاء "العلماء" لا يوجد منهم من يجيد اللغة العربية فكيف ينتقدون أسلوب القرآن (!!) و كان ردًا موفقًا بحمد الله تعالى . . ثم طلب مني هذا الأخ أن اكتب مقالا اشرح فيه أسلوب القرآن لغير المتحدثين بالعربية و خاصة أن معظم قراء هذه المناظرة من غير المسلمين غير القادرين على تصور كتاب إلهي مختلف في أسلوبه عن الكتاب المقدس فكتبت له هذا الرد بالإنجليزية ليرفقه مع رده على المنصر و كان ردًا مفحمًا بعون الواحد المعبود .

كان هذا الأمر من عام تقريبًا و الآن وجدت أن بعضهم يثير هذه الشبهة بين النصارى العرب فرأيت أن اترجم ما كتبته بالإنجليزية إلى لغتنا الجميلة فربما يكون فيه فائدة و الله المستعان .

د. هشام عزمي
01-11-2004, 12:33 AM
الرد على الشبهة

يقول فضيلة الدكتور محمود السيد شيخون وكيل كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر في كتابه (الإعجاز في نظم القرآن) في الفصل الخاص بسرد خواص الأسلوب القرآني ص 109-112:
الخاصية الخامسة : و هي تداخل أبحاثه و مواضيعه في معظم الأحيان . فإن من يقرأ هذا الكتاب المبين لا يجد فيه ما يجده في عامة المؤلفات و الكتب الأخرى من التنسيق و التبويب حسب المواضيع ، و تصنيف البحوث مستقلة عن بعضها ، و و إنما يجد عامة مواضيعه و أبحاثه لاحقة ببعضها ، دونما فاصل بينها ، و قد يجدها متداخلة في بعضها في كثير من السور ة الآيات .

و هذه الخاصية قد خيلت لبعض محترفي الغزو الفكري من المبشرين و المستشرقين و أذنابهم و ذيولهم ممن يدورون في فلكهم أن في القرآن ثلمة يمكن الدخول منها إلى اصطناع نقد أو محاولة تهديم ، أو بث تشكيك ، فأخذوا يتساءلون عن سبب هذا التداخل و التمازج في معاني القرآن ، ثم راحوا يجيبون عن تساؤلهم هذا بأنها البدائية و البساطة في منهج البحث ، و أن القرآن لا يعدو كونه مجموعة أفكار منتثرة أنتجها فكر إنسان .

و الحقيقة أن هذه الخاصة في القرآن الكريم ، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده ، و استقلاله عن كل ما هو مألوف و معروف من طرائق البحث و التأليف ، هذا شئ ، و هناك شئ آخر هو أن من الخطأ في أصل النقد و البحث أن نحاكم القرآن في منهجه و أسلوبه إلى ما تواضع عليه الناس اليوم أو قبل هذا اليوم أو إلى ما سيتواضعون عليه مع تطور الزمن - من طرائق البحث و التأليف و تنسيق المعاني .

فهذا الذي يتوافق عليه الكاتبون نم تقسيم كتبهم إلى أبواب و فصول ، ثم تضمين كل فصل منها لجملة معينة من الأبحاث و المعاني ، ليس مرده إلى أمر إلزامي أو مثل أعلى يفرض عليهم ذلك ، و إنما الأمر فيه تابع للأغراض المتعلقة به ، و هو في جملته عرف يعتادوه ، و طور يمرون عليه ، و يجتازونه بعد حين إلى غيره ، فما هي الحقيقة الثابتة التي تلزم كتاب الله تعالى في منهجه على طور من أطوار هؤلاء العباد ، و أن يتبع تنسيقهم الذي يضعون ، أو أن تتصنف أبحاثه و معانيه حسب المنهج الذي يشاءون ؟ هذا إلى أن المناهج تتناسخ و الأساليب تتطور كما هو معروف .

على أن هذه الخاصية تابعة لحكمة عليا يدور معها المعنى القرآني كله . ذلك أن جملة ما في القرآن من مختلف المواضيع و المعاني الجزئية ، إنما يدور جميعه على معنى كلي واحد ، هو دعوة الناس إلى أن يكونوا عبيدًا لله بالفكر و الاختيار كما خلقهم عبيدًا له بالجبر و الاضطرار ، و أن يدركوا أن أمامهم حياة ثانية بعد حياتهم هذه ، و أن يستيقنوا ضآلة هذه الحياة بالنسبة لتلك في كل من خيرها و شرها و سعادتها و شقائها . فالقرآن شأنه أن يبث هذا المعنى الكلي الخطير من خلال جميع ما يعرضه من الأبحاث و المواضيع المختلفة من تشريع و وعد و وعيد ، و قصة و أمثلة و وصف ؛ و إنما يتحقق ذلك بهذا النسق الذي جرى عليه من التداخل و التمازج في المعاني .

فهو حينما يبدأ بعرض قصة لا يدعك - و لو في مرحلة من مراحلها - تنسى ذلك المعنى الكلي الذي ذكرناه ، فهو يخللها بما ليس منها من تهديد أو وعد أو وعيد أو نصيحة أو وعظ تحقيقًا للغرض الذي من أجله تساق القصة ، و حفظًا للفكر أن يتشتت مع أجوائها و أحداثها فينسى مساقها الأصلي .

و هو حين يشرح لك أحكامًا في العبادات أو المعاملات أو غيرها ، يسلك بك أيضًا نفس المنهج فهو يحاذرأن تستغرق في التأمل في هذه الأحكام من حيث هي علم أو فن برأسه ، كما قد يحصل مع من ينكب على دراسة هذه الأحكام في الكتب العلمية الخاصة بها ، فيوصلها بآيات ليست منها ، فيها وعد أو وعيد أو حديث عن الاخرة أو دليل على وجود الله و عظمته ، ليتنبه الفكر ، و يظل مستيقظًا للحقيقة الكبرى التي تطوف بها جميع المعاني و الأبحاث .

و لو أن القرآن اتبع في عرض معانيه ، هذا الذي يسلكه الناس في تآليفهم و أبحاثهم ، فأفرد فصولاً خاصة لعرض الأحكام و التشريع ، ثم ميز فصلاً آخر للقصص ، و جاء بفصل ثالث في وصف المغيبات كالجنة و النار و هكذا ... لو درج القرآن على ذلك لفات تحقيق الغرض الذي ذكرناه ، و لما أمكن أن تكون هذه الفصول المتناثرة انعكاسًا لمعنى كلي واحد تشترك في بثه و التوجيه إليه ، و لئن أمكن أن يتذكر القارئ ذلك في تمهيد أو في فصل من الفصول فلسرعان ما ينساه عندما يستغرق في قراءة أو دراسة الفصول الأخرى . و إن هذا الذي نقول ، ليس من الحقائق المستعصية أو الخافية على من يصدق التأمل و النظر في كتاب الله تعالى . انتهى الاقتباس

نفهم من هذا الكلام أن المقصود من القرآن هو تقرير أمور الدين من توحيد و عبادات و معاملات و ثواب و عقاب ، و هذه المقاصد لم ترتب في القرآن حسب اتحاد موضوعاتها و لكنها مفرقة في السور ة ممزوجة ببعضها البعض ، فالقصد الأول تهذيب النفوس ، و إعدادها لحياة أبدية سعيدة ، و تنظيم الروابط بين الناس ، و توجيههم لله وحده ، يحيون له ، و يعملون بأمره ، و يستمدون منه .. و حول ذلك كله يدور إيراد المعلومات الأخرى .

و يؤيد هذا ما يعترض بعض الآيات أو يرد في نهايتها تذييلاً لحكم أو أحكام للتذكير بالله ، و التسليم له ، و التعريف بسننه ، و الحث على الأخلاق الفاضلة ، و التنبيه لفعل الخير ، و التذكير بالآخرة . و ما أعد الله للمحسنين و المسيئين من ثواب ، و للمسيئين من عقاب ، و من أمثلة ذلك :
قوله تعالى { و أنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة و لا ولدًا } فالجملة الاعتراضية هنا تعني جلت عظمة ربنا فهو تنزيه لله سبحانه عن اتخاذ الولد و الصاحبة .
و قوله { و نبلوكم بالشر و الخير قتنة و إلينا ترجعون }
و قوله { و قدموا لأنفسكم و أتقوا الله و اعلموا أنكم ملاقوه و بشر المؤمنين }

و من امثلته أيضًا الانتقال من الشئون الدنيوية إلى التذكير بالله و اليوم الآخر لتلتفت القلوب من التفكير في متاع الدنيا الزائل إلى نعيم الآخرة الدائم . و بذلك يجذبها من شواغلها المادية ليوجهها إلى طلب الحق و الاستعداد للقاء الله .

{ و جعل لكم من الفلك و الأنعام ما تركبون . لتستووا على ظهورهم ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه و تقولوا سبحانه الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون }
نبه بالسفر الحسي إلى السفر إليه تعالى ، و نقل القارئ من التفكير في الرجوع للأهل إلى التذكير بالرجوع إلى الله .

{ قال هذا رحمة ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكًا و كان وعد ربي حقًا }
لما أتم ذو القرنين بناء السد شكر الله و ذكر أن للسد مع متانته أجلاً ينتهي فيه ككل مخلوق ، فانتقل إلى التذكير بالوعد الحق و هو قيام الساعة و زوال كل ما على الأرض فقال "و كان وعد ربي حقًا" .

{ فرددناه إلى أمه كي تقر عينها و لا تحزن و لتعلم أن و عد الله حق و لكن أكثرهم لا يعلمون }
أي و لتعلم أن وعده تعالى برده إليها حق و هو وعده السابق لها في قوله { إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين } و التقدير و لكن أكثرهم لا يعلمون أن وعده حق و المراد وعده تعالى بالبعث .

{ و الخيل و البغال و الحمير لتركبوها و زينة و يخلق ما لا تعلمون . و على الله قصد السبيل و منها جائر }
و المعنى إلى الله السبيل القاصدة المستقيمة و هي طريق الشرع أما غيرها من طرق الشيطان فجائر محفوف بالمخاطر .

{ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج و ما تفعلوا من خير يعلمه الله و تزودوا فإن خير الزاد التقوى }
انتقل من الاجتماع العالمي الحاشد و التزود له بالمأكل إلى التذكير بالحشر و التزود له بالتقوى .

{ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم و ريشًا و لباس التقوى ذلك خير }
ذكر زينة الظاهر باللباس ، ثم لفت النظر لخير ما يتجمل به المؤمن و هو زينة الباطن بالتقوى .

{ و الاتي تخافون نشوزهن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع و اضربوهن فإن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان عليًا كبيرًا }
نقل القارئ من ظنة السيطرة و الاستعلاء لدى الزوج إلى تذكيره بأن عليه رقيبًا أعلى و أكبر .

و لا ننس أن نختم كلامنا بالحديث عن مكانة هؤلاء المستشرقين المعادين للقرآن ، يقول عباس العقاد في (الإسلام دعوة عالمية) ص173 :
و هناك أوهام كثيرة أشاعها المستشرقون بسبب تفسيراتهم الخاطئة لكثير من أمور اللغة و الدين . و منها ما كتبه بعض المستشرقين تفسيرًا لاسم أبي بكر رضي الله عنه من أنه "أبو العذراء" !!
و منها ما قالوه في تفسير لمعنى "القصيد" من أنه المقصود !!
و منها أيضًا ما تورط فيه ذلك المستشرق من خطأ معيب في تفسيره لقوله تعالى : { و ترى الملائكة حافين من حول العرش } .
بقوله : "أي بدون أحذية" !!
ذلك أنهم على غير علم دقيق باللغة العربية ، و ليس هذا غريبًا فهم لا يفهمون أدب أمتهم و لا يجيدون معرفة هذا الأدب في لغتهم . فمن باب أولى ألا يحسنوا فهم الأدب العربي ! و قد كانت لهم مكانة أكثر مما يستحقون حتى وقفنا أمامهم و وضعناهم في موضعهم !
انتهى الاقتباس

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .