المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أجامعة تريدونها أم كُتّابًا



أ.د. أبو أوس الشمسان
04-06-2009, 01:05 PM
يصاحب الحديث عن الجودة في تعليم الجامعة أن يجري النقاش حول ذلك التعليم وأخص بهذا قسم اللغة العربية؛ إذ يركز على أنّ هذا التعليم لا يلائم السوق فهو لا يخرّج طلابًا يحسنون الأعمال في القطاع الخاص، وهم يشيرون أيضًا إلى أنّ هذا القسم لا يفلح في تعليم طلابه المهارات اللغوية. والذين يذهبون إلى هذا ينسون مسألة مهمة وهي أنّ لغة السوق ليست اللغة العربية، فليس ينفع هذا السوق أن تخرج طالبًا أنحى من سيبويه ولا أجمل ترسلا من عبد الحميد، وما يفعل بطالب يجيد تحليل النص؟ والذين يحسون ضعف مهارات الطلاب يرون أن على القسم أن يركز اهتمامه على إذكاء تلك المهارات، وهم يغفلون عن أنّ تلك المهارات هي موضوع اثني عشر عامًا يسلخها الطالب من عمره قبل الدخول في الجامعة، أما قسم اللغة العربية فليس معهدًا لتعليم المهارات اللغوية الأولية بل هو قسم مهمته الأولى تعليم علوم اللغة العربية وآدابها، وهي علوم لا ينبغي أن يتعلمها من الطلاب سوى من اكتملت مهاراته وأضحى مستعدًّا لتلقي هذه العلوم ليعرف مصطلحاتها وطرائق التفكير فيها وتاريخها ورجالاتها وأمّات الكتب التي فصلتها، وهو بحاجة إلى معرفة عميقة بأدب العربية في أحقابها المختلفة ليقف على نفائس النثر والأشعار فيها وألوان تطور أساليبها، وهو إلى ذلك محتاج إلى تعرف جوانب البلاغة فيها والتدرب على الكشف عن مواطن الجمال في هذه اللغة الشريفة. وللنقد تاريخ قديم ليس يسهل الوقوف عليه وله امتداد وتنوع حاضر، ومن العلوم اللغوية ما هي مجتلبة من ثقافات أخرى كالعلوم اللسانية الحديثة والمذاهب النقدية الجديدة وهي من الثراء والعمق بمكان لا يُقارب إلا بمشقة وعنت وكد ونصب.
قد تكون هذه العلوم اليوم مرغوبًا عنها في عرف السوق، ولكن الخطر في أن يكون السوق هو المخطط لكيفيات تحصيل العلوم، ولست أنكر على السوق أن يطلب ما أراد ولست أمنع أن يجاب إلى ما أراد، ولكن الحل ليس في ترك تعليم العلوم المتخصصة، بل تهيئة المعاهد التي ترعاها الجامعة إن شاءت لتعلم وفاق حاجة السوق وعلى السوق أن يساهم في التدريب والتعليم التطبيقي. وأما القسم الذي يعلم علوم العربية وآدابها فهو قسم ينبغي أن يخصص لمن أراد تعلم هذه العلوم من غير التفات إلى حاجة السوق أو هوى العمل. ولم يفسد التعليم في رأيي شيء أكثر من كونه سلّمًا للتوظف وكسب العيش.
قد لا يكون لعلوم العربية وآدابها وظيفتها الظاهرة في حياة الناس ظهورَ العلوم الطبية والهندسية وأمثالها؛ ولكنها عميقة الأثر في الحياة من حيث صلتها باللغة نفسها الممثلة لهوية الأمة المكتنزة تاريخها المصورة طبائعها الكاشفة عن سماتها المميزة لها من غيرها، وهي عميقة الأثر من حيث صلتها بالفكر نفسه فهي ترجمانه بل آلته التي لا يكون إلا بها، وللعربية خصوصية تتعدى حاجة العرب إلى المسلمين بعامة فهي لغة القرآن التي بها يفهم وبها يتعبد، ومهما ترجمت معانية ترتد الأعين حسيرة عن تلك الترجمات فلا تجد بغيتها إلا باللسان العربي المبين، وأنى يدرك هذا البيان إلا بتحصيل علومه التحصيل القويم. وإن تكن كيفية تعليم علوم العربية مرتفعة عن مستوى التعليم المهاري فهي التي تقف وراء ذلك التعليم تغذوه بحسن التفسير وجميل التيسير، وما التخلي عن تعليم أصول العلوم العربية والاكتفاء بيسير المهارات إلا رجعة بالجامعة التي تزوي العلوم إلى ما قد يوازي الكُتّاب.

فارس أبوجواد
04-06-2009, 01:35 PM
جزاك الله كل الخير
وزادنا من علمك

أبو لين
04-06-2009, 02:23 PM
نعم شيخنا الكريم ..
كيف للبناء أن يصمد إذا كانت قاعدته هشة لا تتحمل ؟!
يريدون منه أن يتقن فنون العربية كلها في وقت وجيز , وهو ليس لديه أساس أصلا .

بوركت أيها النحرير , ولا حرمنا الله من علمكم .

بالمناسبة شيخنا نحن ننتظرك بشغف في غرفة هتاف الصوتية لعلوم اللغة العربية فهلا أكرمتنا بزياراتك .

أمة الله الواحد
04-06-2009, 02:54 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة لك أ.د. أبا أوس الشمسان
واسمح لي بكتابة ما أثاره حرف سيادتكم من أفكار زاحمت عقلي أثناء القراءة وما مجيئها إلا بسبب حثّ مقالكم على استخراج ما لديّ من مخزون تراكمي يخص ما طرحتموه .

سأتحدث عن كليتي التي تخرجت فيها وهي كلية التربية ، قسم اللغة العربية ، وقد كانت مدة الدراسة فيها أربع سنوات ، وكنا ندرس مواد أكاديمية بالإضافة إلى المواد التربوية ، وكان رجالات التعليم من قبل ينادون بوجوب أن تكون مدة الدراسة في كليات التربية خمس سنوات وليس أربع سنوات لهدف وهو محاولة المساواة بين طلاب كلية الآداب الذين يدرسون نفس المواد الأكاديمية التي ندرسها ولكن بدون المواد التربوية وبين طلاب كلية التربية الذين يدرسون موادا أكاديمية مع المواد التربوية مما يجعل طلاب الآداب في النهاية أكثر هضما للمواد الأكاديمية عن غيرهم من طلاب التربية .

ولكني وجدت بعد ما تخرجت أن الطالب الدارس لعلوم اللغة العربية سواء أكان منتسبا لكليات التربية أم كليات الآداب أم حتى كلية دار علوم فإن مدة الدراسة التي تكفيه لكي يستوعب كل هذه العلوم التي تزخر بها اللغة العربية يجب ألا تقل عن سبع سنوات بأي حال من الأحوال مثله مثل طالب كلية الطب ، بل لعلّي أبالغ إن قلت إن وجوب التخصص في الكليات التي تــُدَرّس اللغة العربية أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار ويجب الاحتذاء فيه أيضا بكليات الطب التي يتخصص فيها الطالب في أقسامها المختلفة ، فهناك ميول وهناك فروق فردية بين الطلاب ، وكما كان علماؤنا الأجلاء قديما فيهم من برع في الفقه فقط وآخر برع في النحو فقط وثالث برع في الحديث فقط ورابع برع في الكلام فقط فلم ينقص هذا من شأنهم شيئا ولم يكن دليلا على ضآلة زادهم أو قلة علمهم ولكنه أعطى الأجيال التي جاءت بعدهم ما أعطاه لهم من أمهات كتب نتدارسها حتى الآن ونستمد منها علوم لغتنا ، فلماذا لا ينظر إلى هذا الأمر القائمون على أقسام اللغة العربية و القائمون على التعليم الجامعي فيعمدون إلى إعطاء طلاب اللغة العربية علومها الأساسية و أبجدياتها المعرفية في السنوات الجامعية الأولى ثم ينشئون أقساما للنقد والنحو والبلاغة والأدب وغيرها يدخلها الطلاب فيتخصصون فيها أثناء سنوات الجامعة ولا أقصد الدراسات العليا و يتعهدهم الأساتذة فيها بمزيد من العناية لأنهم سيكونون صفوة الصفوة بل سيكونون رعاة علوم العربية لأنهم دخلوا هذه الأقسام برغبتهم فتتكثف الدراسة ويتخصص الطالب بدلا من أن يتشتت مجهوده في مدراسة علوم كثيرة في فترة زمنية قصيرة ثم يخرج منها خالي الوفاض إلا من قشور .

بل ربما أمر التخصص سيخدم السوق فيما بعد ، فحينها سيجد السوق تخصصات مختلفة تخدمه في قطاعات مختلفة ، وسيكون هناك تبادل منفعة بين الطرفين ، ولن ينزوي أحدهما عن الآخر وينفصل عن مجتمع البشر الذين يحتاجون إلى المُبادلة في كافة أمور حياتهم .

وبالنظر إلى استراتيجيات الدول الغربية في السعي بكل ما أوتيت من قوة لهدم الكيان الإسلامي والعربي سنجد أن نظام التعليم في دولنا يسير من سيء إلى أسوأ سنويا بل وربما شهريا ، فما بين تغيير مخططات ووزارات ووزراء لا يهمهم أمر التعليم في شئ ولكن يهمهم أن يفسدوه لانتبهنا إلى أن استمرار استمالة الطلاب إلى دراسة اللغة العربية وعلومها أمر يكاد يشبه الجهاد .


إذا أذنت لي بكتابة جملتين تذكرتهما الآن عن محاولة الغرب تغريبنا عن عربيتنا فقد قال أحد اليهود : " هناك من العرب- دون أن يدروا- من يُسدي إلينا خدمات أكثر من عملائنا المأجورين" . وقال أحد المستشرقين الغربيين " لا ضمان لبقاء حضارة أوروربا مادام الإسلام قائمًا في قلوب أتباعه ولغتهم القومية تنبض بالحياة " .


لا أخشى شيئا على اللغة العربية فهي لغة كتاب الله وقد تعهد الله بحفظه إلى قيام الساعة وبُناءً عليه سيحفظ لغته التي أنزله بها ولا أخشى شيئا كذلك على أتباع الإسلام فالهدى هدى الله لكني أسأل لماذا لا نُيَسّر الأمر على أنفسنا مادام بأيدينا ؟ ولماذا نكلف أنفسنا فوق وسعها مادام نستطيع أن نأخذ منه ما يفيدنا ويُبقيه لنا كذلك ؟

لا نريد الاكتفاء بيسير المهارات والتخلي عن أصول علوم اللغة لكننا نريد الوسطية التي تجعلنا ممسكين بالدفة في أيدينا في نهاية الأمر ، إن كان الطلاب قديما نبغوا في علوم العربية فهذا لأنهم درسوا هذه العلوم منذ سنوات طفولتهم الأولى إلى أن أصبحوا شبابا ثم أكملوا مسيرة العلم ، ولكن الآن فإن الطالب يدرس منذ أعوام المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية قدرا معلوماتيا كبيرا مختلفا من العلوم بشتى أنواعها و تشغل علوم اللغة العربية فيه النذر اليسير فضلا عن ضعف المناهج وضعف التحصيل لدى الطالب لأنه خــُلق لزمان غير زمان آبائه ، ثم يلتحق بالجامعة فيجد علوما كثيرة تصب في نهر العربية والمطلوب منه أن يدرسها ويقف عليها جميعها في مدة أربع سنوات وهو في أصله لا يعرف منها إلا واحداة أو اثنتين على الأكثر ويعرفها بسطحية تامة وعدم إلمام .

نريدها جامعة ونريدها كُتابا ونريد نظرة أخرى لنظام التعليم الجامعي في ظل تحديات تواجه شباب هذه الأمة ولا يهتم بها القائمون على التعليم بأي حال من الأحوال مما أحدث فجوة بلغ قطر دائرتها عشرات الأميال بيننا وبين علمائنا السابقين حين كانوا طلابا صغارا يطلبون العلم .

أ.د. أبو أوس الشمسان
05-06-2009, 12:30 PM
جزاك الله كل الخير
وزادنا من علمك
أخي الحبيب فارس أبوجواد
أسعدك الله وجزاك خيرًا، أشكرك لقراءتك وتعبيرك عن رضاك وثقتك.

أ.د. أبو أوس الشمسان
05-06-2009, 12:37 PM
نعم شيخنا الكريم ..
كيف للبناء أن يصمد إذا كانت قاعدته هشة لا تتحمل ؟!
يريدون منه أن يتقن فنون العربية كلها في وقت وجيز , وهو ليس لديه أساس أصلا .

بوركت أيها النحرير , ولا حرمنا الله من علمكم .

بالمناسبة شيخنا نحن ننتظرك بشغف في غرفة هتاف الصوتية لعلوم اللغة العربية فهلا أكرمتنا بزياراتك .
أخي الحبيب أبا لين حفظه الله
أشكرك لما سطرته أناملك من كلمات صادقة.
أما دعوتك الكريمة إلى غرفة هتاف فقد سبق أن دعاني إليها أخي الحبيب خالد المغربي وزرتها مستمعًا واكتشفت أنه لا طاقة لي بها فلست مؤهلا لها فالعذر منكما عن ذلك.

أ.د. أبو أوس الشمسان
05-06-2009, 12:50 PM
الأحت العزيزة الأستاذة نور القمر
أحمد الله أن ما كتبته لقي صداه لديك وبعث على الإفاضة في الحديث عن المشكلة بيانًا لهم مشترك والتماسًا لناجع حل. وأنا معك في كل ما تفضلت ببسطه وبيانه، والدليل على ما تعانيه العلوم اللغوية من المزاحمة أن هذه المشكلة باتت عالمية، ولكنها أشد وأخطر بين ظهرانينا لما نجده من جحود أبناء العربية وانصرافهم عنها انصرافًا شديدًا ومباهاتهم بما تلوكه ألسنتهم من رطانة بلغات أخرى ليسوا يتقنونها حق إتقانها وإن توهموا ذلك.
نحن بلا جدال بحاجة إلى إتقان المهارات اللغوية في المراحل العمرية الأولى حتى إذا تخصص الطالب في الدراسات اللغوية كان له من أمر تحصيله شأن آخر يفارق ما ألفه من تعلم تلك المهارات السابقة.
وفقك الله إلى كل خير وتقبلي تحياتي.

ولادة الأندلسية
05-06-2009, 01:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع رائع ، ونقاش أخوضه مع كثير ممن هم حولي،فكثيرا مايبكي قلبي لما هي عليه اللغة العربية اليوم، من هجر وجحود من أبنائها ،وسوء في نظمنا التعليمية، ولنا العزاء في أمثال الفصيح، والوراق ،وهِتاف الرائعة التي سلبت عقولنا وخبلت ألبابنا.

عطوان عويضة
05-06-2009, 07:39 PM
جزاك الله خيرا أستاذنا المفضال. وزاد من أمثالك الحريصين على عز لغتهم.
ورحم الله حافظ إبراهيم إذ يقول:
أرى لرجال الغرب عزا ومنعة *** وكم عز أقوام لعز لغات.
كان جورج بوش لا يحسن نطق بعض الكلمات في كلامه أحيانا فجعلوه مادة للتندر والتفكه بل وتعليم اللغة. أذكر أن مررت على موقع لتعليم الإنكليزية، عن طريق تصحيح أخطاء جورج بوش. أما عندنا فنجد الكثير من أصحاب الرأي ممن لا يحسنون العربية، بل من يتعمد إظهار جهله بها ليظهر للناس أنه غربي اللسان والتعليم.
وكم ذا (لدينا) من المضحكات *** ولكنه ضحك كالبكا

أ.د. أبو أوس الشمسان
06-06-2009, 02:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع رائع ، ونقاش أخوضه مع كثير ممن هم حولي،فكثيرا مايبكي قلبي لما هي عليه اللغة العربية اليوم، من هجر وجحود من أبنائها ،وسوء في نظمنا التعليمية، ولنا العزاء في أمثال الفصيح، والوراق ،وهِتاف الرائعة التي سلبت عقولنا وخبلت ألبابنا.
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. إن لغة محيدة عن العمل والتعليم التطبيقي وتكاد تكون لغة ثانية في بلادها لن تجد سوى الجحود والنكران، والغريب أن بلاد الخليج يفكرون بمجمع لغوي. فلأي غرض هذا؟
أشكرك لنبل مقاصدك وحسن التعبير عنها والله المستعان.

أ.د. أبو أوس الشمسان
06-06-2009, 02:58 AM
جزاك الله خيرا أستاذنا المفضال. وزاد من أمثالك الحريصين على عز لغتهم.
ورحم الله حافظ إبراهيم إذ يقول:
أرى لرجال الغرب عزا ومنعة *** وكم عز أقوام لعز لغات.
كان جورج بوش لا يحسن نطق بعض الكلمات في كلامه أحيانا فجعلوه مادة للتندر والتفكه بل وتعليم اللغة. أذكر أن مررت على موقع لتعليم الإنكليزية، عن طريق تصحيح أخطاء جورج بوش. أما عندنا فنجد الكثير من أصحاب الرأي ممن لا يحسنون العربية، بل من يتعمد إظهار جهله بها ليظهر للناس أنه غربي اللسان والتعليم.
وكم ذا (لدينا) من المضحكات *** ولكنه ضحك كالبكا
أهلا بك أبا عبدالقيوم وجزاك ألف خير لحضورك المفرح.
ورحمك الله يا حافظ رحمة واسعة، أهمك الأمر في ذلك الزمان فاستنطقت اللغة فكيف ستقول لو نشرت اليوم بيننا فرأيت من حال العربية أضعاف ما هالك في زمنك. اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسالك اللطف فيه.