المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : رثاء النفس في الشعر الجاهلي



أديب طيئ
14-06-2009, 10:44 PM
رثاء النفس هو البكاء والحزن عليها عندما يتيقن الراثي ( المرثي) بدنو أجله, وانقطاع أمله.
وهو -عندي- من أفضل ألوان الرثاء-إن لم يكن أفضلها- على الإطلاق,وذلك لما يبرز في شعره من صور بلاغية, وقِيمٍ
جمالية, وعاطفة حزينة, وشعور صادق, فالراثي هنا هو المرثي وأي شيءٍ يكون أحبُّ من النفس؟!! ولذلك نجد أنَّ قصائد هذا النوع أو اللون من الرثاء قد سارت بها الرُّكْبَان, وأنشدها الأدباء على مرِّ العصور والأزمان, فصارت وشاحًا وعقدًا تُزيِّنُ به كثيرًا من كتب الأدب القديمة منها والحديثة, ولعلنا نذكر منها نماذج في هذا العصر(العصر الجاهلي) لنُطلع القارىء عليها ونُروي بعض ظمأه,


•ابن حذَّاق يرثي نفسه:-

قال ابن قتيبة: بلغني أنَّ أول مَنْ بكى على نفسه وذكر الموت في شعره: يزيد بن حذَّاق فقال:- (1)


هَلْ لِلْفَتَى مِن بَناتِ الدَّهْرِ مِن رَاقِي=أمْ هَل لهُ مِن حِمام الموتِ مِن وَاقِي (2)
قدْ رجَّلونِي ومَا بالشَّعر مِن شَعَثٍ=وألْبَسُونِي ثِيابًا غيرُ أخْلاقِ
وطيَّبُوني وقَالوا أيُّما رَجُلٍ=وأدْرَجُونِي كَأني طَيُّ مِخْرَاقِ(3)
وأرْسَلُوا فِتيةً مِن خَيْرِهم حَسَبًا=ليُسنِدوا في ضَرِيحِ القَبْر أطْبَاقِي(4)
وقسَّمُوا المَال وارفضَّت عوائدُهُم= وقَال قَائِلُهُم مَات ابْنُ حَذَّاقِ
هوِّنْ عَليكَ ولا تُولع بإشفاقٍ= فإِنَّما مَالُنا لِلْوَارثِ البَاقِي
--------------------------------------------------

•امرؤ القيس يرثي نفسه:-

عندما عاد امرؤ القيس من بلاد الروم منصرفًا عن قيصر ملك الروم,بعدما أعطاه حُلَّةً مسمومة , فلَّما وصل إلى أنقره لبسها فتقطع جلده وهلك, وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة قال: (5)


لَقدْ دَمَعتْ عَيْنَايَ فِي القَرِّ والقَيْظِ=وهلْ تدمعُ العَينانِ إِلاَّ مِن الْغيظِ
فلَّمَا رَأيتُ الشَّرَ ليسَ بِبَارِحٍ=دَعَوتُ لِنَفْسِي عِندَ ذَلكَ بِالْفيظِ

وقال أيضًا قبل ذلك حينما رأى قبر امرأةٍ في سفح جبل عسيب الذي مات عنده: (6)


أجَارتنَا إنَّ الخُطُوبَ تنوبُ=وإني مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ
أجَارتنَا إنَّا غريبانِ هَهُنَا= وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ
فإن تصِلِينا فالقرابة بيننا=وإن تصرمينا فالغريبُ غريبُ
أجَارتنَا ما فاتَ ليسَ يَؤُوبُ=ومَاهو آتٍ في الزَّمانِ قَريبُ
وليس غريبًا مَنْ تناءت دِيارُهُ=ولكنْ مَنْ وَارَى التُّراب غريبُ

-------------------------------------------------

•طرفة بن العبد يرثي نفسه:-

قال طرفة بن العبد وهو في سجنه ينتظر القتل بعدما سجنه والي البحرين بأمرٍ من ملك الحيرة عمرو بن هند, وذلك عندما بعث بكتابين لطرفه وخاله المُتَلَّمِس, وفيهما أمرٌ بقتلهما, فنجا خاله بعدما طلب من غلام أن يقرأ له ما في الكتاب, ولكن طرفة أصرَّ على أن يذهب لوالي البحرين ظانًّا أن ملك الحيرة أمر والي البحرين أن يعطيهما الجوائز, ولم يجعل الغلام يقرأ له كتابه, وعندما وصل إلى البحرين سجنه الوالي وأمر بقتله, فقال قبل قتله :- (7)


ألا اعتزليني اليوم خولة أو غُضِّي= قفد نزلتْ حدباءُ مُحكمة القبضِ
أزالتْ فؤادي عن مقر مكانهِ=وأضحى جَناحي اليومَ ليسَ بِذي نهضِ
وقد كنتُ جلدًا في الحياة مُدَرَّئًا=وقد كنتُ لبَّاس الرجال على البُغضِ
وإني لحلوٌ للخليلِ وإنني=لمُرٌّ لذي الأضغانِ أُبدي لهُ بُغضي
ولا تَعْدِليني إنْ هَلكتُ بعاجزٍ=مِنَ النَّاس مَنقوضَ المَريرة والنقضِ

----------------------------------------------------

•رثاء عبد يغوث لنفسه قبل موته:- (8)

لمَّا أسرتْ بنو تيم عبدَ يغوث, وذلك في يوم الكُلاب عندما وقعت الحرببين بني تيم وقوم عبد يغوث في أيام الجاهلية, وكان عبد يغوث فارسًا وشاعرًا, فشدُّوا على لسانه نسعة(9) خوفًا من أن يهجوهم قبل موته, فقال لهم: إنكم قاتلي ولا بُدّ, فدعوني أذمُّ أصحابي وأنوح على نفسي, فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا, فعقد لهم أن لا يفعل. فأطلقوا لسانه وأمهلوه حتى قال قصيدته المشهورة الرائعة:- (10)


ألا لا تَلوماني كَفى اللَومَ ما بِيا =وَما لَكُما في اللَومِ خَيرٌ وَلا لِيا
أَلَم تَعلَما أَنَّ المَلامَةَ نَفعُها =قَليل وَما لَومي أَخي مِن شمالِيا
فَيا راكِباً إِمّا عَرَضتَ فَبَلَّغَن =نَدامايَ مِن نَجرانَ أَن لا تَلاقِيا
أَبا كَرِبٍ و َالأَيهَمَينِ كِلَيهِما =وَقَيساً بِأَعلى حَضرَ مَوتَ اليَمانِيا
جَزى اللَهُ قَومي بِالكُلابِ مَلامَةً =صَريحَهُم وَ الآخَرينَ المَوالِيا
وَلَو شِئتُ نَجَّتني مِنَ القَوْمِ نَهدَةٌ =تَرى خَلفَها الحُوَّ الجِيادَ تَوالِيا
وَلَكِنّني أَحمي ذِمارَ أَبيكُم =وَكانَ الرِماحُ يَختَطِفنَ المُحامِيا
وَتَضحَكُ مِنّي شَيخَةٌ عَبشَمِيَّةٌ =كَأَن لَم تَرى قَبلي أَسيراً يَمانِيا
وَقَد عَلِمَت عَرسي مُلَيكَةُ أَنَّني =أنا اللَيثُ مَعدُوّاً عَلَيَّ وَعادِيا
أَقولُ وَقَد شَدّوا لِساني بِنِسعَةٍ =أَمَعشَرَ تَيمٍ أَطلِقوا عَن لِسانِيا
أَمَعشَرَ تَيمٍ قَد مَلَكتُم فَأَسجِحوا =فَإِنَّ أَخاكُم لَم يَكُن مِن بَوائِيا(11)
فَإِن تَقتُلوني تَقتُلوا بِيَ سَيِّداً =وَإِن تُطلِقوني تَحرُبوني بِمالِيا
وَكُنتُ إِذا ما الخَيلُ شَمَّصَها القَنا =لبيق بِتَصريفِ القَناة بنَانِيا
أَحَقّاً عِبادَ اللَهِ أَن لَستُ سامِعاً =نَشيدَ الرُعاءِ المُعزِبينَ المَتالِيا
وَقَد كُنتُ نَحّارَ الجَزورِ وَمُعمِلَ الـ =ـمطيَّ وأمضي حيث لاحيَّ ماضيا
وَأَنحَرُ لِلشَربِ الكِرامِ مِطِيَّتي =وَأَصدَعُ بَينَ القَينَتَينِ رِدائِيا
وَعادِيَةٍ سَومَ الجَرادِ وَزَعتُها =بِكَفّي وَقَد أَنحَوا إِلَيَّ العَوالِيا
كَأَنِّيَ لَم أَركَب جَواداً وَلَم أَقُل =لِخَيلِيَ كُرّي نَفِّسي عَن رِجالِيا
وَلَم أَسبَإِ الزِقَّ الرَوِيَّ وَلَم أَقُل =لِأَيسارِ صِدقٍ أَعظِموا ضَوءَ نارِيا

-----------------------------------------------------



الهامش:-

(1)ابن قتيبة, الشعر والشعراء (ج1, 386), وفي الأوئل لأبي هلال العسكري ص:14 ببعض الإختلاف في صدر البيت الثاني.
(2)بنات الدهر: حوادثه ومصائبه.
(3)مخراق: منديل أو ثوب يُلف ثم يُضرب به.
(4)الأطباق: فِقار الظهر.
(5)ديوان امرىء القيس ص:128
(6)ديوان امرىء القيس ص:29
(7)عبد المعين الملوحي, الشعراء الذين رثوا أنفسهم قبل الموت ص:27.
(8)ذكرتُ هذه القصة على سبيل الإيجاز ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى العقد الفريد(ج6, 71-75).
(9)النسعة: سير عريض تُشد به الحقائب والرحال.
(10)ابن عبد ربه, العقد الفريد(ج6, 74-75), وفي ذيل الأمالي لأبي علي القالي ص:115 ببعض الإختلاف.
(11)أسجحوا: ارفقوا.



إعداد
أديب طيء

النابغة الحضرمي
15-06-2009, 08:43 PM
جميلٌ ما أتحفتنا به أيها الأديب الطائي..
حقاً رثاء النفس هو أصدق الشعر..

تقبّل مروري, وشكراً جزيلاً لك.

الأديب اللبيب
16-06-2009, 01:14 AM
أحسنت أديب طيء ، موضوع رائع بالفعل .
بارك الله فيك .

طارق يسن الطاهر
16-06-2009, 05:51 AM
أحسنت -نقلا-أخي أديب طيء
وجزاك الله خيرا

أديب طيئ
16-06-2009, 11:52 AM
جميلٌ ما أتحفتنا به أيها الأديب الطائي..
حقاً رثاء النفس هو أصدق الشعر..

تقبّل مروري, وشكراً جزيلاً لك.


أهلًا بك أخي الفاضل/ النابغة الحضرمي

الجميل هو مرورك وتعليقك على موضوعي,,
فلا عدمتُ تواجدك

أديب طيئ
16-06-2009, 11:56 AM
أحسنت أديب طيء ، موضوع رائع بالفعل .
بارك الله فيك .

أهلًا أخي الكريم/ الأديب اللبيب

الأروع هو تواجدك في متصفحي...

حفظك الله وأدامك...

أبوزيد الهلالي
16-06-2009, 02:27 PM
أديب طيء...
أطال الله في عمرك- أولاً-..
وثانيــًا: أختلف معك في رأيك بأن أجود أنواع الرثاء هو رثاء النفس؛ وذلك لأن ما يزين القصيدة الرثائية، هي إضفــاء الصفات الحسنة لذلك المرثي، وتصوير الحال بعد فقده، وهذا لن يتوفر عند من يرثي نفسه، وإن مدح نفسه ، فلن يقبل منه كما يقبل ممن يرثيه، وإن صدق فيمــا قال ، إلا أنه سيظل صدقــًا قبيــحًــا.
أخي أديب طيء، أنا في شوق لمعرفة رأيك فيمـا قلت..
دمت كما أنت أديبــا عزيزًا كريمـًا..

أديب طيئ
16-06-2009, 06:09 PM
أحسنت -نقلا-أخي أديب طيء
وجزاك الله خيرا

أهلًا بالأخ الفاضل/ يسن الطاهر

ولاعدمت اطلالتك الرائعة

حفظك الله وأدامك..

أديب طيئ
16-06-2009, 07:27 PM
أديب طيء...
أطال الله في عمرك- أولاً-..
وثانيــًا: أختلف معك في رأيك بأن أجود أنواع الرثاء هو رثاء النفس؛ وذلك لأن ما يزين القصيدة الرثائية، هي إضفــاء الصفات الحسنة لذلك المرثي، وتصوير الحال بعد فقده، وهذا لن يتوفر عند من يرثي نفسه، وإن مدح نفسه ، فلن يقبل منه كما يقبل ممن يرثيه، وإن صدق فيمــا قال ، إلا أنه سيظل صدقــًا قبيــحًــا.
أخي أديب طيء، أنا في شوق لمعرفة رأيك فيمـا قلت..
دمت كما أنت أديبــا عزيزًا كريمـًا..


أهلًا بك أخي أبا زيد

وأطال الله في عمرك,, أخي لوكان الأمر كما قلت لَمَا ذاع صيت قصائد رثاء النفس عند القدماء والمحدثين كقصيدة عبد يغوث:


ألا لا تلوماني كفى اللوم مابيا=وما لكما في اللوم خيرٌ ولا ليا

وقصيدة مالك بن الريب:


ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة= بجنب الغضا أُزجي القلاص النواجيا


وقصيدة ابن زريق البغدادي:



لا تعذليه إن العذل يُوجعهُ=قد قلتِ حقًّا ولكن ليس يسمعهُ

ولو استعرضنا جميع القصائد لطال بنا المقام,,,ولكن أخي أنا قلت في أول الموضوع:(وهو -عندي- من أفضل ألوان الرثاء-إن لم يكن أفضلها-) فقلت (عندي) وقد يكون عند الغير ليس بأفضل ألوان الرثاء, وهذا رأيك وأنا أحترم ما قلت والكل منا مقتنعًا بما يقول,,

أمَّا قولك:(وذلك لأن ما يزين القصيدة الرثائية، هي إضفــاء الصفات الحسنة لذلك المرثي، وتصوير الحال بعد فقده، وهذا لن يتوفر عند من يرثي نفسه، وإن مدح نفسه ، فلن يقبل منه كما يقبل ممن يرثيه، وإن صدق فيمــا قال ، إلا أنه سيظل صدقــًا قبيــحًــا).
فأنت قد أشرت إلى أمرين : مدح الراثي لنفسه وهو المرثي, والأمر الآخر: تصوير حاله بعد فقده.
أمَّا مدحه لنفسه فمعظم الشعراء قد مدحوا أنفسهم سواء عند مماتهم أو في حياتهم, ألا ترى قول المتنبي:



أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي= وأسمعت كلماتي من به صممُ
الخيل والليل والبيداء تعرفني=والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

وقوله:


وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ=فهي الشهادة لي بأني كاملُ

والكل يتغنى بهذه الأبيات ولم تُفقدها قيمتها بالرغم من أن المتنبي قد مدح نفسه,

أما الأمر الآخر: وهو( تصوير الراثي(المرثي) حاله بعد فقده), فلا يمكن أن يكون تصوير حال شخص آخر أصدق شعورًا أو أبلغ عاطفة عندما يصور الشخص حاله وما قد يحصل له,, ألا ترى قول مالك بن الريب:


تذكرتُ من يبكي علي فلم أجد=سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر خنذيذ يجرُّ عنانه=إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا

ويبقى رأيك أخي محل تقدير واحترام,,, وأشكرك على مداخلتك الرائعة...

أدامك الله وحفظك...

عامر مشيش
16-06-2009, 11:12 PM
بارك الله فيك أديب طيء
في هذا الرابط قريب مما ذكرت
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=36053&highlight=%D1%CB%EC+%E4%DD%D3%E5

أديب طيئ
18-06-2009, 11:21 AM
بارك الله فيك أديب طيء
في هذا الرابط قريب مما ذكرت
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=36053&highlight=%d1%cb%ec+%e4%dd%d3%e5

أهلًا بك أخي عامر

أشكرك على التنبيه..

لا عدمتُ اطلالتك الرائعة

العـابرة
19-06-2009, 01:34 AM
جزاك الله خير

أديب طيئ
21-06-2009, 08:03 AM
جزاك الله خير

أهلًا بكِ أختي الكريمة

وجزاكِ الله بالمثل

أدامكِ الله وحفظكِ

اليافع
24-06-2009, 12:45 AM
أنا معك يا أديب طيء فيما ذهبت إليه من تصدر رثاء النفس قائمة أغراض الرثاء إن لم يكن قائمة المقاصد الشعرية؛ لأن العاطفة عنصر رئيس في جودة النص الأدبي وليست النائحة الثكلى كالمستأجرة، وأحيانا يملك الإنسان موهبة فذة فإذا انضاف إلى ذلك معايشة الحدث كان أقوى كما يقول النقاد في حديثهم عن الصدق الفني والصدق الواقعي وهذا مايشتمل عليه رثاء النفس والله أعلم
هناك رسائل علمية في هذا الشأن مثل:
عنوان الرسالة : رثاء الذات في الشعر العربي إلي نهاية العصر الأموي
الباحث : أزهار عبد الرزاق التميمي
الكلية : كلية الآداب
الجامعة : الجامعة المستنصرية
المدينة : بغداد
سنة الإجازة : 1989
نوع الدرجة : رسالة ماجستير
ومقالات علمية مثل:
عنوان المقال : رثاء النفس في الشعر القديم من ظهور الإسلام إلى سقوط الأندلس
الكاتب : حسن أحمد عبد الحميد عبد السلام
اسم الدورية : حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة - جامعة الأزهر
المدينة : القاهرة
المجلد : 14
العدد : 14
السنة : 1996
عدد الصفحات : 503 - 542

وعلى العموم إطلالتك رائعة ولو تزيد من إتحافنا بهذا الفن الصادق

أديب طيئ
24-06-2009, 11:40 AM
أنا معك يا أديب طيء فيما ذهبت إليه من تصدر رثاء النفس قائمة أغراض الرثاء إن لم يكن قائمة المقاصد الشعرية؛ لأن العاطفة عنصر رئيس في جودة النص الأدبي وليست النائحة الثكلى كالمستأجرة، وأحيانا يملك الإنسان موهبة فذة فإذا انضاف إلى ذلك معايشة الحدث كان أقوى كما يقول النقاد في حديثهم عن الصدق الفني والصدق الواقعي وهذا مايشتمل عليه رثاء النفس والله أعلم
هناك رسائل علمية في هذا الشأن مثل:
عنوان الرسالة : رثاء الذات في الشعر العربي إلي نهاية العصر الأموي
الباحث : أزهار عبد الرزاق التميمي
الكلية : كلية الآداب
الجامعة : الجامعة المستنصرية
المدينة : بغداد
سنة الإجازة : 1989
نوع الدرجة : رسالة ماجستير
ومقالات علمية مثل:
عنوان المقال : رثاء النفس في الشعر القديم من ظهور الإسلام إلى سقوط الأندلس
الكاتب : حسن أحمد عبد الحميد عبد السلام
اسم الدورية : حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة - جامعة الأزهر
المدينة : القاهرة
المجلد : 14
العدد : 14
السنة : 1996
عدد الصفحات : 503 - 542

وعلى العموم إطلالتك رائعة ولو تزيد من إتحافنا بهذا الفن الصادق

أهلًا بك أخي اليافع

وقد أجدت وأفدت بما قلت ,,,, وهذا الموضوع يتبعه مواضيع فهو بمعنى أصح (سلسلة رثاء النفس من العصر الجاهلي إلى العصر الاندلسي)
فبدأت بالعصر الجاهلي, وسيتبعه بإذن الله رثاء النفس في عصر صدر الإسلام, ثم العصر الأموي ثم العصر العباسي ثم رثاء النفس في الأندلس,, ولكني في هذه الأيام أُعاني من كثرة الأعمال والأشغال,, وإن شاء الله في نهاية الأسبوع القادم سأُورد موضوع رثاء النفس في عصر صدر الإسلام...

أدامك الله وحفظك أخي الكريم...

النابغة الحضرمي
24-06-2009, 04:38 PM
جزاك الله خيراً على ما تقدمه أخي الأديب..
نحن في انتظار مشاركاتك, وشكراً لك مقدماً..
لا حرمنا الله من علمك وعملك الرائعَيْن.

أديب طيئ
25-06-2009, 11:16 PM
جزاك الله خيراً على ما تقدمه أخي الأديب..
نحن في انتظار مشاركاتك, وشكراً لك مقدماً..
لا حرمنا الله من علمك وعملك الرائعَيْن.

أهلًا بك أخي النابغة الحضرمي

تواجدك يُسعدني, وأشكرك على عبارات الإطراء التي لا أستحقها,,

أدامك الله وحفظك..

احمد السنيد
01-07-2009, 12:41 PM
رثاء النفس هو البكاء والحزن عليها عندما يتيقن الراثي ( المرثي) بدنو أجله, وانقطاع أمله.
وهو -عندي- من أفضل ألوان الرثاء-إن لم يكن أفضلها- على الإطلاق,وذلك لما يبرز في شعره من صور بلاغية, وقِيمٍ
جمالية, وعاطفة حزينة, وشعور صادق, فالراثي هنا هو المرثي وأي شيءٍ يكون أحبُّ من النفس؟!! ولذلك نجد أنَّ قصائد هذا النوع أو اللون من الرثاء قد سارت بها الرُّكْبَان, وأنشدها الأدباء على مرِّ العصور والأزمان, فصارت وشاحًا وعقدًا تُزيِّنُ به كثيرًا من كتب الأدب القديمة منها والحديثة, ولعلنا نذكر منها نماذج في هذا العصر(العصر الجاهلي) لنُطلع القارىء عليها ونُروي بعض ظمأه,


•ابن حذَّاق يرثي نفسه:-

قال ابن قتيبة: بلغني أنَّ أول مَنْ بكى على نفسه وذكر الموت في شعره: يزيد بن حذَّاق فقال:- (1)


هَلْ لِلْفَتَى مِن بَناتِ الدَّهْرِ مِن رَاقِي=أمْ هَل لهُ مِن حِمام الموتِ مِن وَاقِي (2)
قدْ رجَّلونِي ومَا بالشَّعر مِن شَعَثٍ=وألْبَسُونِي ثِيابًا غيرُ أخْلاقِ
وطيَّبُوني وقَالوا أيُّما رَجُلٍ=وأدْرَجُونِي كَأني طَيُّ مِخْرَاقِ(3)
وأرْسَلُوا فِتيةً مِن خَيْرِهم حَسَبًا=ليُسنِدوا في ضَرِيحِ القَبْر أطْبَاقِي(4)
وقسَّمُوا المَال وارفضَّت عوائدُهُم= وقَال قَائِلُهُم مَات ابْنُ حَذَّاقِ
هوِّنْ عَليكَ ولا تُولع بإشفاقٍ= فإِنَّما مَالُنا لِلْوَارثِ البَاقِي
--------------------------------------------------

•امرؤ القيس يرثي نفسه:-

عندما عاد امرؤ القيس من بلاد الروم منصرفًا عن قيصر ملك الروم,بعدما أعطاه حُلَّةً مسمومة , فلَّما وصل إلى أنقره لبسها فتقطع جلده وهلك, وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة قال: (5)


لَقدْ دَمَعتْ عَيْنَايَ فِي القَرِّ والقَيْظِ=وهلْ تدمعُ العَينانِ إِلاَّ مِن الْغيظِ
فلَّمَا رَأيتُ الشَّرَ ليسَ بِبَارِحٍ=دَعَوتُ لِنَفْسِي عِندَ ذَلكَ بِالْفيظِ

وقال أيضًا قبل ذلك حينما رأى قبر امرأةٍ في سفح جبل عسيب الذي مات عنده: (6)


أجَارتنَا إنَّ الخُطُوبَ تنوبُ=وإني مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ
أجَارتنَا إنَّا غريبانِ هَهُنَا= وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ
فإن تصِلِينا فالقرابة بيننا=وإن تصرمينا فالغريبُ غريبُ
أجَارتنَا ما فاتَ ليسَ يَؤُوبُ=ومَاهو آتٍ في الزَّمانِ قَريبُ
وليس غريبًا مَنْ تناءت دِيارُهُ=ولكنْ مَنْ وَارَى التُّراب غريبُ

-------------------------------------------------

•طرفة بن العبد يرثي نفسه:-

قال طرفة بن العبد وهو في سجنه ينتظر القتل بعدما سجنه والي البحرين بأمرٍ من ملك الحيرة عمرو بن هند, وذلك عندما بعث بكتابين لطرفه وخاله المُتَلَّمِس, وفيهما أمرٌ بقتلهما, فنجا خاله بعدما طلب من غلام أن يقرأ له ما في الكتاب, ولكن طرفة أصرَّ على أن يذهب لوالي البحرين ظانًّا أن ملك الحيرة أمر والي البحرين أن يعطيهما الجوائز, ولم يجعل الغلام يقرأ له كتابه, وعندما وصل إلى البحرين سجنه الوالي وأمر بقتله, فقال قبل قتله :- (7)


ألا اعتزليني اليوم خولة أو غُضِّي= قفد نزلتْ حدباءُ مُحكمة القبضِ
أزالتْ فؤادي عن مقر مكانهِ=وأضحى جَناحي اليومَ ليسَ بِذي نهضِ
وقد كنتُ جلدًا في الحياة مُدَرَّئًا=وقد كنتُ لبَّاس الرجال على البُغضِ
وإني لحلوٌ للخليلِ وإنني=لمُرٌّ لذي الأضغانِ أُبدي لهُ بُغضي
ولا تَعْدِليني إنْ هَلكتُ بعاجزٍ=مِنَ النَّاس مَنقوضَ المَريرة والنقضِ

----------------------------------------------------

•رثاء عبد يغوث لنفسه قبل موته:- (8)

لمَّا أسرتْ بنو تيم عبدَ يغوث, وذلك في يوم الكُلاب عندما وقعت الحرببين بني تيم وقوم عبد يغوث في أيام الجاهلية, وكان عبد يغوث فارسًا وشاعرًا, فشدُّوا على لسانه نسعة(9) خوفًا من أن يهجوهم قبل موته, فقال لهم: إنكم قاتلي ولا بُدّ, فدعوني أذمُّ أصحابي وأنوح على نفسي, فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا, فعقد لهم أن لا يفعل. فأطلقوا لسانه وأمهلوه حتى قال قصيدته المشهورة الرائعة:- (10)


ألا لا تَلوماني كَفى اللَومَ ما بِيا =وَما لَكُما في اللَومِ خَيرٌ وَلا لِيا
أَلَم تَعلَما أَنَّ المَلامَةَ نَفعُها =قَليل وَما لَومي أَخي مِن شمالِيا
فَيا راكِباً إِمّا عَرَضتَ فَبَلَّغَن =نَدامايَ مِن نَجرانَ أَن لا تَلاقِيا
أَبا كَرِبٍ و َالأَيهَمَينِ كِلَيهِما =وَقَيساً بِأَعلى حَضرَ مَوتَ اليَمانِيا
جَزى اللَهُ قَومي بِالكُلابِ مَلامَةً =صَريحَهُم وَ الآخَرينَ المَوالِيا
وَلَو شِئتُ نَجَّتني مِنَ القَوْمِ نَهدَةٌ =تَرى خَلفَها الحُوَّ الجِيادَ تَوالِيا
وَلَكِنّني أَحمي ذِمارَ أَبيكُم =وَكانَ الرِماحُ يَختَطِفنَ المُحامِيا
وَتَضحَكُ مِنّي شَيخَةٌ عَبشَمِيَّةٌ =كَأَن لَم تَرى قَبلي أَسيراً يَمانِيا
وَقَد عَلِمَت عَرسي مُلَيكَةُ أَنَّني =أنا اللَيثُ مَعدُوّاً عَلَيَّ وَعادِيا
أَقولُ وَقَد شَدّوا لِساني بِنِسعَةٍ =أَمَعشَرَ تَيمٍ أَطلِقوا عَن لِسانِيا
أَمَعشَرَ تَيمٍ قَد مَلَكتُم فَأَسجِحوا =فَإِنَّ أَخاكُم لَم يَكُن مِن بَوائِيا(11)
فَإِن تَقتُلوني تَقتُلوا بِيَ سَيِّداً =وَإِن تُطلِقوني تَحرُبوني بِمالِيا
وَكُنتُ إِذا ما الخَيلُ شَمَّصَها القَنا =لبيق بِتَصريفِ القَناة بنَانِيا
أَحَقّاً عِبادَ اللَهِ أَن لَستُ سامِعاً =نَشيدَ الرُعاءِ المُعزِبينَ المَتالِيا
وَقَد كُنتُ نَحّارَ الجَزورِ وَمُعمِلَ الـ =ـمطيَّ وأمضي حيث لاحيَّ ماضيا
وَأَنحَرُ لِلشَربِ الكِرامِ مِطِيَّتي =وَأَصدَعُ بَينَ القَينَتَينِ رِدائِيا
وَعادِيَةٍ سَومَ الجَرادِ وَزَعتُها =بِكَفّي وَقَد أَنحَوا إِلَيَّ العَوالِيا
كَأَنِّيَ لَم أَركَب جَواداً وَلَم أَقُل =لِخَيلِيَ كُرّي نَفِّسي عَن رِجالِيا
وَلَم أَسبَإِ الزِقَّ الرَوِيَّ وَلَم أَقُل =لِأَيسارِ صِدقٍ أَعظِموا ضَوءَ نارِيا

-----------------------------------------------------



الهامش:-

(1)ابن قتيبة, الشعر والشعراء (ج1, 386), وفي الأوئل لأبي هلال العسكري ص:14 ببعض الإختلاف في صدر البيت الثاني.
(2)بنات الدهر: حوادثه ومصائبه.
(3)مخراق: منديل أو ثوب يُلف ثم يُضرب به.
(4)الأطباق: فِقار الظهر.
(5)ديوان امرىء القيس ص:128
(6)ديوان امرىء القيس ص:29
(7)عبد المعين الملوحي, الشعراء الذين رثوا أنفسهم قبل الموت ص:27.
(8)ذكرتُ هذه القصة على سبيل الإيجاز ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى العقد الفريد(ج6, 71-75).
(9)النسعة: سير عريض تُشد به الحقائب والرحال.
(10)ابن عبد ربه, العقد الفريد(ج6, 74-75), وفي ذيل الأمالي لأبي علي القالي ص:115 ببعض الإختلاف.
(11)أسجحوا: ارفقوا.



إعداد
أديب طيء
طيب الله الانفاس , لكني ارى ان رثاء الابناء ابلغ فالابناء اعز على النفوس من النفوس

أديب طيئ
10-11-2009, 12:22 AM
طيب الله الانفاس , لكني ارى ان رثاء الابناء ابلغ فالابناء اعز على النفوس من النفوس

أهلًا بك أخي أحمد

لكل شخص رأيه ووجهة نظره الخاصة ونحن لا نُجبر أحدًا على أن يقتنع برأينا,

ولكن سأورد دليلًا يُبيّن أنه لا يوجد شيء أحب من النفس والدليل من حديث سيد البشر صلى الله عليه وسلم حينما قال:((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) رواه البخاري برقم13.
فلم يقل ما يُحب لولده....

أدامك الله وحفظك...

الحطيئة
24-06-2010, 02:30 PM
بارك الله فيك أخي فقد أجدت العرض
فهلا كتبت موضوعا عمن هجا نفسه , على أني لا أستحضر أحدا منهم الآن ؟!! :)

أديب طيئ
09-07-2010, 01:51 PM
بارك الله فيك أخي فقد أجدت العرض
فهلا كتبت موضوعا عمن هجا نفسه , على أني لا أستحضر أحدا منهم الآن ؟!! :)

وفيك الله بارك.

أما كتابة موضوع عمّن هجا نفسه فأنت أحق بكتابته لأنك الحطيئة:)

عبود
19-09-2010, 03:45 PM
بارك الله فيك

هدى عبد العزيز
19-09-2010, 05:53 PM
دراسة جميلة تستحق الشكر عليها مليا
بورك فيك أديب طيء

أديب طيئ
20-09-2010, 07:08 PM
بارك الله فيك

وفيك الله بارك.

أديب طيئ
20-09-2010, 07:31 PM
دراسة جميلة تستحق الشكر عليها مليا
بورك فيك أديب طيء

وفيكِ الله بارك, شكرًا لكِ على هذه الكلمات الرائعة, وقد كتبت بعد هذا الموضوع موضوعين في رثاء النفس أحدهما في عصر صدر الإسلام, هنا:

http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?52110-%D1%F6%CB%F3%C7%C1%F5-%C7%E1%E4%F3%F8%DD%FA%D3%F6-%DD%F6%ED-%DA%F3%D5%FA%D1%F6-%D5%F3%CF%FA%D1%F6-%C7%E1%C5%F6%D3%FA%E1%C7%E3%F6&highlight=

والآخر في عصر بني أمية ودُمج مع موضوع الأخ عز الدين القسام وهو آخر مشاركتين في الموضوع هنا:

http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?36053-%E3%E4-%D1%CB%ED-%E4%DD%D3%E5-%E6%E6%D5%DD-%DE%C8%D1%E5-%E6%E3%C7-%ED%DF%CA%C8-%DA%E1%EC-%C7%E1%DE%C8%D1/page6

ريلوم
24-09-2010, 11:24 AM
قصيدة مالك بن الريب التي يرثي فيها نفسه أراها أحسن ما قيل في رثاء النفس.
ولو أنها ليست من العصر الجاهلي.

أديب طيئ
24-09-2010, 01:37 PM
قصيدة مالك بن الريب التي يرثي فيها نفسه أراها أحسن ما قيل في رثاء النفس.
ولو أنها ليست من العصر الجاهلي.

صدقت أخي الكريم وقد ذكرتُها في عصر بني أمية هنا (المشاركة رقم 103):

http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?36053-%E3%E4-%D1%CB%ED-%E4%DD%D3%E5-%E6%E6%D5%DD-%DE%C8%D1%E5-%E6%E3%C7-%ED%DF%CA%C8-%DA%E1%EC-%C7%E1%DE%C8%D1/page6

أنوار
24-09-2010, 03:25 PM
لكم أجزل الشكر ..

موضوع ماتع ويحفز على المتابعة ..




ولكن أخي الكريم أرى - والرأي لكم أولا وآخرا -
أن الموضوع قد تشتت بالنقل والروابط الأخرى ، فلو وضعتها جميعا هنا لاكتمل البحث والفكرة ..

أديب طيئ
25-09-2010, 12:35 PM
لكم أجزل الشكر ..

موضوع ماتع ويحفز على المتابعة ..




ولكن أخي الكريم أرى - والرأي لكم أولا وآخرا -
أن الموضوع قد تشتت بالنقل والروابط الأخرى ، فلو وضعتها جميعا هنا لاكتمل البحث والفكرة ..

صدقتِ أختي الكريمة وسأضع المشاركتين هنا إن شاء الله.

جزاكِ الله خيرًا على النصيحة.

أديب طيئ
25-09-2010, 01:40 PM
لقد مر معنا في موضوع رثاء النفس في الشعر الجاهلي مقدمة بسيطة عن رثاء النفس وأتبعناها بقصائد جاهلية لمجموعة من الشعراء في رثاء أنفسهم, وهذا الموضوع الذي نريد أن نورده الآن هو عبارة عن إكمال( لسلسة رثاء النفس في الشعر العربي من العصر الجاهلي وحتى سقوط الأندلس) وعنوان هذا الموضوع هو رثاء النفس في عصر صدر الإسلام- أرجو من الله العلي القدير أن يُيسر لي إتمام السلسة المتواضعة- فإلى بعض قصائد رثاء النفس في هذا العصر:


•زيد الخيل يرثي نفسه قبل موته:

لمَّا وفد زيد الخيل الطائي على الرسول صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه,وسماه النبي صلى الله عليه وسلم (زيد الخير) أراد أن يرجع إلى دياره, وهو في طريقه عائدًا أصابته حمى واشتدت به, فخرج وقال لأصحابه الذين معه جنبوني بلاد قيس فقد كانت بيننا حماسات في الجاهلية ولا والله لا أُقاتل مسلمًا حتى ألقى الله, فنزل بماءٍ لحي من طيء يُقال له (فردة), واشتدت به الحمى فأنشأ يقول: (1)



أمرتحلٌ صحبي المشارق غُدوةً****وأُتركُ في بيتٍ بفردة منجدِ
سقى الله مابين القفيل وطابةً****فمَا دُونَ أرمام فما فوق منشدِ
هنالكَ لو أنِّي مَرِضتُ لعَادَنِي****عوائد من لم يشفِ مِنهُنَّ مجهدِ
فليت اللواتي عُدنني لم يعدنني****وليت اللواتي غِبْنَ عني عُوَّدي

ثم مات ودفن في مكانه.


•لبيد بن ربيعة يرثي نفسه:


عندما حضرت لبيدَ الوفاةُ, وكانت عنده ابنتاه, قال يخاطبهما: (2)


تمنَّى ابنتايَ أنْ يعيشَ أبوهُمَا****وهل أنا إلا مِن ربيعةَ أو مُضَرْ
ونائحــتانَ تندبانَ بِعَاقلٍ****أخا ثقةٍ لا عينَ منهُ وَلا أَثَرْ
وفي ابنَيْ نزارٍ أُسوةٌ إنْ جَزِعْتُمَا****وإنْ تسألاهم تُخبرا فيهم الخَبَرْ
وفيمنْ سواهم مِن مُلوكٍ وسوقةٍ****دعائم عرشٍ خانهُ الدهر فانْقَعَرْ
فقُومَا فَقُولا بالذي قد عَلِمْتُمَا****و لا تَخْمِشَا وَجْهًا ولا تَحْلِقَا شَعَرْ
وقُولا هوَ المرءُ الَّذي لا خَليلهُ****أضَاعَ ولا خَانَ الصَّدِيقَ ولا غَدَرْ
إلى الحولِ ثم اسمُ السَّلامِ عَليكُمَا****ومَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فقدْ اِعْتَذَرْ

ثم مات ودُفن.


•خُبيب بن عدي –رضي الله عنه- يرثي نفسه:

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سريَّةً مُكوَّنةً من عشرة رجال ليُراقبوا تحركات كفار قريش وذلك بعد غزوة بدر, وجعل أمير السرية عاصم بن ثابت-رضي الله عنه- ومن رجال السرية خُبيب بن عدي-رضي الله عنه- ولما بلغوا مكانًا بين عسفان ومكة نما خبرهم إلى جماعة من هُذيل, فسارعوا إليهم بمائة من أمهر الرماة, وحينما أحسَّ أميرهم عاصم بهُذيل, دعا أصحابه إلى صعود قمة عالية على رأس جبل, واقترب الرماة منهم وأحاطوا بهم, ودعوهم لتسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم موثقًا أن لا ينالهم منهم سوء, فأبى أميرهم عاصم وقال ( أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا رسولك) وشرع الرماة يرمونهم بالنبال, فأُصيب عاصم واستُشهد, وأصيب معه سبعة واستُشهدوا, ونادوا الباقين أن لهم العهد إذا نزلوا, فنزل الثلاثة, واقترب الرماة من خُبيب وصاحبه ( زيد بن الدثنة) فربطوهما, ورأى صاحبهم الثالث بدايو الغدر فقرر أن يموت حيث مات عاصم فقُتل, فقادوهما إلى مكة وباعوهما وتذكر بنو الحارث بن عامر- الذي قتله خُبيب في معركة بدر- ثأرهم فسارعوا إلى شرائه, وتواصى كفار مكة من أهالي بدر عليه ليشفوا أحقادهم منه, فراحوا يساومونه على دينه, ويُلوِّحون له بالنجاة إن هو كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ولما يئسوا منه قادوه إلى مصيره, واستأذنهم أن يصلي ركعتين, فأذنوا له, ثم فتح ذراعيه إلى السماء وقال: (( اللهم احصهم عددا واقتلهم بددًا )), ثم أنشأ يقول: (3)


لقدْ جَمَّعَ الأحزابُ حَولي وألَّبُوا****قَبائِلهُم واستَجْمَعُوا كَلَّ مَجْمَعِ
وقد قرَّبُوا أبنَاءَهم ونساءَهُم****وقُرِّبتُ مِنْ جذعٍ طويلِ مُمَنَّعِ
وكلُّهم يُبدي العداوةَ جَاهِدًا****عليَّ لأنِّي في وثاقٍ بمضيعِ
إلى اللهِ أشكو غُربتي بعدَ كُربتي****ومَا جمَّعَ الأحزابُ عندَ مَصرعي
وذلكَ في شأنِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ****يُبارك على أوصالِ شلوٍ مُمَزَّعِ
وقد خيَّروني الكفرَ والموتَ دونَهُ****وقد هَملتْ عيْنَاي في غيرِ مَجْزَعِ
ومابِي حذاري الموتَ إني لميتٍ****ولكن حذاري جُحْمَ نارٍ مُلفَّعِ
فلستُ بِمُبْدٍ للعدو تَخَشُّعًا****ولا جَزَعًا إنِّي إلى اللهِ مَرْجِعي
ولستُ أُبالي حينَ أُقتلُ مُسلمًا****على أي جنبٍ كانَ في اللهِ مَصرعي

فقُتل رضي الله عنه وأرضاه.


•عبدة الطيب يرثي نفسه:

هو شاعر مخضرم عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم وجاهد مع النعمان بن مقرَّن –رضي الله عنه- الفرس والمدائن (4), وقد بكى نفسه بأبيات بعدما طال مرضه وأيقن بالموت فقال: (5)


ولقد علمتُ بأنَّ قصري حٌفرةً****غبراءُ يحملُني إليها شَرْجَعُ (6)
فبكَّى بناتي شَجْوَهُنَّ وزوجتي****والأقربونَ إليَّ ثم تصدَّعُوا
وتُرِكْتُ في غبراءَ يُكْرَهُ وِرْدُهَا****تَسْفِي عليَّ الريحُ حِين أُودَّعُ
فإذا مضيتُ إلى سبيلي فابعثُوا****رجلًا له قلبٌ حديدٌ أصْمَعُ
إنَّ الحوادثَ يَخْتَرِمْنَ وإنما****عُمْرُ الفَتى في أهلهِ مُسْتَودَعُ


•رجل آخر يرثي نفسه:

ذكر الواقدي أن ضرار الأزور -رضي الله عنه- أُسر في معركة اليمامة أسرته الروم, وقال شعرًا يرثي به نفسه(7), والأرجح أنه ليس ضرار الأزور فقد ذكر أهل العلم(8) أنه جُرح يوم اليمامة واستشهد وقيل أنه عوفي من جروحه, واشترك في معركة اليرموك وكان ممن بايع عكرمة بن أبي جهل-رضي الله عنه- على الموت, وكانوا أربعمائة فاستشهد وهو يفتك بالروم, ولم يذكروا أنه أُسر, وليس هذا محل بحث في هذا الموضوع, ولكن أردنا أن نبيِّن للقارىء أن قائل هذه الأبيات ليس ضرار بن الأزور وإنما قد يكون رجلًا من المسلمين اسمه ضرار أو ربما نُسبت له.

فقد قال وهو في الأسر يبكي نفسه, وقد انقطع أمله في الحياة وشارف على الموت, يبعث هذه الأبيات كرسالة إلى أهله وذويه: (9)


حَمائِمُ نَجْدٍ بلِّغي قولَ شَائِقٍ****إلى عسكرِ الإسلامِ والسادةِ الغُرِّ
وقـولي ضـرارٌ في القيودِ مُكبَّلٌ****بعيدٌ عنِ الأوطانِ في بَلدٍ وَعْرِ
حمائمُ نَجدٍ اسمعي قولَ مُفْرَدٍ****غَريبٍ كئيبٍ وهو في ذِلَّةِ الأَسْرِ
وإنْ سألتْ عنِّي الأحبةُ خبِّري****بأنَّ دُمُوعي كالسحابِ وكَالقَطْرِ
وقولي لهم إنِّي أسيرٌ مُقَيَّدٌ****لهُ عِلَّةٌ بينَ الجَوانحِ والصَدْرِ
وفي خدِّهِ خَالٌ مَحَتْهُ مَدَامعٌ****على فَقْدِ أوطانٍ وكَسرٍ بلا جَبْرِ
مضَى سَائرًا يبغي الجهادَ تَطَوُّعًا****فوافاهُ أبناءُ اللئامِ عَلى غَدْرِ
ألا فَادْفِنَاني باركَ اللهُ فِيكُمَا****ألا واكْتُبَا هذا الغريب على قَبري


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الأغاني للأصفهاني (16/44-50). وانظر السيرة النبوية لابن هشام (2 /350-351) والبداية والنهاية لابن كثير (5 /48-49).
(2)ديوان لبيد بن ربيعة 73-74
(3)أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (2 /148-150), والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (5 /267-268) باختلاف,
والخبر رواه الإمام أحمد في المسند (15/230) وصحح إسناده أحمد شاكر رحمه الله.
(4)ذكر محققا المفضليات ( أحمد شاكر وعبد السلام هارون) ترجمة عبدة الطيب في الحاشية نقلًا عن تاريخ الطبري (4 /43, 115)
(5) المفضليات للمفضل الضبي 148.
(6)شرجع: خشب يشد بعضه إلى بعض كالسرير يحمل عليه الموتى.
(7)فتوح الشام للواقدي (2/232).
(8)ذكر ذلك ابن الأثير في أسد الغابة (3/ 53), وابن كثير في البداية والنهاية (7/7-8), وابن حجر في الإصابة (3 /391-392).
(9)فتوح الشام للواقدي (1/ 190).

أديب طيئ
17-10-2010, 05:25 PM
رثاء النفس في عصر بني أمية:

لقد مر معنا رثاء النفس في الشعر الجاهلي, ورثاء النفس في عصر صدر الإسلام وذكرنا نماذج منها, أما في هذا الموضوع فسنذكر أهم النماذج في عصر بني أمية, ومن هذه النماذج قصيدة يعرفها القاصي والداني, استمتع بها كثير من الناس, تعتبر من عيون الرثاء بل هي عيناه الجميلتان, فمن حقها علينا أن نبدأ بها لأنها تاج المراثي, بريقها يسر الناظرين, ويُبهج المشتاقين, وهي ثالثة الأثافي(1), بدونها لا تتَّزن لوعة القلب, ولا تستقر سفينة الإحساس, فسنبدأ بها لتقود ركب المراثي, ويصبح الشعر أمام قوتها جاثي, إنها قصيدة مالك بن الريب في رثاء نفسه, فإلى القصيدة وخبرها, ومن ثمَّ نذكر باقي الركب بعدها:


- مالك بن الريب المازني وخبر موته ورثائه لنفسه:

لمَّا ولَّى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان خراسان سار فيمن معه فأخذ طريقه إلى فارس, وهو في طريقه لقي مالك, وكان مالك قاطع طريق, فاستصلحه واصطحبه معه إلى خراسان, وجاهد مع سعيد, واختلفت الروايات في قصة موته, فذكر أبو علي القالي في أماليه(2) أنه مات بخراسان بعدما غزا مع سعيد واستشهد في الغزو, وذكر ابن عبد ربه رواية أخرى(3) وهي أنه كان مع سعيد ببعض الطريق ولما أراد أن يلبس خُفّه فإذا بأفعى في داخلها فلستعه, فلما أحس بالموت قال قصيدته, ومهما اختلفت الروايات فالثابت هو أنه رثى نفسه بهذه القصيدة -الرائعة الماتعة- حين اشتدت عليه العلّة: (4)


أَلاَ لَيْـتَ شِعـري هَـلْ أبيتَنّ ليلةً****بجَنبِ الغَضَا أُزجي القِلاص النّواجِيا(5)
فَلَيتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ****وليتَ الغَضَا مَـاشىَ الركابَ لَياليِا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا****مـزارٌ ولكنّ الغـضا ليْسَ دانيا
أَلمْ تَرَني بِعـتُ الضّـلالةَ بالهُـدى****وَأَصْبَحْتُ في جيشِ ابنِ عفّان غازيا
لَعَمْري لئن غالتْ خُراسـانُ هامَتي****لقد كُنْتُ عن بابَيْ خراسان نائيا(6)
فللّه درّي يَـوْمَ أَتْـرُكُ طـائعـاً****بَنيّ بأَعْـلى الـرّقمَتَيْنِ ومـاليا(7)
ودَرُّ الظّبـاءِ السّـانِحاتِ عَشِيـّةً****يُخَبّـرْنَ أني هـالِكٌ مِن وَرَائِـيا
وَدَرُّ كَبيرَيَّ اللّـذين كِـلاهُـمَا****عَلـيّ شَفيـقٌ نـاصِحٌ قـد نَهانِيا
وَدرُّ الهَوَى من حَيْثُ يدعو صِحَابَهُ****وَدَرُّ لَجـاجـاتي ودَرُّ انتِـهائـيا
تَذَكّرْتُ من يَبْكي عليّ فلمْ أَجِدْ****سِوَى السَيْفِ والرّمحِ الرُّدَينيّ باكيا(8)
وَأَشْقَـرَ خِنْذِيذٍ يَـجُرّ عِنَـانَهُ****إلى المـاء لم يتْرُكْ لَـهُ الدهْرُ ساقيا(9)
وَلَمّـا تَرَاءَتْ عِنْدَ مَـرْوٍ مَنيّتي****وَحَلَّ بِهَا جِسْمي وَحَانَتْ وَفَاتِيا(10)
أَقُولُ لأصْـحابي ارْفعـوني لأنّني****يَقِـرّ بِعَيْني أن سهَيـلٌ بَـدَا لِيا
فيا صاحبَي رحلي دنا المَوْتُ فَانزلا****بِرابِيَـةٍ إنّي مُقِيـمٌ لَيـاليِـا(11)
أَقيمـا عليّ اليَـوْمَ أو بَعْضَ ليلةٍ****ولا تُعْجِـلاني قـد تبيّنَ ما بِيا
وَقوما إذا ما استُـلّ روحي فهيّئا****ليَ القبرَ والأكفانَ ثُمّ ابكيا ليا
وخُطّا بأطْـرَافِ الأسِنّةِ مضجعي****ورُدّا على عَيْنَيَّ فضلَ ردائيا(12)
ولا تحسُـداني باركَ اللَّهُ فيكما****من الأرْضِ ذَاتِ العَرضِ أن توسِعاليا
خُذَاني فجُـرّاني بِبُردي إليكما****فقد كُنْتُ قبل اليوم صَعباً قياديا
يقولـون لا تُبْعَدْ وهُم يدفِنونني****وأيْنَ مَكـانُ البُعْـدِ إلاّ مَكانِيا
ويا لَيْتَ شعري هل بَكَتْ أُمُّ مالكٍ****كما كُنْتُ لَوْ عَالَوا نَعِيَّكَ باكيا(13)
إذا مُتُّ فاعْتَـادي القُبُورَ وسلّمي****على الرَّيمِ أُسقيتِ الغَمامَ الغَواديا
فيـا راكِبـاً إمّا عَرَضتَ فبـلّغَنْ****بني مالكٍ والرَّيْبِ أنْ لا تلاقِيا
وَبَلّـغ أخي عِمران بُردي وَمِئزَري****وبلّغ عَجُوزي اليومَ أن لا تدانيا(14)
وَسَلّـمْ على شيخيّ مِنيّ كِلَيْهِما****وبلِّـغ كَثيراً وابْنَ عمّي وخَاليا
وعطِّل قَلوصي في الرِّكاب، فإنّها****ستُبرِدُ أكبـاداً وتُبـكي بَواكِيا
أُقَلبُ طَرْفي فَوْقَ رَحْلي فلا أرَى****بِهِ من عُيُونِ المُؤْنِساتِ مُراعِيا(15)
وبالرَّملِ منّي نِسْوَةٌ لو شَهِدنَني****بَكَيْنَ وَفَـدّيْنَ الطّبيبَ المُـداويا
فمِنْهُنّ أُمّي وابْنتـاها وخـالتي****وباكِيَـةٌ أُخرى تَهِيجُ البَواكِيا
وما كانَ عَهْدُ الرّمْل منّي وأهلِه****ذميماً ولا بالرّمْل ودّعْتُ قَاليا


ـــــــــــــــــــــ
(1)]الأثافيّ:الحجارة الثلاثة التي توضع تحت القدر.
(2)الأمالي لأبي علي القالي ص 117
(3)العقد الفريد لابن عبد ربه (3/ 191).
(4)لم أذكر القصيدة كاملة وذلك لطولها لئلا يمل القارىء منها, ومن أرادها كاملة فليرجع إلى ذيل الأمالي للقالي (117-119), وجمهرة أشعار العرب للقرشي(269-272) ببعض الاختلاف بينهما.
(5)أزجي: أقود, والقلاص النواجيا: النوق الفتية.
(6)غالت خراسان هامتي: قطعت رأسي, أي: مت بها.
(7)الرقمتان: موضع بين البصرة والنباج كان فيه منزل الشاعر.
(8)الرمح الرديني: أجود أنواع الرمح.
(9)أشقر خنذيذ: حصان أشقر كثير العرق كناية عن كثرة الركض.
(10)مرو: بلد من بلدان فارس, حلَّ: بَلِيَ وانحلَّ.
(11)رابية: مكان مرتفع.
(12)فضل ردائيا: الأطراف الزائدة عن ثوبي.
(13)أم مالك: هي أم الشاعر.
(14)العجوز : هي أمه أو امرأته.
(15)المؤنسات: من الأُنس عكس الوحشة.

أديب طيئ
17-10-2010, 05:48 PM
-الطرماح بن الحكيم يرثي نفسه:

قال الطرماح يرثي نفسه: (1)

فيا رَبّ لا تَجعل وَفاتِيَ إن أتَتْ**** على شَرْجَعٍ يُعْلَى بخُضْر المَطَارفِ (2)
ولكـنْ شهيداً ثاوياً في عِصـابة****يُصابون في فَجٍّ من الأرْض خائفِ
إذا فارَقُوا دًنْياهُم فـارَقُوا الأذىَ****وصارُوا إلى مَوْعُود ما في الصَّحَائفِ
فأقْتَلَ قَعْصـاً ثم يُـرْمى بأعْظُمِي**** مُفَرقـةً أوصـالُها في التَنَـائفِ (3)



- هدبة بن الخشرم العذري يرثي نفسه:(4)

سُجن هدبة بن الخشرم بعدما قتل زيادة بن زيد العذري وذلك في عصر الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه, ورفض ابن زيادة ( المسور) الدية, فقال هدبة وهو في سجنه يرثي نفسه:
(5)

طربتَ وأنت أحيـاناً طروبُ****فكيـف وقد تعَلَّاك المشيبُ
يجدّد النأيُ ذكـرَك في فؤادي****إذا ذَهِلَت عن النّأْي القلوبُ
يُؤَرقُـني اكتـئـابُ أبي نُمَيْرٍ****فقلبـي مـن كآبتِهِ كئيبُ
فقلتُ له : هـداك اللهُ مـهلاً****وخير القول ذو اللبّ المصيبُ
عسى الكربُ الذي أمسيْتَ فيهِ****يكـونُ وراءَه فـرجٌ قريبُ
فيـأمنَ خـائفٌ ويُفـكَّ عانٍ****ويأتـي أهـلَه النائي الغريبُ
ألا ليـت الـرياحَ مُسخَّراتٍ****بحـاجتنا تُبـاكرُ أو تـؤوبُ
فتخـبرَنا الشمـالُ إذا أتتـنا****وتخـبرَ أهـلَنا عنـا الجنوبُ
فإنا قـد حـلَلْنا دارَ بلـوى****فتخطئُنا المنايـا أو تُصيبُ (6)
فإن يك صدرُ هذا اليـومِ ولّى****فـإنَّ غـداً لناظـرِهِ قريبُ

ولمَّا أُخرج هدبة من السجن للقتل مرَّ على أبويه فإذا هما بأسوأ حال, فقال: (7)

أبلياني اليوم صبرًا منكما****إنَّ حزنًا منكما اليوم لشرِّ
ما أظنُ المـوتَ إلا هيِّنًا****إنَّ بعدَ الموتِ دارُ المستقرِّ


وقال لمَّا أيقن بالموت: (8)

ألا علِّلاني قبل نـوحِ النـوائحِ****وقبل اطلاع النفس بين الجوانحِ
وقبل غدٍ يا لهفَ نفسي على غدٍ****إذا راحَ أصحابي ولستُ برائحِ
إذا راحَ أصحابي بفيضِ دُمُوعهم****وغُودرتُ في لحدٍ عليّ صفائحي


-الأحوص الأنصاري يرثي نفسه:

عندما اشتدت علّة الأحوص وحضرته الوفاة, وكانت معه جاريته ( بشرة) فأخذت رأسه ووضعته في حِجرها وجعلت تبكي, ثم رفع رأسه إليها وقال: (9)

ما لجديدِ الموتِ يا بشرُ لذّةٌ****وكلّ جديدٍ تُستلذّ طرائفُهْ
فلا ضير إنّ الله يا بشرُ ساقني****إلى منزلٍ فيه تكون خلائفُهْ
فلستُ وإن عيشٌ تولّى بجازعٍ****ولا أنا ممّا حمّم الموتُ خائفُهْ



- خبر موت عروة بن حزام وما قال من الشعر في ذلك:

روى القالي بسنده إلى النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال: (10) لمَّا استعملني معاوية – رضي الله عنه- على صدقات بَلِيّ وعُذْرَة, فإني لفي بعض مياههم إذ أنا ببيتٍ منحردٍ ناحية, وإذا بفنائه رجلٌ مستلقٍ وعنده امرأة وهو يقول أو يتغنى بهذه الأبيات:

جعلتُ لعرَّافِ اليمامةِ حُكْمَهُ****وعرَّاف نجدٍ إنْ هُما شَفَيَاني
فقالا نعم نَشْفِي مِنَ الدَّاء كُلِّهِ****وقَامـا مع العُوَّادِ يبتدرانِ
فما تَـرَكا من رُقيةٍ يَعْلَمانِها****ولا سلـوةٍ إلا وقد سَقَياني
فقالا شفاكَ اللهُ واللهِ مَا لَنَا****بما حُمِّلَتْ منك الضلوعُ يَدَانِ

فقلتُ لها: ما قصته؟ فقالت: هو مريض ما تكلم بكلمة ولا أنَّ أنَّةً منذ وقت كذا وكذا إلى الساعة, ثم فتح عينه وأنشأ يقول: (11)

مَنْ كان من أخواتي باكيًا أبدًا****فاليـوم إني أُراني اليوم مَقْبُوضَا
يُسمعنيـه فـإني غيرُ سامعهِ****إذا علوتُ رقابَ القومِ مَعْرُوضَا

ثم خَفَت فمات, فغمَّضتُه وغسَّلته وصليت عليه ودفنته, وقلت للمرأة: من هذا؟ فقالت: هذا قتيل الحب! هذا عروة بن حزام.

وعروة هذا كان يحب ابنة عمه وهي عفراء, حيث نشأ معها في بيت واحد, ولكن زُوجت برجل آخر, فمرض بسبب ذلك إلى أن مات. (12)



ـــــــــــــــــ
(1)الشعر والشعراء لابن قتيبة (2 /34-35) والعقد الفريد لابن عبد ربه (3 /191).
(2)الشرجع: النعش.
(3) القعص: الموت السريع, التنائف: جمع تنوفة وهو المكان من الصحراء.
(4)انظر خبره كاملاً في الشعر والشعراء لابن قتيبة (2 /141-145), والكامل للمبرد (4 /71-74), والأغاني للأصفهاني ( 21/ 258-275).
(5)خزانة الأدب للبغدادي ( 9/ 232-233).
(6)أخطأ الشاعر هنا عندما قال ( تخطئنا المنايا أو تصيب) فالمنية لا تخطىء فكل إنسان سيموت في يومه المحدد.
(7)الكامل للمبرد ( 4/ 73).
(8)العقد الفريد لابن عبد ربه ( 3/199).
(9)التعازي والمراثي للمبرد ص 63 والأبيات أيضًا في ديوانه ص 136
(10)النوادر لأبي علي القالي ص1-2
(11)البيتان وردا في العقد الفريد أيضًا (3/191).
(12)وانظر خبره كاملاً في الشعر والشعراء لابن قتيبة ( 2/ 67-72), والأغاني للأصفهاني ( 24/ 123-137).

أية ماهر كريّم
02-01-2011, 07:37 PM
قيم جدا حياك ربي أخي الكريم

اديبة صغيرة
03-01-2011, 10:36 PM
جزاكم الله خيرا أستاذنا أديب طيء وزادك من علمه وفضله وأتمني أن تتحفنا بالموضوعات الرائعة
جزاكم الله خيرا

أديب طيئ
04-01-2011, 08:05 PM
قيم جدا حياك ربي أخي الكريم

شكرًا لكِ أختي الكريمة

بارك الله فيكِ.

أديب طيئ
04-01-2011, 08:07 PM
جزاكم الله خيرا أستاذنا أديب طيء وزادك من علمه وفضله وأتمني أن تتحفنا بالموضوعات الرائعة
جزاكم الله خيرا

وجزاكِ أختي الكريمة, وتقبّل الله دعاءكِ, وسأبذل جهدي إن شاء الله في جلب كل ممتع ومفيد.

شكرًا لكِ.

أية ماهر كريّم
04-01-2011, 08:35 PM
اخي جد راااااااااائع
ولعلمك هادا موضوع البحث عنا في اللغة العربية
مشكوووووووووور

أديب طيئ
04-01-2011, 08:55 PM
اخي جد راااااااااائع
ولعلمك هادا موضوع البحث عنا في اللغة العربية
مشكوووووووووور

الشكر لله ولعل هذا يفيدكِ في بحثكِ ويُسهِّل عليكِ أمركِ لكن لا يُكتفى بهذا فعليكِ أن تبحثي أنتي في المصادر والمراجع لتستفيدي أما اكتفاؤكِ بهذا فلن يغني عنكِ شيئًا.
وفقكِ الله.

أية ماهر كريّم
05-01-2011, 01:34 PM
ة في رثاء النفس بس ما بعرف
كيف أنشئ موضوع جديد
حتى أنزلها
ربي يديمك أخي