المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أدباء رحلوا وهم بيننا



د. مصطفى صلاح
23-09-2009, 11:21 AM
نقلا عن جريدة الشروق" المصرية"

إعداد: حمدى عبد الرحيم -

http://www.shorouknews.com/uploadedImages/Sections/Culture/Mahmud_Shakir-ok.jpg




قرأت أن رجلين كانا يتحدثان أسفل منزل موسيقار إيطاليا الكبير «فيردى» ولاحظ أحدهما أن صاحبه يتحدث بصوت عالٍ فقال له منبها: «اخفض صوتك،ففردى مريض»!

وقرأت أن السلطات الإيطالية قد كست عجلات العربات التى تجرها الخيول جلدا سميكا لكى لا تحدث صوتا يزعج «فيردى» فى مرضه!.
هذا عن معاملة «الغرب» لأفذاذه، فماذا عن شرقنا السعيد؟

هاتفت الدكتور عمادالدين أبوغازى المشرف العام على شعب ولجان المجلس الأعلى للثقافة وسألته: هل وصلت المجلس دعوة للاحتفال بذكرى مرور مائة عام على ميلاد العلامة الشيخ محمود محمد شاكر؟. أجاب غازى: إلى الساعة لم تصلنا أى دعوة.

من ناحيتنا نناشد الأستاذ على أبوشادى الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة تحمل مسئولية إقامة احتفالية تليق بذكرى الراحل الكريم، المناشدة قائمة حتى ولو كان قد فاتنا يوم وشهر ميلاد الشيخ شاكر، فيكفى أننا مازلنا فى نفس العام.

هذا الشبل من تلك الأسود
هو محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبدالقادر، من أسرة أبى العلياء، من أشراف جرجا بصعيد مصر، ويصل نسبه إلى الإمام الحسين بن على رضى الله عنهما. ولد فى الإسكندرية ليلة عاشوراء من عام 1327هـ الموافق أول فبراير من عام 1909م.

نسبه الجليل سيلقى عليه بمسئولية تحملها راضيا ودفع ثمنها كاملا غير منقوص، نحن أمام رجل وقف والده الشيخ «محمد شاكر» وكان وكيلا للأزهر الشريف فى صحن مسجد «المبدولى» وبحضور السلطان حسين كامل وأكابر الدولة المصرية، وأعلن فى الجمع المحتشد أن «جمعتهم باطلة، وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر لأن خطيب جمعتهم قد تعرض للرسول بسوء». فما كان من السلطان إلا الطاعة والتسليم.

جد شاكر الأول هو الحسين بن على الذى كان مطالبا بكلمة واحدة ينجو بها من الذبح «بايعت يزيد» ولكنه لم ينطق بها وصاح صيحته الباقية على مر العصور: «هيهات منا الذلة». جد شاكر الثانى هو فارس الإسلام وفيلسوفه على بن أبى طالب كان بنومه فى فراش الرسول ليلة الهجرة أول استشهادى فى تاريخ الإسلام.

أما جد شاكر الأعظم والأكبر فهو أبوالقاسم محمد رسول الله الذى كان إذا حمى وطيس الحرب احتمى به أصحابه. هذه سلسلة من النسب النورانى، كان شعار أفرادها فى حياتهم قول جدهم الأعظم صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يُقرب من أجل، ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق ،أو يُذكر بعظيم».

وأبدا لم تمنع رهبة الناس أن يقول أبوفهر الحق كله ولو كان مرا ولو ألقى به فى السجن.

تعليمه وعلمه
تلقى أبوفهر أول مراحل تعليمه بمدرسة الوالدة أم عباس فى القاهرة عام 1916 ومنها انتقل إلى مدرسة بدرب الجماميز، حصل على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) القسم العلمى عام 1925، التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1926.

مكث بالكلية عامين ثم فارقها إلى غير رجعة، حين شب خلاف شديد بينه وبين أستاذه طه حسين. بداية من العام 1922 تتلمذ على يد الشيخ سيد بن على المرصفى وقرأ عليه «الكامل» للمبرد و«حماسة أبى تمام» و«الأمالى للقالى». وغيرها من عيون الأدب العربى.

راسل الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعى وهو فى الثانية عشرة من عمره، ثم أصبح تلميذا وصديقا وفيا للرافعى مدى حياته.

بدأ الشيخ شاكر التأليف وهو فى السادسة والعشرين من عمره وأحدث كتابه الأول «المتنبى» انقلابا فى مجال الدراسات الأدبية، فشاكر هو أول من قال إن المتنبى ينتمى للأسرة العلوية، أى أنه من أحفاد الإمام على، ونفى أن يكون والد المتنبى سقاء يطوف بقربة على ظهره شوارع الكوفة.

وفى هذا الكتاب العظيم قال شاكر: إن المتنبى كان يحب «خولة» أخت سيف الدولة الحمدانى، كما نفى ادعاء المتنبى للنبوة، وكل ما جاء به شاكر كان جديدا كل الجدة، وقد قرظ الكتاب العلامة الرافعى وغيره من أكابر علماء الأدب.

وبعد المتنبى كتب شاكر «بينى وبين طه» و«أباطيل وأسمار» و«نمط صعب ونمط مخيف» و«برنامج طبقات فحول الشعراء» و«قضية الشعر الجاهلى فى كتاب ابن سلام»، وقد جمع الدكتور عادل سليمان جمال مقالات الشيخ فى مجلد من جزءين بلغ عدد صفحاته أكثر من ألف صفحة.

وإضافة إلى التأليف برع الشيخ الإمام فى تحقيق كتب التراث، أو «الميراث»، كما كان يحب أن يطلق عليها، وما مات رحمه الله إلا وهو شيخ مشايخ المحققين، حتى أصبح فى التحقيق أمة بمفرده، وهو رضى الله عنه كان يكتب على الكتب التى يحققها كلمة دالة «قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر» وهو بهذه الجملة يعلن عن مدرسته فى علم التحقيق، تلك المدرسة التى تتجاوز ضبط الكتب المحققة إلى إقامة حوار معها والغوص فى أسرارها بحثا عن كنوزها.

وهذا أمر لا يطيقه إلا من كان كأبى فهر شيخ طريقة ومؤسس مدرسة، تلك المدرسة التى سيشيع ذكرها فى أرجاء العالمين العربى والإسلامى، فمن الصين إلى أسبانيا كان طلاب العلم يحجون إلى بيت شاكر، يغترفون العلم من بين يديه ويلتقطون ذهبا يتدفق من بين شفتيه، هل نذكر أسماء مثل «إحسان عباس» و«ناصر الدين الأسد» و«محمود الطناحى» و«يحيى حقى» و«محمود حسن إسماعيل» و«محمود الربيعى»؟.. وعدد فوق الحصر من أفذاذ أمتنا كلهم يفتخر بأنه تتلمذ على يد شاكر.

ومن أشهر تحقيقاته نذكر، تفسير الطبرى، جمهرة أنساب قريش للزبير بن بكار، دلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجانى، أسرار البلاغة للجرجانى، وغير ذلك من عيون الميراث العربى والإسلامى.

الشيخ الباشا
حفلت حياة الشيخ بمفارقات عديدة نذكر منها.
1ــ ولد الشيخ بالإسكندرية، وكان والده على علاقة طيبة بالخديو عباس حلمى الثانى الذى ذهب إلى بيت الشيخ محمد شاكر ليبارك الوليد الجديد قائلا: «هاتوا محمود باشا أبارك ميلاده» وبهذه الجملة حصل محمود محمد شاكر على رتبة الباشوية وهو فى لفائف طفولته!

2 ــ لم يتزوج إلا فى سن متأخرة، وأنجب ابنه فهر وهو فى السادسة والخمسين من عمره.

3 ــ كانت الرياضيات لا الأدب عشقه الأول، وقد قرأت أنه كان متأخرا فى دراسة النحو العربى، هذا قبل أن يصبح حارس العربية الأول بصرفها ونحوها وبلاغتها.
3 ــ عرف الإنجليزية معرفة مكنته من ترجمة مواد مجلة «المختار» وقد برع فى الترجمة إلى درجة جعلته يدخل إلى العربية ألفاظا لم ينطق بها أحد قبله، فهو لا غيره مخترع لفظة «النفاثة» فى الإشارة إلى الطائرة التى تنفث الوقود.

4 ــ كان شديد الاعتداد بنفسه، شديد الرقة مع من حوله، قال تلميذه الناقد الكبير الدكتور «محمود الربيعى» رأيت الشيخ شاكر يمسك بعود قصب ويناول خادمه آخر وهو يقول لخادمه: هيا إلى «التحطيب».

5 ــ كان كل جمعة يقيم مائدة لأصحابه، وكانت تلك الموائد تجمع بين أهل الأدب وكبار الساسة ومن حضر من أرباب الحرف كالنجار والمنجد والحلاق، وعلى مائدة من الموائد جلس محمود رشاد مهنا وحسين ذو الفقار ومحمد فؤاد جلال وزير الشئون الاجتماعية فى زمن الثورة وأحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف بجانبهما الأسطى أنور الحلاق، فأعلن فؤاد جلال غضبه من جلوس الحلاق مع الأكابر، فما كان من الشيخ شاكر إلا أن قال له: «اسمع يا فؤاد أنت وزير فى مجلس الوزراء، ولكنك فى بيتى واحد من الناس،تسوى أنت والأسطى أنور وغيركما من عباد الله.

6 ــ قال لى حسن حداد ابن والد الشعراء فؤاد حداد: كان الشيخ محبا لشعر والدى وكان يجمعهما تفضيل صوت المطربة «صباح» على صوت فيروز.

7 ــ قال لى الناقد الدكتور عزازى على عزازى: ذهبت يوما للشيخ أطلب رأيه فى مسألة من مسائل الأدب، وكنت أتمزق بين رغبتى فى سماع رأى الشيخ وبين مشاهدة مباراة للأهلى كان يبثها التلفزيون، خشيت السقوط من عين الشيخ لو صارحته برغبتى فى مشاهدة المباراة، نظر لى ضاحكا وقال هيا إلى مشاهدة المباراة، لحظتها اكتشفت أن الشيخ «كروى» كبير .

8 ــ قال لى أستاذ الأدب بجامعة القاهرة الدكتور فهر محمود شاكر: وقف أبى على رأسى ولم يتركنى حتى أتقنت استخدام الكمبيوتر.

9 ــ لم يتعلم الشيخ شاكر فى الأزهر ولم يلبس يوما زى الأزهريين ومع ذلك غلب عليه لقب الشيخ.


ثورتان وسجنان
يحدثنا الشيخ عن ثورة 1919 فيقول: «كان مما قدر الله أن أفتح عينى على ثورة 1919، وعلى دار تموج بالثوار، فعقلت من الأمر ما عقلت، ورأيت رجالا وسمعت بأذنى حديثا،وعرفت من حقائق الصراع ما عرفت».

هذا الانتماء لثورة 1919 لم يقف حائلا بين الشيخ وبين أن يشن حملة ضارية على أحد كبار رجال الثورة، أعنى «عبدالعزيز فهمى باشا» الذى دعا يوما لكتابة العربية بالحرف اللاتينى مثلما فعل أتاتورك فى تركيا، فتصدى له الشيخ دفاعا عن الحرف العربى.

ثم جاءت ثورة يوليو التى لم يقف شاكر منها موقفا معاديا، نظرا لكراهيته الشديدة للاحتلال الإنجليزى ثم لمأخذه الكثيرة على الحياة الملكية، وهنا أذكر أن الدكتور «يحيى الرخاوى» وهو ممن عرفوا الشيخ عن قرب سجل ابتهاج شاكر بحريق القاهرة بوصفه الحريق الذى سيأتى بعده شىء خطير، وقد كان وقامت ثورة يوليو.

التى اعتقلت شاكر مرتين الأولى استمرت تسعة أشهر من 9 فبراير 1959 إلى أكتوبر من العام نفسه، وكان سبب الاعتقال وهو انتقاد شاكر الحاد لعبدالناصر ورجال الثورة، وهو انتقاد كان يتم فى حضور وزراء الثورة مثل الشيخ أحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف، وبعد تدخل شخصيات عربية كبيرة أطلق سراح الشيخ.

المرة الثانية والأخيرة مكث شاكر فى السجن لمدة ثمانية وعشرين شهرا من 31 أغسطس 1965 إلى 30 ديسمبر 1967، وقد تم اعتقاله غلى خلفية مقالاته التى تصدى فيها للويس عوض الذى كان كتب كتابا تناول فيه شيخ المعرة «أبوالعلاء المعرى» بما لا يليق.

وقد جمع شاكر تلك المقالات فى كتابة الشهير «أباطيل وأسمار» وتعد المقالات بحق درسا عظيما فى النقد وفى التثبت من المرويات التاريخية.

د. مصطفى صلاح
23-09-2009, 11:27 AM
مشكلة اسمها طه حسين

آخر تحديث: الاثنين 20 يوليو 2009 12:12 م بتوقيت القاهرة
إعداد: حمدى عبد الرحيم -

http://www.shorouknews.com/uploadedImages/Sections/Culture/taha.jpg



لعب عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين أخطر الأدوار فى حياة الشيخ شاكر. وللحقيقة، فإن بعضا من أدوار العميد لم يكن العميد مسئولا عنها، ولكن هكذا جرت المقادير أن يرتبط اسم العميد باسم شاكر فى الخير والشر، وهنا نذكر بعض القصص التى ربطت بينهما.

القصة الأولى: كان العميد طالبا نابها، فكرمه السلطان حسين كامل وأهداه هدية قيمة، فما كان من خطيب مسجد المبدولى إلا أن مدح السلطان فى وجوده قائلا: «جاءه الأعمى فما عبس فى وجهه وما تولى».

هنا وقف الشيخ محمد شاكر مفتيا ببطلان الصلاة خلف إمام عرض بالرسول وفضل عليه السلطان، فالرسول عبس فى وجه عبدالله ابن أم مكتوم والسلطان تبسم فى وجه طه حسين. وكاد أمر والد شاكر أن يصل إلى ساحات القضاء لولا أن الحكومة تدخلت وطوت القضية قبل وصولها للقضاء.

القصة الثانية: حصل شيخنا على الثانوية العامة من القسم العلمى وكان من النوابغ فى مجال الرياضيات، إلا أنه كان يفضل دراسة الآداب، فرفضت الجامعة الحاقه بقسم اللغة العربية احتراما لتخصصه العلمى، هنا تدخل العميد لدى الأستاذ أحمد لطفى السيد رئيس الجامعة وأقنعه باستثناء شاكر وقبول أوراقه فى قسم اللغة العربية، إذن لولا طه حسين لكسبنا عالم رياضيات وخسرنا أديبا من أكابر الأدب العربى، مذ كان للعرب أدب.

القصة الثالثة: إذن التحق شيخنا الإمام محمود محمود شاكر بكلية الآداب تلبية لمطلب العميد، كان شاكر قبل دخوله الجامعة قد حفظ «المعلقات» وقرأ أمهات الكتب العربية على يد شيخه المرصفى، كما كان فى واحدة من مفارقاته قد أتقن الإنجليزية إتقانا مكنه من قراءة مقال المستشرق الشهير «مرجليوث» عن «نشأة الأدب العربى»، هذا المقال سيقلب حياة شاكر رأسا على عقب.

جلس شاكر أمام أستاذه العميد وراح يسمعه يطعن فى تاريخ بل وثبوت الشعر العربى الجاهلى. رأى شاكر أن ما يقوله العميد ها هو إلا حاشية على متن كتبه «مرجليوث» كظم شاكر غضبه محاضرة ومحاضرتين، ثم وقعت الواقعة، هنا يحسن بنا أن ندع الكلام لصاحبه، يقول شاكر: «ظللت أتجرع الغيظ بحتا، تتابعت المحاضرات والغيظ يفور بى، والأدب الذى أدبنا به آباؤنا وأساتذتنا يمسكنى، فكان أحدنا يهاب أن يكلم الأستاذ، ثم جاءت اللحظة الفاصلة فى حياتى.

طلبت من الدكتور طه أن يأذن لى فى الحديث، فأذن مبتهجا، فتكلمت عن الأسلوب الذى سماه منهجا وعن تطبيقه لهذا المنهج، وعن الشك الذى اصطنعه، وبدأت أدلل على أن ما يقوله عن «المنهج» و«الشك» غامض، وأنه مخالف لما قاله ديكارت، وأن تطبيق منهجه قائم على التسليم تسليما لم يداخله الشك بروايات فى كتب هى فى ذاتها محفوفة بالشك».

يواصل شاكر: «انتهرنى الدكتور طه وأسكتنى، ثم بعد المحاضرة أرسل ينادينى، وجعل يعاتبنى، يقسو حينا ويرفق أحيانا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد، لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته مسلوخة من مقالة مرجليوث، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكنى كنت على يقين أنه يعلم أنى أعلم، ولم أزل مطرقا حتى وجدت فى نفسى كأنى أبكى من ذل العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال وقضى الأمر، ويبس الثرى بينى وبين الدكتور طه إلى غير رجعة».

يضيف شاكر: «من يومئذ لم أكف عن إذاعة الحقيقة وهى أن طه حسين قد سطا سطوا كريها على مقالة مرجليوث، فكان بلا شك يبلغه ما أذيعه بين زملائى، وطال الصراع غير المتكافئ بينى وبينه، إلى أن عزمت على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها، غير مبال بإتمام دراستى الجامعية، طالبا العزلة، حتى أستبين لنفسى وجه الحق فى «قضية الشعر الجاهلى». بعد أن صارت عندى قضية متشعبة كل التشعب.

القصة الرابعة: سافر شاكر وهو فى الثامنة عشرة من عمره إلى المملكة العربية السعودية ليكون أول ناظر لأول مدرسة أقيمت بجدة، بعد عامين عاد لمصر، وكتب كتابه الأشهر «المتنبى» فى عام 1936 ومكث لا يرى أستاذه القديم طه حسين حتى جاء العام 1937 فى فترة القطيعة هذه كان العميد قد تراجع بصورة تكاد أن تكون صريحة عن رأيه فى زيف الشعر الجاهلى وذلك من خلال مقالاته الشهيرة «حديث الأربعاء»، التى راح فيها يشرح روائع فحول الجاهلية، وهم أنفسهم الذين كان قد نفى وجودهم!

كان شاكر قد نسب المتنبى للعلويين، فجاء العميد الذى اعترف بإعجابه بكتاب شاكر ونسب المتنبى ــ نستغفر الله العظيم ــ إلى الزنى، فشاعر العربية الأكبر هو عند العميد «لقيط» وإذا سألت العميد، وما دليلك على هذا القول الفاحش الشنيع؟ يجيبك العميد: «المتنبى لم يذكر أمه فى شعره». سبحان الله كأن كل من لم يذكر أمه فى أدبه هو لقيط، غفر الله للعميد زلته.

كلام العميد عن المتنبى وما أخذه عن شاكر ولم ينسبه إليه هيج مجددا ثورة شاكر فكتب عن العميد مقالات حملت عنوان «بينى وبين طه» هى إلى طلقات الرصاص أقرب منها لمقالات الصحف.

القصة الخامسة والأخيرة: لم يكن طه حسين رحمه الله رجلا عابرا لقد كان أستاذا له تلاميذ فوق الحصر، تلاميذ العميد غضبوا لأستاذهم وحاصروا الشيخ بصمت مميت، وأعانهم هو على نفسه بعزوفه عن وسائل الإعلام، التى لم تلتفت إليه حتى بعد فوزه بجائزة الدولة التقديرية وجائزة الملك فيصل العالمية.

د. مصطفى صلاح
23-09-2009, 11:58 AM
مع محفوظ والكبار

آخر تحديث: الاثنين 20 يوليو 2009 12:12 م بتوقيت القاهرة
إعداد: حمدى عبدالرحيم -

http://www.shorouknews.com/uploadedImages/Sections/Culture/nagib.jpg



قامت صلات وثيقة بين شاكر وأكابر عصره، ومنهم الأستاذ العقاد الذى كان الشيخ شاكر يرى ظلالا من الجفوة فى أسارير وجهه، أرجعها شاكر لما كان العقاد يعرفه من علاقة شاكر بالرافعى خصم العقاد اللدود.

ولكن تلك الجفوة زالت وحلت البشاشة محلها، فعندما أخرج شاكر كتابه «المتنبى» ناداه الأستاذ العقاد وكنا معا فى «المترو» متجهين لمصر الجديدة.

وانطلق العقاد فى حديث يصفه شاكر قائلا: حديث ملؤه النوادر والفكاهات التى يحبها العقاد ويحسن سردها، فأيقنت أنه قرأ كتابى وأن تلك الحفاوة التى لم آلفها، كانت أثرا من أثار قراءته للكتاب.

يحكى شيخ مشايخ الرواية العربية الراحل الكريم الأستاذ نجيب محفوظ عن علاقته بشاكر فيقول: جاء شاكر إلى مصلحة الفنون التى كنت أعمل بها لزيارة رئيسها صديقنا يحيى حقى، وعندما رأنى قال لى: «اسمع يا نجيب بقى لك خطوتين وتكتب الفصحى، تعالالى أعلمك» يكمل الأستاذ نجيب القصة قائلا: خفت على فنى من بلاغة شاكر فلم أذهب إليه.

أما يحيى حقى فقد وقع فى غرام «العلم الشاكرى» حتى إنه قال أكثر من مرة وفى أكثر من مناسبة: «كتابتى قبل معرفتى بشاكر شىء وكتابتى بعد معرفته شىء آخر، لقد قرأت على يديه أمهات الأدب العربى.

الوضع ذاته ينطبق على الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل الذى قال: «لقد طوح بى شاكر فى بحور الشعر العربى».

ولم تكن علاقة الشيخ مقصورة على الأدباء فقط بل كانت له علاقات وثيقة بكبار السياسيين، وعلى رأسهم السياسى الكاتب الأستاذ فتحى رضوان وغيره من السياسيين الذين كانوا يجتمعون على مائدة الجمعة.

وكان شاكر محبا لصوت أم كلثوم ويراها اختصارا للغناء العربى، وقد قال لى ابنه الدكتور فهر: «عقد أبى العزم على كتابة مقال مطول عن أم كلثوم التى كان يعجب بها أشد الإعجاب ويشيد بمتانة علاقتها بالشعر العربى وحرصها على دقة مخارج حروفها، إلا أنه مات قبل أن يتم كتابة المقال.

وبعد، فقد توفى الشيخ محمود محمد شاكر عن 88 عاما قضاها مدافعا عن أمته ولسانها العربى المبين، وكانت وفاته يوم الخميس 7 أغسطس 1989، رحمه الله ونفعنا بعلمه.

وليـد
23-09-2009, 06:18 PM
رحمة الله - تعالى - على الشيخ محمود محمد شاكر .

عامر مشيش
23-09-2009, 06:57 PM
رحمة الله - تعالى - على الشيخ محمود محمد شاكر .


آمين،
بوركت أبا دجانة على الننقل الجميل
وغفر الله للذين يغفلون نقط الياء.

بل الصدى
24-09-2009, 02:42 AM
آمين،
بوركت أبا دجانة على الننقل الجميل
وغفر الله للذين يغفلون نقط الياء.

و لمن يزيدون النون !!

عامر مشيش
24-09-2009, 02:50 AM
و لمن يزيدون النون !!

شكر للأخت الفاضلة بل الصدى:)
أنا زدت النون سهوا لكن هم ينقصون النقط عمدا فتجدين كتابا كاملا أو محققا كل ياء فيه ألف مقصورة وأتمنى أن تنتهي هذه المعضلة لكن يبدو أن الصحف المصرية ما زالت تكتب بهذا الخطأ وهو خطأ شنيع ليس له ما يبرره وإن كان مجمع اللغة العربية أجازه فهذه مصيبة.

عبد المنعم السيوطي
24-09-2009, 03:07 AM
فتجدين كتابا كاملا أو محققا كل ياء فيه ألف مقصورة
ليتك توضح هذه النقطة ، فلم أفهمها .

عامر مشيش
24-09-2009, 03:25 AM
مثلا
(على بن أبى طالب) ومثله في منقول إبي دجانة.

عبد المنعم السيوطي
24-09-2009, 03:30 AM
التفريق بين الألف المقصورة في مثل (على الشجرة) والياء في مثل(علي بن أبي طالب) بوضع نقطتين تحت الياء طريقة شامية مستحدثة لتمييز بينهما ، وهناك خلاف فيها ، والأصل عندي أنها خارجة عن رسم العربية وقواعده ، ولا بأس منها في هذا العصر الذي عسر فيه على القارئ التفريقُ بينهما ، والقرآن جاء بالتسوية بينهما في الرسم ، وكذلك الأمر في المخطوطات العربية ، فالقول عندي أن من لم يلتزمها فلا تثريب عليه .

عامر مشيش
24-09-2009, 03:54 AM
التفريق بين الألف المقصورة في مثل (على الشجرة) والياء في مثل(علي بن أبي طالب) بوضع نقطتين تحت الياء طريقة شامية مستحدثة لتمييز بينهما ، وهناك خلاف فيها ، والأصل عندي أنها خارجة عن رسم العربية وقواعده ، ولا بأس منها في هذا العصر الذي عسر فيه على القارئ التفريقُ بينهما ، والقرآن جاء بالتسوية بينهما في الرسم ، وكذلك الأمر في المخطوطات العربية ، فالقول عندي أن من لم يلتزمها فلا تثريب عليه .

بارك الله فيك أستاذي جلمود
هي في هذا العصر من الضرورات الملحة لأن بعض القراء يلتبس عليهم المراد
والحتراز من الخطأ فيما هو مظنة خطأ واجب.

عبد المنعم السيوطي
24-09-2009, 04:04 AM
لو أخذنا بتقافة القارئ في تقرير قواعد العربية ورسومها لضاعت اللغة ، ومع إباحة كل عصر ما عسر عليه ستختفي العربية لتحل محلها لغة أخرى ، فمجمح اللغة العربية مثلا أصدر فرمانات مردودة عليه تسهل الكتابة وتخالف قواعدها لأنها أصبحت عسرة على القراء في هذا العصر ؛ فأجازوا مثلا رسم الألف اللينة ألفا باطراد دون النظر إلى أصلها ، فجاء رسم الكلمات المجاز هكذا :
هدا ـ مصطفا ـ أذا .
تحياتي !

عامر مشيش
24-09-2009, 04:12 AM
لعلهم كانوا يرون في هذا الاقتراح حلا لمشكلة الياء ونقطتيها:)

د. مصطفى صلاح
27-09-2009, 01:48 PM
أخي وليد

الأستاذة بل الصدى

شكرا لمروركما العطر


جلمود - عامر مشيش

إثراء ولا أروع، و مناقشة ولا أجمل، تستحق أن يُفرد لها موضوع ..

بارك الله فيكما

أبو الطيب النجدي
28-09-2009, 07:12 AM
حياك الله أبا دجانة
موضوع رائع يستحق القراءة و لكن
يبدو لي أنكم لم توفقوا في اختيار تركيب الموضوع !
فقولك : أدباء رحلوا و هم بيننا , يفهم منه : أن هؤلاء الأدباء على أنهم بيننا الآن إلا أنهم كالراحلين و هذا غاية في سب و احتقار من وصفوا به قصدا ؛ فهم على هذا المعنى كالذي لا قيمة له !!
و هم كالذين في عجز هذا البيت :
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم = و عاش قوم وهم في الناس أموات
ولو قلت : أدباء بيننا وهم راحلون ؛ لكان أنسب و أبعد عن غير ما أردتَ
أو قلت : أدباء بيننا و إن رحلوا
هذا ما قادني إليه فهمي وقد لا أكون موفقا و السلام