المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : السومرية هي أصل لغات المنطقة/ د. عبدالمنعم المحجوب



نائل عبد العزيز
06-11-2009, 12:29 PM
منقول***
وليد الزريبي
جريدة القدس العربي
02/10/2009



نشرت صحيفة القدس العربي عدة مقالات وردود حول كتاب (ما قبل اللغة.. الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية) للباحث والمفكر العربي عبدالمنعم المحجوب.. وقد أثار هذا الجدل ردود فعل متنوّعة بين الرفض والتبني.. وفي كل الأحوال فإن استمرار هذا الجدل يدلّ على الصدمة المعرفيّة التي أنجزتها أطروحته تلك، حتى ليصح وصفه بأنه يقلب المعطيات العلمية المتداولة رأساً على عقب، فالسومرية كما يعرف الجميع لغة لا صلة تربطها بأيّ من اللغات المجاورة لها، معجمياً وصرفياً، ولكن دفاع د. المحجوب الرئيسي هو أننا حتى الآن لا نفكّر من الناحية المنهجية سوى في مستوى من البحث الفيلولوجي نريد للغات أن تتناسخ فيه، بينما نهمل الآليات المتشعبة للانتشار والتحوّل اللغويين وما يحدثانه من إزاحة دلاليّة، ولعلّ أكثر فرضياته إثارة للجدل تلك التي يقول فيها ان اللغة العربية كانت في مرحلة من مراحل تطورها لغة مقطعية، كالسومرية تماماً، إلا أن العرب لم يعرفوها إلا في شكلها الاشتقاقي الذي أثبتته المعاجم العربية.
هنا حوار معه حول أهم ما أورده في كتاب (ما قبل اللغة) من فرضيات.

لك نظرية في علاقة اللغة السومرية باللغة العربية، ومجرد التفكير في ذلك يُعتبر غريباً لأن السومرية كما هو معروف لا صلة لها بأية لغة أخرى، كتابك (ما قبل اللغة) يربك القرّاء إلى درجة الشكّ في كل ما تعلموه؟
لنفكّر أولاً في هذا التشميل، هل توجد لغة في العالم لا علاقة لها بأية لغة أخرى؟ هذا الافتراض يتطلب خيالاً استثنائياً، كأن نتصوّر بيئة إنسانية نشأت في عزلة مطلقة ثم اندثرت دون أن يعرفها أحد، إذا كان هذا ممكناً من الناحية الواقعية فإنه لا يتفق مع السومريين الذين كانوا أساس ما نعرفه الآن من تاريخ وحضارة وعلوم وأديان.
ما يتصل بالسومرية استقرّ كيقين علمي لأكثر من مائة سنة، لم نكلّف نحن العرب أنفسنا عناء البحث، كنا نعتقد أن الجذور هي ما درجنا على اعتباره جذوراً لغوية فقط، لم نكلّف أنفسنا عناء الحفر أعمق. هل كنا نخشى على المعول أن ينكسر؟ لماذا هو معولٌ إذن؟ بدل أن تكون لغتنا حارسة لنا، لكياننا، لهويتنا، صرنا حرّاسها، غلّفناها بالمقدّس والغيبي، صادرنا سمتها الإنسانية، وجعلناها وثناً، نفكّر بها دون أن نفكّر فيها.
اللغة مَخْبَر بشري، بقدر ما نخضعها إلى الاختبار والتجريب بقدر ما نجعلها أقوى وأطوَع، نجعلها قابلةً وقادرة، قابلة للتجدّد وقادرة على الاستمرار في أبنية وأشكال جديدة، لغة زمنيّة لا لغة فوق الزمن أو خارجه، نحن صنيعة اللغة هذا صحيح، لكن اللغة صنيعة التاريخ، فإذا جعلنا اللغة فوق التاريخ نكون في الحقيقة قد حكمنا على أنفسنا بالبقاء خارج التاريخ، خارج العالم، الأنكى من ذلك أننا نتصور العالم انعكاساً لنا في مرآة لغتنا، هذا انتحار، نحن ننتحر جماعياً ونحكم على أنفسهم بالانقراض من أجل أن تكون لغتنا حيّةً، بينما نحن نحنّطنها. إذا أردنا للغتنا أن تحيا فعلاً فلننزع عنها ما راكمناه عليها من أغلفة، مرّة باسم الدين، ومرّة باسم السلطة، ومرّة باسم المالايجوز.. إلى آخر هذه المحرّمات التي تجعلنا أشبه بالآلات الحيّة!
العربية الآن ربما تعيش اسوأ تحدياتها في مواجهة العولمة اللغوية؟ فاللغة الإنكليزية مثلاً تتقدم عليها كثيراً؟
التحديّات التي تواجهها العربية قد تكون الأسوأ، لكن اللغة العربية الآن تعيش أروع لحظاتها، والعربية كفيلة بأن تخوض حربها لتنتصر فيها إذا كان العرب أنفسهم أهلاً لخوض هذه الحرب. أنا أدّعي أن لغتي ورثت تجارب الأمم، وأنها تقود الكلام إلى غاياته، بما فيه من فصاحة وبما فيه من رطانة أيضاً.
سأنتقل من هذه الحماسة إلى العلم كما تعلّمنا أن نتكلم فيه بفعل تأثيرات العالم فينا، لا العلم في مفهومه العربي، أعني أننا بحكم ما استقرّ لدينا إذا تحدثنا علميّاً سنلجأ إلى أساليب متأصلة ومؤصلة فينا، لكن هذه الأساليب أصبحت مهجورة ومهملة الآن، لندرس علم الأساليب وتاريخها كي نكتشف ذلك، ربما إذا أراد أحدنا اليوم أن يكون أكثر فصاحة وبياناً، فعليه أن يلجأ إلى الإنكليزية مثلاً.
العربية الآن لا تصمد أمام الإنكليزية، أعني استعمالياً، الإنكليزية لغة طارئة على تاريخ الحضارة، لغة عابرة، لكنها في الحقيقة تتصدّر الآن قائمة أكثر اللغات استعمالاً في العالم، لماذا؟ لأنها لغة وقحة، الإنكليزية لغة عارية، وقحة حتى في تعبيرها عن أكثر المشاعر رهافةً، وعارية حتى في تعبيرها عن أكثر الأحوال استبطاناً، وهذا للمفارقة أحد أهم أسباب قوتها. هل تستطيع مثلاً أن تترجم لها محيي الدين ابن عربي (من العرب) أو فريد الدين العطار (من الفرس) أو محمد إقبال (من باكستان) أو حتى المزروعي (من أفريقيا)، دون أن تلعن هذه اللغة الوسيطة بينك وبين العالم، دون أن تسخر من نفسك لأنك لا تجد غيرها للتعريف بثقافتك في يوم الناس هذا؟ أقول ثقافتك لأن جميع الأسماء التي ذكرتها عربية أصيلة وإن اختلفت بلدانها وبيئاتها المحلية.. حتى إذا ترجمنا لها ملحمة غلغامش، وهو نص فوق تاريخ اللغات، سيصيب هذه الملحمة الكثير من التسطيح. هل تدرك ما أقول؟ أشكّ في أن جميع من تعرّف على ملحمة غلغامش عن طريق الإنكليزية قد توصّل إلى الأبعاد التي رمى إليها هذا النص الخالد! الإنكليزية لغة عارية، لغة مياومة، لغة سياسة، لغة إعلام وShow وEntertainment. الإنكليزية تنتصر لوقاحتها وسلاطة مفرداتها، كما كان الأكديون يسمون لهجة Emesal السومرية غير الفصحى لأنها خليط بين الأصيل والعابر بوصف (لِشانُ سليطُ)، لهذا تتقدّم الإنكليزية الآن وتكتسح المجال اللغوي في العالم، لا لعظمتها كلغة، لا لأهليتها، بل لوقاحتها وعُريها.
لغة شكسبير التي يميّزها الدارسون في تاريخ الإنكليزية هي لغة مستعارة في أسلوبها وبلاغتها، بلاغة شكسبير بلاغة شرقية، لهذا السبب بدت كابتكار وكإبداع لا مثيل له، لأنها اجترحت ما لا يعرفه المتكلمون بها، هذا هو الفرق بين الاستعمال وبين جوهر اللغة، المسألة لدينا أن الاستعمالي المنحط في العربية هو السائد، بينما البلاغي الرفيع هو المهجور.
الكثيرون يدافعون عن تطوير العربية من هذا المنطلق، أي من باب مواكبة اللغة للعصر الحديث؟
هؤلاء يقتلون العربية، لسبب بسيط، غاية في البساطة، لأن اللغة العربية لا يمكن لها أن تتطور بمعنى مواكبة العصر، هذا ضحك علينا نحن المتكلمين بالعربية، العربية منظومة مغلقة لا سبيل إلى إضافة الجديد لها، السبيل الوحيد لجعلها تواكب الجديد هو النهوض بها من داخلها، لا من خارجها، هو العودة إلى المهمل والمهجور والمتروك، العودة إلى ما ضيعته الترجمة والمواكبة وإحلال الأساليب الغربية في استعماليتها ومياومتها، الجذور العربية الضاربة في القدم إلى درجة احتواء السومرية هي أقدم ما تلفّظ به البشر حتى الآن، لماذا نخشى إعلان هذه الحقيقة اللغوية، لقد حاربني الكثيرون، بعضهم لأنني 'أذيب' اللغة العربية في اللغة السومرية، وبعضهم حاربني باسم الإسلام لأنني أنزع عن لغة القرآن قدسيتها، وبعضهم حاربني بدعوى القومية الأشورية لأنني أنزع منها ريادة الساميّات، ما هذا النزاع السريالي.
السرياني!
السريالي، ليته كان سريانياً.. هؤلاء جميعاً أحاديو الرؤية، تخيّل معي أن معرفةً باللغات تستطيع أن تقيم هذه الصلة بين السومرية والأفروآسويات، ما الذي يحدث عندما نعمّم المعرفة بأن السومرية هي مبدأ ومنشأ الأكدية والأشورية والكنعانية والعبرية والجعزية والسبأية والأوغاريتية والمؤابية والأدومية والآرامية والسريانية والمندائية والسبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية والسُّقُطرية والمهرية والشحريّة والمصرية والقبطية والتارقية والشاوية والشلحية والقبائلية والمزابية والحوسا والسواحيليّة وأكاو والفلاشا والجعزية والأرغُبّة والتغرينية والتغريّة والحَرَرَيّة والغَفَت والماو والديزي والغونغا والمالطية ولغة جزر الخالدات، هذه اللغات تنتمي جميعاً إلى أصل واحد هو السومرية، بل أن دراستي للغة قبائل التبو في الصحراء أثبتت صلات أخرى بالسومرية كانت غائبة حتى هذه اللحظة. إن الأمثلة المقارنة تعدّ بالمئات. إذا تمّ تعميم هذه المعرفة فإننا نستعيد لهذا الخلْق بين المحيط الكنعاني والأحواز العربية تاريخاً يمتد إلى 12 ألف سنة، نذهب بهم إلى ما قبل انحسار آخر عصر جليدي، نجعلهم يؤسسون الحضارة الإنسانية، نجعلهم يصنعون الأديان، يخلقون الآلهة، يبنون الأسواق، يقيمون المدن، يؤثثون الحياة، ويخترعون التاريخ.. مَن نرى الآن من شعوب وقبائل في الشرق الأدنى، في غرب آسيا، وشرق وشمال أفريقيا، العرب في أفراسيا، هم أصل الحضارة، هم أصل الحياة.
إذا كان كلّ هؤلاء ينتمون إلى أصل واحد، فكيف تنظر إلى اليهود الآن الذين يتحدثون العبرية، وهم جزء من الكتلة التاريخية الحضارية التي تدعو إليها؟
اللغات التي ذكرت جميعاً تنتمي إلى أصل واحد هو السومرية التي توضّعت وتوطّنت فيها.. إسرائيل جسم غريب في الكيان التاريخي العربي، كدولة لا كشعب، قبل 48 في الواقع قبل 37 لم يكن يوجد مجتمع عربي، مدينة، أو قرية، لم يكن يحتوي على حارة لليهود، لقد عاشوا بيننا كما عشنا، مارسوا نفس الأعمال، بل اعتدّوا بأنسابهم في ما بين عائلاتهم وأسرهم كما كنا نفعل، إسرائيل ذوّبت هذه التفاصيل الإنسانية، لأنها نشأت باسم الربّ 'جيفه'، إسرائيل آلة قتلٍ، هي ليست مجتمعاً إنسانياً يمكنه أن يحيا بمنطق التاريخ، بمنطق الحياة.
يوماً ما سوف يكون الصهاينة أكثر من يندم على مغامرة هذا الكيان اللقيط، في الحقيقة سوف نشفق عليهم أكثر مما يفعلون بأنفسهم، هذا منطق التاريخ، ولا حلّ أمامهم إلا العودة إلى التاريخ، اليهود جزء تاريخي من الأمة العربية، فإذا أراد هذا الجزء أن ينفصل ويستقل فإن عليه أن يبحث عن مخبر بيولوجي كما أطفال الأنابيب أو الكائنات المستنسخة، العالم لم يقر الإستنساخ على مستوى الدول بعد، أو لعلّه فعل. الحل الوحيد هو أن يتعايشوا، هو أن يقيموا دولة واحدة ثنائية الحزب، لا ثنائية القومية، لأن العرب واليهود هما جزءان من تاريخ واحد يبدأ من سومر. شاؤوا أم أبوا، لا وضع بديل يمكن للتاريخ أن يتوطّن فيه مهما كان منطق المصلحة السياسية هو الغالب.
إذا تكلمنا عن اللغة العبرية كأساس للدين اليهودي، وإذا تكلمنا عن اليهودية كأساس لنشأة دولة إسرائيل، أقول لك أن التراث العبراني جميعه لا معنى له خارج تراث أفراسيا، لقد وضع الدكتور فاضل عبدالواحد كتاباً بعنوان من ألواح سومر إلى التوراة، وبين فيه كيف أن اليهود، وهم جوّالون في البلاد، قد اقتبسوا الأساطير السومرية ليجعلوا منها أصلاً كوسموغونياً توراتياً، عملي يضيف إلى جهده بعداً تأسيسياً جديداً يتّصل باللغة، خذ مثلاً كلمة (تِ) أو (تي) ti ، هي في السومرية: سهم، حياة، ضلع. ولهذه الدلالات في السومرية أسباب متّصلة، لكن عندما قام الناسخون العبرانيون بنقل أساطير سومر ليضمّنوها كتابهم الذي تحوّل إلى نص مقدّس بعد ذلك، اختلط عليهم الأمر بين معنيي الحياة والضلع، فنسبوا (الحياة) وهي أصل اسم (حواء) إلى الضلع، أي إلى ضلع آدم، لأن الكلمتين تلفظان في السومرية بنفس الطريقة، تي، والخلق على هذا النحو لا وجود له سوى في التوراة.
هل تؤمن بوضعية النصوص المقدسة؟
أؤمن بتاريخية هذه النصوص، لكن التوراة نص كتب عدّة مرات، والإنجيل تفصل بينه وبين عيسى مئات من السنين، هناك في الحقيقة أكثر من عيسى، وهناك أكثر من موسى، وما يجعل محمداً واحداً هو اتصال التواتر في نقل هذا النص، أي القرآن، بين مرحلة زمنية وأخرى، حتى وإن اختلفنا في اتصال وتواتر غيره من النصوص.
نعود إلى اللغة العربية وعلاقتها باللغة السومرية!
لا شيء أكثر مما كتبت في (ما قبل اللغة)، أعمل الآن على كتاب (التجريد) الذي أتوقع أن يصدر بين 10 إلى 15 جزءا على مدى السنوات القادمة، وهو معالجة شاملة لجميع المداخل المعجمية كما حفظتها لنا أمهات المتون العربية القديمة من خلال ردّ جذورها إلى السومرية وكشف تطابقها اللفظي والدلالي.. لقد وجّهتُ دعوة إلى اللغويين العرب لتأسيس مَخْبَر لغوي يعمل على أساس نظرية الأصل السومري، وما زلت في الانتظار.. وصلتني ردود لباحثين أصدقاء أحترمهم وأجلّ عملهم، أما أصحاب النظريات فيبدو أنهم يخشون على أرصدتهم الأدبية، على رأسمالهم الرمزي، بالرغم من أن أحداً لم يقدّم نقداً فعلياً لنظرية الأصل السومري بل عمدوا إلى تكرار ما كنا نسمعه على مدى أكثر من مائة عام وكأنه نص مقدّس.
اللغة العربية التي نعرفها مرّت بمراحل لم نعرفها، لأنها كانت خارج التدوين، ولا يمكن اكتشاف تلك المراحل إلا بالتدقيق في بنيتها، في صواتتها، وفي نِسابَة مفرداتها قياساً بالسومرية. وعندما أقول أن السومرية متوطّنةٌ قارّةٌ في العربية فأنا لا أعني أن العربية فرع لغوي من السومرية، كما درجت العادة في تصنيف اللغات واللهجات، أنا أعني حرفياً أن السومرية هي (حالة جنينية) تطوّرت إلى اللغات الأفروآسيوية، بما فيها اللغة العربية، بل إن اللغات الهندوأوروبية ليست استثناءً، لقد نشأت اللغات الهندوأوروبية في مسار القوس السنسكريتي العظيم بالتقاطع مع بلاد ما بين النهرين، هذه قراءة لا تفتقر إلى الشواهد؛ المئات، بل الألوف من الشواهد المقارنة تترى أمامي، هذه القراءة في حاجة إلى بعض الوقت فقط.
أي أن السومرية هي اللغة الأم، أول لغة في العالم؟
إذا كنا نذهب في السومرية إلى الفونيم المجرّد، إلى الحرف في حركته البسيطة، فكيف يمكن أن نفكّك الكلام إلى أبعد من ذلك؟ هل يمكن الوصول بصوت الإنسان إلى طبقة في التلفّظ أعمق من هذا؟
ماذا يعني ذلك من الناحية التطبيقية؟
في الدرس اللغوي التطبيقي للصّواتة لا يمكنك أن تفكّك حرف الهمزة مثلاً إلى أبعد من حركة واحدة، وأقول حركة لا vowel، (ءَ) مثلاً، (ءِ)، (ءُ)، أو (بَ)، (بِ)، (بُ)، إلخ. هذه كلمات سومرية تامّة الدلالة، وهذه المقاطع أو الكلمات التّامة الدلالة متوطّنة في جميع اللغات الأفروآسيوية، وعلى الأخص العربية، خذ (لَ)، أو (لِ)، أو (لُ) مثلاً، نأخذ (لُ) lu ، هي في السومرية (إنسان)، (رجل)، كوّنت هذه الكلمة الحرف في السومرية كثيراً من الكلمات بفعل الإلصاق، أي بضمّ مقطع إلى آخر لتكوين كلمة، منها مثلاً على الأشهر (لُكَل) lugal، وتعني: ملك، هذا الحرف الكلمة في العربية هو (ءَلْوَ)، أو في صيغته المعجمية لا الصواتية: ألوى alwa ، وهو أيضاً (الآلُ)، (آلٌ) alun فالآل هو الرجل وإن كانت الكلمة قد انصرفت في هذا الزمن إلى آل الرجل وأهل بيته، فكلمة 'لُكَل' lugal هي في التأثيل العربي الفصيح (آل جَلّ)، و(ألوى جَلّ)، أي (رجل كبير)، و gal هي (جلّ) أي الكبير، أو الجليل، أو الجَلّ. هذان الحرفان الكلمتان كوّنا في مسار آخر نحو الجنوب كلمة عربية تامّة مفردةً هي: (القيْل) alqayl بمعنى: الملك.
الكلمة الحرف، أو الحرف الكلمة (لُ) lu كوّن مثلاً: لُكُ lugu، أو لغو، فالحرف (لُ) lu أي إنسان، في اشتراكه مع الحرف (كُ) أو (غو) أي صوت، أدّيا معنى (لغو)، ومنه (اللغة)، وأدّى في ما بعد إلى logo أو logos اليونانية، بنفس الدلالة، وإن كانت هذه الكلمة ستتنوع دلالاتها في ما بعد إلى معان أخرى منها: العقل، الروح، واصطلاحاً سيُضفَى عليها بعد المسيحية معان كهنوتية أكثر تحديداً. عموماً.. يمكننا استخراج مئات من الكلمات السومرية التي توطّنت في اللغات الأفروآسيوية بهذا المنهج الدقيق الذي أعتمد فيه على قراءة السومرية جذرياً وقراءة العربية، واللغات العاربة، مقطعياً. وقد لا يتعدّى إسهامي هذه الإضافة المنهجية، لأن التطبيقات تتالى وتتواتر وتتكشّف لكل من استخدم هذا المنهج في أية لغة افروآسيوية أخرى، ويمكن لأي ممارس أو متعلّم في أية لغة أخرى أن يصنع قاموسه الخاص، هذه المعرفة مشاعة إلى هذا الحدّ، طالما أن مفتاحها هو ما ذكرت لك.. فهل لك أن تتخيل إلى ما سيؤول أمر هذه القراءة، أقول لك باختصار.. السومرية هي أمّ اللغات المعروفة في العالم الآن، لكنها السليل المباشر للغة العربية واللغات الأفروآسيوية.
أليست العربية جذرية إلى الدرجة التي يبدو فيها هذا المظهر الإلصاقي في اللغة غريباً عنها؟ ألا تبحث عن الشواهد التي تدعم نظريتك، بينما تهمل الشواهد التي لا تدعمك؟
في ما يتصل بالمنهج الذي اخترته لست انتقائياً. لقد ترددت كثيراً، لأكثر من عشر سنوات، لأعلن نتيجة عملي، اختر أية كلمة عربية من أي معجم عربي قديم واختبر هذا المنهج، لن تجد مفردة واحدة لا تندرج تحت هذا التسلسل اللفظي، وهناك بالطبع مبدأ الإزاحة الدلالية وإعادة التشكّل كما وضحته في (ما قبل اللغة)، أقول لك أننا في السومرية نعود إلى الفونيمات الأساسية في صيغتها الأكثر تجريداً، إلى أي شكل آخر من بدائية التلفّظ علينا أن نذهب، وأكرّر القول ان العربية مرّت بمراحل لا نعرفها لأنها كانت خارج التدوين، ما أقوم به هو نوع من الترميم، نوع من البحث عن القطع الضائعة وإعادة توطينها لتكتمل الصورة.
كيف تقيّم هذا المنهج؟ وكيف تصفه بين مناهج اللغة؟
مهّدت حقلاً جديداً، وزرعته، وإنني في انتظار أن يثمر. أشعر أن هذا الحقل جديد، وذهب الآخرون يصفون ترابه قالوا أنه غير ذي زرع، وعندما عمدت إلى تمهيده رأيتهم يأسفون لجهدي وقرّروا مسبقاً أنه سيؤول إلى البوار. الزمن كفيل بمواسمه وفصول حصاده.
تتحدّث مثل راءٍ، من الناحية العلميّة كيف (تقيّم) عملك؟
طلبت مني أن أصف. ولقد فعلتُ. أما إذا عدنا إلى السومرية فهي لغة إلصاقية لا صلة لها بما جاورها من اللغات، هكذا تعلمنا على يد الرواد من قراء المسماريات، وهذا ما يقرأه الآن طلبة الجامعات وكليات الدراسات الشرقية واللغات القديمة، يعلّمونهم أن السومريين جاؤا ثم ذهبوا، لا أحد يعرف من أين ولا إلى أين، كأنهم نجم مذنّب مرّ في السماء دون أن يتوطّن الأرض، حتى أن العلماء اليهود مثل هاليفي الذين استشعروا الخطر على تراثهم المقتَبَس الذي حاولوا أن يعزلوه قالوا أن السومرية هي لغة بدون شعب، لغة لأن الكهنة البابليين اخترعوها ليتحدثوا ويتراسلوا بها سراً، ودون شعب لأن الألواح المسمارية لا تقول لنا ما هي سومر ومن هم السومريون.. وقد سار على نهجهم هذا باحثون عرب مثل د. نائل حنون، الذي أعتبره من الباحثين القلائل المتميزين في تاريخ العراق القديم، وأيده د. عثمان سعدي، الذي أجلّ عمله وأكبره جداً في تخصّصه الأمازيغي، هذا وجه من الصورة، جانب منها فقط.
الوجه الآخر، وهو مثل قاعدة جبل الجليد التي لا تبدو سوى قمتها على السطح، هو أن تراثنا لم يقدّم حتى الآن ضمن رؤية تستلهم الحراك الاجتماعي والتاريخي، بما في ذلك تحولات اللغة وأنماط الإنتاج والمعتقدات، وفوق ذلك ما مرّ بالمنطقة من تحولات طبيعية.. وأعتمد تأسيساً لقراءتي هذه التحولات، أي الطبيعية، لأبدأ حواري مع المناهج والنظريات السابقة.
أسأل أولاً: من هم العرب؟ العرب في اعتقادي، في عقيدتي أيضاً، هم مجموع تلك القبائل والجماعات التي دفعتها التحولات الطبيعية لكي تهاجر شمالاً وجنوباً بدءاً من الجزيرة العربية قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، أو قبل 12 ألف سنة من زمن الناس هذا، وإن كنا سنعود إليها مع إبراهيم كما يصف القرآن رحلته ـ ومن ناحية البحث التاريخي علينا أن نستظلّ بمقولة أنباط العراق كما في الحديث، هذا الحديث لا يعني شيئا من الناحية العلميّة، ولكنه يغذي توجّه البحث وروحه، كانت الجزيرة قد بدأت تخلوا تدريجياَ من سكانها، منهم من رحل شمالاً ومنهم من رحل جنوباً، هذا الترحال في توقعي استمر لمئات من السنين، وقد كان انحسار آخر العصور الجليدية تدريجياً، أي أنه لم يكن زلزالاً حدث بين يوم وليلة، لم يكن خسفاً أو قصفاً، كان تصحّراً استدعى أن تهجر تلك الجماعات والقبائل بشكل تدريجي، وأعتقد أن من بقي من تلك الجماعات والقبائل هم من كوّن في ما بعد ما تعرفهم العربية باسم الأعراب، وهي الصفة التي وردت في زمن شلمنصر الأشوري، لكن الملك الذي أطلق هذه الصفة، أي الأعراب، على سكان الجزيرة، لم يعد يذكر هو أو مجايلوه بمرور الوقت أنهم ينتمون إلى نفس تلك المجموعات والقبائل، الفرق الوحيد أن أسلاف ذلك الملك كانوا قد توطّنوا بيئة زراعية قارّة، صنعوا مدنيتهم، وبنوا مدنهم، وأقاموا هندسة للمعمار والري، واختاروا آلهة جديدة، ثمّ نتيجة لهذا التقدّم في الاستقرار ابتكروا الكتابة.
ابتكار الكتابة كان تعبيراً عن لغة سادت لمئات من السنين وأقول مئات من السنين خشية المجازفة، لأننا قد نقول آلافاً من السنين دون أن تتغيّر معطيات البحث أعني الفرق بين استقرار الكلام وتداوله بين تلك الأقوام المهاجرة، وبين تمثيله من خلال الكتابة المسمارية التي مرّت بأطوارها المعروفة، عدْ إلى (ما قبل اللغة) لتعرف أن اللغة وتمثيل اللغة ليسا منفصلين عن الأنماط الإجتماعية للإنتاج التي سادت في بلاد ما بين النهرين.. الرافدان العظيمان في العراق القديم هما ملحمة خلق، هما ملحمة نضال من أجل أن توجد الحياة، ومن أجل أن يصبح الإنسان على ما أصبح عليه، لا تاريخ إلا بدءا من هذه اللحظة السومرية العظيمة، لا حياة كان من الممكن أن توجد على النحو الذي نعرفه دون المرور بسومر، دون المرور بأوروك وأريدو وغيرهما من المدن الممالك المؤسسة للحياة على الأرض وفي التاريخ.
إذا تصورت معي الألف الرابعة قبل الميلاد، مدينة أوروك أخذت تكتظّ بساكنيها الأصلاء والوافدين والمستعبدين، هذه الطبقات الاجتماعية الثلاث، كان يقابلها طبقات أخرى تمثّلت في الكهنة، والملوك غالباً ما كانوا يخرجون من هذه الطبقة، والتجار والحرفيين والمزارعين، ثم الأرقاء ثم المقايضين من تجار في السلع والنساء والعبيد، هذه هي الصورة البدائية لمجتمع أوروك وغيرها من القرى والمدن الصغيرة التي كانت تجايلها، كان الدين المعتقد قد اكتمل بالنسبة للسكان الذي لجأوا إلى إله أو مجموع آلهة ترعى المدينة، كما اختار كل شخص إلهه أو حارسه الشخصي، كما كان العرب يفعلون قبل الإسلام، وكان الجميع يتحدثون لساناً واحداً، لقد عدت إلى ملحمة (إنمركر وسيد أرتا) وترجمتها في نقحرتها السومرية، اكتشفت أن الملحمة تختلف جذرياً عن الترجمة التي قدمتها لنا جامعة أوكسفورد، هم يقولون أن لسان البشر كان متعدداً، والملحمة تقول حرفياً أن لسان البشر كان واحداً برعاية رب الأرض الإله إنكي الذي جادل السادة والأمراء والملوك، عد إلى (ما قبل اللغة) وعد إلى لقائاتي حيث وضحت هذه المسألة، النزاع بين المدن والقرى السومرية لم يكن نزاعاً قومياً أو لغوياً، كان بالأساس صراعاً على السلطة. لقد عرف العراق القديم أول اشكال سيادة الآلهة على البشر، من هنا منشأ الدين، وعرف أول أشكال سيادة البشر على البشر، ومن هنا منشأ نظرية التفويض الإلهي التي شهدت في ما بعد أشكالاً أخرى كالوراثة في الحكم، والوراثة بالوصاية، كما أن التاريخ يدلّنا على أول الانتفاضات الجماهيرية الكبرى التي حاولت أن تعيد السيادة للبشر جميعاً، أي السيادة الإنسانية والسيطرة على المقدرات.. جميع الفعاليات الإنسانية بدأت منذ تلك اللحظة السومرية في تاريخ العالم.
ما هي الصلة التي تقيمها بين سومر وكنعان والعرب؟
سومر اسم جامع يدلّ على نشأة الأقوام التاريخية التي توطّنت الشرق الأدنى واسّست ممالك ودول وحضارات أخذت أسماء مختلفة، وانفصلت لهجاتها ثم تطوّرت في تلك البيئات المختلفة لتتحول إلى لغات.
إذا عدنا إلى السومرية نجد أن اسم سومر في لهجة إيميسل الشعبيّة هو (كنانغ) والحرف الصامت الأخير كان يُحذف عادةً كلما ذكرت الأسماء خارج السياقات المتصلة في الكلام، أي أنه في واقع الأمر (كنآن) هكذا استقرّ لدينا بصيغة كنعان، وهذا التفسير يجيب على السؤال الذي ظلّ لغزاً حتى الآن وهو أصل الكنعانيين أسلاف العرب الذين يذكر كتّاب التاريخ القديم أنهم ظهروا فجأة ليتوطّنوا الساحل الشرقي للمتوسّط، فالعرب الآن بهذا التحليل هم أقــدم أمة حضارية بمعنى الكلمة على وجه الأرض، أما قرّاء الألواح فقد غيّبوا الصلة بين الرموز المسمارية التي يمكن أن تفيد حرف العين، وقاربوا بين الصواتة السومرية وبين مخارج اللفاظ كما في اللغات الهندوأوروبية، وهذا خطأ علمياً، هذه خطيئة حرّفت مسار البحث اللغوي، ونتجت عنها فجوات كثيرة في مسارات التاريخ، عملي يسعى إلى إعادة تجسير هذه الفجوات لكي نتمكّن من قراءة تاريخنا قراءة سليمة صحيحة.


من هم العرب؟

د. عبدالمنعم المحجوب

(وجد الباحثون أن أول نص ذُكر فيه العرب هو نص أشوري منذ زمن شلمنصر الثالث (858ـ 823 ق.م)، أو الثاني، ملك آشور، والمقصود باللفظة أمارة أو مشيخة يتزعمها رجل بلقب ملك اسمه جَنْدِبُ (جنديبو)، وكانت تتاخم الحدود الأشورية. واختلف العلماء في قراءتها على هذه الصورة: Aribi, Arubu, Arbi, Urbi, Arabi, Arabu, Aribu, Matuـaـrabi ).(1)
لقد وردت كلمة عرب في نصوص أكدية في القرن التاسع قبل الميلاد، ويمكننا اعتبار أن الاسم الأكدي rabbu، (الجذر الكنعاني والآرامي والعبري والعربي: رب rb)، قد نشأ عن الأصل السومري rib الذي يفيد دلالتين رئيستين: الأولى هي علو المنزلة، (to be higher in rank)، والثانية هي الترحال والذهاب، وrib مكوّن أساسي لكلمات اُخر، مثل: sangـrib بمعنى القائد أو المبرّز في الجَمْع أي رأس القوم ، وsang هنا هي: رأس. فالمعنى حصراً هو الرئيس، أو القائد الذي يتقدّم القوم، باجتماع الدلالتين معاً. ولهذا المقطع صيغة أخرى هي riـba التي تفيد العربية لفظاً ومعنى: ربا، بمعنى التعدد، الكثرة، والعلو، والإثنان صيغتان لاجتماع المقطع ri مع ib و/ أو ba. (riـib، riـba)، وأقترح مقطعاً ثالثاً ذا صلة هو bu الذي يكوّن (riـbu)، للمزيد من التدقيق في استقصاء الجذر الأكادي ـ العربي.
(1) ri
(ونظائره: re7، ri6، rê، ir، ir10، eـre7، er) ويفيد الأفعال: يقود، يسوس، يرحل، يذهب، يرافق؛ يحمل، يحضر؛ يضع، يقيم [شيئاً في مكان ما]؛ يحرّك، يمزج؛ يجمع؛ يأخذ؛ يصبّ؛ يحوّل؛ يكتشف؛ يبادل [يقايض]؛ يوطّن. ومن معاني ri أيضاً: ينجب، يلد. والدلالة المصدريّة الأساسية هي الاسم: بُعد. أما كصفةٍ فهو البعيدُ. ونجده في عدة كلمات سومرية تفيد ما نذهب إليه من معنى، مثل:
aـriـa: صحراء، منطقة، قفر، من a: أين + ri: بُعْد + المحدد a. [الإنكليزية area].
aـngçـriـin: مساحة من الأرض مسطحة.
daـri: سائس (من da: يحمي + ri يُحضر). ومنها: daـriـa: مسوس.
(2) ib أي: مكان منعزل، ركن، زاوية.
بهذا فإن المعنى الأصلي للمقطع rib المتحول إلى الأكدية rabbu هو القدوم من مكان منعزل، وأيضاً الرعاة الأباعد (ri في جذر رعى وbi في جذر بعيد).
وله نظير مقطعي أقدم archaic هو ub بالمعنى ذاته، يؤلف العديد من الكلمات، مثل: anـubـda : ودلالته الأولى هي الشساعة والامتداد في الإقليم أو الحقل، (an: سماء + ub: ركن + da: قرْب، وتفيد أيضاً معاً).
(2ـ1) ba
أي: قسم، جزء، أجر، حصة؛ يقتسم، يقسم، يقاسم، يؤجر، يوزع، يدفع (أجراً). والمقطع في الأصل مكون من (biـa) [قارن: بَيْع]، وهو bi والمحدد a، وbi هنا هي: يهمهم [الإنكليزية hum]، يعوي، يصرخ.
وقد نشأ عن اجتماع المقطعين باُخر، كلمات مثل: menـriـba وهي في الأصل: riـba (رِبَا) أي الأعلى [الرابي]، وmen أي: التاج. فالمعنى إجمالاً هو: التاج العالي، ويمكن مقاربتها بالحكم المطلق، وتكتب الكلمة أيضاً menـribـba فتؤدي في هذه الصيغة: حاكم غير مفهوم اللغة، أو ذو رطانة. وأيضاً: [الرجال] ذوو البأس المؤجّرون. لكن men4 التي تُرجمت غالباً بكلمة 'تاج'، هي العمامة (tiara) لكونها من القماش، وبذا فإن المعنى هو: المعمّمون (أصحاب العمائم) الأقوياء، وواضح أن هذا الوصف قد أطلق على الأكاديين الذين قدموا من شبه الجزيرة، ويتضمن مظهراً أنثروبولوجياً يتصل باللباس الصحراوي.
إن المقطع ba مكوّن رئيس لكلمات اُخر، مثل: abـba بمعنى الأب، كما في العربية (2)، والزعيم، الرئيس، وأيضاً: السلف. ومن هذا اللفظ أمكن للسومريين نحت كلمات اُخر، مثل: abـbaـuru أي المدينة ـ الأب، المدينة الرئيسة (العاصمة)، في صيغة أشبه ما تكون بما نعنيه بكلمتي البلد الأم.
(2ـ2) bu
هذا المقطع له صلة بما مرّ على مستوى اللفظ والإحالة، ويؤدي ائتلافه مع ri إلى اللفظ ribـbu القريب جداً من الأكدية rabbu. إن العلامة bu5 تفيد التدافع (to rush around)، وأول تأدياته في المخيلة الأفروآسيوية ما نص عليه القرآن: 'ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض'، فالعرب في 'الجذر' السومري هم المندفعون، المتدافعون في ترحالهم. ويمكن أن نعيد بناء صورة هذا التدافع على هيئة قبائل صحراوية أضطرت (لسبب بيئي غالباً هو الجفاف) إلى هجر مواطنها في صحراء شبه الجزيرة باتجاه الشمال بحثاً عن مواقع آمنة أكثر مدعاةً للتوطّن، وبذا يفيد المعنى الأولي لأصل مفردة عرب في الأكدية rabbu مؤثلة سومرياً في المقاطع: rib، riـib، riـba، riـbu، كما مرّ، المعاني التالية مجتمعةً:
1ـ الرحّل(3).
2ـ ذوو المنزلة الرفيعة [رؤوس القوم]،[الأرباب](4).
3ـ الرعاة، سائسوا المواشي. [= ذوو المِلك].
4ـ القادمون من بعيد(5).
5ـ الكُثْر [لعددهم](6).
6ـ الخلطاء [للجهل بأرومتهم](7).
7ـ المتوطّنون [تمييزاً لهم عمن يقدم لفترة مؤقتة ويعبر].
8ـ المقايضون [المتاجرون مع المحليين بيعاً وشراءً].
وجميع هذه الدلالات محتمل لعدم اختلافه أو تناقض إحالاته. يبقى أن هذا التأثيل لغوي محض، ويمكن لتعدّد إحالاته، مع عدم اختلافها، أن يقود إلى مقاربات أخرى بحسب اتفاق الشواهد والمعطيات الأركيولوجية. فالعرب وفقاً للمدْوَنة الأكدية: رعاةٌ رحّل، جاؤوا من بُعدٍ، وهم كُثْر، أغراب لم يتصل بهم السكان المحليون قبل ذلك، قايضوا ما يحملون، ثم توطّنوا المدن، فكان منهم الحراس [العسس] والتجار [المالكين] ثم الملوك. وهم في ذلك يقابلون الزرّاع القارّين engar أو سادة الحقول (من en: سيد، مالك + agar حقل) وagar انتقلت إلى الأكدية ikkar: للدلالة على الأكرة وحرث الأرض). وقد سجّلت العربية 'رب' أغلب هذه الدلالات.

هوامش:
1ـ د. علي فهمي خشيم، آلهة مصر العربية، ص80 81.
2ـ تماماً كما في اللهجة المغربية (عربيّها وأمازيغيّها) تعني abـba تماماً: يا أبي. مع ملاحظة أن a للنداء، ولها في العربية صيغ متعددة: أ، يا، أيا، أي.
3ـ 'ربو' بصيغة الجمع [الجذر السومري rb]، في المصرية القديمة، هم البدو الرحّل لغةً. والكلمة أيضاً علم على جمْع قبائلِ الليبيين التي غزت مصر في عهد مرنبتاح ثم رمسيس الثالث في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م. وفي هذا التشابه إحالة مؤكدة على التواصل الأفروآسيوي، اللغوي والتاريخي. يقول خشيم ان 'ربو نُقلت إلى اليونانية ليبو أو لوبو lybu، وكثيراً ما يقلب الراء عند النقل إلى اليونانية لاماً، وقد نقلها العبرانيون في التوراة عن اليونان 'لوبيم' بميم الجمع، ثم زادوا عليها هاءً فصارت 'لهوبيم'، أما شامبليون فقد ترجم 'ربو' المصرية إلى بدو، وليس ليبيين'. أعتقد أن تعميماً وتبادلاً قد شملا الصفة واسم العلم، فأنتجا عدم التفريق بين قبائل الليبيين (شمال أفريقياـ غرب النيل) والبدو (شمال صحراء شبه الجزيرة).
4ـ بمعنى (rb) الكنعانية والآرامية: رب القوم، رئيسهم، سيدهم.
5ـ نرى ri في جذر رعي، وbi في جذر بين وبعد.
6ـ قارن الكثرة بـ'ربا'.
7ـ أوّل كامبس اسم Arabion (أرابيون بن مسنسن الثاني) برده إلى 'عرب' في العبرية بمعنى 'الشعب الخليط'، وقال إن هذه التسمية تطلق بصفة خاصة على بدو الصحراء، وقد رفض خشيم هذه الوجهة في تحليل الاسم، وهو محق في اعتراضه، لأن أرابيون اسم علم فرد، واللفظ ليس سوى عَرَبِيٌّ، منوّناً. إلا أن العبريّة 'عرب' (علم على قوم أو شعب) صحيحة من جهة رجوعها (كما في غيرها من اللغات الأفروآسيوية) إلى السومرية، مع التذكير بأن للكلمة إحالات متعددة كثيرة احتفظت كلّ لغة بجزء منها، والعربيّة استثناءً تبدو الأكثر احتفاظاً بمجمل معاني الكلمة؛ راجع لسان العرب.

نائل عبد العزيز
07-11-2009, 10:51 AM
تصحيح: اتى في عنوان المقالة ان الدكتور الجليل عبد المنعم المحجوب تونسي الموطن ولكن الصحيح انه ليبي الموطن ولا فرق

القيصري
09-11-2009, 05:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم

شكرًا للباحث والناقل

القيصري

فارس السبع
03-02-2010, 08:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقال جديد في طرحه ووراءه لغوي بارع
أسأل ..هل يمكن للغة أن تبوح بأسرار لا نعرفها......
حرف الراء واللغة
عرب..فرس..كرد..ترك..أرمن ..سريان.بربر..........
هل هي مصادفة لغوية أن يكون الحرف الثاني هو الراء أم أن هناك جهة كانت تسمي الأمم
فارس السبع
المدرسة اللغوية الثالثة

عبدالله الحميدي
15-02-2010, 10:45 AM
البحث في أصل اللغات قديم. والتشابه بين اللغات موجود.

إختلف الباحثون فى اللغة الأصل. فطائفة قالت هى اللغة السريانية، وطائفة قالت العربية ، وطائفة قالت هى العبرية. وإستقرت طائفة من الباحثين على أن لغة آدم قد تفرقت وأن البحث فيها نوع من العبث لا طائل فيه.

ومن أوجه الشبه بين اللغات وجدتُ أن حرف الميم هو الأساس فى كثير من اللغات. اسم الأم يبدأ بحرف الميم فى أكثر من خمسين لغة.

التعريف بأل في اللغة العربية مشابه له في اللغة الإغريقية وتكتب el

ويجدر هنا ذكر أن اللغات المعروفة في زمننا الحاضر حوالى ثمانية آلاف لغة منها ألفان لغة لها نظام كتابة. وبعضها يتكلمها ويعرفها قليل من الناس. ومن أعرق اللغات وأدقها فى البلاغة والبيان والإختصار اللغة العربية. فهي بحر.