المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : طلب تحليل قصيدة أبي تمام يرثي فيها محمد بن حميد



ياسين 1982
14-11-2009, 02:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو منكم تحليل هذه القصيدة لأبي تمام الذي يرثي فيها محمد بن حميد الطائي ...جزاكم الله خيراً وبارك فيكم

كَـذا فَـليَجِلَّ الخَطبُ وَليَفدَحِ الأَمرُ **** فَـلَيسَ لِـعَينٍ لَـم يَفِض ماؤُها عُذرُ
وَمـا كـانَ إِلّا مـالَ مَـن قَلَّ مالُهُ **** وَذُخـراً لِـمَن أَمسى وَلَيسَ لَهُ ذُخرُ
فَـتىً كُـلَّما فـاضَت عُـيونُقَبيلَةٍ دَمـاً **** ضَحِكَت عَنهُ الأَحاديثُ وَالذِكرُ
فَـتىً مـاتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَةً**تَـقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ
وَقَـد كـانَ فَوتُ المَوتِ سَهلاً فَرَدَّهُ ****إِلَـيهِ الـحِفاظُ الـمُرُّ وَالـخُلُقُ الوَعرُ
وَنَـفسٌ تَـعافُ الـعارَ حَـتّى كَأَنَّهُ ****هُـوَ الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ
فَـأَثبَتَ فـي مُـستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ **** وَقـالَ لَـها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ
غَـدا غَـدوَةً وَالـحَمدُ نَـسجُ رِدائِهِ **** فَـلَم يَـنصَرِف إِلّا وَأَكـفانُهُ الأَجرُ
تَـرَدّى ثِـيابَ الـمَوتِ حُمراً فَما أَتى**** لَـها اللَيلُ إِلّا وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ
فَتىً كانَ عَذبَ الروحِ لا مِن غَضاضَةٍ*** وَلَـكِنَّ كِـبراً أَن يُـقالَ بِـهِ كِـبرُ
أَمِـن بَـعدِ طَـيِّ الـحادِثاتِ مُحَمَّداً **** يَـكونُ لِأَثـوابِ الـنَدى أَبَـداً نَشرُ
مَـضى طـاهِرَ الأَثوابِ لَم تَبقَ رَوضَةٌ****غَـداةَ ثَـوى إِلّا اِشـتَهَت أَنَّـها قَبرُ
عَـلَيكَ سَـلامُ الـلَهِ وَقـفاً فَـإِنَّني ****رَأَيـتُ الـكَريمَ الـحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ
ملاحظة: هذه مقتطفات من القصيدة وليس كلها

ياسين 1982
14-11-2009, 05:24 PM
أرجوأن تفيدوني

السراج
21-11-2009, 08:37 PM
ياسين : هذه القصيدة - في رأيي - من أفضل قصائد الرثاء ..
وكنتُ قد درّستها لطلابي قبل سبع سنوات تقريباً ، وعشتُ مع القصيدة - هذه -: أبياتها وحروفها - فبحق - تجعل من يتمعّن ويبحث في معانيها وما رافقها من أحداث وأشخاص ..
أدعوك - ياسين - في سبر أغوار النص من خلال الأحداث التي رافقته أو سبقته والأشخاص الذين شكّلوا بُنية النص وإن كانوا في خفاء ما عدا ( المرثي ) ..
ابدأ في قراءة النص قراءة عفوية ، واكتب ما توصلت إليه هنا .. وستجد الفصحاء بقربك .

السراج
25-11-2009, 12:47 PM
قد ذكرتُ سابقاً ، ففي ظني أن هذه القصيدة مرتبتُها في صفوف الرثاء الأوائل وليست مبالغة حين أقول أن الشاعر أبا تمام وجد مسلكاً وحدَثاً أهّله لحالة الإبداع تلك ..
القصيدة هذه قالها في رثاء قائد عربي نادر من طراز ابن الوليد وابن أبي وقاص وابن زيد رضي الله عنهم . قالها في رثاء ابن قبيلته ( طيء ) محمد بن حميد الطوسي الطائي حين استُشهد في معركة من معارك المعتصم بالله ضد الروم الذين أرادوا سلب مدن الخلافة الإسلامية بتحالف بابك الخرمي ..

في تلك المعركة قال عنه الرواة أن الروم عمدوا لمصيدة فوقع الكثير من الجنود المسليمن قتلى وأسرى وجرحى ..وظلّ القائد محمد بن حميد الطوسي شامخا يقاتل من الصباح إلى أن غربت الشمس ، ويقال أنْ تكسّرت تسعة سيوف له من شدّة المعركة حتى أحاطوا به الروم منفرداً ونخلوا جسده سهاماً ..
..وبكَتْ قبله بغداد حين سمعت مذيع النبأ على مسمع الخليفة فبكى أبو تمام وارتجل هذه القصيدة ..


كذا فليجلّ الخطبُ وليفدحِ الأمر=فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ

ترى أنّ الشاعر بدأ القصيدة بمطلع على غير ما ألفه الناس من شعرائهم في الرثاء ، فبدا بلفظة ( كذا )- وهو مطلع نادر - الذي تدل على أن أبا تمام حتّم أمره وفوّضه لله فعلم أن موت مثل هذا الرجل لا يكون إلا وسط معركة ولا يكون إلا في قلبها منفرداً بشجاعة تندُر ؛ فسلّم الأمر.
ثم ساق الألفاظ جزلةً قوية يصعب تألفها في شطر فكل لفظة أشد من الأخرى وكل لفظة تطلبُ أختها ؛ بل وثقّل ذلك بحرف اللام في اللفظة لأولى وبحرف الدال والحاء في اللفظة الثالثة ( للفعلين ) وأضاف لازمة القوة اللفظية ( لام الأمر) في أول الفعلين ..
إن عاطفة الشاعر ظاهرة هنا في الشطر الأول فمن سهولة كلمة ( كذا ) تمهيدا للقصيدة شكليا ورضى بواقع الموت معنويا ، بدأ بحزنه ظاهراً من تجلّده وتصبّره ثم دعوته للحزن العام للبلاد ، ودعوة لتنكيس الأعلام فإن الخطب جلل والأمر محزن وليس هناك عذر لمن لم يحزن فالشهيد قائد ..

ترانيم الحصاد
25-11-2009, 01:20 PM
أخي الكريم : السراج تحليل جميل وممتع أبحرت معك في زوايا تحليلك
فحبُّ الجمال فطرةٌ في النفس الإِنسانية، فهي بقوة فطرية قاسرة تميل إليه، وتنجذب نحوه، وليس بمستطاع النفوس أنْ تغيِّر فطرها التي فطرها البارىء المصوِّر عليها.
والجمال شيء يصعب تحديده، ولكن باستطاعة النفوس أنْ تحسّ به وتتذوّقه متى أدركته، وعندئذٍ تميل إليه وتَنْجَذِب نحوه، وتأنس به، وترتاح إليه، وتَسْعَدُ بالاستمتاع بلذّة إحساس المشاعر به ولو تخيُّلاً.

السراج
26-11-2009, 01:03 PM
أخي الكريم : السراج تحليل جميل وممتع أبحرت معك في زوايا تحليلك
فحبُّ الجمال فطرةٌ في النفس الإِنسانية، فهي بقوة فطرية قاسرة تميل إليه، وتنجذب نحوه، وليس بمستطاع النفوس أنْ تغيِّر فطرها التي فطرها البارىء المصوِّر عليها.
والجمال شيء يصعب تحديده، ولكن باستطاعة النفوس أنْ تحسّ به وتتذوّقه متى أدركته، وعندئذٍ تميل إليه وتَنْجَذِب نحوه، وتأنس به، وترتاح إليه، وتَسْعَدُ بالاستمتاع بلذّة إحساس المشاعر به ولو تخيُّلاً.



بارك الله فيك ترانيم ، وإن من اسمك لحظّا ، فما كتبتيه من كلمات شفافة راقية مزكية هي ترانيم حروف ..
ثم إني بإذن الله سأواصل ذلك ..

السراج
26-11-2009, 10:41 PM
وَمـا كـانَ إِلّا مـالَ مَـن قَلَّ مالُه=وَذُخـراً لِـمَن أَمسى وَلَيسَ لَهُ ذُخرُ

كيف استطاع هذا الشاعر العبقري نفي كل المحاسن عن المرثي وحصر شخصيته في إثبات شيئين فقط : صفتين !
اختصر هذا الشُجاع في شيئين ؛ شيئان هما كل شيء فما كان الطوسي إلا مالاً وهل تستقيم الحياة إلا به !
لكن هذا المال لمن هو في أشدّ الحاجة إليه وأكثر الحاجة به ..
إنّ الشعراء كثيراً ما ينظرون من كوّة الحروف لينسجوا - في العادة - مدائحهم للملوك والخلفاء والولاة على أساس ثابت هو الكرم ، وهنا - بكل قناعة - يثبتُ أبو تمام أن هذه الصفة متأصلة في الطوسي فهو - المرثي - لا يهبَ العطايا ، ولا يرسل الهباتَ لمستحقيها ، ولا يُكرم الناسَ أصنافَ المؤن ؛ بل كان هو المال - لمن قلّ ماله - وكفى !!
وهو الذخر : سترى أن البيت برع أبو تمام في حُسن تقسيمه بلاغياً ولفظياً . وكان محمد بن حميد الطوسي آلة الشجاعةِ والنخوة فهو بلا جدال ذخرٌ للمطالب والذي قلّ عنده المعاون .
الذي شدّني هنا في هذا الشطر عبارة - لمن أمسى - إشارةً أن الليل أكثر رعباً لمن ليس له ذخر أو معين أو حامٍ يحميه من أهوال الأحداث ، فكانَ هو منبّه التربّصِ وجيشُ الاحتياط والذخرُ .
وكما في المال جعله هو الذخر ( ما يحتاط به لحالك الأيام ، وما يُدخر لوقت الشدة ) .
هما الصفتان اللتان طالما أُعجب بهما العرب في أشعارهم وأخبارهم فكان الخالدون كرماء من مثل حاتم وشجعاناً من مثل عنترة ، وهاهو أبو تمام يضيف اسما جمعهما ..

ترانيم الحصاد
26-11-2009, 11:04 PM
تحليل جميل جداً وممتع

أتعلم أخي الكريم : السراج

أنت كاتب تكتب بحبر النفس

وتنظر إلى الحرف بعين صقر وتنساب في التحليل

يا لفرح سحر البيان عندما تختصم القصيدة مع القراءة حول أحقية أحدهما
بنسب الإبداع إليه !!

فالغوص في أعماق قراءتك يستحق الوقوف طويلاً

أشكرك على كل الوقت والجهد الذي قضيته في قراءة النص.

السراج
27-11-2009, 09:22 PM
تحليل جميل جداً وممتع

أتعلم أخي الكريم : السراج

أنت كاتب تكتب بحبر النفس

وتنظر إلى الحرف بعين صقر وتنساب في التحليل

يا لفرح سحر البيان عندما تختصم القصيدة مع القراءة حول أحقية أحدهما
بنسب الإبداع إليه !!

فالغوص في أعماق قراءتك يستحق الوقوف طويلاً

أشكرك على كل الوقت والجهد الذي قضيته في قراءة النص.

شهــادة نادرة أعتز بهــا ..أختي ترانيم ، وكلماتك - هذه - ستكون حروفاً خالدة .

السراج
27-11-2009, 10:21 PM
فَـتىً كُـلَّما فـاضَت عُـيونُ قَبيلَةٍ دَمـا=ضَحِكَت عَنهُ الأَحاديثُ وَالذِكرُ

أترى كيف يقابل الشطرين في مقابلة بلاغية ناردة غير صريحة ، ففيضان العيون دماً هنا وضحك الأحداث هناك ..
بدأ البيت بوصف حقيقي للقائد الفتى فلم يكن محمد إلا شاباً في ثلاثينات عمره خرج من رحم البطولة وكان غرساً في تربة المعارك واستوى رمحاً مع سيفه الأشدّ كل ذلك جعله وأهّله أن يكون في ذلك العمر قائداً لجيش الخليفة .

وإنْ مات هذا الفتى وبَكَت كل قبيلته - بأسرها - حُرقةً وحزناً ، بل وأكثر من ذلك ، ففي وصف أبي تمام أن قبيلته فاضتْ عيونها دماً والفيضان لا يكون إلا للكثرة ، وكان هو كذلك ؛ كان بألف رجل نقول - إن مات - فقد أحيا الأحاديثَ والذكر والأخبار وماقام به من بطولات ، أحياها بين ألسنة الناس الشاهدة على شجاعته في كل المعارك .. وكأن هذه الأحاديث تضحك متجاوزةً حزن قبيلته - فما قام به محمد ينتشي للفرح قُرباً ..
والشاعر البارع هنا ربط الفكرة بسلسة ( كُلما ) ، فما كانت المعارك تدور وتطحن وتبكي القبيلة فقيدها حتى تسري أحاديث البطولة وذِكر الشجاعة تبرقُ ضحكاً .


فَـتىً مـاتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَة=تَـقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ

أليسَ هذا تأكيدا لصغر سن هذا القائد ؟
فقد أعاد صفة الفتوة مرة أخرى - لله درّه من شاعر - إزالة لإبهام بعضهم حول عمره ، ثم سَرَد شرف البطولة حيثُ مات شهيداً وسط أهوال المعركة بين طعنٍ وضربٍ ( ميتةً تمناها سيف الله ) . ميتةً هي النصرُ للقائد ، هي النصر لمن حوله من آلة الجيوش ؛ كيف لا وهو التي ضحكتْ أحاديث البطولة بعد استشهاده ..
وأبو تمام يؤكد في هذا البيت أن جيش القائدُ هُزم ، لكن القائد ظفر بإحدى الحُسنيين ( الشهــادة ) وهذه الشهـادة - النادرة - ظفرتْ بالنصر فكان استشهاده نصراً ، فما أكثر الدروس التي تلقاها من رأى وعاصر الحدث والتصق بالقائد فخراً وحتى جيوش الروم !

عامر مشيش
27-11-2009, 10:37 PM
بوركت أخي السراج
قد أبدعت أيما إبداع في سبر أغوار النص وقد استمتعت وتعلمت فيما سبق.

السراج
28-11-2009, 06:40 AM
بوركت أخي السراج
قد أبدعت أيما إبداع في سبر أغوار النص وقد استمتعت وتعلمت فيما سبق.

تحية لك أستاذي عامر على الحضور المبارك ..

السراج
28-11-2009, 07:40 AM
وقد كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلاً فردَّه=إليه الحِفاظُ المرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
إن لوجود لفظة ( فردَّهُ ) في طرف الشطر الأول مغزى - وهي خاصة بما سيجيء في الشطر الثاني - لكن أراد العبقري أن تكون أقرب من الموت أكثر وما منعها من الاستمرار في القرب إلا الصفة التي كانت لابد من وجودها !.
فمع هذا الحشد من جنود الروم والمنايا متناثرة تتربص بكل نفس حينها ؛ كان الهروب من الموت - وهو مطلبُ كلّ نفس - أسهل للقائد بطرقٍ شتى ، وما حضور سيدة التحقيق والتأكيد ( قد ) إلا مبشراً بذلك ولكن هناك من ينظره ويترقبه ساعة الفرار إنه ( الخلُق الوعر ) !..
ما أصعبَ هذا( الحفاظ المرّ) و ( الخلق الوعر ) !
ترى كيف يُكني أبو تمام بكنايتين ضامتين بين حضنيهما صفتين متلازمتين للشدة - المرّ ، والوعر - ؟ . وما الكنايتان إلا للشجاعة والإقدام - وهو الطريق الوعر -وحب الدفاع والحفاظ عن الوطن الذي تأصل في المرثي حتى صار جزءاً منه ، جزءاً إن أراد عكسه أو غيره ردّ إليه وجذبه ، حتى للموت !

( فيما مضى من أبيات كانت الاستعارت تمرحُ في أبياته ، وحتى هنا في هذا البيت .. )

وإني أرى المتنبي هنا في الشطر الثاني - رغم ما بين الشاعرين من بونٍ زماني - فطالما تغنّى المتنبي بهذه المعاني ، وطالما دعا إلى ( الخلُقِ الوعرِ ) وهو الذي التصق به ، فجذبه ساعةَ الموت !
ألا يكفي قوله :

فحب الجبان النفس أورده البقا=وحُب الشجاعِ الحرب أورده الحربا

وتعلقت بي أبيات الأمير الأسير أبي فراس :


وقال أصيحابي الفرار أو الردى=فقلت هما أمران أحلاهما مر
ولكنني أمضي لما لا يعيبني=وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
يقولون لي بعت السلامة بالردى=فقلت أما والله ما نالني خُسر

العِقْدُ الفريْد
28-11-2009, 08:00 AM
أبدعتم في نثر النص .. بارك الله فيكم ..

فَتىً كُلَّما فاضَت عُيونُ قَبيلَةٍ ... دَما ضَحِكَت عَنهُ الأَحاديثُ وَالذِكرُ
أضفتم "لقراءتي القديمة" لهذا البيت معنى آخر .
دام عطاؤكم .

السراج
28-11-2009, 08:11 AM
أبدعتم في نثر النص .. بارك الله فيكم ..

أضفتم "لقراءتي القديمة" لهذا البيت معنى آخر .
دام عطاؤكم .


بارك الله حضورك المميز ، ونسعى هنا لنستفيد ونفيد ..
وإن كنتُ قد أضفتُ شيئا لقراءتك فقد أضفتِ - أنتِ - بحضورك أشياء .

السراج
29-11-2009, 08:54 AM
وَنَـفسٌ تَـعافُ الـعارَ حَـتّى كَأَنَّه=هُـوَ الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ
استكمالاً لفكرته السابقة التي بيّن شجاعة القائد الطوسي وما قام به من بطولة وثبات وسط المعركة ، وسط سقوط جنوده قتلى وأسرى وسهولة فراره .
إذ كانت نفسه تعاف العار وترفض الذل ( الفرار ) – من المعركة - ، حتى أن هذه النفس إن قارنت وإن شبّهت فكأنها ترى الفرار كفراً وتقارن هذا العار به بل أشد فالكفر دونه ، وهو ما استطاع الشاعر – ببراعة وبخبرة فنية شاعرية – أن يمزج الفكرة عجينةً بملامح أرادها القائد كما رآها أبو تمام فيه . فعلى عمومه هو يرفض العار في كل أحواله ويعاف الذل أينما حلّ ومتى نَزَل ، أما في المعركة فتشتعل جذوة كرهه ورفضه حتى أنه يراه كفراً ، وهو ما يتوافق تماما مع كنايتي أبي تمام ( الحفاظ المرّ ) و ( الخلق الوعر ) .
من جميل لمحات هذا البيت ، أن أبا تمام اختار لفظة النفس الدفينة دون سائر الألفاظ التي تلف الإنسان عباءة تميّزه ، اختار النفس موافقة وارتباطا مع الفعل الناتج عنها – عن النفس – وهو ( تعاف ) .


فَـأَثبَتَ فـي مُـستَنقَعِ المَوتِ رِجلَه=وَقـالَ لَـها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ

عجيبٌ هذا البيت ، فالبلاغة تنتشي فرحاً هُنا ، والمعاني تذوب حساً وجمالاً هنا ، وتخفقُ فيه راية الإسلام هنا ، والكلماتُ لفظا دُريا اختيرتْ بعناية – هنا - ..
انظر كيف صوّر المعركة بمستنقع الموت ؟! كيف لا وهي المعركة التي – كما روَت الأخبار – استطاع الروم أن يحيكوا مكيدةً من خلالها أسر وقتل معظم جنود القائد ؛ فكانت المعركة مستنقعاً للموت ، كلما هزّ مسلم سيفه غاصتْ رجله في وحل الموت فارتدّ شهيداً وتوالتْ ، ومنهم من كان وحْلَه الأسرُ.
أما هو فالقدوة لمن حوله من مقاتلين أشداء فأثبت رجله في ذاك المستنقع القاتل – وتتراءى لي الآن مستنقعات الوحل التي تحمل في طياتها الكثير من المخاطر حين تلتهم أرجل الإنسان ، هنا الالتهــام ( أيها القارئ ) لروح الإنسان .
السرّ الذي جعل رجله تثبت دون فرار من معركة حين همَس لها وطمأنها وذكّرها بمصير الشهيد ! ألا ترى أن هذا القائد عطوفٌ بجسده حيثُ يلقي الخطاب على رجله ويحدثها . واختيار الشاعر للألفاظ بعناية ، فمن ابتكار الحوار إلى تقريب الحشر والجنة التي وُعد بها هي أقرب من ضربة سيف فهي تحت أخمص رجلية .

ترانيم الحصاد
01-12-2009, 05:29 AM
بوركت أخي السراج
واصل متابعون حفظك الرحمن ..
لي وقفة حول قوله :


غـدا غـدوةً والحمـد نسـجُ ردائــه = فلــم ينصـرف إلّا وأكفانـه الأجــرُ
تـردّى ثيــابَ المـوتِ حمـراً فما أتـى = بهـا الليـلُ إلّا وهـي مـن سندسٍ خضرُ

لقد حاك أبو تمام من الصدق ثوباً ومن الندى أثواباً، وكذلك من الثراء والهوى والعافية والحسن والملاحة والجمال والغنى والمدح والصبر، فإذا اندرجت هذه المعاني كلّها تحت جناح الفضيلة، فماذا نقول إذاً، في أثوابٍ حاكها من الموت واللوم والحزن والأسى. .. ؟!

قال في رثاء محمد بن حميد الطائي :

غـدا غـدوةً والحمـد نسـجُ ردائــه = فلــم ينصـرف إلّا وأكفانـه الأجــرُ
تـردّى ثيــابَ المـوتِ حمـراً فما أتـى = بهـا الليـلُ إلّا وهـي مـن سندسٍ خضرُ

دلالة الثوب توحي بالحزن والكآبة، يقف أبو تمام في حضرة الموت، وهو موقف يدفع الإنسان على الخشوع ويكلّله بالجلال، ويبرّر استخدام الشاعر لمفرداتٍ تلائم لفظ الموت من مثل:
" أكفان، الأجر، سندس، خضر، التراب،. .. " وهي جميعاً تثير في الوجدان مشاعر الحزن والأسى. وقد طغت على أبي تمام جاعلةً ألوان الطيف في عينيه ذات صبغةٍ سوداء، ولعلّ خير ما يدل على ذلك استخدامه لمفردة الليل تارةً ومفردة الهلال تارةً أخرى.

السراج
01-12-2009, 10:05 PM
وبوركتِ ترانيم ..
على الحضور المميز وعلى القراءة الماتعة ..
ورجائي مواصلة القراءة لهذه المقطوعة النادرة بنثر الأبيات وتشريح المعاني .
وقد كنتُ تمنيتُ أن لم يُسقط السائل بعض أبيات القصيدة الدالة على أحداث مهمة في المعركة ، فالقصيدة ثريّة ، هي رسالة تعزية وكذلك فخر ومشهدٌ مصور لما دار في المعركة وما حدث للقائد ..

أما البيتان اللذان علّقتِ عليهما ففيهما من الجمالِ ما يفيض!

وأقرأُ معك هذا البيت :


غَدَا غَدْوَةً والحَمْدُ نَسْجُ رِدائِه=فلم ينصرفْ إلا وأكفانُه الأجرُ
هذا البيت يُذكرني بالصلاة ، ومجالس العلم والذِكر وأحاديث المسبحين الحامدين اللهَ ..
ولأن النسج أقوى فقد انتقى شاعرنا هذه اللفظة دلالة على قوة إيمان القائد ، فما يُغادر إلى معركةٍ أو يكون في سِلما إلا والحمدُ رفيقه . فانظر كيف جعل الحمد رداء يرتديه الطوسي ويحيط به أينما حلّ ؟!
بل أدقّ من ذلك ، وأجمل وأرقى في التصوير الشعري والابتكار – وهو الشاعر المعروف بروعة التصوير الفني – إذْ جعل الرداء مكوناته – خيوطه المنسوجة – حمدا ، فالحمد ( المصدر ) هي خيوط الرداء الذي يحيط بالطوسي ، وما أجمل ذلك!.
ومن أول الغداةِ وهو في حمدٍ كما هو وسط المعركة لا يُغادره أبداً لأنه أصبح جزءاً منه ، يحيط به إلى أن انتهى اليوم وغاصتْ شمس النهار في مستقرها فأحاطتْ بالقائد الرماح والسهام من كلّ صوب فبللت جسده الطاهر حُبا وكأنها تسابقت لعناقه .
لا أدري كيف استطاع أبو تمام التوفيق بين لفظتي ( الرداء ) و( الأكفان ) في بيت واحد .. وكأن المسافة الزمنية بين جمال ردائه المنسوج من الحمد تكاد تنخفض في تحوّل الحمد – وهو أمر طبيعي – إلى أجر فكانت الأكفــــان نسيجها الأجر ، بل أجمل وأدق وأرقى في التصوير : فهنا الأكفان هي الأجر ، هي الأكبر وهي الأكثر فكان أجره أكثر ( لله درّ الشاعر ) !!
أمر آخر : ( فلم ينصرفْ ) تأكيدٌ على ثبات القائد في المعمعة – وسط مستنقع الموت – لارتباطه بنسيجه القوي المحيط به فقد توكّل على خالقه ، يرجو أكفاناً غير ما عهدناها ،أكفانا هي الأجرُ .

ترانيم الحصاد
02-12-2009, 02:32 AM
أخي : السراج بوركت على تحليلك الممتع الذي يجعل القارئ يبحر معك في زوايا التحليل والقراءة

نعم الشعر ومضات خاطفة وليست تقارير تبحث أدق التفاصيل وتهتم بالتقريرية الواضحة والسردية الدقيقة .
ولعمري إنه جوهر الشعر وحقيقته، فالتفاصيل والتبرير والاستطراد ليست من الشعر في شيء، مهمة الشاعر أن يشير فقط إلى اللوحة أو اللوحات الفنية ثم يتنحى تاركا للمتلقي تأملها والاستمتاع بها وحده، أما إذا أخذ يشرح مكونات اللوحة وكيف رسمت ووضح رموزها فقد أفسد جمالها وعكر صفو المتلقي وصادر خياله وحجَّم ذائقته..
نكمل اللوحة :

غدا غدوةً والحمـد نسـجُ ردائـه=فلم ينصرف إلّا وأكفانـه الأجـرُ
تردّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتـى=بها الليلُ إلّا وهي من سندسٍ خضرُ

أمّا الألوان المُصرَّح بها في المثال ، فلا يمكن النظر إليها على وجه الحقيقة، لأنها وردت في سياقها للتدليل على معان اكتسبتها بفعل تواضع الناس عليها وتوافقهم، فذكره اللون الأحمر دلالة استشهاد وتضحية واللون الأخضر دلالة نقاءٍ وطهارة. ويبقى اللون الأسود كامناً في الليل، يعكس كآبة نفس الشاعر وحزنه جرّاء المصاب الجلل.
ما سلف لا يعني عدم إمكانية وجود أملٍ يتعلق به أبو تمام، ويخرج بفضله ممّا ألمَ به، فإن كانت الصور الثلاث الأولى المرتبطة بالحياة الأرضية: " نسج ردائه، أكفانه الأجر، ثياب الموت " رموزاً لمعنى واحدٍ هو الفضيلة أو ربّما الطهارة فإنّ " الصورة الرابعة رمزٌ إلى حياة الأبرار الصالحين المتسربلين بلباس المجد والبقاء. وهكذا تصبح حياة الإنسان الآخرة استمراراً لحياته الدنيوية "

السراج
02-12-2009, 07:37 AM
مرحبا ترانيم مرة أخرى تضيئين النافذة بكلمات تبرقُ علما ..


نعم الشعر ومضات خاطفة وليست تقارير تبحث أدق التفاصيل وتهتم بالتقريرية الواضحة والسردية الدقيقة .

وهذه الأبيات التي بين يدينا مثال شاهد على ذلك .



أمّا الألوان المُصرَّح بها في المثال ، فلا يمكن النظر إليها على وجه الحقيقة، لأنها وردت في سياقها للتدليل على معان اكتسبتها بفعل تواضع الناس عليها وتوافقهم، فذكره اللون الأحمر دلالة استشهاد وتضحية واللون الأخضر دلالة نقاءٍ وطهارة. ويبقى اللون الأسود كامناً في الليل، يعكس كآبة نفس الشاعر وحزنه جرّاء المصاب الجلل.

ما أجمل هذا !
كنتُ قد نظرتُ للونين في هذا البيتِ ، وها أنتِ تضيفين آخر يكادُ يُنطقُ شاعرنا بحزن عميق فقداً لصديقه القائد ..
إذن جمّع الألوان بمعانيها المتعاكسة نابعاً أو مسترشدا بثقافته الدينية التي جعلتْ من الشهيد يرتدي رداء أخضر ولو فاض كل خيطٍ فيه دماً ..

أشكرك على القراءة الماتعة .. واصلي .

ترانيم الحصاد
03-12-2009, 05:31 AM
أخي السراج :
أنت ممتلك للمفاتيح التي بواسطتها تستطيع فتح مغاليق النص ، أو بعبارة أخرى قدرتك على توظيف خبراته اللغوية والأدبية ( نحو ، صرف ، بلاغة ، نقد ، ثقافة عامة ...) في تحليل النص .
-اليقين بأن النص ملك للقارئ بعد إنتاجه وكما هو لديك ماشاء الله
وحسب معرفتي المتواضعة هذا التفسيرالمقبول لنظرية موت المؤلف ، فهي تقصد أن قراءة النص تعد بداية انتهاء قصدية الكاتب ، وبتعبير آخر : عندما تقرأ النص عليك نسيان ما كان يريده الكاتب من إنتاجه لهذا النص ، فمثلا قصيدة السياب ( أنشودة المطر ) لا يهمك إن كان الشاعر قالها في البكاء على الوطن أم في الاستنهاض أم في تصوير الدمار الذي لحق بوطنه ، فهي مائدة مليئة بما لذ وطاب لك حرية تذوق ما تجود به وما تنعم .
أما الخلفيات التاريخية والثقافية فتعد المفاتيح الأساسية لتحليل النص ولا يمكن تجاوزها .
بوركت واصل القراءة .

السراج
03-12-2009, 07:01 AM
أخي السراج :
أنت ممتلك للمفاتيح التي بواسطتها تستطيع فتح مغاليق النص ، أو بعبارة أخرى قدرتك على توظيف خبراته اللغوية والأدبية ( نحو ، صرف ، بلاغة ، نقد ، ثقافة عامة ...) في تحليل النص .
-اليقين بأن النص ملك للقارئ بعد إنتاجه وكما هو لديك ماشاء الله

.




أختي ترانيم ..
إطراء قد لا أستحقه ..

وكلمات عن القراءة ، هي ما وافق رأيي . بارك الله فيك ونفع بكِ .

السراج
03-12-2009, 07:20 AM
.. وبعد بيت الألوان ذاك هذا البيت :


كأنَّ بَنِي نَبْهَانَ يومَ وَفاتِه=نُجومُ سَماءٍ خَرَّ مِنْ بَيْنها البَدْرُ

أحببتُ أن أدرجه غايةً في التماس الجمال الشعري عند أبي تمام وتذكرةً للقارئين بمكانة القائد وسط قبيلته ، بعد ما رأينا مكانته في الحرب ..

وقد كنتُ لمّحتُ في الفصيح سرّ استخدام ( من بينها ) بدلاً من ( من وسطها ) التي تتبادر للأذهان في أقرب وقت ، وكأن في مخيلتنا أن البدر يتوسط السماء فإذن هو يتوسط النجوم ..
لكن لشاعرنا رأي آخر ، رأي أجمل : فحين قال ( من بينها ) فكأن النجوم قريبة من البدر أنِسة به متآلفة ، ومتجمعة حوله فهو بينها وهو سيدها ، أما إن قال ( من وسطها ) فقد تكون متباعدة في شكل حلقي ولكنه وسطها .. فلا اشتراط لقرب النجوم هنا وتآلفها ..
كأن هذه الجموع - حموع قبيلته - نجومٌ في أعمالها الخيرة وعلو مقاماتهم فلما مات فكأنه - هو - البدر من بينها خرّ . واستعماله لهذه اللفظة لجمال رائع فالسقوطُ سريعاً لاستشهاد القائد في معركة فالفقد كان مفاجئاً .

ترانيم الحصاد
03-12-2009, 08:29 PM
واصل ونحن معك نبحر في النص
بوركت أيها السراج .

أنوار
04-12-2009, 01:57 AM
لكم الشكر أستاذنا السراج ..
قراءة ماتعة .. وأسلوب شائق في تحليل النص .
بورك الجهد وأجزل الثناء ..

ترانيم الحصاد
04-12-2009, 07:14 AM
بوركت أيها السراج المضيء أنار الله دربك علماً ونوراً

في نظري أن أعذب الشعر أصدقه وإن خالفت بعض أهواء القائلين في أن أعذب الشعر أكذبه ، وتتحقق هذه النتيجة حينما يكون الشعر في الرثاء فتختلط الكلمات بالدموع لتخرج جملا قد لا تكتب إلا مرة واحدة في زمن واحد لشخص واحد وهو ما حدث فعلا في هذه الرثائية الأجمل على تاريخ الأدب العربي والتي تصلح لكل زمان ومكان ولأي شخص فارق الحياة .

قال الشاعر أبودلف القاسم بن عيسى العجلي : لن يموت من رُثي بهذا الشعر.

السراج
04-12-2009, 07:26 AM
أستاذتنا أنوار ..

شكرا لك على الحضور ، وعلى ( شحذ الهمم ) ..



بوركت أيها السراج المضيء أنار الله دربك علماً ونوراً

في نظري أن أعذب الشعر أصدقه وإن خالفت بعض أهواء القائلين في أن أعذب الشعر أكذبه ، وتتحقق هذه النتيجة حينما يكون الشعر في الرثاء فتختلط الكلمات بالدموع لتخرج جملا قد لا تكتب إلا مرة واحدة في زمن واحد لشخص واحد وهو ما حدث فعلا في هذه الرثائية الأجمل على تاريخ الأدب العربي والتي تصلح لكل زمان ومكان ولأي شخص فارق الحياة .

قال الشاعر أبودلف القاسم بن عيسى العجلي : لن يموت من رُثي بهذا الشعر.


ترانيم ..
أنتصر لرأيك هذا ، فما كانت قصيدة رثاء صادقة إلا كانت المعاني تزدهر والكلمات تبكي والأشطر تبتهل ولا أدلّ على ذلك من قصائد الرثاء الخالدة ..
فما كان صادقاً من الشعر لا زيف ولا تزويق فيه يكون أعذب الشعر وأجوده ، والآن تتبادر إلى ذهني قصيدة التهامي في رثاء ابنه وقصيدة ابن الرومي وقصيدة أبو البقاء الرندي .. وقصيدتنا هذه .
وأبو دلف القائد العسكري قالها وهو على يقين من صحتها ، فها نحن نذكر اسم القائد الطوسي مرات ومرات ..

السراج
04-12-2009, 10:39 AM
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة=ولكن كبرا أن يقال له كبرُ



من جمال الاستدراك وروعة التفسير والتعليل بهذا الحرف اللطيف ما بعده ، نجده هنا برّاقاً يوضح صفة أردنا أن نبيّنها فيما سبق من بيت شعري – أدرجناه قاصدين - ..

فالبيت السابق الذي ذكرنا أن شاعرنا وفّق في اختيار ( من بينهم ) حين خرّ شهيداً فما اختياره هذا نابعاً عن عشوائية بل عن معرفة ودراية بصديقه الشهيد الذي كان تواضعه يشعّ نورا فكان قائدا للجيش لكنه كان خُلُقه التواضع .
وهنا يعيد تشكيل فكرته بموادٍ – كلماتٍ – أكثر إيحاء وقرباً للفكرة ، فبدأ بوصفه المعتاد الذي صّدر به أربعة أبيات في هذه ا لقصيدة الملحمة ( فتىً ) ونثرنا سابقاً تأكيد ذلك . بدأ بيته بفتى ليزيل عنا كبره ووصفه بأنه قائد لجيش الخليفة كي لا يتبادر إلى أذهاننا بعظمته .
ويسوق كناية العرب عن التواضع وخفة الروح والابتسام والترحاب ، في لفظتي ( عذب الروح ) التي بدورها أضافت نسقاً موسيقيا عذبا وأكمل هذا النسق الرائع بما بعده من استدراك جميل ، فرغم ما بها من شدّة هذه الكلمة ( غضاضة ) إلا أنها أضافت حسا موسيقيا مكتملا لما قبلها .. وهذا التواضع ليس نقصاً أو ذلّة أو عيباً في القائد الذي اختاره الخليفة المعتصم لقيادة جيشه ، إزالة للتوهم ، وإضاءةً للعقول بمسارب الأفكار الجميلة التي يشعّ بها إلينا مصباح أبي تمام .
وفي الشطر الثاني يذكر شاعرنا سبب تواضعه وتلاطفه فيقول : إنه أكبر من أن يتواضع وإنه كبير على أن يقول الناس به تكبر .

السراج
06-12-2009, 10:43 AM
سأعود لبيتٍ سابق لهذا ..

مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة=غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ



يالجمال الشعر حين يكونُ عذبا ، وما أرقى معاني هذا الشاعر تماثلاً لانتقائه ما يلائم دُرر المعاني من دُرر الكلمات ونفيس الحروف والعبارات .
يُشعرك بقول أبي دٌلف بعد سماعه للقصيدة ، يُشعرك أنك تقول كما قال أبي دُلف !
هيا نقرأ البيت – النادر – معاً ..
مضى طاهر الأثواب ..
يتناغم شاعرنا ويكثّف - هنا في النص – بديع الكناية العربية ، فهو لا يطابق بين صفات القائد وما توارثه العرب ؛ إنما هو يُعكس صفات القائد على كنايات العرب وكأنه هو أصل الكناية .
مضى – مات مستشهدا - طاهر الأثواب كناية عن تقوى وورع لم يُدنس ثوبه إثم ، ومن كانت تلك صفته ، وهي صفة عُليا ، حُقّ أن يُكرّم وأن يكون اسمه خالدا ، لكن متى ؟ فهو لم تمرّ ساعات على موته وها هي كلّ روضه تطلب وترغب بل وتشتهي ( في حسّ راقي من أبي تمام الذي أضاف نكهته الخيالية المعهودة على البيت حتى يبدو المشهد أكثر جمالاً بل أقول أكثر واقعية ، وحتى يبدو المشهد تشخيصياً من جانب الروضة ، سأعود لها ) . تشتهي أن تكون قبراً لهذا الرفات !
لم تبقَ روضة ..
لم يفد العموم فحسب ، إنما نفى التخلف فكل الرياض بلا استثناء تمنت قبرا له ..
وقد زيّن عمود شعره ووضع وسط لآلئه الجميلة لؤلؤة أخرى ففي اختياره لفظة ( روضة ) من الجمال ما ينتشي ويبعث بالرياح أن تسري في هدوء نغمات أخرى تذكرك بالقرى الجميلة العالية ، فهي ما ارتفع وعلا من الأرض وكان أخضرا ، فهي أجمل البقاع . ( تسابق أماكن الجمال لاحتواء جسد هذا الطاهر ) .
ثم في ..
إلا اشتهت أنها قبرُ ..
اشتهتْ : للذيذ ما طاب وعذب الشراب ، يُطلقها الشاعر هنا انتقاءً واستعارةً لصفات الإنسان في اختيار الأجمل وطلب ما يرغب من محسوسات مادية ، ونحن نقولها في الغالب لشيء غير مدرك أو قلْ بعيد عنا في حينه . لكن شاعرنا هنا جعل الروضة أنثى / امرأة في اشتهائها . لكن هذه الروضة تشتهي أن تضم بين جنبات تُربتها الغالية العالية جسد محمد الطوسي بعدما ( سمعتْ ) بأخبار شجاعته وكرمه ..
أنهــا قبرُ :
ما يدلّ على شيئين ، أحدهما ما ذكرناه أنها تكون قبرا لهذا القائد . والآخر أنها تمنتْ ( كل روضة ) ذلك الحين أن تكون قبراً بغض النظر عن من توفى ففيه من التكريم لكل ميت بعدما ( رأت ) أن من بينهم ( طاهر الأثواب ) فتشجعت تطلب وتشتهي أن تكون قبراً .
ألا ترى الآن كيف جعلتُ الروضة مرة ( سمعتْ ) ومرة ( رأت ْ ) محاكياً الشاعر العباسي الذي اختصر كل ذلك في لفظة عجيبة لا تقال أبدا إلا للبشر وأي بشر : للأنثى هنا – اشتهتْ .

السراج
10-12-2009, 08:52 PM
عليك سلام الله وقفاً فإنني=رأيت الكريم الحر ليس له عمرُ

سنضيء هنا لفظتين أرادهما الشاعر أن تكونا لخلود الأحاديث والصفات وكلّ ما يعلق بمن استشهد ونال درجة عُليا .
فهذا البيت هو ختم به أبو تمام عقد اللآلئ وأحسنَ سبكهِ مِسكا يبلُغ أول العقد ، وما كان ذلك إلا عن عاطفة تُحرّك فيه قارورة الألوان فتمتزج مع تحرُكِها صنوفٌ شتّى من مُنبهات الحسّ والجمال ( الألوان ) فتستحيل الكلمات فراشاتٍ ، تجدها مشغولة – هُنا – بمشهدٍ يُبكيها فأتت أسراباً يلفّها الحزن كان لها جلبابٌ فكلّها تلفّعت بوشاح السواد ، وكلّها آثرتْ حركتُها على نفسها ونأت عن كلّ زهرة ، فاليوم يومُ حُزنها .
ختم أبو تمام بالدعاء أبياته وخصّ تقدّم لفظة ( عليك ) تخصيصاً لهذا القائد الفذ ، لكن ما أحببتُ أن أثيره لفظة وقفاً التي أدرجها شاعرنا ليكون هذا الدعاء علامة بارزة ترفرف إلى ما شاء الله فأراده وقفاً ثابتاً ، وأي سلام هذا الذي أراده الشاعر ، هو سلام الله .
ثم علّل بأسلوب سلس حكيم سبب وجود هذه اللفظة المتماسكة في وسط الشطر الأول فكلّ كريم يخلُد بأفعاله التي تكون له أحاديثٌ تطير كلما هبّت الريح وأينما توجّهت الطيور ، ومن الأمثلة ما تزخر به سِير الأعلام وأحاديث السمّار وروايات المحكين علاوة عن من لا يغادر الأفكار بكرمه مثلاً ثابتاً ( حاتم ) .
وهذا يضيفُ عمراً للمرء يبدأ حين وفاته عمراً فكأنه نوراً بكرمه أو كما قال ليس له عُمر وهذا ما يفسّر كلماته اللآلئ اللاتي جئْنَ في فرح فنراه يُخاطب الطوسي بلفظة ( عليك ) إصراراً على فكرته .

عامر مشيش
11-12-2009, 03:01 PM
سلام الله عليك أخي السراج
فعلا البيت الأخير بيت بديع صلح أن يكون خاتمة فيه دعاء وحزن وتسلية للمرثية الرائعة
شكرا لك فقد أمتعتنا.

السراج
11-12-2009, 08:56 PM
بارك الله حضورك أستاذنا عامر ..

وكما تميّز شاعرنا ، تميّزتَ أنت :)..

ترانيم الحصاد
14-12-2009, 06:05 PM
بوركت أيها النور المنير ..نحن هنا نتابع .

أنوار
17-12-2009, 03:57 PM
جزاكم الله خيراً أستاذنا السراج ..
تحليل قيم استوفى المعاني والألفاظ ودلالاتها ..

خالد بن حميد
17-12-2009, 04:47 PM
أخي السراج :
أنت ممتلك للمفاتيح التي بواسطتها تستطيع فتح مغاليق النص ، أو بعبارة أخرى قدرتك على توظيف خبراته اللغوية والأدبية ( نحو ، صرف ، بلاغة ، نقد ، ثقافة عامة ...) في تحليل النص .
-اليقين بأن النص ملك للقارئ بعد إنتاجه وكما هو لديك ماشاء الله

إن لم يكن للسراج فلمن ؟

ترانيم الحصاد
17-12-2009, 09:42 PM
إن لم يكن للسراج فلمن ؟


نعم إن لم تكن له فلمن ؟!

ترانيم الحصاد
17-12-2009, 09:58 PM
بُعد المعاني ظاهر في هذه الأبيات فتأمل قوله

مضى طاهر الأثواب لم تبقى روضة =غداة ثوى إلا اشتهــت أنها قبر
مضى طاهر الأثواب
طاهر الأثواب كناية عن عفته كناية عن فضله كناية عن إحسانه كناية عن أمانته أمور شتى من الخصال الحميدة تحتملها لفظ طاهر الأثواب. ثم يقول :
مضى طاهر الأثواب لم تبقى روضه ـ روضه من الأرض ـ غداة ثـوى إلا اشتهـت أنهـا قبـر ..
فهذا رجل عظيم كل أرض ولم يقل أي أرض قال : روضه و الروضه منتقاة من كل أرض إلا اشتهـت أنهـا قبـر تتمنى أن يقبر فيها محمد بن حميد

خالد بن حميد
17-12-2009, 10:13 PM
من عادتي أن أجمع الصفحات المضيئة - مثل هذه - لأضعها في جوالي
وإن أذنتم لي فإني لا أريد تفويتها
بارك الله فيكم

ترانيم الحصاد
17-12-2009, 10:45 PM
مع أني زائرة لهذه الصفحة بشكل متكرر ودائم
أستاذي
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
(تعلموا العلم، وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه..)
تفضل بلا منازع .

أنوار
18-12-2009, 12:52 AM
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
(تعلموا العلم، وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه..)

يالجمال هذا الحديث وروعته .. ويالجلال معانيه ..
لم أقف عليه يوماً .. بوركتِ ترانيم

السراج
18-12-2009, 06:35 AM
وا أســفا ..
لقد فاتني هذا الحديث الغضّ ، وهذا التواصل المحبّب ..
وهذه الكلمات التي تنير الروح فراشات ..

أستاذتنا ترانيم : بوركتِ ، أنتِ عمود هذه الصفحة . فشكراً لكِ .
أستاذنا أبي طارق : أنرتَ الصفحة حضوراً ، وترانيم أبدعتْ ردّاً .
أستاذتنا أنوار : مرحى بحضورك ..

هدى عبد العزيز
05-08-2010, 11:53 PM
جزاك الله خيرا أخي السراج
لقد تأخرت عن هذا الإبداع في التحليل الفني

السراج
06-08-2010, 07:33 AM
وجزاكِ الله خيراً يا أم طلال على دُعــائكِ الطيب ..