المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ** الأدوات النحويّة وما يَعترضُ الكتّاب مِن اللُبس في استعمالها **



الأزدي
12-01-2005, 07:25 PM
** الأدوات النحويّة وما يَعترضُ الكتّاب مِن اللُبس في استعمالها **
د. صلاح الدين الزعبلاوي

كثيراً ما يعترض الكتاب لبس في استعمال الأدوات النحوية ويقع الإبهام في ذلك، فيأتي كلامهم وقد تخلّف عنه الإحكام في الأداء. فرأيت أن أبحث ما دقَّ من معاني هذه الأدوات وأستجلي بعض حقائقها، فأوضح المبهم منه وأقرب البعيد لعلّي أكشف عما غابت معرفته من مسائلها، فيتسنى بذلك ما تعذر من أمرها ويستيسر ما تصعب، وهأنذا أبسط الكلام في طائفة منها أداة بعد أداة.

1-إذ:

تستعمل (إذ) في وجوه قد يخفى بعضها على الكتَّاب، وهذه أشهرها.

آ-إذ الحرفية: وهي تزاد للتعليل، قال تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون –الزخرف/ 39(، أي: ولن ينفعكم اليوم، أي يوم القيامة، أنكم في العذاب مشتركون، بسبب ظلمكم في الدنيا، والرأي منسوب إلى سيبوبه.

وتزاد (إذ) للمفاجأة كقولك: (بينما هو كذلك إذ جاء خالد).

وأما قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.. البقرة/ 30(، وقوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا.. البقرة/34(، فقد قيل إن (إذ) فيهما للتوكيد. والتقدير: (وقال ربك) في الآية الأولى: و(وقلنا للملائكة..) في الآية الثانية. وقيل (إذ) فيهما مفعول به فتكون اسماً والتقدير فيهما: (واذكر إذ)، وهو الأرجح.

ب-إذ الاسمية: تقع في موقع الظرف والمفعول به والمبدل منه والمضاف إليه. ومثال الظرف قوله تعالى: (إلاَّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا.. التوبة/ 40(، أي: فقد نصره الله حين إخراج الكفار له. وهكذا قوله تعالى: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم.. الأحقاف/ 11(، وقيل التقدير: وظهر عنادهم إذ لم يهتدوا بالقرآن، لكنه أفاد التعليل لأن (فسيقولون عنه) مسبب عنه.

ومثال المفعول به قوله تعالى: ‍(واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم.. الأعراف/ 86( أي اذكروا هذا الوقت. وقيل هو ظرف والتقدير: واذكروا نعمة الله إذ كنتم.

ومثال البدل: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً.. مريم/16‌( أي أذكر (مريم) بل أذكر (وقت انتبذت فيه). وقيل إنه ظرف والتقدير: اذكر قصة مريم إذ..

ومثال المضاف إليه قوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.. آل عمران/8(.

هذا ما ذهب إليه جماعة من النحاة، من أنَّ (إذ) اسم للزمن الماضي وأنها تأتي على ما تقدَّم من وجوه الاستعمال. أما الجمهور فإنه يقتصر من هذه الوجوه المتقدمة على وجهين، فهي إما أن تكون ظرفاً، كما هي في الأمثلة المذكورة آنفاً، أو تكون مضافاً إليها، كقولك يومئذٍ وحينئذ.

جـ-تلزم (إذ) الإضافة إلى جملة اسمية أو فعلية. ومثال الاسمية قوله تعالى: "واذكروا إذ أنتم قليل- الأنفال/ 26", فإذا كانت اسمية مبدوءة بـ (إن) كانت همزة (إن) المشددة هذه مكسورة، خلافاً للشائع عند الكتَّاب. تقول: (عرفت لفلان فضله إذ إنه أحسن إلي)، فتكون (إذ) هنا ظرفاً عند الجمهور وحرف تعليل عند جماعة من النحاة.

فإذا كانت الجملة فعلية فلابد أن يكون فعلها ماضياً لفظاً ومعنى كقوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.. البقرة/ 30"، أو يكون فعلها ماضياً معنى لا لفظاً كقوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.. البقرة/157"، وقد جاء الفعل بصيغة المضارع استحضاراً للصورة التي وقع عليها الحَدَث، تمكيناً لها في النفس.

وقد تحذف الجملة التي تضاف إليها (إذ) للعلم بها ويعوض عنها التنوين، وتكسر الذال لالتقاء الساكنين، ومن ذلك قوله تعالى: "يومئذٍ تحدِّث أخبارها بأنَّ ربَّك أوحى لها.. الزلزلة /4 و5". وقد جاء في شرح الكافية: "تقول يومئذ وحينئذ وساعتئذ وليلتئذ، ويجوز بناؤها وإعرابها، كما في قوله تعالى: ومن خِزي يومئذ.. هود/ 66-2/ 206 و207". وهو يقصد ببناء (يومئذ) وإعرابها، كسر الميم إعراباً في الآية، لإضافة خِزي إلى يوم، وفتح الميم بناءً، لإضافة يوم إلى مبني، وهو الأكثر.

2-إذا:

ترد (إذا) في وجوه هذه أشهرها:

1-إذا الاسمية: تقع في الابتداء فتكون ظرفاً للمستقبل غالباً، ولو جاء فعلها بصيغة الماضي، خلافاً لـ (إذ). فإذا تضمنت معنى الشرط فلابد لها حينئذ من جملتين جملة للشرط فعلية وأخرى للجزاء أو الجواب. ويقترن جواب الشرط بالفاء، إذا لم يكن صالحاً لأن يكون شرطاً كأن يكون جملة اسمية أو فعلية فعلها جامد أو طلبي أو ماض لفظاً ومعنى أو مقرون بقد أو ما النافية أو لن أو السين أو سوف أو ربَّ أو كأنما أو أداة شرط. فإذا كان الجواب صالحاً لأن يكون شرطاً فلا حاجة به إلى الفاء.

و(إذا) هذه المتضمنة معنى الشرط لا تجزم في الأصل وقد تجزم في الشعر. ولابدَّ أن يتلوها فعل، فإذا تلاها اسم مرفوع فعلى أنه فاعل لفعل مقدر محذوف يفسره المذكور، كقوله تعالى: "إذا السماء انشقَّت- الانشقاق/1".

وقد لا تكون (إذا) الظرفية الشرطية للاستقبال نحو قوله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها.. الجمعة/11"، فإنها للماضي. وقد يسقط عنها معنى الشرط فتنصرف إلى الظرفية وحدها كقوله تعالى: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى.. الليل/1"، وكذلك قوله تعالى: "وإذا ما غضبوا هم يغفرون.. الشورى/ 37"، وقوله تعالى: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون.. الشورى/ 39"، فـ (إذا) فيهما ظرف لخبر المبتدأ المذكور بعدها. أما قوله تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمناً.. البقرة/ 14" فـ (إذا) فيه للاستمرار في الماضي دون الشرط أيضاً.

و(إذا) الظرفية المتضمنة معنى الشرط تختص بمتيقن الوجود بحكم معنى الظرف كقولك (آتيك إذا احمرَّ البُسر) والبسر لابد أن يحمر فهو التمر قبل أن يصبح رطباً والرطب نضيج التمر. كما تختص أداة الشرط (إن) بالمستحيل كقوله تعالى: "قل إن كان للرحمن ولد.. الزخرف/ 81"، وتشتركان في المشكوك فيه والمحتمل، بحكم معنى الشرط.

ب-إذا الحرفية: تقع (إذا) للمفاجأة فتكون حرفاً وتختص بالجملة الاسمية ولا تحتاج إلى جواب، ويكون معناها (الحال) دون الاستقبال. تقول: (خرجت أبحث عنه فإذا هو واقف أمام المنزل) أو (خرجت فإذا خالد بالباب)، فتكون الجملة بعد (إذا) جملة اسمية من مبتدأ وخبر. وفي التنزيل: "فألقاها فإذا هي حيَّة تسعى.. طه/20" فالضمير بعد (إذا) مرفوع بالابتداء، و(حيَّة) خبر له. أما تسعى فيجوز أن يكون خبراً ثانياً أو يكون حالاً.

ويسأل الكتاب هل يصح قولك: (خرجت فإذا خالد واقفاً) كما تقول (واقف). أقول جاء ذلك ففي مغني اللبيب لابن هشام: "وتقول خرجت فإذا زيد جالس أو جالساً" فجالس مرفوع على الخبرية، وجالساً منصوب على الحالية.

وقد يقول الكتاب: (خرجت فإذا به واقف)، فهل هذا صحيح؟ أقول يصح ذلك. وقد ذهب النحاة إلى أن (الباء) هنا زائدة والضمير في موضع الابتداء. وقد مثَّل ابن هشام لذلك بقوله: (خرجت فإذا بزيد) والخبر في هذا المثال محذوف، كما في قولك: (خرجت فإذا الأسد). وذهب المبرِّد إلى أن التقدير: (فإذا بالحضرة زيد)، و (إذا) عنده ظرف مكان.

ولكن هل تقول (خرجت فإذا به واقفاً) كما تقول: (خرجت فإذا به واقف)، أقول: يسوغ ذلك كما ساغ (خرجت فإذا خالد واقفاً)، ولذا قل: فإذا خالد واقف أو اقفاً، وإذا به واقف أو واقفاً. وقد تقول: (خرجت فإذا ان زيداً بالباب) فيجوز لك كسر الهمزة في (أنّ) على أن ما بعد (إذا) جملة، كما يجوز فتحها على أن ما بعد (إذا) أي (أن واسمها وخبرها) في تأويل المصدر، كما جاء في شرح شذور الذهب لابن هشام.

والخلاصة: أن إذا المفاجأة تختص بالجملة الاسمية ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال دون الاستقبال. أما الفاء الداخلة عليها في قولك: (خرجت فإذا زيد واقف) فقد قيل إنها زائدة لازمة، وقيل إنها عاطفة لجملة المفاجأة على ما قبلها، أو إنها للسببية المحضة كفاء الجواب، كما جاء في الكليات لأبي البقاء الحسيني الكفوي (1/97).

3-إليك:

إليك: اسم فعل وأسماء الأفعال أدوات تقوم مقام الأفعال فتنوب عنها في العمل لازمة ومتعدية. وهي تلزم حالة واحدة فلا تنصرف تصرف الأفعال باختلاف الأزمان.

ومن أسماء الأفعال ما أصله جار ومجرور نحو: إليك وعليك، وما أصله ظرف نحو: عندك ولديك ودونك ووراءك وأمامك ومكانك. فقد جاء في كتاب (همع الهوامع) للإمام جلال الدين السيوطي: "ومن أسماء الأفعال ما أصله ظرف أو جار ومجرور كمكانك بمعنى أثبت، وعندك ولديك ودونك بمعنى خذ، ووراءك بمعنى تأخر، وأمامك بمعنى تقدم، وإليك بمعنى تنحَّ: وعليك بمعنى الزم". ويكثر استعمال (إليك) في كلام الكتَّاب فيقولون: (وإليك البيان بالتفصيل) بمعنى خذ البيان، فهل هذا صحيح؟

أقول: ذهب بعضهم إلى الشك في صحة قول القائل (إليك البيانَ) بمعنى خذه. لأن الأوائل وكثيراً من المتأخرين قد اكتفوا بقولهم: (إليك البيانَ بمعنى تنحَّ) أي ابتعد، كما فعل السيوطي في (همع الهوامع). قال سيبويه في (الكتاب): "وإليك إذا قلت تنحَّ". وفي شرح الكافية للرضي، وشرح ألفية ابن مالك للأشموني نحو من ذلك.

على أن في كلام كثير من المحققين ما يؤكد صحة قولهم (إليك هذا) بمعنى (خذه) أيضاً. فقد حكى الجوهري صاحب الصحاح بيتاً للقطامي وهو شاعر أموي، ففسر فيه (إليك إليك) بمعنى (خذ). قال القطامي:

إذا التيَّاز ذو العضلات قلنا

إليك إليك ضاق بها ذراعا


يصف الشاعر ناقة قوية مستعصية فيقول: إذا قلنا للتيَّاز –بتشديد الياء- أي القوي (إليك إليك) أي خذ هذه الناقة لتروضها ضاق بها ذراعاً لاستعصائها.

قال الإمام ابن برّي في تعقيبه على رواية الجوهري: "هكذا أنشده الجوهري وغيره: إليك إليك، ونشر في شعره أن –إليك- خذها لتركبها وتروضها. وهذا فيه إشكال لأن سيبويه وجميع البصريين ذهبوا أن –إليك- بمعنى تنحَّ وأنها غير متعدية إلى مفعول". وإذا كان ابن برّي قد أشار إلى الإشكال في مخالفة الجوهري لما نص عليه الأئمة الأوائل فيما تعنيه هذه الأداة، فقد أكد في كلامه صحة رواية البيت ومعناه كما أنشده الجوهري. وشعر القطامي مما يُعتد به والجوهري محقق ثبت. ويؤيد ما ذهب إليه الجوهري ما جاء في شرح ديوان الحماسة. فقد حكى المرزوقي قول الشاعر (حُجيَّة بن المُضرَّب) يخاطب زوجته:

تلوم على مالٍ شفاني مكانه

إليكِ فلومي ما بدا لك واغضبي




قال المرزوقي: "والمعنى اجمعي أمركِ واستمري في عتبكِ وغضبكِ ما بدا لك".

وقد جاء في الكليات لأبي البقاء الحسيني الكفوي: "وإليك كذا أي خذه... وإليك عني أي أمسك وكف –1/278"، فأثبت للأداة المعنيين جميعاً. وكذلك فعل الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه (جامع دروس اللغة العربية) إذ قال: "إليك عني بمعنى تنحَّ عني، وإليك الكتاب بمعنى خذه". ولا عذر للأستاذ زين العابدين التونسي في اقتصاره على معنى واحد من معنيي الأداة في كتابه (المعجم في النحو والصرف)، إذ قال: "إليك اسم فعل أمر غير متعدّ مثل إليك عني أي تنحَّ، وفاعله ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت! وقد صدر عام 1971.

ولذا قل: إليك عني بمعنى أمسك، وإليك البيانَ بمعنى خذه، والبيان مفعول به، فكلاهما صحيح. وقد بحث هذا الأستاذ المحقق محمد علي النجار في كتابه (لغويات/48) فانتهى إلى مثل ما انتهينا إليه.

4-آمََا:

أما: بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح يراد به التنبيه، ومثلها (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام. ففي نهج البلاغة: "آمَا إنكم ستلقَون بعدي ذلاً شاملاً" ويقع بعدها القسم كثيراً كقول الشاعر أبي صخر عبد الله بن سلمة الهذلي:

أما والذي أبكى وأضحك والذي

أمات وأحيا والذي أمره الأمر


فقد أدخل (أما) على القسم، ثم جاء بجواب القسم فقال:

لقد تركَتْني أحسد الوحش أن أرى

أليفَيْن منها لا يروعهما الذُّعرُ


ومن شأن (أما) هذه أن يصح طرحها من الكلام، لأنها تدخل على كلام مكتف بنفسه فأنت إذا أسقطتها من الكلام صح دونها. تقول في مثال نهج البلاغة: (إنكم ستلقون بعدي ذُلاًّ)، وتقول في مثال الشاعر الهُذلي: (والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا.. لقد تركتني أحسد الوحش...) فيستقيم الكلام.

وثمة (أمّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم، وهي تفيد الشرط فتدخل الفاء في جوابها، كما تدخل في أجوبة الشرط. قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه (معجم الأدوات النحوية وإعرابها/ 52): "أما بالفتح والتشديد: حرف شرط وتفصيل وتوكيد. أما كونها حرف شرط فبدليل لزوم الفاء بعد، نحو: فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنه الحقّ من ربّهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضلُّ به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلاَّ الفاسقين –البقرة/ 26".

ويكثر في كلام الكتاب قولهم: (أما وقد نجح فلان... فإنَّ عليه كذا). وهم يسألون: أيخففون (الميم) في (أما) هذه أم يشددونها؟ أقول: بحث هذا الأستاذ محمد العدناني في معجمه (الأغلاط اللغوية المعاصرة)، فقطع بأن (أما) في المثال المذكور مخففة الميم، وأنها للتنبيه والاستفتاح. قال الأستاذ العدناني: (يُكثر مذيعو هذه الأيام وأدباء الإذاعة من ترديد عبارة: أمّا وقد نجح باهر في الفوز بشهادة الهندسة، فإن عليه الشروع ببناء مدرسة لمدينته) بتشديد الميم في –أمّا- وأردف العدناني يقول: (والصواب أما وقد نجح- أي بتخفيف الميم- لأن أما هنا حرف تنبيه يستفتح به الكلام مثل ألا).

أقول حكم العدناني هذا غريب حقاً. ذلك أن (أما) المخففة الميم ليس لها جواب يقترن بالفاء، بل ليس لها جواب البتة كما أسلفنا. فـ (أما) في المثال الذي أتى به. (أما وقد نجح.. فإن عليه..) مشدد الميم، وله جواب قد اقترن بالفاء وهو (فإن عليه). وقد أراد العدناني أن يحتج لحكمه هذا فقال: (ويكثر مجيء –أما- قبل القسم كقول أبي حجر الهذلي: أما والذي أبكى...) فأما هذه حرف استفتاح قد تلاه قسم كما ذكرنا. وليس لها جواب البتة لأنها دخلت على كلام مكتف بنفسه كما ذكرنا، خلافاً لأمّا المشددة الواردة في مثاله (أمّا وقد نجح.. فإن عليه) فإن لها جواباً قد اقترن بالفاء وهو (فإن..). وهكذا أراد العدناني أن يقيس فقاس على غير شبيه، وأتى استدلاله حجة عليه لا له.

وجاء في الكليات لأبي البقاء الحسيني الكفوي مثالان لـ (أما) المخففة، أحدهما (أما والله لأفعلن) دخلت فيه على قسم، والثاني (أما زيد منطلق) وقد دخلت فيه على جملة اسمية لافتتاح الكلام. وقد خلا الخبر من الفاء، ولو كانت (أما) مشددة الميم لدخلت الفاء على الخبر الذي هو الجواب فقيل: (أما زيد فمنطلق).

والخلاصة أن قول الكتاب (أما وقد نجح.. فإنه) صوابه تشديد الميم في –أمّا- لا تخفيفها، والجملة بعدها حالية، قال الإمام السيوطي في كتابه (همع الهوامع –2/68): "ولا تعمل أمّا في اسم صريح فلا تنصب المفعول خلافاً للكوفية... غير الظرف والمجرور والحال فإنها تعمل فيها وفاقاً، لأن هذه الأشياء يعمل فيها معنى الفعل". ولا بأس أن نأتي بمثال مما جاء من كلام الجاحظ، على نحو المثال الذي نحن فيه. قال الجاحظ في كتابه (حجج النبوة): "فأما والأمر كما وصفنا وبينّا فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ خطة الحق وعجل على صاحبه... رسائل الجاحظ للسندوبي/ 122". فقد جاء الكاتب بأمّا المشددة الشرطية وأتبعها الجملة الحالية (والأمر كما وصفنا..) ثم أدخل الفاء على جواب (أمّا) فقال (فما الطاعن على عثمان..)، وسيأتي الكلام مفصلاً على (أمّا) المشددة هذه بعد.

5-أمّا:

(أمّا) المفتوحة الهمزة المشددة الميم تكون بمعنى –مهما- الشرطية وإن لم تعمل عملها في الجزم، فإذا قلت (أمّا خالد فهو شاعر) فإنك تعني (مهما يكن من شيء فخالد شاعر) أي تعني بذلك الشرطية والتوكيد جميعاً. قال ابن هشام الأنصاري في كتابه (مغني اللبيب –1/53 و45): "وأما التوكيد فقلَّ من ذكره، ولم أ رَ من أحكم شرحه غير الزمخشري فإنه قال: فائدة أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد. تقول زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محال ذاهب... قلت: أما زيد فذاهب، ولذلك قال سيبويه في تفسيره- مهما يكن من زيد فزيد ذاهب- وهذا التفسير مُدل بفائدتين: بيان كونه توكيداً وأنه في معنى الشرط.

وهي كما تأتي للتوكيد تأتي للتفصيل، كما في قوله تعالى: "فأمّا اليتيم فلا تقهر وأمّا السائل فلا تنهر وأمّا بنعمة ربِّك فحدّث- ونحو ذلك ما جاء في سورة الكهف: "أما السفينة فكانت لمساكين/79"، "وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين/80"، "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين/82".

والكتَّاب قد يهملون إدخال الفاء في جواب (أمّا) فيقولون: (أما خالد هو شاعر) وهذا خطأ إذ لابد من دخول الفاء في جوابها كما تدخل في أجوبة الشرط، ولا تسقط إلا لضرورة كقول الشاعر (أما القتال لا قتال لديكم) والأصل: فلا قتال لديكم.

وقد جاء في كتاب (الضرائر) لمحمود شكري الآلوسي: "أما، لنيابتها عن –مهما يكن من شيء- لزمت الفاء في جوابها، ولا تسقط إلا لضرورة، كما في قول الشاعر:

"فأما القتالُ لا قتال لديكم

ولكن سيراً في عراض المراكب"


يعيِّر الشاعر خصومه بالجبن فيقول لهم: لم تقتنوا الخيل فتعدُّوها للحرب والقتال، وإنما تعدّونها لتركبوها للزينة.

ولا تدخل (أما) على فعل لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، فلا يدخل فعل على فعل. وهي لا تعمل غالباً فيقع بعدها المبتدأ كقولك (أما خالد فكريم نبيل)، ومن ذلك قوله تعالى: "فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون.. الآية- البقرة/ 26". أو يقع بعدها الخبر كقولك (أما في الدار فزيد)، أو تقع جملة الشرط كقوله تعالى: "فأمّا إن كان من المقرَّبين فروحٌ وريحانٌ وجنة نعيم، وأمّا إن كان من أصحاب اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين- الواقعية /88و 89".

فإذا تلاها منصوب فقد يكون معمولاً للجواب كقوله تعالى:" فأما اليتيم فلا تقهر –الضحى/9" أو يكون معمولاً لمحذوف بعد الفاء كقوله تعالى: "وأما ثمودَ فهديناهم –فصِّلت/17" على قراءة النصب.

وقد تعمل (أمّا) لما فيها من معنى الفعل، ولكن ليس في اسم ظاهر، بل في ظرف، تقول: (أما اليومَ فإني ذاهب) أو جار ومجرور، تقول: (وأما في الدار فإن زيداً جالس) ولا يعمل ما بعد (فإن) فيما قبلها. وقد تعمل في الحال المفرد إذا كان منكراً كما تعمل في الجملة الحالية. ومثال الحال المفرد قولك (خالد أديب حقاً، فأما شاعراً فهو خبير بقرض الشعر يتدفق عن سجية وطبع، وأما كاتباً فهو حسن الترسل بليغ العبارة). وأما مثال الجملة الحالية فما ذكرناه قبل من قول الجاحظ: "فأمّا، والأمر كما وصفنا وبينا، فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ الحق وعجَّل على صاحبه- حجج النبوة من رسائل الجاحظ- للسندوبي/122".

6-إمّا:

إمّا بكسر الهمزة وتشديد الميم حرف تخيير أو شك أو تفصيل، ويلزمه التكرير. تقول: (اِِضربْ إما زيداً وإما عمراً) كما تقول: (اضرب زيداً أو عمراً)، وإنما كررت (إما) في القول الأول بدلاً من (أو) في القول الثاني لأنك إذا قلت: (اضرب زيداً أو عمراً) فقد ابتدأت بذكر (زيد) وليس عند السامع أنك تريد غيره ثم جئت بالتخيير. أما إذا قلت (اضرب إما زيداً وإما عمراً) فقد وضعت كلامك ابتداءً على التخيير. وفي الإعراب تقول: (إما) حرف تخيير و(زيداً) مفعول به. والواو حرف زائد و(إما) الثانية حرف عطف. ومنهم من ذهب إلى أن (وأما) جميعاً حرف عطف.

وتقول في معنى الشك: (لقيت إما زيداً وإما عمراً)..

وجاء في معنى التفصيل قوله تعالى: "إنّا هديناه السبيلَ إمّا شاكراً وإمّا كفوراً- الدهر/3".

وفي كلام الكتَّاب قولهم: (اضرب إمّا هذا أو هذا) بإحلال (أو) محل (وإما) وهذا صحيح.. فقد جاء في التنزيل: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين –سبأ/24" وقد قرئ أيضاً (إمّا على هدى أو في ضلال مبين). قال الإمام المرادي في كتابه (الجنى الدالي): "قد يستغنى عن إمّا الثانية بأو كقراءة من قرأ وإنّا وإيّاكم إمّا على هدى أو في ضلال مبين" وقال الشاعر:

يعيش الفتى في الناس إمّا مشيّعا

على الهمّ أو هلباجة متنعماً


والهلباجة الأحمق.

وقد يستغنى عن (إما) الثانية بذكر ما ينوب عنها، تقول: (إما أن تكلم بخير وإلا فاسكت). وقد أورد ابن هشام في كتابه (المغني) شاهداً على ذلك قول الشاعر:

فإما أن تكون أخي بصدقٍ
فأعرفَ منك غثي من سميني

وإلاَّ فاطرحني واتخذني
عدواً أتقيك وتتقيني


فالغث في الأصل هو المهزول وهو هنا الرديء، والسمين في الأصل خلاف المهزول وهو هنا الجيِّد. و(إلاّ) هنا نائبة مناب (إمّا).

وثمة (إما) من غير هذا الباب، وهي التي تكون شرطية كقوله تعالى: "فإما تَريِنَّ من البشر أحداً فقولي إنّي نذرتُ للرحمن صوماً.. الآية –مريم/16". فإما هنا أدغمت فيها نون –إنْ- الشرطية في –ما- الزائدة للتوكيد، فالأصل (إن، ما). و (تَريِنَّ) فعل الشرط، وقد لحقت به نون التوكيد. أما قوله (فقولي) فهو جواب الشرط. وكذلك قوله تعالى: "إمّا يبلغنَّ عندك الكبرَ أحدُهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً –الإسراء/23". فأمّا هنا ركَّبت من (إن) الشرطية وقد زيدت عليها (ما) تأكيداً، ولذا صحّ لحوق النون المؤكدة لفعل الشرط الذي هو (يبلغنّ)، وأحدهما فاعل –يبلغن- وجزاء الشرط (فلا تقل).

7-إن:

الأكثر في (إِن) بكسر الهمزة وسكون النون أن تكون شرطية نحو قولك: (اِن تجتهدْ تنجحْ)، أو نافية نحو قولك: (إن أردت إلاَّ نصحك) أي ما أردت غير نصحك. ولكنها قد تأتي زائدة كقول القائل: (ما إن ندمت على سكوتي مرَّة)، وقد زيدت في هذا المثال بعد (ما) النافية، وكذلك قول الشاعر:

ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه

إذن فلا رفعتْ سوطي إليَّ يدي


والمعنى: ما أتيت بشيء أنت تكرهه.

والكتَّاب إذا أتوا بأن الزائدة هذه بعد ما النافية، فتحوا همزة (إن) فقالوا: (ما أن جاء خالد حتى بدأ يتكلم...)، ولا وجه له، والصواب (ما إن جاء خالد حتى بدأ يتكلم) بكسر همزة إن.

ولكن هل تزاد(إن) المكسورة الهمزة بعد (ما) إذا لم تكن هذه نافية؟ أقول تزاد (إن) بعد (ما) المصدرية، وشاهده في كتب النحاة قول القريعي:

ورَجِّ الفتى للخير ما إن رأيته

على السنّ خيراً لا يزال يزيد


و (رجِّ) فعل أمر، والفتى مفعول، و (ما) مصدرية زمنية. والمعنى، توقَّع الخير من الفتى ما دمت ترى الخير منه يزيد بتقدّم سنْه.

أما (إن) المفتوحة الهمزة الساكنة النون فقد تزاد ولكن بعد (لمّا) الحينية غالباً كقوله تعالى: "ولما أنْ جاءت رُسُلنا لوطاً سيء بهم.. هود/77".

وزيادة (أن) بالكسر، و(أن) بالفتح لا يعني أن حذفهما وذكرهما سواء، فزيادتهما إنما تفيد التوكيد.

8-أن المصدرية وحذفها:

أن المصدرية إما أن تذكر فتنصب المضارع في مثل قولك: (لابد أن تعمل لتضمن النجاح).

وإما أن تضمر فتنصب المضارع في مواضع قياسية، أي كون إضمارها مع استمرار نصبها قياساً، وذلك:

بعد لام التعليل كقولك جئت لألهوَ.

وبعد لام الصيرورة كقوله تعالى: "فالتقطه آلُ فرعون ليكونَ لهم عدوّاً وحَزَناً- القصص/8".

وبعد حروف العطف: الواو والفاء وثم و أو، كقولك: يأبى الشجاع الفرار ويسلمَ، ويأبى الشجاع الفرار فيسلمَ، ويأبى الشجاع الفرار ثم يسلمَ، بنصب (يسلم)، فيها جميعاً. وقولك: يطلب الشجاع النصر أو يموتَ، بنصب يموت.

وقد تحذف (أن) المصدرية هذه فتقول (يريد المعلّم يحذر تلاميذه عاقبة الكسل) والأصل (يريد أن يحذّر)، ويسأل الكتاب، أينصب الفعل هنا وقد حذفت قبله (أن) أم يرفع؟ أقول المشهور رفع المضارع كما ذهب إليه البصريون وعلى رأسهم سيبويه، قال الشاعر:

ألا أيّهذا اللائمي أحضر الوغى

وأن أشهد اللذات هل أنت مُخلدي


والمعنى يا من تلومني في حضوري الوغى لأشهد اللذات، هل تكفل لي الخلود إذا كففت عن الحرب؟

وقد روى البصريون (أحضر) بالرفع، وقال سيبويه: أصله –أن أحضر- فلما حذفت- أن- ارتفع الفعل. ورواه الكوفيون بالنصب واحتجوا بعطف (أن أشهد) على (أحضر)، فأحضر منصوب لديهم والناصب مضمر قبلها لضرورة الشعر.

أقول ما دام المعول على ما جاء من ذلك في كلام الفصحاء، فقد ورد رفع المضارع بعد حذف (أن) الناصبة في الاختيار. من ذلك ما جاء في حديث جابر بن سمرة: "فشكوه حتى ذكروا أنه لا يُحسن يُصلي" برفع (يُصلّي). وفي الحديث أيضاً: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر حدُّث على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" برفع (تُحدُّ)، أي لا يحل لها ترك الزينة لحزنها فوق ثلاث. وفي كلام الجاحظ، كما حكاه الثعالبي في كتابه (لطائف اللطف): "أتحسنين تضربين بالعود"، والأصل: أن تضربي.

وعلى ذلك المثل المشهور (تسمعُ بالمُعَيدي خيرٌ من أن تراه) برفع (تسمع)، والأصل: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.

وفي التنزيل: "قل أفغيرَ الله تأمرونّي أعبدُ أيها الجاهلون –الزمر/ 64"، برفع (أعبد)، والتقدير أتأمروني بعبادة غير الله؟

فثبت بذلك مجيء المضارع مرفوعاً في الاختيار مع حذف (أن) الناصبة، أما جواز النصب فيه فقد قال به الكوفيون، ولكن عند الضرورة، لا في الاختيار. فما جاء من ذلك فهو شاذ.

9-إنّ وأنّ:

يشكل على الكتاب حيناً متى تكسر همزة(ان) المشددة ومتى تفتح. والقاعدة في التفريق بينهما أنه كلما أمكن إنزال (أن) وما بعدها منزلة المفرد فاعلاً أو مفعولاً أو مبتدأ أو مجروراً... فتحت همزتها، ففي قولك مثلاً: (بلغني أنك مسافر) جاء أن وما بعدها في تأويل المفرد مرفوع المحل فاعلاً، أي بلغني سفرُك.

وفي قولك: (علمت أنك قادم) جاء أن وما بعدها في تأويل المفرد منصوب المحل مفعولاً به، علمت قدومك.

وفي قولك: (الحق أنك موفق) جاء في تأويل المفرد مرفوع المحل على الخبر أو الابتداء أي: الحق كونك موفقاً.

وفي قولك بعد –لو-: (لو أنك قائم لكان كذا) أي لو ثبت قيامك..

وبعد –لولا-: (لولا أنك عالم لفعلت) أي لولا علمك...

وبعد –ما- المصدرية: (أنفق ما أنك قادر) أي ما استمرت قدرتك...

وبعد الجار نحو: (عجبت من أنك غاضب) أي من غضبك.. أو شهدت بأنك عالم، أي بعلمك، وهكذا..

وكلما كانت (ان) وما بعدها في تقدير الجملة كسرت همزتها، كأن تكون جواب القسم لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة نحو (والله إنك صادق)..

وبعد (القول) نحو (أقول إنك شاعر) لأن مقول القول جملة، وبعد الدعاء نحو قوله تعالى: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهّاب –آل عمران/8".وبعد النهي نحو قوله تعالى:" لاتحزن إنَّ الله معنا- التوبة/40".

وهكذا يجوز الوجهان كلما أمكن التأويل بالمصدر وعدمه، نحو: (أوّل قولي إني أحمد الله) بالكسر بتقدير أول قولي هذه الجملة، والفتح بتقدير: أول قولي حمدُ الله، وهكذا...

10-وإن كان:

يشيع في كلام الكتَّاب جملٌ مختلفة يتخللها قولهم (وإن كان)، فهم يقولون حيناً: (خالد، وإن كان حسن الخلق، إلا أنه بخيل)، ويقولون: (خالد، وإن كان حسن الخلق، لكنه بخيل). كما يقولون: (خالد، وإن كان..، فإنه بخيل)، ويقولون: (خالد، وإن كان..، بخيل)، فأي هذه الأقوال هو الصحيح؟

أقول: يعترض على الجملة الأولى أنه أخبر فيها بالقول (إلا أنه بخيل)، وعلى الثانية أنه أخبر فيها بالقول (لكنه بخيل). ذلك أنه جاء في صدر الجملة (خالد) مرفوعاً بالابتداء وهو يتطلب الخبر، وجاء الخبر مصدراً بإلاّ ولكن، وهما أداتان للاستدراك، والاستدراك لا يأتي إلا بعد تمام الجملة. تقول: (خالد حسن الخلق، لكنه بخيل) أو (إلا أنه بخيل).

أما الإخبار بجملة يتصدرها أداة استدرك فغير جائز. وكذلك إذا تصدرها حرف إضراب أو نداء، كما ذكره الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه (همع الهوامع- 1/69) نقلاً عن شارح كافية ابن الحاجب الإمام محمد بن سليمان الكافيجي.

على أن هذا الذي منعه النحاة هنا قد وقع في كلام الأئمة. فقد قال أبو جعفر الإسكافي في الرد على الجاحظ: "ونحن، وإن كنا نعتقد إخلاص أبي بكر وإيمانه الصحيح السليم وفضيلته التامة، إلا أننا لا نحتج له بمثل ما احتج به الجاحظ من الحجج الواهية – رسائل الجاحظ. خلاصة نقض كتاب العثمانية لأبي جعفر الإسكافي –جمع حسن السندوبي/46".

وجاء في رسالة للبديع الهمذاني إلى أبي بكر الخوارزمي: "إني، وإن كنت في الأدب دعيَّ النسب ضعيف السبب ضيق المضطرب... ولكن بقي أن يكون الخليط منصفاً في الوداد.. رسائل الهمذاني –مطبعة الجوائب- ص/17".

وقد أشار إلى جواز ذلك بعض النحاة. إذ جاء في حاشية الصبان على الأشموني في شرح ألفية ا بن مالك: "واعلم أنه استشكل وقوع الاستدراك خبراً على نحو: زيد وإن كثر ماله لكنه بخيل، مع وقوعه في كلامهم" وأردف: "وخرجه بعضهم على أن الاستدراك خبر عن المبتدأ مقيداً بالغاية" أي أنه ما دام المبتدأ مقيداً بالشرط (وإن كثر ماله) فالمعنى (زيد كثير ماله) ولذا صح الاستدراك بعده. ثم أردف: "وبعضهم جعل الخبر محذوفاً والاستدراك منه، كذا في الشهاب علي البيضاوي –حاشية الصبان- ج2- ص12".

وعلى هذا صح قولك (إلا أنه بخيل) و (لكنه بخيل) بعد أن ثبت وقوعه في كلامهم. ولو أن الأصل ألا يأتي الاستدراك إلا بعد تمام الكلام كقول الشافعي:

لو أنصفوا أنصفوا، لكن بغوا فبغَى

عليهم الدهر بالأحزان والمِحَنِ


وأما قولهم: (فإنه بخيل) بدخول الفاء على توهم وقوعها في جواب الشرط فهو شائع. قال الجاحظ في كتابه (حجج النبوة): "كل إنسان، وإن كان يرى أنه حاسد في شيء، فهو يرى أنه محسود في شيء- رسائل الجاحظ لحسن السندوبي- ص128". وجاء في كتاب "أمالي القالي- 1/271 المطبوع 1324) عن سعيد بن مسعدة الخفش: "اعتذر رجل من العرب إلى بعض ملوكهم فقال: إن زلَّتي، وإن كانت قد أحاطت بحرمتي، فإن فضلك يحيط بها وكرمك يوفي عليها". ومثل ذلك كثير في كلام الفصحاء.

وأما قولهم: (خالد، وإن كان حسن الخلق، بخيل) فإنه الأصل لأنه على تقدير (خالد بخيل وإن كان حسن الخلق). وقد يكون الخبر جملة فعلية كقول الجاحظ: "إنه، وإن كان يألفه أكثر من أبويه...، لم يكن الإلف ليخرجه عما نشأ عليه. خلاصة كتاب العثمانية من رسائل الجاحظ للسندوبي 24"، وقد يكون الخبر جملة اسمية، كما جاء في كليلة ودمنة (باب الفحص عن أمر دمنة 132): "ولست أقول هذا كراهة للموت فإنه، وإن كان كريهاً، لا منجى منه، وكل حي هالك"‍!

وقد بحث هذا الأستاذ محمد علي النجار في كتابه (لغويات 65) وانتهى إلى القول: "وبعد فالأسلوب الصحيح البراء من التكلُّف ألاَّ يقترن الخبر بأداة مما ذكر، وأن يطرح ما اطرحته العرب ونعود إلى العربية الصافية 37". وهو يعني بالأسلوب المتكلّف المطّرح إدخال أداتي الاستدراك (لكن وإلاَّ) على الخبر، أقول: قد جاء هذا الأسلوب في كلام كبار الكتَّاب في العصور المتقدمة كما رأيت، وقد حمل ذلك النحاة على أن يتأولوا له وجهاً. فالمختار عندي هو إجازته.

11-وإلاَّ لكان:

من مواضع (إلاَّ) بكسر الهمزة وتشديد اللام أن تفيد معنى التأكيد. فإذا قلت: (ادفع ما عليك وإلاَّ قوضيت) فإن (إلاَّ) تؤكد ما قبلها أي توجب الدفع، وتعلّق ما بعدها أي (المقاضاة) على انتفاء ما قبلها، فلا مقاضاة ما لم يمتنع الدفع.

وقد شاع في كلام الكتَّاب والمصنفين منذ القدم نحو قولهم: (ادفع ما عليك وإلا لقوضيت) بإدخال اللام على الجواب فهل هذا صحيح؟

أقول تتألف (إلاَّ) من (إن) الشرطية و (لا) النافية، وقد جرى بين النون واللام إدغام المتجانسين، فهل يجوز دخول اللام في جواب (ان) الشرطية؟

أجاز بعض الأئمة دخول اللام في مثل هذا الموضع. قال الإمام شهاب الدين أحمد الخفاجي في (شفاء الغليل-ص176): "إدخال اللام في جواب (لو) ظاهر، وأما في جواب (إن) فقيل إنه من خطأ المصنفين، وليس كذلك، لأنها تُخرَّج على أنها جواب –لو- مقدراً، والتقدير في قولهم- وإن لكان كذا- فلو كان لكان كذا- ترقياً من مرتبة الشك إلى الجزم....".

وقال الإمام الأزهري في شرح قواعد الإعراب: "ومنع الجمهور دخول اللام في جواب –إن- وأجازه ابن الأنباري".

وجاء في حاشية المغني قول الإمام محمد الأمير: "قال الشاعر:

أما والذي لو شاء لم يخلق النَّوى

لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي


قوله: لما غبت، قال الدمايني يمكن أنه جواب –إن- والجملة جواب القسم فيكون سَنَداً لنحو قولهم: وإلا لكان كذا".

فثبت بهذا ذهاب بعض الأئمة إلى جواز قولك (ادفع ما عليك وإلا لقوضيت"، وقد بحث هذا الأستاذ أسعد داغر في كتابه (تذكرة الكاتب)، فمنع قول القائل (وإلا لنجح)، ثم عمد إلى إجازته، في ملحق التذكرة، ولم يشر إلى أنه جاء يستدرك بهذا ما سبق أن منعه، إذ قال: "أنهم أجروا إن الشرطية مجرى –لو- في إدخال اللام على جوابها كقولهم: وإلا لكان كذا، لكنهم لم يجروا –إذا- هذا المجرى"

أقول وقد تعامل –لو- أيضاً معاملة- إن- فتقول (أنت لا تكرمني ولو أكرمتك) وأنت تريد (وان أكرمتك). أما (إذا) فلم يقل أحد بدخول اللام في جوابها، كما تقدم الكلام عليه.

وقد بحث الأستاذ محمد علي النجار نحو هذا في كتابه (لغويات –ص 21 و22) إذ تحدَّث عن دخول لام جواب القسم لا لام جواب لو، دخولها في جواب (إن) دون إذا وانتهى إلى القول: "على أن هذا التخريج لا تسكن إليه النفس كل السكينة. فهو إنما ورد مع إن، ولم يرد مع إذا. وأن أمُّ الباب في الشرط، فلا بدع أن تختص ببعض الأمور، ولا يجب أن يقاس عليها في جميع أحكامها سواها، وهو لا يستقيم أيضاً لو قيل مثلاً: إذا أتيتني لأقوم بإكرامك، فإن الواجب، على تقدير القسم، أن يقال: لأقومنَّ بالتأكيد، كما هو معروف". ولذا قل: ليس لديَّ ما أعطيك وإلا لأكرمتك، وسأكرمك ولو لم تزرني، ولا تقل إذا أتيتني لأكرمتك.

12-أيْ:

أيْ المفتوحة الهمزة الساكنة الياء حرف تفسير، على المشهور. تفسَّر بها الجمل كما تفسَّر المفردات. ومثال التفسير بالجُمَل قول الشاعر: (وترمينني بالطرف أي أنت مذنب)، وقولك (سألته أن يحضر أي طلبت منه الحضور، وقولك (قُطع رزق خالد أي مات) ببناء –قُطع- للمجهول، ولا أشكال في ذلك.

وتفسَّر بأي المفردات، تقول (أكرمت خالداً أي أباك)، فيقع الأشكال فيما بعد (أي)، ما محلّه من الإعراب!

أقول المشهور أن يقع الاسم بعد (أي) المفتوحة الساكنة بدلاً من الاسم قبلها، فيرفع أو ينصب أو يجر مثله. تقول: جاء أي خالدٌ بالرفع فيهما، ولقيت أخاك أي خالداً بالنصب فيهما، وظفرت بأخيك أي خالد بالجر فيهما.

وأجاز بعضهم النصب بفعل مضمر بعد المرفوع والمجرور. تقول: جاء أخوك أي خالداً، وتقديره أعني خالداً، كما تقول: أحسنت إلى أخيك أي خالداً، وتقديره أعني خالداً.

كما أجازوا الرفع بعد المنصوب والمجرور، على الاستئناف، كما جاء في اللسان. على أن المشهور هو اتباع ما بعد (أي) ما قبلها رفعاً ونصباً وجراً.

13-أيّ:

أيّ بفتح الهمزة وتشديد الياء، تكون اسماً للاستفهام أو الشرط أو الموصول:

ومثال الاستفهام قولك: أي الناس أفضل؟ فتكون أي مرفوعة بالابتداء وخبرها أفضل، ويأخذ بعض النقاد على الكتاب قولهم: أيهما أفضل العلم أم المال؟ ويرون هذا خطأ ويجدون الصواب: أيما أفضل العلم أم المال؟ لأن ا لضمير في –أيهما- عاد إلى اسم ظاهر تأخر عنه لفظاً وتقدم رتبة وهو العلم والمال، وهذا لا يجوز. قال الدكتور مصطفى جواد في كتابه (قل ولا تقل): "قل أيما أفضل العلم أم المال؟ ولا تقل: أيهما أفضل العلم أم المال، ذلك لأن –هما- في قولك –أيهما- ضمير يعود إلى اسم ظاهر تأخر عنه لفظاً وتقدم رتبة عوداً غير مجاز...".

أقول جاء في كلام الفصحاء (أيما) و (أيهما) في مثل هذا الموضع. ففي نهج البلاغة: "أيما أفضل العدل أو الجود. قال عليه السلام العدل يضع الأمور مواضعها والجود يخرجها من جهتها، والعدل سائس عام والجود عرض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما –3/257-258". وفي كتاب الحيوان للجاحظ: "أيّهما أشد الشتاء أم الصيف.." فصح بذلك الوجهان أيّما أفضل كذا أم كذا، وأيهما أفضل كذا أم كذا.

وقد تدل (أي) الاستفهامية على التعجب حيناً في مثل قولك (أي شاعر هذا الذي سمعت) أو تدل على الكمال كقولك (سمعت شاعراً أي شاعر) فتكون –هذه صفة لنكرة والمعنى أنك تثني عليه بكل ما يُمدح به الشاعر. وتقول في هذا المعنى: (لله درّ زيد أيّ شاعر) فتنصب (أي) على الحال بعد المعرفة أو ترفع (أي) على الابتداء فتكون استفهامية.

ومثال مجيء (أي) اسماً للشرط قولك: أي رجل يُخلص في عمله يلق نجاحاً، فأي مرفوعة بالابتداء والجملة بعدها خبر. وفعل الشرط (يخلص) والجزاء (يلق) مجزومان. وهكذا قوله تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى- الإسراء /110". والمعنى أيّ هذين تدعوا فهو حسن. فتكون –أيّاً- منصوبة مفعولاً به مقدماً لتدعوا، و –ما- زائدة للتأكيد. وفعل الشرط –تدعوا- مجزوم، وقد دخلت الفاء في الجزاء. وكذا قولك: بأيِّ سببٍ تعتذر يقبل اعتذارك، ففعل الشرط –تعتذر- وفعل الجزاء- يقبل- مجزومان.

ويسأل الكتاب أتتبع- أي- ما تضاف إليه في الشرط والاستفهام فتذكَّر مع المذكَّر وتؤنث مع المؤنث!

أقول بحث هذا الأستاذ محمد العدناني في كتابه (معجم الأخطاء اللغوية المعاصرة) فأوجب التذكير دوماً، إذ قال: "ويقولون أية طالبة فازت بالجائزة؟ والصواب: أي طالبة، لأن –أي- الاستفهامية إذا أضيفت إلى نكرة ثبت لفظها مفرداً دائماً. وأي الشرطية كالاستفهامية". وليس الأمر على ما قال العدناني.

ففي الصحاح: "وتقول أي امرأة جاءتك أو جاءك، على الاستفهام، وأية امرأة جاءتك؟" فأجاز الوجهين: أي امرأة وأية امرأة. وجاء في المصباح المنير: "والأفصح استعمال –أي- في الشرط بلفظ واحد للمذكر والمؤنث" فآثر التذكير مع المؤنث ولم يوجبه، وكذا الحال في الاستفهام.

وتأتي (أي) اسم موصول في ثلاث أحوال:

أن يحذف مضافها ويبقى العائد أي الضمير كقولك: (كافئ أيّاً هو مخلص)، فتكون معربة، أو يذكر مضافها وعائدها كقولك: (جاءني أيّهم هو ناجح)، فتكون معربة أيضاً، أو يذكر مضافها ويحذف عائدها كقولك: (أكرم أيّهم أحسن أخلاقاً) فتكون –أي- مبنية على الضم في محل نصب: أي أكرم أيهم هو أحسن أخلاقاً، هذا هو المشهور، ومنهم من أجاز إعرابها في هذه الحال أيضاً.

قال الإمام السيوطي في كتابه (معجم الأدوات النحوية وإعرابها): "وهي –يعني أيّاً- في الأوجه الثلاثة معربة، وتبنى في الوجه الثالث على الضم إذا حذف عائدها وأضيف كالآية- لننزعنَّ من كل شيعة أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّاً –مريم 69- أي أيُّهم هو أشد وأعربها الأخفش..".

وقد اشترط النحاة في (أي) الموصولة هذه أن تضاف إلى معرفة، وذهب بعضهم إلى جواز إضافتها إلى نكرة واحتجَّ بقوله تعالى: "وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون – الشعراء 227" أي المنقلب الذي ينقلبونه، كما فعل ابن عصفور الأندلسي. والجمهور على أن (أيّاً) ها هنا استفهامية، والجملة قد سدت سد مفعولي (سيعلم). فإذا صحت إضافتها إلى نكرة، وقد ورد ذلك في الشعر، صح قول القائل: (اسلك أي طريق تريد) أي الطريق الذي تريد.

وقد يسأل سائل ما الرأي في قولهم: (أيّهم تأتي يكرمك) أيرفع فيه الفعلان أم يجزمان؟

أقول تحتمل (أي) هنا الموصولية والشرطية. فإذا كانت الأولى رفعت الفعلين، و(أي) مرفوعة على الابتداء، ويكرمك هو الخبر. وإذا كانت الثانية جزمت الفعلين فقلت (أيُّهم تأتِ يكرمْك)، وتكون (أي) مفعولاً به مقدماً لفعل (تأت) فتأمل.

14-إيّاك:

إيّاك بكسر الهمزة وتشديد الياء المفتوحة مركبة من (إيّا) وهو ضمير نصب منفصل بني على السكون. و(الكاف) حرف للخطاب كالكاف في (ذلك) أو الهاء في (إياه) أو الياء في (إياي). ففي قوله تعالى: "إيّاك نعبد": إيّا ضمير نصب منفصل بني على السكون في موضع نصب مفعول به لفعل (نعبد). والكاف حرف خطاب للمذكر بني على الفتح. و (نعبد) فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر فيه وجوباً تقديره (نحن). ويقع الأشكال في استعمال (إياك) في المواضع التالية:

1-في مثل قولك: (ما استقبلت إلا إياك). فما نافية، واستقبلت فعل وفاعل. و –إلا- حرف لإيجاب النفي. و(ايّا) في محل نصب مفعول به. والكاف حرف للخطاب. والسؤال: -هل يصح قولك (ما استقبلت إلاَّك) بإحلال (الكاف) الضمير المتصل محل (إيّاك) الضمير المنفصل؟

أقول منع ذلك بعضهم كالحريري في (درّة الغوَّاص) وأجازه آخرون محتجين بما جاء من ذلك في شعر المتقدمين. وأقر هذا ابن مالك. كما أشار إليه ابن هشام في (أوضح المسالك). وصرَّح ابن الأنباري بجواز وقوع الضمير المتصل محل المنفصل.

2-وفي مثل قولك: (إياك والكذب) للتحذير. فـ (إياك) مفعول به لفعل مضمر محذوف بصيغة الأمر نحو (دَع أو اتَّقِ)، والواو عاطفة، و (الكذب) معطوف على المفعول. والسؤال: هل يصح قولك (إياك الكذب) بحذف الواو العاطفة؟ أقول أجازوا ذلك وقدروا لنصب (الكذب) فعلاً مضمراً غير ما أضمروه في نصب (إياك). وصحَّ كذلك قولك: (إياك من الكذب) و (إياك أن تكذب).

3-وفي مثل قولك: (قرأت الكتاب إياه) كما شاع ذلك على ألسنة الكتَّاب، وهكذا قولك (إن اللجنة إياها قامت بذلك) فهل هذا صحيح؟

أقول لا وجه لقولهم هذا، والصحيح: (قرأت الكتاب نفسه) و (إن اللجنة نفسها قامت بذلك)، ولا محل لـ (إياه) و (إياها) فيما تقدم البتة، إذ ليس ثمة ما يستوجب ذكر ضمير النصب ولا علاقة له بالتأكيد الذي أريد بذكره.

15-الاستئناف وأداته:

الاستئناف في الأصل ابتداؤك جملة لا تكون في سياق ما سبقها من حيث الإعراب، ولو كانت على اتصال بها من حيث المعنى. ويأتي الاستئناف النحوي جواباً عن سؤال مقدَّر{ سواء اقتضته الجملة الأولى أو لم تقتضه. ففي قوله تعالى: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء- يوسف/ 3" قد أتت الجملة المستأنفة جواباً عن سؤال مقدَّر اقتضته الجملة الأولى، وهو: وهل النفس أمّارة بالسوء؟ وفي قول الشاعر:

وتظنّ سلمى أنني أبغي بها بدلاً، أراها في الضلال تهيم

أتت جملة (أراها) مستأنفة، فكانت جواباً عن سؤال مقدَّر لا تقتضيه (وتظن) بالضرورة وهو: وما قولك فيما تظن سلمى؟

ولكن هل ثمة أداة للاستئناف. أقول الأصل ألاَّ تكون ثمة أداة.

فإذا اختلفت الجملتان خبراً وإنشاءً فلا محل بينهما لأداة من عاطف أو سواه. تقول (توفي خالد رحمه الله) ولا تقول (ورحمه الله). فـ (توفي خالد) جملة خبرية و (رحمه الله) إنشائية مستأنفة، فلا محل بينهما لعاطف لامتناع عطف الإنشاء على الخبر أو الخبر على الإنشاء، عند الأكثرين. ومن ذلك قوله تعالى: "خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون- النحل3"، فالجملة الأولى خبرية والثانية إنشائية مستأنفة، ولا محل بينهما لعاطف.

ويصح استئناف الجملة المستأنفة بالفاء، إذا لم تختلف الجملتان خبراً وإنشاءً، كقوله تعالى: "فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً- الجن 17"، وقوله تعالى: "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً –طه112". فقوله (فلا يخاف) في الآيتين، هو في الأصل جواب الشرط. فمن رفع (فلا يخاف) استأنف بالفاء وكان التقدير (فهو لا يخاف)، ومن جزم (فلا يخف) فعلى النهي.

وهكذا قوله تعالى: "بديع السموات والأرض إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون –البقرة 117"، فالجمهور على أن من قرأ (فيكون) بالرفع كان ذلك عطفاً على (يقول)، أو هو على الاستئناف بالفاء، على تقدير (فهو يكون).

وقد جعلوا من ذلك قول الحُطيئة: (يريد أن يعربه فيعجمُه) برفع (فيعجمُه) على الاستئناف بمعنى فإذا هو يعجمه، لأنه لا يريد الإعجام.

ولكن جاء قوله تعالى: "عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يُشركون –المؤمنون 92". فما مسوَّغ دخول الفاء على الجملة الإنشائية والأصل أن يستأنف الإنشاء بعد الخبر، بلا أداة؟

أقول تقدَّم الآية المذكورة قوله تعالى: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولَعَلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون –المؤمنون 91". ثم تلاه قوله تعالى: "عالم الغيب والشهادة.." بالجر على أنه صفة لاسم الجلالة، في قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ويعقوب وحفص، فجاء هذا دليلاً آخر على نفي التشريك، بناء ًعلى توافقهم في أنه المتفرِّد بذلك، كما قال الإمام البيضاوي في تفسيره، ولهذا رتّب عليه قوله: (فتعالى عمّا يشركون) بالفاء. أقول ما دام قد ترتب (فتعالى) على ما قبله، فالفاء فيه للسبب لا للاستئناف، وقد ذهب جماعة، ومنهم الفراء، إلى أنها للاستئناف.

وكذلك قوله تعالى: "إنّا أعطيناك الكوثر فصلِّ لربك وانحر –الكوثر". فالأكثرون على أن الفاء في قوله (فصلِّ) إنما هي للسبب، لأن الإنعام في قوله (إنّا أعطيناك الكوثر) قد تسبب في الشكر فتطلّب الصلاة، وقد ذهب إلى هذا ابن هشام في (المغني) وقال: "إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر ولا العكس –1/140".

ولكن هل تأتي (الواو) للاستئناف كما تأتي (الفاء). أقول جاء قوله تعالى: "من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون –الأعراف 186". فقرئ (ويذرهم) بالرفع على الاستئناف وبالجزم عطفاً على موضع جواب الشرط (فلا هادي). وبحث هذا الإمام الزمخشري في كشافه فذكر أن الرفع على الاستئناف، ولكنه قصد بذلك الاستئناف البلاغي الذي يعني عطف الفعل على جواب سؤال محذوف، كأن يكون السؤال: أهؤلاء يضلّهم الله ولا يهديهم أحد، فيكون الجواب: نعم يضلّهم ويذرهم في طغيانهم يعمهون. فالواو هنا عاطفة على كل حال، بالجزم أو الرفع جميعاً. والفرق بين الاستئناف البلاغي أو البياني والاستئناف النحوي أن البلاغي ما كان جواباً عن سؤال مقدَّر اقتضته الجملة الأولى أو معطوفاً عليه، فهو أخصّ مطلقاً من النحوي، وقد جاء نحو من هذا في كتاب القطوف الدانية في العلوم الثمانية لمحمد أمين السفرجلاني/ 199".

* * *

هذا ما رأيت الكشف عنه في استعمال هذه الطائفة من الأدوات النحوية، جلاءً لما قد يعترض الكتَّاب فيها من اللبس. فلابد أن يكون لهم من معرفة ذلك حظّ ومن تدبّره نصيب، تجنباً للخطأ وابتغاءً لحسن الأداء وإحكام البيان. ومن الله العون.

----------------------

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 53 - السنة 13 - تشرين الأول "أكتوبر" 1993 - جمادى الأولى 1414

من بني تميم
12-01-2005, 09:50 PM
بارك الله عملك ، ووفقك لما فيه الخير في الدنيا والآخرة .

وقد احتفظت بهذا البحث ـ الذي يهم دارسي العربية ـ في ملفاتي الخاصة .

الخليل 12
15-01-2005, 11:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
عزيزي الأزدي:
السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد
بدايةً أشكرك على هذا الموضوع الجميل الذي يتكلم عن ( الأدوات ) التي نستعملها في كثير من الأحيان في كتاباتنا ،، ولدي تساؤل حول موضوع الأدوات ، وهو أن كتب النحو المعروفة ككتاب ( أوضح المسالك) لابن مالك لم تذكر لفظة (أداة) حيث ذكر أن الكلام في اللغة العربية عبارة عن : اسم ، وفعل ، وحرف. فهل من الممكن أن تفيدني حول هذه النقطة ؟ ولك جزيل الشكر0 محبك ( الخليل12)

الأزدي
29-01-2005, 01:49 AM
أخي العزيز: الخليل 12
شكر الله لك كلماتك,
ولعلك تلاحظ أني ناقل للموضوع لا قائل,
لكني أجتهد فأقول: ليست الأدوات قسيمة للاسم والفعل والحرف, وإنما هي وسيلة للوصول إلى معنىً تكتنفه,
فقد تكون اسماً أو حرفاً أو فعلاً, وأغلب ما تُطلق الأدوات على حروف المعاني؛ لتعدد معانيها واستعمالاتها, وهذا ظاهر في الكتب المفردة لهذا النوع. والله أعلم.
أخوك المحب: الأزدي.
-----
أخي من بني تميم: حياك الله وسلمك.