المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : نداء استغاثة !!



الحب خطر
13-01-2005, 10:57 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أرغب من السادة النقاد نقد هذه القصة نقداً موضوعياً حيث أود تقديم هذا النقد لكاتب القصة لرغبتي الكبيرة بأن يشق طريقه في مجال التأليف الروائي

سنتقبّل النقد بصدر رحب طالما أننا سنجني الفائدة منه

ومقدم النقد أذكّره

( طوبى لمعلم الناس )

أتمنى أن أجد بينكم القبول وألاّ أكون ضيّفةً ثقيلةً عليكم

القصة معنّونة ب ( نداء استغاثة) الكاتب ( الطائر المهاجر )

سأقدمها للنقاد كما قدّمها مؤلفها

وطن من الأمن يستعمر قلوبكم الطيبة

الحب خطر
13-01-2005, 10:58 AM
.


- : إهــــــــــــــداء : -


إنه من اللائق هنا أن أتمشى مع مجريات العادة التي تنص أن يُكتب إهداء في مقدمة أي عمل أدبي مهما كان متواضعاً ، يتشرف فيه الكاتب بإهداء ثمرة جهده هذا إلى أشخاص أو شخصيات كانوا باعثاً له على كتابته تلك ..

وقد استغرقت كتابة هذه القصة زمناً ليس بالقصير تمشياً مع طبيعة المنتديات في العالم الإلكتروني البديع . ورغم بساطة الطرح ووجود بعض الأخطاء المقصودة والسقطات التي لا يخلو منها أي نص بشري ؛ فإن هذه القصة بما حوت من مشاهد وشخصيات ، أرجو أن لا يغيب عن بال القارئ الكريم أنها " رمزية "
وأن يستصحب معه هذا الشعور على الدوام إلى تلك الجزيرة ..

وأنها لهذا الاعتبار فقط ؛ قد مَزَجت بين الواقع والخيال بمزيج متداخل كما هو الحال في كل عمل رمزي ، وأن أشخاصها الحقيقيون يدركون وحدهم أبعادها وأحداثها التي وقعت ذات زمان خارج أرض القصة .

وهي بهذا ليست قصة للتسلية المجردة ، وإنما كتبت وفاءً لأصحابها كثاني تجربة لي مع القصة " باللغة العربية " . وقد سبق طرحها في مكان آخر إلا أن فصلها الأخير لم ير النور بعد !!

ولقد واجهت صعوبة في التقريب بين الواقع كما هو ، والخيال كما أراه ، بسيناريو الأفلام الأجنبية الخيالية كما اعتاد عليه قراء هذا الزمان ليكون أدعى للتشويق والإثارة ، وحتى لا ينقطع بهم النفس في رحلة الغوص إلى القاع .

كما حرصت أن أبرز بشكل مبعثر قدرة الأنثى الفائقة في التحكم بكل اقتدار بأقوى قوة كامنة عرفها البشر ؛ ألا وهي قوة العاطفة . وكيف أنها مخلوق ( وليس مجرد جسد جذاب ) وأنه يتمتع بصفات فريدة في صراعه المستميت مع هذه القوة الكامنة ، كما راعيت فيها تفاوت المستويات والأذواق ، وقد يعذرني منكم من لم تأتِ القصة مفصلة تماماً على قدر ذوقه وتذوقه وحده .

ومن رأى منكم عيباً فليغمض عنه وليسارني به وله به علي دين .

كل كلمة فيها .. عبارة عن خرزة مثقوبة الأطراف نظمتها في عقد أدبي متسلسل لأعلقه نيشان وفاء على صدر من كانت الباعث الأول لي على كتابتها قبل رحيلها . " وهو عرفان الطيور الأزلي الذي ترتحل به في كل حين " .

فإليها .. وإليكم أهدي هذه القصة المتواضعة .

الحب خطر
13-01-2005, 11:00 AM
الجزء الأول
.


حمل أمتعته على عجل ، ورجـلاه لا تكادان تلامسان الأرض من شدة الفــرح ...

وأخيراً تحقق حلمه برحلة بحرية إلى إحدى الجزر البعيدة على متن باخرة تبحر بعد دقائق .. وسيكسر حاجز الروتين الممل أخيراً وسيبتعد عن قصر أبيه للمرة الأولى منذ أن أصبح شاباً يافعاً .. بل الأجمل من ذلك كله أنه سيتذوق طعم الحرية الطبيعي بعيداً عن ( الإتيكيت ) الذي يأسره ليل نهار .

على رصيف المرسى كانت ( سيرين ) تنتظر بقلق ظاهر وصول (صديقها) الذي تأخر عنها كثيراً ... ونداءات البحارة لها بالصعود تتكرر بانتظام يزيدها قلقا وانزعاجاً.

هاهو قد وصل أخيراً ، وتعابير وجهه الخجول تنبئ بصمت أنه يعتذر إليها عن تأخره ...
ناولته التذاكر .. ثم ألقت على صدره حقيبتها وأمتعتها وسط دهشته دون تعليق وكأنها تقول له " ذق جزاء تأخرك أيها الكسول "
تبسم وبدأ يجر رجليه وحمله الثقيل وهو يصعد وراءها درجات سلم الباخرة ويدفعها من ورائها بحركاتٍ صبيانية مضحكة لعله أن يخفف شيئاً من توترها وضيقها.

كان قد تعرف إلى (سيرين) منذ شهر واحد فقط .. وسرعان ما نشأت بينهما علاقة صداقة حميمة . ثم اتفقا على أن يصحبها في رحلة ترفيهية إلى جزيرة نائية في عمق البحر مع عدد من موظفي الشركة الفرنسية التي تعمل فيها سيرين .

ورغم برودة الجو في هذا الصباح الباكر واضطراب حالة الطقس وارتفاع مستوى الموج ، إلا أن القبطان – ذلك الغامض الأعرج-أطلق صافرة الانطلاق لمركبته لتشق عباب الماء في تحد ٍ صارخ للمجهول وبدأ البحارة يرفعون الأشرعة ويسدلونها بحركات متتابعة مدربة وسط أهازيجهم التي تبعث في النفس حلاوة المغامرة .

كان ( كريم ) يسترق النظر إلى المرفأ الذي بدأ يتباعد تدريجياً من خلال نافذة غرفته وقد بدأ في ترتيب أغراضه وملابسه داخل الخزانة ويتراقص بحركات متمايلة ويردد مقاطع من أغنيات تنساب إلى أذنيه من جهاز التسجيل المعلق إلى خصره .. ولم يفسد عليه هذه الأجواء الحالمة إلا صوتُ سيرين وهي تقتحم عليه غرفته بعد أن ملت من كثرة طرق الباب دون أن يسمعها .. دخلت وأقفلت جهاز التسجيل وقد عقدت حاجبيها ثم أبعدت سماعتي التسجيل عن أذنيه وصرخت في وجهه قائلة : " إن لم توافني في الكافيتيريا حالاً فسوف أقبل دعوة أي أحد من زملائي إذا دعاني إلى فنجان قهوة.. هه !! " .

ثم انصرفت وأغلقت الباب بقوة تاركة ً إياه يتأمل علامة استفهام كبيرة ارتسمت في الهواء أمام عينيه.

لم يجد (كريم) بداً من أن يلملم أغراضه سريعاً ويخرج بحثاً عنها بين الدهاليز والممرات حتى وجدها هناك في الكافتيريا الرئيسي تقف وسط عدد من زملائها وزميلاتها الفرنسيين والعرب .
حياهم بأدب ثم أمسكت سيرين بيده والتصقت بجانبه في نشوة ظاهرة ،وراحت تعرفه إليهم وتعرفهم إليه وهو يصافحهم الواحد تلو الآخر.

دار بينهم حديث متشعب حول كل شيء في جو يملأه المرح والسرور في شيء من الدبلوماسية واللباقة .. تعرفوا من خلاله على بعضهم البعض بشكل أكبر ، وكانت فرصة رائعة بالنسبة لسيرين التي لم تكن لتبعد عينيها المعجبتين عن صديقها الخجول وقد تحول إلى شخصية ذات دعابة ونكتة .... وجاذبية .

فجأة !!! ... لمعت في عيني سيرين آثار منظر أعجبها وراء النافذة فأمسكت بيد كريم واستأذنت منهم بلطف وصعدت به إلى سطح الباخرة في نفس الوقت تماماً الذي استطاعت فيه الشمس أخيراً أن تخترق فراغات بدت بين السحب السوداء الكثيفة لتطل على الأرض بوجهها المشرق ، وراحت تداعب سطح الماء بخيوط ذهبية لم يكن في ذلك اليوم الحالم شيءٌ أجمل منها ولا أروع .

على حافة سطح الباخرة من مؤخرتها .. وقفا يملآن صدريهما بالهواء النقي ....
نسمة هواء باردة تسللت على حين غفلة منهما وراحت تتلاعب بشعر سيرين وتتمايل به .. تارة تهزه إلى آخر أطرافه في الفراغ بينهما .. وتارة تلفح به وجه وصفحة عنق كريم وهو ينظر باتجاه الشمس مغمض العينين ... ويتهامسان بعبارات مقتضبة للغاية حديثاً لا يفهمه سواهما .
وبينما هما في هذه الأجواء الحالمة إذ تزايد من حولهما عدد الركاب الذين اجتذبهم هم أيضاً جمال المشهد وشاعريته وهدوءه ، فاغتالوا بذلك من حيث لا يشعرون شيئاً من مشاعرهما الرقيقة البكر ووأدوها تحت تراب صدريهما قبل أن ترى النور .. فانسلا من بين الجموع وعادا إلى غرفتيهما ليأخذا قسطاً من الراحة قبل موعد الغداء .

* * * * * * * * *

كانت سيرين في حركة دائبة داخل غرفتها ترتب أغراضها وتجهز كاميرتها الرقمية استعداداً لكمٍ هائلٍ من الصور والذكريات الجميلة ... وكلما احتاجت إلى شيءٍ من العون والمساعدة هرعت إلى غرفة كريم دون تردد .
أما كريم ، فقد انشغل عنها وسط ألوانه وأصباغه وريشه وهو يرسم المنظر البديع الذي لاح له من بين شرائح ستارة غرفته .. ويمزج المنظر بمناظر متداخلة بشكل معقد تتسرب إلى خياله لا يدري مصدرها

بدأت معالم بحـرٍ لـُجـّي عميق تظهر على قاعدة اللوحة .. وفي طرفها الأيسر رسم دوامات دائرية على سطح الماء تكاد تبتلع سفينة عملاقة توسطت اللوحة وهي تصارع الأمواج !!.
وفي أقصى الركن الأيمن العلوي من اللوحة بالكاد يظهر طرف قرص الشمس وقد خنقتها السحب السوداء وأخفتها بعناية عن الأرض .. وخيوط ٌ من النور الساطع نجحت في الإفلات من قبضة السحب لتصل أخيراً إلى أعالي جزيرة قابعة بصمت في أحضان المحيط فتوصل إليها نداءات استغاثة متكررة من أهل الشمس إلى أهل الأرض !!!.

لم تكن سيرين تتذوق هذا النوع من الفن التشكيلي .. إلا أنها أبدت اهتماماً بالغاً به حين بدأ كريم يرسم وسط اللوحة وجـهاٌ هلامياً لفتاة حسناء ملامحها ساحلية ، تسدد نظرها الساحر مباشرة في عيني كل من يرى اللوحة ويتأملها .

ظنت في بادئ الأمر أنها هي المقصودة بالفتاة .. وهو الأمر الأكثر دفأً الذي تسلل إلى مشاعرها ودفعها باتجاهه .. وتجزم في قرارة نفسها أنه يبادلها الشعور نفسه .. بينما لم يكن كريم ينظر إليها بهذا الاتجاه.

ورغم أن كريم لم ينته بعد من رسم اللوحة .. إلا أنها أحرجته أمام زملائها وزميلاتها وهم على الغداء .. وراحت بحماس تصور لهم براعته في الرسم وجمال اللوحة التي رسمها بسرعة عجيبة وإبداع أخـّاذ . وتحت ضغط الجميع وإلحاحهم المتكرر ، وجد نفسه المسكين يجر رجليه باتجاه غرفته ليحضر لهم اللوحة .


* * * * * * * * * * * *

في المسـاء .. كانت عناصر اللوحة دون إذن سابق من أحد تتحول إلى أكثر المواضيع طرحاً على الطاولات وفي الممرات والغرف . وتصبح هذه العناصر مجتمعة موضوع السهرة الوحيد .( البحر-السحب السوداء- الجزيرة – الباخرة – سوء الطقس- وأخيراً وهو العنصر الأكثر إثارة وتشويقاً وغموضاً من بينها ؛ الدوامات البحرية )

وكان بعض الذين وهبهم الله إحساساً مرهفاً بالخطر قبل وقوعه من الركاب ، يشعرون دون غيرهم بوجود حركة خفية غير طبيعية بدأت تظهر على تصرفات البحارة وطاقم السفينة .. .

ثم ما لبثت هذه الأحاسيس أن تحولت إلى واقع بدأ يطفو على السطح عندما بدأت السفينة الضخمة تتمايل وترتفع وتنخفض وتفقد تدريجياً شيئاً من توازنها وسط دهشة الركاب الذين لم يستطيعوا هم أيضاً السيطرة على أنفسهم وتوازنهم .. بل ولم يتمكنوا من السيطرة على ملاعقهم وصحونهم وهي تتساقط على أرضية المطعم الكبير .

وعبثاً كان يحاول النادلون ( الجرسونات) في المطعم تهدئة الركاب والمسارعة بتنظيف أرضيات المطعم وتبديل الصحون المكسورة على الأرض..
على طاولة طويلة تحلق حولها كريم وسيرين وثمانية من زملاء وزميلات سيرين ، لم يكن الوضع أحسن حالاً عن بقية الطاولات وبدأ حديثهم يتقطع بتقطع التيار الكهربائي داخل المطعم .. وترتفع أصواتهم بارتفاع أصوات من حولهم من الركاب المذعورين .. وكان أحد الفرنسيين يربط عناصر لوحة كريم بالذي يحدث الآن ،غير أنه نسي الدوامات البحرية .. ونسي معها الجزيرة بالطبع .

( يتبع )
* * * * * * * * * * *

الحب خطر
13-01-2005, 11:02 AM
الجزء الثاني

.

ساعتان مضتا وهم على هذه الحالة ، والوضع يزداد سوءاً واضطراباً وبدأ بعض الركاب وكبار السن يفقدون السيطرة على أنفسهم وأعصابهم .. وسرعان ما كانت تنشب بين الفينة والأخرى عراكات ومشادات يدوية بين هذا وذاك ثم ما تلبث أن تخمد تماماً بتدخل أحدهم لفض النزاع من أجل الجميع .

داخل السفينة .. كان كل شيءٍ يتجه إلى الأسوأ ، والحسابات الشخصية تتضارب داخل كل عقل .. والأمزجة تتعقد .. والأعصاب تشتد .. والأنوار تنقطع ثم تشتعل بشكل يزيد من توترهم وخوفهم .. والصرخات المفاجئة تنطلق عنوة من أفواه بعض النساء ثم سرعان ما تتحول إلى ضحكات مصطنعة ممزوجة ببكاء خافت في محاولة نفسية يائسة لبث الثقة في أنفس الجميع وخصوصاً الأطفال الذين تعالت صيحاتهم نتيجة الانزعاج والجوع .

أما خارج السفينة ... فكان الوضع الأكثر خطورة ودموية .. وهو الوضع الأكثر وضوحاً أمام عيني قبطان السفينة ذا الغليون المعقوف.

بات وجهه المتجهم وكأنه خريطة متداخلة الخطوط لأسوأ أرض رعب عرفها إنسان .
إنه يرى حتماً ما لا يرون .. ويعلم ما لا يعلمون ، بل ويسمع على ذبذبات الراديو ما لا يسمعون .

كان يخفي مخاوفه الحقيقية حتى عن أقرب بحارته ومعاونيه ، وهو يرسل إشارة استغاثة أخيرة قبل أن ينقطع الإرسال الذي كان يربطه باليابسة !! ويبدو أن إشارته لم تصل إلى مكان .. ونداءه بطلب النجدة راح أدراج الرياح سدى ، غير أن معاونه الأقرب " وهو برتبة كولونيل بحري متقاعد " سمعه أثناء إرسال الإشارة الأخيرة وهو يتحدث عن شيءٍ اسمه ( الحوت الأعمى ) !!! وكأنه سـرٌ من أسرار الماضين لا يعرفه إلا القلائل من كبار الصيادين وقباطرة البحار !!!

دنى الكولونيل برفق من قبطان السفينة بعد أن انقطع إرسال البث الأرضي وانقطع معه في وجه القبطان وريد الأمل الأخير لهم بالنجاة الذي ظل مرتسماً على وجهه حتى اللحظة الأخيرة .. ثم قال له بصوت خافت خائف : " سيدي اللفتنانت .. هل أطلق صافرات الإنذار الآن ؟؟؟ " .

سكت القبطان طويلاً وهو يفكر بعمق بتبعات قرار كهذا ثم قال : " نعم " . ثم استدار نحو أحد البحارة وسأله : " كم عدد ركاب السفينة " ؟؟
أجابه البحار على الفور وبكل احترام : أربعمائة وثلاثة وخمسين مع الطاقم سيدي !!.

بدأ القبطان فوراً يتنقل داخل قمرة القيادة ويمر على جميع معاونيه خلف الأجهزة ويصدر قراراته السريعة الحازمة التي لم يعتد على مثلها إلا في أندر الحالات .. ثم أعلن حالة التأهب القصوى وأمر بأن تدار المحركات بشكل عكسي ست درجات نحو الشمال ، و أن يتم تشغيل محركات التوربيدات الاحتياطية على الفور.. وقد ارتسمت على وجهه أسوأ علامات الانزعاج والقلق منذ ركب البحر ، ومعاونه الكولونيل يمشي خلفه يتحين فرصة مناسبة يختلي بها معه وهو يردد سيدي ...سيدي .. سيدي اللفتنانت !! حتى إذا وصلا وحدهما عند آخر قمرة القيادة الفسيحة مما يلي وجه السفينة ، وقفا أمام نافذة زجاجية عريضة تطل على مقدم السفينة .. وأطرق القبطان طويلاً بخشوع وخوف وهو يشعل غليونه ويتمتم بكلمات سمع منها الكولونيل قوله : فليكن الرب في عوننا !! ثم سدد نظره في وسط الظلام هناك أمام السفينة باتجاه المجهول .

قال له الكولونيل بصوت خافت : سيدي .. ما هو الحوت الأعمى ؟؟؟

سكت القبطان قليلاً وهو يخفي رعباً ملأ صدره ونظره مسدد بقوة نحو ذلك المجهول ثم قال : " إنه أسوأ إعصار عرفته البحار يا بني..

إنه بخطورة البركان في اليابسة إن لم يكن أشد .. وهو لا ينشط إلا مرة واحدة كل أربعين سنة . ثم أطرق طويلاً قبل أن يقول :

"لا زلت أذكر المرة الأخيرة حين ابتلع أربعة من السفن الحربية دفعة واحدة .. كنت حينها أعمل ضابط اتصال في الفنار الكبير على الشاطئ وقد التقطت إشارة ضعيفة من إحدى السفن وهم يستغيثون من هجوم حوت ٍ ضخم بحجم جبل عملاق !!!

لم ينجو من الألف ضابط غير أفراد قلائل معظمهم لحقتهم إصابات وتشوهات وإعاقات ، أما السفن فقد اختفت تماماً في عمق الماء.

كنا نظن أن هجوماً صاروخياً مضاداً حطم تلك السفن ... أما سكان تلك الجزر الوادعة فهم يعتقدون أن حوتاً عملاقاً يعميه الغضب فيخرج عليهم فجأة من رحم البحار ، يبتلع كل ما على سطح الماء ، ولا يسكن غضبه إلا عندما يقدمون له قرباناً هي أجمل فتياتهم على الإطلاق يتركونها تعيش له على الشاطئ؟؟؟؟


كانت السفينة العملاقة أشبه ما تكون بفارس من رعاة البقر امتطى ظهر حصان هائج لم يتم ترويضه بعد ، فترتفع تارة حتى يكاد جسمها ينفصل عن سطح البحر تماماً ثم تهوي بكتلتها الضخمة في الماء وكأنها تغوص في جوفه ...

وكانت أمواج من المياه تتلاطم هنا وهناك في تجاويف السفينة فـتـنـتـزع من بين ممراتها وغرفها من استطاعت من ركاب أو أثاث أو آلات فتلقي بهم في عمق البحر بلمح البصر .. وبدأ الناس وهم يرون أنفسهم يتناقصون هكذا مع كل خطفة ؛ يفقدون آخر ما تبقى لهم من أعصاب وحسن تصرف .. وباتت قراراتهم وليدة اللحظة .

ولم يبق في هذه الكتلة الحديدية مكان يمكن اعتباره آمناً لا تصل إليه المياه .

وباءت بالفشل ، جميع محاولات القبطان ومعاونيه إبعاد السفينة عن الدوامات التي دخلتها بالفعل في تموجاتها الدائرية وصارت تميل معها حيث تميل .. تماماً كما تميل ذرات من القهوة المجففة في دورانها داخل كوب مملوء بالماء المغلي .

ومما زاد الوضع سوءاً ؛ هبوب رياح مطيرة وعنيفة بدأت بزخاتها وكأنها تخترق جدار السفينة وتـثـقبه.

وفي خضم هذه التطورات المتلاحقة .. كان كريم حاله كحال عدد من الفتيان والرجال الأشداء ، الذين وهبوا أنفسهم لمساعدة المحتاجين من الأطفال والنساء وكبار السن . ويأخذونهم لا إلى مكان ولكن في كل مرة ينقـلونهم إلى أكثر الأماكن لا تصل إليه المياه .. وتحولت أرضية المطعم الكبير إلى بحيرة عائمة تخفي في قـعرها أطناناً من الصحون والملاعق ، والطاولات ، والجثث .. في ظـلام دامس .

ومع انقطاع التيار الكهربائي ، تعالت صرخات ونداءات الركاب يبحثون عن بعضهم البعض ، وينقذون الناجين منهم في حركات غير مدروسة وغير منتظمة على الإطلاق .

* * * * * * * * * * * * * * * *

إختفاء صوت سيرين المفاجئ عن سمع كريم زاد من توتره وقلقه وبدأ مسلسل البحث عنها ، ثم استوقفته إحدى عجائز ركاب الدرجة الأولى وهي تشده من قميصه المبلل وتناشده البحث عن حفيدها الذي تسمع صياحه وسط الظلام ولا تعرف مكانه....


عملية إنقاذ الطفل وإعادته إلى جدته الثرية استغرقت نصف ساعة على الأرجح لكنها – مع الأسف – لم تكن كافية لتبقي العجوز وطفلها على قيد الحياة فترة طويلة من الزمن !!!
كان نداء الفطرة في قلب الأم وحده الذي أجبرها أن تكون ممسكة به حتى اللحظات الأخيرة التي تجمعهما معاً قبل أن ينهار عليهما عامود فولاذي ضخم دفنهما تحته في قاع البحيرة إلى الأبد.. وكان ذلك على مرأى ومسمع من كريم الذي جن جنونه من هول الموقف .. وراح الآن يفتش بحرارة وحماس أكثر عن سيرين أو أي من الناجين من زملائها .

كانت سيرين في هذه الأثناء قد انفصلت عن الباقين .. وبحماقة جريئة راحت تتجه بمفردها نحو غرفتها وتتلمس الطريق بيديها بعزم وثقة ..

لقد تذكرت جهاز إرسال بحجم الراديو الكبير كانت قد أحضرته معها لمزيد من المتعة والتشويق يمكنه على حد زعمها من التقاط بث السفينة من على بعد كبير لو هي استطاعت التقاط موجة البث بين السفينة وبرج المراقبة الأرضي على اليابسة .
لقد كانت تخطط لإجراء تجارب فنية من هذا النوع حين تستقر على الجزيرة هي وزملائها وزميلاتها. فقالت في نفسها لو أنها استطاعت الوصول إلى هذا الجهاز وتشغيله في اللحظة الأخيرة فلربما نجحت في إطلاق نداء استغاثة إلى اليابسة ، أو إلى أحد ما هناك .

وصلت غرفتها أخيراً وقد امتلأت جبهتها وأكتافها بلطخات من الدم يـنـز من شرخ في رأسها نتيجة اصطدامها بقطعة حديدية حادة فاجأتها وسط الظلام.
حملت الجهاز أخيراً وحملت معه كاميرتها الرقمية ثم خرجت من الغرفة وبدأت تبحث عن كريم .

وصل كريم أخيراً إلى سطح السفينة بصعوبة بالغة وهو يمسك بيد رجل عجوز بترت نصف ساقه تقريباً والدم لا يزال رطباً على ملابسه .. وكان البحارة على سطح السفينة منهمكين بإخلاء السفينة في قوارب صغيرة للنجاة تنفيذاً لأمر القبطان الذي أصدر أوامره بالإخلاء .. ثم جال البحارة في جميع نواحي السفينة لتجميع الركاب في نقطة واحدة على السطح ومن ثم إنزالهم على شكل دفعات متتالية في تلك القوارب .

وكم كانت فرحة كريم وهو يرى صديقته تتجه وسط الزحام باتجاه السطح .. وحين رأته هي الأخرى اتجهت إليه مباشرة وألقت بنفسها بين ذراعيه في لحظة فرح مجنونة .. وبدأ كريم يلح عليها بمغادرة السفينة على الفور مع الباقين وهو يدفعها نحو سلم الطوارئ للنزول
إلا أنها راحت بعناد وإصرار تتمنع وتقسم عليه أنها لن تتركه لحظة واحدة على ظهر السفينة وحده وتقول له :

" إما أن ننجو معاً أو نغرق معاً " ..





* * * * * * * * * *
( يتبع )

الحب خطر
13-01-2005, 11:04 AM
الجزء الثالث



وفي هذه اللحظات أصابت صاعقة رعدية عامودَ سارية التوازن الرئيسية فكسرته من وسطه ثم بدأ العامود يتداعى ببطء ويقتلع معه جميع الأسلاك الحديدية والحبال التي تشده ، ويتجه نحو نقطة التجمع على سطح السفينة فوق رؤوسهم مباشرة ..

دفع كريم سيرين بقوة نحو سلم النزول وهو يطمئنها أنه سيلحق بها فوراً على نفس القارب أو القارب الذي يليه على الأرجح .. وهو يعلم يقيناً أن الوقت لم يعد ليسمح على الإطلاق بقارب آخر . غير أن دافع الشهامة أملى عليه أن يقف هذا الموقف البطولي لعله أن يتسبب في إنقاذ المزيد من الركاب .. وظل ينظر إليها وهي تنزل ببطء درجات سلم الطوارئ وعيناها تملآنهما الدموع والرعب .. ولا تزال حرارة يده مستقرة في باطن يدها .. وظل هو ممسكاً بجهاز البث الذي وضعته سيرين في يده في حركة لا تزال تجهل معناها هي نفسها .. وكانت على أمل أن يتبعها فعلاً في نفس القارب أو القارب الذي يليه .. ثم ما إن استقرت قدماها على سطح قارب النجاة كآخر راكب وصل ، وعيناها معلقتان بكريم في لحظات وداع أخيرة ، حتى أخرجت فجأة كاميرتها المعلقة على صدرها ثم وجهتها هناك حيث كريم على حافة السفينة ثم التقطت له الصورة الأخيرة التي انطبعت في خيالها المضطرب قبل أن يحول بين القارب والسفينة موج عاتٍ دفع بالقارب في جوف الظلام والضباب الكثيف ثم انقطع الصوت بينهما تماماً .


إلتفت كريم إلى بقية البحارة والركاب ، في الوقت الذي سقط فيه عامود التوازن على ظهر السفينة وهرس تحته عدداً من رجال الإنقاذ وامرأة مقعدة ثم اقتلع حبال قوارب الإنقاذ المتبقية والمتدلية على جنب السفينة من الخارج ليلقي بها وسط البحر ويلقي معها آخر أمل لنقل المتبقين من الأحياء ...

* * * * * * * * * *


نصف ساعة فقط قضاها كريم على ظهر السفينة بعد مغادرة سيرين . . تأكد خلالها أنه لم يعد يسمع صوت أحد من الأحياء غير بعض أصوات استغاثة كانت تأتيه من أماكن بعيدة عجز عن تحديد موقعها .. غير أنه التقط صوت استغاثة خافت من إمرأة قريبة منه ثم حين اقترب من مكان الصوت وجد إحدى عاملات النظافة وقد حشرت وسط غرفة صغيرة بجانب المصعد المتعطل وقد امتلأ ثلاثة أرباع الغرفة بالمياه والطحالب ومخلفات البحر ، وبعض أشلاء من الجثث الطافية في منظر مخيف ومقزز للغاية ..

كانت المرأة تبكي وسط الظلام ومن حولها طفلتين صغيرتين تبكيان لا يدري كيف جاءتا مع هذه العاملة المسكينة .. وكل الذي يدريه أن بكاء الطفلتين المحشورتين في هذه الغرفة المحكمة الغلق وبابها مسدود بركام هائل من الحديد ، كان يمزق قلبه بكل وحشية ، ويشتت تركيزه وهدوءه رغم ثباته .. وكان صوت صافرات الإنذار المتقطع يزيد من عصبيته وجنونه..
حاول بشتى الوسائل فيما تبقى من ثوانٍ معدودة ، الدخول عبر النافذة الوحيدة للغرفة , إلا أن جسمه وصغر الفتحات لم يسمحا بذلك فراح يهز قضبان النافذة الحديدية دون جدوى ثم حاول الإمساك بأطراف أصابعه أطراف أصابع إحدى الطفلتين لعله أن يستخرجها من بين فتحات النافذة ، والعاملة المنهكة ترفعها إليه قدر استطاعتها بلا فائدة .. ثم تعالت صرخات الطفلة وبكاؤها .. ثم ارتجت السفينة من جميع نواحيها التي بدت وكأنها مهجورة إلا من أصوات انفجارات بعيدة أو أصوات تحطم الزجاج هنا وهناك .. ثم مال جسم السفينة بشكل غريب ، أدرك كريم فوراً وهو يسمع صوت شلالات من المياه الداخلة أن السفينة تغرق ، فابتعد عن الطفلتين وعن العاملة وقلبه يتمزق حسرة وألماً عليهم .. كانت هذه هي اللحظات الصعبة التي ظلت راسخة في ضميره الحي .. ثم انطلق يركض باتجاه أقرب منفذ يؤدي إلى السطح ووراءه طوفان من المياه المتدفقة تلاحقه في سباق محموم إلى الموت .. ثم أمسك بكلتا يديه بجهاز البث بقوة وقفز في الهواء قفزة عالية بعيداً عن جسم السفينة ثم ابتلعه البحر واختفى وسط الضباب ....


* * * * * * * * *



فتح عينيه ببطء شديد وقد بهره ضوء الصباح .. ثم أحس وكأنه قد بُعث من قبره ...

يشعر بجوع يكاد يمزق أمعاءه .. وبثقل مزعج في مؤخرة رأسه وكأنه أفاق من غيبوبة طويلة طــويلة ..
جال ببصره سريعاً في أنحاء المكان ثم حاول النهوض فاصطدم رأسه بخشبة عريضة فوق سريره آلمته كثيراً .. ثم تنبه إلى أنه مكبل اليدين والرجلين على أطراف السرير بحبال غليظة من ليف الأشجار !!

حاول الخلاص من قيده دون جدوى .. وبينما هو يحاول بعصبية إذ بعدد من الرؤوس تطل عليه من نافذة الكوخ وأشكالها المخيفة يخيل إليه أنها لمخلوقات بدائية من كوكب غريب , وقد لطخوا وجوههم بأصباغ وألوان صارخة ومتداخلة .. وهم يرددون عبارة واحدة بخشوع ظاهر .

كانوا يقولون : " جاد بالان كا " !! " جاد بالان كا " !!!!

ويدخلون إليه داخل الكوخ الواحد تلو الآخر ، يضعون أمامه أصنافاً من الفواكه الطازجة ثم ينصرفون بنفس الخشوع الذي دخلوا به ، ويأخذون مكانهم من جديد وراء النافذة !!!!

حاول الحديث معهم بلطف مصطنع ، وبدأ يكرر على مسامعهم نفس الكلمة التي يكررونها وهو لا يدري معناها " جاد بالان كا " ويسألهم
( من أنتم ؟؟) ( من جاء بي إلى هنا ؟؟) ( أين أنا؟؟ ) ( هل .. يمكنكم أن تحلوا قيدي لو سمحتم؟؟ ) .. إلا أنه أدرك على الفور أن الحديث معهم باللغة العربية لن يجدي نفعاً .. ثم حاول معهم بالفرنسية (إسكو فو باغليه فخونسيه؟؟) ( كي إت فو ؟؟) ( أو سوم نو ؟؟) .. يا إلهي حتى هذه اللغة لم تجد نفعاً !! ثم حاول بلغة الإشارة رغم أنه مكبل دون فائدة أيضاً !!! .

وفجأة !!


وبدون مقدمات ولا تمهيد ، تراجعوا بسرعة عن النافذة ثم انسحبوا داخل الجزيرة واختفوا بين الأحراش بسرعة القرود وكأنهم رأوا شيئاً أفزعهم !!!

خيم الصمت لحظات على كافة نواحي الشاطئ !! حتى طيور النورس كفت هي الأخرى عن التحليق والرفرفة !!!
حاول كريم أن يمد رأسه خارج الكوخ ليتبين الموقف!! يشعر أن هناك أحداً بالخارج بدأ يقترب من الكوخ ... وقع الأقدام يدل على أنه شخص واحد أو اثنان على الأرجح ...

ثم سمع صوت قعقعة قدور فخارية وأواني في ساحة الكوخ أشعرته أن هناك فعلاً أحد بالجوار يعبث بها !!! وبات قريباً جداً من الكوخ !!
ثم صوتُ تكسير ثمار صلبة بشيء أشبه ما يكون بفأس أو آلة حديدية مماثلة .
إلتزم الصمت وراح يرقب الباب المغلق في ذهول وقلق !!!

* * * * * * * * * *

الحب خطر
13-01-2005, 11:06 AM
الجزء الرابع

.مضت دقائق ... ثم فـُتح الباب بهدوء !!

صوت صرير الباب وهو يفتح ؛ يقرع في تجاويف صدره طبول الخوف والهلع ...

ثم سرعان ما دخلت أشعة الشمس القوية وملأت أرجاء الكوخ فأبهرت بصره .





وفجـــــــــــــأة .....




وقف وسط الباب تماماً جسم بشري ممشوق القامة يبدو أنه جسم أنثى !!!

أعمس عينيه يتفحص هذه الدخيلة ، فإذا به يرى شابة بيضاء طويلة في أول العشرينات من العمر ، مكتنزة اللحم ، وتغطي جسمها بملابس من جلد ناعم ، وقد حلقت حول رأسها أنشوطة من الأزهار البديعة، وتحمل بين يديها طعاماً صنعته له وكأساً مملوءة بعصير جوز الهند ، وقد ربطت خصرها بحزام جلدي قاس ٍ يتدلى منه فأس حاد وطويل !!

وضعت الطعام أمامه وهي تتبسم بخجل ثم أخرجت الفأس وقطعت بشفرته القيد الذي على يديه فقط ثم خرجت مسرعة باتجاه الغابة ... وكريم ينادي عليها ويسرع في تمزيق قيد رجليه ، والدهشة لم تفارقه لحظة واحدة

كان يناديها بصوت عالٍ " هـآااي أنتي .. عودي إلى هنا .. عودي أرجوكِ .." ... لا فائدة !!

سرعتها ورشاقتها أبعداها عنه داخل الغابة واختفت هناك.


عاد إلى الكوخ وبدأ يتناول الطعام بشراهة بربرية ، وهو لا يجد تفسيراً واحداً واضحاً لما يحدث !!


بدأ يتفحص الكوخ والمكان من حوله .. إنه في طرف جزيرة خضراء مليئة بالغابات الكثيفة والجبال الشاهقة ..

وكأنها مهجورة تماماً إلا من تلك الفاتنة الغريبة وتلك المخلوقات الغامضة بالطبع ... ثم دنى من الكوخ وإذا به يرى قميصه وقد علق على حبل مربوط بين شجرتين من أشجار جوز الهند وقد غسل ونشر تحت الشمس ..

تناوله وستر به صدره العاري ، وهو ينظر إلى جهاز البث على طاولة صغيرة تحت إحدى الأشجار !!

تذكره سريعاً .. وتذكر السفينة ، والطفلتين .. نعم نعم إن صياحهما لا يزال يتجلجل في عقله يكاد يصيبه بالجنون ..

ثم تذكر الدوامات البحرية وتذكر اللوحة ..

( وتذكر سيرين بالطبع ... ) .

إلا أنه لا يزال في حيرة من أمر الجزيرة ومن أمر تلك الساحرة البيضاء التي تظهر من بين الأشجار في كل مرة....

يبدو أن هذا الجزء معزول تماماً عن بقية الجزيرة – أو هكذا يبدو له –
إنه لا يرى أثراً لمنازل ولا أكواخ غير هذا الكوخ القديم .. ولا يوجد أثر لسكان ولا طرق بل ولا حيوانات !!

عجيب ... !! ليس هناك أثر لأي صوت سوى أصوات طيور النورس الجميلة التي تملأ الشاطئ وحول الكوخ .. وبعض أصواتٍ لحيوانات وطيور غريبة تنساب من داخل الغابة .

دخل الكوخ وبدأ يتفحص محتوياته وأثاثه بيديه هذه المرة ويطل بوجهه من النافذة يراقب الجزيرة الحالمة وقد تعالى النهار .. ويحاول فهم ما يجري بهدوء وروية .




مضت نصف ساعة وهو على هذه الحال أو أكثر ، ثم شعر بحركة غريبة بين الأشجار !! ؟؟؟؟

أطل بوجهه بسرعة نحو مصدر الصوت !! لم ير شيئاً يلفت الانتباه !! ؟؟

عاد إلى داخل الكوخ ثم سمع صوتاً من جديد إلا أنه تيقن هذه المرة أنه لمح حركة قوية بين الأحراش .. وأحس بوجود خطر ما هناك !!



تناول سكيناً حادة وجدها داخل المطبخ ثم خرج أمام الكوخ ينظر تارة في أعالي الأشجار .. وتارة ينظر باتجاه الغابة وقد أدار ظهره إلى البحر في ثقة تامة من هذه الجهة واستعد لأي طارئ يخرج إليه من المجهول .


أحس أن هناك ثمة عيونٌ تراقبه في مكان ما !! وكان قريباً جداً من طرف أشجار جوز الهند العملاقة التي انتشرت بكثافة على حافة الشاطئ .. ثم فجأة !!!!!!!!

سمع صرخة مخلوق غريب ينقض عليه من أعالي الأشجار التي فوقه مباشرة إلا أنه في اللحظة الأخيرة مال بجسمه عنه .. ثم وقع هذا المخلوق المفزع على الأرض وراح بحركة دائرية سريعة يلتف حول كريم يبحث عن فرصة للإنقضاض عليه مجدداً ، ويطلق أصوات مخيفة تبعث في النفس الرعب والهلع ولعابه يتقاطر على التراب .. وكريم في حركة استعداد دفاعية متحفزة يناقل السكين بين يده اليمنى ويده اليسرى بحسب اتجاه هذا المخلوق المخيف .....

إنه على ما يبدو من سلالة القرود الشرسة الكبيرة .. وله مخالب حادة وأسنان بارزة وقوية ، وشعره الرمادي الكثيف يكاد يغطي جسمه بالكامل حتى عينيه ..



لمح كريم أن هذا المخلوق مصاب بطلق ناري في فخذه الأيسر والدم قد انتشر بغزارة حول الجرح .. وهذا ما يفسر شراسته وعدوانيته ، وكأنه يريد الانتقام من بني البشر أجمعين .

ثم انقض على كريم بقفزة عالية في الهواء ودخل الاثنان في عراكٍ دام ٍ لن ينتهي قطعاً إلا بموت أحدهما .

استطاع القرد الشرس أن يخمش وجه كريم وصدره بمخالبه الحادة .. بينما كريم كان يحكم قبضته على حنجرته ويطعنه طعنات مؤلمة على ظهره ونواحي من رقبته ثم دفعه في الهواء دفعة قوية أبعدته عنه بضعة أمتار ..



ثم وقف القرد على رجليه الخلفيتين تماماً كما يقف بنو البشر ومد قامته في الهواء والدماء تنزف من جروحه بغزارة .. وعيناه يتطاير منهما الشرر والغضب والكراهية ، يريد الانقضاض للمرة الأخيرة على كريم .. ثم

أطلق في الفضاء صرخة عالية مرعبة أفزعت الطيور في أعشاشها ثم انقض في الهواء بقفزة رشيقة باتجاه كريم ...



* * * * * * * * * *

الحب خطر
13-01-2005, 11:11 AM
الجزء الخامس


مزق صوت رصاصة انطلقت من فوهة بندقية قوية وسط الأحراش هدوء الجزيرة .. أسقطت القرد وهو في الهواء صريعاً على الأرض دون حراك !!!!

لقد اخترقت الرصاصة رأسه واستقرت بداخل جمجمته الصلبة .. ثم حلقت أرتال من طيور النورس والببغاء وأنواع من طيور الغاب المفزوعة وملأت السماء بمنظر مهيب واتجهت فوق البحر .

ثم جثا كريم على ركبتيه أولاً قبل أن يسقط على الأرض ويستقر على ظهره بحركة ماكرة وتظاهر بالموت !!!

مرت ثوانٍ بطيئة قبل أن يشعر كريم بخطوات شخص يقترب منه بحذر ..


ثم أحس وهو مغمض العينين أن صاحب البندقية يقف فوق رأسه تماماً ثم نزل هذا الغريب ووضع يده على صدر كريم يتفحص قلبه ونبضه !!


وبحركة رشيقة مباغتة تمكن كريم من أن يسقط هذا الغريب على الأرض ويقف هو فوقه شاهراً سكينه الحادة في وجهه ووضع عرض ساعده على صدره..

وكم كانت دهشته ، عندما رأى أن الشخص الغريب ما هو إلا تلك الفتاة البيضاء الساحرة ذات الشعر الأسود الطويل المتدلي على كتفيها !!؟؟


كانت فاتنة بالفعل .. وجمالها طاغ ٍوأخّـاذ . ورغم أنوثتها ونعومة ملامحها الآسيوية .

إلا أنها عنيفة جداً وشرسة ومتعجلة وكأنها قد ترجـّـلت .


دفعته من فوقها بعصبية ثم حاولت الاختفاء من جديد وسط الأدغال .. إلا أن كريم هذه المرة وقف أمامها ومنعها من هذا الاتجاه بالذات..

فتحولت الماكرة بسرعة نحو البحر .. ثم قررت الاختفاء وسط الماء !!!

يبدو أن الأمر عندها لا فرق ؛ فقد تلقت تدريباً قاسياً في المكانين ..
ثم انطلقت كالسهم باتجاه الموج القادم .

لحق بها كريم وقد أضناه التعب وأنهكه .. ولا يدري ما الذي يدور في رأس هذه الغريبة التصرفات ولا ما الذي يفزعها منه .. ثم بدأت بقفزات رشيقة وهي تضحك تختصر مسافات الشاطئ وتركب الموج ثم غطست داخل البحر بحركة بهلوانية عالية واختفت بين الأمواج وكريم يلحق بها وقد أقسم هذه المرة أنها لن تفلت منه مهما كلفه الأمر .. ثم ملأ صدره بالهواء وغاص وراءها في عمق الماء ..

كانت أشعة الشمس تلاحقهما بخيوط ذهبية تتلألأ وتتكسر بين طبقات الماء على عمق ليس بالبعيد .. وتسمح لكريم أن يرى تلك السباحة التي تحولت كالفقمة في رشاقتها وسرعتها . ومهما يكن من أمر فإن مسألة الإمساك بها باتت وشيكة للغاية .
على الأقل هي المخلوق الأكثر وداعة الذي رآه على هذه الجزيرة الغامضة حتى الآن .. ويبدو أن الاقتراب منها رغم صعوبته سيحقق له الأمان بعض الشيء إن هو استطاع التخاطب معها بلغة مشتركة بالتأكيد .

يبدو أن عناد الذكورة في قلبه واعتداده برجولته كما اعتاد عليه في المدينة لم يسعفاه هنا هذه المرة ؛ للتغلب على هذه المخلوقة في موطنها الخاص!!

فقد كان نـَفـَسُها تحت الماء وبراعتها في السباحة أكبر منه ‘ ثم صعدت إلى سطح الماء قبله وهي تضحك وتتبسم وتشعر بنشوة الانتصار على الزائرالغريب وتوجهت للشاطئ وتركته يركض خلفها ونَفَسُه يلهث ..

ثم عمد إلى الحيلة من جديد ؛ فاختصر المسافة المؤدية إلى الكوخ ليقطع عليها طريقها نحو الغابة .. فتوجه ناحية تـَبّـة ٍ مرتفعة عن الأرض قليلاً ثم حين مرت من تحته قفز إليها قفزة عالية في الهواء ووقع عليها ... ثم وقعت على ظهرها ولم تدر إلا وكريم فوقها ..
ثم أمسك بيده اليسرى يدها اليمنى وثبتها على الأرض..
وأمسك بيده اليمنى يدها اليسرى وثبتها على الأرض ..

ثم صرخ بوجهها بكلمة واحده وصدره يهتز بعنف من ترداد النفس وقال : " كفى أرجوكِ" .

وسدد نظره في عينيها الجميلتين اللتين يملآنهما روح التحدي والمغامرة ... ثم بدأت قبضته تتراخى تدريجياً حين شعر بهدوئها وسكونها المفاجئ !!!

تراخت هي الأخرى تدريجياً حين التقت عيناها في عينيه لأول مرة.. وأشفقت عليه بنظرة تحنان وادعة وكأنها رأت فيه عالمها الفسيح من الأمل القادم .

سكنت جميع جوارحها سكون الطفل الوديع حين ينام بين يدي أمه ، وخفت مقاومتها بشكل ملحوظ .. ولم تنطق بكلمة واحدة حتى الآن !!!

لقد أخرس بهاءُ المشهدِ كل كلمة كادت أن تولد على شفتيها ، وربط الموقف أوتار صوتها المخنوق ، فلم تعد تقوى على الكلام ...

يبدو أن التقاء العيون قد بدأ مفعوله السحري في السيطرة على الموقف وتهدئة المشاعر الثائرة .

لم تكن قد استعدت لموقف كهذا على الإطلاق ؛ فقد فاجأها كريم بجرأته وإصراره ..

ثم بدأت المسافة بين عيونهما تتقلص تدريجياً دون أن يشعرا ..

وبدأ صدر كريم ينزل باتجاهها شيئاً فشيئاً ونظراته لم تبتعد لحظة عن عينيها السوداوين وفيهما من العذوبة والجمال والرقة ما جعله يتصرف تحت إمرة مشاعره المضطربة ..

ثم دنى منها أكثر حتى كاد أنفه يلامس أنفها .. ثم دفعته عنها بقوة وراحت تبكي بصوت مكتوم !!! وتقول له : " ابتعد عني " !!!!!

زادت حيرة كريم ودهشته عندما سمعها تتكلم لغته العربية وبوضوح تام !!!

قال لها بصوت خافت : " أردت فقط أن أعبر لكِ عن شكري أن أنقذتي حياتي من ذلك المخلوق الغريب " .

قالت له : " كاواكا !! ... إنه آخر من بقي على قيد الحياة من فصيلة قرود( الجابون الشرسة ) وقد أصبح مفترساً وخطراً وملاحقاً من الصيادين الذين قضوا على أسلافه .

كريم :" كيف تتكلمين العربية هكذا " ؟؟؟؟

قالت له بصوت متقطع : " إسمي ( غيوم ) .. أبي عربي من بلاد الخليج وأمي فارسية ... كان والدي ضابطاً بحرياً قبل أن يهاجمهم ( بالان كا ) قبل أربعين سنة ويحطم سفنهم الحربية الأربع ..

قاطعها كريم متسائلاً : " تذكرت الآن تلك المخلوقات المفزعة وهي تردد كلمة غريبة تشبهها هي : (جاد.. بالان.. كا ) ماذا تعني ؟؟

غيوم وهي تضحك : ( بالان كا ) تعني الحوت الأعمى . أو إعصار البحار كما يسميه أبي .. و ( جاد بالان كا ) يعني إبن الحوت .

لقد حطم الإعصار سفن الإنجليز في الحرب العالمية الثانية إبان فترة الاستعمار .. وكان والدي بين القلة القلائل الذين نجوا من الموت ثم جرفه الموج وأربعة جنود من فرقته إلى هذه الجزيرة ( آلاد ميرانتي أو جزيرة الحب كما يسمونها ) ثم بقوا فيها إلى اليوم ..

وأمي فارسية قدمت من بلاد فارس على متن باخرة محملة بالركاب والبضائع كانت تمر في نفس التوقيت وقد ضربهم ( بالان كا ) هم أيضاً وشتت الناجين بين تلك الجزر الممتدة على طول وعرض بحر العرب بين جزر المالديف وجزر سيشيل .. وكان أن وصلت أمي مع بعض أسرتها إلى هنا ثم تعرفت إلى والدي بعد عشر سنين وقد فقد الجميع الأمل بالعودة إلى بلادهم لندرة ما يمر من سفن بهذه النواحي .. ثم تزوجا ، وافترق عنها أبي لطلب الرزق مع قراصنة البحر في المحيط الهندي ، ثم عاد إليها بعد ست سنين مبتور الرجل ومفقوء العين اليسرى وقد أقسم ألا يعود إلى حياة القرصنة ثانية وقد بلغ الثمانين الآن وعجز عن العمل .

ثم أردفت غيوم تقول :" تعلمت العربية من أبي وبعض العرب القلائل هنا .. وتعلمت الفارسية من أمي وأقاربها .. وتعلمت لغة أهل الجزيرة .. وحين رأينا الصواعق تأتي ثانية من ناحية الشمال بنفس الظروف قبل أربعين سنة بدأنا نرقب الناجين . ثم وبعد مرور يومين وجدوك بعض الصيادين في عرض البحر طافئاً على ظهر قطعة خشب كبيرة هي على ما يبدو بقايا حطام سفينة ، فاقد الوعي وقد تورمت بطنك من كثرة ما ابتلعته من ماء البحر وخافوا الاقتراب منك أكثر خشية غضب والدك ( الحوت ) الذي بعثك إليهم لتتزوج أجمل فتياتهم ، كما تقضي بذلك طقوسهم ومعتقداتهم الموروثة ، فأدخلوك الكوخ وربطوك هناك خشية أن تهرب ..

كريم : " وما ذا بعد " !!!
غيوم : " تقضي الطقوس أن ... أن لا يقترب إبن الحوت من عروسه قبل انقضاء اليوم الثالث من وصوله الجزيرة و إلا .. بطل زواجهما وحلت عليهما لعنة البحر حتى الموت . وحين ...

وحين اقتربت مني الآن .. خشيتُ أن تحل علينا لعنة البحر فدفعتك !!

هذا هو سبب هروبي منك وهذا هو سبب حزني الآن ..


بدأت غيوم تتراجع بخجل نحو الوراء ، حتى اختفت داخل الغابة من جديد .. وأخذت تراقبه من بعيد بين الأشجار دون أن يشعر بها ...

* * * * * * * * * * *

الحب خطر
13-01-2005, 11:12 AM
الجزء السادس

.

لم يكن اكتشافُ بقيةِ الجزيرة وزيارة سكانها هناك على الطرف الثاني منها بالأمر الذي يشغل بال كريم الآن ، أو حتى يدور في رأسه على أية حال !!

كل الذي كان يشغل تفكيره الآن ، هو كيف يصلح جهاز البث هذا ليرسل منه إشارة استغاثة إلى أي أحد هناك يمكنه التقاطها .. فراح يتفحص الجهاز ويدير أزراره في استغراب شديد وجهل واضح بكيفية أدائه .. ولكن دون فائدة تذكر .

نهض من مكانه بعد أن أحس بالملل من تشغيل الجهاز الذي يبدو أنه كان يعاني من آثار الرطوبة والبلل في أجزائه الداخلية ويحتاج إلى فترة مناسبة وجو حار حتى يجف على مهل ... ثم توجه ناحية البحر ووقف على حافة الموج ويرميه بالأصداف التي يلتقطها من على تراب الشاطئ ، ونظره باتجاه الشمال .. هناك خلف المحيط ، وبدأ يملأ رئتيه بالهواء النقي ويفكر ملياً فيما وراء هذا المحيط المخيف ..

يا ترى ماذا يدور هناك في بلدي الآن !!؟ هل بلغهم خبر غرق السفينة أم لا !! ؟ وهل يدرون أنني لا زلت على قيد الحياة في جزيرة كئيبة غائرة !!؟

ثم بدأ يفكر في كل شيء .. أمه المشلولة .. أخته الصغيرة رغد .. جدته العجوز ودجاجاتها المضحكة حين يطاردهن في ساحة القصر.. والده .. إخوته .. زملائه وأصدقائه ..

ثم تذكر سيرين !!

فتوقف عن التفكير قليلاً وبدا عليه التجهم والعبوس والقلق ..

يا ترى أين هي الآن !!؟ هل نجت مع الناجين وتمكنت من الوصول إلى مكان آمن !؟ ولماذا تركت في يدي جهاز البث في اللحظة الأخيرة !؟

ثم انهالت عليه أعداد من الأسئلة المتسلسلة التي لا تنتهي...

طال به المقام على الشاطئ حتى دنت الشمس من الاختفاء خلف الماء مخلفة وراءها هالة حمراء عظيمة سدت الأفق .. فقفل راجعاً يجر رجليه إلى كوخه ، وراح يحاول في الجهاز من جديد وينادي ويردد عبارات النجدة والاستغاثة بصوت عال ٍ جداً وسط الظلام في هذا الفراغ المهجور من الجزيرة .

وجد في الكوخ مصباحاً قديماً يعمل بالشمع المذاب والقـَطِـران وفي وسطه تدلى فتيل رطب .. ثم وجد عود ثقاب وسط الأدراج أشعل به المصباح ، وجلس على سريره دون حراك وسدد نظره باتجاه الجهاز الصامت .. وفي يده أخفى السكين تحسباً لأي طارئ في هذه الجزيرة النائية المخيفة..

أعياه التعب والإرهاق ثم غط غطة يسيرة نحواً من ساعة أو يزيد .. ثم قفز فجأة من مكانه على أثر تسرب أصوات ضعيفة وكأنها بداية بث هوائي من هذا الجهاز الصامت الذي بدأت تدب فيه الحياة .. أو هكذا خيل إليه في بادئ الأمر !!!

بدأ يصرخ في وجه الجهاز بانفعال وكأنه يلاحق الموجة .. ألو ألو .. هل تسمعني !!؟ ألو هل تسمعني !! أنا كريم هل يسمعني أحدكم !!؟؟

ظل يحاول قرابة النصف ساعة وكأنه رجل فقد عقله وسط الظلام... ! !

يبدو أنه كان يحلم .. ثم بدأ يضرب الطاولة والسرير والجدران بيديه ورجليه بحركات هستيرية منفعلة وهو يبكي من خيبة الأمل ..

ثم توقف فجأة عن الحراك !!؟؟؟

أحس بحركة خفيفة بين الأشجار خارج الكوخ .. أطل بوجهه من النافذة وبيده المصباح يمده في وجه مصدر الصوت ..

من هناك .... !!!؟؟؟

ثم تجاسر وخرج خارج الكوخ وبيده السكين ..غيوم .. أهذه أنتي ..!!؟؟ غيوووم ... !!

يبدو أنه لا أحد بالخارج أيضاً !!؟؟

ثم عاد إلى الداخل وأغلق الباب والنافذة .

صوت حفيف الأشجار يدل على وجود أحد كان هنا قبل لحظات أستتر بالظلام وقد دنى فعلاً من الكوخ وانخنس بين الأشجار الكثيفة التي تحيط بالكوخ من ناحية الغابة يراقب كريم .. ثم لما خشي أن يفتضح أمره ابتعد بخفة النمر الأسود وهدوئه !!

كانت غيوم تشعر بالأسى واللوعة وهي ترى كريم يحاول جاهداً بعث رسالة استغاثة بهمة وعزم وتصميم .. إن هذا يعني بالنسبة إليها أنه يفكر بالرحيل .. وهذا الشعور وحده كان كفيلاً بتحطيم كل أمل حي ولد في صدرها منذ أن التقت عيناها في عينيه على الشاطئ هذا الصباح .

لقد أحست بدفءٍ يسري في عروقها للمرة الأولى في حياتها وكأنها رأت في عينيه عالماً آخر لم تعشه من قبل .. وكأن مشاعرها آنذاك قد تدفقت إليه دفقاً متواصلاً يروي عينيه و يملأ صدره !!

نعم .. هكذا بكل بساطة .. وهكذا بكل وضوح وعفوية وطهارة ...

أما كريم فقد بات ليله يحاول جاهداً مع هذا الجهاز الأخرس اللعين دون جدوى .. وقد عزم أخيراً على زيارة القرية في الصباح الباكر لعله أن يجد أحداً من أولئك البحارة الذين تكلمت عنهم غيوم يعرف كيف يتم تشغيل هذا الجهاز ..

ساعة تلوح في خياله بلدته، وأمه، وأهله، وحياته، وحضارته هناك .. وساعة تقفز إلى خاطره العنيد صورة غيوم وهي تتبسم !!

أما غيوم نفسها ، فقد عادت إلى كوخ أمها المريضة وباتت ساهرة هناك حتى الصباح ، ترقب النجم بعين العروس الخائفة ، وقد تعلق قلبها البكر بابن الحوت هذا !!

* * * * * * * * * *



صوت زقزقة الطيور المستيقظة على أولى ساعات الصباح الجميل كانت تتسلل إلى أذني كريم من بين فتحات النافذة وكأنها تناديه إلى مفاجأة من أروع المفاجآت وأجملها .. قبل أن تغزو خطوط الضوء الأولى التي تسللت إلى الأرض سطح البحر .

استيقظ كريم فزعاً وكأنه أحس بحركة مريبة خارج الكوخ .. لبس قميصه وبنطاله على عجل ثم فتح النافذة لتنهال عليه حزم متراصة من الضوء القوي وتتناثر داخل تعرجات الكوخ وتجاويفه بسرعة رهيبة .. ثم فتح الباب الخشبي فإذا به يرى قوساً دائرياً متسعاً من الورود والزهور الجميلة المرصوصة باليد بعناية بديعة ، وقد تم تعليقه على باب الكوخ !!!!

تمعن فيه جيداً فإذا به عبارة عن عدد من الزهور الملونة منظومة بخيط رفيع من الليف ربط في أسفلها وشكلت حرفاً واحداً أشبه ما يكون بحرف الغين !!!؟؟؟

أدرك على الفور أن غيوم قد مرت من هنا في هذه الساعة المبكرة من الصباح وأحبت أن لا تغادر المكان حتى تترك له هذه المفاجأة الجميلة

ثم لمح على الشاطئ المفاجأة الثانية الأجمل ..!!

آثار أقدام على الشاطئ يبدو أنها لإنسان مر من هنا قبل لحظات !!


ركض إلى الشاطئ .. وإذا به يقرأ عبارة مكتوبة على الرمل بحروف كبيرة جداً وواسعة ومتفرقة حرفاً حرفاً .. ورغم يقينه أن غيوم بالكاد تكتب العربية كما قالت عن نفسها ، إلا أنه تيقن على الفور أنها هي التي فعلت ذلك ... ثم حاول قراءة العبارة وهو يمشي عليها ويردد..

( ك ر ى م ء ا ا ء )؟؟ ثم انفجر ضاحكاً من قلبه حتى ملأت الدموع عينيه !!


لقد تذكر بالأمس أنها سألته على استحياء سؤال مفاجئ وبصوت خافت وسريع حين كان منشغلاً بتفحص الجهاز تقول : كيف تعبرون هناك في المدينة ،عن حبكم لمن تحبون ؟؟؟ أو عبارة قريبة من هذه !!

ولأنه لم يكن منتبهاً إليها تلك اللحظة فقد صدر منه صوت استفهام يقول : ( آآه ) أو ( ءآآء ) يعني : ماذا تقولين ؟؟ ثم تذكر أنها أشاحت بوجهها وسكتت وكأنها فهمت الذي تريده !!!

ربما فهمت حينها أن كلمة ( ءااء ) تعني حبيبي أو شيئاً كهذا !! من يدري ؟؟؟


كل الذي أعجبه الآن ؛ هو هذه الأحرف التي حفرتها برجلها على الرمل البارد .

يا لهذه العاشقة المسكينة .. لقد علقت حرف اسمها على بابه في الصباح الباكر وكتبت له على قدر معرفتها أجمل حروف خطتها أنثى على رمل شاطئ بكر .. ثم توارت من جديد !؟؟

لعلها عزة الأنثى وكبرياؤها هذه المرة هما اللذان أخفياها عنه صبيحة يومها الثالث .. بالرغم من أنه اليوم المرتقب بالنسبة لمثلها !!!

لعلها أحبت أن تشهد عليها طيور النورس...وأسماك البحر...وحيوانات الغابة ، أنها قد أحبته . وأنها تعترف له بذلك بهذه السرعة ، وبطريقتها الساحلية على نواميس أهل الجزر وفطرتهم الصادقة .. ثم توارت عنه يوم توارت ؛ استحياءً وأَنـَفَه .


* * * * * * * * * * * *

الحب خطر
13-01-2005, 11:18 AM
الجزء السابع

.تناول إفطاره سريعاً ، ثم حمل جهاز البث بين يديه وتوجه نحو القرية في الطرف الثاني من الجزيرة ..

كانت المرة الأولى التي يغادر فيها الشاطئ باتجاه الداخل ..

ولأن الجزيرةَ أرضٌ مجهولة وغير آمنة بالنسبة إليه ؛ فقد كان مستعداً هذه المرة لأي قرد قد يظهر له ثانيةً .. وربط سكينه بعد أن حد شفرتها على طرف عصا طويلة وصنع منها رمحاً طويلاً .. وأخفى سكيناً أخرى ربطها حول ساقه تحت بنطاله لاستخدامها عند الضرورة .


كانت الشمس قد توسطت السماء قبل أن يصل إلى قمة جبل عالٍ يشرف على القرية من بعيد .. ثم حين أبصر القرية هناك بين الغابات في وسط الجزيرة التي بدت له أكبر مما كان يظن بكثير .. انحدر من على الجبل بسرعة وخفة ، وما هي إلا ساعتين أو ثلاث حتى كان على مشارف قرية ريفية وادعة وأهلها يظهر عليهم الطيبة والسماحة واللين . وما إن وصل سوق القرية حتى بدأ المارة والباعة يرمقونه بأبصارهم باحترام ظاهر وتقدير عجيب

كانت بساطتهم وطيبتهم تعكس مستوى تعاملهم التجاري الصريح والبسيط .. فقد بدأوا يعرضون عليه شيئاً من بضائعهم التي يبيعونها وسط الطريق والابتسامة على محيا الجميع .


* * * * * * * * * * *

استوقفته طفلة تبيع بعض المصوغات اليدوية والصناعات التقليدية والاكسسوارات ، وقد علقتها على كتفيها ويديها ورأسها .. وربطت بعضاً منها على أذنيها بحركة ظريفة ، وعرضت عليه قلادة خرزاتها محارات وأصداف وقواقع تتوسطهن قطعة صـفـّير أزرق بلورية الشكل تتلألأ إذا تعرضت لأشعة الشمس .

وبينما هو وهي يتجاذبان هذه القلادة ؛ هي تعرضها عليه لشرائها وهو يتمنع ويعيدها إليها في كل مرة ، إذ نشبت مشادة يدوية بين بائع ومشتري في مكان ما بالسوق ليس بعيداً عنهما .. ثم تعالت الأصوات وسرعان ما تحولت إلى معركة بالأيدي بينهما ، ثم أخرج كل منهما سكيناً يريد أن ينال بها من صاحبه !!

تفرق كل من كان ملاصقاً لهما وتركوا لهما مساحة كافية للعراك ..

أنهى كريم حديثه سريعاً مع الطفلة التي استطاعت أخيراً بإلحاحها أن تقـنعه بشراء القلادة بالمقايضة ..

اشتراها بما معه من طعام كان في كيس جلدي معه .. ثم أخفاها في جيب قميصه واتجه نحو المتخاصمين ..

عند وصول كريم ، كانت المعركة بين الاثنين قد بدأت بالفعل ... وكان المشتري ضخم الجثة وقوي البنية وشرس .. بينما البائع متواضع الجسم هادئ التصرفات إلا أنه عنيف هو الآخر ..

اقترب كريم من بعض شهود العيان وهم يتهامسون بلغة ساحلية لم يفهم منها شيئاً على الإطلاق ، غير أنه أحس من حركات أيديهم أن المشتري كان قد اختلس قطعة فخارية ثمينة من بضاعة البائع وأخفاها بين ملابسه ينوي سرقتها ، فرآه البائع وطالبه بدفع ثمنها أو استرجاعها فدخلا في عراك ..

ثم اشترك أحد الذين كانوا مع المشتري في العراك وأصبحا إثنين ضد واحد ..ثم تدخل ثالث معهما يحاول استغلال انشغال الناس وغفلتهم وحاول أن يسرق شيئاً من البضاعة. والناس يرون هذا كله ولا يقدمون على شيء مخافة الوقوع في مأزق أكبر مع هؤلاء الأشرار.. حينها ثارت حمية كريم لنصرة الحق وتدخل لفض النزاع بالحسنى ومساعدة البائع المسكين .. وسرعان ما تحول هو إلى طرف في القضية وزادت بتدخله المعركة حدة وضراوة !!!






صوت طلقات نارية انطلقت من بنادق قوية جاءت من خلف الجموع أسكتت الضجيج ، ثم سمع الناس وقع أقدام خيول رجال الشرطة الذين جاؤوا يهرعون إلى التجمع يتقدمهم رئيس الشرطة بنفسه ، وهو رجل أبيض ضخم البطن ، مبتور اليد اليسرى من منتصف الذراع تقريباً وقد وصلها بيد خشبية داخل ركاب نحاسي معقوف ووجهه دائم العبوس ، ثم ترجّـل عن حصانه هو ومن معه من جنود وأخذوا ينتشرون في أنحاء السوق ويدفعون الناس عن الدائرة بمؤخرات بنادقهم .

عدد من نساء القرية ابتعدن سريعاً وحملن أطفالهن بعيداً عن مسرح المعركة ، في الوقت الذي أطبق فيه رجال الشرطة على المتعاركين داخل دائرة ضيقة يتوسطها محل البائع وقد تناثرت بضاعته على الأرض هنا وهناك .


كان الجميع يتحرك بصمت ينتظرون صاحب اليد النحاسية أن ينطق بالقرار .. ثم وبمحاكمة سريعة مختصرة أصدر حكمه بأن يقاد المشتري ومن معه إلى السجن لمدة شهرين وبغرامة مالية قدرها عشرة جنيهات ذهبية بعملة جزر المستعمرات الإنجليزية ، وأما البائع...

فبغرامة مالية قدرها خمسة جنيهات بدون سجن !!

هكذا كان يحكم بين الناس ، وهكذا كانت أوامره تصدر وتنفذ وبكل بساطة ، ومهما كانت ظالمة وغير عادلة فهي تنفذ على كل حال شاؤا أم أبوا .


ثم دنى من كريم حتى اقترب منه كثيراً .. ثم اقترب حتى التصق أنفه بأنفه .. ثم سدد نظره في عيني كريم وتمتم بعبارات غير مفهومة في حنق وكأنها تخرج من بطنه لا من فمه .. وعلى وجهه بدت آثار عملية جراحية قديمة وخياطات وغرز لم تلتئم بشكل سليم وكأنها الحشرة ذات الستة والسبعين رجلاً .


سأله بلكنة إنجليزية ثقيلة : ما اسمك يا هذا ؟؟؟
- كريم : إسمي كريم .
- رئيس الشرطة : أممممم هل أنت من بقايا السفينة التي غرقت قبل أيام ؟؟

نظر إليه كريم نظرة اشمئزاز لهذا الأسلوب غير اللائق في الحوار لكنه أجابه أن نعم ، وشعر وكأن رئيس الشرطة هذا يحاول استفزازه ويستدرجه ليوقعه بكلمة أو تصرف يستوجب سجنه .

ثم بدأ رئيس الشرطة يلتف حول كريم بشكل دائري وهو يرمقه بنظرات شزر وكأنه يفكر في نوعية العقوبة التي سيوقعها عليه ، وتذكر في نفسه أنه لا يستطيع طرده من الجزيرة دون وجود وسيلة نقل كما أنه لا يستطيع وموقفه بطولي هكذا أن يسجنه أمام الناس .



صوت فتاة تأتي من خلف الناس تخترق الصفوف لتصل إلى حيث كريم ورئيس الشرطة وهي تنادي بصوت مرتفع : جـــلال .... جلاااااال !!


حتى إذا وصلت إليهما قالت لرئيس الشرطة : جلال .. دع كريم وشأنه !!

إنه لا ذنب له ، ولا يمكنك معاقبته بدون ذنب .

ثم دنت من كريم وأمسكت بيده تريد الابتعاد به عن الساحة فاستوقفها جلال هذا وهو يتمتم بحركات وكأنه فهم أن هناك سابق معرفة بينهما !! ؟؟

- جلال : غيوم !! أهذه أنتِ ؟؟ ما الذي تفعلينه هنا وسط السوق ؟؟
ثم .. أين اختفيتِ هذه الأيام وماذا تريدين من هذا الغريب ؟؟

ثم اقترب منها أكثر وهمس في أذنها : غيوم متى توافقين على زواجك بي ؟؟ صدقيني أنكِ ستمتلكين أنتِ كل ما أملك وستعيشين معي في حياة حالمة ..

نظرت إليه بعينين غاضبتين ثم أمسكت بيد كريم ومشت به خطوات ...


وقبل أن تبتعد التفـتت إلى رئيس الشرطة وقالت له بصوت مسموع : لو لم يبق على وجه الأرض إلا أنا وأنت ياجلال .. ثق . . .

أنني سأقتل نفسي قبل أن أسمح لك بالاقتراب مني .




ثم غادرت المكان بسرعة وبيدها كريم وهو يجر رجليه وراءها وبعض بقع الدم لا تزال على قميصه وأنحاء متفرقة من فمه وأنفه .

الحب خطر
13-01-2005, 11:20 AM
الجزء الثامن

.

كان كريم يسير في طرقات القرية يتبع غيوم التي كانت تمشي بسرعة إلى حيث لا يدري !! حتى اقتربا من مبنى قديم وكبير مبني من الطوب والحجارة الجيرية .. وعلى سطح المبنى ظهرت عدة أطباق معدنية معلقة على قضيب حديدي يرتفع في الهواء عدة أمتار ؛ إنه على ما يبدو مبنى للاتصالات اللاسلكية حديث التجهيز أو كأنه لم ينته تجهيزه بعد .

كريم : غيوم .. غيووووووم إلى أين نحن نتجه الآن ؟؟ قفي لحظة أرجوك وأخبريني !!

توقفت غيوم فجأة واستدارت نحوه وقالت بعصبية ظاهرة : في هذا المبنى يعمل ضابط اتصال عسكري من أصدقاء والدي القدماء وهو متخصص في شؤون الاتصالات اللاسلكية .. ربما أمكنه إصلاح الجهاز الذي معك !!!

قفزت إلى ملامح وجه كريم علامات استفهام ودهشة !! ماذا يسمع الآن !! هل غيوم تساعده في إصلاح الجهاز من أجل إرسال نداء استغاثة وهي تعلم أن معنى هذا أنه سيرحل عن هنا ؟؟ ما معنى تصرفها هذا !!! ؟؟


حسناً والحرف الذي وجده معلقاً على بابه !!

والعبارة الجميلة على الشاطئ!!

ونظراتها الثاقبة !!

وتساؤلات عديدة انهالت على خاطره !!! .


هذه التساؤلات أكدت أن كريم لم يكن قد عرف الأنثى بعد ... ولم يفهم تركيبتها المعقدة وعزتها وكبرياءها ، بل ولم يفهم بعد أنها تصمد أمام كل شيء بجبروت وعناد ..إلا الحب .

وحين يغزو أرضها تلقي هي السلاح وتستسلم له .. إنه الشيء الوحيد على ما يبدو القادر على ترويضها تماماً .

دخلت غيوم إلى داخل المبنى وكريم وراءها يصعد السلم في محاولة للبحث عن إنسان في هذا المبنى الذي بدا وكأنه مهجوراً ..

على سطح المبنى وجدا الرجل الذي تكلمت عنه غيوم منشغلاً بإصلاح أحد أطباق البث ، وسط أكوام من الأسلاك المتناثرة هنا وهناك ، وما إن رآهما مقبلين حتى قام فرحاً ورحب بغيوم في حنان ولطف وسألها فوراً عن والدها الملازم ..

عرفته غيوم بكريم وطلبت منه أن يساعدهما في إصلاح هذا الجهاز إن كان في استطاعته ذلك ..

تناوله الرجل ثم تفحصه على عجل وقـلبّه بين يديه .. ثم نزل به إلى غرفة في أسفل المبنى مليئة بالآلات القديمة وقطع الخردة ، وراح يجري عليه بعض الاختبارات .


مضت ساعة تقريباً ، ثم قرر أخيراً أن هذا الجهاز الغريب ( المتطور بالنسبة إليه ) ربما يحتاج إلى ثلاثة أشياء !!

- سألته غيوم : وما هي هذه الأشياء ؟؟

- الرجل : حسناً ، يحتاج أولاً إلى أريل هوائي عالي ( أنتينا) وهذا أعدكم بتوفيره لكم .. فقط أمهلوني يومين ريثما يجهز .
- غيوم : والثاني ؟؟
- الرجل: يحتاج إلى مولد كهربائي عالي الجهد لبث الإرسال ، وهذا النوع يوجد فقط في دائرة الشرطة في مكتب الرقيب جلال .
- غيوم وهي تنظر إلى كريم نظرة حيرة : حسناً .. والثالث !! ؟؟
- الرجل : أمممم ... يحتاج أيضاً إلى أربع بطاريات جافة غير هذه التي أعطبها الماء والملح .. وهذه ثمنها مرتفع جداً في هذه الجزيرة الصغيرة .

نظر كريم إلى غيوم نظرة تعجب واستغراب وكأنه يسألها عن كيفية توفير مثل هذه الأشياء وهو لا يملك نقوداً في هذه الجزيرة وليس له معارف ولا أقارب !!؟؟؟؟


خرجا من عنده ، والخيبة تملأ نفسيهما .. ثم انزويا تحت شجرة دوح عملاقة وسط الطريق وجلسا تحت ظلها يفكران في الخطوة القادمة .

وبينما هما صامتان مطرقان لبضع دقائق ، أدخل كريم يده في جيب قميصه في حركة عفوية فأحس بوجود القلادة ، فأمسك بها بأطراف أصابعه .. ثم نظر إلى غيوم وهي تنكش الأرض بعصا كانت في يدها تفكر في المجهول !! إلا أنه أعاد القلادة حيث كانت في جيبه بهدوء ؟؟؟

ربما أحس أن الوقت لا يزال مبكراً على حركة جميلة لاحت في عقله .



رغم صمتهما المطبق ... إلا أنهما كانا يتكلمان فيما بينهما من غير صوت ... ومن غير حــروف ، بلغة لا يفهمها إلا هما فقط !! .

إنها لغة المشاعر والأحاسيس .. تلك اللغة ؛ التي يصعب ترجمتها على من لم يدرس الحرف في مدرسة الحب ..

تلك اللغة ؛ التي ينطق بها أصحابها بلا صوت .. وبلا إشارة ..وبلا قواعد ولا مقدمات ..


تحت ظل شجرة الدوح هذه .. وعلى تراب هذه الجزيرة النائية ؛ بدأت تتكون أجمل الأحاسيس وأكثرها عذوبة ونقاءً في نفس كريم تجاه غيوم ..

وتبادل معها بصمت أروع القصائد .. وأعذب الأشعار ..

قصائد من غير أبيات ..

وأشعار من غير قافية ..

وأحرف من غير نقط ..

وآهات بلا أنين .


ولدت تلك المشاعر الطاهرة في صدريهما من غير أب ولا أم .. وراحت تكبر ، وتكبر ولا أحد منهما يملك دفعاً لهذا الجنين الذي بدأ ينمو باطراد ويتحرك باتجاه الدنيا .. لم يكن شيء يستطيع منعه الآن من الانفلات خارج الأسوار ، غير العناد ، والمكابرة ، والتحدي والإرجاء ، ...


وغير بقايا من صبر ويقين بأن الأيام القادمة هي الحكم .. وهي الجلاد ...

فإما أن يرى النور .. وإما أن يدفن في غيابت الجب إلى الأبــد .

* * * * * * * * * *

كانت أم كريم ، هناك في بلادها وراء البحار ، قد جن جنونها لفقد كريم ، فحركت والده للبحث عن ابنهما المفقود..

أما سيرين فكانت قد وصلت بعد ثلاثة أيام من التنقل بين جزيرة وأخرى عبر قارب النجاة هي ومن بقي معها من الناجين .. ولم تكف يوماً عن التفكير في كريم ، وفي جهاز البث الذي تركته معه . تلك كانت فرصة النجاة الوحيدة التي تمكنهم من التعرف على مكانه في مجاهل المحيطات والبحار ، إن هو استطاع تشغيله وإطلاق نداء استغاثة بالتأكيد...

وكانت تزور أهل كريم في كل يوم للاطمئنان على أحوال أمه المشلولة ، وتترصد في الوقت نفسه ورود أي إشارة تؤكد أنه لا يزال على قيد الحياة .

وكانت صورة كريم ؛ وهو ينظر في عيني ملتقط الصورة ، هي الشيء الوحيد الذي تبقى في يد سيرين يذكرها به ... ويذكرها بأسوأ أحداث مرت بها في حياتها .. لقد طبعت الصورة بحجم كبير وعلقتها على باب غرفتها من الداخل .

كانت تلك النظرات المرعوبة ، هي النظرات الأخيرة قبل أن يفرق بينهما الموج . نظرات ملؤها الخوف من المجهول وفـُجَاءَةِ الموت .

فوق سريرها علقت صورة تلك اللوحة الغريبة التي رسمها كريم قبل وصول الإعصار المدمر ، لقد التقطت أيضاً صورة لتلك اللوحة في اللحظات الأخيرة .

كانت سيرين تقسم داخل قلبها أنه حي .. ليس عندها دليل قاطع بالطبع ، لكن شيءٌ ما في أعماق نفسها يؤكد لها ذلك .. وكانت تشعر في ذات الوقت بعقدة الذنب !! إذ أنها كانت السبب في ركوبه البحر في تلك الرحلة .

أما والد كريم ، ذلك الثري العجوز، فقد اتفق مع عدد من البحارة وصيادي الحيتان لتجهيز قاربين كبيرين وسريعين مزودين بأحدث الأجهزة ، للبحث عن كريم ومن بقي من الناجين الذين قد يصادفونهم على الجزر البعيدة المتناثرة هناك ، وقام بتمويل القاربين بالكامل ، واستعان بعدد من الخبراء في شؤون البحار يرافقهم قائد قارب النجاة الذي وصلت على متنه سيرين ومن معها لعله أن يدلهم على نقطة اختفاء السفينة وسط الإعصار .

ثم جهزوا معهم جهازاً مخصصاً لالتقاط إشارات البث البعيدة على أي موجة بث ممكنة ، وأي تردد ذبذبي كان مهما كان خافتاً وبعيداً .

قرر والد كريم أن ينضم بنفسه إلى هذه الرحلة استجابة لطلب أم كريم ، ومع إصرار سيرين على مرافقتهم ، لم يجد والد كريم بداً من قبول طلبها وقبول طلب (رغد) أيضاً التي أصرت هي الأخرى على مرافقتهم في رحلة البحث عن أخيها المفقود ...

ثم انطلق القاربان في صبيحة اليوم التالي باتجاه بحر العرب ومنه إلى المحيط الهندي البعيد .





قفزت إلى عقل غيوم فكرة غريبة رأت عرضها على كريم أولاً لعله أن يقبل بها !! .

- قالت له : هناك مزرعة كبيرة في طرف الجزيرة يملكها أحد أثرياء القرية .. وأذكر أنه عرض ذات يوم على بعض شباب الجزيرة أن يعملوا عنده في المزرعة نظير أجرة معقولة .
أنت تعمل عنده في المزرعة لجمع قيمة البطاريات يومين أو ثلاثة ، و ( جندر ) يجهز الآريل الهوائي , ريثما أتدبر أنا أمر المحول الكهربائي من عند جلال . هاه ما رأيك ؟؟

- كريم : ولكن يا غيوم .. كيف أسمح أن تعودي ثانية إلى ذلك الأهوج !! إنه رجل غليظ الطبع وأنا لا أرتاح إليه أبداً على أية حال . كانت نظراته إليكِ تخفي نية شريرة أتذكرين ؟؟
- غيوم : لا عليك كريم .. لقد اعتدت على نظراته تلك منذ خمس سنين ، سأتدبر أمره .. ثق بي .
- كريم ( وقد أطرق يفكر ملياً ) : أمممم حسناً ، وماذا سأصنع أنا في المزرعة ؟؟ أحلب البقر ، وأنظف إسطبل الخيول ، وأحرث الأرض ، وأسقي الزرع !!! لا..لا.. قولي لي أنك تمزحين !!!
- نظرت إليه غيوم نظرة إصرار وقد عقدت حاجبيها ثم قالت له ويديها على خصرها : هل لديك حل آخر أيها الناعم ؟؟؟ .

أطرق بعينيه إلى الأرض والأسى يعصر قلبه وقال بصوت مخنوق: لا !!


دنت منه بعطف وشفقه ثم مدت إليه يدها وأمسكت بيده والابتسامة على وجهها وقد امتلأ قلبها بالحماسة والأمل ، رغم أن هذا يعني اقتراب ساعة الفراق المرتقبة بالنسبة إليها .. تلك اللحظة المريرة التي تتمنى أن لا تأتي أبداً.

ثم انطلقت به بين المنازل المتفرقة القديمة ، ومنها اتجهت به نحو الحقول البعيدة آخر الجزيرة.

الحب خطر
13-01-2005, 11:22 AM
الجزء التاسع

مضت نصف ساعة تقريباً وهما يمشيان بين حقول الذرة الكثيفة قبل أن يصلا إلى بيتٍ ريفي كبير وفي مقدَّمته حديقةٌ جميلةٌ تناثرت على جُنُباتها ألوانٌ شتى من الأزهار والورود النَّظِرَة ِفي منظر خلاّب .

هناك يوجد إسطبل للخيول بالفعل ..

وعن يمينه حظيرةٌ للدواجن ..

وهناك في الخلف لاحت له حقولٌ متداخلةٌ من نبات القرنبيطِ وبعض شجيراتِ الطماطم ِ وأحواض البطاطا..

كان يتجول ببصره في أنحاء المزرعة كمن يريد التعرف على مسكنه الجديد .

وفجأة سمع صوت غيوم وهي تناديه : ( كريم ) .. سلم على السيد ( كبانجا) .

- كريم : هاه !! عفواً ... أ أ.. مرحباً سيدي !! ( قالها له باللغة الإنجليزية ) وهو يرى أمامه رجلاً قصير القامة ، حاد الملامح ، أسمر السحنة ، ويبدو عليه الثراء .. وقد مد يده مصافحاً إياه .

صافحه كريم بأدب ظاهر ولباقة ثم انتظر غيوم حتى تفرغ من التحدث معه بلغة أهل الجزيرة .

لم يفهم حرفاً واحداً مما يدور بينهما من حوار ، إلا أنه تأكد أنهما كانا يتحدثان عنه هو بالتحديد ، وعن رغبته في العمل بشكل مؤقت .. ويبدو أن غيوم قد سمحت لنفسها أن تفاوض الرجل نيابة عنه . إنها لم تسأله ولو مرة واحدة هل يرضيه السعر أم لا .. لكنها على ما يبدو كانت مفاوضاً شرساً مع هذا القصير الذي كان يعرض الأجر وكأنه يقتلع النقود من لحمه لا من جيبه .

ودعهما القصير ثم ركب عربة يجرها حصانان كانت بانتظاره ، واتجه ناحية مرفأ الجزيرة .

إلتفتت غيوم باتجاه كريم وقالت له : مبروك فلقد عينك السيد كبانجا وزيراً للزراعة عنده .. ثم أطلقت ضحكة عالية في الهواء كانت محبوسة طوال الوقت في صدرها.

- كريم : غيوم .. ُكفي عن المزاح أرجوكِ ، وأخبريني على أي شيء اتفقتما؟؟

- غيوم ( وهي لا تزال تضحك): يريد السيد كبانجا رجلاً قوياً ووسيماً وناعماً ليدير له أعمال مزرعته خلال هذين اليومين اللذين سيغيب فيهما عن الجزيرة لجلب بضاعة من الجزيرة المجاورة ، ومطلوب من هذا الوسيم أن يعتني بصغاره أيضاً إذا خرجوا للمزرعة .. ثم انفجرت ضاحكة من جديد .

- كريم : وهذا الرجل الناعم هو أنا على ما أظن !! أليس كذلك ؟؟
- غيوم : المفروض .
- كريم ( في استهزاء مقصود) : ألا يريد هذا العملاق أحداً يعتني بزوجته أيضاً؟؟؟؟

نظرت إليه غيوم نظرات حادة ومؤلمة وقالت له : على العموم السيد كبانجا رجل أرمل .. توفيت زوجته قبل ثلاث سنين ، ولديه طفلان توأمان في السابعة من العمر وأم عجوز في الثمانينات .

- كريم : حسناً حسناً ، كم ستكون أجرتي اليومية ؟ وما هو المطلوب ؟؟
- غيوم: مع طلوع الشمس يبدأ العمل ، تطعم الدجاجات ، وتجمع البيض في سلة تجدها هناك ثم تحملهن إلى أم السيد كبانجا .. ثم تعود لإطعام البقرات ، ثم ...
قاطعها كريم قائلاً : .. ثم أحلب البقرات أليس كذلك ؟؟
- غيوم : لا لا .. البقرات تحلبهن الخادمة .
- كريم ( وهو يتبسم في دهشة ) : وعندهم خــادمة !!!
- غيوم ( وقد فهمت مراده ) : أقسم أنني سأقطعك بأسناني هذه ، ثم فتحت فمها بقوة وأظهرت أسنانها الحادة ... وأردفت تقول ( بنبرة أنثى مجروحة ) : .. ثم ...ثم تتجه إلى إسطبل الخيول لتنظيف الإسطبل ، وإطعام الخيول ومسح ظهورها بفرشاة تجدها هناك .. عموماً هناك غلام يأتي فقط لهذه المهمة سوف يرشدك لما هو مطلوب منك في الاسطبل .

ثم يُسمح لك بساعة واحدة فقط للراحة والغداء.. تتجه بعدها للحقول لجمع البطاطا وقطف الطماطم وبعض الثمار حتى غروب الشمس .
- كريم : مقابل كم كل هذا العناء ؟؟؟
- غيوم : عرض السيد كبانجا جنيهاً واحداً فقط في اليوم الواحد مع وجبة غداء ( إنه بخيل جداً ) .. وأنت بحاجة إلى ستة جنيهات لشراء البطاريات.. وقد عرضت عليه أن تواصل العمل اليومي حتى منتصف الليل في طلاء البيت من الخارج بالدهان .. وتصليح الأسوار المحطمة ، وجلب الحطب من آخر المزرعة ، وتشرف على نقل الماء من البئر إلى البركة التي خلف البيت ، مقابل جنيه آخر ووجبة عشاء وتبيت عندهم في غرفة الحارس على مدخل المزرعة . وبهذا يمكنك جمع قيمة البطاريات في ثلاثة أيام وست ساعات وخمسين دقيقة وسبع عشرة ثانية ، ثم انفجرت بالضحك من جديد .. تحاول تهدأة توتره وحزنه .

إلا أن كريم أشاح عنها بوجهه والأسى والإحساس بطعم المهانة والصّغَار يملأ قلبه ..!!

كيف تحولت حياته فجأة من حال ترف ونعيم إلى فقر ومسغبة ؟؟؟ ثم تجمعت في مقلته قطرات من دمع حار حبسها مكانها فلم تنزل ، وكأنه أقسم عليها أن تبقى ثَـمَّ . و سدد نظره باتجاه الجبال العالية يخفي لوعته وحزنه عن غيوم ، وصمت طويلاً يفكر .

أحس بدفء يد غيوم وهي تتسلل إلى يده وقد أمسكت بها وأطبقت عليها بين كفيها في حنان وعطف ووضعتها على خدها ، ثم انسحبت من أمامه بهدوء بعد أن وعدته أن تعود لزيارته صباح الغد .

* * * * * * * * * *

قضى كريم ليلته الأولى يحاول التعرف على محتويات غرفته الجديدة المتواضعة ، ثم بدأ يتجول في المزرعة ومرافقها ، ويقوم بجولات تفقدية متتابعة حول البيت الكبير .. تارة يقف عند حظيرة الدواجن يتوعد الدجاج بعقاب قاس ٍ إن لم يمنحنه عدداً جيداً من البيضات في صباح الغد ..
وتارة يمر بقرب البقرات يصافحهن بحركات ضاحكة ويلقي عليهن خطاباً في التنظيم والإدارة ، ويعرفهن بمديرهن الجديد ..

وتارة يجر رجليه وسط الظلام الحالك بين البئر والبركة يتتبع مجرى الماء الذي صمم بينهما بطريقة انسيابية فريدة . حتى إذا تأخر الوقت ، أطلت الخادمة برأسها من إحدى النوافذ وأخذت تناديه بصوت مرتفع وبلغة لم يفهم منها شيئاً على الإطلاق ، غير أنه عرف أنه هو المقصود وأن موعد تسليمه العشاء قد حان .

قام من مكانه يركض باتجاه النافذة وتناول طعامه واتجه به نحو غرفته آخر المزرعة ودخل وأغلق الباب وترك النافذة مفتوحة لبعض الهواء ، ثم انكب على الأكل بشهية مفتوحة .

هناك في القرية لم تكن غيوم تستطيع أن تبتلع عشاءها براحة وهناء ، وهي تعلم حال كريم وحاجته إلى الطعام الجيد ، فكانت تترك له شيئاً من طعامها بشكل مقصود دون أن تلحظ أمها ذلك ، وقد أضمرت في نفسها رغبة قوية أن توصل إليه طعاماً مهما كلفها الأمر رغم بعد المسافة وتأخر الوقت... كانت تتصرف كما وكأنها وقعت تحت سيطرة قوة خفية قاهرة تملي عليها كل شيء .. كل شيء .

وحيث إن اليوم الثالث قد مضى ولم يُبد ( إبن الحوت) حتى الآن أي رغبة صريحة بالزواج من غيوم ، وعقله لا يزال مشغولاً بالرحيل ، فإن أم غيوم قد كفت عن سؤالها عن أحواله .. وكأنها اطمأنت الآن أن أهل القرية لن يطالبوها ببقاء غيوم على الشاطئ بعد اليوم الرابع .!!!

هكذا تقضي طقوسهم الغريبة ( إذا لم يفصح إبن الحوت عن رغبته من تلقاء نفسه قبل انقضاء اليوم الثالث ؛ فإن العروس تصبح في حل من إلزامية الزواج به .. وتكون بعد ذلك حرة في قرارها ، حرة في خروجها ودخولها ..حرة في كل شيء ) إنها لطقوس غريبة تلك التي تحيط بغيوم .

وبعد أن تأكدت من نوم أمها تسللت بكل خفة وبراعة من نافذة غرفتها دون أن تشعر بها أمها ، واتجهت نحو المزرعة وسط الظلام الحالك.

وصلت هناك وكريم قد فرغ للتو من تناول طعامه الذي لم يكن أعجبه ، ولم يكن أشبعه على أية حال .

طرقت الباب ثم وضعت الطعام واختفت فوراً بين الأشجار وابتلعها الظلام من جديد قبل أن يفتح كريم الباب.. وعادت إلى غرفتها في تحدٍ صارخ وعنيد في وجه التاريخ .


في الصباح الباكر ، استيقظ كريم على صوت الخادمة وهي تطرق عليه الباب وتطلب منه البدء بالعمل بعد أن يتناول إفطاره الذي وضعته بالباب .

تناول إفطاره على عجل ثم توجه نحو حظيرة الدجاج وبدأ يومه الشاق .

أما غيوم ، فقد كانت تبحث عن فرصة مناسبة للتحدث مع رئيس الشرطة حول مولد الكهرباء لعلها أن تقنعه أن يعيرها إياه .. و إلا فإنها ستخطط لاستعارته بالقوة إذا توجب ذلك .. كل شيء بات في نظرها يهون مادام أن ذلك يرضي كريم ، ويحقق له رغبته ..

هكذا كانت مشاعرها تملي عليها .. تحقيق كل أمر يحتاجه ابن الحوت هذا حتى لو لزم الأمر ابتعاده عنها إلى الأبد ..

يكفيها لو أنها فعلت ذلك ، أنها ستظل تتذكر جيداً أنها لم ترفض له طلباً على الإطلاق ..



يكفيها أنها لو فعلت ذلك حقاً ، تكون قد ضحت بكريم من أجل كريم ..



يكفيها أيضاً لو أنها فعلت ذلك ، تكون قد نجحت في زرع البسمة والأمل في قلبه بعودته إلى أهله ووطنه .. ولو على حساب قلبها ....


لكنها تعلم يقيناً أنهم لو أخذوه بعيداً عنها .... فإنهم سيأخذونها هي الأخرى بعيداً عنه إلى الأبد ..




لكن ....





هناك في مكان ما تحت الأرض .



* * * * * * * *

الحب خطر
13-01-2005, 11:24 AM
الجزء العاشر

كان كريم في إسطبل الخيول يتجاذب أطراف الحديث بالإشارة تارة وبقليل من الإنجليزية تارة أخرى ، مع غلام في الثانية عشرة من عمره ؛ يأتي قبيل الظهر ليساعده على تنظيف الإسطبل وإطعام الخيول ...

أحس كريم بآلام في أسفل ظهره ورقبته ، وقد أدار ظهره للباب .. كما أدار ظهره أيضاً للغلام وراح يتكلم معه بصوت مرتفع عن أحوال المزرعة ..وأحوال الجزيرة ، وهو منهمك في تقليب الأعلاف وتنظيف الأرضيات وتبديل الماء ... ولم يتفطن المسكين إلا وهو يسقط على كومة الأعلاف التي أمامه من هول المفاجأة حين أطلق أحد من خلفه صرخة عالية أفزعته !!! وحين التفت إلى مصدر الصوت ، وقلبه يخفق بشدة ، وإذا بغيوم تقف وراءه ومعها الغلام وهما غارقان في ضحك عميق ...
قام مسرعاً ليمسك بغيوم . إلا أنها هربت هي والغلام خارج الإسطبل وكل منهما سار في اتجاه مغاير .. حمل كريم شوكة الأعلاف الطويلة بيده ولحق بغيوم التي غابت بين سيقان الذرة ، وهو يهدد ويتوعد.
أما الغلام فقد توقف عن الركض ووقف مكانه ينظر إليهما وهو يتبسم وقد غاب الاثنان تماماً في الحقل .. ثم عادا من جديد بعد دقائق وهما يضحكان ويتبادلان الحديث بلغة لم يفهمها الغلام ، وقد أمسك كل منهما بيد الآخر متجهين ناحية الغلام .
حين وصلا ، وقفا أمامه، ثم استند كريم بيده على شوكة الأعلاف ولف يده الأخرى حول غيوم وقد التصقت به .

- كريم ( وهو يعرف الغلام لغيوم ) : غيوم .. هذا كالاكاتا ..أو كيماواتا .. أو كاكاواتا ..أو شيء له واتا ، لا أدري سليه أنتي فقد عجزت أن أحفظ اسمه .

تبسم الغلام وقد فهم انه هو المقصود وقال: (إهيكاواتا ) .. ثم نظر إلى غيوم وقال : آهاأوتو بآييتا ..تولالانقا أورّوبها ناكوبنديا أوف ، ياتهاكا آم بيلايا . ثم انصرف وهو يودعهما بيده ويقول : أودا !
وترك غيوم تضحك .. ثم أشارت بيدها إليه وهي تقول : أودا .

ثم التفتت إلى كريم وهي تقول : إنه يقول .... " إذا تزوجت في المستقبل فسوف أحضر زوجتي إلى هنا حتى ألاحقها في حقل الذرة "

أطلق الإثنان ضحكات متقطعة ، ثم دخلا داخل الإسطبل يحتميان عن أشعة الشمس .. ثم قامت غيوم لملاقاة الخادمة التي أقبلت من بعيد تحمل الغداء .. ثم استخرجت غيوم من كيس جلدي أحضرته معها طعاماً كانت قد صنعته بنفسها ، وجلس الاثنان يأكلان بشهية مفتوحة، وكل منهما يختلس النظرات إلى صاحبه حين يغفل عنه .

فجأة قالت غيوم ووجهها يتهلل من الفرح : " كنت اليوم في قسم الشرطة ..... " ثم سكتت طويلاً وتشاغلت بالأكل وكأنها تريد أن تثيره!!
كريم وقد بدأ عليه التعجب : ..... !!! حسناً !! ثم ماذا غيوم ؟؟
غيوم : علمت أن رئيس الشرطة يعاني من وعكة صحية عنيفة ألزمته الفراش .. وهذا يعني أنه سيغيب عن قسم الشرطة لمدة أسبوع أو أكثر ، لقد أصابته بعوضة ( الدنقا) ؛ وهي تسبب نزلة معوية حادة وارتفاع في درجة الحرارة و... قاطعها كريم متحمساً ,,
وقال : حسناً .. حسناً ... لايهمني أمر هذا الـ(جلال) الآن ، يهمني أمر المحول الكهربائي فيم تفكرين !!!؟؟؟
نظرت إليه غيوم وراحت تتبسم بمكر دون أن تنطق بحرف واحد ...

- كريم : لا لا ... لا تقولي أنك تخططين لسرقته !
سيفتضح أمرنا غيوم ثم يزجون بي وبكِ في السجن .. لا لا لن أعمل طوال عمري في المزرعة أجمع قيمة الغرامة المالية ... هذا مستحيل .

- غيوم : من قال لك أنني أخطط لسرقته ؟؟ أ ..أ ..إسمع :
" هناك جندي يعمل حارساً لقسم الشرطة وهو صديق لوالدي ومدين له بعشرة جنيهات لا يستطيع سدادها .. وقد اتفقت معه على أن يسمح لي أن أتسلل ليلاً لاستعارة المحول لمدة يومين أو ثلاثة قبل أن يتفطن أحد ، ثم أعيده مكانه , وسيزود المحول بوقود يكفي لمدة ثلاثة أيام "
كانت غيوم تأمل أن هذين اليومين ربما يكونان غير كافيين لالتقاط بث من مكان بعيد كهذا ، وحينها ستخف رغبة كريم بالعودة إلى بلاده تدريجياً .. وهذا يعني بقاؤه عندها مدة اطول ريثما تفكر في حل يرضي قلبها من ناحية .. ويرضي كريم من ناحية أخرى ..

لم تكن هذه الأفكار بدافع الأنانية بلا شك .. لكنه قلب الأنثى الذي يصبح أسيراً تحت إمرة الحب حين يسيطر عليه ويسلبه أرضه .

رضي كريم بهذا الحل .. وهدأت نفسه أكثر ودب فيها الأمل من جديد .

فراح يعمل بهمة وتصميم متناسياً الآلام والأوجاع التي تترسب في جميع عضلات جسمه يوماً بعد يوم .. ورغم أنه يشعر بالشوق والحنين إلى أمه وأبيه وإخوته .. وإلى بلده وأصدقائه ؛ إلا أنه لم يكن قادراً على إخفاء شعور رائع وغريب يقفز إلى خاطره كلما التقت عيناه بعيني غيوم .. وكلما لاحت له صورتها في الهواء أما ناظريه ...


لقد بدأ يألف المكان بشكل لافت للنظر .. وعبثاً كان يحاول إقناع نفسه أنه لن يبقى على هذه الجزيرة سوى أياماً قليلة ويرحل .. وأنه سينسى غيوم مع الوقت .. وسينسى معها جلال ، والسيد كبانجا ، وكيكاواتا هذا .. والكوخ الذي على الشاطئ ، والدجاجات والمزرعة..

وستصبح ماضياً بعد حاضر ، وستتلاشى مع الزمن كل ذكرى جميلة انطبعت في وجدانه على هذا المكان المعزول من العالم .. وسيعود إلى حياة المدينة والشوارع والسيارات والأجهزة والمصانع .. وسيعود إلى رسوماته ولوحاته وجامعته ، وكل شيء جميل هناك عاش وتربى عليه .

إلا أن محاولاته اليائسة تلك كانت تبوء بالفشل في كل مرة في إقناع نفسه .. وكانت طبول الحرب تقرع في صدره بصوت مخيف إيذاناً ببداية صراع محموم داخل أرض نفسه بين الجزيرة والمدينة .. صراع بين الريف والحضارة ..

بين أهله وأصدقائه وبين غيوم...


بين حياة الترف والعز وبين حياة الفقر والبساطة ...


كل شيء هناك إلا غيوم .... وليس شيء هنا سوى غيوم ..
صراع أفقده توازنه ، وبدأ ينمو مع الأيام ويزداد حدة .. كل شيء يميل في نفسه إلى تفضيل الحياة هناك على الحياة هنا ، ولم يكن شيء هنا يجرؤ على تعليق نفسه بهذه الجزيرة سواها ..
ورغماً عنه .. ودون أن يدري ، استعمرت تلك الفاتنة كل نواحي عقله وتفكيره وملأت الفراغ بينهما ...
* * * * * * * *

إنقضت الأيام الثلاثة وكريم على هذه الحالة من الجهد والعمل المضني
كانت هذه المدة كافية جداً لتغير ملامحه التي جاء بها إلى هنا ؛ فقد حلت الخشونة محل النعومة والدعة ، وحلت المشاعر الرقيقة والرومانسية في قلبه محل الفراغ الذي كان يملأه من قبل .. حلت تلك الفاتنة محل أهله وأصدقائه ووطنه .

أما غيوم ، فقد دبرت خطة جيدة في نقل المحول الكهربائي الثقيل من قسم الشرطة إلى الكوخ المهجور على الشاطئ حيث المسافة هناك أقرب لبث ذبذبة إرسال إلى أي سفينة قد تكون مارة بالجوار صدفة.
استعانت غيوم بعدد من رجال القبيلة – ذوي الوجوه المفزعة – الذين يسكنون الغابة بين القرية والشاطئ ، لنقل المحول على ظهور البغال إلى الكوخ في الليل مخافة أن ينفضح الأمر ويراهم أحد من جواسيس جلال .
كانت هذه الخدمة الخطرة بالنسبة لهم ؛ يقدمونها عرفاناً مقدساً لابن الحوت هذا متحديين بذلك قوة السلطة العسكرية في يد جلال ورجالاته

أما غيوم فإنها كانت ترتكب حماقة بالغة الخطورة إن اكتشف جلال سرقة المحول من قسم الشرطة ، كانت تعلم ذلك جيداً وتدركه.. إلا أن تلبية رغبة كريم في نفسها كانت هي الأقوى وفوق كل اعتبار .
كانت تقدم نوعاً من التضحية يندر أن تقدمه أنثى في وضع حساس كهذا !! وتعلم أن عقوبة هذه الجريمة قد تسمح لجلال بالحصول عليها ولو بالقوة .. كان يمكنه حينها وبكل بساطة أن يجد مبررا لسجنها عنده في القسم .. وهذا يعني من جهة أخرى وكأنها في بيته وقد أصبحت زوجته رغماً عنها!!!!
إنها التضحية بكل أبعادها ومعانيها وحدودها الفسيحة حين تطرحها الأنثى بين رجلي من تحب ، دون أدنى شعور بالألم أو حتى بالندم
وترجو في الوقت ذاته أن هذه التضحية الصامتة تجد في قلب من قدمتها له وقعاً وتقديراً لها في نفسه ... وتفهماً ينسيها غصة الألم ومرارة الندم .

* * * * * * * * *

لم يكن السيد كبانجا قد عاد في اليوم الثالث كما كان مقرراً .. وهذا معناه زيادة يوم جديد من المعاناة والتعب على كريم الذي كان اعتاد بشكل قسري على أعمال المزرعة .. كما اعتاد أيضاً على رؤية ( إهيكاواتا) إلا أنه ظل عاجزاً عن حفظ اسمه بشكل صحيح .

في اليوم الرابع وقبيل الغروب ، عاد السيد كبانجا من رحلته ليجد كريم في انتظاره ، وقد أنهى طلاء البيت بشكل جيد كما أتم نقل الماء أيضاً إلى البركة بكميات كبيرة ، وأنجز باقي المطلوب منه بطريقة يبدو من ملامح وجهه أنها أرضته ، إلا أنها لم ترض جيبه المغلق !!
فقد اكتفى بتفريك الجنيهات الواحد تلو الآخر وهو يودعها بين أصابعه بحسرة لتستقر في يد غيوم .. لقد أعطاها سبعة جنيهات فقط ..( يا له من عجوز بخيل ودميم ) كلمات كان يتمتم بهن كريم بالعربية أمام العجوز القصير وهو يتكلم مع غيوم ..

إنطلقت غيوم وبيدها كريم إلى القرية وتبعهما إهيكاواتا أيضاً ..لقد أصبح الثلاثة رفقاء متلازمون اعتباراً من هذا اليوم الذي أصبح فيه كريم على مقربة من إرسال نداء استغاثة في جوف المجهول ..
لقد قرر إهيكاواتا ان يلازم صديقه الجديد الذي أحبه بكل صدق وإخلاص مما رآه منه من رحمة وشفقة وعطف عليه .. قرر ملازمته حتى آخر لحظة يغادر فيها الجزيرة .. ثم يعود بعدها إلى عمله من جديد .
افترق الثلاثة عند مدخل سوق القرية .. ذهبت غيوم إلى شراء البطاريات بينما اتجه كريم ورفيقه الغلام إلى ( جندر ) في مبنى الاتصالات لإحضار جهاز البث ومعه الأنتينا ( الآرييل ) واتفق الجميع على الإلتقاء عند مخرج القرية باتجاه الشاطئ بعد ساعتين ...

* * * * * * * * * *

الحب خطر
13-01-2005, 11:26 AM
الجزء الحادي عشر

التقى الجميع على مشارف القرية ، ثم اتجهوا شمالاً باتجاه الغابة يحملون معهم المحول الكهربائي ربطوه على ظهر بغلين قويين وعلى ظهر بغل ثالث حملوا جهاز البث والأنتينا واختفوا هناك بين الأشجار العالية والأحراش ، وكل منهم يحمل في يده مشعلاً يضيء له طريقه ، ثم سلكوا دروباً ضيقة ومتعرجة وعبر أماكن رطبة يبدو أنها تمر بحواف أنهار أو جداول مائية بين الصخور بالكاد يميزها كريم من مشعله الذي في يده .

وصل الموكب آخر الليل بصحبة عدد من رجال القبيلة الذين رافقوهم لحراستهم من هوام الطريق ومفاجآته .. ثم تركوا الثلاثة هناك عند الكوخ وانصرفوا عائدين إلى قبيلتهم ..

ونتيجة للإعياء والتعب ؛ اتخذ كل من الثلاثة مكاناً يناسبه استعداداً لنوم عميق بانتظار الصباح .
كان إهيكاواتا أول النائمين .. وقد ربط قماشاً طويلاً بين شجرتين من أشجار الموز التي أمام باب الكوخ وجعله سريراً معلقاً له نام عليه ولف نفسه بداخله ، وباب الكوخ مفتوحاً بينه وبين كريم وغيوم اللذان فضلا النوم داخل الكوخ بعيداً عن البعوض ولسعاته .
أما غيوم ، فقد فضلت – كونها الأنثى الوحيدة بينهما – النوم على سرير كريم ..بينما نام كريم على الأرض في حلق الباب تماماً .

لم يكن كريم قد نام فعلاً بل كان يتظاهر بذلك .. يبدو أن هناك ثمة أمر يقلقه ويشغل باله ، فقام من مكانه ودنى من غيوم ثم وضع عليها لحافه بهدوء وانصرف بقرب النافذة وأخذ يراقب القمر الذي يظهر للأرض من بين السحب تارة ويختفي عنها تارات أخرى , وراح في تفكير عميق في كل الذي يجري حوله وسط هدأة الليل وظلمته .

مضت ساعة تقريباً وهو على هذه الحالة .. ثم أحس بأنفاس غيوم خلف أذنه مباشرة وهي تهمس بكلمات خافتات حتى لا توقظ إهيكاواتا النائم ، وتطلب منه أن يأخذ قسطاً من الراحة هو أيضاً .. استعداداً لبرنامج الغد . وفعلاً استجاب لمطلبها أخيراً ولكن على شرط منه أن تحتفظ هي باللحاف تحسباً للجو الذي بدأت تزيد برودته مع اقتراب الفجر .. قبلت غيوم بذلك ونام الجميع .

استيقظ كريم على صوت إهيكاواتا ، وهو يهزه من كتفه لتناول طعام الإفطار ..
قام من مكانه بتثاقل وقد توسطت الشمس صدر السماء ، يبدو أنه نام طويلاً .. ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا وإعجاب حين رأى اللحاف يغطي جسمه !!
يبدو أن تلك الماكرة قد تسللت في جوف الليل وطرحته عليه بعد أن نام .

مد رقبته من خلال النافذة حين رأى طرف رأس غيوم من الخلف وهي تقف خلف النافذة ، والدخان الكثيف يتطاير في الهواء من حولها .. وقد أغلقت عينيها عن الدخان !!؟؟ كانت على ما يبدو تقوم بشواء صيد اصطادته من الغابة وتجهزه للإفطار .. وعلى حين غفلة منها ؛ دنى منها ثم صرخ في أذنها صرخة قوية أسقطت الذي في يدها من هول المفاجأة ثم خرج يركض باتجاه البحر هرباً منها وهي تلاحقه وبيدها لاقط حديدي أمسكت بطرفه قطعة من جمر ملتهب تريد حرق ثيابه عقاباً له وتقسم أنه لن يفلت منها .. وهو يذكرها بموقفها في المزرعة ، ثم اختفى الاثنان في أعماق البحر بعيداً عن عيني إهيكاواتا الذي تذكر على الفور موقف المزرعة هو أيضاً وهو يراقبهما من على شجرة موز عملاقة .

خرج الاثنان من البحر ، وقد تشابكت أيديهما ، بعد مدة من الزمن لم يعلما كم دامت ، إلا أنهما أدركا أنها قد طالت ، وبات ذلك واضحاً من علامات الأسى في وجه إهيكاواتا وهو يمسك بيده حيواناً مشوياً وقد تفحم تماماً !!!

- كريم ( وبلغة إنجليزية بطيئة ) : ما هذا يا.. ميكاواتا !!؟؟
- إهيكاواتا : " بيندا " .
- غيوم ( وهي تترجم) : سنجاب ... كنت قد اصطدته هذا الصباح لأصنع منه إفطاراً لنا .
- كريم (وهو يشعر بالتقزز ) : وهل تأكلون السناجب هنا !!؟؟؟
- غيوم : نعم .. نصنع منها المرق أولاً ثم نشوي اللحم .. إن طعمها طيب ,, سوف أصطاد لك واحداً غيره ..
- كريم : لا لا .. من حسن حظي الآن أن هذا احترق .. يكفيني أن أكون نباتياً على هذه الجزيرة حتى أعود .
- غيوم ( وهي تمازحه) : حسناً .. على الأقل طعمه كان سيكون أطيب من طعم السحالي التي سأطبخها لك على العشاء .. ثم انفجرت ضاحكة ولم تتمالك نفسها .

تناولوا شيئاً من الفاكهة الطازجة وبعض الخضر والمرق والفطر المشوي ، ثم انهمكوا في تركيب المحول الكهربائي . وكان إهيكاواتا قد ربط الأنتينا فوق شجرة الموز تلك ، ومد منه سلكاً طويلاً يصل إلى جهاز البث داخل الكوخ ..بينما انهمك كريم بضبط موجة البث على الذبذبة التي أشار له عليها (جندر) .. وانهمك الاثنان معاً في ضبط التوليف وتجهيز البث وتشغيل المحول وإجراء بعض التجارب.. ولم يتفطنوا إلى اختفاء غيوم بعيداً عن الكوخ إلا بعد مدة من الزمن .

لم يكن لغيوم على الشاطئ أي أثر !!

أحس كريم أنها قد ابتعدت فعلاً عن الكوخ ، فبدأ هو والغلام بالبحث عنها في المناطق المجاورة للكوخ دون فائدة !! ثم عادا سريعاً للكوخ ...
حمل كريم البندقية .. بينما حمل إهيكاواتا فأساً معقوف الطرف يستخدمه الصيادون عادة لتقطيع الأحراش الكثيفة .. وانطلق كل منهما في اتجاه ..
ذهب كريم بمحاذاة الشاطئ ، بينما اخترق الغلام الأحراش واختفى داخل الغابة ، وبدأ كل منهما ينادي على غيوم بصوت مرتفع : " غيووووم " " أين أنتِ غيـــووووم !!

مضت دقائق طويلة ، وبطيئة جداً على الاثنين وهما يبحثان عن غيوم في كل مكان .. وقد اتفقا على أن يلتقيا عند حافة بحيرة صغيرة وسط الغابة تحت جبل أسود يبعد عن الكوخ مسافة نصف ساعة تقريباً ، اعتادت غيوم الذهاب إلى هناك لجلب ماء الشرب ..

ثم ، فجأة انطلقت رصاصة وسط الأشجار مزقت سكون الغابة ونواحي الشاطئ في هذا الصباح الهادئ .. يبدو أنها انطلقت من بندقية قوية من بنادق الصيد الكبيرة إلا أنها قطعاً لم تكن من البندقية التي في يد كريم !! فقد انطلق بسرعة البرق باتجاه مصدر الصوت كالمجنون ويحطم بطريقه كل غصن أو شجيرة تعترض طريقه .. كما اتجه إهيكاواتا أيضاً وبنفس الفزع والسرعة باتجاه مصدر الصوت ..بينما ملأت السماء أسراب ٌ من الطيور بكل اتجاه !!! لقد أحس الإثنان أن صديقتهما في خطر ..!!!
وصل كريم أولاً .. وحين وصل رأى منظراً أفزعه !!
كانت غيوم قد انحشرت داخل حفرة يغطي الماء فيها منتصف بطن غيوم تقريباً ، وحافات الحفرة من الصخر الأملس وقد نبتت عليها الطحالب بغزارة ، ويتسرب الماء إلى الحفرة من بحيرة كبيرة أعلاها كانت غيوم على ما يبدو تسبح فيها قبل أن يهاجمها وشقان جائعان ( من فصيلة السنوريات) ويضطراها للوقوع داخل الحفرة في مطاردة عنيفة للفريسة .. وقد وقف الوشقان على حافة الحفرة ، يحاولان اغتنام الفرصة والانقضاض على غيوم من جديد ، وغيوم تحاول الوصول إلى سكينها الحادة وسط أغراضها وملابسها هناك على حافة البحيرة بمكان ليس ببعيد عنها لو هي نجحت في الإفلات من بينهما ..

وكان مزارع عجوز مار بالصدفة من هنا فرأى الموقف المخيف , ولكن لضعف بصره ؛ لم يستطع أن يصيب أياً من الوحشين الضاريين ، وإنما أفزعهما قليلاً ومنح غيوم بعضاً من الوقت للنجاة .

سدد كريم بندقيته فوراً إلى رأس أقرب الوشقين إلى غيوم وأكثرهما شراسة ، ثم ثبت مرمى الهدف بدقة حتى لا يخطئ الرمية ، ثم أطلق رصاصة واحدة استقرت وسط رقبة الوحش أردته قتيلاً على الفور وسقط في الحفرة مع غيوم ، بينما كان فأس إهيكاواتا أكثر دقة من رصاصة كريم ؛ فقد انغرس وسط رأس الوشق الثاني أرداه قتيلاً هو الآخر . ثم ماهي إلا ثوانٍ معدودات حتى اجتمع الاثنان على حافة الحفرة بينما كان العجوز يلوح لهم من بعيد بيده يودعهم بعد أن اطمأن على سلامة الفتاة .


أمرت غيوم الاثنين بالابتعاد قليلاً عن المكان ريثما تلبس ملابسها وأن يغمضا عينيهما بشدة
أو يديرا ظهريهما .

أدار كريم والغلام ظهريهما واستقبلا البحيرة أمامهما في انتظار غيوم أن تفرغ من لبس ملابسها ، إلا أنها الماكرة لم تكن تستغرق كل هذا الوقت في اللبس ؛ بل كانت تخطط لحيلة جديدة ؛ فحين وصلت إليهما من الوراء دفعتهما معاً داخل البحيرة بشقاوة مقصودة ، وأخذت تضحك من منظرهما الذي يدعو للشفقة ، وكلما حاول أحدهما الخروج من الماء للإمساك بها أو سحبها معهم داخل البحيرة ، كانت تدفعه بقوة وتدوس على أطراف أصابعه بباطن قدميها

كان منظرهم جميعاً وهم يمرحون هكذا يشعرك بأنهم قد نسوا تماماً موقف الوشقين الضاريين قبل دقائق !!! وكأن هذه الفاتنة لم تكن قبل قليل عرضة لأن تكون وجبة دسمة لهما ، لولا عناية الله وتدخل أصدقائها الحميمين ...

لقد نسوا الموقف تماماً – أو هكذا يتظاهر كل منهم - , ونسوا كذلك جهاز البث هناك على الشاطئ الذي دبت فيه الحياة فجأة وبدأ يلتقط موجات بث بعيدة وضعيفة .. وعلى فترات متقطعة لا تكاد تدوم إلا لثوان ٍ معدودة ، وليس حوله أحد يرسل نداء استغاثة ، أو يجيب على النداءات المتكررة !!

يبدو أن المكان قد أعجب الجميع وراق لهم هنا في وسط الغابة وانتهزوها فرصة لبعض الترفيه البريء بصبيانية مقصودة ، ولم يشعرو برغبة في مغادرة المكان والعودة إلى الكوخ .

وبينما هم كذلك يسبحون في البحيرة إذ توقف كريم عن اللعب والسباحة ، واستند آخر البحيرة على ظهر صخرة ملساء عظيمة ، وراح من بين بلل الماء على عينيه يتأمل الفاتنة التي غزت أرض قلبه وتسللت إليها بهدوء وهي تسبح بكل براءة مع الغلام .

لقد أحب هذه الفاتنة بكل جوارحه ومشاعره ، وأحب الغلام ، والجزيرة والمزرعة .. بل وحتى الدجاجات والبقر، وأحب الشاطئ ، والكوخ ، وحياة الجزر بكل صفائها ونقائها ورونقها وجمالها ..

وبات يشعر برغبة جامحة في نفسه بالاستقرار هنا في هذه الجزيرة مع غيوم . بل إن لحظة خروجه من هذه الجزيرة قد تحولت في نفسه من لحظة جميلة مرتقبة كانت ترتسم في خياله كل يوم ، إلى لحظة مريرة قاتلة قد تقضي على كل آماله وأحلامه ، وبات مجرد تخيل أنه لن يراها بعد الآن ؛ هاجس يقلقه ويعصر قلبه ، ويهدده بعاصفة هوجاء تعصف بكيانه وكل أرجاء أحاسيسه .. وتقتلع في الوقت نفسه كل شعور ٍ من رواسيه مكين .

ولم يتفطن أنه استغرق في التفكير طويلاً إلا عندما فقدهما فجأة !!

وقد ساد صمت رهيب في أرجاء البحيرة !!!!!

غريب ،إنهما ليسا هنا في البحيرة !! أين هما إذن ؟؟

الحب خطر
13-01-2005, 11:30 AM
الجزء الثاني عشر

.


لم يكد يرفع رأسه ، وإذ بهما معاً في لقطة طائرة في الهواء ينقضان على البحيرة من على الصخرة الملساء فوق رأسه مباشرة ، ويرتطمان بسطح الماء ، فيحدثان موجة عالية من الماء الذي تطاير في كل اتجاه .. ويكأن البحيرة قد فرغت من مائها بعد ذلك ..

ثم غاصا في قاع البحيرة وتركاه مبللاً عن آخره بطوفان من الماء البارد .. ثم خرجا معاً وهما يضحكان في نشوة مرح تبهج من يراهما .

كانت البراءة ضيف الجميع ، وقد ساهمت في إضفاء جو شاعري نبيل ودافئ أدخل السعادة على قلوبهم أجمعين ، ولم يكن شيء في هذه النواحي الصامتة من الجزيرة يعكر صفوهم ومرحهم .. حتى الحيوانات والطيور كانت كمن يراقب مشهداً من الحب والصفاء لم يكن ثمة مشهد أروع منه قد شاهدوه من قبل ، فلزمت الطيور أعشاشها حياءً منهم وكفت عن التحليق ، وقرت الحيوانات في جحورها ولم تبرح في سكون عجيب .

ثم تذكروا جهاز البث أخيراً فقرروا مغادرة البحيرة .



* * * * * * * * * *



وصلوا جميعهم إلى الكوخ قبل الغروب ، استطاعوا فيما تبقى لقرص الشمس من وقت قبل أن تتوارى خلف البحر ، أن يصنعوا شيئاً من الطعام .. إلا أن غيوم هذه المرة قد اصطادت أرنباً برياً بمساعدة الغلام خفيف الحركة ، ولم تصطد سنجاباً أو سحلية كما كانت تقول من قبل .. وبدأوا يستعدون للشواء .

انهمك كريم في ملاحقة كل ذبذبة تظهر على جهاز البث ، ويكرر النداء دون جدوى ،ثم جلس على كرسي خشبي متهالك أمام الجهاز وأخذ يترقب بصمت وهدوء ...

بينما توجه الغلام ناحية البحر ، وأخذ يصطاد بيديه العاريتين عدداً من المحارات المتحركة وبعض مخلفات البحر التي تؤكل ، وبقيت غيوم أمام موقد الشواء تعد الطعام .

وكان كل واحد منهم يمد صوته في الهواء عالياً حين يرغب بالحديث مع أحدهم ويتبادلون الضحكات بصوت مرتفع أيضاً .

كانت أصواتهم العالية تنساب عبر موجات الأثير مسافات بعيدة عن الشاطئ ...
هذه الأصوات كانت سبباً كافياً في جلب ضيوف من سكان القرية كانوا ينقبون الأرض بحثاً عن غيوم .

ظهر من بين الأشجار عدد من شباب القرية وقفوا أمام غيوم مباشرة يلهثون وأنفاسهم ثائرة

في غفلة من الصديقين .. ثم تكلموا معها بكلام بلغتهم الساحلية نزل على قلبها كالصاعقة !!؟؟؟

أحس كريم بوصولهم فخرج فوراً ليجد غيوم وقد سدت فمها بيديها وبدا على وجهها علامات الانزعاج والقلق ، ثم قالت له بطريقة مبعثرة للغاية : " أمي تحتضر ، وهي في خطر .. أصابتها نوبة قلبية حادة من جديد .. يجب أن أرحل " .

لم تزد أكثر من هذه الكلمات ثم اختفت معهم داخل الغابة بلمح البصر .. !!

ثم عادت فجأة تركض وحدها باتجاه كريم حتى ارتطمت به من فرط سرعتها ، وأمسكت بيده ووضعتها على صفحة خدها ..ثم نظرت في عينيه بطريقتها القروية ..وبكلمة واحدة فقط وبلغتها الساحلية التي تستخدمها معه لأول مرة قالت له : " ناكوبينديا " ثم اختفت بين الأشجار من جديد ، وتركت كريم تملأ عينيه الدهشة والاستغراب !!!

مكث كريم يتأمل معنى تلك الكلمة الغريبة !! ورغم أنه لم يكن يدرك معناها بشكل أكيد ؛ إلا أن طريقة غيوم وهي تلقيها على مسامعه جعلته يشعر أن تلك الكلمة الدافئة اخترقت جدار صدره ، ثم ضلوعه ، ثم غشاء قلبه واختفت بين شرايينه وتجاويفه .. هناك في قعر بعيد


ثم بدأت تتمدد بكل اتجاه بشكل أحس به ، وتحللت إلى مشاعر تتدفق مع الدم وسط عروقه .

لم يقطع عليه هذا الانسجام المتناغم بين الكلمة وتأثيرها في نفسه ، إلا رائحة اللحم وهو يحترق !! فأخذ يقلب الأرنب على النار ويترقب وصول الغلام الذي جاء يمشي باتجاهه يدفعه الجوع وهو يردد مقاطع من أهازيج أهل القرية حين يصطادون شيئاً من البحر !!

وصل إهيكاواتا وهو يحمل بين يديه محارات وأصداف وأخطبوطاً صغيراً ألقى به البحر على الشاطئ لا يزال يتحرك .. وما إن وصل حتى بدأ يفتش بعينيه عن غيوم !!؟؟؟

وبالرغم من ضعف لغته الإنجليزية .. ( وهي اللغة المشتركة الوحيدة بينه وبين كريم ) إلا أنه تجرأ وكون جملة متكاملة مفيدة يسأل فيها عن غيوم !!

أجابه كريم أنها اضطرت للذهاب لرؤية أمها التي تحتضر .. ثم سكت كريم وانهمك الاثنان بتناول وجبة العشاء المبكرة ، وبشهية غير مفتوحة تضامناً وجدانياً مع صديقتهم التي غادرت ولم تتناوله معهم .

وبينما هما صامتان ، إذ فاجأ كريم الغلام بقوله : " ناكو.. .. بينديا " ؟؟ ثم ترقب تأثيرها في وجهه.. تفاجأ إهيكاواتا فعلاً وظهر عليه تأثير هذه الكلمة .. ثم أطلق ضحكة في الهواء !!

نظر إليه كريم في ذهول ثم سأله عن معنى هذه الكلمة ؟؟
توقف إهيكاواتا عن الضحك ثم وضع يديه على صدره وقال : " إهيكاواتا ناكوبينديا كريم "
ثم تبسم بدهاء وقال : " غيوم ناكوبينديا كريم" وكأنه يعرف الذي بينهما .

تأكد كريم أن كلمة " ناكوبينديا " تعني " أحبك " ثم استرجع بالذاكرة ووجهه يتبسم كيف قالتها غيوم بطريقتها العذبة .. ولم يمنعها انشغال بالها على أمها من أن تنطق له بها في ظرف كهذا .. ثم التفت إلى الأفق يشيح بوجهه عن الغلام وأغمض عينيه ، وأخذ يمضغ حرارة الإحساس الذي تسرب إلى جوفه مع قطع الأرنب المشوي الذي في فمه .. وكأنه الآن قد وُلد ..

وكأنه الآن فقط ذاق طعماً جديداً وفاتناً للحياة ..

رغم أنه يعلم يقيناً مشاعرها تجاهه من قبل .. ويعلم أيضاً مشاعره تجاهها ؛ إلا أنها المرة الأولى التي تواجهه بها دون خجل .

يبدو أن ثورة الإحساس في جوف تلك الأنثى قد أنطقت لسانها المعقود ، فخرجت بعض كلماتها ثائرة هائجة لم يجرؤ أحد على كبحها ..


ولا حتى غيوم نفسها .

* * * * * * *

تسارعت قطرات المطر بالنزول على جميع نواحي الجزيرة .. ثم ما لبثت السماء أن تلبدت بالغيوم الثقيلة ، وتجاذبت أصداء الجبال العالية زمجرة الرعود والصواعق هنا وهناك .. ثم تتابعت زخات المطر بغزارة إلى الأرض فاضطر كريم ورفيقه أن يحتميا من البلل داخل الكوخ ثم أغلقا الباب وراءهما .

قضى كريم أغلب ليلته ساهراً يصارع كماً هائلاً من الرغبات والمشاعر المتناقضة ..
تارة تخف في نفسه الرغبة بالرحيل و يقرر البقاء هنا مع غيوم .. وتارة تتأجج في نفسه الرغبة والإصرار على الرحيل مهما كان الثمن ، على أمل منه أن الزمن القادم سيكون كفيلاً بأن يمحي من ذاكرته كل شيء عن هنا .. حتى غيوم ، إن هو بالتأكيد رحل عن هنا ونجح في الإفلات من قبضة الحب..

لكن الغلبة كانت لصالح نداء الفطرة وحبه المفرط لأمه المشلولة وأباه وأخته المدللة ووطنه
ولم يكن يملك أمام هذا الجيش المتراص من الشخصيات المحببة إليه ، إلا غيوم .. وقلبه الذي بدأ ينحاز وبقوة تجاه الجزيرة ، وفاتنتها الساحرة .

وهو يشعر بقرارة نفسه أنه لا مجال على الإطلاق في أن يجمع العالمين معاً في مكان واحد ويعيش معهما في ذات الوقت .. فإما الجزيرة وغيوم .. وإما أهله ووطنه .

حين أعياه السهر والتعب وهو منزوٍ على كرسيه بناحية الكوخ بعد أن نام الغلام ، سكن قليلاً مع سكون قطرات المطر ، ثم بدأ يغط في النوم غطات متتاليات ، لا يوقظه
إلا صوت الصواعق التي تفجأه مرة بعد أخرى حين ينام .

ثم نام أخيراً نومة عميقة حتى اقترب الصباح .

ولم يستيقظ إلا على صوت إهيكاواتا يهز كتفه برفق على أثر وصول نداء يأتي بشكل متقطع وخافت من الجهاز وبلغة لم يفهمها الغلام ... ولذلك أيقظه !!

الحب خطر
13-01-2005, 11:31 AM
الجزء الثالث عشر

.


استيقظ كريم كالمجنون ثم بدأ يلاحق الموجة ..

نعم .. نعم ، سمعتها ...

قالها لصاحبه وهو يفرك عينيه بيديه ويعدل من جلسته ثم بدأ يضبط المؤشر الحساس ويكرر النداء : " ألو .. ألو .. هل تسمعني ؟؟

مَن هناك ..؟؟ هل تسمعني ؟؟ "

ثم يسكت الجهاز برهة من الوقت ثم تظهر عبارات ضعيفة للغاية ، ومتقطعة .. و بالكاد تفهم وكأنها أقرب ما تكون إلى اللغة الفارسية أو العربية !!!

إستبشر كريم كثيراً بهذا الإنجاز الذي تحقق .. - أو بدأ يتحقق - واشتعلت جذوة الأمل في قلبه من جديد ، وراح يكرر دون انقطاع عبارات الاستغاثة وطلب النجدة ، مرة بالعربية .. ومرة بالفرنسية .. ومرة بالإنجليزية .. بل ويشاركه إهيكاواتا بلغته الساحلية أيضاً ، لعل وعسى أن تبلغ أحداً ما .. هناك في عمق المحيط فترشدهم إلى موقعه في هذه البقعة المنزوية من العالم بعيداً عن ممرات السفن .

ثم بدأت العبارات القادمة تتضح أكثر فأكثر ، والإرسال يطول زمنه تدريجياً .. ثم تأكد كريم أنها عبارات عربية .. ولم تمض عليه أكثر من ساعة أو ساعتين حتى بدأ يميز الأصوات بشكل أكثر دقة ووضوح ، رغم أنه لا يزال متقطعاً وبعيداً .. ثم بدأ من جديد يكرر : " أنا كريم .. هل تسمعني !!؟؟ أنا هنا على جزيرة نائية تدعى ( آلادميرانتي ) .. على بعد ثلاثمائة عقدة بحرية جنوب غرب تقاطع دائرة العرض ستين مع خط الاستواء .. هل تسمعني؟؟ "

... حدد ذلك بدقة ، تماماً كما علمه ( جندر ) ، وبدأ يكرر الكلام وينتظر الإجابة وهو يكاد
لا يلامس سطح الأرض من شدة الفرح ..ثم جاءه صوت قوي ومتواصل .. لكنه متداخل !! يبدو أنه لعدد من الناس وكأنهم مجتمعين في قمرة قيادة سفينة بعيدة ، أو غرفة مغلقة أو نحو ذلك !!

" ألو ..ألو كريم هل تسمعني !! " ثم اختفى الصوت دقائق !!!!؟؟؟؟؟؟

ثم عاد الصوت من جديد : " هنا القائد ( سميع الرحمن ) هل تسمعني كـــ ... ؟؟ " .

* * * * * * * * *

كان والد كريم وسيرين ورغد وباقي طاقم القارب الكبير مجتمعين بالفعل داخل قمرة القيادة

ودموع الفرح قد اختلطت بدموع اليأس والخوف داخل العيون .. ثم حبسوا أنفاسهم دقائق قبل أن يصرخوا جميعهم من شدة الفرح حين وصلهم صوت محبب إليهم ، كله حماسة وفرح .. : "

ألو .. ألو سميع الرحمن هنا كريم هل تسمعني !؟ ثم حدد موقع الجزيرة من جديد ثم انقطع الصوت نهائياً هذه المرة ولم يعد إليهم ثانية !!؟؟




بينما كان كريم هناك على الجزيرة يعاني من مشكلة فنية طرأت فجأة على محول الكهرباء ولم يعد يعمل بشكل متصل !! ربما أن الوقود قد تسربت إليه قطرات من الماء بسبب المطر أو ربما أنه بدأ ينفذ .

* * * * * * * * *

استعرض القائد الهندي سميع الرحمن بعض خرائطه التي معه ، وأجهزة قياس الأبعاد البحرية على الطاولة ، وقام مع بعض معاونيه يشاركهم والد كريم وسيرين ورغد بالبحث عن موقع تلك الجزيرة المجهولة تحت مرمى الضوء من مصباح صغير يتدلى من فوق رؤوسهم .. وكم كانت فرحتهم حين حدد القائد الموقع بدقة متناهية ، وقرر أنهم ربما يصلون هناك عند منتصف النهار أو آخره على أبعد تقدير .




هكذا كان الوضع في البحر ..


وهكذا كان الوضع داخل الكوخ ..


بينما الوضع في القرية كان مختلفاً تماماً !!!



كان إهيكاواتا الوفي قد انطلق كالسهم باتجاه غيوم يخبرها الخبر ، وأن أهل كريم قادمون وسيرحل عنهم بعد ذلك .

سلك طرقاً مختصرة وخطرة يعرفها جيداً كراحة يده ، حتى وصل بيت غيوم قبل أن يتعالى النهار .

وحين دخل على غيوم كانت أمها تنازع الموت . وكانت في سكون عجيب وتعاني من صعوبة بالغة في التنفس ، وقد التف حولها عدد من نساء القرية ، والطبيب ، وساحر القبيلة الذي جاء من الغابة استجابة لطلب والد غيوم الذي كان قد تأثر بطقوسهم الغريبة مع طول بقاء بينهم .


وحين أخبر غيوم بالذي يجري هناك على الشاطئ ؛ نزل الخبر على أرض قلبها كالصاعقة
أو كنيزك ضخم ارتطم بقوة على سطح الأرض فأحدث فُجوة عملاقة تفجر منها الدم وراح يجري في عروقها بجنون .. ولم تعد المسكينة تعي الذي حولها ، وشعرت وكأن الأرض بدأت تدور بها بشكل مقلوب !!

أصبحت مشاعرها الآن تجاه أمها في حالة تجمد كامل تحت الصفر ...لبعض الوقت ، في الوقت الذي أصبحت فيه مشاعرها تجاه ابن الحوت تغلي من جديد !!

رياح الجليد التي هبت مع مقدم إهيكاواتا بالخبر أصابتها بصقيع العجز ؛ فجمد حركة جسمها على الفور حتى لم تعد تغمض بعينيها وكأنهما من زجاج ...

ثم أصابتها حمم الحب الحارقة من عمق البركان في عروقها الحرّى لتعلن أن ساعة الصفر الكئيبة بداخلها قد حانت .. فلم تعد تشم في الهواء إلا نُفاث سحبها السوداء ..

ويكأن الأرض من بين أقدامها باتت تتزلزل وتنشق وتضطرب ...

يــــــا الله !!

كم هي الأقدار عجيبة ًبالفعل !!

لقد أوقفها القدر من حيث لم تحتسب على مفترق طريقين وعرين !!!!!


كلاهما وداع . ولا تدري أي الحبيبين تقف على أرض وداعه !!؟؟


هل تبقى تودع أماً تحتضر ؟

أم تهب تودع حبيباً يرتحل ...


إلى عالم لا رجعة منه ؟؟


الله وحده الذي يعلم ماذا سيكون حالها لو رحلا عنها معاً !!


وكأن القدر قد رمى بالوداعين في وجهها فمزقها نصفين ؛ نصف تعلق بأمها التي كانت وحدها التي تسكن قلبها طوال سنين عمرها التي مضت ..

ونصف تعلق بهذا الدخيل الذي سيعمر قلبها سنينها التي أقبلت .

ثلاثة وعشرون سنة من عمرها مضت ، لم تشعر خلالها يوماً أنها بهذا الضعف .. وبهذا العجز والسكون والاستسلام ، ولم تقف يوماً من الأيام على أرض وداع .


فيما مضى ، كانت على أتم الاستعداد أن تضحي بكل شيء في سبيل إنقاذ أمها حين تعتادها فجأة نوبة قلبية كهذه .. ولم تكن تشعر حينها برغبة قوية في البقاء لو ماتت .


واليوم ،



تسلل هذا الغريب إلى قلبها فتمكن منه فاستوطن ، وباتت تشعر برغبة قوية .. لا بل عارمة في البقاء على قيد الحياة ولو من أجله هو على الأقل.

* * * * * * * *

مضى من الوقت قرابة الساعة ، كانت كافية جداً أن تجعل غيوم تخترق مسافات بعيدة وسط الأحراش والأدغال التي بين القرية والكوخ ، وكانت برشاقة وخفة تتنقل كالسهم بين الصخور والأشجار العالية يلحقها الغلام من ورائها والدهشة تملأ عينيه ، لا يدري ما الذي أصاب غيوم هكذا !!

لم تكن تنطق بحرف واحد لكن صوت أنفاسها المتحشرجة وهي تلهث ؛ تحرق مسامعه ..

وصوت سكينها الحادة المعلقة على خصرها ، وهي ترتطم في كل مرة بصخرة عارضة ؛ يبعث في نفسه الرهبة .

وكانت عينا غيوم كعيني ذئب مزق الجوع أحشاءه وبدأ يجري بلا هوادة .


لقد اطمأنت على حال أمها بعض الشيء قبل أن تغادر .. ولم تدر ما تصنع في هذه الساعات التي نامت فيها ..

إلا أنها لم ترد أن تضيع الدقائق والثواني الثمينة في التفكير حتى وجدت نفسها وقد دنت من الكوخ !

وحين شارفت على الوصول قبيل منتصف الليل ، لمحت حركة غير عادية هناك !!


كان المكان حول الكوخ يضج بالحركة الدائبة !!

بحارة هنا وبحارة هناك ، وكأنهم جاؤوا لغزو الجزيرة .

وقد أضاء المكان الذي بين الكوخ والقارب في شاطئ البحر ؛ عقد ٌ من المصابيح المضاءة التي كان البحارة يحملونها في أيديهم وهم ينقلون الأغراض والحاجيات وكأنهم سيمكثون هنا أياماً طوال .

داخل الكوخ .. كان كريم في نشوة وسعادة غامرة وسط والده , وأخته الصغيرة , والقائد سميع الرحمن ( وسيرين بالطبع ) , وعدد من الأصدقاء البحارة الذين يعرفونه من قبل
وقد بدأ عليهم الفرح والسرور لرؤيته . ولم يستطيعوا إخفاء تأثير الفرحة على وجوههم وخصوصاً "سيرين " التي لم تعد اليوم خجولة ولم تتفطن لتصرفاتها وعباراتها !! فاختلطت دموع الحزن بدموع الفرح في عينيها ولم تبتعد كثيراً عن كريم بل كانت شبه ملتصقة به طوال الوقت وتنتقل معه هنا وهناك في منظر لفت نظر تلك الفاتنة وهي ترقب المشهد من بعيد بعيني ذئبة وسط الأحراش .

كان كريم يهم بفتح أحد البراميل التي أحضرها البحارة معهم من بلاد العرب مملوءة تمراً وزبيباً وشيئاً من التين المجفف ..

آه كم يحب التمر فعلاً .ثم توقف فجأة عن المحاولة وكأن حاسته السادسة قد أيقظت وجدانه الغافل .....

سدد نظره وتجاويف أنفه ناحية الظلام ، ثم خرج مسرعاً خارج الكوخ وسلك طريقاً متعرجاً بين الأشجار بسرعة رهيبة حتى توسط داخل تجويف كبير هناك وسط الظلام وبدأ ينادي بصوت خافت غير مسموع : " غـــيوووووم " غيوووووم هل أنتِ هنا ؟؟

لم يرجع صدى صوته بغير حروفه التي قال !!


فلف يديه حول فمه بشكل بوق مستدير وصرخ في الهواء بصوت عالٍ جداً و بكلمة واضحة وهو يدور حول نفسه ويقول :


" كرييييييييم نااااكوبينديا غيووووووووم " !!!

الحب خطر
13-01-2005, 11:34 AM
الجزء الرابع عشر



مضت ثوان ٍ يسيرة ، حتى خرجت غيوم من وسط الظلام يتبعها إهيكاواتا في إذعان ..



لم يتأخر كريم لحظة واحدة بل أمسك بيد الفاتنة وانطلق بها نحو الكوخ .


حين دخل كريم داخل الكوخ وبيده الفتاة ومن ورائهما الغلام سكت الجميع فجأة في ذهول

وكل فرد منهم يسدد نظره نحوهم !! ثم تقدم بها يخترق الصفوف حتى وصل حيث يجلس والده على السرير ..

_ كريم (وهو يخاطب والده ) : والدي .. هذه غيوم التي حدثتك عنها ..

حاول والد كريم أن ينهض من مكانه بصعوبة لثقل وزنه وطوله الفارع ، إلا أن غيوم عاجلته وانحنت وتناولت يده فقبلتها بأدب ظاهر قبل أن يتحرك من مكانه ، ولم تنطق الفاتنة بحرف واحد بعد . فقد أخرست مشاعر الوداع لسانها وأعجزته عن الحركة .

ثم عرفها كريم على أخته (رغد) ...

دنت منها غيوم بلطف وقبلت جبينها بحنان ظاهر على طقوس أهل الجزر وطريقتهم في السلام

عرفها بالقائد سميع الرحمن ـ الذي حياها بطريقة هندية مضحكة في شيء من الدعابة والإنحناء ـ وهو يتبسم ..


ثم وقفت غيوم وجهاً لوجه أمام شابة بيضاء جميلة تتطاير من عينيها نظرات غريبة رغم ثبات ملامح وجهها ( أو ربما كانت تتظاهر بذلك ) ، وكانت غيوم تشعر بفطرتها الأنثوية أن هذه الشابة رغم أدبها ، لن تكون مرحباً بها بدرجة كافية في عالم غيوم ؛ فيما إذا كانت ستنافسها على شيء من كريم ..



قطع عليهما كريم تبادل النظرات الحارة وهو يقول : وهذه "سيرين " ؛ زميلتي في الشركة التي أعمل فيها ( ثم غمز بعينه وهو يقول بالإنجليزية : وهي التي أقنعتني بركوب السفينة حتى تتخلص مني بهدوء ثم أطلق ضحكة قصيرة ) ..


صافحتها غيوم بخجل وتواضع ثم مرت من أمامها ومر من أمامها إهيكاواتا أيضاً لكن دون أن يصافحها !!!!

لقد صدق المسكين ببساطته وسطحيته أنها كانت بالفعل تنوي قتل صديقه كريم .


* * * * * * * *

كان جميع من في الكوخ ينظر إلى هذه الفاتنة الصامتة وهي توزع الابتسامات الصفراء وكأنها تحفة بشرية نادرة تمشي على الأرض ، وقد أسرت الجميع بجمالها الطاغي وعذوبة ملامحها الآسيوية المشبوبة بحمرة أهل الجزر وعنفوانهم وقوة إرادتهم ..

ورغم أن الخجل الشديد ، والشعور بالحرج والارتباك كان ظاهراً بوضوح على محياها ؛ إلا أن ذلك الأمر _ إضافة إلى رهبة الموقف _ لم يمنعاها من أن تأخذ بيد كريم في زاوية من زوايا الكوخ ..

ثم همست بكلمات ساحلية متلعثمة لم يفهم منها حرفاً واحداً ثم انطلقت خارج الكوخ وسط دهشة الجميع !!!

وقبل أن يهم إهيكاواتا باللحاق بها ، استوقفه كريم وقد أمسك بيده وسأله بالإنجليزية : " ماذا كانت تقول " ؟

_ إهيكاواتا : قالت " أمي تحتضر كريم "

ثم خرج مسرعاً على أثر غيوم !!!

لم يكن إهيكاواتا يعرف بالتحديد سبب صمت غيوم .. ولم يكن في سن يسمح له بشكل أكيد أن يفهم نفسية الأنثى وعقليتها المعقدة ، خصوصاً حين تكون المسألة تتعلق بقلبها ..

إلا أنه يفهم جيداً أن الأمر يتعلق برحيل كريم ، وبشكل أو بآخر يتعلق بمصيرها هي حين يقرر الرحيل عن الجزيرة بلا رجعة .




هذا كل الذي يعرفه الآن .. ثم كف عن التفكير وراح يتبع غيوم بين الأشجار والصخور في صمت كامل حتى وصلا القرية .

* * * * * * *


كانت ملامح وجه كريم لا تغيب عن عيني غيوم وهي تتلمس في شرود ذهني مطبق خطواتها بحذر بين الصخور وممرات الجبال ..

وكانت ترى قسمات وجهه ترتسم لها على كل صخرة تصادفها .

بل إنها تراه يتبسم إليها بين الأغصان وترى ظله في كل منعطف ..

وقد استقر في أعماق نفسها أنها ستراه ثانية ً ، وأن شعوراً غامضاً يصرخ في أعماقها الآن يؤكد لها أنه لن يرحل عن الجزيرة رغم كل شيء ..

أو أنه لو رحل ؛ فإنه حتماً سيعود .

ربما كانت تمارس مع نفسها نوعاً مبتكراً من تخدير المشاعر قبل الصدمة ، أو ربما أنها تحاول ابتكار مثبط بارد من بين براثن أحاسيسها الملتهبة ... من يدري ؟؟



* * * * * * * * *


حين وصلت مشارف القرية قبيل منتصف الليل ؛ شعرت بانقباض غريب في عضلة قلبها لا تدري ما سببه !؟ وراحت دقات قلبها تتسارع أكثر فأكثر !!

كانت تسير بخطى متثاقلة بين بيوتات القرية الحجرية المتناثرة بين الحقول ، وإهيكاواتا يتبعها كحارس أمين ، إلا أن النعاس – فيما يبدو – كان يتسبب في ارتطام رجليه بصخرة هنا أو جدار هناك ، وتنغمس أحياناً ببعض بقع الماء التي تكونت على أثر المطر الغزير الذي هطل على القرية هذا الصباح .

إقترب الاثنان من حي فقير لاح لهما من بعيد في أسفل الوادي ، ثم سرعان ما لفت انتباههما أن عدداً من سكان القرية يقفون مصطفين في طابور طويل لا يرون طرفه الأول ؟؟ وكل واحد منهم يحمل في يده مشعلاً تتراقص جذوته في الهواء الساكن .

وصلا عند آخر رجل كان في الطابور الطويل وما إن رآهما وسط الظلام حتى أطرق برأسه .. ثم لمحهما الثاني وأشاح بوجهه مثل الأول .. ثم فعل الثالث مثل الثاني .. ثم بدأت ملامح وجه غيوم تتبدل سريعاً ، ودقات قلبها ربما توقفت للحظات قبل أن تعاود الضخ من جديد بقوة وعنف
أكثر من ذي قبل !!

لم تعد تعي نفسها بعد ذلك غير خطواتها التي كانت بالكاد تحملها .


كل الذي كانت تذكره ؛ أنها تتبعت تعرجات الطابور الطويل وسط الحي حتى انتهى بها إلى باب بيتهم تماماً !!

كل الذي تذكره ؛ أن عدداً من نساء الحي قابلنها عند حلق الباب وحاولن بقوة التصدي لاندفاعها الثائر وكبت صرختها ..

وقد تيبست شفتاها ..

وجف حلقها ..

وتورمت عيناها من احتباس الدم !!


كل الذي تذكره ....


أنها قد تحولت إلى وحش هائج . وراحت تدفع بيديها العاريتين كل مخلوق يحاول تهدئتها أو اعتراض طريقها ..

كل الذي تذكره .. ..


أنها كانت تصرخ في حالة هستيرية بحثاً عن وجه تحبه كثيراً وتحن إليه لم تره بعد .. رأت كل الوجوه تقريباً إلا ذلك الوجه الدافئ ..



اخترقت الجموع المتراصة داخل البيت الصغير كصخرة تهادت على الأرض ، ثم التقطت علبة الدواء من على رف المطبخ وراحت دون شعور تلتف حول نفسها داخل المطبخ تبحث عن شيء لا تدري ما هو !! لقد فقدت تركيزها تماماً ..

سارت خطوات داخل فناء البيت..

ثم عادت إلى المطبخ وحملت بيدها جرة الماء واندفعت ثانية باتجاه غرفة أمها في صراع نفسي رهيب مع الحدث ، وفي موقف لم يكن في الوجود موقف ٌ أصعب منه .. ولا أقسى .


دفعت باب غرفة أمها برجلها تريد إعطاء أمها الدواء قبل فوات الأوان ثم تتفرغ بعد ذلك لمعرفة سبب تجمع هؤلاء الناس !!


لقد تأخرت عن موعد الدواء ساعتين تقريباً ..

يا الله .. لو أنها لم تذهب باتجاه الكوخ .. أو لو أنها لم تتأخر كثيراً هناك !!

دخلت الغرفة ولم يكن قد تبقى في الجرة غير بقايا من ماء في قعرها !!

لقد تناثر الماء في الطريق هنا وهناك نتيجة ارتجاف يديها بشكل رهيب ..

لم تقو أبداً على تهدئة نفسها الثائرة ..

ولا السيطرة على أعصابها المنهارة...

بل ، ولم تقو حتى على ضبط دقات قلبها المرتجف وسط تجاويف صدرها الذي بات يهتز .

ثم انكبت على طرف فراش أمها كالمعتاد وسط صيحات مكتومة من النسوة اللائي حولها وهن يرين الموقف ..

كانت غيوم في حالة من التخدير الكامل وكأنها في حلم طويل وكئيب ، أو تحت تأثير مخدر من النوع القوي لا تريد أبدأً اكتشاف مايجري حولها ، ثم كشفت الغطاء عن جسم أمها المسجى على الفراش وقد بردت أطرافه..

وراحت ترفع رأس أمها بين يديها كالمعتاد وتحشر في فمها المطبق حبة الدواء الأخيرة وتسكب ما تبقى من الماء داخل الجرة ويداها لا تكاد تسيطر عليهما من شدة ارتجافهما ...


وهي تردد بصوت خافت مخنوق : " أمي .. أمي

أمي هاكِ حبة الدواء ..

هيا افتحي فمك قليلاً أرجوكِ ..

لقد تأخرت عنك قليلاً أعرف ذلك لكن....

أعدك ألا أتأخر ثانيةً ...

أمي

أمي !!!!!!! "


ثم أطلقت في الهواء صرخة مدوية عالية أيقظت الطيور في عمق الغابة البعيدة في أطراف الجزيرة . ثم غابت عن الوعي .

الحب خطر
13-01-2005, 11:37 AM
× × × الفصل الأخير × × ×


هناك حول الكوخ ، كانت صبيتان تتطاردان ببراءة وعبث بريء ، تحاول كل واحدة منهما الإمساك بالأخرى ثم تضع على رأسها حفنة من تراب نظيف ثم تهرب لتختفي خلف الظلام
والأخرى تصيح وتولول ، ولا تشعران أنهما قد ابتعدتا قليلاً من أمام الكوخ إلا حينما ينهرهما السيد حمدان – والد كريم – ويأمرهما باللعب على مرمى من ناظريه ويكرر تأكيده في كل مرة ألا يربكا البحارة وهم يستعدون بهمة ونشاط في ترحيل أغراضهم إلى القارب من جديد استعداداً للانطلاق ..

أصدر السيد حمدان أوامره فجأة بضرورة العودة مع أولى ساعات صباح الغد ، فقد انتهت مهمتهم التي جاؤوا من أجلها وتوجب رحيلهم .

بينما كان كريم يتحدث مع والده على شرفة الكوخ يحاول إقناعه بالبقاء مزيداً من الوقت ويمهد في الوقت نفسه لإقناعه برغبته الأكيدة في الزواج من ابنة الجزيرة واصطحابها معه إلى بلادهم .

وكانت إجابات السيد حمدان حادة وحازمة ومختصرة ، ولم يظهر لكريم من خلالها أن والده
يبدي تسامحاً في هذا الجانب أو حتى تأييداً – ولو مبطناً – على اختياره ذاك ، بل راح يحاول ثنيه عن هذه الرغبة ويعده أنه سيجد في بلاده من هي أفضل له من غيوم .. وكان يصرح كثيراً بإعجابه بسيرين ، وثقته بأنها الأنسب له .


- كريم : ... ولكن .. أبي

إنني لا أنظر إلى سيرين إلا كما أنظر إلى أختي رغد . لم تكن يوماً سوى زميلةٍ في
العمل وأختٍ خارج هذه الحدود لا أكثر .

- السيد حمدان : ( وهو ينظر إلى الفتاة المنهمكة باللعب مع ابنته ) : -
يا بني .. إنه من الأجدى لك أن ترتبط بفتاة تناسبك في كل شيء....

- قاطعه كريم : .. أتعني .. أتعني أن تكون عربية !!؟؟
- السيد حمدان : لا .. ليس تماماً كريم ، كل الذي كنت أعنيه يا بني أن يكون الفارق
في كل شيء قليلاً حتى يحصل بينكما الوفاق والوئام .

- كريم : ألستَ تؤمن بالحب الصادق يا أبي ؟؟
أليس أنت الذي رباني على أن أفضل أصدقائنا وأنصع علاقاتنا هي تلك التي
تجمعنا بأشخاص نحتاج إليهم أكثر مما يحتاجون هم إلينا ؟؟؟
ألم تكن تنهاني دائماً عن مجالسة أولئك الذين يتسللون إلى جيبي عبر نافذة عواطفي ؟؟
- السيد حمدان : بلى .. ولكن ...
- كريم : .. أبي .. أرجوك .. بل أتوسل إليك إلا منحتني ثقتك التي اعتدت عليها .
إنك لم تتعرف على غيوم بشكل كافٍ يجعلك تحكم عليها هكذا !! ... لقد
لقد أنقذت حياتي مرات على هذه الجزيرة .. وتملكت مشاعري وعقلي وهي حتى هذه اللحظة لا تعرف من أكون .. ولا من أي بلاد أتيت ، لم تسألني يوماً ولم يخطر ببالها هذا ولا أظنها يهمها على الإطلاق ...

- قاطعه والده وهو يشعل غليونه بانزعاج ويسحب منه نَـفَـساً عميقاً يكاد يتسرب إلى أمعائه وأطراف رجليه وهو يقول :

كريم .. إنك في مقتبل العمر يا بني ، وأمك هناك في شوق حارق يكاد يأكل بعض أطرافها المشلولة .

لقد أسرّت إلي ذات ليلة أنها تفكر بجد في خطبة "سيرين " من أمها ، وأجدني أوافقها بلا شك وأظن أنها مغرمة بك كريم ..

ثم أردف يقول : آه لو تدري كم كانت قلقة وخائفة .. لا بل فزعة من اختفائك ربما أكثر مما أنا عليه وأمك.. لم تتخلف يوماً عن زيارتنا تترصد أخبارك ...

ثم قام يمشي خطوات متثاقلة باتجاه حد الشرفة المطلة على البحر وهو يقول بصوت منخفض : ولو أنني شخصياً أرغب في خطبة " هـيام " إبنة خالك إسماعيل محافظ المصرف المركزي .

- كريم (في أسى ولوعة ) : أبي .... أتوسل إليك إلا وقفت بجانبي وتفهمت رغبتي الأكيدة
ثم رفع بصره وشخص به إلى السماء وهو يقول : رباه كن معي أرجوك ... إنك تعلم الذي أبغيه في هذه الدنيا .

- السيد حمدان : كريم .. ما الذي دهاك يا بني !!
لم أرك يوماً في هذه الصورة من الإصرار والحماسة ... إسمع

... إن لم تعجبك سيرين .. ولا هيام .. فهناك ابنة عمدة المدينة..
وهناك الكثيرات والكثيرات من بنات الأسر العريقة .. وكلهن جميلات
وكلهن فاتنات ويرغبن بمثلك ..

- كريم : لكن ليس " كلهن " غيوم ..

ثم أبي .. كيف تحقق لإحداهن رغبتها ولا تحقق لي أنا رغبتي ...

- السيد حمدان : سبحان الله !!!

ما الذي يجعلك تميز " غيوم " هذه عن غيرها ؟؟؟؟؟
- كريم : أبي ..

إن كل كـُريَّـةٍ حمراء جديدة تسري في شراييني تشهد لها بالامتنان والفضل ..

ألا يكفي هذا !!؟؟

- السيد حمدان : كــــلا .. " قالها بشكل حازم يريد حسم الموقف بشكل نهائي ، ثم انصرف داخل الكوخ حيث فراشه ثم أغلق الباب بعنف !!! " .


* * * * * * * * *

وقف كريم يتأمل بقلق ، آثار الانزعاج التي كانت ظاهرة على ملامح وجه والده الهادئ على نحو لم يعهده منه من قبل !! ويسترجع شيئاً من شريط تسجيل الحوار الطويل في عقله الذي دار بينهما .. ثم خيبة أمله وقد استجمع غُـصـّةً في حلقه سدت مجرى الهواء حتى تكونت في مقلته دمعةٌ عصية تدافعه ويدافعها .. ثم أشاح بوجهه ينظر باتجاه الغابة التي بدت سوداء موحشة وهو يعلم يقيناً أن وراء هذا السواد الحالك يكمن أعظم سر في حياته ..
وأن هذه العوالم والحواجز التي تراكمت بينه وبين غيوم لن تثني عزمه عن نقبها حتى يصل إليها .

ثم تنبه لصوت سيرين التي أقبلت وبيدها رغد ، وقد أنهكهما التعب وقررتا أخيراً النوم قبل أن يتأخر الوقت أكثر ..
مرت من أمامه أخته أولاً فحيته ودخلت الكوخ تبحث عن حضن أبيها الدافئ ، ثم مرت سيرين وتوقفت أمامه لحظات لمحت فيها ابتسامة صفراء باهتة على وجه كريم ثم دخلت هي الأخرى وأغلقت الباب وراءها فلم يعد الكوخ يتسع لأكثر من ثلاثة أشخاص ، بينما نام الباقون متفرقين بين القارب وجنبات الكوخ .

لم يشعر كريم بنفسه إلا وقد ابتعد خطوات بعيدة عن الكوخ ، وهو يمشي حافي القدمين على تراب الشاطئ البارد ، وقد أدخل يديه في جيوب بنطاله يتحسس الذي استقر فيها منذ وقت ولم ير النور !!! وأخذ يسبح في بحر تفكير أعمق من المحيط الذي وقف قبالته يستنشقه بنهم .

" ليتهم تأخروا يومين أو ثلاثة ... ليتني لم أبعث نداء استغاثة !! لقد تأخرت كثيراً فيما يبدو

أبي ... أمي ... رغد ... سيرين ... آآآآآه ليتكم لم تجدوني "

أين هي الآن يا ترى !!؟؟ كيف غابت عن وداعي فجأة !! أتراه بسبب أمها المريضة ؟

أي يوم نحس ٍ هذا الذي سيقتلع جذوري من تراب آلادميرانتي بعد إذ استطابت ! " .

ظل يحدث نفسه والأسى يعصر قلبه المجهد ، وقد جثم على صدره إحساس بغيض بدنو ساعة الفراق .
إنه لم يعتد يوماً على عصيان أبيه ، لكنه قد يفعل هذه المرة إذا استوجب الأمر..

لم تكن حساباته _ منذ أن ركب البحر - تسير على النحو الذي يريد ؛ فلم يكن قد خطر بباله يوماً ما الذي سيؤول إليه الحال لو أنه عصى أباه وأمه وكل تعاليم الطاعة ونداءات الاستغاثة التي جاءت تناديه مع كل قطعة خشب من القارب الذي جاء بهم ؟؟؟

ما ذا لو أن والده أصر غداًَ على الرحيل بدون غيوم !!؟؟؟

ورغم أنه لا يتوقع حدوث أمر كهذا ، إلا أنه يبقى احتمال وارد على أية حال وهو أمر يستوجب معه التصرف بكل لباقة وضبط أعصاب .

كانت أفكاره تتلاطم بشكل متناسق مع تلاطم أمواج المحيط الهادر أمامه وهو شارد الذهن بينما كانت إحدى رجليه تخط على تراب الشاطئ أخاديد عميقة راح يحفرها مكوناً جملة ( شبه ) مفيدة ، وبحروف مقطعة بالكاد يصل إليها المد فيطمس شيئاً منها ثم ينحسر عنها مع حالة الجزر . ثم قفل راجعاً إلى الكوخ وقد أقسم بقسم استبطنه في قرارة نفسه .

* * * * * * * * * *


إحساس سيرين بالجوع الشديد ؛ كان أول المتسببين في استيقاظها قبل الجميع مع اختلاس خطوط الفجر الأولى مساحات نائية من الأفق المظلم .. وما كادت تفتح باب الكوخ بهدوء حتى قفز من بين يديها سنجاب بري صغير كان يبحث عن فتات خبز بين القدور ، وحين لمحها قام يتقافز بشكل مذعور ويتوارى عنها كأنما يلاعبها ، وهي تحاول الإمساك به بوداعة مصطنعة .. إلا أنه راح يبتعد عن الكوخ بالتدريج .. وهي تلاحقه حتى دخلا الغابة .

ولم تتفطن الشابة أنها قطعت مسافات بعيدة في عمق الأشجار فنسيت السنجاب من هول جمال الغابة في هذا الصباح الباكر وكأن الطبيعة تغني لها أغنية ترحيب خاصة وتفتح لها ذراعيها
وتقدم لها ما جادت به شجيرات التوت البري الأسود عوضاً عن القهوة العربية التي اعتادت عليها .
إن الغابة لم تكن – على ما يبدو – هي المرحب الوحيد في هذه الضيفة ( الدسمة ) ، فقد كان المرحبون كُثر بلا شك !!! وليس بالضرورة يأتون إليها يمشون على أقدامهم !!

كانت تقف بكل حنق وتطلق عبارات التأفف من هذه الأتربة والأوساخ تحت شجرة استوائية عملاقة من النوع المعمر.. وقد التفت أعداد من الشجيرات المتسلقة الخضراء على ساقها العريض ، ولم تكن تنظر فوق رأسها وكأنها تأمن تماماً هذه الناحية !! رغم أن نداء الفطرة في نفسها يصرخ في جوفها أن ثمة خطر محدق !! لقد كان لضعف خبرتها في هذا العالم الأخضر سبيلاً للنيل من لحمها الغض!!


وفجأة .. ودون سابق إنذار مرق من بين عينيها وميض شيء سريع لمع في الهواء قبل أن يستقر في جذع الشجرة كاد أن يلامس شحمة أذنها اليسرى !!

فالتفتت وراءها وإذ بها ترى سكيناً حمراء النصل وقد انغرزت في وسط رأس أفعى ضخمة مخيفة كانت قبل ثوانٍ تتدلى فوق رأسها تماماً .. والتصقت الأفعى ورأس السكين في عرض الساق .. وقد أطلقت الأفعى في نفس الوقت آخر صرخة مفزعة كُتمت على الفور حتى سقطت الأفعى بجسمها الطويل على الأرض!!

أصاب سيرين الفزع والخوف من هذا المنظر وراحت تلتفت يمنة ويسرة باتجاه مصدر السكين فلم تر ولم تسمع صوت أحد!!!؟؟؟

يبدو أن الذي أنقذها لم يكن يأبه لأمر السكين فلم يأتِ لأخذها " وربما لم يكن يأبه كثيراً حتى لأمر سيرين لكنه داعي الإنسانية المجردة فحسب " .

عادت سيرين باتجاه الكوخ تركض وتتخبط في طريقها حتى وصلت إليهم وقد استيقظ الجميع تقريباً فاندست من بينهم بكل هدوء ولم تتكلم عن شيء .

كانت جميع الحاجيات قد نقلت بسرعة إلى القارب ولم يكن قد بقي على اليابسة غير السيد حمدان وكريم والقائد سميع الرحمن وبعض رجالات القبيلة ذوو الوجوه المفزعة الذين اختبأوا يتلصصون من بين الأشجار يترقبون حركة الرجل الأبيض وهو يغادر جزيرتهم ويصطحبون معهم " ابن الحوت " الذي كانوا قد أحبوه بصدق هم أيضاً!!!

إلا أن رجال القبيلة لم يكن وحدهم الذي أحبه بصدق .. كما لم يكن وحدهم الذي يتلصص من بين الأشجار .. فقد كان هناك في وسط مغارة تطل على ناحية البحر من الشرق ثمة رقيب من نوع خاص ...

غارت عيناه من طول البكاء وقلة النوم حتى تكونت هالة سوداء حول الأجفان وقد تورمت

جلس القرفصاء على أرضية المغارة يتدلى من على خصره غمد سكين فارغ !!
ويعض بطرف أسنانه ركبتيه وكأنه يقشرهما من فرط القلق ، وقد لف يديه حول ساقيه وشعره الأسود الطويل قد سقط نصفه على أرضية المغارة السرية التي كانت الأشجار الكثيفة المتسلقة تخفي مدخلها بشكل محكم .

إنه المكان الوحيد الذي لم يكن يعرفه أحد على هذه الجزيرة إلا كريم .... وغيوم بكل تأكيد .

كان القائد سميع الرحمن يلقي النظرة الأخيرة داخل الكوخ للتأكد من أنهم لم يخلفوا وراءهم شيئاً ذا بال .. سوى المحول الكهربائي الثقيل الذي يبدو أنه مصنوع باليد .

وكان قارب صغير على حد الشاطئ ينتظره وقد توسطه السيد حمدان وكريم الذي لم يكن يكف عن الحديث الخافت مع أبيه يقنعه بأمر ما لم يكن أحد يفهمه أو يتسرب إلى مسمعه جملة مفيدة تبينه .
وما هي إلا دقائق بطيئة حتى سمع سكان الجزيرة صوت صافرات الانطلاق تنبعث من فوهة القارب الكبير والصواري ترتفع أشرعتها البيضاء العريضة وقد سدت الأفق وظهر وكأنه جزيرة عائمة تتحرك ببطء وتدفع موجات من الماء الأبيض باتجاه الساحل .

على الشاطئ كان رجال القبيلة يحبسون أنفاسهم بحزن وأسى لرحيله وهم يشيعونه بأبصارهم حتى اللحظة الأخيرة..

وفي المغارة كان الوضع أكثر حزناً وتأثيراً .. ولوعة.

أما في القارب فكان الجميع يتهللون فرحاً باستثناء كريم الذي أغلق على نفسه غرفة والده وهو يتحدث إلى أبيه ويتوسل .. وقد بدأ يشعر بارتخاء موقف أبيه بشكل مغاير عما كان عليه بالأمس.. يبدو أن أباه ازداد قناعة بإمكانية أن يقبل بغيوم ، ويبدو أنه لم ينم البارحة إلا وقد ناقش المسألة من عدة زوايا وبكل عقلانية وحكمة .. لعل من أهمها أنها اختيار ابنه بنفسه .. وأنها قد تكون أصدق له بمشاعرها من غيرها وأنها يقيناً ليست تطمع في شيء من ثروته عبر بوابة كريم .. كان يدرك هذا ويفهمه ، ويفهم في الوقت نفسه أن إجبار كريم على زوجة من اختياره هو أو اختيار أمه قد لا يكون بالقرار الموفق . إلا أنه بشكل أو بآخر كان يريد أن يتأكد بكل جلاء أن كريم عازم بالفعل على قراره ذاك وأنه ليس ثمة موانع على الجزيرة من زواجه بها .. ومن اصطحابها معهم بكل تأكيد .
صمت قليلاً يفكر..

ثم أطرق برأسه إلى الأرض ولم يجب على سؤال كريم الأخير حين قال له : أبي ...

هل لك أن تقبل يدي أمي بالإنابة عني !!!!؟؟؟

ثم خرج كريم ولم يغلق الباب وأنفاسه ثائرة وصعد السلم باتجاه سطح القارب الذي كان قد سار أمتاراً ليست بالبعيدة وسط البحر .. ولم يلق أية نظرات في وجه أخته رغد التي قابلته فزعةً على درجات السلم وهي تسمع صوته يرتفع في غرفة أبيها .. بل ولم يقف كثيراً أمام سيرين التي قابلته على السطح إلا أنه خطف من يدها السكين الحمراء التي يعرفها جيداً لكنه لم يكن يجد تفسيراً كيف وصلت إلى يد سيرين !!!

كل الذي يتذكره أنه سألها بكل انزعاج وحدة : ما الذي جاء بسكين غيوم هنا !!!!؟؟؟

وكل الذي تذكره سيرين أن كلماته تلك كان وقعها جلل وتأثيرها كالصاعقة في نفسها ، فقد أدركت أخيراً أن هذه السكين سكين غيوم ، وأن الذي أنقذها من موت محقق وسط الأشجار ما هو إلا غريمتها الفاتنة التي ظهرت في عالمها دون إذن .. وهذا يعني لها شيئاً جديداً لم تكن تتحسب له ..

أما كريم فقد كان يلفظ أنفاسه الأخيرة على هذا القارب الضخم الذي بدأ يبتعد عن الساحل ، ولم يكن يعي بشكل سليم كل تصرف يصدر عنه ، وهو يعبر لهم بطريقته الساحلية الجديدة أن قراره الأخير سيكون في عالم غيوم حتى الموت ، وأنه لن يبرح بعيداً بدونها مهما كلفه الأمر ، وهو القسم الذي استبطنه البارحة في نفسه ..
دنى من السطح بخطوات عجلى واسعة .. ثم استخرج من جيب بنطاله قلادة من أصداف ومحارات تتوسطهن قطعة صفـّير زرقاء تتلألأ ، ظلت قابعة في مكانها المكين حتى اللحظة الحاسمة ، وقد جاءت ..

فلبسها حول نحره وربطها من وراء عنقه وهو يمشي باتجاه الحافة وبدأت القلادة تعكس أشعة الشمس بصورة فريدة ورائعة لمحتها غيوم من وسط المغارة البعيدة هناك فأخرجتها من وسط الظلام الدامس وجاءت بها قبالة البحر، وقلبها يكاد يتزحزح من ارتجافه العنيف ..

ثم مزق قميصه وهو يخلعه ، ورماه على أرض القارب وشعره الطويل يتطاير في الهواء الطلق ... ثم رفع يديه عاليا في الهواء ، وقد ارتقى سياج حافة مؤخرة القارب وقال بأعلى صوته يريد إسماع أهل الجزيرة من بعيد : كرييييييييييييييييييييم ناكوبيندييييييييييييا غيوووووووووم

ثم أطبق بأسنانه البيضاء على حد شفرة السكين وقفز في الهواء قفزة عالية بعيداً عن جسم القارب ومروحته التي في عمق الماء ثم غاص هناك .. في نفس الوقت الذي كانت فيه غيوم هي الأخرى تركض بكل فرح وجنون باتجاه الموج القادم لملاقاة هذا الحبيب العائد من جوف أجمل وأنبل مفاجأة مرت بها في حياتها ..

وهو موقف لم يملك معه رجال القبيلة أنفسهم فخرجت جحافلهم بصفوف متراصة على الشاطئ إيذاناً باستعدادهم الكامل للدفاع عن صديقهم العزيز..


أما العاشقان فقد غابا تماماً في جوف الماء ولم يظهر لهما على السطح أثر حتى الآن ، وكل واحد في الفريقين يراقب المشهد وينتظر خروجهما في أي لحظة ..

كانت لحظات في غاية الروعة يقضيانها معاً تحت الماء .. لكن هذه المرة لا يدرون هل ستكون اللحظات الأخيرة .. أم الأولى التي تولد من جديد ..

أمر السيد حمدان القائد سميع الرحمن أن يوقف القارب على الفور وأن يتراجع إلى الوراء ببطء شديد ..

ثم خرجا معاً قرابة الشاطئ في مكان بعيد عن نقطة اللقيا ، وقد لبست غيوم القلادة
معلنة للجميع أن ابن الحوت خطبها أخيراً في حضرة أبيه " الحوت " وأن الأسماك قد شهدت مراسم الخطبة .. والتتويج ..

وقد ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه أبيه الحقيقي السيد حمدان ... بل إنه كان أول من صفق لهما بحرارة كأول تهنئة يتلقيانها من بشر .. ثم تعالت هتافات الجميع من على القارب وسط ضحكات ممزوجة بدموع نزلت من رغد وسيرين .. أما رجال القبيلة فقد بدأوا يتراقصون على الشاطئ بحركات متمايلة ويطبلون على دروعهم كتعبير بدائي متوارث حين تعم الفرحة أرجاء قلوبهم

* * * * * * * * * * *


لم تدم مراسم الزواج المختصر وبقاء القارب على الجزيرة أكثر من يومين . كان بالكاد يكفي لغيوم وكريم أن يقفا آخر الليلة الأولى خاشعين ساعات طويلة أمام قبر أم غيوم التي واروا جثمانها في نفس ليلة الزفاف . " لقد كان زفافاً أولياً فقط والباقي سيكون هناك "

ولم تنطق غيوم وهي تقف بإطراق على قبرها وبجانبها " ابن الحوت " إلا بكلمة واحدة قالت له فيها :((( لقد كانت تتمنى قبل موتها أن تراك ))) .

وفي الليلة الثانية كان أهل القرية يحتفلون بأول زفاف من نوعه وبهذه السرعة في الترتيبات التي شارك فيها كل محب لابن الحوت وعروسه ..

وكم كانت دهشة كريم وغيوم وهما على مدخل الحفل ، حين رأيا أم السيد " كبانجا " وقد جاءت تتكئ على ذراع ابنها السيد كبانجا ومعهما الطفلين التوأمين ..ثم أقبل صديقهم العزيز
أخيراً وما إن رآهما حتى احتضن بعضهم بعضاً في سعادة غامرة وقد اقترب منهم والد كريم في دهشة ، قال له كريم : والدي .. أعرفك بصديقي العزيز كاماواتا .. فغمزته غيوم بعينها فاستدرك .. لالا أقصد إيكمواتا وأحياناً أسميه كاكاواتا ثم نظر إلى غيوم يستنجدها فقالت : إنه إهيكاواتا سيد حمدان وهو يتيم الوالدين .. حياه السيد حمدان بالإشارة ثم استعد الجميع للقاء حاكم الجزيرة شخصياً الذي لبى دعوة والد غيوم وحرص بدوره على التعرف على الضيف الكبير السيد حمدان الذي منحهم مبلغاً ضخماً من المال لبعض مشاريع الجزيرة المستقبلية ، كما وعدهم بالمزيد من الدعم لأطفالها وأيتامها ..

أثناء حفل الزفاف هذا كان الجميع في غبطة وسرور وكان كريم وعروسه وأبوها والقائد سميع الرحمن وسيرين ورغد والحاكم ، بالإضافة إلى السيد كبانجا وعدد من الحاضرين في الشرفة العليا من الحفل إذ استأذنتهم العروس فجأة حين لمحت ضيفاً ثقيلاً يدخل من الباب الرئيس للمكان ولم تفلح محاولات كريم أن يمسك بها ويضبط أعصابها قبل أن ترتكب حماقة غير محببة تفسد أجواء ليلتها الحالمة .. وقبل أن تصل إلى الضيف الثقيل الذي يمسك بمنديله على أنفه من أثر الوعكة الصحية ، تناولت حلوى مدهونة بطبقة من الكريما البيضاء المخفوقة وتظاهرت أنها تعثرت في المشي فضربت بها في وجهه وقالت بصوت خافت : تفضل جلال هذه هدية من حطام السفينة التي غرقت .. فانفجر جميع الحاضرين يضحكون من شكل الرقيب جلال الذي جمدت أطرافه وهو يرى السيد الحاكم مع الحاضرين ، فلم يجد بداً من تغطية الحرج فضحك معهم .


------------------------ انتهت ---------------------

سامح
03-02-2005, 11:54 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد يظلم نص أدبي بـ(اليكترونيته) فالتصفح الالكتروني
يختلف تضامنا مع النص وغوصاً فيه عن التصفح الورقي
الذي ترينه أمامك وتستطعين تدوين ملحوظاتك عليه .

لكني سأتطفل تلبية لطلبك.. ولو أن علاقتي بالقصص
والروايات ليست وطيدة .

القصة في مجملها مكتملة من ناحية عناصر القصة
وأيضاً رفيعة من الناحية الأسلوبية .

الفكرة أحسن في نقلها .. ولكل توجهه نحو أفكار معينة يرغب
قراءتها والحصول عليها من القصص .

لكني أظنها الأقرب لذوق الغالب من أبناء هذا الزمن .

كنت أتمنى لو ( دسَّ ) فيها بعض القيم النبيلة .. لتكون أكثر
نضجاً .. وأعمق رؤية .. خصوصاً حينما تدور القصة حول
شاب مسلم مغترب .. فتتأكد قضية الصراع بين قيمه وعقيدته
والجو المتحلل الذي صار إليه .

فنياً ..
مشهد انقطاع الكهرباء .. شعرت بأن وصف الموقف يحتاج إلى
ضجيج أكبر .. الموقف أساسي في القصة وعليه تترتب العقدة والحل
فالأولى أن يكون أكثر تدافعاً وشداً في نقلها .

كان أداؤه في نقل الأحداث رائعاً في مشهد غيوم واللقاء بابن الحوت
واستمر حتى النهاية .

أفضل المقاطع ..وأشدها تأثيراً

( لم تعد تعي نفسها بعد ذلك غير خطواتها التي كانت بالكاد تحملها .


كل الذي كانت تذكره ؛ أنها تتبعت تعرجات الطابور الطويل وسط الحي حتى انتهى بها إلى باب بيتهم تماماً !!

كل الذي تذكره ؛ أن عدداً من نساء الحي قابلنها عند حلق الباب وحاولن بقوة التصدي لاندفاعها الثائر وكبت صرختها ..

وقد تيبست شفتاها ..

وجف حلقها ..

وتورمت عيناها من احتباس الدم !!


كل الذي تذكره ....


أنها قد تحولت إلى وحش هائج . وراحت تدفع بيديها العاريتين كل مخلوق يحاول تهدئتها أو اعتراض طريقها ..

كل الذي تذكره .. ..


أنها كانت تصرخ في حالة هستيرية بحثاً عن وجه تحبه كثيراً وتحن إليه لم تره بعد .. رأت كل الوجوه تقريباً إلا ذلك الوجه الدافئ ..



اخترقت الجموع المتراصة داخل البيت الصغير كصخرة تهادت على الأرض ، ثم التقطت علبة الدواء من على رف المطبخ وراحت دون شعور تلتف حول نفسها داخل المطبخ تبحث عن شيء لا تدري ما هو !! لقد فقدت تركيزها تماماً ..

سارت خطوات داخل فناء البيت..

ثم عادت إلى المطبخ وحملت بيدها جرة الماء واندفعت ثانية باتجاه غرفة أمها في صراع نفسي رهيب مع الحدث ، وفي موقف لم يكن في الوجود موقف ٌ أصعب منه .. ولا أقسى .


دفعت باب غرفة أمها برجلها تريد إعطاء أمها الدواء قبل فوات الأوان ثم تتفرغ بعد ذلك لمعرفة سبب تجمع هؤلاء الناس !!


لقد تأخرت عن موعد الدواء ساعتين تقريباً ..

يا الله .. لو أنها لم تذهب باتجاه الكوخ .. أو لو أنها لم تتأخر كثيراً هناك !!

دخلت الغرفة ولم يكن قد تبقى في الجرة غير بقايا من ماء في قعرها !!

لقد تناثر الماء في الطريق هنا وهناك نتيجة ارتجاف يديها بشكل رهيب ..

لم تقو أبداً على تهدئة نفسها الثائرة ..

ولا السيطرة على أعصابها المنهارة...

بل ، ولم تقو حتى على ضبط دقات قلبها المرتجف وسط تجاويف صدرها الذي بات يهتز .

ثم انكبت على طرف فراش أمها كالمعتاد وسط صيحات مكتومة من النسوة اللائي حولها وهن يرين الموقف ..

كانت غيوم في حالة من التخدير الكامل وكأنها في حلم طويل وكئيب ، أو تحت تأثير مخدر من النوع القوي لا تريد أبدأً اكتشاف مايجري حولها ، ثم كشفت الغطاء عن جسم أمها المسجى على الفراش وقد بردت أطرافه..

وراحت ترفع رأس أمها بين يديها كالمعتاد وتحشر في فمها المطبق حبة الدواء الأخيرة وتسكب ما تبقى من الماء داخل الجرة ويداها لا تكاد تسيطر عليهما من شدة ارتجافهما ...


وهي تردد بصوت خافت مخنوق : " أمي .. أمي

أمي هاكِ حبة الدواء ..

هيا افتحي فمك قليلاً أرجوكِ ..

لقد تأخرت عنك قليلاً أعرف ذلك لكن....

أعدك ألا أتأخر ثانيةً ...

أمي

أمي !!!!!!! "


ثم أطلقت في الهواء صرخة مدوية عالية أيقظت الطيور في عمق
الغابة البعيدة في أطراف الجزيرة . ثم غابت عن الوعي . )


المحول الكهربائي كنت مشغولا به كثيرا
ماذا لو كشف ( جلال ) أمره ؟!!!!!!

لكنه بقي في الكوخ ..

وانشغلنا بكريم وذهابه أو بقائه .( العقدة)

الحل انتهى إلى الزواج

لكن هل سيبقى كريم وعائلته في الجزيرة أم ماذا ؟

وإن كانت ( غيوم ) سترحل معه فكيف تترك جزيرتها
وتنطلق إلى المدينة والضجيج دون صراع ؟؟؟

صدقتِ ياأختي حينما وصفت الحب بالخطر
فكريم تخلى عن شوق أمه وأبيه ليبقى مع محبوبته !!!!!!

تبقى خيالاً

أخبريه فقط بأن لاينقطع عن قراءة أرباب الرواية
في العالم العربي.
وأن يضل- قبل ذلك - مرتبطاً بحفظ القرآن وتدارسه ..
فالتناص في قصته أكسبها ثقلاً ..

لكِ وللكاتب مئات التحايا بلا عدد .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ياسر الدوسري
03-02-2005, 02:11 PM
لعل لي طلة بعد قراءتها

الحب خطر
03-02-2005, 09:31 PM
[QUOTE]الرّسالة الأصليّة كتبت بواسطة سامح



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد يظلم نص أدبي بـ(اليكترونيته) فالتصفح الالكتروني
يختلف تضامنا مع النص وغوصاً فيه عن التصفح الورقي
الذي ترينه أمامك وتستطعين تدوين ملحوظاتك عليه .

لكني سأتطفل تلبية لطلبك.. ولو أن علاقتي بالقصص
والروايات ليست وطيدة .

القصة في مجملها مكتملة من ناحية عناصر القصة
وأيضاً رفيعة من الناحية الأسلوبية .

الفكرة أحسن في نقلها .. ولكل توجهه نحو أفكار معينة يرغب
قراءتها والحصول عليها من القصص .

لكني أظنها الأقرب لذوق الغالب من أبناء هذا الزمن .

كنت أتمنى لو ( دسَّ ) فيها بعض القيم النبيلة .. لتكون أكثر
نضجاً .. وأعمق رؤية .. خصوصاً حينما تدور القصة حول
شاب مسلم مغترب .. فتتأكد قضية الصراع بين قيمه وعقيدته
والجو المتحلل الذي صار إليه .

فنياً ..
مشهد انقطاع الكهرباء .. شعرت بأن وصف الموقف يحتاج إلى
ضجيج أكبر .. الموقف أساسي في القصة وعليه تترتب العقدة والحل
فالأولى أن يكون أكثر تدافعاً وشداً في نقلها .

كان أداؤه في نقل الأحداث رائعاً في مشهد غيوم واللقاء بابن الحوت
واستمر حتى النهاية .

أفضل المقاطع ..وأشدها تأثيراً

( لم تعد تعي نفسها بعد ذلك غير خطواتها التي كانت بالكاد تحملها .



المحول الكهربائي كنت مشغولا به كثيرا
ماذا لو كشف ( جلال ) أمره ؟!!!!!!

لكنه بقي في الكوخ ..

وانشغلنا بكريم وذهابه أو بقائه .( العقدة)

الحل انتهى إلى الزواج

لكن هل سيبقى كريم وعائلته في الجزيرة أم ماذا ؟

وإن كانت ( غيوم ) سترحل معه فكيف تترك جزيرتها
وتنطلق إلى المدينة والضجيج دون صراع ؟؟؟

صدقتِ ياأختي حينما وصفت الحب بالخطر
فكريم تخلى عن شوق أمه وأبيه ليبقى مع محبوبته !!!!!!

تبقى خيالاً

أخبريه فقط بأن لاينقطع عن قراءة أرباب الرواية
في العالم العربي.
وأن يضل- قبل ذلك - مرتبطاً بحفظ القرآن وتدارسه ..
فالتناص في قصته أكسبها ثقلاً ..

لكِ وللكاتب مئات التحايا بلا عدد .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


[align=center][B] سأقوم بإرسال هذه الرسالة إليه حتى يعمد إلى تفسير ما ورد بتعقيبك

:) ثم إنني أعتقد والله العالم أن هذا الكاتب يحفظ الكثير من آيي الذكر الحكيم وهو من أكثر الناس الذين عرفتهم تمسكاً بالقيم والمبادىء والقيم عدا أن دراسته الفرنسية قد صبغت قصته بطابع غربي ربما أو خارج عن المألوف

سامح

كم من أوطان الورد أرسل ؟ لتفي بكرمك

الحب خطر
03-02-2005, 09:44 PM
الرّسالة الأصليّة كتبت بواسطة عاشق البيان
لعل لي طلت بعد قراءتها

عاشق البيان بانتظارك :)

طلت أم طلة ؟

الحب خطر
04-02-2005, 03:37 PM
الأستاذ سمح مع التحية

هذا رد المهاجر


أقول وبكل صدق إن شاء الله :
" لو خيرني ربي بين حسنة وبين أن يقيض لي من يبصرني بعيوبي وأخطائي لربما ترددت كثيراً " هل بلغت رسالتي ؟؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . وليتك تركت شيئاً لـ " أحسَنَ منها أو ردّوها "

قد يظلم نص أدبي بـ(اليكترونيته) فالتصفح الالكتروني
يختلف تضامنا مع النص وغوصاً فيه عن التصفح الورقي
الذي ترينه أمامك وتستطعين تدوين ملحوظاتك عليه .
( هذه لم أفهم المقصود منها !! )

لكني سأتطفل تلبية لطلبك.. ولو أن علاقتي بالقصص
والروايات ليست وطيدة .

( نعم لاحظت ذلك )

القصة في مجملها مكتملة من ناحية عناصر القصة
وأيضاً رفيعة من الناحية الأسلوبية .
( إطراء أعلقه إكليل ورد على هامة كريم )

الفكرة أحسن في نقلها .. ولكل توجهه نحو أفكار معينة يرغب
قراءتها والحصول عليها من القصص .
( فهمت الذي تعني تماماً وقد بلغت رسالتك صندوق البريد الصحيح )

لكني أظنها الأقرب لذوق الغالب من أبناء هذا الزمن .
( التدرج حسنٌ في كل شيء وقد نبلغ الغاية يوماً .. من يدري !!)

كنت أتمنى لو ( دسَّ ) فيها بعض القيم النبيلة .. لتكون أكثر
نضجاً .. وأعمق رؤية .. خصوصاً حينما تدور القصة حول
شاب مسلم مغترب .. فتتأكد قضية الصراع بين قيمه وعقيدته
والجو المتحلل الذي صار إليه .
( أصبت ورب الكعبة لكنك نسيت أنها رمزية من جهة ونسيت الذي قلتُه في مقدَّمتها - إن كانت نُقلت إليك بتمامها - ثم أنك نسيت زمن القصة أنها وقعت بُعيد فترة الاستعمار الانجليزي ولعلك تتصور حال العرب المسلمين إذ ذاك ولم تدر أحداثها في زمن الصحوة ، كما أن مستوى تمسك عائلات وأبناء المسلمين ليس سواء .. ولا تزال عائلات خليجية تغرق في وحول كهذه مع الأسف..
ولا تنس التشويق ومن كتبت إليه وأنها .... رمزية !!
هل أوضح أكثر !!؟؟
لكن لعلي أتشرف مستقبلاً بقراءتك لروايتي الثانية " معاناة يتيم " وسترى فيها أهدافاً وغايات نبيلة وقيم شرعية تأصيلية مع مراعاة التدرج .

فنياً ..
مشهد انقطاع الكهرباء .. شعرت بأن وصف الموقف يحتاج إلى
ضجيج أكبر .. الموقف أساسي في القصة وعليه تترتب العقدة والحل
فالأولى أن يكون أكثر تدافعاً وشداً في نقلها .
لا سيدي هنا لا أوافقك الرأي !!
الموقف نتيجة وليس حدث وهو واحد من عدة نتائج لحدث أكبر ؟؟كيف؟؟
الحدث : الإعصار
النتائج : دوامات / إضطراب جسم السفينة / انقطاع التيار / موت وتدمير/ تشتت التجمعات الصغيرة داخل السفينة / وقوع الصارية / غرق .... إلخ
وأعدك أنني حين أفرغها في كتاب مطبوع أنها ستأخذ وقتاً وحجماً أكبر
فلكل عالم ما يناسبه ( هنا ما الحجازية بمعنى الذي ) .

كان أداؤه في نقل الأحداث رائعاً في مشهد غيوم واللقاء بابن الحوت
واستمر حتى النهاية .

أفضل المقاطع ..وأشدها تأثيراً

( لم تعد تعي نفسها بعد ذلك غير خطواتها التي كـ ...
....
المحول الكهربائي كنت مشغولا به كثيرا
ماذا لو كشف ( جلال ) أمره ؟!!!!!!
وهذه واحده من مميزات القصص والروايات ؛ أن ذهنك يتعلق ببعض جزئياتها وتعلق به طوال فترة القراءة وليست مقصود القاص وإنما تظهر عرضاً للمساعدة في نقل الحدث من حروف إلى صور كأنها تتحرك أمامك ...

لكنه بقي في الكوخ ..
لك أن تتخيل أن جلالاً جاء وأخذه بعد ذلك ما المشكلة !!؟؟

وانشغلنا بكريم وذهابه أو بقائه .( العقدة)
وهو الذي كان يريده الكاتب بلا شك ( التركيز على العقدة لا على الحواشي )

(الحل) انتهى إلى الزواج

لكن هل سيبقى كريم وعائلته في الجزيرة أم ماذا ؟
ربما لم يتنبه الأخ أنني أشرت أنه زواج مبدئي أو أولي وسيكون الزواج الكبير هناك في بلد كريم ولست أدري كيف يسأل ناقد بصير سؤال كهذا ؟؟

وإن كانت ( غيوم ) سترحل معه فكيف تترك جزيرتها
وتنطلق إلى المدينة والضجيج دون صراع ؟؟؟

إنها قصة رمزية وليست ( مذكرات يومية ) ولو أردنا مواصلة تتبع الأحداث لما انتهت أي قصة مكتوبة ...


أخبريه فقط بأن لاينقطع عن قراءة أرباب الرواية في العالم العربي.
بلغ..
وأن يضل- قبل ذلك - مرتبطاً بحفظ القرآن وتدارسه ..
قد نصحت أيها اللبيب بخير لا فض فوك .. وقد محضت النصح لأخ ٍ لك لم تلده أمك.. ولولا خشية أن يحبط عملي لأخبرتك الذي يطمئن إليه قلبك ، لكنني أسأل الله لي ولك ولها ولجميع المسلمين الثبات على أرض حق لا تميد.
فالتناص في قصته أكسبها ثقلاً ..
لم أفهم كلمة " التناص " ؟؟؟

لكِ وللكاتب مئات التحايا بلا عدد
إنما التحايا والتحيات لله وحده جل شأنه وليست للبشر وهذا من الأخطاء التي شاعت . . ( أنظر فتاوى سماحة العلامة ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره التشهد في الصلاة ) ..
لك مني وللأخت المبدعة الناقلة ( صاحبة الطراز الفريد من نوعها ) تحية أحمديّة طيبة مباركة بعدد أنفاسكما التي تتردد في صدريكما حتى تلقون ربكما وهو عنكما راض ٍ غير غضبان .

سامح
04-02-2005, 08:46 PM
الأخت / الحب خطر ..

شكراً لنشاطك ..

حماسك لأدباء موقعك .. يحدثني بخواطر كثيرة

لك التحية .. والتقدير ..





إلى الأخ / المهاجر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. مرة أخرى

أهلاً بك
ونحن إنما نناقش النصوص من رؤيتنا التي قد
تختلف عن رؤىً كثيرة
بعض القصص تعجبني .. وأجد أن جلَّ أصدقائي من
المهتمين بالأدب لاتعجبهم
وبعضها تروق لأرباب الأدب بينما لاأمسك الصفحة
الأولى إلا وأغلقتها مباشرة .

نؤمن تماماً بأن الرؤى تختلف وتتباين .
كما أقدر لك ملاحظتك على عدم حميمتي للقصص .



قد يظلم نص أدبي بـ(اليكترونيته) فالتصفح الالكتروني
يختلف تضامنا مع النص وغوصاً فيه عن التصفح الورقي
الذي ترينه أمامك وتستطعين تدوين ملحوظاتك عليه .
( هذه لم أفهم المقصود منها !! )

أقصد بأن قراءة نص مدون على صفحات كتاب .. يختلف
عن قراءته في الشبكة العنكبوتية .. فلاتعجبك بعض طقوسه
في الشبكة وتستيغها في الكتاب
أتمنى أن أكون وضحت المقصود .


( أصبت ورب الكعبة لكنك نسيت أنها رمزية من جهة
ونسيت الذي قلتُه في مقدَّمتها - إن كانت نُقلت إليك بتمامها
- ثم أنك نسيت زمن القصة أنها وقعت بُعيد فترة الاستعمار
الانجليزي ولعلك تتصور حال العرب المسلمين إذ ذاك ولم تدر
أحداثها في زمن الصحوة ، كما أن مستوى تمسك عائلات
وأبناء المسلمين ليس سواء .. ولا تزال عائلات خليجية
تغرق في وحول كهذه مع الأسف..ولا تنس التشويق
ومن كتبت إليه وأنها .... رمزية !!
هل أوضح أكثر !!؟؟

أعلم هذا .. ولكني أؤمن بأن الأديب باستطاعته نقل
قيم نبيلة .. ولو إيحاءً بوصف حاله الحقيقة .. وليس
ضرورياً أن نجعل منهمتديناً على كل حال .
تبقى الرؤى مختلفة .. قد أستسيغ مالايستسيغه غيري ..
وقد لاأستسيغ مايقبله غيري .

( رمزية )

أغريتني بأن أسأل كيف ماهو منظورك لرمزية القصة ؟


( لكن لعلي أتشرف مستقبلاً بقراءتك لروايتي الثانية
" معاناة يتيم " وسترى فيها أهدافاً وغايات نبيلة
وقيم شرعية تأصيلية مع مراعاة التدرج( .

ثق – بداية – أني لاأتهم نبلك في الكتابة .. بل على
العكس فإنك قد وضعت لك مكاناً كبيراً في داخلي من
الاحترام والتقدير لقلمك الناضج .وسأضل متشوقاً
لروايتك الثانية .



( لا سيدي هنا لا أوافقك الرأي !!
الموقف نتيجة وليس حدث وهو واحد من عدة نتائج لحدث أكبر ؟؟كيف؟؟
الحدث : الإعصار
النتائج : دوامات / إضطراب جسم السفينة / انقطاع التيار / موت
وتدمير/ تشتت التجمعات الصغيرة داخل السفينة / وقوع الصارية
/ غرق .... إلخ )

كنت أتحدث عن حدث الإعصار بشكل عام .. ولكن بداية خفة الضجيج
الذي لَحِظْتُه من هناك .


وأعدك أنني حين أفرغها في كتاب مطبوع أنها ستأخذ وقتاً وحجماً أكبر
فلكل عالم ما يناسبه ( هنا ما الحجازية بمعنى الذي ) .

سأنتظر نسختي بكل شوق :)

المحول الكهربائي كنت مشغولا به كثيرا
ماذا لو كشف ( جلال ) أمره ؟!!!!!!
وهذه واحده من مميزات القصص والروايات ؛ أن ذهنك
يتعلق ببعض جزئياتها وتعلق به طوال فترة القراءة وليست
مقصود القاص وإنما تظهرعرضاً للمساعدة في نقل الحدث
من حروف إلى صور كأنها تتحرك أمامك ...

لكنه بقي في الكوخ ..
لك أن تتخيل أن جلالاً جاء وأخذه بعد ذلك ما المشكلة !!؟؟

وانشغلنا بكريم وذهابه أو بقائه .( العقدة)
وهو الذي كان يريده الكاتب بلا شك ( التركيز على العقدة
لا على الحواشي )

فقط هو نقل لحالة شعورية أثناء القراءة .

(الحل) انتهى إلى الزواج

لكن هل سيبقى كريم وعائلته في الجزيرة أم ماذا ؟
ربما لم يتنبه الأخ أنني أشرت أنه زواج مبدئي أو أولي
وسيكون الزواج الكبير هناك في بلد كريم

لَحِظْتُ مبدئيةالزواج .. ولكن أموراً في القصة
أغرت الذهن بالذهاب إلى غير ماقصدت .

ولست أدري كيف يسأل ناقد بصير سؤال كهذا ؟؟

محدثك الفقير إلى الله لم يصل بعد لمرتبة ( ناقد ) هو مجرد
( متذوق ) يستمتع بالغوص في جمال النصوص الأدبية
ويأنس بارتشاف خيالها ونبضها وبيانها .. وليس أكثر من ذلك .


وإن كانت ( غيوم ) سترحل معه فكيف تترك جزيرتها
وتنطلق إلى المدينة والضجيج دون صراع ؟؟؟

إنها قصة رمزية وليست ( مذكرات يومية ) ولو أردنا
مواصلة تتبع الأحداث لما انتهت أي قصة مكتوبة ...

مشهد صغير قد يخلق جواً مثيراً آخر في القصة ..


( قد نصحت أيها اللبيب بخير لا فض فوك .. وقد محضت
النصح لأخ ٍ لك لم تلده أمك.. ولولا خشية أن يحبط عملي
لأخبرتك الذي يطمئن إليه قلبك ، لكنني أسأل الله لي ولك
ولها ولجميع المسلمين الثبات على أرض حق لا تميد.)

مرة أخرى لاتؤول كلام محدثك على غير ماأجراه إليه ..
فقط هو التذكير بالاستمرار ياأخي الكريم .

فالتناص في قصته أكسبها ثقلاً ..
لم أفهم كلمة " التناص " ؟؟؟

التناص يشمل الاقتباس من القرآن الكريم والسنة وتضمين
الشعر .. وهو مصطلح حديث .



إنما التحايا والتحيات لله وحده جل شأنه وليست
للبشر وهذا من الأخطاء التي شاعت
( انظر فتاوى سماحة العلامة ابن عثيمين
رحمه الله في تفسيره التشهد في الصلاة )

أشكرك بلا عدد أيضاً للتنبيه .
فائدة قيمة .. وأتمنى لو أحلتني للمرجع الذي
أجد فيه الفتوى ..
وفقك الله .


لك مني وللأخت المبدعة الناقلة( صاحبة الطراز الفريد
من نوعها ) تحية أحمديّة طيبة مباركة بعدد أنفاسكما
التي تتردد في صدريكماحتى تلقون ربكما وهو عنكما
راض ٍ غير غضبان .

ولك تحية أعظم وأشرف
وتقدير بلا حدود ..
بوركت
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحب خطر
05-02-2005, 02:10 PM
الرّسالة الأصليّة كتبت بواسطة سامح
الأخت / الحب خطر ..

شكراً لنشاطك ..

حماسك لأدباء موقعك .. يحدثني بخواطر كثيرة

لك التحية .. والتقدير ..






أستاذ سامح

قالوا كثيراًً

من تدخل فيما لا يعنيه لقي مالا يرضيه

أعتذر جداً عن كل شيء ولعل أهم ما أعتذر عنه تكبدك مشقة تحليل القصة

صدقني ندمت كثيراً أن طلبت نقد للقصة وندمت أكثر لأنني لا أتعلم من أخطائي

أيها الأستاذ الطيب

لك وطن من الورد أنثره بين أياديك البيضاء

أما أنا

سأقول

لا مساس

سامح
05-02-2005, 05:47 PM
الأستاذة / الحب خطر

رجاءً لاتعتذري

بل تقبلي شكري وامتناني الغير محدود .

(صدقني ندمت كثيراً أن طلبت نقد للقصة
وندمت أكثر لأنني لا أتعلم من أخطائي )

كلنا هنا للتعلم

وتخالط البدايات أخطاء كثيرة

نحتاج فقط أن نصححها .. ونكمل المسير

سنصل حتماً .




أدباء كثيرون يزعجهم فضول ( المتذوقين ) !

لاعليكِ

فقط ..

أتمنى أن تصل رسالتي الثانية إلى القاص .

لك التحية ..ووافر من التقدير ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحب خطر
06-02-2005, 06:45 AM
الرّسالة الأصليّة كتبت بواسطة سامح


أدباء كثيرون يزعجهم فضول ( المتذوقين ) !



ليس ذاك سامح صاحب القصة لم ينزعج بأمر النقد على العكس لكنها الحياة تعلمنا دوماً



الرّسالة الأصليّة كتبت بواسطة سامح


أتمنى أن تصل رسالتي الثانية إلى القاص .


أفعل إن شاء الله

الحب خطر
06-02-2005, 02:14 PM
أستاذ سامح

:)

<< مزعجة

هل نستخدم أل التعريف في كلمة غير ( الغير) ؟ سمعت دوماً أنه لا يمكن اقترانها بأل

تقبل تحيتي

سامح
08-02-2005, 03:28 PM
صحيح وذلك ؛ لأنها موغلة في الإبهام .

الحب خطر
08-02-2005, 03:39 PM
الرّسالة الأصليّة كتبت بواسطة سامح



بل تقبلي شكري وامتناني الغير محدود .



هذه صحيحة ؟:)

بل تقبلي شكري وامتناني غيرالمحدود ؟

سامح
11-02-2005, 12:07 AM
هل كان ذلك رمياً بي

لابأس كنت أردد دائماً حينما يخطأ أحد أساتذتنا

زلة عالم !

وهاأنا أقول الآن زلة متعلم ..

:)

لك التحية والشكر

مكاننا يحتم مثل هذا الشفافية في التقويم

والتي نحتاجها جميعاً

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته