المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : عن الجماعة اللغوية



مهاجر
20-12-2009, 08:38 AM
الجماعة اللغوية هي جماعة تتكلم بلسان واحد يمثل نوعا من أنواع الحد لها فيجمع اللسان أفرادها ويمنع غيرهم من الدخول فيها فهو نوع من أنواع التقسيم الإنساني يعتمد على فصل اللسان ، كما أن الجماعة الدينية ، كما ذكر في مواضع أخر ، تعتمد على فصل الدين ، فالدين معيارها قربا وبعدا ، فكل من كان أقرب إلى أصل الديانة ، كان أمكن في الجماعة من جهة انطباق التعريف عليه ، ولذلك يختلف الولاء والبراء تبعا لبعد وقرب أفراد الجماعة الدينية من تحقيق التعريف الشارح لمعناها ، فهو وصف قد علقت عليه أحكام من قبيل الولاية والعداوة ، وهو في نفس الوقت وصف تتفاوت فيه الأفراد ، بل تتفاوت فيه أحوال المكلف الواحد فتارة يعلو فيقترب من تحقيق معنى الحد ، وتارة يدنو فيبتعد فلا يبقى له من شدة الوصف إلا ما يتحقق به أصل الانتساب إلى الجماعة الدينية ، وهو ما اصطلح على تسميته في الدراسات الشرعية بــ : مطلق الإيمان الذي يخرج به العبد من حد الكفر إلى حد الإيمان فيحصل به التمايز بين القبيلين ، وإن لم يكن صاحبه مثالا صالحا على كل معانيه فقد فاته من معاني الإيمان الكثير ، والمثال لا بد أن تتوفر فيه كل صفات المحدود عند من يعرف بالمثال أو يورده مورد البيان لمجمل الحد الشارح تقريبا للأذهان ، وذلك لا يكون إلا لمن بلغ درجة : الإيمان المطلق ، فذلك مثال واف لكل أركان الحد ، وإن لم يوجد في عالم الشهادة إلا نادرا ، وعلى نفس المنوال يكون فصل اللغة المميز لأفراد الجماعة اللغوية الواحدة ، فلو كان الفصل هو العربية ، على سبيل المثال ، فاللسان العربي هو المعيار قربا وبعدا ، فكل من كان أقرب إلى أصل اللسان ، كان أمكن في الجماعة من جهة انطباق التعريف عليه ، ولذلك يختلف الولاء والبراء تبعا لبعد وقرب أفراد الجماعة اللغوية من تحقيق التعريف الشارح لمعناها ، ولكنه في الغالب يكون برسم التعصب المنهي عنه شرعا فإنه يخرج فئاما من دائرة الموالاة إلى دائرة الحياد وربما المعاداة لكل ما هو غير عربي إن كان اللسان معقد ولاء وبراء كما هو حال كثير من القوميين الذين صيروه أيضا : وصفا قد علقت عليه أحكام الولاية والعداوة القلبية ولكل حده الشارح لجماعته الجامع لأفرادها ولو على مقالة فاسدة تصير رباطا جامعا الطارد لغيرهم ولو كانوا أصح ديانة وعقلا ، فذلك التزام حزبي ، كما يقول ساسة العصر ، فلكل حزب لوائحه التي تفصل أفراده عن بقية أحزاب الجماعة ، فـــ : "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ" فكلٌ فَرِح بما وضعه عقله فصيره معيارا يقيس به غيره كمالا بموافقته ونقصانا بمخالفته ، ولا بد للإنسان بما أعطي من قوى الإحساس من معيار يزن به غيره ، فهو ثمرة تصوراته العلمية التي تغذي قوى قلبه الإرادية حبا للموافق وبغضا للمخالف فـــ : "الأرواح جنود مُجَنَّدة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف" ، فإن لم يهتد إلى المقياس الصحيح ، وهو مقياس النبوات لكونه أحكم المقاييس وأوسعها دائرة فهو لا يعتمد صفات وهبية من قبيل اللسان الذي ينشأ الفرد عليه جبرا بحكم لسان الجماعة التي يعيش فيها ولو لم يكن من جنسها ، كما قرر ذلك علماء اللغة في معرض إبطال مقالة من زعم تأثير الجنس على رقي اللغة ، وهي كما ذكر في مواضع أخر ، دعوى عنصرية تقوم على مبدأ التفاوت بين أفراد النوع الإنساني مع رجوعهم إلى أصل واحد ، فالتمايز الكوني بينهم لا يكون إلا بتوقيف من خبر الوحي ليفصل النزاع بين الأمم التي تدعي لنفسها الفضائل وترمي غيرها بالمعايب فكلها دعاوى من جنس : "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" ، و : شعب الله المختار ، والجنس الآري الأرقى ، والإنسان الأوروبي الأعلم والأحكم ، والفارسي الكسروي ، والعربي الأبي ........ إلخ فلكل دعواه ، وكلها ، كما تقدم ، دعاوٍ تعتمد على أوصاف جبلية لا تصلح معيارا للتحسين والتقبيح ، فلا تعلق أحكام المدح أو الذم على طول القامة أو زرقة العيون ....... إلخ ، فكم من وسيم قد هلك ، وكم من دميم قد نجا ، وإنما يتفاوت الناس بما قام في قلوبهم من معان مكتسبة تصلح لتعليق أوصاف المدح أو الذم عليها ، ولذلك جاء الوحي بأوصاف عامة يستوي المكلفون من جهة القدرة على تحصيلها ، فتكليف المرء بأن يكون مؤمنا ممكن ، بخلاف تكليفه بأن يكون أوروبيا أو إفريقيا أو عربيا أو عراقيا أو مصريا ...... إلخ ، فذلك على حد تكليفه باختيار أبويه ، وتلك أمور لا يقدر عليها لتعلقها بالقدر الكوني ، فبطل التكليف بها إذ لا يكون التكليف إلا بمقدور وهو ما جاء به القدر الشرعي من أجناس العلوم والأعمال الصالحة التي يستوي الأفراد في تحصيلها من جهة صحة الآلات فتلك الاستطاعة الشرعية مناط الابتلاء والثواب والعقاب على موافقته أو مخالفته .

والشاهد أن المعايير التي يحكم بها على الجماعات لو ردت إليهم ما سلم معيار من النقد لكونه مدخولا من جهة نقص علم واضعه ، فلا يدرك من معاني الحسن والقبح إلا ما أدركه عقله ، وليس عقله بأكمل عقل ، ولو كان كذلك فهو محجوب عن كمال المعرفة إذ له حدود لا تتخطاها قواه التصورية والإدراكية ، ومعيار الوحي قد رد الأمر ابتداء إلى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، ولم يجحف العرب حقهم إذ منهم قد بعث الرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلسانهم أكمل لسان ، إذ لا يختار الشارع ، عز وجل ، لبيان وحيه إلا أكمل الألسنة نطقا وأقدرها على أداء المعاني كما أثبتت ذلك الدراسات الحديثة ، وذلك من العطاء الكوني الذي يهبه الله ، عز وجل ، من شاء من خلقه ، فلهم فضيلة على بقية أجناس البشر ، ولكنها ليست فضيلة عامة في كل عربي ، بل هي من قبيل تفضيل الجنس على الجنس فلا يلزم منه أن يكون كل فرد من أفراد الجنس الفاضل أفضل في نفسه من كل فرد من أفراد الجنس المفضول ، بل ذلك أمر أغلبي ، فجملة جنس الرجل ، على سبيل المثال ، أفضل من جملة جنس المرأة ، ولا يعني ذلك أن كل رجل في نفسه أفضل من كل امرأة بل منهن من تزن أمة من الرجال ، وكذلك حال العرب مع غيرهم فتفضيلهم على غيرهم كلي باعتبار الجنس لا جزئي باعتبار الأفراد ، فقد يفضل الأعجمي أمة من العرب ، ولكن لا تكون جملة الأعاجم أفضل من جملة العرب ، وإلا ما بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب ، فلو كان غيرهم أفضل باعتبار المجموع لبعث منهم النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

واللسان العربي في نفس الوقت ، كالديانة ، وصف تتفاوت فيه الأفراد ، بل تتفاوت فيه أحوال المكلف الواحد فتارة يعلو فيفصح فيقترب من تحقيق معنى الحد ، وتارة يدنو فيلحن فيبتعد فلا يبقى له من شدة الوصف إلا ما يتحقق به أصل الانتساب إلى الجماعة اللغوية ، فيمكن تسميته بــ : "مطلق اللسان" على وزان : مطلق الإيمان الذي يخرج به الفرد من حد العجمة إلى حد العربية وإن لم تكن فصحى فيحصل به التمايز بين القبيلين ، وإن لم يكن صاحبه مثالا صالحا على كل معانيه فقد فاته من معاني الفصاحة الكثير ، والمثال ، كما تقدم ، لا بد أن تتوفر فيه كل صفات المحدود عند من يعرف بالمثال أو يورده مورد البيان لمجمل الحد الشارح تقريبا للأذهان ، وذلك لا يكون إلا لمن بلغ درجة الفصحى المطلقة على وزان الإيمان المطلق ، فذلك مثال واف لكل أركان الحد .

وهكذا يمكن حد كل جماعة تمتاز بوصف يميزها عن بقية النوع الإنساني فهي تتفاوت في شدته ، بل يتفاوت الفرد الواحد فيه شدة أو ضعفا ، فيقوى حتى يبلغ الكمال ويضعف حتى يصل إلى أدنى الدرجات بل ربما يخرج صاحبه عن حد الجماعة فيصير من جماعة أخرى وإن أظهر الانتساب إلى الجماعة الأولى ككثير ممن نقض عرى الملة ، فمرق منها بالكلية ، مع دعواه بأنه فرد من أفرادها بل ربما ادعى لنفسه فيها الصدارة ! ، وكحال كثير من أبناء العرب الذين يتربون في مجتمعات غربية فيكتسب لسانهم اللكنة الأعجمية التي تضعف عربيتهم بل ربما أصابتها في مقتل فصاروا عجما خلصا مع كونهم عربا من جهة التقسيم البشري الديموجرافي .


ومن العرب من يتضجر من انتمائه إلى لسان العرب ، ولا يكون ذلك إلا رقة في الديانة للتلازم الوثيق بين الإسلام دينا والعربية لسانا فهي أداة تبليغ الوحي ، ولذاك حرص المستعمر الثقافي ، إن صح التعبير ، على طمس الهوية الدينية والهوية اللسانية معا ، وفرنسا ، بوصفها دولة كما يقول بعض الفضلاء تستعمر غيرها استعمارا ثقافيا قاهرا بفرض لسانها عليه ، تعد مثالا ظاهرا لهذا النمط من الحرب الدينية اللغوية ، ولذلك رفع من قاومها كالشيخ عبد الحميد ابن باديس ، رحمه الله ، في الجزائر شعار : "الإسلام ديننا والعربية لغتنا" ، فمقابل الغزو الديني : "الإسلام ديننا" ، وهو أمر تعاني منه الجزائر حتى اليوم ككثير من دول العالم الإسلامي التي عصفت بها رياح التنصير ، كمصر وتونس والمغرب خصوصا على تفاوت بينها فعصف الريح يشتد في تلك الدول لقربها من القارة الأوروبية فضلا عن وجود كتلة نصرانية تشكل جزءا من نسيج المجتمع المصري توصف بأنها أشد كتل نصارى الشرق تعصبا وتحرقا لحرب الإسلام وأهله وواقعهم المعاصر ، لا سيما في السنوات الأخيرة التي استطالوا فيها على ثوابت الديانة ، خير شاهد على ذلك ، وقل مثل ذلك في دولة مشرقية كالعراق بعد سقوطها في قبضة النصارى برسم الحرب الصليبية الجديدة فهي تشهد موجات تنصير عاتية لدقة ظرفها الإنساني وحرجه بعد انهيار مؤسسات الدولة وشيوع الفوضى وما يصاحب ذلك من ظروف إنسانية واجتماعية قاهرة ، وما ذلك إلا انتهاز ، عرف به النصارى ، للظرف الإنساني الحرج الذي تعيشه تلك الدول من رقة في الدين والدنيا معا وهو أمر يمهد الطريق لأي فكر منحرف ، ومقابل الغزو اللغوي : "العربية لغتنا" ، إذ اللغة ، كما تقدم ، لسان الوحي الناطق ، فلا يمكن لمن لا يتقنه ، ولو جزئيا ، أن يؤدي العبادات التوقيفية التي لا تسقط إلا بالعجز عن تعلمها كقراءة الفاتحة في الصلاة وسائر أذكارها المخصوصة وصفا وقدرا ، وفرنسا إذ تسلك هذا المسلك المجحف تباين دولا أخرى كبريطانيا ، على سبيل المثال ، فقد استعمرت غيرها استعمارا سياسيا واقتصاديا بالدرجة الأولى ، فلا يعنيها كثيرا فرض لسانها وآدابها اللغوية على الأمم التي تقهرها بحد السيف العسكري .

والشاهد أنه متى كان لسان فصيح فذلك مظنة الإسلام الصحيح ، ومتى عدم أو داخلته العجمة دخل على الإسلام من النقص بقدر ذلك .


وقد وضع علماء اللغة معايير متباينة لتعريف الجماعة اللغوية فمنها :

أولا : المغيار اللغوي :
فأصحاب هذا المعيار يعتمدون في تحديد الجماعة اللغوية على حد الفرد الذي يتكلم بها ، وذلك لا يحسم النزاع في تصنيف من يتكلم أكثر من لغة في إطار جماعة واحدة فمن يتكلم بالعربية والنوبية في جنوب مصر على سبيل المثال لا يمكن تصنيفه تبعا لهذا المعيار إذ تتنازعه كل جماعة منهما ، فلسانه العربي يجعله عضوا في الجماعة العربية ، ولسانه النوبي يجعله عضوا في الجماعة النوبية ، فجنسيته اللغوية مزدوجة ، والفصل لا يكون إلا على حد الإفراد لأفراد محدوده عن غيرهم فلا يقع التداخل بينهم كما هو واقع في هذه الصورة التي صار فيها الفرد عضوا في جماعتين ، فهو بمنزلة القاسم المشترك الأكبر الذي يقع به العموم والخصوص الوجهي بينهما بتقاطعهما في هذا الفرد المشترك ، وتلك نسبة لا تصلح للحد ، إذ يجب ان تكون نسبة المحدود إلى غيره نسبة تباين يقع بها الفصل الكامل بينهما .

ثانيا : الوحدة السياسية :
فلكل دولة في دستورها المكتوب مادة تنص على لغة الدولة الرسمية ، وإن لم تكن هي اللغة المستعملة في أنشطة الحياة اليومية ، ويرد على ذلك أن هذا التعريف لا يحد أفراد الجماعة الناطقة بلسان واحد في كيان سياسي واحد فليس كل من يتكلم الإنجليزية بريطانيا ليصح هذا الحد السياسي ، بل منهم الأمريكي والنيجيري والكيني والنيوزيلندي ...... إلخ من الدول الناطقة بالإنجليزية ، وقل مثل ذلك في اللغة العربية فليس كل من يتكلمها عربيا من أهل اليمن معدن العروبة الخالص ، بل منهم المصري والعراقي .......... إلخ فلا كيان سياسي يجمعهم مع تبجحهم بشعارات الوحدة وإقامتهم لمؤسسات صورية كالجامعة العربية التي ليس لها من اسمها نصيب ! .


والمشكلة الأخرى في هذا المعيار أنه يلغي أي لغة أخرى غير اللغة الرسمية في الكيان السياسي التي يتكلم سكانه أكثر من لغة ، ففي فرنسا ، على سبيل المثال ، يوجد إلى جانب الفرنسية : البريتونية والباسكية ، والدستور ينص على أن الفرنسية هي اللغة الرسمية للكيان السياسي الفرنسي ، وذلك إلغاء لأي خصوصية ثقافية لأصحاب تلك اللغات ، وهو أمر يؤدي إلى حدوث تصدعات اجتماعية داخل الدولة الواحدة كما هو الحال في تركيا على سبيل المثال إذ القومية الكردية تصطدم باللسان التركي لسان الدولة الرسمي استبقاء لخصوصيتها الثقافية ، وكذلك حال البربر والعرب في شمال إفريقية ، فالقومية البربرية تصطدم باللسان العربي لسان الدولة الرسمي ، وقل مثل ذلك في إسبانيا حيث يصطدم الباسك باللغة الإسبانية ، وقل مثله في كل دولة تتكون من قوميات مختلفة لكل منها لسانه الناطق . ومراعاة أحوال الناس وخطابهم بما يفهمون من الألفاظ والمعاني أمر معتبر في شريعة الإسلام ، فقد كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخاطب كل قبيل من العرب بلغته ، كما في حديث كعب بن عاصم ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "ليس من امبر امصيام في امسفر" وهي لغة حمير الذين يبدلون لام "أل" ميما كما ذكر ابن هشام ، رحمه الله ، في "شرح قطر الندى" .

يقول الشاطبي ، رحمه الله ، قي "الاعتصام" :
"وَيُرْوَى : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَيُدَالِكُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَانَ مُلْفَجًا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا قُلْتُ وَمَا قَالَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : قَالَ : أَيُمَاطِلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ إِذَا كَانَ فَقِيرًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : كَيْفَ لَا وَأَنَا مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ ؟ .

فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ تَدَلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ اللُّغَةِ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ بَعْضِ الْعَرَبِ ، فَالْوَاجِبُ السُّؤَالُ كَمَا سَأَلُوا فَيَكُونُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَإِلَّا زَلَّ فَقَالَ فِي الشَّرِيعَةِ بِرَأْيِهِ لَا بِلِسَانِهَا" . اهــ

ومن مأثور كلام علي رضي الله عنه : "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم" .


وإذ فشل الكيان السياسي في حل هذا الإشكال فإن الكيان الديني هو الكيان الوحيد الذي يمكنه استيعاب كل تلك الأطياف وإزالة ما بينها من خلافات ثقافية ، إذ يجمعهم برباط الدين ، وهو أقوى رباط معنوي ، باستقراء تاريخ الأمم وأحوال النفوس ، ويراعي في نفس الوقت : البعد الثقافي لكل جماعة ، ولا أدل على ذلك من شريعة التخفيف على غير العرب في العبادات التوقيفية إلى أن يتعلموا القدر المجزئ لتصحيح عباداتهم ، وعالمية الرسالة الخاتمة تقتضي من المرونة في هذا الشأن ما لا تقتضيه الرسالات السابقة ، فهي محلية قد نزلت على جماعات بعينها بلسانها الخاص دون أن تؤمر ببلاغ عام .


ثالثا : التفاهم المشترك :
ويرد على ذلك أن بعض أبناء اللغة الواحدة قد يصعب التفاهم بينهم مع كونهم من جهة الحد الجامع المانع ينتمون إلى لغة واحدة ، فالإيطالي الذي يعيش في مدينة "تورينو" القريبة من فرنسا يجيد التفاهم مع الفرنسيين بكفاءة أكبر من تفاهمه مع بقية أبناء إيطاليا لا سيما من يقطنون أماكن بعيدة عن تورينو كمدن الجنوب الإيطالي ما كونه إيطاليا مثلهم .

وقل مثل ذلك في تفاهم المصري مع الجزائري أو المغربي ، فكثير من المصريين لا يستوعب لكنة أهل المغرب العربي ، مع كون جميعهم من الناحية التقسيمية الاصطلاحية : عربا .

ويرد على ذلك أيضا أنه :
على العكس مما تقدم قد يقع التفاهم المشترك بين أبناء لغتين متباينتين ، ولو من جهة التقسيم الاصطلاحي ، فكثير من لغات الدول المتجاورة ، لا سيما الأوروبية تكاد تكون متطابفة ، أو قريبة الشبه جدا من بعضها البعض ، فالسويدي والنرويجي ، مع اختلاف لغتيهما ، يتفاهمان بكفاءة أكبر من تفاهم المصري مع المغربي على سبيل المثال مع اتحاد لغتهما القياسية : العربية الفصحى ، وقل مثل ذلك في الإسباني والبرتغالي ، فإن اللغتين تتشابهان إلى حد كبير ، ويظهر ذلك بوضوح في أسماء الأفراد ، بل البرتغال تاريخيا هي إمارة أو ولاية من مملكة نصرانية من ممالك نصارى الشمال هي : مملكة جليقية ، فلم تظهر إلى الوجود ، كما ذكر الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله في "تاريخ دولة الإسلام في الأندلس" إلا منتصفَ القرن الثاني عشر الميلادي ، ومع الخلاف الشديد بين ممالك النصارى في الشمال والذي وصل إلى صيرورتها مع صغر مساحة إسبانيا النصرانية آنذاك خمس ممالك : قشتالة وليون وأراجون ونافار والبرتغال ، وتقاسم بعضها بعضا في انتهازية سياسية ظاهرة كما وقع من أراجون وقشتالة اللتين اقتسمتا نافار ، إلا أن الروح الصليبية الجامعة قد وحدت تلك الجموع ضد المسلمين في معركة العقاب سنة 609 هــ بقيادة محمد الناصر لدين الله ، غفر الله له على ما كان منه من تفصير ، فتوحدت تلك الجموع بما فيها مملكة نافار التي استعادت وجودها مرة أخرى ، ومع ما تكنه لمملكتي قشالة وأراجون من حقد وعداء تاريخي إلا أن ذلك لم يمنعها من المشاركة في هذه المعركة لرد هزيمة "الأرك" ، سنة 591 هــ ، التي هزمت فيها قشتالة بمفردها أمام يعقوب المنصور ، رحمه الله ، فذلك مما يؤكد مرة أخرى أن العامل الديني يقدم على كل العوامل اللسانية والسياسية بل ويزيل العداوات بين أهل الملة الواحدة فعند الشدائد تذهب الأحقاد ، ولم يكتسب المنصور ، رحمه الله ، تلك المكانة السامية في تاريخ المسلمين مشرقهم ومغربهم إلا لكونه قد عبر إلى الأندلس برسم الانتصار من ألفونسو الثامن الذي سخر من الإسلام ونبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلم يكتسبها لكونه عربيا أو مغربيا أو موحديا ، فالعامل الديني هو الذي بوأه تلك المكانة ، وهو الذي بوأ ألفونسو الثامن نفس المكانة في قلوب النصارى بعد انتصاره على محمد الناصر ، وحديثا نجد من الخلافات العميقة بين أمريكا وفرنسا ذات النزعة الكاثوليكية الحساسة لكل من يتعرض لقيمها وثقافتها لا سيما الثقافة الواردة من الشاطئ الآخر من الأطلنطي ، نجد من ذلك ما قد ظهر وعلم ، ولذلك لم يعد ساكوزي يحظى بنفس التأييد الشعبي الذي حمله إلى سدة الحكم لكونه مقتفيا آثار أمريكا على نحو بأنف منه الفرنسي ذو الشخصية القومية المستقلة ، ومع ذلك لا يجد ذلك الفرنسي غضاضة ، بل يرجب بالمشاركة في احتلال بلاد الأفغان المسلمة تحت قيادة أمريكا عدوده الثقافي اللدود ، فمرد الأمر ، كما تقدم ، إلى العامل الديني الذي يظهر بوضوح في أزمنة الحروب والصراعات المسلحة .


والشاهد أن هذا التفاهم بين البرتغالي والإسباني ، فلغتهما لاتينية الطابع ، من العلامات الدالة على وحدة اللسان أو قربه الشديد ، فقد يتفاهم الاثنان ، أيضا ، بكفاءة أكبر من تفاهم المصري مع المغربي .

رابعا : الشعور بالانتماء إلى جماعة لغوية واحدة :
فذلك أمر يرجع إلى نفس الأفراد فهم يعدون أنفسهم متكلمين بلغة واحدة وإن لم يحصل التفاهم الكامل بينهم لخصوصية كل جماعة جزئية داخل الجماعة الكلية بلهجة خاصة ، فهم يجتمعون على تراث أدبي مشترك وتاريخ في مجمله مشترك ، فكتاب سيبويه ، رحمه الله ، مصدر أصلي من مصادر العربية في مصر والعراق ، على سبيل المثال ، فلا يقع التفاوت من هذا الوجه ، وتاريخ البلدين وإن اختلف في أحداثه الجزئية اختلافا بينا إلا أن الأصول العامة له واحدة فهو تاريخ إسلامي بالدرجة الأولى ، وإن اختصت كل دولة بتاريخ حضاري خاص ، ولكن الاشتراك في تاريخ ما بعد الإسلام قد أزال كثيرا من الفوارق بين الأمتين ، بغض النظر عن النعرات القومية التي ظهرت في بدايات القرن الماضي ، فذلك معيار ثقافي عام يجمع أصحاب اللغة الواحدة .
وأما المعيار اللغوي فهو صورة مثالية مجردة لما ينبغي أن تكون عليه لغة الكتابة من الفصاحة والبيان ، وهذا أمر مشترك بين البلدين أيضا ، إذ الفصحى لا تختلف باختلاف الأمصار ولذلك فإن كتب التراث توجد في كلا البلدين على حد سواء بخلاف كتب القصص الشعبي المكتوب باللغة العامية ، على سبيل المثال ، فإن لكل دولة منه موروثها الخاص بها فلا تشاركها الدولة الأخرى فيه ، فالاشتراك كما قرر المحققون من أهل العلم يقع دوما في المعاني الكلية ، فالتاريخ المشترك معنى كلي تندرج تحته شعوب العالم العربي ، واللغة الفصحى المعيارية معنى كلي آخر ، ولو وسعت الدائرة فشملت بقية دول العالم الإسلامي لازداد عدد الأفراد بسقوط قيد اللغة المعيارية ، فإزالة القيد عن المعرف تزيد عدد الأفراد الداخلين في حده ، وذلك ، كما تقدم ، جار على ما اطرد من عالمية رسالة الإسلام ، فدائرتها دوما أوسع من أي دائرة اجتماعية أو لغوية أو تاريخية ...... إلخ فالجامعة الإسلامية خصوصا والدينية عموما أكثر الجامعات قبولا للأفراد الساعين إلى الالتحاق بها .

وثم أمر آخر تجدر الإشارة إليه وهو التداخل بين دوائر الأنماط اللغوية حتى داخل المجتمع الواحد فأستاذ الجامعة يتكلم مع الطلبة بنمط غير الذي يتكلم به مع الباعة ، وغير النمط الذي يتكلم به مع أعضاء النادي الرياضي الذي يتردد عليه ، وغير النمط الذي يتكلم به مع أبنائه ، وغير النمط الذي يلاطف به زوجه ........... إلخ ، فالبعد النفسي في هذا الموضع له تأثير ظاهر .

والله أعلى وأعلم .


هذه الفائدة أصلها من مبحث "التنوع اللغوي" من كتاب "محاضرات في علم اللغة العام" تأليف : د/ محمد حسن عبد العزيز ، و : د/محمد يوسف حبلص .
ص108_115 .