المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من مادة "خلق"



مهاجر
22-12-2009, 08:32 AM
جاء في "لسان العرب" :
"والخَلْقُ في كلام العرب ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه وكل شيء خلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه (أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين) قال أَبو بكر بن الأَنباري الخلق في كلام العرب على وجهين أَحدهما الإِنْشاء على مثال أَبْدعَه والآخر التقدير وقال في قوله تعالى : (فتبارك الله أَحسنُ الخالقين) معناه أَحسن المُقدِّرين وكذلك قوله تعالى : (وتَخْلقُون إِفْكاً) أَي تُقدِّرون كذباً وقوله تعالى : (أَنِّي أَخْلُق لكم من الطين) خَلْقه تقديره ولم يرد أَنه يُحدِث معدوماً" . اهــ

فالخلق إما أن يطلق على :
التقدير : ومنه قول الشاعر :
ولأَنْتَ تفري ما خَلَقْتَ ******* وبَعْض القوم يَخْلقُ ثم لا يفري
وعليه صح إطلاق لفظ الخلق على البشر من هذا الوجه فهم يقدرون أمرهم على وجه لا يخرج عن تدبير الرب ، جل وعلا ، الكوني النافذ ، فيدبرون أمر الدين بإقامة الشعائر وطلب العلم والقتال ذبا عنه ونشرا له في حال القدرة ........ إلخ من التقديرات التي تتعلق بوسعهم وطاقتهم ، ولذلك كان ابتلاؤهم يتحصيل أسبابها ، فذلك مما يدخل في حد القدرة البشرية ، وهي متعلق التكليف الشرعي ، فقد أمر العباد على جهة الإيجاب أو الندب بتحصيل أسباب مراضي الرب ، جل وعلا ، ولا تكون إلا شرعية محبوبة له ، فلم يؤمروا بتدبير أسباب الكون من إجراء للشموس والأجرام في أفلاكها ، وتعاقب لليل والنهار .... إلخ من التقديرات الكونية المتعلقة بمشيئة رب البرية ، جل وعلا ، فذلك مما لا يدخل في حد الوسع الذي تعلق به التكليف كما جاء في التنزيل : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فقد ابتلى الرب ، جل وعلا ، العباد بالإيمان بالقدر الكوني النافذ الذي لا يتعلق باستطاعتهم الشرعية التي يتعلق بها التكليف فليس لهم إلا الإيمان به إذا وقع إذ لا راد لقضاء الرب ، جل وعلا ، الكوني النافذ ، إلا إن كان مما يستعان على رفعه بالأسباب المشهودة من أسباب الدنيا أو الدين من دعاء ونحوه فإنه يدخل آنذاك في مقدور العبد فيتعلق به التكليف الشرعي ، وابتلاهم ببذل أسباب القدر الشرعي الحاكم فذلك كما تقدم متعلق التكليف إذ هو مما يقدرون على مباشرة أسبابه ، فضابط المسألة الجامع : أن كل ما قدر عليه العبد من أسباب الشرع فعلا أو تركا فهو مخاطب به على حد التكليف : الواجب أو المندوب فعلا ، و : المحرم أو المكروه كفا ، وكل ما قدر عليه من أسباب الكون فهو على حد الإباحة إلا أن يصيره العبد بالنية مرادا لغيره فيستعين به على فعل واجب أو مندوب فيتعلق به المدح من هذا الوجه لا لذاته ، أو على فعل محرم أو مكروه فيتعلق به الذم من هذا الوجه لا لذاته ، إذ قد صار وسيلة إلى مقصد فأخذ حكمه ، فللوسائل أحكام المقاصد ، وكل ما لا يقدر عليه من أحداث الكون من شروق شمس وتعاقب ليل ونهار أو مصيبة موت ...... إلخ فذلك مما لا يتعلق به تكليفه ، فلا خلق له فيه ، على ما تقدم من تأويل الخلق بالتقدير .

فالعبد يخلق بمعنى أنه يقدر بمباشرة الأسباب تذرعا بها إلى مسبَّباتها سواء أكانت شرعية أم كونية فهو يبذل سبب الطاعة من سعي وأداء للصلوات وإخراج للزكوات ....... إلخ ، ليتوصل بذلك إلى رضا الرب ، جل وعلا ، فهو المسبَّب الأعظم والمراد الأسمى . وهو مع ذلك مفتقر أبدا إلى إعانة الرب ، جل وعلا ، له ليباشر السبب ، فلن يخرج خلقه بتدبير الأسباب عن خلق ربه ، جل وعلا ، الشارع لهذه الأسباب إن كانت شرعية المكون لها إن كانت كونية ، المجري لها وفق سنن محكم ، فقد جعل الرب ، جل وعلا ، في الأسباب الشرعية ما يتوصل به إلى نيل رضاه ومحبته فهي العلة المؤثرة فيها بحصول المسبب من رضا الرب جل وعلا ومحبته فرعا عن مباشرة سببه من مراضيه ، عز وجل ، التي شرعها على ألسنة رسله عليهم السلام وأنزلها في كتبه ، وجعل ، تبارك وتعالى ، في الأسباب الكونية قوى التأثير في إحداث مسبَّباتها فجعل في النار قوة الإحراق التي بها يقع الفعل فهو فرع عن سببه الكوني ، وقل مثل ذلك في الأكل فهو سبب حدوث الشبع بعده فبه تحصل اللذة التي يجدها الآكل عقيبه ، فالسنة مطردة في كلا النوعين : الشرعي والكوني فلا يتوصل إلى المراد إلا ببذل سببه ، ولا يكون ذلك إلا بإقدار الرب ، جل وعلا ، للعبد على ذلك ، فلن يقدر العبد على مباشرة أي سبب شرعي أو كوني إلا إن أذن ، تبارك وتعالى ، به إذنا كونيا نافذا ، فالعبد يتوكل على مجري الأسباب ويسعى في تحصيلها فذلك حده الذي ينتهي إليه تكليفه ، وأما حصول المسببات فليس ذلك إليه ، فمريض يباشر سبب الدواء فيشفى ، وآخر يباشره فيهلك مع كون العلة واحدة والدواء واحدا ، فلا يؤمر أحدهما بترك السبب لعدم جدواه ، بل يؤمران جميعا بمباشرة سببه ، وأما الشفاء فليس لهما أو للطبيب أو للملك الموكل بتأويل قدر الله ، عز وجل ، فيهم بإحياء أو إماتة ، بل هو للرب ، جل وعلا ، وحده فهو متعلق مشيئته النافذة في عباده بكلمات الكونيات التي لا مبدل لها فقد سطرت في اللوح المحفوظ على حد الجزم والإبرام فلا تقبل نسخا أو تخصيصا .


فيصح من هذا الوجه إطلاق لفظ الخلق على العبد ، لا على ما ذهبت إليه القدرية نفاة القدر الذين جعلوا العبد خالقا لفعله على معنى الإيجاد لا تقدير الأسباب بمباشرتها توصلا إلى مسبباتها كما تقدم .

ويصح إطلاق لفظ الخلق عليه بمعنى مباشرة أسباب الصناعات المشهودة ، وذلك يتضمن أيضا معنى : التقدير فالصانع قبل أن يصنع صنعته يقدرها في ذهنه أو خارجه على ورق أو نحوه كما يقع في عالم البناء فقبل التشييد لا بد من رسوم تصميمية تضع التصور الأول ، ثم رسوم تنفيذية يكون تأويلها ما يقع في عالم الشهادة من مباشرة أسباب التشييد ، فهو يتضمن معنى التقدير فيما يقدر عليه العبد من الأسباب المشهودة ، ويزيد عليه معنى التنفيذ ، وتنفيذ العبد ليس إيجادا من العدم بل هو تحويل للمادة الموجودة سلفا من صورة إلى صورة فليس إيجاده مطلقا كإيجاد الرب ، جل وعلا ، من العدم ، بل هو إيجاد لصورة من صورة موجودة سلفا ، ولا يرد على ذلك الاستنساخ فإنه مادته وهي الخلية التي يتم استبدال نواة مخصبة بنواتها ، موجودة سلفا ، والنواتان موجودتان سلفا ، فليس للمستنسخ إلا عملية الاستبدال ، فلا يقدر على إيجاد الأنوية أو الخلابا من العدم ، بل لا يقدر على التحكم في انقساماتها فهي تجري وفق سنن كونية محكمة ليس له إلا رد الفعل تجاهها ، فإن شاء الرب ، جل وعلا ، أجراها على سنن الاستقامة كما في عامة الأجساد ، وإن شاء أبطل السنة الكونية كما في حالات الأورام فخرجت الخلية عن معدل النمو الطبيعي إظهارا لقدرته عز وجل في خلق الأضداد وحكمته في مباشرة أسباب العلاج التي هي رد فعل العباد تجاه ما ينزل بهم من الأقدار الكونية التي قدر ، تبارك وتعالى ، لها أسبابا دافعة قبل أن تنزل ، ونصائح خبراء التعذية من تناول مضادات الأكسدة الحيوية كعصير الليمون ونحوه لحماية الخلايا وتناول زيت الزيتون للحفاظ على معدل النمو الطبيعي للخلايا ........ إلخ كل ذلك من الأسباب الدافعة ابتداء ، أو رافعة إذا نزلت من أودية يستشفى بها ففيها أوجد الرب ، جل وعلا ، قوى الشفاء .

وعلى هذا المعنى يحمل قوله تعالى : (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، فإما أن يكون المعنى : فتبارك الله أحسن المقدرين ، فتقديره أكمل وأنفذ من تقدير العبد على التفصيل السابق ، أو : فتبارك الله أحسن الموجدين فإيجاده قد عم كل صور الإيجاد سواء أكان من عدم أم من صورة موجودة يفنيها عز وجل ليوجد منها صورة أخرى كما في أطوار الجنين ، بخلاف إيجاد العبد الذي لا يتعدى حد التصرف في الصور بمباشرة أسباب تحويلها من هيئة إلى أخرى .
فيصح أن يكون الخلق على كلا المعنيين : الإيجاد أو التحويل : جنسا أعلى ، فهو كلي في الذهن لا يوجد خارجه إلا مقيدا بموصوف قام به ، على ما اطرد في جميع المشتركات المعنوية ، فيندرج تحت جنس الإيجاد الكلي : إيجاد الرب المطلق فذلك أشرف أنواع هذا الجنس من الأفعال ، وإيجاد العبد المقيد فيقتصر على التحويل من صورة إلى أخرى كما تقدم .
وكذلك يقال في جنس التقدير فهو كلي أو مشترك معنوي يندرج تحته جزئي : تقدير الرب ، جل وعلا ، المطلق ، فهو ، أيضا ، أشرف أنواعه ، وجزئي : تقدير العبد فلا يتعدى حد مباشرة السبب توصلا بما أودع فيه من قوى التأثير إلى مسبَّبِه .

وعن معنى التقدير الآنف الذكر يقول صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، في تفسير قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) :
"والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه خلَق الأديمَ إذا هيأه ليقطعه ويخرزه ، قال جبير في هرم بن سنان :
ولأَنْتَ تفري ما خَلَقْتَ ******* وبَعْض القوم يَخْلقُ ثم لا يفري

وأطلق الخلق في القرآن وكلام الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة فهو إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجاً لا صنعة فيه للبشر ، (وهو أيضا معنى : البدع لا على مثال سابق) ، فإن إيجاد البشر بصنعتهم أشياء إنما هو تصويرها بتركيب متفرق أجزائها وتقدير مقادير مطلوبة منها كصانع الخزف فالخلق وإيجاد العوالم وأجناس الموجودات وأنواعها وتولد بعضها عن بعض بما أودعت الخلقة الإلهية فيها من نظام الإيجاد مثل تكوين الأجنة في الحيوان في بطونه وبيضه وتكوين الزرع في الحبوب وتكوين الماء في الأسحبة فذلك كله خلق وهو من تكوين الله تعالى ولا عبرة بما قد يقارن بعض ذلك الإيجاد من علاج الناس كالتزوج وإلقاء الحب والنوى في الأرض للإنبات ، فالإيجاد الذي هو الإخراج من العدم إلى الوجود بدون عمل بشري خص باسم الخلق في اصطلاح الشرع ، لأن لفظ الخلق هو أقرب الألفاظ في اللغة العربية دلالة على معنى الإيجاد من العدم الذي هو صفة الله تعالى وصار ذلك مدلول مادة خلق في اصطلاح أهل الإسلام فلذلك خص إطلاقه في لسان الإسلام بالله تعالى : { أفمن يخلُق كمن لا يخلُق أفلا تذكرون } [ النحل : 17 ] وقال : { هل من خالق غير الله } [ فاطر : 3 ] وخص اسم الخالق به تعالى فلا يطلق على غيره ولو أطلقه أحد على غير الله تعالى بناء على الحقيقة اللغوية لكان إطلاقه عجرفة فيجب أن ينبه على تركه" . اهــ


فالشيخ ، رحمه الله ، يشير إلى حقيقة اللفظ اللغوية التي تصرف الشارع ، عز وجل ، فيها ، فجعلها في كثير من المواضع حقيقة شرعية في وصف الرب ، جل وعلا ، بالإيجاد من العدم ، فتقدم على الحقيقة اللغوية وهي التقدير ، إذ الحقيقة الشرعية كما تقرر في الأصول مقدمة على الحقيقة اللغوية ، حتى عد الشيخ ، رحمه الله ، إطلاق الحقيقة اللغوية على البشر بمعنى وصفهم بالخلق ، عجرفة ، وإن أراد القائل بها المعاني التي يصح إطلاق وصف الخلق فيها على العبد من تقدير بمباشرة سبب أو تحويل من صورة إلى أخرى ، كما تقدم ، فالإطلاق مجمل موهم لا سيما بعد استقرار معنى الخلق في نصوص الشرع واطراد نسبته إلى الرب ، جل وعلا ، اسما ووصفا ، فتكون نسبته إلى العبد ولو بما يلائم حاله موهمة تحتمل معان باطلة ، كتلك التي انتحلها القدرية نفاة القدر الذين جعلوا الخلق بمعنى الإيجاد للأفعال إلى العبد على حد الاستقلال ، فأطلقوا على العبد ما اختص به الرب ، جل وعلا ، فأثبتوا بلازم مقالتهم معه ، تبارك وتعالى ، خالقين بأعداد الفاعلين ، فكل فاعل مباشر لسبب الفعل عندهم خالق موجد له من العدم ، وذلك من الفساد بمكان ، ولعله وجه العجرفة التي احترز منها الشيخ ، رحمه الله ، بمنع إطلاق لفظ الخلق على العبد سدا للذريعة وإن احتمل في حقه معان صحيحة .

ثم يقول رحمه الله في موضع تال :
"فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى عليه السلام : { إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله } [ آل عمران : 49 ] وقول الله تعالى : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني } [ المائدة : 110 ] فإن ذلك مراعىً فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى . ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك قال الله تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } [ المؤمنون : 14 ]" . اهــ
فالسياق في خلق المسيح عليه السلام قد رد الحقيقة إلى أصلها اللغوي ، فهو أصل في معرفة مراد المتكلم ، فالمراد بالخلق هنا التقدير لقرينة السياق فيقدر المسيح عليه السلام هيئة الطير دون أن يخلق فيه مادة الحياة بل يباشر صورة السبب وهو النفخ فيخلق الرب ، جل وعلا ، مادة الحياة في الطير وبذلك رد على ما استدل بهذه الآية على ألوهية عيسى المسيح عليه السلام ، فليس له إيجاد الحياة وإنما له تقدير الهيئات .

فالخلق قد استقر معناه في عرف الشارع ، عز وجل ، على حقيقة الإيجاد من العدم ، فصار بذلك حقيقة شرعية في ذلك المعنى الذي اختص به الرب ، جل وعلا ، بل هو من أخص أوصاف ربوبيته ، فالربوبية : خلق للأشياء من العدم وتدبير لها بالسبب الكوني نفاذا أو الشرعي ابتلاء لمن يصح تعلق التكليف بهم ، ومع صيرورته حقيقة شرعية إلا أنه لا يمتنع حمله على أصله من الحقيقة اللغوية التي يصح إطلاقها على العبد مقيدة بحاله ، على ما تقدم من التقدير والتحويل الذي يقدر عليه ، فيرجع إلى الأصل اللغوي ، لدلالة القرينة السياقية عليه فهي تصير اللفظ حقيقة إما شرعية أو عرفية أو لغوية في كل سياق بحسبه فلكل سياق من القرائن المحتفة التي تحدد معاني ألفاظه ما ليس لغيره والألفاظ لا تفسر منفردة بمعزل عن الجمل التي وردت فيها ، فيرد الأمر في سياق كهذا إلى الأصل اللغوي وإن لم يكن هو العمدة في باب الشرعيات إذ لم ترسل الرسل وتنزل الكتب لبيان اللغة فهي أمر سابق للإرسال والإنزال ، فغايتها أن تكون أداة تبليغ الوحي فلا تحتاج اللغة إلى أن يبينها الوحي ، إذ هي أداة البيان فكيف تفتقر في نفسها إلى بيان الوحي الذي نزل بها فيلزم من ذلك الدور فبيان الوحي يتوقف على اللغة وبيان اللغة يتوقف على الوحي ! ، وإنما الشرع هو الذي يحتاج إلى بيان الوحي الذي يتصرف تارة في الحقائق اللغوية المطلقة فيقيدها فتصير شرعية ، كالصلاة في قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) ، فقد قيد معناها اللغوي العام وهو : مطلق الدعاء ، بقيد شرعي صيرها حقيقة في دعاء مخصوص هو : الصلاة المعهودة في عرف الشارع ، عز وجل ، فلا ينصرف الذهن إلا إليها حال إطلاقها مجردة في نصوص الشرع . ويتركها على أصلها اللغوي تارة أخرى لقرينة السياق ، فتقدم الحقيقة اللغوية على الشرعية في هذا السياق بعينه ، وإن كان ذلك خلاف الأصل في باب الشرعيات ، كما في قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فهي محمولة على الحقيقة اللغوية لقرينة السياق إذ لا يتصور أن يكون المراد من الصلاة في هذا السياق : الصلاة الشرعية ، وإن كانت هي المعهودة في عرف الشرع ، فالقرينة قد رجحت الحقيقة اللغوية في هذا الموضع وإن كانت خلاف الأصل المتبادر إلى الذهن كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وهو أمر احتج به من أنكر وقوع المجاز في النصوص الشرعية إذ رد معنى الحقيقة إلى السياق الذي ترد فيه الكلمة لا إلى الوضع اللغوي الأول ، أو ما تواتر في لسان العرب من استعمال لفظ بعينه في الدلالة على حقيقة بعينها معقولة كانت أو محسوسة ، فكل لفظ عند منكر المجاز حقيقة في سياقه ، وإن تعددت معانيه بتعدد السياقات التي يرد فيها إذ يرد عليه من القرائن المحتفة في كل سياق ما لا يرد عليه في بقيتها ، فيرجح في كل سياق منها معنى لا يرجح في بقية السياقات تبعا لقرائن كل سياق ، فهي ، كما تقدم ، أصل في معرفة مراد المتكلم .

يقول ابن أبي العز ، رحمه الله ، في معرض بيان تصرف الشارع ، عز وجل ، في الحقائق اللغوية ، بإيراد القيود الشرعية عليها :
"فَالرَّسُولُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لَمَّا بَيَّنَ لَنَا أُمُورًا لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي لُغَتِهِمْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِعَيْنِهَا ، أَتَى بِأَلْفَاظٍ تُنَاسِبُ مَعَانِيهَا تِلْكَ الْمَعَانِيَ ، وَجَعَلَهَا أَسْمَاءَ لَهَا ، فَيَكُونُ بَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ، كَالصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصَّوْمِ ، وَالْإِيمَانِ ، وَالْكُفْرِ ، وَكَذَلِكَ لَمَّا خبرنَا بِأُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهَا قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ لَهُمْ أَلْفَاظٌ تَدُلُّ عَلَيْهَا بِعَيْنِهَا ، أَخَذَ مِنَ اللُّغَةِ الْأَلْفَاظَ الْمُنَاسِبَةَ لِتِلْكَ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَانِي الْغَيْبِيَّةِ ، وَالْمَعَانِي الشُّهُودِيَّةِ الَّتِي كَانُوا يَعْرِفُونَهَا ، وَقَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ الْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا مَا يُعْلَمُ بِهِ حَقِيقَةُ الْمُرَادِ ، كَتَعْلِيمِ الصَّبِيِّ ، كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : "النَّاسُ فِي حُجُورِ عُلَمَائِهِمْ كَالصِّبْيَانِ فِي حُجُورِ آبَائِهِمْ" .
وَأَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ ، فَقَدْ يَكُونُ مِمَّا أَدْرَكُوا نَظِيرَهُ بِحِسِّهِمْ وَعَقْلِهِمْ ، كَإِخْبَارِهِمْ بِأَنَّ الرِّيحَ أَهْلَكَتْ عَادًا ، فَإِنَّ عَادًا مِنْ جِنْسِهِمْ ، وَالرِّيحَ مِنْ جِنْسِ رِيحِهِمْ ، وَإِنْ كَانَتْ أَشَدَّ .
وَكَذَلِكَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ فِي الْبَحْرِ ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَخْبَارِ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ فِيهِ عِبْرَةٌ لَنَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } وَقَدْ يَكُونُ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الرَّسُولُ مَا لَمْ يُدْرِكُوا مِثْلَهُ الْمُوَافِقَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، لَكِنَّ فِي مُفْرَدَاتِهِ مَا يُشْبِهُ مُفْرَدَاتِهِمْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ . كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُمْ عَنِ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمُوا مَعْنًى مُشْتَرَكًا وتَشبيهًا بَيْنَ مُفْرَدَاتِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَبَيْنَ مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ مما عَلِمُوهُ فِي الدُّنْيَا بِحِسِّهِمْ وَعَقْلِهِمْ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْهَدُوهُ بَعْدُ ، وَيُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ يَشْهَدُوهُ مُشَاهَدَةً كَامِلَهً لِيَفْهَمُوا بِهِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْغَائِبِ ، أَشْهَدَهُمْ إِيَّاهُ ، وَأَشَارَ لَهُمْ إِلَيْهِ ، وَفَعَلَ قَوْلًا يَكُونُ حِكَايَةً لَهُ وَشَبَهًا بِهِ ، يَعْلَمُ الْمُسْتَمِعُونَ أَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ بِالْحَقَائِقِ الْمَشْهُودَةِ هِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي يَعْرِفُونَ بِهَا الْأُمُورَ الْغَائِبَةَ" . اهــ
"شرح العقيدة الطحاوية" ، ص55 ، 56 .


وقد يحتمل السياق كلا الحقيقتين : الشرعية المعهودة في النصوص واللغوية الموضوعة أو المعهودة في اللسان ، فمن ذلك قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) : فالخلق في هذه الآية ينصرف ابتداء على ما اطرد في عرف الشرع إلى الإيجاد من العدم ، كما تقدم من كلام صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، ولكنه يحتمل أيضا : التقدير فقد قدر الله ، عز وجل ، ما في هذه الأرض من الأقوات لعباده ، فضلا منه وامتنانا دلت عليه اللام في : "لكم" ، فهي تفيد الاختصاص ولذلك كان الأصل في الأشياء الإباحة فذلك من دلالة العناية التي اطرد ورودها في معرض الاستدلال لوجوب إفراد الرب جل وعلا بالتأله بكمال ربوبيته إيجادا وعناية ، فلا مانع من حمل اللفظ على كلا المعنيين لاحتمال السياق لكليهما بلا تكلف ، بل هما مما يبنى بعضه على بعض ، فالإيجاد في عالم الشهادة مسبوق لزوما بتقدير سابق في عالم الغيب ، فينبني على التقدير السابق : تأويله بالإيجاد اللاحق .

فصار إطلاق الوصف على الخالق ، عز وجل ، وعلى المخلوق جائزا لانفكاك الجهة على ما اطرد في باب الأسماء والصفات الإلهية ، فالاشتراك واقع من جهة اللفظ الدال على المعنى ، كلفظ الخلق ، ومن جهة المعنى الكلي المشترك ، فينزل منزلة المشترك المعنوي في الذهن الذي تتوارد عليه المقيدات خارجه ، فلا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه لكونه كليا مجردا من كل قيد ، فإذا قيد خارج الذهن امتنعت الشراكة فقيل : هذا خلق الله حقيقة في فعل الرب ، جل وعلا ، فرعا عن ذاته القدسية التي قام بها الوصف ، و : هذا خلق فلان من البشر حقيقة في فعل العبد ، فرعا عن ذاته الأرضية التي قام بها الوصف . فهو حقيقة في كلٍ بحسب حقيقة ذاته التي قام بها ، فخلق الله من الله ، وخلق العبد من العبد .

ومن أهل العلم من جعله حقيقة في الخالق ، عز وجل ، مجازا في العبد ، وأما نفاة الصفات فقد جعلوه حقيقة في العبد مجازا في الرب ، جل وعلا ، فجعلوا العبد أكمل من الرب إذ اتصف بصفات وجودية لها حقيقة خارج الذهن ، بخلاف الرب ، جل وعلا ، عندهم فقد جردوه من كل أوصاف كماله ، بل غلا بعضهم فجرده من أسمائه .

وإلى ذلك أشار ابن تيمية ، رحمه الله ، بقوله :
"وهذه المعاني التي تضاف إلى الخالق تارة وإلى المخلوق أخرى تذكر على ثلاثة أوجه :
تارة تقيد بالإضافة إلى الخالق أو بإضافته إليها كقوله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} الآية .
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} .
وتارة تتقيد بالمخلوق كقوله : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ}.
وتارة تطلق مجردة .
فإذا قيدت بالخالق لم تدل على شيء من خصائص المخلوقين .
فإذا قيل علم الله وقدرته واستواؤه ومجيئه ويده ونحو ذلك كانت هذه الإضافة توجب ما يختص به الرب الخالق وتمنع أن يدخل فيها ما يختص به المخلوق .
وكذلك إذا قيل : {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} .
كانت هذه الإضافة توجب ما يختص بالعبد وتمنع أن يدخل في ذلك ما يختص بالرب عز وجل .

وإذا جرد اللفظ عن القيود فذكر بوصف العموم والإطلاق تناول الأمرين كسائر الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق .
وهذه للناس فيها أقوال :
قيل إنها حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق كقول أبي العباس الناشىء .
وقيل بالعكس كقوله غلاة الجهمية والباطنية والفلاسفة .
وقيل حقيقة فيهما وهو قول الجمهور .
ثم قيل هي مشتركة اشتراكا لفظيا وقيل متواطئة وهو قول الجمهور .
ثم من جعل المشككة نوعا من المتواطئة لم يمتنع عنده إذا قيل مشككة أن تكون متواطئة ومن جعل ذلك نوعا آخر جعلها مشككة لا متواطئة .
وهذا نزاع لفظي فإن المتواطئة التواطؤ العام يدخل فيها المشككة .
إذ المراد بالمشككة ما يتفاضل معانيها في مواردها كلفظ الأبيض الذي يقال على البياض الشديد كبياض الثلج والخفيف كبياض العاج والشديد أولى به .
ومعلوم أن مسمى البياض في اللغة لا يختص بالشديد دون الخفيف فكان اللفظ دالا على ما به الاشتراك وهو المعنى العام الكلي وهو متواطىء بهذا الاعتبار وهو اعتبار التفاضل يسمى مشككا" . اهــ
"الجواب الصحيح" ، (2/552 ، 553) .

فإذا جاء التقييد بالنسبة إلى الرب ، جل وعلا ، أو العبد ، كان الوصف المنسوب بحسب حقيقة المنسوب إليه وانتهى الإشكال ابتداء .
وإذا أطلق فإن اشتراك الرب ، جل وعلا ، والعبد فيه إما :
أن يكون حقيقة في العبد مجازا في الرب ، جل وعلا ، وهذا أفسد الأقوال كما تقدم بيانه .
أو : يكون حقيقة في الرب ، جل وعلا ، مجازا في العبد .
أو : يكون حقيقة في كليهما فينزل منزلة المشترك المعنوي فلا يلزم من الاشتراك في أصل المعنى المجرد الاشتراك في حقيقته خارج الذهن ، بل لكل حقيقته خارج الذهن فللرب ، جل وعلا ، حقيقة ذات قدسية وصفات علية تليق بكماله لا يعلمها إلا هو ، وللعبد حقيقة ذات وصفات تليق بنقصانه ، فيصير الاشتراك من باب التواطؤ في المعنى الكلي في الذهن دون الحقيقة الجزئية خارجه ، فلكل ، كما تقدم ، وصف يليق بذاته كمالا أو نقصانا .
وقد يحمل على دلالة المشكك الذي تستوي أفراده في أصل الوصف وإن تباينت في درجته ، كوصف البياض فإن كثيرا من الأفراد يشتركون فيه ولكن شدته تختلف من فرد إلى آخر ، فبياض الثلج أشد من بياض الجلد ، فكذلك وصف الخلق يشترك فيه الخالق ، عز وجل ، والمخلوق ، ولكن درجته تختلف باختلاف الذوات التي يقوم بها ، فخلق الرب ، جل وعلا ، أكمل بداهة من خلق المخلوق ، فذلك جزئي يندرج تحت قاعدة كلية تضبط هذا الباب الجليل إذ : "وصف الرب عموما أكمل بداهة من وصف المخلوق" سواء أكان وصف ذات كالعلم أو السمع أو البصر ، أو وصف فعل كالخلق والتدبير . ومرد المشكك عند التأمل إلى المتواطئ ، إذ في كليهما لا بد من قدر معنوي مشترك يجوز وقوع الشركة فيه دون أن يلزم من ذلك تماثل أو تشابه بين المشتركين ، فلا يلزم من اشتراك الرب ، جل وعلا ، والعبد في المعنى الكلي لصفة العلم تماثل أو تشابه في حقيقة الصفة فالتباين بينهما ظاهر فلا يستوي علم الرب ، جل وعلا ، المحيط وعلم العبد ، وإن وقع الاشتراك في الأصل المعنوي للصفة ، وذلك فرع عن التباين بين ذات الرب ، جل وعلا ، وذات العبد ، فلا يلزم من إثبات الذات لكليهما وقوع التماثل أو التشابه بينهما بل لكل ذات تليق به كمالا أو نقصانا كما تقدم ، وضابط هذه المسألة كما قرر أهل العلم أن : القول في الصفات فرع عن القول في الذات .

وأما مفوضة الصفات فقد قصروا الاشتراك على اللفظ دون المعنى ، فأثبتوا ألفاظا دون معان كلية جامعة ، وهذا إبطال لدلالة ألفاظ اللغة على معانيها ، إذ لا يلزم من الاشتراك في المعنى الكلي ، كما تقدم ، تشابه أو تماثل ليصح ما التزموه من إثبات التشبيه أو التمثيل المنفي في هذا الباب فرعا عن الاشتراك في المعاني الكلية المجردة في الذهن ، فالتزامهم صحيح إن كان الاشتراك المثبت هو الاشتراك في المعاني الجزئية المقيدة خارج الذهن ، أي : الأعيان الموجودة خارجه فيلزم حينئذ من أثبت هذا الاشتراك : التشبيه أو التمثيل المنهي عنه لا من أثبت الاشتراك المعنوي كما تقدم فلا يلزمه من ذلك شيء .


وبضم دلالات المطابقة والتضمن واللزوم إلى ما تقدم من الدلالات في هذا الباب تكتمل منظومة أدوات التأمل ، إن صح التعبير ، في هذا الباب الجليل ، باب الأسماء والصفات الإلهية ، فالاسم كــ : "الخالق" : يدل على الذات القدسية وعلى وصف الخلق القائم بها على الوجه اللائق بجلال الرب جل وعلا : دلالة مطابقة ، ويدل على أحدهما : دلالة تضمن ، ويدل على صفة الحياة التي هي أصل صفات الذات العلية : دلالة لزوم .
فيضاف إلى ذلك دلالات الاشتراك المعنوي وما يتفرع عنها من دلالة المتواطئ أو المشكك في معرض التفريق بين وصف الرب ، جل وعلا ، ووصف العبد ، فذلك مما يثبت ، وترد دلالات المجاز فلا مجاز في باب الصفات الإلهية إذ ذلك مما تذرع به نفاة الصفات الإلهية ، والاشتراك اللفظي إذ يلزم منه إبطال دلالة اللفظ على معناه وصيرورته كالحروف المقطعة أو المهملة .

ويمكن إجراء هذه المنظومة من الدلالات إثباتا للمثبت منها ونفيا للمنفي منها على أي وصف يشترك فيه الخالق ، عز وجل ، والمخلوق ، فهي أشبه ما تكون بقاعدة كلية في هذا الباب الجليل .





وأما في حق الملائكة ، فقد وردت نسبة الخلق إليهم في حديث ابن مسعود ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا" .

فنسب الخلق إلى الملائكة ، وهو محمول هنا ، كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين ، على تأويل كلمات الرب ، جل وعلا ، الكونيات في خلقه ، فالملائكة تدبر الأمر بإذن ربها الكوني ، على حد قوله تعالى : (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) ، فتتلقى منه الأمر الكوني النافذ المعلوم أزلا بالعلم التقديري الأول المسطور في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، فتباشر سبب إيجاد المقدور الكوني على حد ما شاء الرب ، جل وعلا ، فيقع تأويله كما قد علم وسطر فلا يزاد فيه ولا ينقص فذلك مئنة من القدرة النافذة على إيقاع المقدور على حد قد بلغ الغاية من الإحكام والإتقان مئنة من الحكمة البالغة ، فالربوبية ، كما تقدم في مواضع سابقة ، تدور حول هذين المعنيين الجليلين : قدرة الرب ، جل وعلا ، النافذة ، فذلك مئنة من جلاله ، وحكمته فذلك مئنة من جماله ، وبهما يظهر كماله في تقديره الأول وقضائه الثاني بإيجاد المقدور وفق ما قدر .

فالملائكة لا تستقل بالتدبير ، وإنما هي مستخلفة في التنفيذ فلا تعمل إلا بأمر مستخلفها ، عز وجل ، على حد قوله تعالى : (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) ، فلا يصدرون إلا عن أمره الكوني النافذ ، فإذا شاء أمرا تكلم بكلماته الكونيات ، فإذا شاء خلقا تكلم بكلمات الخلق ، وإذا شاء موتا تكلم بكلمات الإماتة ........ إلخ ، فتلقتها الملائكة على حد الإذعان والتسليم فلا راد لقضاء الله ، عز وجل ، الكوني النافذ ، فباشرت أسباب تأويلها في عالم الشهادة فظهرت حكمة الرب ، جل وعلا ، هنا أيضا من جهة استخلافه لها فالكون ، كما تقدم ، قد أقيم على سنن محكمة تباشرها الملائكة فهي من الأسباب المغيبة التي بها تقع المسببات المشهودة ، وحصل بذلك من وجه آخر : الابتلاء الشرعي للمكلفين بالإيمان بتلك الأسباب المغيبة على حد الإجمال لما لم يعلم منها فـــ : (مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) ، والتفصيل لما قد علم مما جاءت به النصوص من أسماء وأنواع ووظائف الملائكة كما قد بسط القول في ذلك في مبحث الإيمان بالملائكة في كتب أصول الدين .


#####

والخلاصة أن مادة الخلق يصح إطلاقها في :
حق الرب ، جل وعلا ، مطلقا : تقديرا من الأزل وإيجادا من العدم وتحويلا من صورة إلى أخرى من باب أولى .
وحق العبد وإن كان الإطلاق في حقه موهما فيراد به عند تقييده بالعبد : تقدير الأسباب المشهودة حال مباشرتها وتحويل الصور من حال إلى حال دون إيجاد من العدم فذلك مما انفرد به الرب ، جل وعلا ، فلا يشركه فيه المخلوق إذ هو من خصائص ربوبيته بل هو من أخص أوصافها كما تقدم .

وحق الملك فيراد به مباشرة السبب تأويلا لأمر الرب ، جل وعلا ، الكوني بإيقاع المقدورات كما قد علم وسطر . وذلك من آثار حكمة الرب ، جل وعلا ، أن جعل لكل شيء سببا ، فإن الملائكة لا تستقل بالتأثير في هذا الكون ، بل هي ، كالآلة بيد صانعها ، فيظهر كمال حكمة الصانع وإتقان صنعته في استعمال الآلة على النحو الذي يقع به المصنوع على أكمل هيئة ، ولله المثل الأعلى ، فإنه يجري الأسباب الكونية المغيبة والمشهودة على نحو تظهر به آثار قدرته فلا يقع في كونه إلا ما شاء ، وحكمته ، فلا يقع فيه إلا ما به انتظام أمر العالم بتدافع أسباب الخير والشر ، على حد قوله تعالى : (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) فإن كان المقدور شرا فهو شر باعتبار ذاته لا باعتبار مآله ، فلا بد أن تَرْجُحَ مصلحة وقوعه مفسدتَه الذاتية ، فيتولد منه من المصالح ما يفوق مفسدته في نفسه وتلك عين الحكمة التي اختص الرب ، جل وعلا ، بأشرف وأكمل أنواعها ، على حد ما تقدم ، من وقوع الاشتراك المعنوي في الأصل ، ووقوع الافتراق في الفرع ، وهو الوصف القائم بموصوفه خارج الذهن ، فليست حكمة الرب ، جل وعلا ، القائمة بذاته القدسية كحكمة العبد القائمة بذاته الطينية ، وهو أصل مطرد في هذا الباب الجليل كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

فمثل الملائكة في عملها بأمر الرب الكوني النافذ ، كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين ، مثلها مثل السيف في يد السياف ، أو السوط في يد الجلاد ، فلا يقول المقطوع أو المجلود : قطعني السيف أو جلدني السوط ، فلا ينسب الفعل إلى الأداة وإنما ينسبه إلى الفاعل ، ولله المثل الأعلى ، فإنه لا يقال : ساقت الملائكة السحاب على جهة استقلالها بالسوق ، وإنما يقال : ساق الرب ، جل وعلا ، السحاب ، بقدرته النافذة فأمر الملائكة الموكلة به التي هي الأسباب المؤثرة في سوقه أمرها بأن تسوقه إلى جهة كذا وكذا فظهرت حكمته في تعليق المسببات على أسبابها المغيبة أو المشهودة ، وهذا أصل مطرد في كل أفعال الملائكة التدبيرية ، فإنها أسباب قد أودع الله ، عز وجل ، فيها قوى التأثير ، وهي مع ذلك لا تستقل بإحداثه وإنما تخضع لمشيئة الرب ، جل وعلا ، النافذة ، كالأسباب المشهودة فإن قوى التأثير فيها قد أودعت وهي مع ذلك لا تنتج مسبباتها إلا بإذن ربها عز وجل .

فبإثبات القوى التأثيرية في الأسباب تثبت الحكمة في ترتب المسببات عليها ، وبإثبات جريانها وفق مراد الرب ، جل وعلا ، الكوني تثبت القدرة ، وهما ، كما تقدم ، أخص أوصاف الربوبية ، فبهما يكون الخلق والتدبير .

والله أعلى وأعلم .

زهرة متفائلة
22-12-2009, 12:47 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ...وبعد:

الأستاذ الفاضل : مهاجر

جزاك الله خيرا ...معلومات قيمة ....جعله الله في موازين حسناتكم ...وأسأل الله أن يكتب لكم أجر ما تكتبون من علم ...اللهم آمين

إحساس شاعر
27-12-2009, 08:18 PM
وفي (القاموس المحيط)
الخَلْقُ: التَّقْديرُ.
والخالِقُ، في صِفاتِه تعالى: المُبْدِعُ للشيءِ، المُخْتَرِعُ على غيرِ مِثالٍ سَبَقَ، وصانعُ الأَديمِ ونحوِه.
وخَلَقَ الإِفْكَ: افْتَراهُ،
كاخْتَلَقَه وتَخَلَّقَه،
و~ الشيءَ: مَلَّسَه ولَيَّنَه،
و~ الكلاَم وغيرَه: صَنَعَه،
و~ النِّطَعَ، والأَديمَ خَلْقاً وخَلْقَةً، بفتحهما: قَدَّرَه وحَزَرَه، أو قَدَّرَهَ قَبْلَ أن يَقْطَعَه، فإذا قَطَعَه قيل: فَرَاهُ،
و~ العُودَ: سَوَّاهُ،
كخَلَّقَه.
وخَلُقَ، كفرِحَ وكَرُمَ: امْلاسَّ. حَجَرٌ أخْلَقُ، وصَخْرَةٌ خَلْقَاءُ.
وككَرُمَ: صارَ خَلِيقاً، أي: جَدِيراً،
و~ المرأةُ خَلاَقَةً: حَسُنَ خُلُقُها.
وقَصيدَةٌ مَخْلوقَةٌ: مَنْحولَة.
وخَوالِقُها، في قولِ لبيد، أي: جِبالُها المُلْسُ.
والخَلِيقةُ: الطَّبيعةُ، والناسُ،
كالخَلْقِ، والبهائمُ، والبِئرُ ساعةَ تُحْفَرُ.
والخَلائِقُ: قِلاتٌ بِذِرْوَةِ الصَّمَّانِ، تُمْسِكُ ماءَ السماءِ.
وكسفينةٍ: ع بالحِجَازِ، وماءٌ بين مكةَ واليمامةِ، وامرأةُ الحَجَّاجِ بنِ مِقْلاصٍ: محدِّثَةٌ.
وخَلِقَ الثَّوبُ، كنَصَرَ وكرُمَ وسَمِعَ، خُلوقَةً وخَلَقاً، محرَّكةً: بَلِيَ.
ومَخْلَقَةٌ بذلك، كَمَرْحَلَةٍ: مَجْدَرَةٌ.
وسَحَابَةٌ خَلِقَةٌ، كفَرِحَةٍ وسَفينَةٍ: فيها أثَرُ المَطَرِ.
والخَلَقُ، مُحرَّكةً: البالي، للمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ،
ج: خُلْقَانٌ.
ومِلْحَفَةٌ خُلَيقٌ، كزُبَيْرٍ، صَغَّروهُ بِلا هاءٍ، لأن الهاءَ لا تَلْحَقُ تَصْغيرَ الصِّفاتِ، كنُصَيْفٍ في امْرَأةٍ نَصَفٍ.
وثَوْبٌ أخْلاقٌ: إذا كانت الخُلوقَةُ فيه كُلِّهِ.
وكصَبورٍ وكِتابٍ: ضَرْبٌ من الطيبِ.
وكَسحابٍ: النَّصيبُ الوافِرُ من الخَيْرِ.
والخُلْقُ، بالضم وبضَمَّتَيْنِ: السَّجِيَّةُ والطَّبْعُ، والمُروءةُ والدينُ.
والأخْلَقُ: الأَمْلَسُ المُصْمَتُ، والفَقيرُ.
والخِلْقَةُ، بالكسرِ: الفِطْرَةُ،
كالخَلْقِ، وبالضم: المَلاسَةُ،
كالخَلوقَةِ والخَلاقَةِ، وبالتَّحْريكِ: السَّحابَةُ المُسْتَوِيَةُ المُخِيلَةُ للمَطَرِ.
والخَلْقاءُ من الفَراسِنِ: التي لا شَقَّ فيها، والرَّتْقاءُ،
كالخُلَّقِ، كرُكَّعٍ، والصَّخْرَةُ ليس فيها وَصْمٌ ولا كَسْرٌ، وهي بَيِّنَةُ الخَلَقِ، محرَّكةً،
و~ من البَعيرِ وغيرِهِ: جَنْبُهُ، ويقال: ضَرَبْتُ على خَلْقاءِ جَنْبِهِ أيضاً،
و~ من الغارِ: باطِنُهُ،
و~ من الجَبْهَةِ: مُسْتَواها،
كالخُلَيْقاءِ فيهما.
والخُلَيْقاءُ من الفَرَسِ: كالعِرْنَينِ مِنَّا.
وأخْلَقَهُ: كساهُ ثَوْباً خَلَقاً.
ومُضْغَةٌ مُخَلَّقَةٌ، كمُعَظَّمَةٍ: تامَّةُ الخَلْقِ.
وكمُعَظَّمٍ القِدْحُ إذا لُيِّنَ.
وخَلَّقَه تَخْليقاً: طَيَّبَهُ فَتَخَلَّقَ به.
والمُخْتَلَقُ: التامُّ الخَلْقِ المُعْتَدِلُهُ.
وتَخَلَّقَ بغيرِ خُلُقِه: تَكَلَّفَهُ.
واخْلَوْلَقَ السَّحابُ: اسْتَوَى وصار خَليقاً للمَطَر،
و~ الرَّسْمُ: اسْتَوى بالأرضِ،
و~ مَتْنُ الفَرَسِ: امَّلَسَ.
وخالَقَهُم: عاشَرَهُمْ بِخُلُقٍ حَسَنٍ.