المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : رفاعة الطهطاوي



حمدي كوكب
10-06-2006, 01:26 AM
رفاعة الطهطاوي

( الشيخ الأزهري ) ، ( المرجع الفقهي لبعثة محمد علي )

رفاعة رافع الطهطاوي من أسرة متوسطة الحال من طهطا يرجع نسبه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وهو السيد الشريف / رفاعة بن بدوي بن علي بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وأمه السيدة / فاطمة بنت الشيخ أحمد فرغلي الأنصاري المتصل نسبه بالأنصار الخزرجية ، وهو من أبرز رواد النهضة العربية الحديثة ورائداً للتنوير .

ولد رفاعة الطهطاوي في مدينة طهطا بمديرية جرجا ( سوهاج حالياً) من الإقليم المصري وكانت ولادته في بداية القرن الثامن عشر في 15 أكتوبر سنه 1801 من الميلاد وعاش طفولته متنقلاً من قرية إلى أخرى من قرى الصعيد مع والده الذي سعى لتحفيظه القرآن الكريم وتعلمه المتون والأحاديث حتى أصبح متقناً لها ، ولما توفي والده السيد / بدوي جاء رفاعة الطهطاوي إلى القاهرة وعمره خمس سنوات ودخل الأزهر وكان من المجدين في تحصيل العلم ، وما لبث سنوات قليلة حتى أصبح من أهل العلم وكان من اشهر أساتذته في الأزهر الشريف الذين تلقى العلم على أيديهم هو الشيخ / حسن العطار ، الذي كان شيخاً للجامع الأزهر الشريف في ذلك الوقت ، وقد أولى اهتماماً بالغاً بتلميذه رفاعة الطهطاوي لما لمسه فيسه من حدة الذهن والدأب المتواصل في تحصيل العلم ، واستمرت دراسة رفاعة الطهطاوي في الأزهر الشريف لمدة ثماني سنوات ، وقد عاشها في بؤس وضنك مما تنفقه عليه والدته ببيع ما تملكه من مصاغ وأثاث حتى يتم دراسته وتخرجه من الأزهر الشريف وبعد أن أتم دراسة الأزهر الشريف درس سنتين أخرتين وعين إمامًا وواعظاً لإحدى كتائب الجيش سنة 1824 م. .

وهو من رواد التنوير في عصره مع كل من الكواكبي ومحمد عبده .

البعثة العلمية الكبرى إلى فرنسا
سافر رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا بترشيح من الشيخ / حسن العطار في عهد محمد علي وكان آنذاك في الخامسة والعشرين من عمره ، وذلك ليكون المرجع الفقهي للبعثة ، سنة 1826 ، وكان على رأس البعثة التي تضم 44 طالباً مصرياً ، ذهبوا لمختلف التخصصات العلمية . ولكنه لم يتفرغ للوعظ والإرشاد والإشراف الديني فقط بل اعتبر نفسه طالباً موفداً لمتابعة التحصيل العلمي فدرس الفرنسية والتاريخ والجغرافيا والأدب والرياضيات والهندسة والفلك والزراعة ، وسارع رفاعة الطهطاوي إلى تعلم الفرنسية لكي يتعلم العلوم والآداب وعكف ليلة ونهاره على تعلم العلوم من علم إلى علم في التاريخ وتقويم البلدان وأصول القوانين والهندسة والمعادن وغيرها ومنذ أن وصل الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا وأصبح ذهنه مشغولاً بكلمات خمس : مصر ، الإسلام ، فرنسا ، العرب ، العلم . وكان البرنامج الذي وضعه الشيخ رفاعة شاقاً ، لأنه أعد من الترجمة الفرنسية إلى العربية للعلوم المختلفة في الجغرافيا والتاريخ والطب والهندسة والتعاليم العسكرية وعليه أن يتم برنامجه في خمس سنوات ، وفي نهاية السنوات الخمس عقد للشيخ الامتحان النهائي وتقدم للجنة ومعه اثنتي عشر كتاباً أو رسالة ترجمها من الفرنسية إلى العربية والقد أعجب الجميع بتفوق الشيخ الجليل رفاعة الطهطاوي .
وتأثر الطهطاوي بجان جاك روسو وفولتير ومونتسيكو .

وحينما عاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر سنة 1831 م. كان أول مترجماً مصرياً يجيد العربية والفرنسية وله إلمام بالطب ، وقد تولى الإشراف على مدرسة الألسن وأعمالاً أخرى وقد ملئت نفسه بالهمة والعزيمة والحماس والإقدام وأخرج هو وتلاميذه ألفي كتاب في عشر سنين وتقلب الشيخ رفاعة الطهطاوي في عهد محمد علي منذ عودته من فرنسا في عدة مناصب تولى تدريس اللغة العربية وتدريس اللغة الفرنسية في مدرسة الطب وترجمة العلوم المختلفة ، ولبث رفاعة الطهطاوي رئيساً لمدرسة الألسن لمدة 17 عاماً حتى أغلقت المدرسة في عهد عباس الأول ، وكان له فضل الإسهام في إنشاء أول جريدة عربية في المشرق كله وهي " جريدة الوقائع المصرية " .

رفاعة الطهطاوي رائداً للنهضة الحديثة 1801 ـ 1873
كان الشيخ رفاعة الطهطاوي رائداً للنهضة الحديثة ورائداً للتنوير ولم يكتف شيخنا الجليل بقراءة ما يقع تحت يده من مؤلفات المفكرين الاجتماعيين بل إنه إلى جانب انشغاله بالقراءة والترجمة قد استطاع ملاحظة دقائق الحياة الاجتماعية من حوله وتغلغل في صميم الحياة الفرنسية من جميع نواحيها السياسية والاجتماعية . وتم نفيه إلى السودان في عهد الخديوي عباس وعاد منها في عهد سعيد.


رده على الغربيين :
يرد رفاعة الطهطاوي في كتابه ( تخليص الإبريز ) على مقولة الغربيين بأنهم أساتذتنا في سائر العلوم يقول : ( إننا كنا في زمن الخلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد تمدناً ورفاهية ، وتربية زاهرة زاهية ، وسبب ذلك أن الخلفاء كانوا يعينون العلماء وأرباب الفنون ..... وغيرهم ، على أن منهم من كان يشتغل بها نفسه ، فانظر إلى المأمون بن هارون الرشيد فإنه كان يشغل بنفسه بتعلم الفلك وقد حرر ميل دائرة فلك البروج على دائرة الاستواء فوجد ثلاثاً وعشرين درجة وخمساً وثلاثين دقيقة ميلاً ).

وقد رأى الطهطاوي أن القيمة العليا في الحضارة العربية والإسلامية تكمن في العدالة .

فالطهطاوي مغترباً وليس مستغرباً ، فقد اغترب ولم يتغرب ، اغترب فذهب إلى فرنسا ولكنه لم يغترب عن وطنه مصر ، فلم تمح شخصيته تحت وطأة الحضارة الأوربية بل حافظ على أصالته العربية .
وإنه صاحب فكر رابح في ديننا وتراثنا ثم هو مفكر متفتح قبل ما لدى الآخرين ويفهمه بعمق ولا يستعلى عليه بالانغلاق ولا يتهافت أمامه بالدونية ،إنما يتحسس منه الحس ويستأصل منه القبيح . إن فكر رفاعة يضع أساساً حقيقياً لنهضة المجتمع العربي الإسلامي ويقوم على ثلاثة أعمدة هي :
1ـ الإيمان بالله والاستمساك بديننا .
2ـ إعلان شأن العلم وإنه هو السبب المتين للتقدم .
3ـ الحرية .
( مصطفى محمود / حوار مع د. محمد رفاعة ، صـ 19 الأربعاء 28 صفر 1424هـ،10 أبريل 2003 م، السنة 36 ، العدد 12369 ، السياسة ، الكويت )

المرأة عند الطهطاوي
المرأة في فكر رفاعة الطهطاوي كما يقول د. محمد رفاعة : حاضنة الحضارة ومستودع فضائل الأمة . وكان رفاعة يقول : إن مقياس تمدن الأمم هو درجة احترامها للمرأة ، فكلما كانت الأمة متقدمة زاد احترامها للمرأة والعكس بالعكس ، ونادى بأهمية تعلم المرأة في كتابه ( المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين ) .


وقد أصدر الشيخ رفاعة الطهطاوي المطبوعات الآتية :
1ـ القول السديد في الاجتهاد والتجديد
2ـ البدع المتقررة في الشيع المتبررة .
3ـ متن الأجرومية .
4ـ التحفة الملكدية لتعريب اللغة العربية .
5ـ منظوم في مصطلح الحديث .
6ـ نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز .
7ـ تلخيص الإبريز في تلخيص باريز
8ـ مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب المصرية .
9ـ المرشد الأمين للبنات والبنين . ( أصدرها المجلس الأعلى للثقافة الطبعة الأولى بنفس شكله سنة 1289هـ، 1877م، وهو من تقديم الدكتور / عماد بدر الدين أبو غازي ).
11ـ الكواكب المنيرة في ليال افراج العزيز المقمرة .
11ـ التعريفات الشافية لمريد الجغرافيا .
12ـ قلائد المفاخر في غريب الأوائل والآواخر .
13ـ من كتاب مباديء الهندسة .
14ـ القانون الفرنساوي المدني .
15ـ نظم العقود في كسر العود .
16ـ مواقع أملاك في وقائع تليماك .
17 ـ ترجم السيرة الذاتية للأسكندر الأكبر .
18ـ ترجم بعض كتب ملثبيرون في الجغرافيا .
19ـ ترجم دستور فرنسا .
20 ـ كتاب ( الديوان النفيس في إيوان باريس ) وهو سيرة ذاتية لرفاعة ، وقد صدر ضمن سلسلة كتب عن أدب الرحلات والنصوص العربية المجهولة ، عن دار السويدي للنشر في أبي ظبي بالتعاون مع المؤسس العربية للدراسات والنشر .


لقد كان رفاعة الطهطاوي رائداً للنهضة العلمية والأدبية الحديثة مثالاً حياً للطالب النابغة الذي لم يدخر وسعاً في تحصيل العلوم والفنون والآداب فأصبح في قمة النابهين وكان نموذجاً كاملاً للمواطن الصالح الذي عمل جاهداً لنفع بلاده ونقل المعرفة ووسائل النهضة والحضارة إليها عن طريق التأليف والترجمة وأنشأ مدرسة الألسن بمصر ، وكان مقر مدرسة الألسن بسراي الدفتردار ، بحي الأزبكية ، وكانت تسمى أول إنشائها سنة 1835 من الميلاد مدرسة المترجمين ، ثم صارت مدرسة الألسن ، وكان الغرض من إنشائها تخريج مترجمين لمصالح الحكومة ثم اتجهت النية إلى أن يكون من خريجيها قلم الترجمة ، واستقر الرأي على أن يكون غرضها إعداد المترجمين.
لقد كان رفاعة الطهطاوي على جانب كبير من الذكاء وحدة الذهن وهذا ما نهض به من حضيض العسر إلى مراتب المجد والفخر حتى أصبح ممن يشار إليهم بالبنان .

ونظراً لأهمية الثقافة بالنسبة للمجتمعات فإنه تم تخصيص قطعة أرض بمدينة الكوثر بسوهاج لإقامة مركز ثقافي يحمل اسم رفاعة الطهطاوي ويضم مكتبة شاملة وقاعة للإطلاع ومسرحاً مفتوحاً وغرفة مجهزة للوثائق والمحفوظات وربطها بشبكة الإنترنت .
وتضم مكتبة رفاعة الطهطاوي بسوهاج 1067 مخطوطاً وتحتوي المكتبة على 1437 عنواناً بعضها ترجم إلى الفرنسية .

من الدراسات التي تناولت الطهطاوي :
أعد د. أنور لوقا رسالة الماجستير، عن كتاب ( تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ، وكتب رسالة الدكتوراة بعنوان ( رحالة وكُتّاب مصريون في فرنسا في القرن التاسع عشر ) وقد أعد هذه الرسالة في جامعة السربون ( 1950ـ 1957) وخصص قسماً خاصاً في الرسالة تحدث فيه عن رفاعة الطهطاوي .
وقام بترجمة كتاب ( تخليص الإبريز ) وأعد كتاب بعنوان ( ربع قرن مع رفاعة الطهطاوي) صدر في القاهرة عام 1985 م، وأعيد طبعه مع إضافات في تونس عام 1977م وبعنوان جديد هو ( عودة رفاعة الطهطاوي ) .

توفي شيخنا الجليل رفاعة الطهطاوي في 27 مايو سنة 1873 من الميلاد عن عمر يناهز السبعين عماً .
وكان رحمه الله قصير القامة واسع الجبين متناسب الأعضاء ، أسمر اللون ، حازماً مقداماً على ذكاء وحدة عالية . وكان يلبس اللباس العربي الخاص من الجبة والعمامة والقفطان ، ثم ارتدى بدلة باللباس الإفرنجي المشهور .


رحم الله شيخنا الجليل رفاعة الطهطاوي .




(خاص/ م . ف )












بل كان رائدًا للتغريب الحديث, عفا الله عنه.
وقد قام بالدور الأول في طمس معالم الحضارة الإسلامية وتحويلها إلى مسخ من الحضارة الغربية، وكلنا يعرف وزر من سن في الإسلام سنة سيئة, والله المستعان.
رفاعة الطهطاوي: رائد التغريب. (http://www.islammemo.cc/historydb/one_news.asp?IDnews=435)

أبو فهر المصري
23-04-2010, 05:59 PM
رفاعة الطهطاوي يثني على رقص الغرب وهو رائد التغريب وتلميذ جومار ألبار




المولد والنشأة:


وُلد رفاعة رافع الطهطاوي في 15 أكتوبر 1801م، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، ونشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب [الأعلام، الزركلي، (3/29)]، وأمه فاطمة بنت الشيخ أحمد الفرغلي، ينتهي نسبها إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.


لقي رفاعة عناية من أبيه؛ فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده رجع إلى موطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتمامًا كبيرًا حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء، فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئًا من الفقه والنحو.


سافر رفاعة إلى القاهرة، وهناك التحق وهو في السادسة العشر من عمره بالأزهر في عام 1817م [معجم المؤلفين، عمر كحالة، (4/168)]، وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف ... وغير ذلك.


نقطة التحول:


وبعد تلك السنوات التي قضاها رفاعة الطهطاوي في طلب العلم، ودراسة الشريعة، أرسلته الحكومة المصرية إلى فرنسا مع البعثات التغريبية التي نقلت الحضارة الغربية الغث منها قبل السمين، فخرج في الأصل إمامًا للصلاة والوعظ مع البعثة، ولكنها كانت نقطة التحول وبداية مرحلة من جهوده المناهضة للشريعة.


ولما عاد إلى مصر ولي رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية، وأنشأ جريدة "الوقائع المصرية"، وألف وترجم عن الفرنسية كتبًا كثيرة، وأسس مدرسة الألسن وعمل ناظرها، وهي المدرسة التي (أوحى له الفرنسيون بإنشائها، والتي كانت مركزًا لبث الحضارة الغربية بين طلبتنا باسم العلم والثقافة، عندما استقدمت مصر أساتذة من فرنسا؛ لتدريس المواد في تلك المدرسة التي شوهت حضارة الإسلام، وبذلك حقق الفصل بين الأزهر من جهة، وعلوم العصر من جهة ثانية، وأحدث انقسامًا بين النخبة التي يرى أطرافها نقائض لبعضهما) [جذور الهيمنة على الثقافة العربية الإسلامية، الأستاذ سمير أحمد الشريف، مجلة التاريخ العربي، (1/8501)].


ولقاء انضوائه تحت لواء الحضارة الغربية، فقد رضي محمد علي ومعظم أبنائه الولاة عن الشيخ رفاعة الطهطاوي، فقد بلغت ثروته يوم وفاته 1600 ألف وستمائة فدان غير العقارات، وهذه ثروته كما ذكرها علي مبارك باشا في خططه، فقد أهدى له إبراهيم باشا حديقة نادرة المثال في "الخانقاة"، وهي مدينة تبلغ 36 فدانًا، كما أهداه محمد علي 250 فدانًا بمدينة طهطا، وأهداه الخديو سعيد 200 فدانًا، وأهداه الخديو إسماعيل 250 فدانًا، بينما اشترى الطهطاوي نفسه 900 فدانًا، فبلغ جميع ما في ملكه [الموسوعة الحرة] إلى حين وفاته 1600 فدان، غير ما شراه من العقارات العديدة في بلده طهطا وفي القاهرة، فماذا قدم الطهطاوي حتى يخلع عليه هؤلاء الولاة هذه الأموال والأراضي؟


جهوده في مناهضة الشريعة:


رائد الإصلاح والتنوير كما يطلق عليه مؤيدوه، كان الثغرة الأولى التي نفذ منها الغربيون إلى عالمنا الإسلامي، فكما يقول المستشرق "جب": (كانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوروبي يشع منها هي المدار المهنية التي أنشأها محمد علي، والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا، ويذكر أن منها مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم "الفذُّ" رفاعة الطهاطاوي، وهو تلميذ جومار ألبار) [أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، العفاني، (1/57)].


أما ما يتعلق بإعجابه الهائل بزيف الحضارة الغربية، فيقول في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز": (والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفى النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثم كرسي خالٍ قام لها رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى دائمًا في هذه المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم إن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه؛ فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته أو نساء بيته) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(168)].


ويقول في وصفه لحال المراقص في باريس، ولا أدري ما حاجة الواعظ والإمام فضلًا عن غيره من المسلمين في دخول مثل تلك الأماكن: (فالرقص في باريس دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهيج الشهوات، أما في باريس فإنه لا يُشم منه رائحة العهر أبدًا! وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية، وهكذا، وسواء أكان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(119)].


ثم يسهب في وصف نوع الرقصات وشكلها؛ فيقول: (وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة؛ بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(119)].


وهنا يعلق الدكتور العفاني قائلًا: (وهذا الكلام يوحي لقارئه بدلالات؛ نذكر منها اثنتين:


1. أن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ، لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء، فها هو المجتمع يمارس ألوان الدياثة التي لا يرضاها الدين طبعًا، ولكنها مع ذلك ليست خارجة عن قوانين الحياء، ولا يُشم منها رائحة العهر، حتى قيل صراحة: أن الحجاب وسيلة لستر الفواحش، وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة، ومن ثَم فلا علاقة بين الدين والأخلاق.


2. إن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي عنده يحافظ على العرض ولكنه يحتقر المرأة، ويصل إلى المفهوم الذي وجد في أوروبا نفسه؛ وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين، فما لم يُنبذ الدين فلن تحصل على هذه الحقوق) [أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، العفاني، (1/58-60)].


دفاعه عن قواعد الحضارة الغربية الباطلة:


فهو يقول في أحد مؤلفاته، محاولًا تلبيس تلك القواعد العقلية الاعتزالية الغربية لباس الشرع: (ومن زاول علم أصول الفقه، وفقه ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد؛ جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم؛ قلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بُنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات، فما يُسمى عندنا بعلم أصول الفقه، يشبه ما يُسمى عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهي عبارة عن قواعد عقلية تحسينًا وتقبيحًا يؤسسون عليها أحكام المدنية.


وما نسميه العدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والتولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم القوة والمنعة يسمونه محبة الوطن) [المرشد الأمين، الطهطاوي، ص(36-37)].


وكان لتلك الدعوى آثارًا وتلاميذ يحملونها؛ ومنهم محمد عثمان جلال لترى موجة عاتية من موجات التغريب، فقد كانت أبرز آثاره الأدبية ترجمات لبعض المؤلفات الفرنسية ذات الشهرة؛ مثل: "بول وفرجيني"، و"خرافات لافونتين" وبعض "ملاهي موليير"، (والأمر الذي يجب التنويه به في عمله هذا ليس هو فكر الترجمة في ذاتها، بل الروح التجديدية التي تكمن وراءها، فقد ترجم "لافونتين" إلى شعر سهل لا تصنع فيه ولا رهق.


إلا أنه حين ترجم "ملاهي موليير" كتبها بلهجة العامة في مصر، ولم يكن الوقت قد حان بعد للإقدام عى مثل هذا العمل الجريء، غير أن ما تجلى في تلك الخطوة من انفكاك تام من أسر الماضي كان دليلًا على روح العصر، فقد قال الخديوي إسماعيل: "مصر أصبحت قطعة من أوروبا"؛ ولذا كان لابد للأدب المصري من أن يعبر عن استقلاله عن التقاليد الآسيوية والإفريقية) [دراسات في حضارة الإسلام، جب، ص(320-321)].


الطهطاوي والمرأة المسلمة:


وكعادة دعاة التغريب والانحلال تحت مسمى التنوير والحداثة، ينفثون سمومهم من أجل تحرير المرأة ليس من الظلم الذي يدعونه، ولكن من كل حياء إسلامي رفيع؛ ولذا فقد نالت المرأة من كتاباته الكثير، فقد عاد الطهطاوي من فرنسا ليقول بملء فيه: (إن السفور والاختلاط ليس داعيًا إلى الفساد) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(305)]، ويُبرر لدعوته ذلك بالاقتداء بالفرنسيين حتى في إنشاء المسارح والمراقص، وضمَّن ذلك كتابين: (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز) وكتاب: (المرشد الأمين).


العوامل المؤثرة في تكوينه الفكري:


وعن هذا يخبرنا الأستاذ سالم مبارك في كتابه "اللغة العربية ... التحديات والمواجهة"، فيقول عن رفاعة الطهطاوي: (ذكيًّا نعم، نابهًا بين أقرانه نعم، محبًّا للعلم نعم، ولكنه مع ذلك في الخامسة والعشرين من العمر ... غريرًا، طري العود، جاء من أقصى الصعيد حيث البؤس والضنك إلى قلب باريس بحدائقها وميادينها ومباهجها.


وتم تسليمه إلى أخطر مستشرق وأدهاهم، إنه البارون الفرنسي "سلفستر دي ساسي"، فتنوه وجعلوه يشاهد أروع المحافل التي تتألق أنوارها، فتتألق معها مفاتن النساء، انتزعوه من بؤس الصعيد وأزقتها المخربة وقضى في باريس 6 سنوات، تعلم فيها الفرنسية، ودرس التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة والآداب الفرنسية، وقرأ مؤلفات "فولتير"، و"جان جاك روسو"، و"مونتسكيو"، وتعلم فن العسكرية, والرياضيات.




كيف يمكن لست سنوات أن تلم هذه العلوم التي شابت لها نواصي الرجال إلا أن تكون خطفًا، وأن يكون ما ألفه سطوًا على كتب، حتى مدرسة الألسن التي أنشأها لم تكن من بنات عبقريته بل بإيعاز ممن درَّبوه هناك، وهذه المدرسة أحدثت صدعًا في ثقافة الأمة وقسمتها إلى شطرين: الأزهر في ناحية, ومدرسة الألسن في ناحية, والوظائف طبعًا تكون للأخيرة حيث يدرس فيها المستشرقون) [اللغة العربية .. التحديات والمواجهة، سالم مبارك، ص(28) نقلًا عن في الطريق إلى ثقافتنا، محمود محمد شاكر ص(210-213)].


وفاته:


انزوى رفاعة الطهطاوي في آخر حياته عن الساحة، وترك مكان الصدارة الذي ظل يشغله طيلة خمسين سنة يترجم علوم وأفكار أوروبا والقوانين الوضعية ويرأس تحرير جريدة "الوقائع المصرية"، ويكتب المقالات ويؤلف الكتب ويقنن الأفكار، حتى وافته المنية في 1 ربيع الآخر سنة 1289هـ/1873م، بعد أن قام بالدور الأول في طمس معالم الحضارة الإسلامية وتحويلها لمسخ من الحضارة الغربية.


أهم المراجع:


1. الأعلام، الزركلي.


2. تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي.


3. المرشد الأمين، الطهطاوي.


4. دراسات في حضارة الإسلام، "جب".


5. أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، العفاني.


6. في الطريق إلى ثقافتنا، محمود محمد شاكر.


7. اللغة العربية .. التحديات والمواجهة، سالم مبارك.


8. معجم المؤلفين، عمر كحالة.


9. مجلة التاريخ العربي.


10. الموسوعة الحرة على شبكة الإنترنت.



مقال للكاتب مصطفى كريم

د عصام
16-05-2013, 09:30 PM
قال الشيخ بخيت المطيعي في كتابه حقيقة الإسلام واصول الحكم
رفاعة بك الطهطاوي المعروف بالعلم والفضل
لم يكن رفاعة الطهطاوي كما أشاع عنه الكثيرون رائدا من رواد التغريب بل كان شيخا أزهريا ملتزما بالحق والعدل وأكثر ما يشاع عنه مجتزأ من سياقه وقد تعرضت إحدى الرسائل العلمية في كلية دار العلوم لدراسة هذه الشخصية بما لها وعليها في دراسة مميزة بعنون منهج رفاعة الطهطاوي ومدرسته في الإسلاح بين الأصول الإسلامية والأفكار العلمانية وطبعت مؤخرا بدار الحكمة بمصر