المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من حديث : "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ ......"



مهاجر
11-05-2010, 07:37 AM
من حديث أبي بكرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا :
"إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي فِيهَا وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي إِلَيْهَا أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ قَالَ يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ"
ففيه توكيد لوقوع الفتنة ، فكينونتها فرع عن مشيئة الله ، عز وجل ، النافذة ، وإن لم توافق إرادته الشرعية إذ لم يأمر الله ، عز وجل ، عباده بإيقاع الفتن ، وإن قدر وقوعها كونا ، لحكم بالغة تربو على مفسدة وقوعها . فالشر ليس إليه ، وإن كان مخلوقا له ، إذ فعله كله خير ، وإنما يكون الشر في المقدور المخلوق لا القدر الذي يقع الخلق به ، على أنه شر جزئي فليس شرا محضا من كل وجه ، بل له من المآلات الحميدة ما يجعل وقوعه عين الحكمة ، ولكن ذلك يخفى على العباد حال وقوع المصيبة إذ يريهم الشيطان الشر الكائن حالا ، ويصرفهم عن الخير الكائن مآلا .

والتنكير في : فتنة : للتعظيم ، وقد زيد في بيانها بالإطناب في ذكر أوصاف الداخلين فيها ، فلكل نصيب من الذم بقدر ولوجه فيها ، إلا أن يقوم في حقه عذر معتبر من تأويل سائغ ، كما جرى في فتنة الجمل وصفين ، إذ أثنى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كلا الطائفتين بوصف : الإسلام ، كما في حديث أبي بكرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ" .
قال الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" : "وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَصْوِيب رَأْي مَنْ قَعَدَ عَنْ الْقِتَال مَعَ مُعَاوِيَة وَعَلِيي وَإِنْ كَانَ عَلِيّ أَحَقّ بِالْخِلَافَةِ وَأَقْرَب إِلَى الْحَقّ ، وَهُوَ قَوْل سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَابْن عُمَر وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ وَسَائِر مَنْ اِعْتَزَلَ تِلْكَ الْحُرُوب" . اهــ

فضلا عن وصفهما بالإيمان في قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فكلاهما بوصف الإيمان جدير ، وإنما تأولت طائفة منهما فبغت على الأخرى مع كون الثانية : الأدنى إلى الحق ، فوقعت الفتنة التي حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الولوج فيها ، فاجتنبها جل الصحابة ، رضي الله عنه ، واجتهدت طائفة منهم ، وهم للاجتهاد أهل ، فترجح عندهم أن الحق مع طائفتهم فانتصروا لها انتصار طالب الحق لا طالب الهوى ، ولما كان الراجح في مسائل الخلاف السائغ أن المصيب واحد بعينه أصابت طائفة علي ، رضي الله عنه ، أجري الاجتهاد ابتداء والإصابة انتهاء ، واصابت الطائفة الأخرى سواء أكان ذلك في الجمل أو صفين أجر الاجتهاد دون الإصابة ، فكلاهما ممدوح شرعا ، وإن وقع منه ما لا يسلم منه بشر سوى الأنبياء فلم تكن إحدى الطائفتين راجية عصمة .

الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي فِيهَا وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي إِلَيْهَا : تناسب في الأطراف مع مع التدرج من الأدنى إلى الأعلى وذلك أصل في الحكم على الأفعال والأعيان ، فليس الفعل مدحا أو ذما نمطا واحدا بل هو متفاوت بقدر ولوج صاحبه فيه ، فليس من آمن إيمانا مجملا كمن ولج باب الإيمان فحصل من العلم والعمل ما انشرح به صدره واطمئن به قلبه ولهج به لسانه وعمرت به أركانه ، وقل مثل ذلك في كل عمل ، فإن البشر تتفاوت ملكاتهم وقدراتهم في الخير أو الشر فيقع التفاضل بينهم ، وإن جمعهم وصف مدح أو ذم كلي ، وكذلك يقع التفاوت في الفعل الواحد وإن وصف إجمالا بالمدح ترغيبا ، أو الذم ترهيبا ، كما في هذا الحديث ، وإن لم يلزم من ذم الفعل ذم فاعله ، فقد يكون الفعل : كفرا ولا يكفر فاعله لقيام مانع من موانع التكفير من : جهل أو نسيان أو .............. إلخ ، في حقه ، فكيف بما هو دونه من المسائل العملية التي يسوغ الخلاف فيها ، فلم يجر الخلاف فيها على قاعدة دينية كلية إذ هي من مسائل الخلاف في استيفاء حد من حدود الله ، فلم ينكر أحدهما مشروعية الحد ، بل لم ينكر أحد استحقاق قتلة الخليفة عثمان ، رضي الله عنه ، حد القصاص الشرعي ، وإنما اختلفوا في التوقيت والكيفية تبعا للمصالح والمفاسد الشرعية المعتبرة التي قد تترتب على ذلك ، فرأى فريق المصلحة في التأجيل حتى تهدأ الأحوال وتنطفئ نيران الفتنة المتقدة ، ورأى فريق المصلحة في التعجيل انتصارا للخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، ولئلا يتجرأ مفسد على التطاول على مقام الخلافة الراشدة بعد ذلك ، فيكون ذلك حسما لمادة الفتنة فيما يأتي من مستقبل الأيام . فإذا كان الأمر كذلك : أفلا يكون العذر بالاجتهاد والتأول كائنا فيها من باب أولى ؟!

فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ : سبر وتقسيم باعتبار أصناف الأموال آنذاك ، فهو حاصر من جهة الأحوال ، لا من جهة الأعيان ، فإذا وقعت الفتنة وعمت ، ولمعتزلها مال من غير تلك الأجناس فإن الحكم يجري عليه ، إذ ذكر تلك الأجناس من قبيل : ذكر بعض أفراد العام فلا يخصصه ، وإنما وردت مورد التمثيل لا السبر والتقسيم .
وفي الإطناب بالتكرار زيادة في المعنى ، فذلك أوقع في النفس بيانا لعظم تلك الفتنة وتحذيرا من الولوج فيها ، وقد كان ذلك حال معظم الأصحاب ، رضي الله عنهم ، وصنيع سعد ، رضي الله عنه ، أصل في امتثال ذلك الأمر النبوي الرشيد .

يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ : كناية عن الكف عن القتال بإتلاف آلته ، فليس المراد كسر السيف بكيفية بعينها ، وإنما المراد كف البأس عن الجماعة بإغماد السيوف وما شاكلها من آلات الحرب ، فهو ، أيضا ، من قبيل ذكر بعض أفراد العام فلا يخصصه .
فإرادة الكناية هنا ليست مرادة من جهة الحصر ، وإن لم يمنع إيرادها إرادة الصورة المذكورة على حد الحقيقة كما تقرر في حد الكناية في كلام البلاغيين .
وفي الأمر بالنجاء بصيغة الشرط : ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ : إلهاب لهمة الفار لينجو ما استطاع إلى ذلك سبيلا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
13-05-2010, 08:43 AM
ومن هذا الباب أيضا : قول أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : "إن هذه الفتنة فتنة باقرة كداء البطن ، لا ندري أنى تؤتى ، تأتيكم من مأمنكم وتدع الحليم كأنه ابن أمس ، قطعوا أرحامكم وانتصلوا رماحكم" ، وهذه رواية ابن أبي شيبة ، رحمه الله ، في "المصنف" ، ورواية الطبري ، رحمه الله ، في تاريخه : "إن الفتنة إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت بينت وإن هذه الفتنة باقرة كداء البطن تجرى بها الشمال والجنوب والصبا والدبور فتسكن أحيانا فلا يدرى من أين تأتي تذر الحليم كابن أمس شيموا سيوفكم واقصدوا رماحكم وأرسلوا سهامكم واقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم" .
ففي قوله على وجازته بيان بليغ لحال الفتنة فالمقابلة بين حال إقبالها وحال إدبارها بــ : "أقبلت شبهت" ، و : "أدبرت بينت" : مئنة من اشتباهها على ذوي الأفهام وإلا ما كانت فتنة بظهور الحق جليا في أول أمرها ، وإنما يظهر وجه الحق فيها بعد انقضائها .
وفي قوله : "وإن هذه الفتنة باقرة" : مجاز إسنادي بنسبة البقر ، الذي هو القطع ، للفتنة ، ويمكن إجراؤه مجرى مجاز السببية إذ الفتنة سبب في وقوع البقر ، ويمكن إجراؤه ، أيضا ، مجرى الاستعارة إذ استعار القطع الحسي للقطع المعنوي ، ولا يمتنع الجمع بينهما إذ الفتنة مظنة القطع المعنوي بذهول العقول عن وجه الحق فيها ، والقطع بإتلاف الأبدان .
وتشبيهها بداء البطن : تشبيه مرسل مجمل حذف فيه وجه الشبه لظهوره ، فذكره فضلة لا حاجة إليها ، إذ كلاهما مما يفسد الحال فالفتن مما يفسد القلوب ، وداء البطن مما يفسد الأبدان .

وجريان الريح بها مئنة من سرعة سريانها ، فاستعار الجريان الحسي للجريان المعنوي ، فهي على وزان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث الدجال : "كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ" ، فلو أجريت الاستعارة على هذا الوجه لقيل : هي استعارة مكنية إذ شبه الفتنة بما تحمله الريح وحذف المشبه به وكنى عنه بلازم من لوازمه وهو جريان الريح به ، وهي من جهة أخرى : تبعية وقعت في الفعل المشتق : "تجري" ، وهي تحقيقية إذ الصورة مما يمكن الإشارة إليه حسا ، فحملان الريح لما دق من غيث أو غبار ......... إلخ أمر مدرك بالأبصار . وقد يقال بأن ذلك من باب تشبيه التمثيل ، إذ انتزع من الريح التي تعصف تارة وتسكن أخرى صورة مركبة للفتنة التي توقد تارة وتخبو أخرى .
تذر الحليم كابن أمس : مبالغة في وصف اشتباهها على ذوي العقول فتذرهم كالرضع الذين لا عقل لهم .
وفي قوله : "شيموا سيوفكم واقصدوا رماحكم وأرسلوا سهامكم واقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم" .
سبر وتقسيم على ما تقدم بيانه فيه الأمر لهم إرشادا بالكف بإتلاف آلات القتال ، والكف بالقرار في أجواف الدور .
وشيم السيوف : سلها أو غمدها ، قال في اللسان" : "وشامَ السيفَ شَيْماً سلَّه وأغمده وهو من الأضداد" ، وسياق الكف عن القتال رافع لإجماله مزيل لإلباسه ، فالمراد : كفها بالغمد . والسياق ، كما تقدم في أكثر من مناسبة ، قرينة معتبرة في معرفة مراد المتكلم .

والله أعلى وأعلم .

أحمد المحلاوى
13-05-2010, 01:58 PM
جزاك الله خيراً
موضوع متميز ، أثرانى بالفعل

أحاول أن
15-05-2010, 04:45 PM
نسأل الله السلامة للمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات ..
شكر الله لكم أستاذنا المهاجر هذه الموضوعات الفرائد ، "الغريبـــة " وطوبى للغرباء !

مهاجر
16-05-2010, 08:11 AM
جزاكم الله خيرا أيها الكرام الأفاضل على المرور والتعليق .

ومما يتعلق بهذا الشأن أيضا :
قول حذيفة رضي الله عنه : إياكم والفتن ، لا يشخص لها أحد ، والله ما شخص فيها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن ، إنها مشبهة مقبلة ، حتى يقول الجاهل : هذه تشبه مقبلة ، وتبين مدبرة ، فإذا رأيتموها فاجثموا في بيوتكم ، واكسروا سيوفكم ، وقطعوأ أوتاركم .

إياكم والفتن : تحذير إذ سيق الإغراء مساق التحذير .
لا يشخص لها أحد ، والله ما شخص فيها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن :
تشبيه تمثيلي انتزع وجهه من صورة السيل إذ يجتاح بقايا الأبوال والأبعار المتبلدة ، فكذلك الفتنة حال اجتياحها النفوس .
إنها مشبهة مقبلة حتى يقول الجاهل : هذه سنة وتبين مدبرة : مقابلة على وزان المقابلة في قول أبي موسى ، رضي الله عنه ، في المداخلة السابقة ، فهي حال إقبالها مشتبهة حتى يقول الجاهل فيها بضد وصفها ، فيرى الخير فيما ولج فيه فإذا ارتحلت علم وجه الحق فيها إذ الكف عن مباشرة أسبابها لمن لم يترجح له وجه فيها : أسلم عاقبة ، فلا يعذر في تلك المضائق إلا أهل الاجتهاد الذين حصلوا آلته فبذلوا الجهد واستفرغوا الطاقة طلبا لوجه الحق ، كما كان حال رءوس الأصحاب ، رضي الله عنهم ، في الجمل وصفين ، لا عموم المكلفين الذين تشتبه عليهم الأمور فيخوضون في الأمر لمطمع عاجل أو هوى غالب وذلك الغالب على الناس زمن الفتن .
فإذا رأيتموها فاجثموا في بيوتكم ، واكسروا سيوفكم ، واقطعوا أوتادكم : على ما اطرد من أمر أبي موسى ، رضي الله عنه ، في معرض النصح والإرشاد .
والجثوم أبلغ اللزوم ، إذ هو التلبد بالأَرض ، كما ذكر صاحب اللسان ، رحمه الله ، فهو مئنة من التوكيد بالقرار في البيوت .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
19-05-2010, 09:14 AM
ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه :
كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، وتتخذ سنة ، فإن غيرت يوما قيل : هذا منكر ، وقالوا : ومتى ذاك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : ذاك إذا قلت أمناؤكم ، وكثرت أمراؤكم ، وقل فقهاؤكم ، وكثر قراؤكم ، وتفقه لغير الدين ، والتمست الدنيا بعمل الآخرة .

فالاستفهام قد أشرب معنى التعجب ، والإنكار لتلك الحال ، والإشفاق على من حضرته ، والتحذير لمن عمته .
واستعار الملابسة الحسية للملابسة المعنوية ، من باب الاستعارة التصريحية في الفعل : "لبس" الذي استعير للفعل : "عم" ، على تقدير : إذا عمتكم ، أو على سبيل الاستعارة المكنية ، إذ شبهت الفتنة بالثوب الذي يلابس البدن ، وحذف المشبه به وكني عنه بما يدل عليه ، إذ اللبس دال على الملبوس دلالة لزوم عقلية ، فلا ينفك اللابس عن ملبوس يستر به بدنه .
ومن ينكر المجاز فإن المسألة عنده من مسائل الحقيقة العرفية المشتهرة ، إذ قد اطرد في لسان العرب استعمال العرب الملابسة في الدلالة على المخالطة ، والمخالطة إما أن تكون حسية على وزان قوله تعالى : (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) ، مع احتمالها الملابسة المعنوية بما يكون بين الزوجين من مودة ورحمة ، أو : معنوية ، على وزان قوله تعالى : (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) ، قال في "اللسان" : "وفي حديث جابر لما نزل قوله تعالى : (أَو يُلْبِسَكُم شِيَعا)ً اللَّبْس الخلْط يقال لَبَسْت الأَمر بالفتح أَلْبِسُه إِذا خَلَطت بعضه ببعض أَي يَجْعَلكم فِرَقاً مختلفين ومنه الحديث : (فَلَبَسَ عليه صَلاتَه) والحديث الآخر : من لَبَسَ على نفسه لَبْساً ............. ولابَسْتُ الأَمرَ خالَطْتُه وفيه لُبْسٌ ولُبْسَةٌ أَي التِباسٌ وفي التنزيل العزيز : (وللبَسْنا عليهم ما يَلْبِسُون) يقال لَبَسْت الأَمر على القوم أَلْبِسُه لَبْساً إِذا شَبَّهْتَه عليهم وجَعَلتَه مُشْكِلاً وكان رؤساء الكفار يَلْبِسُون على ضَعَفَتهم في أَمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقالوا هَلاَّ أُنزل إِلينا مَلَك ؟ قال اللَّه تعالى ولو أَنزَلْنا مَلَكاً فرأَوْه يعني المَلَك رجُلاً لكان يَلْحَقهم فيه من اللَّبْس مثل ما لحق ضَعَفَتَهُم منه" . اهــ

فلا حاجة إلى تكلف المجاز في لفظ قد عرفت دلالته ابتداء إذ تبادر إلى الذهن منه معنى صحيح على جهة الحقيقة .

يربو فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير : إطناب في بيان تلك الفتنة ، بذكر أوصافها على جهة المقابلة بين : "يربو فيها الصغير" ، و : "ويهرم فيها الكبير" فذلك مئنة من عمومها لكل الأعيان فلا يسلم منها كبير ولا صغير .
وتتخذ سنة : مئنة من التكلف إذ الاتخاذ من الافتعال كالاكتساب الذي يتكلف فيه المكتسب ما لا يتكلفه الكاسب ، وفي التنزيل : (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، فالكسب مئنة من التلقائية فالحسنة توافق الفطرة فلا تجد النفس تكلفا في عملها ، والاكتساب مئنة من التكلف فالسيئة تخالف الفطرة فتجد تكلفا وعدم ارتياح في عملها إلا إن فسدت فصارت تلتذ بها فذلك من العقوبة المعجلة بموت القلب .

فإن غيرت يوما قيل : هذا منكر : فقد عمت الأزمان كما عمت الأعيان ، فصار التعرض لها بالإنكار هو عين المنكر وإنما يكون ذلك في أزمان دروس العلم وانقطاعه بقبض العلماء كما في حديث عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" .
ذاك إذا قلت أمناؤكم : فيوسد الأمر لغير أهله .
وكثرت أمراؤكم : مع اتصافهم بعدم الأمانة ، والطباق بين القلة والكثرة إيجابا فضلا عن ورود الأمراء في مقابل الأمناء مئنة من فشو الخيانة في الأمراء حتى صاروا في حد مقابل لحد الأمناء ، فصارت القسمة : أمناء وأمراء ، بعد أن كانت : أمناء وخونة ! .
وقل فقهاؤكم ، وكثر قراؤكم : على وزان ما تقدم من الطباق والمقابلة ، فقد صار الغالب على القراء بعد زمن قراء الصحابة ، رضي الله عنهم ، صار الغالب عليهم : الجهل والغلو في الدين ، ولنا في الخوارج عبرة ، فقد جمعوا بين الاجتهاد في القراءة والغلو في العبادة في مقابل قلة الفقه ، بل عدمه ، فلم يعرف منهم راسخ في العلم أو حتى طالب له ، فالغالب عليهم : التنطع في العمل بلا علم ، على وزان طريقة الضالين من أمة النصارى الذين غلوا في العمل وجفوا في العلم ، فعبدوا الله ، عز وجل ، بالبدع والمحدثات ، وتعصبوا لباطلهم كأي جاهل بعلوم النبوات فليس عندهم منها إلا أثر دارس ، فوقعت العداوة بينهم ، مصداق قوله تعالى : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) .

وتفقه لغير الدين ، والتمست الدنيا بعمل الآخرة : وذلك من عطف المسبَب على سببه ، إذ قد فسدت الإرادات بإرادة الدنيا بعمل الآخرة ، والطباق بينهما يزيد الجناية تصورا في الذهن فيستبشعها كل من له حظ من دين ، إذ التمس الأدنى بالأعلى ، فجعل الوسيلة غاية ، والغاية وسيلة ، وذلك من فساد التصور بمكان فرعا عن فساد النية والإرادة . وتلك طريقة المغضوب عليهم من أمة يهود الذين علموا الحق فكتموه مع قيام الحاجة إلى بيانه ليشتروا به ثمنا قليلا من جاه أو رياسة زائلة ، مصداق قوله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) ، فاستوفت مقالة ابن مسعود ، رضي الله عنه ، طرق الأمم المتقدمة إذ دخل عليهم الفساد في العلم كحال النصارى ، أو العمل كاليهود ، وإنما تقع النجاة : بعلم النبوات النافع ، وما يتفرع عنها من أعمال صالحة ، وفي التنزيل : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، فالعمل الصالح فرع عن التوحيد أجل علوم النبوات ، فلا يكفي العمل بمعزل عن العلم إذ هو مظنة الابتداع ، ولا يكفي العلم بمعزل عن العمل إذ هو مظنة العصيان .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
22-05-2010, 10:34 AM
ومن ذلك أيضا :
قول أبي هريرة رضي الله عنه :
أيها الناس ! أظللتكم فتنة كقطع الليل المظلم ، أنجى الناس فيها - أو قال : منها - صاحب شاء يأكل من رسل غنمه ، أو رجل وراء الدرب آخذ بعنان فرسه يأكل من سيفه .

ففي قوله : "أظلتكم" : استعارة غشيان الظل الحسي لغشيان الفتنة المعنوي ، فيجري مجرى الاستعارة التصريحية التحقيقية ، إذ غشيان الظل أو الظلمة .......... إلخ مما يحيط بالشخوص ، مما تمكن الإشارة إليه حسا .
وتشبيهها بقطع الليل المظلم : تشبيه مرسل مجمل ، حذف فيه وجه الشبه ، وهو عموم الفتنة وخفاء أمرها ، ففيه توكيد للممنى المتقدم فهي فتنة عامة مشتبهة لا يظهر فيها وجه الحق الخالص إلا لقلة من المسددين ، ولا يعذر فيها بالاجتهاد السائغ إلا قلة من سادات المؤمنين أصحاب الرأي والنظر على التفصيل المتقدم .

وفي تقديم إسناد وصف النجاة لمن يأتي بيان حالهم : نوع تشويق بتصدير الكلام بما تتشوف إليه النفوس من الحكم إذ يتلهف المخاطب على معرفته إذا كان محط الفائدة ، لا سيما إن كان أحسن عاقبة فهو قائم مقام البشرى .

صاحب شاء : بيان بذكر أفراد المحكوم بعد إجمال حكم النجاة : و : "من" : للتبعيض فضلا عما اطرد من دلالتها على ابتداء الغاية ، فابتداء غاية أكله منها ، والبيان ، إذ أكله من جنس تلك الشياه بداهة .

أو رجل وراء الدرب آخذ بعنان فرسه يأكل من سيفه : للتقسيم وهو حاصر من جهة المعنى الكلي ، غير حاصر من جهة الأفراد : فمراد أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن خير ما يفعل في زمن الفتن عموما : الاعتزال أو جهاد الكفار ، فلم يرد النص على صورة الآكل من قطيعه أو المجاهد بسيفه خصوصا فالعبرة بالعموم لا بالأفراد المذكورة .

و : "من" في قوله : "يأكل من سيفه" : سببية على ما اطرد في كلام البلاغيين ومن صنف في معاني الحروف من دلالات : "من" المتعددة ، فالسيف آلة استخلاص الغنائم المأكولة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
25-05-2010, 08:07 AM
ومنه حديث عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : (كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَقَالُوا وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ) :
يغربل فيه الناس : على سبيل الاستعارة ، إذ الفتن تميز الناس كما يميز الغربال جيد الدقيق من رديئه ، فتبقى الحثالة التي قد اختلطت أمورهم ، وذلك حال من لابس الفتنة ولم يكن من الراسخين في العلم فإنه يخبط فيها خبط عشواء ، والتشبيك بين الأصابع جار مجرى البيان بالإشارة ، إذ استعار التداخل بين الأصابع حال التشبيك ، للتداخل الحاصل زمن الفتن .
وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ : مقابلة في العلم فتأخذون منه المعروف المشهور وتذرون في مقابله المنكر والشاذ ، وتتبع غرائب العلم لغير التفقه مظنة الخذلان .
وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ : مقابلة في العمل فرعا عن العلم فتقبلون على أعمال الخاصة من أهل العلم وتذرون أعمال العامة التي يغلب عليها التخليط والابتداع ، فهي وصية جامعة لترياق الفتن : العلم النافع والعمل الصالح .

والله أعلى وأعلم .

احمد عاطف
25-05-2010, 10:10 AM
موضوعاَ غاية في الروعة والجمال وشرح وافي للحديث اسئل الله أن يكفينا شر الفتن وجزاك الله خيراَ

مهاجر
29-05-2010, 08:26 AM
وجزاك خيرا أخي أبا يزيد ، أيها الكريم ، على المرور والتعليق ، ووقاني وإياك وكل المسلمين شر الفتن .

ومن حديث حذيفة ، أمين السر ، رضي الله عنه :

كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ فَقَالَ قَوْمٌ نَحْنُ سَمِعْنَاهُ فَقَالَ لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ :
فذلك استفهام للاستعلام فيه نوع استدراك على ما جال بخواطرهم من الفتنة الصغرى ، الفتنة في أمر الدنيا ، فليست هي مراده ، فهي ، مع عظم خطرها ، إذ هي مما يشغل القلب والعقل فاضطراب أمر الدنيا مفسد للمزاج مضعف للسائر في طريق الهداية الذي يتطلب السير فيه : همة مجموعة غير مصروفة ، فإذا تجاذبت الشواغل والصوراف أطرافها انحل عقد القلب ، وانفسخ رباط الهمة ، فالاستكثار من فضول الدنيا : مفسد لأمر الدين ، وكذلك الاستقلال من ضروراتها بترك مباشرة أسبابها : مفسد ، أيضا ، لأمر الدين ، فالغنى المطغي والفقر المشغل كلاهما مادة فساد لحال العبد بصرف قلبه عما يصلحه من العلوم والأعمال ، فالبطنة تذهب الفطنة والجوع بئس الضجيع ، فلا إفراط ولا تفريط . وبذلك رد المحققون من أهل العلم كالشاطبي ، رحمهم الله ، مقالات أهل الطريق في التقلل من الدنيا بالانخلاع من أسبابها بالكلية فإن ذلك لم يكن معهودا زمن الرسالة فلما قال أبو لبابة رضي الله عنه : "إنّ من توبتي أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالي صدقة" ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "يكفيك من ذلك الثلث !" ، وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له نحوًا من ذلك ، كما ذكر ذلك الطبري ، رحمه الله ، في تفسيره .
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتجرون ويتكسبون ، ولم يأمر أحدهم بالخروج من ماله بالكلية حتى في أوقات الشدة ، كيوم الأحزاب وساعة العسرة . بل لم يقبل ذلك ممن أراده ، كما في حديث صاحب البيضة ، وإن قبله من رجال كأبي بكر ، رضي الله عنه ، إذ له من سابقة الإيمان وقوة الديانة ما يجبر نقصان أمر دنياه ، ولأهله من الصبر على ضيق الحال ما ليس لغيرهم فضلا عن كونه تاجرا حاذقا يقوى على التكسب ، فليس في إنفاق ماله على هذا الوجه ضرر عليه في نفسه لازم أو على غيره متعد ، فإن الرجل لو علم من نفسه صبرا ولم يعلم من أهله نظيره ، أو كان على يأس من الدنيا لمرض فزهدت نفسه في عرضها وأهله على رجاء منها لصحة ما جاز له أن يتركهم عالة يتكففون ، وفي حديث سعد رضي الله عنه : "إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" ، وهذا مظهر آخر جلي من مظاهر وسطية الملة الخاتمة ، فلا إفراط بمباشرة الأسباب لحد الشبع المثقل للأبدان المفتر للأذهان ، ولا تفريط لحد الجوع المفسد للأمزجة والأبدان .
يقول الشاطبي رحمه الله :
"فالدخول في عمل على نية الإلتزام له إن كان في المعتاد بحيث إذا داوم عليه أورث مللا ينبغي أن يعتقد أن هذا الالتزام مكروه ابتداء إذ هو مؤد إلى أمور جميعها منهي عنه :
أحدها : أن الله ورسوله أهدى في هذا الدين التسهيل والتيسير وهذا الملتزم يشبه من لم يقبل هديته وذلك يضاهي ردها على مهديها وهو غير لائق بالمملوك مع سيده فكيف يليق بالعبد مع ربه ؟
والثاني : خوف التقصير أو العجز عن القيام بما هو أولى وآكد في الشرع وقال صلى الله عليه و سلم إخبارا عن داود عليه السلام : "إنه كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى" ، تنبيها على أنه لم يضعفه الصيام عن لقاء العدو فيفر ويترك الجهاد في مواطن تكبده بسبب ضعفه .
وقيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه : إنك لتقل الصوم فقال : إنه يشغلني عن قراءة القرآن وقراءة أحب إلي منه .
ولذلك كره مالك إحياء الليل كله وقال : لعله يصبح مغلوبا وفي رسوله الله صلى الله عليه و سلم أسوة ثم قال : لا بأس به ما لم يضر بصلاة الصبح .
وقد جاء في : صيام يوم عرفة أنه يكفر سنتين ثم إن الإفطار فيه للحاج أفضل لأنه قوة على الوقوف والدعاء ولابن وهب في ذلك حكاية وقد جاء في الحديث : "إن لأهلك عليك حقا ولزوارك عليك حقا ولنفسك عليك حقا" ، فإذا انقطع إلى عباده لا تلزمه الأصل فربما أخل بشيء من هذه الحقوق ...... وهذا الحديث ، (أي حديث سلمان ، رضي الله عنه ، وفيه "إن لنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولضيفك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط لكل ذي حق حقه") ، قد جمع التنبيه على حق الأهل بالوطء والاستمتاع وما يرجع إليه والضيف بالخدمة والتأنيس والمؤاكلة وغيرها والولد يالقيام عليهم بالاكتساب والخدمة والنفس بترك إدخال المشقات عليها وحق الرب سبحانه بجميع ما تقدم وبوظائف أخر فرائض ونوافل آكد مما هو فيه . (فيكون ذلك من باب تقديم المندوب المفضول على الفاضل سواء أكان واجبا يقع التقصير في أدائه بالمدوامة على المفضول الذي يجهد البدن والنفس ، أم مندوبا مثله ولكنه يفضله في الأجر ، فهو في كلا الوجهين قد فاته ما هو أولى) .
والواجب أن يعطى لكل ذي حق حقه وإذا التزم الإنسان أمرا من الأمور المندوبة أو أمرين أو ثلاثة فقد يصده ذلك عن القيام بغيرها أو عن كماله على وجهة فيكون ملوما ....... والأدلة في هذا المعنى جميعها راجع إلى أنه لا حرج في الدين والحرج كما ينطبق على الحرج الحالي ـ كالشروع في عبادة شاقة في نفسها ـ كذلك ينطلق على الحرج المآلي إذ كان الحرج لازما مع الدوام" .
بتصرف من "الاعتصام" ، (1/289_294) .

فذلك من جنس المشقة العاجلة التي يظهر أثرها حالا كمن لا يقدر على القيام في الصلاة ابتداء ، أو المشقة الآجلة ، كمن يقدر ابتداء على القيام ولكنه يجد مشقة تتراكم حتى توقعه في الحرج باعتبار المآل كأن يكون مريضا يتأخر برؤه بالقيام ، فقد يغفل عن هذه المفسدة المتراكمة فيقوم لما يجد من نفسه من القدرة على القيام حال الصلاة دون نظر إلى المآل .


قَالُوا أَجَلْ قَالَ تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ :
و : "أل" في : "الصلاة" ، و : "الصيام" ، و : "الصدقة" جنسية لبيان الماهية ، فجنس الصلاة والصيام والصدقة يكفر الصغائر ، أو هي عهدية ذهنية تشير إلى معهود بعينه هو جنس الواجب منها بقرينة : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" ، وذلك إنما يكون بقيد التوبة وعدم الإصرار ، فلا يقطع بتكفير الأعمال للصغائر وإنما ذلك على إحسان الظن وقوة الرجاء ، وإلا صارت الصغائر في حكم المباحات وهذا نقض لعرى الشريعة .
وذكر تلك الأعمال في سياق المكفرات خارج مخرج التمثيل فلا تصح دعوى التخصيص ، إذ الحج ، وهو غير مذكور ، مكفر من المكفرات ، بل هو من أعظمها محوا للسيئات ، مصداق قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" : فحذف وجه الشبه لدلالة السياق عليه ، إذ الحديث قد سيق مساق الترغيب بالوقاية من السيئات تكفيرا ، وإزالة عينها وأثرها تطهيرا .
فيقال بأن ذكر تلك الأفراد في سياق غير حاصر لا يخصص عموم التكفير للصغائر بصالح الأعمال ، إذ ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه كما تقرر في الأصول .

وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ :
استدراك واستفهام للتشويق في معرض المدارسة تشحذ به الأذهان وتستحضر به القلوب والأسماع .
وفي قوله : الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ : تشبيه بليغ بالمصدر المبين للنوع على وزان : أقدم محمد إقدام الليث ، وفي ذلك من التوكيد على عظم خطرها في مقابل الفتنة الأولى ما يزيد شوق المخاطب إلى استكناهها ، وفي قوله : "تموج" : استعارة لاضطراب الأمواج الحسي في الدلالة على اضطراب الفتن المعنوي ، فالفعل مضمن معنى الاضطراب . وهذا حال الناس زمن الفتن إذ تتذبذب الآراء : ولاء وبراء ، محبة وبغضا ، صعودا وهبوطا ، فما يستحسن صباحا يستقبح مساء ، وما يكون إيمانا في أول النهار يكون كفرانا في آخره ، وفي حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا في بيان حال الفتن : "يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا" . وأبطال الأمس خونة اليوم ، وتأمل حال الثورات المسلحة التي تقدم أبطالها إلى مقاصل الاستئصال وتعلقهم على أعواد المشانق ، باسم التصحيح ، فيتم التخلص من القيادات تباعا ، ليضمن صناع الانقلاب تمام السيطرة على مقاليد الأمور ، ولو ظهر إلى السطح أبطال اصطنعتهم الأيدي الخفية ليقوموا بأداء ما وكل إليهم من مهام ، وثورة أتاتورك التي زال بها رسم الخلافة برسم البطولة الزائفة بنصر عسكري محدود متفق عليه كان ثمنه إزالة السلطان الجامع للمسلمين في حركة من أشد حركات العلمانية تطرفا ، تلك الثورة خير شاهد على تلك السنة السيئة التي سارت عليها الانقلابات المتتالية في العالم الإسلامي كانقلاب يوليو 52 في مصر ، وصناعة الشعارات والبطولات الوهمية فن تجيده أمة يهود : الأمة الغضبية التي أحسنت استغلال كلمات من قبيل : الحرية والإخاء والمساواة لهدم الأديان والأخلاق ، وقدمت الكنيسة عدوها الديني اللدود ، والإقطاع عدوها الدنيوي اللدود إلى المقصلة ، وسيرت الغوغاء وفق ما أراد الله ، عز وجل ، وقوعه بمشيئته الكونية النافذة ، فحلت عرى أديانهم وأخلاقهم وأطبقت على مصادر أقواتهم ، فانتقلوا معها من سخرة الإقطاع الزراعي في ضياع الباباوات والنبلاء إلى سخرة الإقطاع الرأسمالي في مصانع أرباب رؤوس الأموال من بارونات عصر النهضة الجدد ، فيهود عند التحقيق قد سبقوا الانقلابات والثورات المعاصرة ، فهم الرواد في ذلك ، فقد أحسنوا استغلال أولى ثورات أوروبا : الثورة الفرنسية المشئومة التي صيرت للعلمانية دولة لأول مرة في التاريخ الحديث .

قَالَ حُذَيْفَةُ فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ فَقُلْتُ أَنَا قَالَ أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوك : وهي كلمة تقال في معرض المدح ، فيها من التعظيم كبير قدر ، إذ نسبة الشيء إلى معظم مئنة من عظمه ، فكيف بنسبته إلى الله ، عز وجل ، العظيم الذي استجمع أوصاف العظمة الذاتية والوصفية والفعلية ؟! . وما ذلك إلا لكون حذيفة ، رضي الله عنه ، خبير الفتن ، إذ كان دائم السؤال عنها ، فوعى من خبرها ما لم يعه غيره ، فهو القائل عن نفسه : "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي" .


قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا :
تشبيه مرسل مجمل حذف وجه الشبه فيه ، إذ الحال : "عودا عودا" : مؤولة بمشتق يكشف وصف المشبه به الذي علق عليه التشبيه ، فهي مؤولة بــ : التتابع بلا فاصل ، فكذلك الفتن تعرض على القلوب متتابعة بلا فاصل زمني ، فمن حين اليقظة إلى المنام يتعرض المكلف إلى صنوف من الفتن شتى فمنها :
الخاص في نفسه : من سعة في الرزق امتحانا ، أو ضيق فيه ابتلاء ، أو سوء خلق زوج أو ولد ، أو شبهة علمية تعرض لقلبه في زمن الشبهات الخاطفة ، أو شهوة تعرض لجوارحه في زمن الشهوات الفاحشة ، التي تستخف النفس وتستفزها ، وتأمل شهوة النظر المحرم ، إذ تملك جارحة العين ابتداء ثم تتسلل إلى مستودع أسراره الإيمانية فتفسد حاله ، وتوهن عقده الإلهي ، وتوثقه برباط عشق فاسد لصورة ناقصة ، هي في حقيقتها قبيحة ، ولكن شياطين الإنس والجن يتولون زخرفتها لتروج على سذج العصاة ممن فرطوا في جند قلبهم ، فلم يوفروها للغاية التي سمت إليها أصحاب الهمم العالية ، همة : "وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ" .

ومنها العام : كالنوازل الدينية والدنيوية وما أكثرها في الأعصار المتأخرة ، فالملة قد انتقص من قدرها ، فنحيت عن الحكم العام ، وضيق على من التزم حكمها الخاص ، ولعل التضييق على ربات الحجاب ، مع كونه من الفروض العينية الخاصة خير شاهد على ذلك ، بل ضيق على أداء الشعائر التعبدية التي لا تتعرض للشأن العام ، فالأنشطة التعبدية التي تحتاجها الأمم : مؤمنها وكافرها ، إذ التأله فطرة كامنة في النفوس التي جبلت على الافتقار إلى رب قادر مدبر ، فإن لم تتأله للإله الحق تألهت لسواه من معبودات الباطل ، فحاجة الأمم إلى التأله ، ولو فاسدا ! ، حاجة ماسة للحفاظ على تماسك المجتمع ، ولو ظاهرا ، فكيف بمن عنده عقد التأله النافع مرفوعا إلى خبر النبوات الصحيح والصريح ، ومع ذلك أهمله بل ضيق عليه ، فتولد من ذلك فتنة عامة ، فتنة : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ، فأكد الفعل وحقه عدم التوكيد لوروده بعد ناف توكيدا على عموم الفتنة إذا كثر الخبث ، إذ فساد الأديان العام مئنة من فساد الأبدان ، فتضطرب أحوال الجماعة باضطراب أحوال أفرادها ، إذ قد حل العقد العاصم من الفتن من قلوب الأفراد بانغماسها في الشهوات وتتبعها للشبهات ، فحل العقد العام الذي يحفظ الجماعة ، ففسد البناء تبعا لفساد لبناته ، فأي فتنة عامة أعظم من ذلك ؟! .
ولكل فتنة مصل واق بالدفع ، وعلاج شاف بالرفع إذا وقعت ، ولا يستقل ببيان ذلك سوى النبوات ، فالتكليفات الشرعيات مما يستعان به على دفع جيوش الفتن النازلة بمقتضى الكلمات الكونيات .

فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا : صيغة عموم لا مخصص لها ، فمادة القلوب خلقا : واحدة . واستعير الإشراب الحسي للإشراب المعنوي ، فيتشرب القلب الفتنة كما تتشرب الخرقة المائع ، وذلك مئنة من تمكن الشبهة أو الشهوة من القلب فيصعب استخلاصها ، كالبقعة المستعصية على الزوال إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، ذلك ، فيستخلص أثر الذنب من القلب بمطهر الإيمان والاستغفار ، فالاستغفار ، كالأشنان أو الصابون ..... إلخ من المنظفات ، يغسل دنس القلب ليرد الذكر بالتسبيح على محل طاهر فيزيده نقاء ، كما أثر عن بعض المحققين من أهل هذا الشأن ، فلا ينفع ورود التحلية قبل التخلية ، فتحلية المحل الدنس إهدار لمادة التحلية ، فلا بد من التطهير لا سيما في أزمنة الفتن ، فــ : "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ" ، فكفوا الأيدي واشتغلوا بتزكية النفوس بالصلاة والزكاة والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولا أمثل من زماننا للعمل بهذه الآية ، فقد اتسع الخرق على الراتق ، فــ : "عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ" ، بأمر النفس ، ونصح الغير ، إن كان لذلك سبيل ! ، في زمان الغربة التي صار فيه المنكر معروفا ، والمعروف منكرا ، فلا يسلم المُنْكِر على فاعل المُنْكَر ، ولو كان إنكاره شرعيا بنصح لمن لا ولاية له عليه ، لا يسلم من أذى ، قد يشتد حينا حتى يصل إلى حد يسقط معه التكليف ، فالمشقة تجلب التيسير ، فيسقط الإنكار إذا غلب على الظن تولد مفسدة أعظم من المنكر الكائن ، من أذى غير محتمل في النفس أو المال أو الذرية ..... إلخ ، ويسقط إن غلب على الظن عدم استجابة الفاعل للنصح ، بل قد يتمادى ، لا سيما إن كان صاحب رياسة أو وجاهة ، فهو من أكابر المجرمين ، فالإنكار على مثله مظنة عدم الاستجابة ، بل لحوق الأذى بالمنكِر ! ، وعليه حمل بعض أهل العلم قوله تعالى : (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) ، فيفيد بمفهومه عدم التذكير إن لم تنفع الذكرى ، ومن مأثور قول الشافعي رحمه الله :

أأنثر درا بين سارحة النعم ******* وأنظم منثورا لراعية الغنم
لعمري لئن ضيعت في شر بلدة ******* فلست مضيعا بينهم غرر الحكم

وليس المراد الكبر والتعالي على المسلمين ، لا سيما العصاة ، فمنهم من قام بقلبه من أثر المعصية ذل وانكسار للرب ، جل وعلا ، هو أحب إليه من صولة الطاعة التي تورث النفوس الضعيفة عجبا ورياء ، بل المراد التحلي بالحكمة بوضع الشيء في موضعه ، فلا يوضع النصح حيث لا ينفع بل قد يضر ، ولكل زمان فقهه ، فليس فقه زمان القوة كفقه زمان الغربة ، ولكل مكلف فقهه ، فليس صاحب الولاية العامة الذي يملك الاحتساب على الجماعة ، كصاحب الولاية الخاصة الذي لا يملك إلا ما تحت يده، وليس من له ولاية الأمر كمن ليس له إلا ولاية النصح .

نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ :
فحذف الفاعل للعلم به ، ففاعل الفعل هو المكلف ، وخالقه الذي شاء النكت في قلبه بمشيئته العامة ، وإن كانت على خلاف مراده الشرعي ، هو الرب الخالق ، عز وجل ، والنكث أثر يغاير المحل في لونه فهو مئنة من حصول الأثر بورود المؤثر على المحل بنقط محسوس كالنقط بلون يباين لون المحل ، أو نقط معقول بشبهة او شهوة تعكر صفو القلب ، وفي "اللسان" : "وكُلُّ نَقْط في شيء خالف لَوْنَه نَكْتٌ ...... والنُّكْتَة كالنُّقْطَة وفي حديث الجمعة : فإِذا فيها نُكْتة سَوْداء أَي : أَثر قليل كالنُّقْطة شِبْهُ الوَسَخ في المرآة والسيف ونحوهما ..... والنُّكْتة أَيضاً شِبْه وسَخٍ في المِرْآة ونُقْطَةٌ سوداءُ في شيء صافٍ" . اهــ بتصرف
ونائب الفاعل موطئ لما بعده فهو محط الفائدة ، ولا يخلو التنكير من معنى التعظيم والتهويل فذلك من قبيل التحذير من التعرض إلى الشبهات ، أو الوقوع في الشهوات المحرمة ، فليحذر العاقل من شؤم المعصية فإن لها سوادا في القلب يظهر لزوما على الوجه ، فشؤم المعصية عاجل العقوبة بالافتضاح ، ولو بأثر الذنب دون عينه ، فإن خفي الجرم فلا تخفى آثاره .
وفي المقابل ، وعلى سبيل المقابلة :
وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ : فالقياس مطرد منعكس ، فمن أشرب اسود قلبه ، ومن أنكر ابيض قلبه ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ : فذلك من الإجمال الذي يعقبه البيان فهو توشيح يزيد التشويق إلى بيان المجمل ، فتصير القلوب على قلبين إجمالا بيانه :
عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا : فذلك تشبيه مجمل إذ وجه الشبه بين ، فبياضه المعنوي الذي يحدثه الإيمان من جنس البياض الحسي للصفا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ : فذلك من العموم المحفوظ فلا تضره أي فتنة ، ما دامت السماوات والأرض ، فذلك من قبيل قوله تعالى : (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) ، فذلك مما عهد في اللسان العربي ، فتقول على سبيل التأبيد : لا أكلمك ما دامت السماوات والأرض ، وإن كانت ديمومتها على سبيل التأقيت ، فليس ثم باق إلا الله ، عز وجل ، ومن شاء إبقاءه من الكائنات فــ : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، وليس منها السماوات والأرض ، بل تنشق السماء ، وترج الأرض .
وتشبيهه بالصفا مئنة من كونه أملس فلا تعلق به فتنة ، كما لا تعلق الشوائب بالحجر الأملس ، كما ذكر ذلك القاضي عياض ، رحمه الله ، فذلك وجه شبه ثان ، وهو ألطف من الأول ، فالصفا : حجر أبيض أملس ، فذلك من التشبيه الحسي الذي جاء وجه الشبه فيه :
مبصرا ، فاللون من المدركات الحسية بالعين ، فذلك من جنس تشبيه المرأة بالنهار المشرق والشعر بالليل المظلم ، فبياض النهار وسواد الليل مما يدرك بالعين الباصرة .
وملموسا : فذلك وجه الشبه الثاني ، فالملمس من المدركات الحسية بالجلد ، فذلك من جنس تشبيه البشر بالحرير في نعومته ، فذلك مما يدرك باليد اللامسة ، فضلا عن كون الصفا حجرا صلبا يصعب تفتيته ، فكذلك القلب المؤمن يصعب على الشبهات أو الشهوات اختراقه ، فذلك وجه شبه ثالث ، فصلابة الإيمان من جنس صلابة الحجر ، فاستوفى التشبيه : اللون ، فذلك نورالإيمان في القلب ، والملمس ، فلا تعلق به شبهة أو شهوة ، فهو كالزجاج تعرض عليه الفتن ولا يتشربها كالإسفنج ، كما أثر من نصيحة ابن تيمية لتلميذه ابن القيم ، رحمه الله ، وهو صلب يستعصي على الكسر ، فهو من الأعلين في قوله تعالى : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، فلا يكسر من تلك حاله ، فقد تسترق الأبدان والقلوب حرة ، وقد تطلق الأبدان والقلوب حبيسة في جب الشبهات والشهوات ، فلا يهنأ صاحبها بعيش ، وإن كان ، بادي الرأي ، حرا طليقا .

وأخطر ما ابتلينا به بلاء عاما لم يسلم منه أحد تقريبا من أهل زماننا، إلا من عصم الرب ، جل وعلا ، أخطر ذلك ما حل بالنفوس من الهزيمة وإن لم يكن ثم قتال فذلك مئنة من وقوع القلب في الأسر لا سيما مع الفتنة العامة بقوة الغرب المادية ومدنيته المزدهرة ، وإن لم تتوج بمقومات الحضارة الحقيقية من دين وخلق ، فذلك مما لا يكون إلا من النبوة ، ولا حظ للغرب منها ، طوال تاريخه ، فهو إما وثني مشرك زمن الرومان ، وإما نصراني بعد ورود التحريف الذي صير الملة تثليثية شركية تسلط فيها المتأكلون بالرياسات الدينية على أتباعهم ، وإما أخيرا : علماني ملحد بلسان الحال وكثير ، كما تقدم في مواضع أخر ، قد ألحد بلسان المقال وانتهى الأمر ! .



وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا : فذلك الشطر الثاني من القسمة العقلية على جهة الطباق بين الأبيض والأسود المرباد ، فبياض الأول صاف لا تشوبه كدرة ، وسواد الثاني : كدر ، فالسواد المعنوي بالكفر والعصيان ، أيضا ، من جنس السواد الحسي ، ثم جاء التشبيه المرسل بالكوز المائل ، فالحال : "مجخيا" : عمدة في المعنى وإن كانت فضلة في المبنى ، فالكلام من جهة صناعة النحو قد اكتملت أركانه دون ذكرها : فيصح من جهة النحو أن يقال : قلب فلان كالكوز ، ولكن المعنى المراد لا يقع في النفس إلا بالحال المقيدة ، فإن الكوز يحمل المائع ، فلو شبه الإيمان والعمل الصالح بالمائع الذي يحمله الكوز كما يحمل أي وعاء ما به من الموائع ، فإن ذلك وصف المؤمن الذي يمتلئ وعاؤه الباطن بالإيمان ، فليس المراد ، كما تقدم ، تشبيهه بالكوز حال استقامته ، وإنما المراد تشبيهه بالكوز حال ميله ، فيتدفق الإيمان من قلبه الذي مال بشبهة أو شهوة عرضت له ، تدفق السائل من الكوز إذا أميل على جانبه ، فصار ذكر المشبه به هنا وهو الكوز من باب التوطئة لما بعده من وصف الميل الذي دلت عليه الحال : "مجخيا" فذلك وجه كونها عمدة في المعنى ، فلا يتم المراد إلا بذكرها ، وإن استقام السياق اللفظي بدونها ، فذلك من جنس التوطئة بالخبر في نحو قوله تعالى : (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) ، فمحط الفائدة هو قوله : "واحد" ، ففيه إثبات صفة الوحدانية لله ، عز وجل ، وذلك جوهر الملة ، فليس المراد الإخبار عنه بأنه إله ، فكلٌ يخبر عن إلهه بأنه إلهه ، فذلك أمر بدهي ، وإنما المراد بيان وحدانيته ، فإن اعترض بأن غير المؤمنين يزعمون لآلهتم الوحدانية ، فالتذييل بالحصر الثاني : (لا إله إلا هو) ، وهو أقوى أساليب الحصر رافع للاحتمال الناشئ ، ولو مرجوحا من الحصر الأول بــ : "إنما" فهو أضعف أساليب الحصر ، وقد يقال بأن إيراد الأضعف هنا ليس تقصيرا في أداء المعنى ، بل ذلك مما يزيده بيانا ، فهو أمر من جملة العلوم الضرورية التي لا يماري فيها إلا من فسد عقله أو تبدلت فطرته التوحيدية الأولى ، فحسن إيراده مصدرا بالأضعف لعدم الحاجة في تقريره إلى الأقوى ، فلما وردت الشبهة ، حسن في مقام الرد إيراد الحصر بالأقوى قطعا لكل احتمال .
ثم جاء التذييل بــ : "لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا" ، فذلك بمنزلة البيان لما قبله ، فليست لها قابلية حفظ الشرع فلا يعرف المعروف ليمتثله ولا يعرف المنكر ليجتنبه ، فاستوفى الوصف الشطرين : الإيجابي بالجلب ، والسلبي بالدفع ، فليس له منهما نصيب ، بل قد فسد المحل فصار يقبل المنكر على جهة الإقرار ، والمعروف على جهة الإنكار ، وقد أكد هذا المعنى في معرض الذم تنفيرا بتكرار أداة النفي : "لا" ، ثم جاء الاستثناء : إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ
فذلك من الاستثناء المنقطع فلا يعرف إلا ما أشرب من هواه ، على ما تقدم من تمكن الهوى من قلبه ، فيقدر بــ : "لكن" ، على وزان قوله تعالى : (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) ، فالمستثنى : "قيلا سلاما" ليس من جنس المستثنى منه : "لغوا ولا تأثيما" فلا يسمعون اللغو لكن يسمعون السلام تحية أهل الجنة ، أو يقال بأنه من المدح الذي أريد به الذم ، فالاستثناء من وصف السوء مظنة من تحقق وصف خير ، ولو ضئيل ، فجاء الاستثناء ليزيد وصف السوء بيانا وتقريرا ، على وزان قولك : فلان ما فيه خير إلا أنه بخيل ، فذلك ذم بعد ذم ، بل هو آكد في الذم بإيهام المدح بالاستثناء .

قَالَ حُذَيْفَةُ : وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ قَالَ عُمَرُ أَكَسْرًا لَا أَبَا لَكَ فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ قُلْتُ لَا بَلْ يُكْسَرُ وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ : فشبه عمر ، رضي الله عنه ، بالباب الذي لا يفتح ، بل يكسر قهرا ، فلا يعود كما كان ، فالكسر مئنة من الإكراه والغلبة ، كما ذكر ذلك النووي ، رحمه الله ، في "شرح مسلم" ، فذلك من جنس تشبيه أبي ذر ، رضي الله عنه ، له بقفل الفتنة ، فلا يفتح ، أيضا ، وإنما يكسر قهرا ، فعمر ، رضي الله عنه ، أمان من الفتن ، فلا تجرؤ فتنة أن تطل برأسها في زمانه ، وخبر صبيغ بن عسل على ذلك خير شاهد ، فلا يطمع محدث في الديانة أن يزيد فيها وينقص وعمر لما يقبض ، فأي رجل ذاك الذي اختاره الرب ، جل وعلا ، لهذا المنصب ؟! ، وأي شجاعة دينية وقرت في هذا القلب فارتج لها عرش كسرى وصاحبها يتوسد التراب في ثوب مرقوع ؟! .
قد يدرك المجد الفتى وإزاره ******* خلق وجيب قميصه مرقوع .

والشاهد أن تشبيه عمر ، رضي الله عنه ، بالباب : من قبيل الاستعارة التصريحية فقد حذف المشبه وذكر المشبه به صراحة ، وأجمل وجه الشبه لظهور معناه فلم يحسن إيراده ، فالباب والقفل مئنة من الغلق والإحكام ، فإذا كسرا دخلت الفتن ، وقد كان ، فقتل عثمان ، رضي الله عنه ، فكانت أول فتنة ، ثم وقعت فتنة الجمل وصفين ، ثم قتل علي ، رضي الله عنه ، ولم تزل الفتن الخاصة والعامة تتوالى حتى يومنا هذا ، فينجوا آحاد وتهلك فئام ، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم فألهمه سلوك طريق النبوات على جهة الاقتداء ، فلا نجاة إلا باقتفاء الأثر على منهج السلف الذين صيروا القرآن المسطور ، واقعا منظورا ، فغيروا العالم القديم في سنوات معدودات بفتوحات أذهلت عقول المؤرخين المتأخرين لا سيما الغربيين الذين يغلب على فكرهم الطابع المادي لما أحدثته العلمانية في نفوسهم من إيمان مطلق بالسبب المحسوس ، وإنكار مطلق للمشيئة العليا التي تدبر هذا الكون بمقتضى تلك الأسباب ، فهي جملة من السنن الشرعية والكونية ، فــ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، و : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) ، و : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) ، و : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) ..... إلخ ، فتلك سنن كالسنن المنظورة من تعاقب الليل والنهار ودوران الكواكب حول الشموس ..... إلخ .
فلا تنفذ هذه السنن وتجري إلا بمشيئة الرب ، جل وعلا ، فهي عامة لا مخصص لها، وهي نافذة لا راد لها .

والله أعلى وأعلم .

سنهور
05-06-2010, 10:37 AM
فتح الله عليك ومتعك بدوام الصحة وجزاك عن هذا خيرا

مهاجر
05-06-2010, 11:53 AM
وفتح عليك أيها الكريم ومتعك بالعافية وجزاك خيرا على المرور والتعليق .

ومن إخباره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما جرى من فتنة يوم الدار التي قتل فيها الخليفة الشهيد عثمان رضي الله عنه :
يا عثمان ، لعل الله أن يقمصك قميصا ، فإن أرادوك على خلعه ، فلا تخلعه .
فقوله : يا عثمان :
من النداء استرعاء لانتباه المخاطب ، فالخبر أو الأمر عقيبه مظنة الاهتمام ، فيشحذ النداء همة المنادى فيصير أقرب إلى تصديق الخبر وامتثال الأمر .
لعل الله أن يقمصك قميصا : فذلك من الإشفاق تمهيدا للأمر التالي عقيبه ، وبعض أهل العلم يشير إلى هذا المعنى باسم التوقع فلا يكون إلا للأمر المكروه ، وأي مكروه أعظم من قتل رئيس الجماعة المسلمة في فتنة هوجاء أثارها فئام من شذاذ الأمصار ، وذلك بخلاف الترجي فهو يكون للأمر المحبوب ، من قبيل قولك : لعل الله يرحمنا .
واستعير التقمص الحسي لتقمص منصب الخلافة ، فذلك معنى جاء الوصف الحسي تقريبا له إلى الأذهان ، والجناس الاشتقاقي بين : "خلعه" ، و : "فلا تخلعه" : آكد في تقرير المعنى .
فإن أرادوك : ففيه تضمين لمعنى الإرغام ، واستعير لازم القميص في مقام النزع الحسي ، للازم الخلافة في مقام العزل المعنوي .
وجاء طباق السلب بين : "فإن أرادوك على خلعه" فذلك من الإثبات ، و : "فلا تخلعه" فذلك من النهي الذي يلزم منه انتفاء وجود المنهي عنه ، جاء هذا الطباق في سياق الشرط ، ليزيد الأمر توكيدا بتعليق المشروط على شرطه فذلك من اللزوم العقلي الوثيق .

وفي رواية ثانية :
يا عثمان ، إن الله مقمصك قميصا ، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه :
فجاء السياق مؤكدا ، بالناسخ : "إن" ، واسمية الجملة ، فضلا عن تكرار الفاعل بالنظر إلى الضمير المستكن في اسم الفاعل : "مقمصك" ، فيحتمل ضميرا ، وإن كان احتماله له أضعف من احتمال المضارع الذي ناب عنه ، فالفعل أقوى احتمالا للضمير من الاسم ، ولو كان مشتقا يعمل عمله ، ودلالة الوصف المشتق الزمانية تطابق دلالة المضارع الذي ناب عنه ، فذلك مئنة من الاستقبال باعتبار زمن التكلم ، فلما يتول عثمان ، رضي الله عنه ، الخلافة بعد ، وتصدير الكلام بالخبر المؤكد مما يشحذ ذهن المخاطب ويسترعي انتباهه لا سيما إن كان صاحب الشأن ، فهو موطئ لما بعده ، ودلالته التوكيدية توطئة أخرى لمعنى الإلزام في النهي ، فليس ذلك إرشادا في معرض التحذير ، بل هو إلزام في معرض التكليف .
ووصف الله ، عز وجل ، بــ : "المقمص" ، جار على ما تقرر في الإلهيات من التفريق بين الاسم والوصف ، فالاسم يطلق على الرب ، جل وعلا ، بلا قيد ، والوصف لا يطلق إلا بقيد ، فلا يسمى الله ، عز وجل ، بــ : "المقمص" ، وإنما يوصف بأنه يقمص من شاء من عباده بمقتضى قدرته وحكمته قميص الخلافة أو الولاية ، فذلك من وصف فعله المتعلق بمشيئته ، عز وجل ، فليس ملازما لذاته ملازمة الاسم كالعزيز أو وصف الذات كالقدرة : للذات ، بل هو مما يحدثه متى شاء كيف شاء على الوجه اللائق بجلاله .

وفي رواية ثالثة :
إن كساك الله ثوبا فأراد المنافقون أن تخلعه ، فلا تخلعه :
فتلك استعارة أخرى حذف فيها المشبه وهو الخلافة ، وصرح فيها بالمشبه به وهو الثوب ، على القول بجريانها في الاسم ، وعلى القول بجريانها في الفعل : "كسى" ، تكون الاستعارة تصريحية في الفعل الذي استعير لمعنى التكليف ، فمنصب الخلافة تكليف شرعي يتلبس به صاحبه تلبسه بما يكسو بدنه من الشعار أو الدثار ، وفعل الكساء مظنة السبوغ وهو مئنة من تمام التلبس بمنصب الخلافة فلا يجوز للخليفة أن يستقيل ما لم يكن ثم كفؤ يخلفه ، فالأصل في منصب الإمامة العظمى : التأبيد ، فلا يعزل الإمام العام للمسلمين إلا بعوارض ذكرها من صنف في مسائل الإمامة والسياسة من أهل العلم ، وذلك بخلاف أمراء الأمصار ، لا سيما أمراء الجور كما هي الحال في زماننا ، فنعتهم بإمارة المؤمنين كما يقع في بعض الأمصار ومن بعض الأفراد والجماعات : نوع هزل تغلب عليه المداهنة التي لا مستند لها من شرع أو عقل ، فليس لهم من التفويض الشرعي ما يؤهلهم لهذا المنصب الجليل ، وليس لهم من قوة السلطان ما يبرر نعتهم بهذا الوصف الجليل ، فلا حكومة دينية ولا حتى دنيوية ، وإنما ضعف وذلة في الخارج ، وبطش وإرهاب في الداخل ، فتلك أدوات حكام الجور لحفظ رياساتهم الهشة ، فلم يتولوا إلا جبرا ، وإنما امتنع الخروج عليهم امتثالا لأمر الشرع الحنيف درءا لمفسدة الخروج على أئمة الجور ، لا كرامة لهم فليسوا لذلك بأهل ، فمنصب الخلافة والإمارة أجل من أن يخلع على تلك المسوخ الشائهة ، فلا يوضع وصف كهذا الوصف الشريف في محل خسيس لا يليق به ، فذلك نقض لقياس العقل الصريح الذي به يتعلق الحكم بالمحل مدحا أو قدحا ، فمن مدح من لا يستحق المدح فخلع عليه وصف ثناء ، لا سيما إن كان شرعيا ، وليس له بأهل بل هو مستحق لضده ! ، من فعل ذلك فقد أبطل دلالة العقل بالحكم على الشيء بنقيض ما يستحق ، فالأمر ، كما تقدم ، شرعي عقلي في نفس الوقت ، فلا يستقيم ذلك التجوز في الإطلاق لا شرعا فهو المعيار الأول في هذه المضائق ، ولا حتى عقلا ! .
وبمطالعة نقص حال الخلف في أمور الديانة والسياسة يظهر فضل السلف عليهم فهم أكمل منهم في كل شأن ديني ودنيوي ، وإن حدث للآخرين من الوسائل ما لم يحدث للأولين ، فإنهم لما استعملوها في ضد ما شرعت له ، فصيروها أداة تخريب عادت بالوبال عليهم ، بخلاف الأولين الذين صنعوا حضارة زاهرة بوسائل أقل بكثير من الوسائل المعاصرة فجاءت حكوماتهم السياسية ، على سبيل المثال ، أكمل الحكومات وأعدلها وأقواها وأبقاها ذكرا ، وقل ما شئت من أوصاف الثناء ، فهي حكومات دينية قد تأيدت بالوحي المعصوم لا حكومات كهنوتية تسترق البشر باسم الديانة ، أو حكومات لا دينية تسترق الناس بشعارات الجاهلية الأولى .
وجاء متعلق فعل الإرادة مصدرا مؤولا : "أن تخلعه" فله دلالة توكيدية بزيادة مبناه على مبنى المصدر الصريح ، فزيادة المبنى كما اطرد في كلام البلاغيين مئنة من زيادة المعنى ، ودلالة زمانية باعتبار زمن التكلم ، فــ : "أن" تمحض مدخولها للاستقبال ، فلما يتول عثمان، رضي الله عنه ، كما تقدم ، الخلافة بعد ليريده المنافقون على نزعها .

وفي رواية رابعة :
ولا تنزعن قميص الله الذي قمصك :
فجاء النهي مؤكدا بنون التوكيد المثقلة ، فذلك مئنة من اللزوم ، كما تقدم ، وأضيفت الخلافة التي استعير لها معنى القميص إلى الله ، عز وجل ، فذلك من إضافة التشريف ، فهي ولاية دينية شريفة ، ونعمة ربانية جليلة نزعت من الأمة من عقود ناهزت القرن ، فوجد المسلمون من شؤم إبطالها طوال هذا القرن من المحن والبلايا ما لاقوا ، فذلك سر إصرار عدوهم على إبطالها ، ولو كانت صورية ، فلم يرض الحلفاء عن أتاتورك ، رائد العلمانية المعاصر وقدوة كل عدو للديانة متشح بثوب الزعامة الوهمية والبطولة الورقية ، لم يرضوا عنه إلا بعد إبطال رسم الخلافة ، مع أنه أبطل قبله رسم السلطنة فنزع من الخليفة وظيفته الرئيسة في سياسة الدنيا بأحكام الشريعة ، وصيره رمزا بلا أثر ، على وزان الملكيات الأوروبية المعاصرة التي لا سلطان للملك فيها إلا سلطان الرياسة المعنوية ، فضن الغرب على المسلمين بالرمز ، ولو أثرا بعد عين ، لئلا يكون لهم رمز جامع يستمد سلطانه من الشريعة التي أوجبت على الأمة نصب الخليفة ، فالبعد الديني في منصبه ، ولو كان صوريا ، بعد ظاهر ، يذكر المسلمين بوحدتهم الدينية الجامعة ، وهو ما سعى الغرب ، ونجح إلى حد كبير ، في محوه بإثارة النعرات الطائفية والوطنية التي قطعت أوصال الجسد الواحد ، وأحدثت من الخصومات ما تنافرت لأجله القلوب ، فصارت كالزجاج المكسور ، فلا جبران لهذا الكسر إلا بمراجعة أحكام الدين الخاتم ، دين : (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) .
وللعلماء في جواز إطلاق لفظ : "خليفة الله" ، أو الخلافة عن الله ، عز وجل ، خلاف معروف ، والأصل فيه اختلافهم في تفسير الخلافة في قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) :
فقال بعض أهل العلم : هم خلفاء يخلف بعضهم بعضا .
وقال بعض آخر : هم خلفاء عن الله ، عز وجل ، خلافة ابتلاء ، لا خلافة عن غائب كما يقع في عالم الشهادة من خلافة سلطان عام لسلطان خاص فذلك مئنة من عجز السلطان عن حكم سلطنته بنفسه ، فلا بد له من خلفاء ينوبون عنه ، وذلك معنى قد تنزه الرب ، جل وعلا ، عنه بداهة ، فقدره نافذ وعلمه محيط بكل ذرات كونه ، فلا يفتقر إلى الشريك المقاسم أو الظهير المعاون .
وإلى طرف من ذلك أشار ابن تيمية ، رحمه الله ، بقوله :
"بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَكُونُ خَلِيفَةً لِغَيْرِهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا } وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ شَهِيدٌ مُهَيْمِنٌ قَيُّومٌ رَقِيبٌ حَفِيظٌ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلَا ظَهِيرٌ وَلَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ . وَالْخَلِيفَةُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْتَخْلَفِ بِمَوْتِ أَوْ غَيْبَةٍ وَيَكُونُ لِحَاجَةِ الْمُسْتَخْلَفِ إلَى الِاسْتِخْلَافِ" . اهـ
وأما الجعل في قوله تعالى : (يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) : فهو يحتمل الجعل الكوني ، فيكون لازمه الشرعي : (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) ، ويحتمل الجعل الشرعي لما تقدم من شرعية منصب الخلافة على سبيل الإيجاب على الجماعة المسلمة فلا قيام لأي جماعة إنسانية ، ولو على غير منهاج النبوة ، إلا برأس يلتف حوله أفرادها .

والله أعلى وأعلم .

سنهور
06-06-2010, 12:57 AM
ليس غريبا عليك ما تقدمه
فمصر ولادة دائما بالعلماء
الذين نشروا العلم فى جميع بقاع الأرض
ونعلم أن نهرالعلم لم ينقص منه شيئا
ومازلنا واقفينا على شاطئه لنرتوى من مائه العذب

مهاجر
11-06-2010, 05:34 AM
جزاك الله خيرا على المرور وحسن الظن أيها الكريم .

ومن حديث أسامة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ الْآطَامِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي أَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ) .
فالاستفهام قد أفاد التشويق الذي يسترعى به انتباه المخاطب ، والرؤية البصرية التي وقعت في حيز الاستفهام قد استعيرت للرؤية العلمية ، فذلك آكد في تقرير المعنى المعقول بإجرائه مجرى المعنى المشاهد المحسوس ، فالفتن ، وإن كانت تدرك آثارها بالحواس ، إلا أنها ، لا سيما إن كانت غيبا لما يقع ، مما يدرك بالعقل ابتداء ، فالشبهات والشهوات معان وإرادات تقوم بالنفس فتؤثر فيها بالزيغ في التصورات والفساد في الإرادات ، فما من فتنة إلا ولها وجه تعلق بالعلم فتكون شبهة ، أو العمل فتكون شهوة ، وكثيرا ما يجتمع لها الوصفان فتكون أعظم أثرا في النفس فضررها قد طال القوة العلمية والقوة العملية ، ففسد التصور العلمي الباطن ، وفسد تبعا له الحكم العملي الظاهر ، فالحكم فرع عن التصور كما قرر أهل النظر .
وقد يقال بأن : "هل" تحتمل : معنى النفي ، فتقدير الكلام : ما ترون ما أرى ! ، استعظاما له ، وإشفاقا على المخاطب فلا يرى لقصور نظره ما يرى المتكلم من العواقب والمآلات .
ثم جاء الجواب على جهة الفصل للتلازم الوثيق بين السؤال وجوابه ، فبعد الإجمال تشويقا ، جاء البيان عقيبه فذلك آكد في تقرير المعنى ، فصدر بالناسخ المؤكد : إِنِّي أَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، فذلك جار مجرى ما تقدم من استعارة رؤية البصر لرؤية العقل ، ودخلت : "أل" الجنسية الاستغراقية على المرئي فأفادت العموم وهو مظنة التكثير ، فهي فتن كثيرة ، كما قد دل على ذلك التشبيه البليغ بإيراد المصدر ، أو اسم المصدر : مواقع القطر ، المبين لنوعه ، فوجه الشبه بينهما : الكثرة ، فالفتن تتوالى توالي حبات القطر المنهمر ، وهو خبر باعتبار المبنى ، إنشاء باعتبار مبناه فقد سيق مساق التحذير .

وشاهد الحال مصدق لذلك ، فإن الفتن الخاصة والعامة ترد على القلب تباعا ، فيغلي بها غليان المرجل ، فلا ينقطع الابتلاء من حين اليقظة إلى المنام ، ومن حين التكليف إلى الممات ، فتعرض الشبهات للقوى العلمية فتصديق أخبار الوحي المحكمة أمان منها ، وتعرض الشهوات فامتثال أحكام الوحي العادلة أمان منها ، وتعرض الفتن والنوازل العامة ، فيظن الظان حال ورود الفتنة أنها أعظم الفتن ، فلو نجا منها فلا سبيل عليه ! ، فإذا أدبرت وأقبلت أخرى ، عظمت في عينه حتى تمنى رجوع الأولى ! ، فكل فتنة أعظم من أختها ، ولا ينجو من ذلك القطر المنهمر إلا من سدده الرب ، جل وعلا ، فآمن بالنبوة فصدق الخبر وامتثل الأمر .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
20-06-2010, 06:31 PM
ومن حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ) .
فجاء بفعل المقاربة مئنة من قرب وقوع هذا الأمر ، مع أن الزمان كان زمان نبوة وهي أكمل الأحوال ، وقد يقال بأن كمالها مئنة من وقوع النقصان بعدها لزوما ، فتلك سنة كونية جارية في الأديان والأبدان والدول ، وانظر إلى حال كل دين كيف يظهر غريبا ثم يشتهر ثم يعود غريبا ، فتلك حال نعيشها في زماننا ، وهي تأويل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" ، وذلك ، عند التأمل ، مع كونه حالا ناقصة ، بانحسار أمر الديانة لما قل تعظيمها في النفوس ، فكان العقاب تسليط الذل ، فذلك أيضا تأويل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" ، فذلك عند التأمل من أظهر دلائل نبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد أخبر عن غيب لما يقع في زمانه ، فحذر منه ، وأرشد إلى ما يجب على من حضرته فتنة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدر الاستطاعة ، وإلا فالعزلة ، برسم الفقه والسنة ، فلا عزلة إلا بعد علم لئلا يضل المعتزل بما يرد عليه من أحوال ، فزماننا خير شاهد على صحة هذا الخبر ، فهو تأويل صحيح له ، فقد وقع كما أخبر به صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل قد وقع من الفتن ما وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولما ينقض قرنه ، خير قرون هذه الأمة ، فبدأت الفتنة تطل بمقتل عمر ، رضي الله عنه ، ثم وقعت بمقتل عثمان رضي الله عنه . فالمقاربة من هذا الوجه ظاهرة فبين وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومقتل عثمان ، رضي الله عنه ، 24 سنة ، وهي لا تساوي شيئا في عمر الأمم ، ومع ذلك أنجى الله ، عز وجل ، هذه الأمة من تلك الفتنة وما بعدها ، وإن لم ترجع إلى سابق عهدها ، فما زال الأمر في انتقاص من لدن تمام الرسالة إلى يوم الناس هذا ، فليس زمان ، إلا وما بعده شر منه ، وذلك أمر يظهر حتى في الأخلاق والقيم الاجتماعية فضلا عن المثل الشرعية ، وإن كان الوعد ، وهو ، أيضا ، من أخبار النبوة التي لما يأت تأويلها ، قد جاء بظهور هذا الدين ، فذلك الظهور الثاني بعد ظهوره الأول ، وإن كان ظاهرا في كل عصر ومصر بحجته الدامغة ، فهو : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) . والشاهد أن الفتن في هذه الأمة ليست كالفتن في غيرها ، فهي مرحومة ، حتى حال فتنتها ، فينتقص من قدرها بظهور الأمم الأخرى عليها ، ولا ينتقص من دينها ، فقد تكفل الرب ، جل وعلا ، بحفظه ، فلم يكل الرسالة الخاتمة إلى أهلها كما قد وكل ما تقدمها من الرسالات إلى أهلها ، فوقع في علومها من التحريف زيادة ونقصانا ما وقع ، ووقع في أعمالها من الغلو والجفاء ما وقع ، حتى ضاع الحق ، فروايته منقطعة ، ودرايته مبتدعة ، فلا نقل صحيح ليسلم بحروفه ، ولا عقل صريح ليسلم بحدوده .
والكثير ، كما قرر النحاة ، اقتران خبر أوشك بــ : "أن" فهي تمحضه للاستقبال ، فالخبر زمن التكلم ، لما يقع تأويله بعد كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
وقدم الخبر ، تشويقا إلى معرفة ماهية المال الذي يمدح اتخاذه زمن الفتن ، فوصف بالخيرية ، فــ : "خير" مئنة من التفضيل وإن لم تجر على وزنه القياسي ، كما قد ذكر النحاة ذلك في باب : "خير" و : "شر" ، وما ألحق بهما كــ : "حب" ، فأصلها : "أحب" ، ثم حذف أولها تخفيفا ، ثم جاء بيان ماهية هذا المال فهو : "غنم" : قد نكرت مئنة من النوعية ، ثم زيد في بيانها بقيد الوصف التالي لها : "يتبع بها" : فالمضارع ، أيضا ، مئنة من الاستقبال ، فلما يقع ذلك بعد ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع سابق ، وهو يدل ، مع ذلك ، على تجدد الفعل وحدوثه ، فتلك حال متصلة باتصال زمان الفتنة التي تطول غالبا : (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) ، وفتن زماننا خير شاهد على ذلك ، فزمانها متصل وأيامها شديدة الوطأة ، وحصار الأحزاب شرقا وغربا لأهل غزة مثال حي على ذلك لا يدرك حقيقته إلا من كابد مشقته ، فليس من عوفي ، ولو ظاهرا ، كمن ابتلي ، وليس من شبع وراح ينظر في الأمر نظر المحلل السياسي والخبير العسكري ! ، فيعدل ويجرح وهو لم يلق شيئا مما لقيه أصحاب الشأن ، ليس من تلك حاله كمن جاع ونام في العراء ، فليت أصحاب العافية الظاهرة يدعون أصحاب الابتلاء ، فلا ينالهم شر ألسنتهم ، إن لم يقدروا على معونتهم ، فالسكوت ممدوح إن كان عن الشر ، ولا شر من القدح فيمن يظن به الخير والدين ، فتلك من الحيل النفسية التي يتسلى بها العاجزون عن القيام بأمر الديانة ليبرروا لأنفسهم تقصيرهم الذي فضحه صمود أهل الابتلاء ، وتداعي أصحاب الضمائر الحية ، ولو كفارا ، إلى فك الحصار وإجلاء الأحزاب ، أو بمعنى أصح : إحراجها لترفع الحصار ، لا سيما الأحزاب التي تدعي لنفسها ما ليس لها من الشهامة والتضحية في سبيل نصرة القضية ، فقد أنست الناس بتخاذلها ما قد فعله من سبقها من ضروب النجدة لأهل تلك البلاد التي بارك الرب ، جل وعلا ، حول مسجدها ، فعلى أولئك يصدق قول القائل :
إذا افتخرت بآباء لهم شرف ******* قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا .

وإما أن تصنع شيئا فتخرس ألسنة النقد ، أو تخرس أنت إن كنت عاجزا لا تقدر على شيء ! .

والمضارع ، أيضا ، ذريعة إلى استحضار تلك الصورة التي يصير فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : عديم الجدوى ، فيصح ، عندئذ ، تأول قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، باعتزال الشأن العام سواء أكان ذلك بغنم أم بغيره ، فالمعنى أعم من خصوص صورة تتبع شعف الجبال ومواقع القطر ، وإنما ذكرت تلك الصورة لتقريب المعنى إلى ذهن المخاطب بإيراد صورة قريبة إلى ذهنه ، فالعربي يدرك من صورة الرعي وتتبع مواضع الماء والكلأ ما لا يدرك غيره ، فتلك صورة حية من بيئته ، فحسن ضرب المثل له من واقع حياته ، ليكون ذلك أرسخ في ذهنه ، فذلك من قبيل ضرب المثل في معرض بيان أدلة الربوبية في نحو قوله تعالى : (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) ، فتلك أمور يسهل على العربي في البيئة الصحراوية تأملها ، فهي مفردات حياته اليومية إن صح التعبير ، فيكون ذكر الغنم في الحديث جار مجرى ما سبقت الإشارة إليه مرارا من تفسير المعنى العام بذكر فرد من أفراده على سبيل التمثيل لا التخصيص ، فذكر بعض أفراد العام في معرض التمثيل لا يخصصه ، بل هو بمنزلة التعريف بالمثال ، وهو أحد ضروب التعريف عند أهل النظر .
وقوله : "شعف الجبال" قد ورد بلفظين ، فــ : "شعف" : بالمعجمة ، فهي أعلى الجبال ، ولا إشكال فيها ، و : "سعف" ، بالمهملة ، فقد ردها بعض أهل العلم فجعلها تصحيفا ، وقبلها آخرون ، فجعلوها من قبيل الاستعارة التصريحية الأصلية ، فقد استعير فيها السعف ، فمكانه أعالي النخيل ، فكذلك حال الراعي الذي يتبع بغنمه أعالي الجبال .
وأما قوله : "ومواقع القطر" : فهو من قبيل الدلالة على المحل بما يحل فيه ، فمواقع القطر هي بطون الأودية التي تتجمع فيها مياه الأمطار ، فتلك من قبيل الكناية عن الموصوف ، فتجري مجرى الكناية عن القلب بأنه مجمع الأضغان .
وأشار الحافظ ، رحمه الله ، إلى وجه تخصيص شعف الجبال وبطون الأدوية بالذكر دون بقية المواضع ، فهي مظان المرعى ، فينبت فيها الكلأ ما لا ينبت في غيرها .
ثم جاء الاستئناف على جهة التعليل لما قد سبق ، فحسن الفصل فلا عاطف للتلازم الوثيق بينهما ، فبين العلة والمعلول شبه كمال اتصال يسوغ الفصل ، فالمخاطب قد تولد في عقله السؤال عن علة كون الخيرية في هذا الفعل ، فجاء الجواب على جهة المضارعة أيضا مئنة من استحضار تلك الحال : يفر بدينه ، فالباء تحتمل السببية ، فيكون دينه هو سبب فراره من الفتن ، وتحتمل المصاحبة ، فيفر بدينه صيانة له من الفتن ، وكلا الوجهين صحيح ، فلا إشكال في حمل السياق عليه ، بل ذلك هو الأولى عند عدم التعارض إثراء للمعنى ، فكثرة الأوجه تزيد اللفظ بيانا ، وكذلك الحال في : "من" ، فتحتمل السببية إن حملت الباء على المصاحبة ، فيفر بدينه بسبب الفتن ، وتحتمل الابتداء ، فابتداء غاية الفرار من الفتن ، وتحتمل الجنسية ، فيفر بدينه من جنس الفتن ، وتحتمل التبعيض ، فيفر بدينه من بعض الفتن دون بعض ، فمن الفتن ما يقدر المكلف على الثبات فيها فلا يشرع له الفرار ، بل الأولى في حقه البقاء لإرشاد الناس وبذل النصح لهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، ومنها فتن عامة لا يقدر على الثبات فيها إلا آحاد الراسخين ، فإن لم يقدر المكلف على الصمود إليها ، فليفر بدينه إلى شعف جبال ، ولو في قعر بيته ! .

والله أعلى وأعلم .

امازيغية لله
24-06-2010, 11:34 AM
جازاكم الله خيرا على الموضوع الثري

مهاجر
04-07-2010, 06:30 AM
جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق ونفعكم ونفع بكم .

ومن حديث : «يا عبد الله بن حوالة ، كيف تصنع في فتنة في أقطار الأرض كأنها صياصي البقر ، والتي بعدها كنفجة أرنب ؟» فقال : ما خار الله لي ورسوله ، فقال لي : «اتبع هذا ، فإنه يومئذ ومن اتبعه على الحق» . قال : فلحقت الرجل ، فأخذت بمنكبيه ، فلفته ، فقلت : يا رسول الله هذا ؟ قال : «نعم» . فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه

فالنداء بالبعيد استنهاض لهمة المخاطَب ليقبل على المخاطِب بكليته ، ثم جاء الاستفهام تشويقا إلى مراد المتكلم ، وقد نكرت الفتنة تعظيما ، ثم أطنب صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيان أوصافها ، فهي في أقطار الأرض ، وفي رواية : "فِتْنَةٍ تَفُورُ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ" ، فالفوران مئنة من الهيجان ، كما حكى صاحب "اللسان" رحمه الله : "فارتِ القِدْرُ تَفُور فَوْراً وفَوَراناً إِذا غلت وجاشت وفار العِرْقُ فَوَراناً هاج ونَبَعَ" ، فاستعار الفوران الحسي للفوران المعنوي ، فذلك من قبيل الاستعار التصريحية التبعية للفعل : "فار" لمعنى الفعل : "انتشر" ، فالهيجان والفوران مئنة من الانتشار ، وفي رواية أخرى : "كيف تصنعون بفتنة تثور في أقطار الأرض" ، والثورة ، أيضا ، مئنة من الانتشار ، ففيه استعارة للثورة الحسية للثورة المعنوية التي تطير فيها الفتنة إلى سائر الأقطار ، فذلك مئنة من العموم ، وهو محمول على العموم العرفي آنذاك ، لا العموم المستغرق ، فلم تعم فتنة مقتل عثمان ، رضي الله عنه ، أقطار الأرض المعروفة الآن ، ولا حتى في ذلك الزمان ، فيكون العموم مخصوصا بالعرف أو بالعقل فالأرض أرض معهودة هي المدينة التي وقعت فيها أحداث الفتنة ، أو هي دولة الإسلام في عهد الخليفة الراشد عثمان ، رضي الله عنه ، فيكون العموم محفوظا بالنظر إلى أرض المسلمين ، مع أن ذلك لا يسلم لقائله من كل وجه ، فلم تعم الفتنة بلاد المغرب ، على سبيل المثال ، وقد يقال بأن سائر أمصار المسلمين لم تسلم من آثار هذه الفتنة ، فقد خرجت جموع الثوار من مصر والكوفة والبصرة ، وجرت أحداث الفتنة في المدينة ، وامتد أثرها إلى بلاد الشام ، لما اجتهد معاوية ، رضي الله عنه ، فلم يبايع حتى يقتص لعثمان ، رضي الله عنه ، فهو ولي الدم ، بوصفه آنذاك ، شيخ بني أمية ، رهط عثمان ، فاجتهد علي ، رضي الله عنه ، وهو الأدنى إلى الحق ، والأولى بالسمع والطاعة ، لكونه ولي الأمر الشرعي ، فرأى تأجيل القصاص حتى تهدأ ثائرة الفتنة ، فكان ما كان في يوم صفين بين الطائفتين المؤمنتين ، فنال أهل الشام من أثر هذه الفتنة ما نال أهل بقية الأمصار ، وقد يقال بأن العموم هنا ادعائي ، بوصف أرض المسلمين آنذاك هي الأرض حقا ، فعليها تسطع شمس النبوات ، وفيها من الكنوز والخيرات ما ادخره الرب ، جل وعلا ، لأهل تلك البلاد ، وهم ، مع ذلك الفيض الشرعي والكوني : أكمل الناس عقلا وأصحهم مزاجا ، ثم شبهت الفتنة في شدتها وصعوبة الأمر فيها بأنها كصياصي البقر ، وهي : قرونها ، فذلك من التشبيه المرسل المجمل الذي حذف وجه التشبيه فيه لظهور المعنى من لفظ : "صياصي" ، فقرون البقر حادة شديدة ، فضررها إذا أصابت الإنسان عظيم فقد تتلف بدنه ، فكذلك الفتن شديدة تتلف العقول والقلوب ، فتشتبه على كثير من الناس ، وهذا هو القول الثاني في وجه الشبه ، وهو مأثور عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فهي كالبقر يشبه بعضه بعضا فيشتبه على كثير من الناظرين فلا يميز بينها إلا من له دراية بها ، فيميز بقره من بقر غيره ، فكذلك الفتن ، فهي متشابهات تحير الناظر فيها ، ما لم يكن راسخا ، بل قد تشتبه على الراسخين ، كما اشتبهت فتنة مقتل عثمان ، رضي الله عنه ، على أكابر الصحابة ، كما أثر ذلك عن الزبير ، رضي الله عنه ، كما في تاريخ الطبري رحمه الله : "إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها فقال له مولاه أتسميها فتنة وتقاتل فيها قال ويحك إنا نبصر ولا نبصر ما كان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه غير هذا الأمر فإن لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر" ، وفي إسناده : سليمان بن أرقم ، وهو ضعيف ، كما في "التقريب" ، ولكن معناه صحيح فقد اشتبه الأمر على بعض الصحابة ، رضي الله عنهم ، فاجتهدوا في إصابة الحق ففاز بعضهم بأجر الاجتهاد ، وفازت طائفة علي ، رضي الله عنها ، بوصف الأدنى إلى الحق ، فمع الأخرى حق ولكنه لا يبلغ الحق الذي معها ، وفاز من قعد عن القتال من الصحابة ، رضي الله عنهم ، بأعظم نصيب من الحق ، فالفتنة إذا أقبلت اشتبهت على أكثر الناس ، وإذا ارتحلت علموا حقيقتها بعد فوات الأوان .

فذكر الصياصي هنا من باب ذكر بعض وإرادة كل ، فالقرون جزء من هيئة البقر ، والمراد تشابه الذوات لا القرون ، وقد تحمل على القرون فلا حاجة إلى التقدير ، فالشبه بينها ، أيضا ، كبير ، فكلها على هيئة واحدة ، فتشابه قرون البقر كتشابه ذواتها .
وشبه التي بعدها بقوله : "كنفجة أرنب" ، فذلك تشبيه مرسل مجمل آخر فقد شبهها بثورة الأرنب مئنة من قصر مدتها ، كما في "اللسان" : "ومنه الحديث أَنه ذَكر فِتْنَتَين فقال ما الأُولى عند الآخرة إِلا كَنَفْجةِ أَرنبٍ أَي كَوَثْبَتِه من مَجْثَمِه يُريدُ تقليلَ مدتها" ، ومن مأثور عمر رضي الله عنه : "والله ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب" ، فذلك مئنة من قصر عمر الدنيا ، فكذلك الفتن تأتي فيحار المرء فيها فتزول بسرعة ، فإذا فتنة أعظم قد أقبلت ، فلا يزال الإنسان مبتلى بالفتن الخاصة والعامة ما جرى عليه قلم التكليف .

فجاء جواب ابن حوالة رضي الله عنه : ما خار الله لي ورسوله ، فتحتمل : "ما" : الاستفهام ، أو الموصولية ، فما الذي يخاره الله ورسوله لي في هذه الفتنة ؟ ، فذلك من تمام التسليم لأمر الوحي ، فــ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ، فما خاره الوحي للمكلف خير مما خاره لنفسه ، وما اختاره الرب ، للعبد من المقدور : كونيا كان أو شرعيا ، خير مما يظن أنه الخير ، فذلك مما يوصد به المرء باب السخط على القدر الكوني ، وقل من يسلم منه في زماننا ، فلا يرضى إلا قليل باختيار الرب ، جل وعلا ، فيسخط بلسان مقاله أو حاله ، وذلك مئنة من قلة الصبر وسرعة الجزع ، ويوصد به ، أيضا ، باب الابتداع في الدين ، فيرضى بشريعة الرب ، جل وعلا ، حكما في كل شئونه ، فهي الحكم في عباداته ومعاملاته ، وهي الحكم في الشأن الخاص والشأن العام ، فالرضا بها حكما مئنة من الرضا بالله ، عز وجل ، ربا مدبرا مهيمنا .

وتحتمل الموصولية فأختار ما خار لي الله ورسوله ، وهو ، أيضا ، معنى صحيح يدل على كمال التسليم لأمر الرب ، جل وعلا ، وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

ثم جاء رد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "اتبع هذا" : فأشار إليه بإشارة البعيد مئنة من علو الشأن ، فذلك من تعظيم قدره ، رضي الله عنه ، فالحق معه لا مع من ظلمه ، ثم جاء التذييل بعلة ذلك : "فإنه يومئذ ومن اتبعه على الحق" فهو آكد في تقرير المعنى ، فناسب ذلك أن يقرن بالفاء فمعنى السببية فيها ظاهر ، وأن يصدر بالمؤكد الناسخ : "إن" ، فذلك ، كما تقدم ، مئنة من التوكيد .

والله أعلى وأعلم .