المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : خـبر اسـم الشـرط



حازم
25-03-2005, 11:19 PM
قالَتْ حُبِسْتَ فَقُلتُ لَيسَ بِضائِرٍ * حَبْسـي، وأيُّ مُهنَّـدٍِ لا يُغْمَـدُ؟
أوَ ما رَأيتِ اللَّيثَ يَألَفُ غِيـلَهُ * كِـبْرًا وأوْبـاشُ السِّـباعِ تَرَدَّدُ
والشَّمسُ لَولا أنهـا مَحْجـوبةٌ * عَنْ ناظِـرَيكِ لَما أضاءَ الفَرْقَـدُ
والبَدْرُ يُدرِكُهُ السِّـرارُ فَتَنْجَلي * أيَّـامُـهُ وكأنَّـهُ مُتَجَــدِّدُ
والغَيثُ يَحصرُهُ الغَمامُ فما يُرَى * إلاَّ ورَيِّقُـهُ يـراحُ ويَرْعُـدُ
والنارُ في أحْجارِها مَخْبـوءةٌ * لا تُصْطَلَى إنْ لم تُثِرْها الأزْنُـدُ
والزَّاغِبِيَّـةُ لا يُقيـمُ كُعوبَهـا * إلاَّ الثَّقـافُ وجَـذْوةٌ تَتَوقَّـدُ
غِـيَرُ اللَّيـالي بادِئاتٌ عُـوَّدٌ * والمـالُ عـارِيةٌ يُفـادُ ويَنفَـدُ
ولِكُـلِّ حـالٍ مُعْقِبٌ ولَرُبَّمـا * أجْلَى لكَ المَكْـروهُ عمَّا يُحمَـدُ
لا يُؤْبسَـنَّكَ مِن تَفَـرُّجِ كُربةٍ * خَطبٌ رَماكَ بهِ الزَّمانُ الأنْكَـدُ
واصْبِرْ فإنَّ الصبرَ يُعْقِبُ راحة * في اليَومِ يَأتي أوْ يَجيءُ بهِ الغَدُ
كَم مِن عَليلٍ قَد تَخطَّـاهُ الرَّدَى * فَنَجـا وماتَ طَبيبُـهُ والعُـوَّدُ
والحَبْسُ ما لم تَغْشَـهُ لِدَنِيَّـةٍ * شَـنعاءَ نِعْمَ المَـنزِلُ المُتَـورِّدُ
بَيتٌ يُجَـدِّدُ لِلكَـريمِ كَرامـةً * ويُـزارُ فيهِ ولا يَزورُ ويُحفَـدُ

الأسـتاذة النابغـة، ذات الفوائـد السَّـابغة / " سـمط اللآلئ "

أرجو المعذرة، فقد رأيت أن أنقل موضوعك القيِّـم إلى عنوان مسـتقل، يدلُّ عليه، ويسـهل الاهتداء إليه، وأصْل موضوعك:
( إذا كانت " مَنْ " الشرطية في الآية الكريمة مبتدأ ، فما هو الخبر ؟ أهو فعل الشرط ، أم جوابه ، أم أنَّ كليهما هو الخبر ؟ )

وأرَى – أيتها الكريمـة - أنَّكِ قد أحطتِ بالموضوع من كلِّ جوانبه، تحقيقًا وشمولا، وبمسائله توثيقًا وتأصيلا، وبأدلَّتـه تعليلاً وتفصيلا.
غير أنك فضَّلتِ المشاركة بإجماله، وأردت نشر تفصيله وبيـان جماله، رغبة منك لجمع شـمل نظامه، وإماطة لِثامه، ليعبق مِسك فوائده، وتضيء حُلـيُّ قلائـده.
زادك الله ضياءً في العِلْـم، ونورًا في الفَهْـم.

خـبر اسـم الشـرط
مسـألة خلافهـا مشـهور، وفي كتب النحـو مُعلَّل ومسـطور، والتحقيق فيها شـاقٌّ وعسـير، وأسـأل الله القدير، العـونَ والتيسـير.

إذا وقع اسم الشرط مبتدأ.
فهل خبره جملة فعل الشـرط؟
أو جمـلة الجـواب؟
أو همـا معـا؟

لا شك أن لكل من هذه الآراء حجَّـة ودليلا، ولا أرَى أنَّ مناقشة هذه الآراء سـتؤدِّي بنا إلى رأي واضح نجزم به، ونطمئنُّ إليه، ولكن لا بـدَّ أولاً، من معرفة سبب الخلاف الذي أدَّى إلى تباين الآراء.

يعود سـبب الخلاف إلى أمرين.
الأول: تباين آرائهم في تحديد معنى الجملة، فهم لم يُحدِّدوا مفهومها، ولم يتَّفقوا عليه، ولو فعلوا لزال الخلاف في ما بينهم، ولقاربوا الإجماع أو ما يشبهه.

لقد كان من النحويين، مَن نظر إلى الكلام والجملة على أنهما مترادفان، وقد صرَّح الزمخشري بذلك في كتابه " المفصل "، فقال: والكلام هو المركَّب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، ويسمى الجملة.

وأما الجملة عند جمهور النحاة، فتعبير صناعي، أو مصطلح نحوي لعلاقة إسنادية بين اسمين، أو اسم وفعل، تمَّت الفائدة بها أم لم تتـمّ، ولذلك فهي أعمُّ من الكلام، والكلام أخصُّ منها.

الثاني: اختلافهم في تقـدير معنى الجملة الشرطية، نحو: " مَن يَستغفرِ اللهَ يجدِ اللهَ غفورًا رحيمًا "
فمنهم مَن قدَّرها: المُسـتَغفرُ اللهَ ، يجدُ اللهَ غفورًا رحيمًا.
ومنهم من قال: كلٌّ من الناسِ إن يَستغفرِ اللهَ فإنه يجد اللهَ غفورًا رحيمًا

والصواب هو القول الثاني، لأنَّ الأول يلغي معنى الشرط، وهو مراد أصلا

وتأسـيسًا على هـذا، أنتقـل إلى ذكر الآراء وحجَّة قائليها

الرأي الأول: " جملة الجواب وحدها هي الخبر "
حجة القائلين به هي أنَّ الجواب هو الذي يتـمُّ به المعنَـى.
فقد حوَّلوا صيغة الجملة الشرطية، نحو " مَن يسافرْ يبتهجْ " إلى جملة اسمية: " المسافرُ مبتهجٌ "، أو " المسافرُ يَبتهجُ "
فكلمة " يبتهج " هي التي أفادت، وتمَّ بها المعنى، وهي جواب الشرط في الجملة الأصلية.
وقالوا: ما اسم الشرط هنا إلاَّ اسم موصول، أضيف إليه معنى الشرط، ففـك صِلَته بفعله لفظا لا معنى.
والحقُّ أنَّ تحويل الصيغة الشرطية " مَن يسافرْ يبتهجْ " إلى جملة اسمية، ليس هو " المسافرُ مبتهجٌ "، لأنَّ هذا التقدير قد ألغَى معنى الشرط، وهو الذي بُنـي عليه الكلام أصلا، والشرط في هذه الصيغة معنى لا يجوز إغفاله.
ولو أغفلناه - كما قدَّروا - لتساوى قولنا: " مَن يسافرْ يبتهجْ " بالجزم على الشرط، وقولنا: " مَن يسافرُ يبتهجُ "، بالرفع على أنَّ " مَن " اسم موصول، وفي هذا إخلال بالمعنى.
ولو التزمنا الدقَّة في التقدير، لقلنا: " مَن يسافرْ يبتهجْ "، تقديره: " المسافرُ إن يسافرْ يبتهجْ "، لنبقى محافظين على معنى الشرط.
لذلك كان تقدير ابن هشام – رحمه الله – أدقَّ، حين قال: " مَن يقمْ أقمْ معه "، بمنزلة: " كلٌّ مِن الناسِ إنْ يقمْ أقمْ معه "، لأنه حافظ بهذا التقدير الدقيق على معنى الشرط، وهو الذي عقد الصلة بين جملتين، كانتا قبل دخوله مستقلتين، لكل منهما تركيبها الإسنادي، فلمَّا دخل أوجد التلازم بينهما، وعلَّق إحداهما على الأخرى، الأمر الذي يوضِّح أنَّ الصلة بين جملة الشرط وجملة الجواب صلة تعليق، أو صلة تابع بمتبوع، وليست صلة مبتدأ بخبر.

وتوضيحا لذلك، لو كانت عندنا جملتان اسميتان، أو فعليتان، نحو: " أبو بكر قائلٌ "، وأبو بكر صادقٌ "، أو: " قال أبو بكر "، و" صدق أبو بكر ".
ثم أدخلنا عليهما الشرط، فقلنا: " إنْ كان أبو بكر قائلا فهو صادق "، أو " إنْ قال أبو بكر صدقَ ".
فهل يعني إدخال الشرط، تغيير العلاقات الإسنادية في كل من الجملتين، وجَعْل إحداهما بتمامِها أحد الركنين الإسناديين للجملة الأخرى؟
أي: هل معنى إدخال الشرط، أننا جعلنا الثانية خبرا للأولى؟
أليست كل من الجملتين قائمة بركنيها الإسناديين، في كل من الصيغتين؟
وكلُّ ما فعله الشرط، هو أنه علَّق وقوع الثانية على وقوع الأولى.

والأمر الآخر، أنهم متفقون على أنَّ جملة جواب الشرط الجازم، إذا كانت مقترنة بالفاء، أو إذا الفجائية، فهي في محل جزم.
فكيف يصحُّ جعل الجملة الواحدة في محلين مختلفين من الإعراب في وقت واحد؟
وكيف نقول في مثل قوله تعالى: { ومَن يَتعَـدَّ حُدودَ اللهِ فأولَـئِكَ هُمُ الظَّالِمونَ }، إذا جعلنا جملة الجواب في محل جزم، كما هو متفق عليه في عمل الشرط، فقد ألغينا الرفع.
وإذا جعلناها في محل رفع - كما يقولون - فقد ألغينا الجزم.
وإذا جعلناها في المحلَّين فقد وقعنا في التناقض والاضطراب.


الرأي الثاني: " جملة الشرط والجواب معا، هما الخبر "
إنَّ هذا القول قول عجيب، لأنه يجعل من الجملتين جملة واحدة، وهو مناقض لِما اصطلح جمهور النحاة عليه، من كون الجملة مسندًا ومسندًا إليه.
ثم هو مناقض لأصولهم في أنَّ الجملة ذات المحل، يجب أن تكون صالحة لإحلال المفرد محلها.
وأيُّ مفرد يصلح مكان الشرط وجوابه في وقت واحد؟
إننا إذا قلنا إنَّ قوله تعالى: { ومَن يَقترِفْ حَسَنةً نَزِدْ له فيها حُسنًا }، تقديره: " المقترف الحسنة مزيد له فيها "، وإنَّ قولنا: " مَن يَجتهدْ ينجحْ "، تقديره: المجتهدُ ناجحٌ، لا نرى هذا التقدير صحيحا، لأنه يلغي معنى الشرط، وهو مراد أصلا.
فأيُّ الكلمتين " مزيد وناجح " نابت مناب الجملتين؟
ثم إذا كانت جملة جواب الشرط مقترنة بالفاء، أو إذا الفجائية، فُهِم على أنها في محل جزم.
فكيف تكون كذلك، ثم تكون في الوقت نفسه داخلة مع أختها جملة الشرط في محل الرفع على الخبرية؟
ولننظر أخيرًا هل بين النحويين من يَعـدُّ جملتي الشرط والجواب جملة واحدة؟ كما يرى الدكتور المخزومي، والدكتور قباوة، ليستقيم لأصحاب هذا القول حكمهم.
يقول الدكتور قباوة: ( لأنهما أصبحتا، بدخول أداة الشرط عليهما، كالجملة الواحدة )، يعني جملة الشرط والجواب.

لقد وقف النحويون عند أبسط صورة من صور تركيب الكلمات، فأطلقوا عليها لفظ الجملة، وعرفوها بأنها تركيب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى.
وحين فصَّل ابن هشام – رحمه الله - حديثه عن الجملة في " مغنيـه "، وتناول فيه الجملة الصغرى، والجملة الكبرى، وذات الوجه، وذات الوجهين، لم يخرج عما أصَّلوه، ولم يخالف ما اصطلح جمهورُهم عليه من معناها، وعدَّ الكبرى مؤلَّفة من جملتين، فقال: هي الاسمية التي خبرها جملة.
ولم أرَ أحدًا من النحويين يتحدث عن جملة مركبة، بل جعلوا الكلام هو المركَّب، وعادوا به تحليلا وتبسيطا إلى جمل بسيطة.
ولعل أسلوب الشرط أوْلى المواضع بحديثهم عن الجملة المركَّبة من جملتين، لو أنها وجدت، أو جاء ذكرها على ألسنتهم، ولكنَّهم صرَّحوا بأن أسلوب الشرط جملتان، لا جملة واحدة.
قال سـيبويه:
( واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال، وينجزم الجواب بما قبله ) انتهى
فقد عدَّ الشرط أو الجزاء - كما يلقبه - مؤلَّفا من جملتين، هما جملة الفعل الذي ينجزم بحرف الشرط، وجملة الجواب الذي ينجزم بما قبله.

وينظر المبرِّد إلى الجملة الشرطية على أنها كلام لا يستغنَى بعضه عن بعض، وهذه هي النظرة النحوية منذ سيبويه لم تختلف، ولكن هذا لا يعني أنه نظر إليها على اعتبار أنها جملة واحدة، ذكر المبرد المجازاة مثالاً على المسند والمسند إليه، وقال في موضع آخر: لأنَّ الجزاء غير واجب آخره إلاَّ بوجوب أوله
ويفسِّر المبرد الشرط بأنه وقوع الشيء لوقوع غيره.

ويعتبر الزجاج استمرارًا لمن سبقه، من حيث النظرة إلى طبيعة الجملة الشرطية، فهي ليست جملة مركَّبة، وإنما هي جملتان متلازمتان.

وعدد ابن السراج المواضع التي لا يخلو منها الحرف، وذكر منها الحرف الذي يدخل ليربط جملة بجملة.
ثم قال مفصلا: وأما ربطه جملة بجملة، فنحو قولك: " إنْ يقمْ زيدٌ يقعدْ عمرٌو "، وكان أصل الكلام: " يقومُ زيدٌ يقعدُ عمرٌو "، فـ" يقومُ زيدٌ " ليس متصلا بـ" يقعدُ عمرٌو "، ولا منه في شيء، فلما دخلت " إنْ " جعلت إحدى الجملتين شرطا، والأخرى جوابا.

ونجد عند السيرافي نصَّين يُبيِّنان طبيعة الجملة الشرطية عنده، كما يبيِّنان متابعته لمن سبقه من النحاة في هذه النظرة، يقول: والشرط والجواب هما في الأصل جملتان متباينتان، ربطهما حرف المجازاة، فصارتا كشيء واحد.

ويتابع الفارسي مَن قَبله في النظر إلى الجملة الشرطية على أنها مؤلَّفة من جملتين.

ويؤكِّد الرماني أنَّ أداة الشرط تعقد الجملة الثانية بالأولى، حتى يكون خبرًا واحدًا، وهي تنقل الكلام من الإيجاب على القطع، إلى تعليق الثاني بالأول.

وتابع شيخ فقهاء العربية، ابن جنِّي، خُطا أستاذه الفارسي، فيؤكِّد أنَّ الشرط والجزاء جملتان، يقول: ومنها أنَّ بعض الجمل قد يحتاج إلى جملة ثانية احتياج المفرد إلى المفرد، وذلك في الشرط وجزائه، والقسم وجوابه.

وهكذا يتضح مما سبق، أنَّ الذين جعلوا الشرط والجواب معا هما الخبر، خالفوا ما اصطلح عليه جلَّة النحويين وجمهورهم، من معنى الجملة، وجاءوا بما لا نظير له في النحو، وهم لم يذهبوا هذا المذهب، إلاَّ لأنَّ الشرط وحده لا يُتـمُّ المعنى، فشـدُّوا إليه جوابه، وجعلوا الجميع خبرا، مع أن كلاًّ من الشرط والجواب جملة مستقلة قائمة بنفسها، ولولا أداة الشرط لما ترتبت إحداهما على الأخرى.
ولما كانتا متلازمتين، وهما متلازمتان معنى، وليس ما يمنع أن يكون لكل منهما محل من الإعراب.
وتلازمهما كتلازم المبتدأ والخبر، وكتلازم الاسم الموصول وصلته، وهو تلازم معنوي، لا يقتضي التلازم في الإعراب.
ودخول أداة الشرط لا يفك العلاقة الإسنادية بين المركبين في الجملة الواحدة، وإنما يجعل بين الجملتين، أو الوحدتين، علاقة تلازم معنوي، أي أنَّ أداة الشرط تدخل لتدلَّ على أنَّ معنى الجواب، وهو معنى مستقل أصلا بنفسه، لا يتحقَّق إلاَّ إذا تحقَّق معنى آخر مستقل بنفسه أيضا في الأصل، وهو معنى الشرط.

ويكفي أنَّ الزمخشري نفسه - وهو الذي جعل الكلام مرادفا للجملة، كما سلف القول، والكلام عنده هو المفيد - جعل للشرط جملتين كسائر النحاة.
فقال: ومن أصناف الحروف حرفا الشرط، وهما " إنْ ولو " يدخلان على جملتين فيجعلان الأولى شرطا والثانية جزاء.

وأخيرا، نسأل القائلين: " إنَّ الشرط وجوابه معا هما الخبر ".
ما دام الشرط وجوابه جملتين، فكيف تؤوَّلان بمفرد واحد؟
وإذا أوَّلناهما بمفردين، فلا بد أن يكون لكل منهما محل من الإعراب، فكيف تكون الجملتان المؤوَّلتان بهما في محل واحد من الإعراب؟

الرأي الأخير، وهو كون " جملة الشرط وحدها هي الخبر ".
أولاً: إنَّ جملة الشرط الجازم إذا كان مبتدأ، لا محل لها في أي موضع من المواضع، وكيفما تقلبت بها الحال، إلاَّ في هذا الموضع الذي تكون فيه في محل رفع خبرا للمبتدأ، فلا تنازع عليها بين عاملي الجزم والرفع، شأن جملة الجواب، وإنما هي في حالة واحدة من ثلاث حالات مطردة:
الأولى: أنها ليست بذات محل إذا كانت أداة الشرط حرفا.
الثانية: أنها في محل جر بالإضافة، إذا كان اسم الشرط ظرفا.
الثالثة: أنها في محل رفع على الخبرية إذا كان اسم الشرط مبتدأ.
والاطراد وتجنب الشذوذ أولى بالاتبـاع.

ثانيا: إنَّ الجملة تبقى في إطار ما اصطلح جمهور النحاة عليه، من كونها مركبة من كلمتين، أسندت إحداهما إلى الأخرى، فلا نضطر إلى مخالفتهم بابتداع جملة جديدة، مركبة من جملتين تركيبا ليس شأنه شأن الجملة الكبرى، لأنهما في الأصل جملتان مستقلتان، لكل منهما علاقة إسنادية بين ركنيها، ولو حجبنا الشرط الداخل عليهما لعادتا قائمتين بلا إخلال.
ثالثا: إنَّ اسم الشرط وفعله يُكوِّنان جملة تامَّة الإسناد، ولكنها ليست تامَّة المعنى المقصود بها بعد دخول الشرط، وقد كانت تامَّة قبله.
وذلك لأنَّ وظيفة الشرط أصلا أن يجعلها متبوعة بجملة ثانية، تكمِّل معناها.
بل إنَّ معناها الذي كانت مستقلة به قبل دخول الشرط أصبح كله سـببا، أو علَّة لحصول معنى جملة ثانية مستقلة بمعناها، فتلازم المعنيـان بالشرط بعد أن كانا مستقلين قبله.
وقد أشار العكبري، في شرحه لـ" إيضاح " الفارسي، إلى تلازم جملتي الشرط والجواب، فقال:
( ويُنزَّل الشرط مع الجزاء بمنزلة العلَّة مع المعلول ).
وقال ثانية:
( إنَّ حرف الشرط يوجب حاجة الجملة الأولى إلى جملة أخرى، لأجل التعليق، بحيث لو اقتصرت على إحداهما لم يكن كلاما، ولولا " إنْ " لكانت الجملة الواحدة كلاما ) انتهى
وقوله: " لأجل التعليق "، هو ما وضَّحه ابن هشام في " المباحث المرضية "، حين قال:
( الصحيح أنَّ خبر اسم الشرط هو جملة الشرط، لا جملة الجواب )
وعزا الظنَّ بأن الخبر هو الجواب إلى التوهُّم، وقال:
( وجواب هذا التوهُّـم، أنَّ الفائدة إنما توقفت على الجواب من حيث التعليق لا من حيث الخبرية ) انتهى كلامه – رحمه الله -.

ويتَّضح من هذا، أنَّ جملة فعل الشرط وحدها هي الخبر للمبتدأ، الذي هو اسم الشرط، وقد كانت خبرا قبل دخول الشرط، للاسم الذي كان قبله غير مضمَّن معنى الشرط، وكون " مَن " مضمَّنة معنى الشرط، لا يلغي خبرية ما بعدها، كما لم يُلغ الاستفهام الذي ضمَّناه لـ" مَن " خبرية الجملة التي بعدها له.
فقولنا: " زيدٌ قام "، يساوي قولنا: " مَن قام؟ " في كون جملة " قام " خبرا لِما قبلها، ودخول الأدوات: الحروف، أو الأسماء المضمَّنة معاني الحروف، لا يُخلُّ بتركيب الجمل، ولا يجعل من الجملتين جملة واحدة، لِما في ذلك من خروج عمَّا أصَّله النحاة، ومخالفة لِما اصطلح عليه جمهورُهم، من معنى الجملة ودخول الشرط على الجملتين لا يخلخل العلاقة الإسنادية في كل منهما، بل يبقيها، ولكنه يجعل حصول الثانية من حيث المعنى متوقفا على حصول الأولى، لأن أسلوب الشرط أصلا يقتضي ذكر جملة ثانية تتـمُّ معناه، كما أنَّ الاسم الموصول الواقع فاعلا أو خبرا لا يكتمل المعنى به، لأنه يقتضي ما يحتاج إليه من الصلة، والصلة في اتفاق الجميع ليست جزءا من الاسم الموصول من حيث الإعراب، ولكنها لازمة له من حيث المعنى.

وبهذا يتبـيَّن أنَّ هذا الرأي يُبقي للقاعدة اطرادَها، وللمنهج سـداده، والله أعلـم.

وأودُّ مناقشة مقال الدكتور الفاضل / " فخر الين قبـاوة "، حول رأيه عن مذهب ابن هشام، ولم يتيسَّر لي الاطِّلاع على مقال الدكتور المخزومي، وما أراه يبعـد عن مقال قبـاوة.

جاء في " إعراب الجمل، وأشباه الجمل "، للدكتور فخر الدين قباوة
( وقد يكون خبر المبتدأ تركيبًا مكوَّنًا من جملتين، وذلك إذا كان المبتدأ اسم شرط جازمًا، نحو قول زهير:
ومَن يَعصِ أطرافَ الزِّجاجِ فإنه * يُطيعُ العوالي رُكِّبتْ كلَّ لَهْذَمِ
فإنَّ جملتي الشرط والجواب فيه هما في محل رفع خبر "مَن "، لأنهما أصبحتا، بدخول أداة الشرط عليهما، كالجملة الواحدة، والتقدير: كلٌّ مِنَ الناسِ إنْ يَعصِ أطرافَ الزجاج فإنه يطيع العوالي، وهو تقدير للمعنى لا للإعراب، وهذا الخبر ليس مما نحن في الحديث عنه، لأنه مركَّب من جملتين.
وذهب سيبويه وبعض النحويين إلى أنَّ جملة الشرط، في مثل هذا، هي الخبر، وقد بيَّنا من قبلُ أنها لا محلَّ لها من الإعراب.
وذهب آخرون إلى أنَّ جملة الجواب هي الخبر، وفي قولِهم إشكال، لأنَّ جملة الجواب هَـهنا مقترنة بالفاء، ومحلها الجزم، فكيف يكون للجملة محلان من الإعراب في آن واحد؟
ثم إن كان جواب الشرط غير مقترن بالفاء، نحو قول زهير:
ومَن يَغتَربْ يَحسبْ عَدوًّا صَديقَه * ومَن لا يُكرِّمْ نَفسَه لا يُكرَّمِ
فهو مما لا محل له من الإعراب، ولا يجوز أن تكون الجملة في محل رفع خبرًا، وهي لا محلَّ لها، ولولا هـذا الإشكال لكان قولهم هو الحقّ.
وربما اعتُرض عليهم، بأن تخلو جملة الجواب من ضمير عائد على اسم الشرط، نحو قوله تعالى: { مَن كانَ يَرجوا لِقاءَ اللهِ فإنَّ أجلَ اللهِِ لآتٍ }، وقول سعد بن مالكٍ:
مَن صَدَّ عَن نِيرانِها * فأنا ابنُ قيسٍ لا بَراحُ
وليس هذا مما يُعتَرض به، لأنَّ مثل هذه الشواهد مما أُقيمَ فيه السبب مقام المسبَّب، وقيل: إنَّ الجواب محذوف، والمذكور سبب له، ودليل عليه.
وزعم ابن هشامٍ أنَّ الأصحَّ كون جملة الشرط هي الخبر، ويرد عليه أنها بمثابة الصلة للاسم قبلها، " لأنَّ مَن لا يُكرِّم نفسَه لا يُكرَّم " شبيه بذلك، فالجملة تتمة للاسم، وليست مخبرًا بها، ولم تتمُّ بها الفائدة.
وكأنَّ ابن هشام قد ذهب هذا المذهب، لحمله أسماء الشرط على أسماء الاستفهام، التي يُخبَر عنها بالجملة بعدها، إذا وقعت مبتدأ، والصواب حملها على الأسماء الموصولة، بدليل أنَّ " مَن وما وأيّ " إذا تقدَّم عليها ما هو جواب لها في المعنى، ووَلِيها ماضٍ، احتملت أن تكون شرطية أو موصولة، نحو: " أُكرِمُ مَن أكرمني ".
ولشدَّة الصلة الواشجة بين اسم الشرط والاسم الموصول، اختلف النحاة في بعض النصوص، فجعل بعضهم الاسم للشرط، وجعله الآخرون موصولا.
والتباس الشرط بالموصول، دون الاستفهام، أكبر دليل على تهافت زَعم ابن هشام.
وأنت ترى ما في المذهبين من إشكال وإحالة، على أنَّ أبعد منهما في ذلك، مذهب ثالث، زعم أنَّ المبتدأ من أسماء الشرط، لا خبر له، لقيامه مقام من لا يحتاج إلى خبر، وجملتي الشرط والجواب بعده أغنتا عن الخبر، والمخلص من هذا كلِّه ما اخترناه، وإن كان فيه شيءٌ من التعقيد. ) انتهى

أقول: عفا الله عنك - أيُّها المحقِّق الفاضل -، هذه المسألة خلافية، وهي لا تعدو أن تكون اجتهاديَّة في كلِّ أحوالها، فهل يصحُّ أن يقال فيها عن الإمام الفـذّ، ابن هشام: " تَهافُت زَعم ابن هشام "، رحم الله " ابن هشـامنا " رحمة واسعة، وبارك في علمه، ونفعنا به، وأسـكنه الفردوس الأعلى.

وقولك: " لأنهما أصبحتا، بدخول أداة الشرط عليهما، كالجملة الواحدة "
أقول: قولك فيه نظر، وهو مردود بما اصطلح عليه جمهور النحاة، وقد سبق ذكر نصوصهم.

وقولك: " وزعم ابن هشامٍ أنَّ الأصحَّ كون جملة الشرط هي الخبر، ويرد عليه أنها بمثابة الصلة للاسم قبلها، " لأنَّ مَن لا يُكرِّم نفسَه لا يُكرَّم " شبيه بذلك، فالجملة تتمة للاسم، وليست مخبرًا بها، ولم تتمُّ بها الفائدة "
أقول: إنَّ الجملة قد تتـمُّ تركيبا بركنيها، ولمَّا يتم معناها، لاحتياج أحد ركنيها إلى ما يكمل معناه، ولا أظنُّ أحدًا يُعرب الاسم الموصول وصلته جميعا خبرا، في مثل قوله: " هذا الذي تَعرفُ البطحاءُ وَطأتَه "
وإنما المعلوم أنَّ " الذي " وحدها هي الخبر، وكما أنَّ تمام المعنى أنَّ الموصول يحتاج إلى صلته، وبها يكتمل المعنى، كذا يقال في الشرط وجوابه، وكما يتوقف تمام المعنى على ذكر الصلة، كذلك يتوقف تمام المعنى في أسلوب الشرط على ما يلزم عن الشرط، وهو الجواب.

وقولك: " وكأنَّ ابن هشام قد ذهب هذا المذهب، لحمله أسماء الشرط على أسماء الاستفهام، التي يُخبَر عنها بالجملة بعدها، إذا وقعت مبتدأ، والصواب حملها على الأسماء الموصولة ".
أقول: عفوًا - أيها الفاضل -، لم يحمل ابن هشام، اسم الشرط على اسم الاستفهام، كما يبدو لك، بل رأى أنَّ فعل الشرط هو الخبر، وتوقُّف الفائدة على استكمال جواب الشرط، من حيث التعليق، لا من حيث الخبرية.
ثمَّ ها أنتَ تَحملها على الاسم الموصول، وتزعم أنَّ الصواب أن يكون الخبر جملتي الشرط وجوابه، وبهذا أدخلت جملة الصلة، التي لا محل لها من الإعراب، وأدخلت جملة الجواب التي صار لها أكثر من محل.
أرأيتَ كيف لم يَسْـلم مذهبك من النظر والضعف؟، والله أعلم.

بقي أن أذكر بعض مذاهب أهل العلم، في اختيار خبر اسم الشرط.
رجَّح أبو البقاء العكبري في " تبيـانه "، والسمين الحلبيُّ، في " دُرِّه "، إلى أنَّ جملة فعل الشرط وحدها هي الخبر.
وهو ما صحَّحه الصبان في " حاشـيته " على شرح الأشموني.
وما ذهب إليه ابن آجروم، في " إعراب القرآن الكريم "
والشيخ محمد الأهدل، في " الكواكب الدرية "
والغلاييني، في " جامع الدروس العربية "
وهو ظاهر قول السيوطي، في " همع الهوامع "
وهو ما رجَّحه الأستاذ عباس حسن، في " النحـو الوافـي "

وذهب الهـرويُّ، في " الأزهية في علم الحروف "
وابن يعيش، في شرحه على " المفصل " للزمخشري، إلى أنَّ جملتي الشرط وجوابه، هما الخبر.
وهو ما يراه، الأستاذ محمد محي الدين عبد الحميد، في إعراب شواهد " أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ".
والأستاذ محي الدين الدرويش، في " إعراب القرآن الكريم ".
والدكتور فخر الدين قباوة، في " إعراب الجمل، وأشباه الجمل "

ويرى الأستاذ سعيد الأفغاني، في " الموجز في قواعد اللغة العربية "،
والدكتور حسني عبد الجليل يوسف، في " إعراب الأربعين حديثًا النووية "، أنَّ جواب الشرط هو الخبر.

بارك الله في علمائنـا جميعًا، ونفع بعلمهم، ورفع درجاتهم.

بقـيَ أن أشـير إلى أنَّ غالب هـذا البحث، مرجعه كتاب " المباحث المرضية " لابن هشام، بتحقيق الدكتور مازن المبارك.
و" الجملة الشرطية عند النحاة العرب "، لإبراهيم سليمان الشمسان.

مع خالص التحيـة

رياض
26-03-2005, 03:23 PM
((((((((بارك الله في علمائنـا جميعًا، ونفع بعلمهم، ورفع درجاتهم. )))))))))
وبارك فيك ونفع بعلمك ورفع درجتك

سمط اللآلئ
26-03-2005, 04:30 PM
ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ...

البحاثة النابغة / حـــازم
جزاكم الله خيــرا على هذا البحث القيِّم ، الذي أجدتم فيه ، وأفدتـم ...
أسأل الله تعالى أن يبارك في علمكم ، وينفع بكم دينه ، وكتابه ...
" ويرحم الله عبدًا قال آمينا "...

د. خالد الشبل
26-03-2005, 06:27 PM
أحيانًا يمسي التعليق مُذْهِبًا شيئًا من جمال الموضوع وقيمته ، لذا أفضّلُ الإنصات إلى أهل العلم .
مع تحية تعظيم لأستاذنا حازم ، زاده الله من فضله .

أبوأيمن
27-03-2005, 12:58 AM
فأَرْسَلَها العِرَاكَ ولم يَذُدْهَا * ولم يُشفِق على نَغَصِ الدِّخال

د.بهاء الدين عبد الرحمن
27-03-2005, 01:11 AM
الأستاذ الكبير حازم حفظه الله وزاده علما ونفع به
لقد أجدت في تفصيل الآراء في هذه المسألة ولكن بقي أمر قد يساعدنا في الترجيح وهو أن الشرط المجرد يعلق جملة الجواب بجملة الشرط والذي يؤدي هذه الوظيفة حرف الشرط (إن) فهذا الحرف يجعل جملة الشرط والجواب بمثابة جملة واحدة تسمى الجملة الشرطية وهي النوع الثالث من أنواع الجمل بحيث يصح تأويل الجملتين بخبر كقولنا: زيد إن تأته يكرمك ، فهذا معناه: زيد مشروط إكرامه بالإتيان، ولا يصح أن نجعل الخبر جملة الشرط وحدها ولا جملة الجواب وحدها وإنما الخبر هو الجملة الشرطية التي تتألف من جملتين صارتا جملة واحدة بحرف الشرط، ونحن نعلم أن الذين ذكروا الفرق بين الكلام والقول قالوا: جاء زيد ، كلام تام، و: إن جاء زيد، قول لا كلام، لأنه لا يفيد، فلا أظن أن يتعارض قولنا باستقلال الجملة الشرطية عن الفعلية والاسمية مع ما هو مقرر عند النحويين من معنى الجملة أو الكلام.
أعود إلى تكملة الأمر الذي بدأته وهو أن أسماء الشرط تختلف عن حرف الشرط فهي تدل على شيء مع دلالتها على الشرط أي فيها الدلالة على أمرين : الاسمية وتضمن معنى (إن) والاسمية تقتضي أن يكون لها محل من الإعراب فإذا وقع اسم الشرط مبتدا كان بحاجة إلى خبر يتم به المعنى فلذلك قدروا أن معنى: من جدّ وجد : كل واحد إن جدّ وجد، فجعلوا الجملة الشرطية المصدرة بإن هي الخبر وهي مؤلفة من جملتي الشرط والجزاء ، ويؤيدهم أنه لا بد أن يكون في كل جملة منهما ضمير يعود للمبتدأ فلا يجوز مثلا أن تقول: من يكرم زيدا يكرم بكرٌ عمرا ، لذلك أرى اختيار أستاذنا القدير فخر الدين قباوة له ما يسوغه وهو في نظري أقوى من اختيار ابن هشام ويأتي بعد هذا الرأي رأي من قال: جملة الجواب هي الخبر.
أما قولهم بأن لكل جملة إعرابها فجملة الشرط لا محل لها وكذلك جملة الجواب ما لم تقترن بالفاء أو إذا الفجائية فليس بحتم أن يكون الأمر على ما ذهبوا إليه فإن حكمنا على جملتي الشرط والجزاء بأنهما جملة واحدة قبلها (إن) مقدرة معنى لا نحتاج إلى إعراب آخر لهما وأما قولهم: إن جملة الجواب في محل جزم إن اقترن بالفاء فأمر عجيب لأنه يقدر بفعل مضارع، والفعل جملة وليس مفردا لأنه لا يتصور الفعل بلا فاعل وهم يقولون : يكون للجملة محل إن أمكن أن يقع محلها المفرد أي الاسم، والجزم من خواص الأفعال فكيف يكون محل هذه الجملة الجزم.
هذا والأمر فيه تفصيل أكتفي بما أوردت لعله يضيف بعض الفائدة لما ذكرته أيها الأستاذ الكريم.

حازم
28-03-2005, 06:12 AM
أسـتاذي الأمجـد / " رياض "

ما زلتُ أراك عاليـًا
عاليـًا بعذوبة لسـانك، وروعة بيـانك
عاليـًا بكـريم خُلُقـك، وصدق تواضعـك

يعجـز نظـري أن يدرك مكـانك، ويقصر لسـاني أن يشـكر إحسـانك
زادك الله عِـزًّا ورفعـة

حازم
28-03-2005, 06:14 AM
الأسـتاذة الكريمـة النابغـة / " سـمط اللآلئ "

لا أراك إلاَّ صاحبة الفضـل، ومسـتحقَّة الشـكر والتقـدير والثنـاء.
فأنتِ مَن بـدأ الموضـوع، ورسـمتِ علامـاته، ووضعتِ إطـاراته
وقد كانت إشـاراته الباهـرة، ضمن تصريحـاتك، ودلالاتـه الزاهـرة، ملء تلميحـاتك.

فأسـأل الله الكريم، أن يبـارك سَـعْيك، وأن يمـلأ قلبـك نورًا، وحيـاتك سـرورًا.

حازم
28-03-2005, 06:16 AM
أسـتاذي الجليل الفـذّ / " خـالد "

ألا أيُّها النَّجمُ الذي فاقَ ضَوءُهُ * وهِمَّتُـهُ فَوقَ السِّـماكَيْنِ تُوضعُ
أليْسَ عَجيبًا أنَّ وَصْفَكَ مُعْجِزٌ * وأنَّ ظُنـوني في مَعـاليكَ تَظْلَعُ
وأنَّكَ في ثَوبٍ وصَدْرُكَ فيكُما * علَى أنَّهُ مِنْ ساحةِ الأرْضِ أوْسَعُ

ما زلتُ أحظَـى بجميـل إنعـامكم، وأسْـعد بعظيـم إكـرامكم
ولو أني زَجَرْتُ طَـيرَ البيـان من أوكاره، وجِئتُ بعُـونِ الإحسـان وأبكاره،
لظلَّت حـروفي عاجـزة أن تبلغ علوَّ مقـامكم، ولتلاشـت مفـرداتي عنـد بحـر علمكـم

ولا يملك التلميـذ، إلاَّ أن يدعـو لأسـتاذه الجليـل، أن يرفـع الله قدركم، ويُديـم عِـزَّكم

حازم
28-03-2005, 06:17 AM
يا ناقُ سـيري عَنَقـًا فَسيحا * إلى أبي اليُمْـنِ فَنَسْـتَريحا

أسـتاذي السَّـمَيْذَع / " أبو أيمـن "
أشـكر لك إطلالتـك المشـرقة، وخُطُـواتك الموفَّقـة

أسـتاذي الحبيب: ما زلتُ قاصرًا عن تميـيز اتِّجـاهات الأنـواء، وأخشَـى أن أضلَّ الطريق، فلا أصل إليك، وتُبعـدني الأهـواء.

أعظـمَ الله أجـرك، ورفـع قـدرك

حازم
30-03-2005, 08:09 AM
غَريبـةُ أوْطـانٍ بِنَجـدٍ نَظَمتُهـا * وعُظْمُ اشْـتغالِ البالِ وافٍ، وكيف لا؟
صُدِدتُ عَنِ البَيتِ الْحَرامِ وزَوْرِيَ الْ * مَقامَ الشَّريفَ المُصْطفَى أشْرَف العُلا
وطَوّقَنـي الأعْـرابٌُ بِاللَّيلِ غَفـلةً * فمـا تَرَكـوا شَـيئًا وكِـدتُ لأُقْتَـلا
فَأَدْرَكَنـي اللُّطفُ الخَفِـيُّ ورَدَّني * عُنَـيزةَ حتَّـى جـاءَني مَنْ تَكَفَّـلا
بِحَملـي وإيصـالي لِطَيْبـةَ آمِنـًا * فَيـا ربِّ بَلِّغْنـي مُـرادِي وسَـهِّلا
ومُنَّ بِجَمعِ الشَّـملِ واغْفِـرْ ذُنوبَنا * وصَلِّ علَـى خَـيرِ الأنـامِ ومَن تَـلا

الأسـتاذ الفاضل الألمعـيّ / " الأغـر "

تردَّدت كثيرًا في الردِّ على تعقيبك، لِعِلمي أنَّ مثل هذه المناقشات لا تؤدِّي إلى نتيجة، ولولا خشية الظـنِّ بأني قد تجاهلتُ ما تراه تصحيحا، وأهملتُ ما تظنُّـه ترجيحا، لآثرتُ الانصراف عنه والابتعـاد، طلبـًا للرشـاد، وحَسْـبي أن أبديَ رأيي في المسألة، دون أن أُلْـزِم أحدًا باسـتحبابه، أو السـير في رِكـابه.

قولك: ( وهو أن الشرط المجرد يعلق جملة الجواب بجملة الشرط، والذي يؤدي هذه الوظيفة حرف الشرط "إن" )
لا أدري، ماذا تقصد بـ" الشرط المجرد "؟
ما أعلمـه، أنَّ جميع أدوات الشرط، التي تُسمَّى: أدوات الشرط والجزاء، تعلِّق جملة الجزاء، بجملة الشرط، بحيث تكون الأولَى سـببًا للثانية، والثانية مسبَّبة عنها.
سواء أكانت الأداة اسمًا، نحو: " مَن، ما، أيّ "، أم حرفًا، نحو " إنْ ".

وقولك: ( وهي النوع الثالث من أنواع الجمل )
أحسنت، فقد ذهب الزمخشريُّ إلى زيادة الجملة الشرطية، ووافقه الدكتور/ " قباوة "، وقال:
( الجملة الشرطية: وهي التي صدرها أداة شرط، نجو: " مَن طَلبَ العُلا سَهرَ الليالي "، " لولا الأمل لَضعفَ الأمل "، " إذا أكرمتَ الكريمَ مَلكتَه " ) انتهى

وخالف الجمهور هذا التقسيم، ولم يوافقوا على عدِّها من أقسام الجمل، ونصَّ ابن هشامٍ، في " مغنيه "، والسيوطي، في " همعـه " على هـذا.
ولسـنا بصدد ترجيح قول زيد أو عبيد، لأنَّ هذا الموضوع لا علاقة له بما نحن بصدده، من ترجيح خبر اسم الشرط.
وهذا الموضوع، لا يساعد على الترجيح مطلقًا.

وقولك: ( وإنما الخبر هو الجملة الشرطية التي تتألف من جملتين، صارتا جملة واحدة بحرف الشرط )
أقول: ما أعجب أمرك - أيها الألمعـيُّ -.
كيف تصدر الحكم مباشرة ، قبل أن تعلَّل وتدلِّل؟
كيف يَقبل العقل النتيجة، دون أن يدرك أسبابها
" إنَّ السَّـفينةَ لا تَجري علَى اليَبَـسِ "

وأما قولك: ( صارتا جملة واحدة بحرف الشرط )
قلتُ: نعم، صارتا جملة واحدة في المعنى، لا في الاعتبار.
وهذا ليس قولي، إنما هو قول جمهور النحاة.

انظر هذه الجملة الفعلية، القائمة بركنيها، المتفَّق عليها.
ولا أعني بذلك: البخاري ومسلم – رحمهما الله -، إنما أعني: علماء النحو جميعًا.
" يلعبُ زيـد "، هي جملة واحدة، فإذا قلتَ:
" زيدٌ يَلعبُ "، قلنا: هذه جملة اسمية، جملة واحدة معنى، لكنها تتألَّف من جملتين إعرابًا.
جملة " يلعب " الفعلية، التي تتكون من فعل، وفاعل مستتر فيه.
وجملة " زيد يلعب " الاسمية، التي تتكوَّن من مبتدأ وخبر.

أما جملة " زيد يلعب "، فهي ابتدائية، لا محل لها من الإعراب.
وجملة " يلعبُ " خبر المبتدأ، لأنها حلَّت محل المفرد، وسـأتكلَّم عن هذا لاحقًا، إن شاء الله.
فإذا زدنا، وقلنا: " زيد يلعب بكرة لونها جميل "
كان لدينا ثلاث جمل
وإذا قلنا: " زيد يلعب بكرة لونها يميل إلى الصُّفرة "
كان لدينا أربع جمل
ألسـنا نعرب كل كلمة في جملتها، ثمَّ نقوم بإعراب كل جملة؟
فلماذا تختلف هـذه النظرة، عند الكلام عن أجزاء الجملة الشرطية؟
لماذا يزعمون أنَّ جملة الشرط والجواب صارتا جملة واحدة بأداة الشرط؟
هل أداة الشرط أعادت بناء تركيب الجملة بعد دخولها عليها؟
كلاَّ، إنما دخلت على جملة مفيدة، فائدة يحسن السكوت عليها، ذات ركنين، وهي جملة الشرط، فأصبحت غير مفيدة بعد دخول الأداة عليها، ولذلك يُلغَز بها، ويقال: " ما شيء إذا زدتَّـه نقص؟ "
ولذلك احتاجت إلى جملة الجواب، لتتـمَّ بها الفائدة، ويحسن السكوت عليها، وعُدَّت بذلك ناقصة.
وقد أشار إلى هذا ابن بابشاد، فقال:
( والجملة الشرطية ناقصة، لافتقارها إلى جواب )
وهم مما يسمون ما يحتاج إلى غيره ناقصا، لذلك قالوا عن " ما " الموصولة: إنها ناقصة، لاحتياجها إلى الصلة.
وقالوا عن " ما " النكرة الموصوفة، المجردة عن معنى الحرف، إنها ناقصة لاحتياجها إلى الصفة.

ولذلك – أيها الفاضل -: لا يمكن أن نسـلِّم، أنَّ جملةَ الشرط وجوابه، جملةٌ واحدة.
ولهـذا أرَى، أنَّ ما أسَّـسوا عليه مذهبهم، وهو أنَّ الجملتين صارتا جملة واحدة في الإعراب، أرَى أنه يمتنع عقلاً ونقلا.

وقولك – أيها الكريم -: ( فلذلك قدَّروا أنَّ معنى: " مَن جدَّ وجدَ ": كلُّ واحدٍ إنْ جدَّ وجدَ، فجعلوا الجملة الشرطية المصدرة بـ"إن" هي الخبر، وهي مؤلَّفة من جملتي الشرط والجزاء )
أقول: التقدير صواب، ونحن متَّفقون عليه.
وتقدير الخبر صحيح أيضًا، " ما شاء الله "، نحن ما زلنا متَّفقين.
فأنتَ قلتَ: " الجملة الشرطية المصدرة بـ"إن" هي الخبر "
وأنا أقول: نعم، ولكن لا يوجد في هذا التقدير دليل لنا ولا لكم، إنما هو حجَّـة ودليل علَى مَن زعم أنَّ جملة الجواب وحدها هي الخبر،
فقد كان تقديرهم للجملة الشرطية خاطئًا ابتداء، وقالوا: المجـدُّ يجـدُ، وقد ألْغـوا معنى الشرط، وهو مقصود أصلاً.
فكان هـذا التقدير الصحيح، وهو: كلُّ واحدٍ إنْ جدَّ وجدَ، دليلاً عليهم، وأنَّ جملة الجواب " يجد " لا تصلح أن تكون خبرًا للمبتدأ، بل هي جواب للشرط، وبها تتـمُّ فائدة الشرط.
أعود وأقول: إنه لا دليل لنا ولا لكم في هـذا التقدير، لأنَّ اختلافنا في تحديد جملة الخبر، فأنتم تقولون: إنَّ الخبر مُكوَّن من جملتين.
ونحن نقول: إنَّ الخبر هو جملة الشرط فقط، وجملة الجواب تابع لازم لإكمال الفائدة.
فقد اتَّفقنا على ضرورة وجود الجملتين معًا.
واختلفنا في توزيع عبء خبر المبتدأ عليهما.
ولا بدَّ من الاحتكام إلى علم " الفرائض ".

أما أنتم، فقد حمَّلتم جملة جواب الشرط، ما لا تطيق، وأثقلتم كاهلها بالتردُّد بين موضعين، وأن تتذبذب في محلَّين، لا يسـتقرُّ لها حال، ولا يهدأ لها بال.
فأضحت جملة الشرط لديكم في رخـاء، وباتت قرينتها، جملة الجواب، في عنـاء.

وأما نحن، فقد نظرنا إلى الجملتين، بعين العدل، ورأينا أنَّ جملة الشرط، قد أدمَى اسم الشرط قوامها، بملاصقته لها، فهي ضعيفة بائسة، مفتقرة ناقصة، فأعطيناها جلَّ النَّظـر، وأن تكون هي الخـبر، فيرتفع قدرها، ويظهر أمرها.
وعندها سـتتبعها جملة الجواب، في الإقامة والذهاب والإياب.

فإن قال قائل: كيف يكون الخبر جملة " يجتهدْ "، في قولك: " مَن يجتهدْ ينجحْ "، والمعنى لا يزال ناقصًا؟
قلتُ: وما تقول في: " زيدٌ نزيلُ الدارِ "
أليستْ " نزيلُ " هي الخبر؟
ومع ذلك، فكلمة " نزيلُ " لم تعطِ الفائدة للسامع، وذلك لأنَّ المضاف يحتاج للمضاف إليه، فلا تكتمل الفائدة، إلاَّ بعد ذكره.

وكذلك، إذا قلت: " هو الذي أكرمنا "
ألستَ تقول: كلمة " الذي " هي الخبر، ومع ذلك لا أحد يقول: إنَّ الفائدة تمَّت به، بل تتمُّ بصلته، وصلته ليست خبرًا، وليست مشتركة معه في الخبر.

وهكذا نقول في خبر اسم الشرط، لا بدَّ من إتباعه بجملة جواب الشرط، وعدم السكوت على فعل الشرط، لأنَّ المعنى لا يزال ناقصًا، فجملة الجواب تَتـمُّ بها الفائدة، من جهة التعليق، لا من جهة الخبرية، وهي جواب للشرط، وليست خبرًا للمبتدأ، لأنَّ الشرط يتكوَّن من المبتدأ والخبر، وهو يحتاج إلى جواب وجزاء، والله أعلم.

وقولك: ( ويؤيدهم أنه لا بد أن يكون في كل جملة منهما ضمير يعود للمبتدأ )
قلتُ: لا يلزم ذلك في جملة الجواب، لأنهما ليسـتا خبرًا معًا، ولا تفتقر صحة الكلام إلى ضمير يرجع من الجواب إلى اسم الشرط، وإنما يلزم عَود الضمير من جملة الشرط فقط، في جميع الأحوال، لأنها هي الخبر لوحدها، وسأذكر شاهدًا لِما أقول.
الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد: (( مَن مَلكَ ذا رحم محرم فهو حُـرٌّ )).
فإنَّ الضمير من قوله ( هو حُـرٌّ ) إنما يعود على المملوك، لا إلى " مَن " الواقعة على المالك، وهي المبتدأ.
فلم يَلزم عَود الضمير على المبتدأ من جملة الجواب.

وقول زهير، " من الطويل ":
ومَنْ لا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ * يُهَـدَّمْ ومَن لا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
فالضمير المستتر في جواب الشرط " يُهدَّمْ " يعود إلى " الحوض "، ولا يعود إلى اسم الشرط.

وقال أبو فراس، " من الطويل ":
تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفُوسُنا * ومَنْ خَطَبَ الحَسْناءَ لم يُغْلِها المَهرُ
والضمير في جواب الشرط، يعود إلى " الحسناء "، وهو مفعول " خطب "، ولا يعود إلى المبتدأ.
والله أعلم.

وقولك: ( ويأتي بعد هذا الرأي، رأيُ مَن قال: جملة الجواب هي الخبر )
قلتُ: ما أعجب أمرك - أيها الأغـر -.
أترجِّح القول الضعيف في المسألة، والذي لم يستند إلى تقدير صحيح؟
لا أرَى أنَّ مثلَك يفعلُ هـذا، فقد عهدتُك رصينًا في معلوماتك، دقيقًا في آرائك.
هل تعلم، أنَّ هناك من العلماء مَن يجعل الترجيح بين جملة الشرط، والجملتين معًا، ولا يعدُّ جملة الجواب ضمن الأقوال؟
هل تعلم أنَّ علَّة أصحاب هذا المذهب، هي أنَّ جواب الشرط محطُّ الفائدة؟
وهذا يتبادر إلى ذهن مَن لا يتأمل إلى دفعه، معتمدا على أنَّ الفائدة إنما تتمُّ بالجواب، الذي هو محطُّ الفائدة.
وجواب هذا التوهُّم: أنَّ الفائدة إنما توقفت على الجواب من حيث التعليق، لا من حيث الخبرية، لأنَّ " مَن " اسم للشخص العاقل، وضُمِّنت معنى الشرط.
وواضح أيضًا، أنَّ الجملة الشرطية، لا يمكن اعتبارها جملة خبرية، مثل جملة: " زيدٌ في الدارِ ".

لأنَّ الجملة الشرطية مركَّبة من جملتين، شرطية وجوابية.
وليست الشرطية كالمبتدأ، ولا الجوابية كالخـبر.
وهو التكامل، بمعنى احتياج أحدهما للآخر، أي يحتاج المبتدأ إلى الخبر، ويحتاج الشرط إلى الجواب.
والله أعلم.

وقولك: ( وأما قولهم: إنَّ جملة الجواب في محل جزم إن اقترن بالفاء، فأمر عجيب، لأنه يقدر بفعل مضارع، والفعل جملة وليس مفردا، لأنه لا يتصور الفعل بلا فاعل، وهم يقولون : يكون للجملة محل إن أمكن أن يقع محلها المفرد، أي الاسم، والجزم من خواص الأفعال فكيف يكون محل هذه الجملة الجزم )
أقول: بل العجب، ما ذهبتَ إليه من آراء ضمن هذا القول.
ووالله، قد حاولتُ أن أضعه على غير ما تبادر إلى ذهني، فلم أنجح، لأني أرَى أنَّ مشاركات " الأغر " القويَّة، لا يمكن أن تجنح إلى هذا المنعطف، مهما ضاق بها الطريق. ومهما كان ميله إلى فريق.

أقول: تقييدك بالمفرد أنه " اسم "، فيه نظـر، والصواب ما ذكره الدكتور قباوة، في " إعراب الجمل ":
( الأصل في الإعراب أن يكون للمفرد، اسمًا أو فعلاً مضارعًا، لأنه كلمة واحدة، يمكنها أن تظهر على آخرها حركات الإعراب، أو تُقدَّر تقديرًا )

وأما إعراب جملة الجواب محل الفعل، فهو أمر معلوم من النحو بالضرورة، لا يختلف عليه اثنـان، ولا يحتاج إلى بيِّنـة أو برهان.

وما زلتُ مستغربًا، ما الذي تَهدف إليه بقولك هذا؟
وقد اتَّفق أهلُ مَن رجَّحت مذهبهم، أنَّ جواب الشرط في قوله تعالى، في الأنفال: { وإن يُريدوا أن يَخْدَعوكَ فإنَّ حَسْـبَك اللهُ }، هو جملة { فإنَّ حَسْـبَك اللهُ }، وهي في محل جزم به، لأنها وقعت موقعه، وحلَّت مكانه.
قال الأستاذ محي الدين: ( والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط )
فما وَجه الإشكال؟

هـذا ما استطعتُ أن أستخلصه من تعقيبك، ولم أرَ فيه ما يرجِّح أن تكون جملتا الشرط والجواب معاً، خبرًا لاسم الشرط الواقع مبتدأ.

ولذلك ما زلتُ أرَى أنَّ ما ذهب إليه، إمام عصره، الفـذُّ ابن هشام – رحمه الله -، من أنَّ جملة الشرط هي الخبر، هو القول الراجح في المسألة، والله أعلم.

بقـيَ أن أذكر كلمةً أخيرةً، مخاطبًا أهل مذهب الهروي، ومَن مشَى معه، - رحمهم الله جميعًا -، وهو القول بأنَّ مجموع الجملتين خبرُ الشرط.

أقول: أنتُم تزعمون أنَّ الجملتين اتَّحدتا بسبب اسم الشرط، وصارتا جملة واحدة.
وأرَى أنَّ كلامكم صواب، إن كنتم تريدون الجملة الشرطية بكاملها، أيْ: مع أداة الشرط، فيجوز أن يكون لها محل من الإعراب.
ونحن نتَّفق معكم على هذا، وذلك نحو وقوعها في محل نصب مفعول به ثانٍ:
أراكَ إذا اسْتَغْنيتَ عنَّا هَجَرْتَنا * وأنتَ إلَينا عِندَ فَقرِكَ مُنْضَوِ

فالمقصود هو الجملة الشرطية " إذا اسْتَغْنيتَ عنَّا هَجَرْتَنا " بكاملها، وليس جملة الشرط وجوابه.

أمَّا فصل اسم الشرط على أنه مبتدأ، وإعراب ما تبقَّى من الجملة الشرطية، على أنه جملة واحدة، بعد أن انفصل اسم الشرط عنها، فهذا يناقض تأصيلكم: أنَّ وجود اسم الشرط هو الذي يجعل الجملتين جملة واحدة.

الأمر الثاني، إذا سلَّمنا أنَّ جملتي الشرط والجواب، جملة واحدة، فلماذا تقومون بفصلها حال إعراب جملة الجواب في محل جزم، ثمَّ تعودون وتجعلون الجملتين في محل رفع خبر اسم الشرط، نحو:
ومَنْ لا يَزلْ يَنْقادُ لِلغَيِّ والصِّبا * سَـيُلفَى علَى طُولِ السَّلامةِ نادِما
كيف تجعلونها، مرَّة جملة، ومرَّة جملتين؟

هـذه هي المآخذ، وتلك هي الثغرات، التي أدَّت إلى ضعف هذا القول، وجعلته قولاً مضطربًا.
ولهذا، فقد بدا عيانًا بيانًا، أنَّه قول مرجوح.

أمَّا رأي ابن هشام، فقد استقرَّ في كلِّ الأحوال، في المقرِّ والانتقال.
وزلَّ الرأي الآخر، ولم يثبت على حال، لا في الحلِّ ولا الارتحال.

ولا أجد أجمل من بيتي " كثير "، حكاية عن القولين وهما يسيران في طريقهما:
وكنَّا سَلكنا في صَعودٍ مِنَ الهوَى * فلمَّا تَوافَينـا ثَبتُّ وزَلَّتِ
وكنَّا عَقدْنا عُقْـدةَ الوَصْلِ بَينَنـا * فلمَّا تَواثَقْنا شَدَدتُ وحَلَّتِ

والله أعلـم.
أخي الفاضل، أرجو لك التوفيق وأنتَ في طريقـك إلى العُـلا.
مع عاطـر تحـاياي

د.بهاء الدين عبد الرحمن
02-04-2005, 03:37 AM
وأخ إن جاءني في حاجة ***** كان بالإنجاز مني واثقا
وإذا ما جئته في مثلها ***** كان بالردّ بصيرا حاذقا
يعمل الفكرة لي في الردّ من ***** قبل أن أبدأ فيها ناطقا

أخي الأستاذ الكبير حازم

لا أتمثل ببيتي كثير ولكني أتمثل بقول عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:
نحن بما عندنا وأنت بما ***** عندك راضٍ والرأي مختلف
من قصيدته التي مطلعها:
يا مالِ والسيد المعمم قد ***** يطرأ في بعض رأيه السرف

أتفق معك أن الخلاف في تحديد الخبر ها هنا لا يمكن المصير فيه إلى رأي قاطع ولكن أحببت أن أشير إلى أمر لم تنبه إليه في بحثك الأول ولم تدركه في تعقيبك وهو الاختلاف بين (إن) التي هي أم باب أدوات الشرط وبين أسماء الشرط وهو أن اسم الشرط يدل على شيء مع تضمنه معنى إن ، فمن حيث دلالته على شيء استحق أن يكون محلا لتوارد المعاني المقتضية للإعراب وهي الفاعلية والمفعولية والإضافة ومن حيث تضمنها معنى (إن) تعلق جملة الجزاء بجملة الشرط، فإذا وقع اسم الشرط في محل رفع بالابتداء كان لا بد له من خبر ، والخبر هو ما تتم به الفائدة من الكلام ولا يمكن إغفال هذا الأمر المعنوي في مسألة تحديد الخبر.
دع عنك تفصيل ترابط الجمل الكبرى بالصغرى فذلك أمر يعلمه الشداة في هذه الصناعة ولكن ما المانع أن تصير جملتا الشرط والجزاء جملة واحدة بحرف الشرط وإن كانتا في الأصل جملتين، ألا ترى أنه لا يمكن أن نقول في قولنا: زيد إن تسأله يعطك : إن جملة الشرط الفعلية وحدها الخبر وجملة الجواب متعلقة بجملة الشرط، ولا أدري أهو كتعلق المضاف إليه بالمضاف أم كتعلق الصلة بالموصول!
وكذلك قولنا: من يسألني أعطه، يكون مجموع الشرط والجزاء الخبر، كأنك قلت: زيد إن يسألني أعطه، فـ(من) تقوم مقام (زيد) و(إن) معا، ولكن الفرق أن المبدوءة بزيد جملة اسمية خبرية والمبدوءة بـ(من) شرطية لأن المبتدأ تضمن معنى الشرط.
لنعرب قول الأخطل :
إنّ من يدخل الكنيسة يوما يجد بها جآذرا وظباء
على رأي ابن هشام (من) مبتدأ وجملة (يدخل) الخبر وجملة (يجد) لا محل لها من الإعراب ولكن تابعة أو متعلقة بجملة (يدخل) لا غنى عنها، والجملة الاسمية (من يدخل الكنيسة) مع الجملة التابعة لها أو المتعلقة بها في محل رفع خبر (إنّ) التي اسمها ضمير الشأن.
وعلى رأي أستاذي فخر الدين قباوة ومن سبقه : (من) مبتدأ وخبره جملتا الشرط والجزاء وجملة (يدخل) لا محل لها من الإعراب وكذلك جملة (يجد) وجملة(من يدخل ....يجد) في محل رفع خبر (إن)
فليس بينهما فرق كبير
وأقول لا حاجة إلى إعراب الجملتين داخل الجملة الشرطية ما دمنا جعلناهما خبرا لاسم الشرط يعني يكون الإعراب في رأيي المتوضع [على قول الدكتور غازي القصيبي]
(من) مبتدأ وما بعده (الشرط والجزاء) الخبر، والجملة الشرطية(من يدخل يجد) خبر (إن) ولا حاجة إلى أن نعرب جملة الشرط وجملة الجواب لأنهما سدا مسد الخبر.

بقي الإشكال الذي أوردته وهو قولك:

(أمَّا فصل اسم الشرط على أنه مبتدأ، وإعراب ما تبقَّى من الجملة الشرطية، على أنه جملة واحدة، بعد أن انفصل اسم الشرط عنها، فهذا يناقض تأصيلكم: أنَّ وجود اسم الشرط هو الذي يجعل الجملتين جملة واحدة.)
فأقول إن اسم الشرط متضمن معنى الشرط وهذا المعنى هو الذي يجعل الجملتين جملة واحدة فاسم الشرط كما ذكرت ينظر إليه باعتبارين الأول أنه اسم فيمكن أن يكون مبتدأ أو مفعولا أو مضافا إليه أو مجرورا بحرف الجر والثاني أنه متضمن معنى (إن) الشرطية فتجعل جملة الشرط والجواب جملة واحدة.
ومما يقوي أن الجملة الشرطية جملة واحدة وقوعها صلة الموصول كقولك : الذي إن تأته يأتك زيدٌ ، وهو من أمثلة سيبويه.
وما ذكرته من قول سيبويه (حروف الجزاء تجزم الأفعال وينجزم الجواب بما قبله) دليل على أنه يرى أن الشرط والجواب يصيران جملة واحدة فأداة الشرط تعمل في فعل الشرط ثم إن الأداة مع فعل الشرط يعملان الجزم في الجواب فيصيران كلاما واحدا قد عمل بعضه في بعضه وهذه عبارة سيبويه أيضا.
فهل بعد هذا يستحيل أن يكون الشرط والجواب جملة واحدة عقلا ونقلا؟؟؟؟؟؟؟؟؟
رويدك أخي الفاضل فهذا ابن هشام الذي تتغنى بإمامته يقول عن جملة القسم وجوابه إنهما مرتبطتان حتى صارتا كالجملة الواحدة وإن لم يكن بينهما عمل هذا قوله فكيف إذا كان بين الجملتين عمل؟
وأما قولك:(الأمر الثاني، إذا سلَّمنا أنَّ جملتي الشرط والجواب، جملة واحدة، فلماذا تقومون بفصلها حال إعراب جملة الجواب في محل جزم.....)
فإني لا أعطي لجملة الجواب إعرابا لأني لا أعدها جملة مستقلة، وأختلف مع من يجعل لها محلا إن اقترنت بالفاء أو إذا الفجائية ، وذلك أن الأصل في الجواب أن يكون فعلا فإن كان مضارعا جزم، ويكون العطف عليه بالجزم سواء وقع محل هذا الفعل المضارع فعل ماض أو جملة طلبية أو جملة اسمية فلا أقول بقول أستاذي فخرالدين عن فعل الشرط: جملة الشرط غير الظرفي ولا عن فعل الجواب : جملة جواب الشرط غير المقترن بالفاء أو المقترن بالفاء، كل هذا في نظري لا داعي له.

وأما عن عود الضمير من الشرط والجواب إلى اسم الشرط فهو الغالب والأمثلة التي ذكرتها الضمير في الجواب عائد إلى ما هو من سبب اسم الشرط

وفي الختام أتلو: (ولكلٍّ وجهة هو موَلِّيها) والله يوفقكم للسداد .

حازم
07-04-2005, 09:35 AM
ومَن لا يُقَـدِّمْ رِجْلَهُ مُطْمَئنَّـةً * فَيُثبِتَهـا في مُسْـتوَى الأرضِ يَزْلَقِ

الأستاذ الفاضل الألمعي / " الأغـرّ "

رأيتُ حوارَك شَـيِّقا، وما زال حرفُك متألِّقـا
ولن أطلب منك أن تُولِّـيَ وِجهتـي، أو تلـتزم طريقتـي
إنما أردت أن أوضِّح من كلامي ما أشْـكَل، وأمْضي به إلى الطريق الأسـهل
فلربَّما تغـيَّرت وِجهتُـك، وتقاربت نظـرتك.
أسـأل الله أن يُلهمنا الصواب، وسـداد الرأي، وحسن المـآب

قولك: ( والخبر هو ما تتـمُّ به الفائدة من الكلام، ولا يمكن إغفال هذا الأمر المعنوي في مسألة تحديد الخبر )
أقول: لا أظـنُّ أنَّ مَفاد هذا القول يغيب عن ذهنك – أيها النبيـه -، فهذا القول فيه نظـر، إذ أنه ليس كلُّ ما تتـمُّ به الفائدة، هو الخـبر.
فالفاعل تتـمُّ به الفائدة مع فعلـه، وهو ليس خبرا.
وجملة جواب الشرط، تتـمُّ بها فائدة الجملة التي صدرها أداة شرط، وهي ليست خبرا.
وجواب القسم، يتـمّ به الفائدة، وهو ليس خبرا.
أليس كذلك – أيها الفاضل - ؟

فإن قلتَ: قد قال ابن مالكٍ – رحمه الله – في " الخلاصة ":
" والخـبرُ الجزءُ المتـمُّ الفائـدة "، فما تقول في قَوْل ابن مالك ؟
قلتُ: تعريف الخبر بالاقتصار على هذا القَول فيه قصور، ولكن ابن مالكٍ – رحمه الله – قد قيَّـد تعريفه المطلق بمثال، وقال: " كاللهُ بَـرٌّ والأيادي شاهدة ".
فيكون هذا المثال من تمام التعريف.
أيْ: كأنه قال: المتـمُّ الفائدة كإتمام " بَـرٌّ " في قولك: " اللهُ بَـرٌّ "، وكإتمام " شاهدة " في قولك: " الأيادي شاهدة ".
ويكون هذا التمثيل قبل تمام التعريف، والله أعلم.

وقولك: ( ولكن ما المانع أن تصير جملتا الشرط والجزاء، جملة واحدة بحرف الشرط، وإن كانتا في الأصل جملتين )
قلتُ: - يا هذا -، قد ذكرتُ - سابقًا - أنها جملة واحدة بأداة الشرط، سواء كانت الأداة اسمًا أم حرفًا، وذكرتُ لك شاهدًا، وهو " أراكَ إذا اسـْتَغْنيتَ عنَّا هَجَرْتَنا ".
فكيف تناقشني في أمر قد اتَّفقنـا عليه؟

وقولك: ( وكذلك قولنا: " مَن يسألني أعطه "، يكون مجموع الشرط والجزاء الخبر، كأنك قلت: " زيد إن يسألني أعطه "، فـ"مَن" تقوم مقام "زيد"، و"إن" معا، ولكن الفرق أنَّ المبدوءة بـ"زيد " جملة اسمية خبرية، والمبدوءة بـ"من" شرطية )
قلتُ: هنا مبـدأ التناقض، وتأسيس البنـاء على أساس لـيَّن، والافتراض غير المعقول، الذي يخالف المعنَى والمسطور والمنقـول، قال المتنبِّـي:

فإنَّ الجُرْحَ يَنفِرُ بَعدَ حِينٍ * إذا كانَ البِناءُ علَى فَسـادِ
وأقول: لا يمكن أن تقوم جملة " زيد إن يسألني أعطه "، مقام جملة " مَن يسألني أعطه "
أولاً، كيف تُساوي " مَن " التي تفيد العموم، بشخص واحد، وتقول: الجملتان متكافئتان، وما فائدة العموم إذًا؟
ثانيًا: كيف تقارن جملة تامَّة المعنى، وهي جملة " إن يسألني أعطه "، بجملة غير تامة المعنى، قد زال منها اسم الشرط، وهي " يسألني أعطه "، بعد حذف " مَن "؟
أليس في هذا خروج عن القياس الصحيح؟

وأقول: لا يا أخي، لا يستقيم ما ذهبتَ إليه، وحاول أن تأتي بأدلَّة صلبة، تَقْـوَى على الوقوف والثبـات، وهذا معنى قَولي: " ثَبتُّ وزَلَّتِ ".

وقولك: ( فليس بينهما فرق كبير )، حول إعراب بيت الأخطل، " من الخفيف":
إنَّ مَنْ يَدخُلِ الكَنيسةَ يَومًا * يَلقَ فيها جآذرًا وظِباءَ
أقول: إعرابنا عام لمختلف التراكيب.
وإعرابكم خاص، قد يُقبَل في موضع، ولكنـه لا يكون مقبولاً في ما سواه.
وذلك إذا كانت جملة الجواب واقعة في محل جزم، وعندها يحصل التضارب.

وقولك: ( وأقول لا حاجة إلى إعراب الجملتين داخل الجملة الشرطية، ما دمنا جعلناهما خبرا لاسم الشرط )
أقول: بل الصواب أن يُعلَم موقع كلِّ جملة، وإعرابها، إن كان لها محل.
بل وإعراب كلِّ كلمة، وكذا كل حرف من حروف المعاني، وما أشـبه ذلك.
أرأيتَ صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب، ومع ذلك نقوم بإعرابها، ونقدِّر محذوفها، إن دلَّ المعنى على محذوف.

وقولك: ( ومما يُقـوِّي أنَّ الجملة الشرطية جملة واحدة، وقوعها صلة الموصول كقولك : " الذي إن تأته يأتك زيدٌ "، وهو من أمثلة سيبويه )
أقول وأؤكِّد، أنه لا خلاف لدينا في اعتبار الجملة المبدوءة بأداة الشرط، جملة واحدة في الاعتبار، وإذا وقعت موقعًا إعرابيًّا، أُعربَت بكمالها.
والمقصود هو اعتبار الجملة كلها، من ألفها إلى يائها، من دون أن ننتقص منها أداة الشرط، ومثال سيبويه – رحمه الله – يدلُّ على ذلك.
وأزيد الأمر توضيحًا، وأقول:
" لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله، كـنزٌ من كنوز الجنَّـة "
جملة " لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله ": كلها مبتدأ، والمراد لفظها.
فلا يمكن أن تُحذف كلمة " لا " منها، ثم يقال: ما تبقَّى من الجملة، وهو " حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله " مبتدأ، هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا.

وهذا هو الذي نمنعـه، لأنكم تبتدئون الكلام عن الجملة، أنها جملة واحدة، وتقيمون الأدلَّة والبراهين، ثمَّ بعد ذلك تفصلون اسم الشرط عنها وتُعربونه مبتدأ، وما تبقَّـى منها تقولون: هو الخبر.
أليس هذا ما تفعلونه؟
فكيف تظلُّ الجملةُ جملةً واحدة، وقد انفكَّ سِوارها؟ وانحلَّ عقالها؟
ونقول: إن أردتم الجملة بكمالها، من دون أن تنتقصوا منها أداة الشرط، فنحن نوافقكم على ذلك، ونعربها على أنها جملة واحدة.
فقد تقع في محل رفع خبر للمبتدأ
أو في محل نصب خبر كان
أو في محل رفع خبر إنَّ
أو في محل نصب حال
أو صفة تتبـع موصوفها في الإعراب
أو معترضة لا محل لها
أو صلة للموصول، ولا محل لها أيضا
وقد اكتفيت بذكر بعض مواقعها، واسـتغنيتُ بذلك عن ذكر الشواهد، والله أعلم

قولك: ( وما ذكرته من قول سيبويه " حروف الجزاء تجزم الأفعال وينجزم الجواب بما قبله " دليل على أنه يرى أن الشرط والجواب يصيران جملة واحدة )
قلتُ: ليس في كلامه دليل على أنه يرى أنَّ الشرط والجواب جملة واحدة.
بل المتأمِّل في صياغة كلامه، يرى أنه عـدَّ الشرط وجوابه جملتين، هما جملة الفعل الذي ينجزم بحرف الشرط، وجملة الجواب الذي ينجزم بما قبله،

وقولك: ( فهذا ابن هشام الذي تتغنى بإمامته )
أقول: نعم ، قولك صحيح، وإني – والله – لأتشـرَّف به وبعلمه، وأحمدُ اللهَ أن تفضَّل عليَّ، وهداني لعلمـه، ووفَّقني للأخذ عنه.
وهو الإمام العالم الذي فاق أقرانه، وأعيا مَن يأتي بعده، حتَّى قيل فيه: ( ما زلنا – ونحن بالمغرب – نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية، يقال له " ابن هشام "، أنحَى من سيبويه )
وقد شَـهد له الداني والقاصي، وفتح الله بعلمه مسائل مغلقة، وأقبل العلماء والباحثون على كتبه، ينهلون منها، وصنَّفوا المؤلَّفات المختلفة، من الشروحات والحواشي، وإعراب شواهده، والحمد لله على ذلك.

وقولك: ( فإني لا أعطي لجملة الجواب إعرابا، لأني لا أعدها جملة مستقلة، وأختلف مع من يجعل لها محلا إن اقترنت بالفاء أو إذا الفجائية )
أقول: هذا رأيك الشخصي، وهو لا يتعدَّى حَـيِّزه، وليس هذا الحوار لمناقشة الآراء الشخصية، إنما انعقد هذا الحوار، للنظر في أقوال الخبر الثلاثة، وترجيح أقربها إلى الصواب، فأرجو أن يظلَّ الكلام حول أقوال العلماء فقط، ونصوصهم.

وقولك: ( وأختلف مع مَن يجعل لها محلا، إن اقترنت بالفاء أو إذا الفجائية )
قلتُ: عظيم، فإذا لم يكن لها محل، ولم تكن في محل جزم جواب الشرط، فأين جواب الشرط إذًا؟
لِمَ لمْ توضِّحه لنا؟ هل هو رأي لا يقبل الأقاويل؟ أم هل تريد أن تلجأ إلى التقدير والتأويل؟
المعلوم بالثبوت والتواتر، أنَّ نحو قوله تعالى: { ‏فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَليْهِ } جملة تامَّة المعنى، لا تحتاج إلى تقدير أو تأويل.
وجواب الشرط، هو جملة { فَلا إثْمَ عَليْهِ }

قال سيبويه، في " كتـابه ":
( واعلم أنّه لا يكون جواب الجزاء إلاَّ بفعل أو بالفاء.
فأمّا الجواب بالفعل، فنحو قولك: " إن تأتني آتـك "، و" إن تضرب أضرب "، ونحو ذلك‏.‏
وأمّا الجواب بالفاء، فقولك‏:‏ " إن تأتني فأنا صاحبك " ) انتهى

وعن المـبرِّد، في " مقتضبه ":
( ولا تكون المجازاة إلا بفعل؛ لأن الجزاء إنما يقع بالفعل، أو بالفاء لأن معنى الفعل فيها.
فأمَّا الفعل فقولك: " إن تأتني أكرمْك "، و" إن تزرني أزرْك ".
و أمَّا الفاء فقولك: " إن تأتني فأنا لك شاكر "، و" إن تقم فهو خير لك " ) انتهى

وقال ابن جني، في " لُمَعـه ":
( وجواب الشرط على ضربين: الفعل والفاء.
فإذا كان الجواب فعلا، كان مجزوما على ما تقدم، نحو قولك: " إن تذهبْ أذهبْ معك ".
وأما الفاء فيرتفع الفعل بعدها، نحو قول الله تعالى: { ومَن عادَ فينتقمُ اللهُ منه }، وقال تعالى: { فَمَن يُؤمنْ بربِّه فلا يَخافُ بَخْسـًا ولا رَهَقـًا } ) انتهى

وقال ابن الخبَّاز، في " توجيه اللمـع ":
( الثالث: إذا.
قال الله تعالى: { وإِن تُصِبْهُمْ سَـيِّئةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هُمْ يَقْنَطُونَ }
فـ" هُم ": مبتدأ، و" يَقنَطونَ ": خبره
" فإذا ": في موضع نصب " يَقنَطونَ "، ومعناه: المفاجأة.
وموضع الفاء مع ما بعدها جزم.
وكذلك موضع " إذا " وما بعدها، والدليل على ذلك، قراءة الكسائيِّ: { مَن يُضْلِلِ اللهُ فلا هادِيَ لهُ ويَذَرْهُم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ } الأعراف 186
فجزم " يَذَرْهُم "، لأنه حمله على موضع قوله تعالى: { فلا هادِيَ لهُ } ) انتهى

قلتُ: هي قراءة حمزة والكسائيِّ.
قال الإمام الشـاطبيُّ – رحمه الله –
" وجَزْمُهُمْ يَذَرْهُـمْ شَـفا "
أي: قرأ حمزة والكسائيِّ، بالياء التحتية، وجَزْمِ الراء.

وقال أبو شامة، في " إبراز المعاني ":
( قوله تعالى: { وإن تُخفُوها وتُؤْتُوها الفقراءَ فهو خيرٌ لكم ويُكفِّـر عنكم مِن سَـيِّئاتِكم }، وجَزَمَ الراءَ من القرَّاءِ نافع وحمزة والكسائي، لأنه معطوف على موضع { فهو خيرٌ لكم }، وموضعه جزم على جواب الشرط، وسيأتي مثل ذلك في الأعراف { مَن يُضْللِ اللهُ فلا هاديَ له ويَذرْهُم } ) انتهى

قلت: جَزَمَ الراء، في موضع البقرة، حمزة والكسائي، ووافقهما نافع، وكذا أبو جعفر من العشرة.
قال الإمام الشـاطبيُّ – رحمه الله –
ويا وَنُكَفِّـرْ عَنْ كِرامٍ وجَزْمُهُ * أتَى شافِيًا والغَيْرُ بِالرَّفْعِ وُكِّلا

والحمد لله، فقد ثبت بالدليل، الخَـبَري والنظـري، أنَّ جملة جواب الشرط المقترنة بالفاء، تكون في محل جزم، ويُعطف على موضعها بالجزم.

فإن قال قائل: ( فما قولك في مَن قرأ برفع الفعلين " ويكفِّـرُ " ، " ويَذرُهم " في الموضعين )
قلتُ: مَن قرأ بالرفع، فعلى الاسـتئناف.
ويترتَّب على هذا حكم الوقف، أثناء التلاوة، فإن جعلته معطوفًا على ما بعد الفاء لم يجز الوقف على ما قبله، وإن جعلته مسـتأنفًا وقفت على ما قبله.

وأخيرًا، أقول: – يا أخي الفاضل - :لم أرَ في ما ذكرتَه ما يرجِّح القول: بأنَّ جملتي الشرط والجواب هي الخبر، فما زال هذا القول مرجوحًا.
كما أني لا أرَى تَخطئـة مَن ذهب إلى الأخذ به، وإنما أقول:
الراجح من الأقوال الثلاثة، أن تكون جملة فعل الشرط لوحدها هي الخبر.
والله أعلم

أرجو لك مزيدًا من التوفيق
مع عاطـر التحـايا

أبوأيمن
07-04-2005, 08:03 PM
إِذا وُقِّيتُمـا مِـنْ كُلِّ خَـطْبٍ***فَمـا نَبْغِي عَلَى زَمَنٍ ظَهِيرا
وَمـا الْقَمَرانِ إِذْ سَعِدا وَتَمّـا***بِأَبْهَرَ مِنْكُما فِي الْفَضْلِ نُورا
أُرانِي لا أَسُومُ الصَّبْرَ قـَلْبِي***فَأُدْرِكُـهُ يَـسِيرا أَوْ عَسِيرا
كَأَنِّي مُـبْتَـغٍ لَكُمـا شَبِيـهاً***بِهِ أَوْ مُـدَّعِ لَـكُما نَـظِيرا
فَلا أَخْلى "الفَصيحُ" لَكُمْ مَحَلاّ***وَ لاعَدِمَتْ سَمـاؤُكُمُ الْبُدُورا

العلمان حازم و الأغر، تغمر قلبي الفرحة والسرور وأنا أتابع مناقشتكما المنقطعة النظير، ويسرني أن أبعث إليكما تحية احترام وتوقير وتقدير

ولا يفوتني وأنا أقرأ ما تخطه أيديكما من علوم وحكم أن أنهل من معينكما، وأطرح بعض الأسئلة

أستاذي الحبيب / حازم
قلتم :
ونقول: إن أردتم الجملة بكمالها، من دون أن تنتقصوا منها أداة الشرط، فنحن نوافقكم على ذلك، ونعربها على أنها جملة واحدة.
فقد تقع في محل رفع خبر للمبتدأ
أو في محل نصب خبر كان
أو في محل رفع خبر إنَّ
أو في محل نصب حال

وسؤالي : هل تأتي الجملة الشرطية حالا ؟ وقد منع ذلك العلامة محمد محي الدين عبد الحميد ؟
أرجو التفصيل بارك الله فيكم

و لكم مودتي

د.بهاء الدين عبد الرحمن
08-04-2005, 05:18 AM
ومن الرجال مجاهل ومعالم ******* ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهم ******* وتفاضل الأقوام في الإصدار

أخي البحاثة الأديب الأريب حازم زاده الله حزما في الأمور ومضاء، وجعله من الدراري، ووقاه شر المداحض والمزالق.

الأمر يا أخي أهون من أن تحشد له كل هذا الحشد والجند وإني أربأ بك أن تأخذ من كلامي أجزاء تناقش ظاهرها مع أنها لو نظر إليها في السياق العام لبدت واضحة لا إشكال فيها انظر إلى مناقشتك للفقرة الأولى أعني ما يتعلق بأن الخبر هو ما تتم به الفائدة فقد أتعبت نفسك في الاعتراض الذي سأنقل جزءا منه ثم أعلق عليه فيزول الاعتراض :
(قولك: ( والخبر هو ما تتـمُّ به الفائدة من الكلام، ولا يمكن إغفال هذا الأمر المعنوي في مسألة تحديد الخبر )
أقول: لا أظـنُّ أنَّ مَفاد هذا القول يغيب عن ذهنك – أيها النبيـه -، فهذا القول فيه نظـر، إذ أنه ليس كلُّ ما تتـمُّ به الفائدة، هو الخـبر.
فالفاعل تتـمُّ به الفائدة مع فعلـه، وهو ليس خبرا.
وجملة جواب الشرط، تتـمُّ بها فائدة الجملة التي صدرها أداة شرط، وهي ليست خبرا.
وجواب القسم، يتـمّ به الفائدة، وهو ليس خبرا.
أليس كذلك – أيها الفاضل - ؟) انتهى كلامك.

وأقول يا أخي الفاضل أنا حديثي عن الخبر في الجملة الاسمية فما شأن الفاعل هنا وما شأن القسم وغيره؟


ثم قلت يا أخي:
وقولك: ( ولكن ما المانع أن تصير جملتا الشرط والجزاء، جملة واحدة بحرف الشرط، وإن كانتا في الأصل جملتين )
قلتُ: - يا هذا -، قد ذكرتُ - سابقًا - أنها جملة واحدة بأداة الشرط، سواء كانت الأداة اسمًا أم حرفًا، وذكرتُ لك شاهدًا، وهو " أراكَ إذا اسـْتَغْنيتَ عنَّا هَجَرْتَنا ".
فكيف تناقشني في أمر قد اتَّفقنـا عليه؟ انتهى كلامك.

أقول أنت تتفق معي أن جملة الشرط تعد جملة واحدة ولكنك تعود وتجعلهما جملتين لكل جملة إعرابها.

ثم قلت يا أخي:
وقولك: ( وكذلك قولنا: " مَن يسألني أعطه "، يكون مجموع الشرط والجزاء الخبر، كأنك قلت: " زيد إن يسألني أعطه "، فـ"مَن" تقوم مقام "زيد"، و"إن" معا، ولكن الفرق أنَّ المبدوءة بـ"زيد " جملة اسمية خبرية، والمبدوءة بـ"من" شرطية )
قلتُ: هنا مبـدأ التناقض، وتأسيس البنـاء على أساس لـيَّن، والافتراض غير المعقول، الذي يخالف المعنَى والمسطور والمنقـول، قال المتنبِّـي:

فإنَّ الجُرْحَ يَنفِرُ بَعدَ حِينٍ * إذا كانَ البِناءُ علَى فَسـادِ
وأقول: لا يمكن أن تقوم جملة " زيد إن يسألني أعطه "، مقام جملة " مَن يسألني أعطه "
أولاً، كيف تُساوي " مَن " التي تفيد العموم، بشخص واحد، وتقول: الجملتان متكافئتان، وما فائدة العموم إذًا؟
ثانيًا: كيف تقارن جملة تامَّة المعنى، وهي جملة " إن يسألني أعطه "، بجملة غير تامة المعنى، قد زال منها اسم الشرط، وهي " يسألني أعطه "، بعد حذف " مَن "؟
أليس في هذا خروج عن القياس الصحيح؟ انتهى كلامك.

وأقول :
اعتراضك غير متجه لأني في مقام التمثيل والتقريب ولم أقل إن (زيد) مثل (من) في المعنى ولم أقصد أن الجملة المبدوءة بزيد مثل المبدوءة باسم الشرط في المعنى العام، بل نصصت أنهما مختلفتان فإحداهما اسمية خبرية والثانية شرطيةخبرية وسأقرب الأمر أكثر فأمثل بالجملة الاستفهامية: (من حضر مجلس حازم؟) فمن مبتدأ وفيه معنى همزة الاستفهام التي هي أم أدوات الاستفهام كما أن (إن) هي أم أدوات الشرط وجملة (حضر) الخبر، وهي تختلف في المعنى عما لو وضعنا زيدا مكان (من) فقلنا: زيد حضر مجلس حازم، فهذه اسمية خبرية وتلك اسمية إنشائية.

وقولك(ثانيًا: كيف تقارن جملة تامَّة المعنى، وهي جملة " إن يسألني أعطه "، بجملة غير تامة المعنى، قد زال منها اسم الشرط، وهي " يسألني أعطه "، بعد حذف " مَن ") يدل أنك لم تدرك مقصدي أو أني لم أستطع أن أوصل إليك مقصدي ، فأنا أقدر بعد جعل (من) مبتدأ (إن) داخلة على الشرط والجواب كأن الجملة في الأصل: من إن يسألني أعطه. (هذا مثال لا يتكلم به) كما يقول سيبويه.


ثم قلتَ:
وقولك: ( وأقول لا حاجة إلى إعراب الجملتين داخل الجملة الشرطية، ما دمنا جعلناهما خبرا لاسم الشرط )
أقول: بل الصواب أن يُعلَم موقع كلِّ جملة، وإعرابها، إن كان لها محل.
بل وإعراب كلِّ كلمة، وكذا كل حرف من حروف المعاني، وما أشـبه ذلك.
أرأيتَ صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب، ومع ذلك نقوم بإعرابها، ونقدِّر محذوفها، إن دلَّ المعنى على محذوف. انتهى كلامك.

وأقول:
إن مثل صيرورة الشرط والجواب جملة واحدة مثل المبتدأ والخبر عندما تدخل عليهما ظن وأخواتها حيث تنمحي الجملة الاسمية وتصبح مع جملة ظن جملة واحدة هذا مثال للتقريب فلا تعترض علي بأن أدوات الشرط ليست مثل ظن وأخواتها في الدلالة.

ثم قلت:
وقولك: ( ومما يُقـوِّي أنَّ الجملة الشرطية جملة واحدة، وقوعها صلة الموصول كقولك : " الذي إن تأته يأتك زيدٌ "، وهو من أمثلة سيبويه )
أقول وأؤكِّد، أنه لا خلاف لدينا في اعتبار الجملة المبدوءة بأداة الشرط، جملة واحدة في الاعتبار، وإذا وقعت موقعًا إعرابيًّا، أُعربَت بكمالها.
والمقصود هو اعتبار الجملة كلها، من ألفها إلى يائها، من دون أن ننتقص منها أداة الشرط.... انتهى كلامك.

وأقول:
الآن قربنا من حل العقدة فانت تستشكل الأمر بقولك( لأنكم تبتدئون الكلام عن الجملة، أنها جملة واحدة، وتقيمون الأدلَّة والبراهين، ثمَّ بعد ذلك تفصلون اسم الشرط عنها وتُعربونه مبتدأ، وما تبقَّـى منها تقولون: هو الخبر.
أليس هذا ما تفعلونه؟) انتهى كلامك.

وأقول:
بلى هذا ما نفعله نحن وأنتم أيضا فأنتم أيضا تقرون بوجود الجملة الشرطية وتفصلون اسم الشرط وتعربونه مبتدا، والفرق أننا نجعل الشرط والجزاء الخبر وأنتم تجعلون الشرط وحده الخبر لكن سأزيل الإشكال الذي ترمي إليه:
لنأخذ الجملتين الشرطيتين: إن جد زيد وجد، ومن جد وجد ، فكلتاهما شرطية لكن الأولى مبدوءة بحرف لا يستحق الإعراب فيبقى الشرط والجواب مع (إن) جملة واحدة آخذة المحل الإعرابي بحسب ما تستحق، أما في الجملة الثانية فأداة الشرط اسم وقع في محل رفع بالابتداء فاستحق الشرط والجواب أن يكونا جملة واحدة مع معنى (إن) في محل رفع خبر، يعني عندما نأخذ الشرط والجواب ونجعلهما خبرا لا نأخذهما مجردين من معنى (إن) الشرطية الذي تضمنه (من) لذلك فالجملة الثانية وهي : من جد وجد ، جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر، (من) المبتدأ، والجملة الشرطية المؤلفة من الشرط والجزاء ومعنى (إن) هي الخبر، ولكن سمينا هذه الجملة الاسمية شرطية للتفريق بينها وبين الاسمية الخالية من معنى الشرط، كما أن الجملة الأولى:(إن جد زيد وجد) فعلية ولكننا نسميها شرطية للتفريق بينها وبين الفعلية التي لا شرط فيها. أرجو أن يكون الإشكال قد زال .

أما عن ابن هشام يا أخي حازم فإني أقر له بالفضل جزاه الله خيرا ولكني أختلف معك في استحقاقه الإمامة فهو من علماء عصر المماليك ائتموا بالسابقين ولم يأتوا بإضافات مهمة وقد يكون ابن مالك آخر الائمة المجتهدين وأما قول ابن خلدون الذي أتيت به وهو( ما زلنا – ونحن بالمغرب – نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية، يقال له " ابن هشام "، أنحَى من سيبويه ) فمبالغة لا يرضاها ابن هشام نفسه، هيهات هيهات وأين مثل الكتاب يا حازم؟

ثم قلت:
(وقولك: ( فإني لا أعطي لجملة الجواب إعرابا، لأني لا أعدها جملة مستقلة، وأختلف مع من يجعل لها محلا إن اقترنت بالفاء أو إذا الفجائية )
أقول: هذا رأيك الشخصي، وهو لا يتعدَّى حَـيِّزه، وليس هذا الحوار لمناقشة الآراء الشخصية، إنما انعقد هذا الحوار، للنظر في أقوال الخبر الثلاثة، وترجيح أقربها إلى الصواب، فأرجو أن يظلَّ الكلام حول أقوال العلماء فقط، ونصوصهم.
وقولك: ( وأختلف مع مَن يجعل لها محلا، إن اقترنت بالفاء أو إذا الفجائية )
قلتُ: عظيم، فإذا لم يكن لها محل، ولم تكن في محل جزم جواب الشرط، فأين جواب الشرط إذًا؟ ... ) انتهى كلامك.

وأقول:
يا أخي حازم أنا طالب علم ولكن من حق طالب العلم أن يبدي رأيه إن كان عنده دليل ولو صادرنا حق إبداء الرأي لما تقدمت العلوم يا أخي .
أنا لم أنكر وجود الجواب ولكن قلت لا أعد الجواب جملة مستقلة تستحق الإعراب فلا أقول محلها الجزم ولا أقول لا محل لها لأنها منسبكة مع جملة الشرط في جملة واحدة وإن كانت في الأصل جملة مستقلة فعلية أو اسمية، وأقول محل الجواب ومحل الشرط مجزوم فلو عطف على محل الشرط أو على محل الجواب فعل مضارع جزم على تفصيل فيه فلم يكن ثَمَّ داع لتلك النقول لأن أمر وجود شرط وجواب في الجملة الشرطية لا يحتاج إلى دليل والأصل فيهما أن يكونا فعلين ، فمثل هذا لا يختلف فيه، لكنك تستحق الشكر على جهدك ، بارك الله في علمك ونفع بك أيها النحوي الكبير.

مع التحية والتقدير.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
08-04-2005, 06:39 AM
أشكرك أبا أيمن الشكر الجزيل و سيكون لي حديث معك إن شاء الله في موضوع (وإن كنت الأخير زمانه) أو إن شئت أوردته هنا بعد أن يتفضل الأستاذ حازم بإجابة استفسارك.

مع التحية والود.

أبوأيمن
08-04-2005, 01:20 PM
الرأي رأيكم، وأنا معكم فيما ترونه
والمعذرة عن مقاطعة حواركما الشيق

حازم
15-04-2005, 10:38 AM
نَصَحْتُهُـمُ نُصْحي بِمُنْعَرِجِ اللِّوَى ، فلَمْ يَسْـتَبينُوا النُّصْحَ إلاَّ ضُحَى الغَدِ

أسـتاذي الفاضل الجهبـذ / " الأغـرّ "

ما زِلتَ مِقدامًا في حلبـة " الفصيـح " – أيُّها الفارس -، وما زالَتْ روائعُـك حديثَ الرُّكبـان وبهجـةَ المَجالس، متألِّقـةً في حُسـنِها المتطابق المتجانس.

قد أصبحتُ أسـيرًا لهـا، أغازلُ جمـالَها، ولا أمـلُّ خيـالَها

غير أني أراك تركبُ المصاعب، في الدفاع عن رأيٍ مرجوح، وتسـتسهلُ الصعائب، لإنقاذ معنـى مجروح.
إلاَّ أنَّ الأدلَّـة التي بين يديك، تكاد لا تساعدك، والتعليلات لا تؤيِّـدك

تحاول بشـتِّى الطرق، - أيها الفتَـى المُنـاور، والذكِـيُّ المُحـاور - أن تسلك بي شِـعابًا، قد تباعَدَتْ عن ما نحنُ بصَدَه أطرافُها، وتنافَـرتْ عن هدفنا أوصافُها.
أسـأل الله أن يرزقنا العلم النـافع، والعمـل الصالح، إنه هو الـبرُّ الرحيم.

وقبل أن أبدأ النظـر في تعقيبـك الأخـير، أودُّ أن أشـير إلى أنني أحبُّ الاجتهاد السَّـديد، وأكره التقليـد، ولا أمنع أن تبدي رأيك، ولكنني أفضِّل أن يظلَّ التركيز في هذا النقاش،على قضيَّة خبر الشرط، وينحصر الكلام في دائرة نصوص العلماء، حتَّى لا تتفـرَّق بنـا السُّـبُل، وينقطـع بنـا الأمـل.

قولك: ( أنتَ تتفق معي أن جملة الشرط تعد جملة واحدة، ولكنك تعود وتجعلهما جملتين، لكل جملة إعرابها )
لا – يا أخي الفاضل -، ما زلتُ أقول: إنَّ الجملة الشرطية إذا وقعت موقعًا داخل جملة، تُعرَب كلفظ واحد، نحو قول زهير، " من البسيط ":
لَها أداةٌ وأعْوانٌ غَدَوْنَ لَها * قِتْبٌ وغَربٌ إذا ما أُفْرِغَ انْسَـحَقا

فالجملة الشرطية " إذا ما أُفْرِغَ انْسَـحَقا " كلها من أولها إلى آخرها، في محل رفع نعت لـ" غربٌ ".
وقلتُ: من أولها إلى آخرها، ليُعلَم أني أعني المشتملة على:
أداة الشرط: " إذا "
جملة فعل الشرط: " أُفرِغَ "
جملة جواب الشرط: " انسحقا "

فلذلك قلت، وما زِلتُ أقول: تكون جملة واحدة إذا وقعت في موقع المفرد.
ولكن إذا بدأنا بتفصيل إعرابها، فإنه يَلزم إعراب كلِّ أجزائها، الأداة لوحدها، وجملة فعل الشرط لوحدها، وجملة الجواب لوحدها.
وقضيتُنا محصورة في الجملة الشرطية التي تبدأ باسم شرط مبتدأ، فحينما نبدأ بتفصيل إعرابها، نقول:
اسم الشرط: مبتدأ
ونحن متَّفقـان على هذا، لا خلافَ بيننا، إنما خلافنا، ومحور هذا النقاش، هو عندما نتكلَّم عن إعراب خبر اسم الشرط الواقع مبتدأ، فلا بـدَّ من الأخذ في الاعتبار، أنها تتكوَّن من جملتين: جملة فعل الشرط وجوابه.
وهذا الذي قلتُـه ابتداء، وأعود وأقول: إذا أعربتَ اسم الشرط مبتدأ، فلم يعد هناك جملة واحدة، بل جملتان، لأنك قد حكمتَ عليهما بالفصل، عندما فَصلْتَ اسم الشرط، وأعربتَـه مبتدأ.
أرجو أن يكون في هذا الوضوح الكافي، وإزالة الإيهام الخافي، وبالله التوفيق.

وقولك: ( بل نصصتُ أنهما مختلفتان، فإحداهما اسمية خبرية، والثانية شرطية خبرية )
أقول: وهذا القياس ليس صحيحًا، لأنك تريد قياس إعراب الاسمية على الشرطية.
ولا خلاف بيننا في تعيـين خبر الاسمية، وإنما الخلاف الدائر بيننا هو خبر الشرطية.

وقولك: ( فأنا أقدِّر بعد جعل "مَن" مبتدأ، "إن" داخلة على الشرط والجواب، كأن الجملة في الأصل: " مَن إنْ يسألني أعطه "، " هذا مثال لا يتكلم به" كما يقول سيبويه )
أقول: الآن وصلنا إلى المنعطف الحرج، وأخيرًا قد أدركتَ أنَّ جزأي الجملة الشرطية، بعد أن انفك سوارهما، وانحلَّ عقالهما، وافترقا عن بعضهما، يحتاج الأمر، إلى ربطهما مرة أخرى، ليُعرَبا بلفظ واحد.
والحمد لله، أنك – الآن – أدركتَ مقصدي، ووافقتني في تعليلي، وها أنتَ تسْـتَنجدُ بأمِّ أدوات الشرط، لتساعد الجملة البائسة، التي انفصل عنها اسم الشرط، فضعُف نِصالها، وتفكَّكت أوصالها، ولذلك جلبتَ " إنْ "، ليسـتمرَّ قيامُها، ويُحفَظ قِوامُها.
" ما شاء الله "، أظـنُّ أنه، لم يسبقك إلى هذا التقدير، معتنقـو هذا الرأي، وسـأمضي معك في تقـديرك، لنرَى إلى أيِّ مدى تثبتُ صلابتُه، وتشـتدُّ مَتـانتُه، وتحافظ جُملتُـك على وُقوفِها، ويَبقَـى بَريق حُروفِهـا.

تقديرك للجملة: " مَن إنْ يسألني أعطه "
وسؤالي: هل لا زالت " مَن " شرطية بعد التقـدير؟
الجواب: لا، لم تعـد شرطية، فظهر أنَّ الجملة الجديدة انهارت سريعا، ولم تصمد، فأنتَ قد أتيتَ بجملة جديدة، لا نختلف في إعرابها، بل قد اتَّفقنا عليه سابقًا ولاحقـا، لأنَّ اختلافنا في تعيين خبر اسم الشرط الواقع مبتدأ، و"مَن" الجديدة التي أتيتَ بها ليست شرطية.
وتعيين خبر الموصول، لم نختلف عليه ابتداءً، ، وهو ليس هدفًا لنا، كما أنَّ إعراب الجملة الشرطية المبدوءة بـ" إن " الشرطية، لم نختلف عليها، لأنَّ الأداة " إنْ " لا محلَّ لها من الإعراب.
وسأذكر لك شاهدًا يوافق مثالك، الذي اجتهدَ فيه – مُقـدِّرا لك محاولاتك المتلاحقة.
قال الله تعالى: { وَمِنْ أَهْلِ الكِتابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ } آل عمران 75.
فوقوع " إنْ " الشرطية بعد " مَن "، لا نختلف فيه، لكنه يختلف عن وِجْهتينـا، { ولكلٍّ وِجَهةٌ هو مُولِّيهـا }، وقرأ ابنُ عامر: { هو مُولاَّها } على البناء للمفعول.
أرأيتَ – أيها الأستاذ النِّحـرير – كيف انعطف بك الطريق، وفقدتَ أثـرَ الرفيق!
ثمَّ أرأيتَ، كيف صحَّ القَـولُ: " ثَبَـتُّ وزَلَّـتِ "

وقولك: ( إنَّ مثل صيرورة الشرط والجواب جملة واحدة، مثل المبتدأ والخبر، عندما تدخل عليهما " ظنَّ وأخواتها "، حيث تنمحي الجملة الاسمية، وتصبح مع جملة " ظنَّ " جملة واحدة، هذا مثال للتقريب، فلا تعترض علي بأن أدوات الشرط ليست مثل " ظنَّ وأخواتها " في الدلالة )
لن أعترض عليك هذه المرة – أيُّها المشاكس -.
ولكن أقول: هل يُعرَبُ المبتدأ والخبر جملة واحدة، بعد دخول " ظنَّ " عليهما؟ أم أنك تعرب أحدهما مفعولاً أولاً، والثاني مفعولا ثانيا؟
الجواب: معلوم أننا لا نعربها جملة واحدة، بل لا بد من تعيين المفعول الأول والثاني.
وهذا ما نفعله مع الجملة الشرطية، التي تبدأ باسم شرط واقع مبتدأ، فتكون جملة فعل الشرط مختلفة عن جملة جواب الشرط، معنى وإعرابا وواقعا.
أرأيتَ: كيف كان تشبيهك حجَّـة عليك، كأنك لم تمعن النظـر فيه قبل إيراده، والله أعلم.

وقولك: ( بلى، هذا ما نفعله نحن وأنتم أيضا، فأنتم أيضا تقرون بوجود الجملة الشرطية، وتفصلون اسم الشرط وتعربونه مبتدأ، والفرق أننا نجعل الشرط والجزاء الخبر، وأنتم تجعلون الشرط وحده الخبر )
أقول: أوَ تسـتصغر الفرق بين اتِّجاهنا واتِّجاهكم – يا هذا - ؟
فرق عظيم، بين وِجهتنا ووِجهتكم.
وِجهتنا لا تحتاج إلى تقدير، أو تأويل، أو تشـبيه، أو اسـتعانة، بل هي واضحة في معناها، راسـية في مَمشـاها، مطمئنَّـة في مسـتقرِّها ومأواها، قد أشـرقت في مبتداها، وتألَّقت في منتهاها.

أما وِجهتكم، فها أنتم تبحثون لها عن الأعذار، وتُزيِّنـون لها الأخبـار، وتبحثون عن مأوى لها واسـتقرار، لم تثبت على حال، ولم يتَّضح لنا بها قرار.

وأخيرًا، قولك: ( أما في الجملة الثانية فأداة الشرط " اسم " وقع في محل رفع بالابتداء، فاستحق الشرط والجواب أن يكونا جملة واحدة مع معنى "إن" في محل رفع خبر، يعني عندما نأخذ الشرط والجواب ونجعلهما خبرا، لا نأخذهما مجردين من معنى "إن" الشرطية، الذي تضمنه "مَن"، لذلك فالجملة الثانية وهي: " مَن جدَّ وجدَ "، جملة اسمية مؤلَّفة من مبتدأ وخبر، "مَن" المبتدأ، والجملة الشرطية المؤلفة مِنَ الشرط والجزاء ومعنى "إن" هي الخبر )
أقول: ألا ترَى أنَّ هذه الفقرة مكرَّرة، وأنك سبق أن أشرتَ إلى هذا التقـدير!

وأقول: هذا – والله – من الغرائب، حيثُ لجأتَ إلى هذا التقدير، الذي لا تحتاجه الجملة، وهي سهلة في مبناها، واضحة في معناها، ولا تحتاج إلى هذا التكلُّف.
ولكن، كلُّ مَن ينتصر لمذهبه، يمشي هذا المَمشَى، ويلجأ إلى التقديرات، المقبولة، وغير المقبولة، فلستَ أول مَن فعل هذا.

وأقول: قد أخرجتَ الجملة المبدوءة بـ" مَن " الشرطية، عن حقيقة تركيبها، إلى تركيب جديد غريب، وفَقَدت "مَن" شرطيتَها وعمومَها، ولذلك لم يلجأ سـلفُك إلى هذا التقدير، لعلمهم باشـتباه حاله، وخطأ مآله.

وأقول: أليست " مَن" قد تضمَّنت معنى الشرط بنفسها؟
فهل تحتاج إلى أداة شرط حتَّـى يَفهَم السامعُ معناها؟
ثمَّ ألا ترَى، أنَّ هذا التقدير، قد جعل الجملة الأصلية، والتي كانت قبل تقديرك، جملة مفيدة، تامَّة المعنى، جعلَها جملة ناقصة المعنى!
تأمَّلها بنفسك، بعد أن اشتملت على" إن"، وأصبحت: " مَن إن جدَّ وجدَ "، " مَن إن يسـألني أعطـه "
لا أظـنُّ أنك بحاجة إلى إعراب جملتـك الجديدة، لتتبـيَّن اغترابها، وسـيرَها ومآبهـا، وسـأدعُك تتأمَّلهـا مليًّـا.
ولسـتُ بطامعٍ أن تَـدعَ رأيَك الذي تمسَّـكتَ به.
وردِّى علَى شُـبهاتِك إنما هو مُوجَّـه لمَن لا يزال في حَـيرةٍ مِن أمره، ولم يَتثبَّـت من القَـولِ الراجح، فلعلَّ ما في هذا التعقيب، ما يُزيلُ أوهامَه، ويكشِـف أقتامَـه.
وبالله التوفيق أوَّلا وآخـرًا، وباطنـًا وظاهـرًا.

ختامًا، أسـأل الله أن يسـدِّد خطـانا، ويصوِّب آراءنا
مع عاطـر التحـايا

د.بهاء الدين عبد الرحمن
18-04-2005, 10:04 PM
جمالك أيها القلب الجريح *** ستلقى من تحب فتستريح
نهيتك عن طلابك أم عمرٍو *** بعاقبةٍ وأنت إذٍ صحيـــح


أخي حازم أيها الأستاذ النحوي والأديب اللوذعي

التمست منك ألا تأخذ الأمثلة التي أوردها للتقريب والتوضيح على أنها بديلة عن الأصول التي عليها مدار البحث، وقد أشرت إلى أن سيبويه يعمد إلى مثل هذا ويقول (هذا مثال لا يتكلم به) وإنما يأتي بها النحوي لبيان مراده وتوضيح مقصده في تحليله للنص الأصلي.
ولست مدافعا عن أمر مرجوح فقد وضح النهار لذي عينين، وبرح الخفاء واتضح المنهج وانقاد السبيل، فأنا أقول: إنه تنعقد من جملتي الشرط والجواب جملة واحدة بما يتضمن اسم الشرط من معنى (إن) وهذه الجملة في محل رفع خبر لاسم الشرط ، وأنت تقول : جملة فعل الشرط وحدها الخبر وجملة الجواب متعلقة بجملة الشرط ،لابد من ذكرها كجملة صلة الموصول، فهل رأيت جملة صلة لجملة ؟؟!
ثم لنسلم أن جملة الجواب صلة لجملة الشرط أفلا يصيران شيئا واحداً في النهاية ؟؟ أليس الاسم الموصول مع صلته كالكلمة الواحدة ؟
ألم يقولوا إن الأسماء الموصولة وضعت لوصف المعارف بالجمل ؟
فهي أدوات يتوصل بها لوصف المعرفة بمضمون جملة إسمية أو فعلية فإذا قلنا : جاءني حازم الذي يحقق المسائل ، فالمراد وصف حازم بالتحقيق وإن كان الإعراب
واقعاً على (الذي) لأنه مع صلته بمثابة اسم واحد فكأننا قلنا: حازم المحقق ، حتى إن بعض النحويين قالوا في إعراب مثل هذا : (الاسم الموصول مع صلته) في
محل رفع صفة لكي لا يشتبه الأمر على المتعلمين فيظنوا أن الصفة هي (الذي) وحده .
لكن الأمر الذي قد يعترض به على ما ذهبتُ إليه هو أن يقال: كيف يكون معنى الشرط المستفاد من اسم الشرط الواقع مبتدأ جزءاً من الخبر ؟
والجواب عنه أن أسماء الشرط الصالحة للوقوع مبتدأ هكذا خلقت كما قال الكسائي عن (أي) هكذا خلقت .
فـ(مَنْ) الشرطية مثلا بمعنى (كل شخص إنْ) ، فقولنا: من جد وجد ، مثل قولنا : كل شخص إن جد وجد ، فتدخل (إن) المقدرة ضمن الخبر ، وجاز ذلك لأن (إن)
هذه ليست ملفوظة وإنما معناها يجعل الجملتين جملة واحدة ، ويبقى الجزء الأول من مدلول(مَنْ) وهو (كل شخص) مستحقاً للابتداء به فهو المبتدأ وجملتا الشرط والجواب المنسبكتان جملة واحدة بوساطة معنى(إن) خبر هذا المبتدأ ..
ولست بدعا في هذا التقدير ، يقول المرادي : إذا قلت : من يقم أقم معه، فقد دلت (من) على شخص عاقل بالوضع ودلت معه على ارتباط جملة الجواب بجملة الشرط
لتضمنها معنى (إن) الشرطية .
قلت ومثلها (من) الاستفهامية تقع مبتدأة وتجعل الجملة الخبرية إنشائية .

(غزلت لهم غزلاً دقيقا فلم أجد ** لغزلي نساجاً) فأغليت مغزلي

هذا مع تقديري لقلمك البديع وإجلالي لأدبك الرفيع

حفظك الله ونفع بك