المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : بناء الجملة العربية ونظرية النظم الجرجانية



عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 01:12 PM
بناء الجملة العربية ونظرية النظم الجرجانية
المبحث الأول
بيان المصطلحات
أولاً: الرتبة

المقصود بالرتبة لغةً: "المكانة والمنزلة, يُقال: رَتَبَ الشيءُ أي ثَبَتَ فلم يتحرك, رَتَبَ رُتوبَ الكَعْب أي انتصب انتصابه, ورتَّبه تَرْتيباً: أثبته. وفي حديث لقمان بن عاد: رَتَبَ رُتوبَ الكعبِ, أي:انتصبَ كما ينتصِبُ الكعبُ إذا رَمَيْتَهُ, ومنه حديث ابن الزبير, رضي الله عنهما: كان يصلي في المسجد الحرام وأحجار المنجنيق تمُرُّ على أُذنه, وما يلتفت, كأنه كَعبٌ راتِب. والكعبُ: عقدةُ ما بين الأنبوبين من القصب والقنا, وقيل: هو أنبوب ما بين كل عُقدتين, وقيل: هو العظم الناشز عند ملتقى الساق بالقدم "(1 ).
والمقصود بالرتبة اصطلاحاً: الموقع الأصلي الذي يجب أن تتخذه الوظيفة النحوية بالنسبة للوظائف الأخرى المرتبطة بها بعلاقة نحوية تركيبية, فهي (الرتبة) وصف لمواقع الكلمات في التركيب. (2 )
وسيرد استعمال لفظ (الرتبة) أيضاً, بالمعنى اللغوي, ليدل على المنزلة أو المكانة, والمعنيان (اللغوي والاصطلاحي) في هذه الدراسة متداخلان, فالتقدم في الرتبة يعني التقدم في المنزلة والموقع معاً, والتأخر في الرتبة يعني التأخر في المنزلة والموقع معاً كذلك .
_____________

)) ابن منظور – لسان العرب ، مادة : رتب.
)) لطيفة النجار – دور البنية الصرفية ، ص 196.

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 01:15 PM
ثانياً: الخاص
المقصود بالخاص في هذه الدراسةهو: القريب أو الأهم.
ثالثاً: العام
المقصود بالعام في هذه الدراسة هو: البعيدأو الأقل أهمية.
رابعاً: المبني عليه
المقصود بالمبني عليه في هذه الدراسة هو: الأساس الذي يتركب عليه الكلام (الطالب أو المحتاج).
خامسا: المبني
المقصود بالمبني في هذه الدراسة هو: الوظيفة النحوية في التركيب النحوي (المطلوب أو المحتاج إليه).
سادساً: الاحتياج
المقصود بالاحتياج في هذه الدراسة هو: الطلب أو العلاقة المعنوية.
المبحث الثاني
أصل ترتيب الجملة العربية
أولاً: أصل الجملة العربية
عقد سيبويه في كتابه باباً سماه " باب ما يكون فيه الاسم مبنياً على الفعل قُدِّم أو أُخِّر وما يكون فيه الفعل مبنياً على الاسم, فإذا بنيت الاسم عليه قلت ضَرَبْتُ زيداً. . . , وإذا بنيت الفعلَ على الاسم قلت:زيدٌ ضربته, فلزمته الهاء"(1 ).
ومن هذا النص يتضح أن الجملة العربية في أصلها تنبني من المبني عليه والمبني, أو من بناء الاسم على الفعل أو من بناء الفعل على الاسم. والمقصود ببناء الاسم على الفعل

" أنك جعلت الفعل عاملاً في الاسم كقولك ضرب زيدٌ عمراً, فزيدٌ وعمرو مبنيان على الفعل, وكذلك لو قلت:عمراً ضرب زيدٌ, لأن عمراً وإن كان مقدماً فالنية فيه التأخير"(2 ).
والمقصود ببناء الفعل على الاسم " أنك لو جعلت الفعل وما يتصل به خبراً عن الاسم وجعلت الاسم مبتدأ كقولك زيدٌ ضربته, فزيد مبني عليه وضربته مبني على الاسم "( 3). وذلك كما في الشكل التالي: -
http://www.arabslink1.jeeran.com/z1.jpg

ومن الملاحظ أن عملية البناء الأولى قد نتج عنها جملة اسمية, وهي تتكون من المبني عليه المبتدأ ومن المبني الخبر, والمبني عليه (المبتدأ) هو الذي يحدد نوعية الجملة

______________

)) سيبويه - الكتاب, ج1, ص80, 81.
)) السيرافي - شرح كتاب سيبويه, ج1, ص 190.
)) المصدر نفسه, ص 190.

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 01:24 PM
وبدايتها, أما عملية البناء الثانية فقد نتج عنها جملة فعلية, وهي تتكون من المبني عليه(الفعل) ومن المبني (الفاعل), وقد يضاف إليه المفعول وذلك بحسب الحاجة, (وزيادة ونقصد بالزيادة. .., ما يضاف إلى الجملة النواة من كلمات يعبرّ عنها النحاة بالفضلات أو التتمات..., يُضاف إلى الجملة الأصل لتحقيق زيادة في المعنى, فكل زيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى..., ولا بد لكل كلمة تضاف إلى الجملة أن تسير في خط المبنى قبل أن تعطي معنى, فبعد أن تأخذ الكلمة موقعها من الجملة محققة سلامة البنية الشكلية في الجملة قياساً على ما جاء عن العرب, فإنها ترتبط من حيث المعنى بمركز الجملة( 1), والمبني عليه (الفعل) هو الذي يحدد نوعية الجملة وبدايتها. كما أن المفعول وإن تقدم على الفعل فإنه يبقى مبنيا لأن المبني عليه ما زال محتاجاً إليه, والمفعول مرتبط به معنوياً. ومن هنا فأستطيع القول أن " أصل الكلام جملتان فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر "( 2).
http://www.arabslink1.jeeran.com/z2.jpg

وفي رأيي أن الجملة العربية تنتج عن تبادل الرتبة بين الاسم والفعل, أو بين الأصل والفرع أو بين المبني عليه والمبني "وهاتان الجملتان التوليديتان هما الأساس لكل الجمل التحويلية (العدول) في العربية "(3 ). وهذا هو رأي البصريين, أما الكوفيون فيرون أن الفاعل إذا تقدم على فعله ظل فاعلاً.
والذي أراه أن ما ذهب إليه البصريون هو الصواب, وبالإضافة إلى ما ذكره المبرد حول هذا الموضوع(4 )وهو مشهور, وكذلك ابن السراج حيث يقول: فالفاعل لا يتقدم على فعله إلا على شرط الابتداء"(5 ), ففي رأيي أن المتقدم هو المبتدأ, لأن الجملة العربية إما أن تبدأ بفعل أو مبتدأ, ولا تبدأ بالفاعل لأن رتبة الفاعل بعد الفعل, كما أن الفعل يتقدم على فاعله برتبة الطبع, وما تقدم بالطبع رتبته محفوظة.كما "أنه لا يتصور أن نحكم على كلمة بأنها فاعل قبل أن يسبقها فعل"( 6). وكذلك لا نحكم على كلمة بأنها مفعول إلاّ إذا سبقها فاعل. بالإضافة إلى أن الفاعل هو المطلوب من الفعل والفعل طالب له وليس العكس, والطالب يتقدم على المطلوب. كما أن الفاعل لا ينفصل عن فعله " ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فإن لم يكن مظهراً بعده فهو مضمر فيه لا محالة"(7 ), كذلك فإن الفعل يدل على معنى في الفاعل, والذي يدل على معنى في غيره رتبته محفوظة, كالفعل مع الفاعل والحروف وما تدخل عليه. أما بالنسبة للضمير الموجود في الخبر فما هو إلا الفاعل الحقيقي وليس عوضاً عن الاسم المتقدم, وإنما هو اقتصاد لغوي بدلاً من إعادة الاسم مرة ثانية, وقد وجد من العرب من يعيده كما هو فيقول: زيدٌ ضرب زيدٌ عمراً. كما قال تعالى: " القارعةُ ما القارعة " ولم يقل القارعة ما هي, بل أعاد اللفظ مرة ثانية. وسبب وجود هذا الضمير أنه يربط بين المبتدأ وخبره, وإلاّ انعدمت الصلة بينهما, حيث إن ما بعد المبتدأ بدون الضمير لا يشكل جملة الخبر, لأنها ستتكون من فعل + مفعول ولا يوجد فعل إلاّ بفاعل, ولا يوجد فاعل إلاّ بفعل, كما لا يوجد المفعول بدون الفاعل, ومن هنا فالفعل مع المفعول لا يشكلان جملة. كما أن وجود هذا, الضمير يعنى أن الفعل ليس محتاجاً للاسم المتقدم "فإنما يكون الطالبُ عاملاً في المطلوب إذا لم يستغن عنه في اللفظ وأما إذا استغنى عنه برفع ضميره أو نصبه أو بغير ذلك فلا يلزم أن يفعل فيه بل لا يصحُّ في مثل مسألتنا "(لأن) أصل العمل الطلب"(8 ), ويظهر هذا من ملاحظة تقدم المفعول, حيث إن المفعول يتقدم ويبقى مطلوباً للفعل ولا يوجد ضمير ينوب عنه لهذا السبب, لأن موقعه ما زال شاغراً. وكذلك ماذا نقول عن المتقدم في الجمل التالية: "زيدٌ ضربه عمرو" و"يوم الجمعة صمتُه " فإذا كان رفع الفاعل والمبتدأ يثير الإشكالية, فأظن أن المفعول والظرف لا يرفعان, وهذا دلالة على أن المتقدم هو المبتدأ. أما بالنسبة لاتصال الضمير مع الفعل .

__________

)) خليل عمايرة - في نحو اللغة العربية وتراكيبها, ص 96, 98.
)) ابن السراج - الأصول في النحو, ج1, ص 58 – 59, ج2, ص 276.
)) د.خليل عمايرة- في نحو اللغة العربية وتراكيبها, ص 87.
)) المبرد - المقتضب, ج4, ص 128.
)) ابن السراج - الأصول في النحو, ج1, ص 72.
)) العكبري - اللباب في علل البناء والإعراب, ج1, ص149.
)) ابن جني - اللمع, ص15.
)) الشاطبي- المقاصد الشافية, ج1, ص65-66.

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 01:27 PM
فذلك لأن الفعل هو المحتاج للفاعل أو للمفعول أو للظرف وبينهما علاقة معنوية, والضمير الموجود في ضربه, رتبته محفوظة وجوباً, ففيه خروج عن الأصل حتى لا يثير اللبس بانفصاله وتأخره. وفي هذا يقول ابن مالك:
"وعـُلْـقَـةٌ حــاصِـلـةٌ بتـابـعٍ كَـعُـلْـقـةٍ بـنـفـس الاسم الواقع
والعلقة عبارة عن الضمير العائد على الاسم السابق, وذلك أن الجملة التي بعد الاسم السابق لا بد أن يكون فيها ضميرٌ عائدٌ عليه, والأصل أن يكون هو المشتَغَلُ به عن الاسم السابق, والحاصل أنه لابدَّ من ضمير يربط الجملة الثانية بالاسم الأول, لأن الأصل في ذلك المبتدأ والخبر ودخل حكم الاشتغال عليه فلذلك لا يجوز أن تقول:"أزيداً رأيتُ عمراً ", لأنه لا يجوز: (زيدٌ رأيتُ عمراً) إلا مع ضمير عائد على الأول فذلك الضمير الرابط من حيث كان معلِّقاً للجملة الثانية بالأولى, وبه كان الاتصال والعلاقة, سمَّاه علقة من أجل ذلك وكأن العلقةَ اسم العلاقة الحاصلة بسبب الضمير, وهو الاتصال بين أول الكلام وآخره "(1) والأهم من هذا أن المبتدأ يتقدم على خبره بالمنزلة وكذلك الفعل يتقدم على فاعله بالمنزلة وكلاهما مبني عليه فإذن هما أَ صلان فنستطيع البداية بالفعل أو بالاسم ومن ثم تترتب المباني بعدهما بالأهمية وبحسب قوة العلاقة المعنوية, " ويمكن أن نطلق على كلٍ منهما بؤرة الجملة" (2).
وقد جاء في القرآن الكريم: (وَكَأَيِّن مِنْ دابة لا تَحْمِلُ رْزِقَها, اللهُ يَرْزُقُها وَإياكُم وَهُوَ السَّميعُ العَليم) (العنكبوت6) كما قال تعالى: (واللهُ يدعو إلى دارِ السَّلام) (التوبة25) وقال تعالى:(الله يعلم ما تحمل كل أنثى)(الرعد8)وفي الآيات السابقة بني الفعل على الاسم, أو بني الخبر الفعلي على المبتدأ. كما قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ لَيقَوُلُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيزُ الحكيمُ)(الزخرف9)وقال تعالى: (وقيلَ لِلَّذينَ اتَّقَوا ماذا أنزلَ ربُّكم قالوا خيراً)(النحل 30) وفي هاتين الآيتين بُني الاسم فيهما على الفعل, والتقدير في الثانية: أنزل خيراً. وقال تعالى: (قَـدْ سَمِعَ اللهُ قـولَ التي تجادلكَ في زَوْجِها وتَشْتَكي إلى اللهِ واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللهَ سميعٌ بصيرٌ) (المجادلة 1).

_______________
(1) الشاطبي - المقاصد الشافية،ج1،ص117.
(2) خليل عمايرة - في نحو اللغة العربية وتراكيبها،ص 190.

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 01:29 PM
"وإذا قرأنا قوله تعالى (يريدُ اللهُ ليبينَ لكم ويهديكم سُنَنَ الذينَ مِنْ قَبْلكِم ويتوبَ عليكُم والله عليمٌ حكيمٌ * والله يريدُ أن يتوبَ عليكُم ويريدُ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) (النساء 26-28) ثم لاحظنا فعل الإرادة ولفظ الجلالة رأينا ترتيب ذلك كما يلي: يريد الله – والله يريد – يريد الله- فإذا بحثنا عن السبب وجدنا تقديم لفظ الجلالة في مورده الثاني إنما كان لوضعه موضع المقارنة مع الذين يتبعون الشهوات, أما في المرة الأولى والثالثة فالاهتمام معلق بالإرادة لا بالمقارنة "(1).
والتقديم والتأخير هنا نابع من الاختيار بين أصلين(2). وليس عدولاً من بنية عميقة إلى بنية سطحية, لأن كليهما أصل.
وهناك فرق في المعنى بين اختيار الجملة الاسمية أو الفعلية. فالفائدة المعنوية أو تغير المعنى ينبع من الاختيار كما ينبع من العدول, وهذا يجيز لنا السؤال: لم بُدئ بالاسم أو بالفعل؟ من ناحية معنوية وليس من ناحية نحوية, لأن ما جاء على أصله من ناحية نحوية لا يسأَل عن علته.
"والذي يبدو أن التقديم في العبارة الثانية جاء لسببين: - أولهما: كسر الوتيرة الواحدة في طريقة الترتيب. وثانيهما: الدلالة في العبارة الثانية على أن الله وحده يريد التوبة, على حين يريد الذين يتبعون الشهوات الميل العظيم, ويعزز هذه الدلالة ما نرى من المقابلة بين إرادة وإرادة.

ويعلل السيرافي عملية بناء الفعل على الاسم أو الاسم على الفعل فيقول:"وجملة الأمر أن الذي حكمه أن يكون مؤخراً, مبني على ما حكمه أن يكون مقدماً, عمل في اللفظ أو لم يعمل, إذا كان أحدهما يحتاج إلى الآخر

_________________
(1) تمام حسان- البيان في روائع القرآن ، ص379 .
(2) المصدر نفسه ، ص502 .

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 01:34 PM
عندنا زيداً لأكرمناه أن التي بعد"لو"مبنية على"لو" وإن كانت غير عاملة فيها, لأن حكم "لو" أن تكون مقدمة على "أنًّ" ولا يستغني عنها "( ).
فعلةّ وقوع الفعل والمبتدأ في موقع المبني عليه هي كونهما متقدمين في المعنى, وعلة كون الفاعل والخبر في موقع المبني هي كونهما متأخرين في المعنى, فالمتأخر يبنى على المتقدم إذا كان بينهما علاقة احتياج وعدم استغناء, والمحتاج أو الطالب يتقدم على المطلوب معنوياً بغض النظر عما إذا كان الطالب عاملاً في المطلوب أم لا, فالعلاقة بين الألفاظ علاقة معنوية بالدرجة الأولى قبل أن تكون علاقة عامل بمعمول.
http://www.arabslink1.jeeran.com/z3.jpg

(المباني تترتب بالرتبة (المنزلة) من الخاص إلى العام أصلاً ومن العام إلى الخاص عدولاً)
ومن الشكل يتضح أن المبني عليه والمبني بينهما علاقة معنوية, وأن المبني عليه يحتاج إلى المبني, فيبني المتكلم الفاعل أو الخبر على الفعل أو المبتدأ فتحصل الفائدة, فالسابق يطلب اللاحق, واللاحق ينبني على السابق, كما يلاحظ أن الطلب أو الاحتياج يسير من اليمين إلى اليسار أما البناء فيسير من اليسار إلى اليمين


_________________
)) السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، ص 190 .

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 03:13 PM
وبدايتها, أما عملية البناء الثانية فقد نتج عنها جملة فعلية, وهي تتكون من المبني عليه(الفعل) ومن المبني (الفاعل), وقد يضاف إليه المفعول وذلك بحسب الحاجة, (وزيادة ونقصد بالزيادة. .., ما يضاف إلى الجملة النواة من كلمات يعبرّ عنها النحاة بالفضلات أو التتمات..., يُضاف إلى الجملة الأصل لتحقيق زيادة في المعنى, فكل زيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى..., ولا بد لكل كلمة تضاف إلى الجملة أن تسير في خط المبنى قبل أن تعطي معنى, فبعد أن تأخذ الكلمة موقعها من الجملة محققة سلامة البنية الشكلية في الجملة قياساً على ما جاء عن العرب, فإنها ترتبط من حيث المعنى بمركز الجملة( ), والمبني عليه (الفعل) هو الذي يحدد نوعية الجملة وبدايتها. كما أن المفعول وإن تقدم على الفعل فإنه يبقى مبنيا لأن المبني عليه ما زال محتاجاً إليه, والمفعول مرتبط به معنوياً. ومن هنا فأستطيع القول أن " أصل الكلام جملتان فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر "( ).
http://www.arabslink1.jeeran.com/z4.jpg
وفي رأيي أن الجملة العربية تنتج عن تبادل الرتبة بين الاسم والفعل, أو بين الأصل والفرع أو بين المبني عليه والمبني "وهاتان الجملتان التوليديتان هما الأساس لكل الجمل التحويلية (العدول) في العربية "( ). وهذا هو رأي البصريين, أما الكوفيون فيرون أن الفاعل إذا تقدم على فعله ظل فاعلاً.
والذي أراه أن ما ذهب إليه البصريون هو الصواب, وبالإضافة إلى ما ذكره المبرد حول هذا الموضوع( )وهو مشهور, وكذلك ابن السراج حيث يقول: فالفاعل لا يتقدم على .....
--------------
)) خليل عمايرة - في نحو اللغة العربية وتراكيبها, ص 96, 98.
)) ابن السراج - الأصول في النحو, ج1, ص 58 – 59, ج2, ص 276.
)) د.خليل عمايرة- في نحو اللغة العربية وتراكيبها, ص 87.
)) المبرد - المقتضب, ج4, ص 128.

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 03:14 PM
فعله إلا على شرط الابتداء"( ), ففي رأيي أن المتقدم هو المبتدأ, لأن الجملة العربية إما أن تبدأ بفعل أو مبتدأ, ولا تبدأ بالفاعل لأن رتبة الفاعل بعد الفعل, كما أن الفعل يتقدم على فاعله برتبة الطبع, وما تقدم بالطبع رتبته محفوظة.كما "أنه لا يتصور أن نحكم على كلمة بأنها فاعل قبل أن يسبقها فعل"( ). وكذلك لا نحكم على كلمة بأنها مفعول إلاّ إذا سبقها فاعل. بالإضافة إلى أن الفاعل هو المطلوب من الفعل والفعل طالب له وليس العكس, والطالب يتقدم على المطلوب. كما أن الفاعل لا ينفصل عن فعله " ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فإن لم يكن مظهراً بعده فهو مضمر فيه لا محالة"( ), كذلك فإن الفعل يدل على معنى في الفاعل, والذي يدل على معنى في غيره رتبته محفوظة, كالفعل مع الفاعل والحروف وما تدخل عليه. أما بالنسبة للضمير الموجود في الخبر فما هو إلا الفاعل الحقيقي وليس عوضاً عن الاسم المتقدم, وإنما هو اقتصاد لغوي بدلاً من إعادة الاسم مرة ثانية, وقد وجد من العرب من يعيده كما هو فيقول: زيدٌ ضرب زيدٌ عمراً. كما قال تعالى: " القارعةُ ما القارعة " ولم يقل القارعة ما هي, بل أعاد اللفظ مرة ثانية. وسبب وجود هذا الضمير أنه يربط بين المبتدأ وخبره, وإلاّ انعدمت الصلة بينهما, حيث إن ما بعد المبتدأ بدون الضمير لا يشكل جملة الخبر, لأنها ستتكون من فعل + مفعول ولا يوجد فعل إلاّ بفاعل, ولا يوجد فاعل إلاّ بفعل, كما لا يوجد المفعول بدون الفاعل, ومن هنا فالفعل مع المفعول لا يشكلان جملة. كما أن وجود هذا, الضمير يعنى أن الفعل ليس محتاجاً للاسم المتقدم "فإنما يكون الطالبُ عاملاً في المطلوب إذا لم يستغن عنه في اللفظ وأما إذا استغنى عنه برفع ضميره أو نصبه أو بغير ذلك فلا يلزم أن يفعل فيه بل لا يصحُّ في مثل مسألتنا "(لأن) أصل العمل الطلب"( ), ويظهر هذا من ملاحظة تقدم المفعول, حيث إن المفعول يتقدم ويبقى مطلوباً للفعل ولا يوجد ضمير ينوب عنه لهذا السبب, لأن موقعه ما زال شاغراً. وكذلك ماذا نقول عن المتقدم في الجمل التالية: "زيدٌ ضربه عمرو" و"يوم الجمعة صمتُه " فإذا كان رفع الفاعل والمبتدأ يثير الإشكالية, فأظن أن المفعول والظرف لا يرفعان, وهذا دلالة على أن المتقدم هو المبتدأ. أما بالنسبة لاتصال الضمير مع الفعل, فذلك

---------------------
)) ابن السراج - الأصول في النحو, ج1, ص 72.
)) العكبري - اللباب في علل البناء والإعراب, ج1, ص149.
)) ابن جني - اللمع, ص15.
)) الشاطبي- المقاصد الشافية, ج1, ص65-66

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 03:25 PM
والمثال الذي ذكره السيرافي " لو أن زيداً عندنا لأكرمناه " يؤكد أن البناء عملية تشمل اللغة بكاملها, فالطالب يحتاج إلىالمطلوب, والمطلوب ينبني على الطالب لأن بينهما علاقة معنوية تقوم على الاحتياج ولا يستغني أحدهما عن الآخر.
كما يذكر سيبويه ذلك في باب من أبواب"إنَّ" فيقول: "وتقول"لولا أنه منطلق انطلقت", فـ" أنَّ "مبنية على"لولا"كما تُبنى عليها الأسماء, وتقول "لولا أنه ذاهب لكان خيراً له", فأنَّ مبنية على "لولا"( 1) ويعلق السيرافي على ذلك فيقول:
يريد معقودة بـ "لولا" في المعنى الذي تقتضيه و"لولا" مقدمة عليه وليست عاملة فيه لأن الاسم بعد "لولا" يرتفع بالابتداء لا بـ"لولا", ولزومها للاسم بعدها بالمعنى الذي وضعت عليه كلزوم العامل للمعمول به فشبهت به, فَفتحِت (همزة)أنَّ ولم تُكسر لأنَّ إنَّ المكسورة إنما تدخل على مبتدأ مجرد لم يغيَّر معناه بحرف قبله, كما يقول السيرافي: لم يرد بقوله " فأنَّ مبنية على لو, أنها مبنية عليها بناء الشيء على ما يحدثُ فيه معنى ولم يغيَّر لفظه, فَفَتْحُ(همزة) "أن" بعد "لو" كفتحها بعد "لولا "( 2) "وقد استعمل سيبوية لفظ البناء في الشيء الذي ليس بعاملٍ فيما يبنى عليه, كما قال: أنَّ مبنية على لولا, وإنما ذلك على جهة تقدمها وحاجة ما بعدها إليها"(3 ).
فالألفاظ تترتب بحسب قوة العلاقة المعنوية القائمة بينها, أو أنها تتعلق كما يقول الجرجاني ويأخذ بعضها بحجز بعض وتتحد أجزاء الكلام, ويدخل بعضها في بعض ويشتد ارتباط ثانٍ منها بأول(4, بسبب التناغم الدلالي القائم بينها والمبني على قوة العلاقة المعنوية, وفي المثال المذكور, أنَّ تتعلق معنوياً "بلو"وزيداً متعلق بأنَّ وعندنا تتعلق بأنَّ ولأكرمناه" مبنية على لو لأنها جواب الشرط.
وهكذا تتعلق الألفاظ أو المباني بعضها ببعض بحسب قوة العلاقة المعنوية القائمة على أساس الرتبة. " واللغة عند الجرجاني, وكذلك عند سيبويه والسيرافي, نظام لا يقوم إلاّ على ترابط الألفاظ كعناصر في هذا النظام وفقاً لدلالاتها, وتناسقها على الوجه الذي يقتضيه العقل, وتعلُّق بعض الكلم ببعض وبناء بعضه على بعض, لأن الاعتبار عنده
--------------------------------------------------
- سيببويه - الكتاب ،ج3، ص 120-121.
2- المصدر نفسه ، ص 120-121 والهامش .
3- الأعلم الشنتمري ، النكت في كتاب سيبويه ، ج2،ص776.
4- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز ،ص93 .
---------------------------------------------------
بمعرفة مدلول العبارة لا العبارات نفسها"(1 ). والأساس الذي تترتب عليه المباني هو الرتبة, مما يؤدي إلى وجود النظام اللغوي وخير دليل على قوة هذا النظام الرتبة المحفوظة, التي لا تتغير رغم العدول.
وقد جاءت نظرية النظم للجرجاني بعدما ابتعدت الدراسات النحوية عن الجذور وصارت فلسفية "وهي رؤية شمولية لموضوعات النحو العربي, لا بوصفه أبواباً وفصولاً, بل بوصفه نظاماً من العلاقات هو ذاته نظام العربية كلغة, كنص, كخطاب"(2 ), " لأن النحو العربي كما نقرأه في مرجعه الأول "الكتاب", ليس مجرد قواعد لتعليم النطق السليم والكتابة الصحيحة باللغة العربية, بل هو أكثر من ذلك "قوانين للفكر داخل هذه اللغة, وبعبارة بعض النحاة القدماء "النحو منطق العربية"( 3). والذي يبدو لي أن نظرية النظم ما هي إلاّ امتداد للبناء لأنه " لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض, ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك, هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفي على أحد من الناس.
وإذا كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء, وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله؟
وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل أو مفعولاً, أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر, أو تتبع الاسم اسماً على أن يكون الثاني صفة للأول أو تأكيداً له أو بدلاً منه, أو تجيء باسم بعد كلامك على أن يكون صفة أو حالاً أو تمييزاً, أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى, أن يصير نفياً أو استفهاماً أو تمنياً, فتدخل عليه الحروف الموضوعةَ لذلك, أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطاً في الآخر, فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى, أو بعد اسم من الأسماء التي ضمَّنت معنى ذلك الحرف, وعلى هذا القياس, وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلاّ بأن يصنع بها هذا الصنيع ونحوه وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء, ومما
----------------------------------------------------
1- فارس عيسى - المعنى اللغوي وعناصر تحديده ،مجلة البلقاء ، م ج1، ع2 ، أيار ،1992،جامعة عمان الأهلية .
2- محمد عابد الجابري - بنية العقل العربي،ص84 .
3- المصدر نفسه،ص 44 .
---------------------------------------------------
----------------------------------------------------
لا يتصور أن يكون فيه ومِنْ صفته, بان بذلك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس(1 ) وترتيبها يخضع لضابط الرتبة. فالنظم ما هو إلا تعليق الكلم بعضه ببعض, بحسب ترتيب المعاني في النفس الإنسانية, بل إن النظم ما هو إلا تنفيذ للقوانين النحوية وللمعاني النحوية.
"واعلم أن ليس النظم إلاّ أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله. "فلست بواجدٍ شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً, وخطؤه إن كان خطأ, إلى النظم ويدخل تحت هذا الاسم, إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه, ووضع في حقه أو عومل بخلاف هذه المعاملة, فأزيل عن موضعه, واستعمل في غير ما ينبغي له. فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده, أو وصف بمزية وفضل فيه, إلاّ وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه "(2 )."إن عبدالقاهر الجرجاني يتحدث عن سلطة ليست وجوداً حسياً في العالم لكن وجودها لا يقل عن وجود قوانين الحركة في ذلك العالم إنها سلطة النحو وهكذا يربط عبد القاهر بين النحو والنظم باعتبار الأول السلطة التي تحدد صحة الثاني أو عدم صحته"(3 ), أو بالأحرى أن نقول:إن الرتبة هي التي تحدد صحة النظم, أو ضعفه, أو فساده, لأن النظم يقوم على الرتبة, ولأن إصابة الموضع, أو عدم إصابته تحدده الرتبة أو قوة العلاقة المعنوية بين الألفاظ, التي تجعل الألفاظ تنسابُ بسلاسة.
ثانيا:أصل ترتيب الجملة العربية
حدد النحاة أصل ترتيب الجملة العربية بواسطة أصل الاستصحاب, وهو أصل من أصول النحو العربي, يقوم على ملاحظة الشواهد اللغوية وصولاً إلى التجريد, " وقد كان الاهتمام بالبنية الأساسية منطلقاً لتناول الظاهرة اللغوية فهي نموذج أو معيار يحاول الكلام الحي تنفيذه, والنموذج التجريدي أساس للنموذج الحي, ولذلك حاسبوا الكلام المنطوق بمقياس النموذج التجريدي "( 4). " لأنه من غير المعقول أن تتعدد النماذج بتعدد الجمل
----------------------------------------------------
1- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز ، ص 55-56 .
2- المصدر نفسه ،ص 81 ، 82 ، 83.
3- عبد العزيز حمودة - المرايا المقعرة ، ص 239 .
4- محمد حماسة - بناء الجملة العربية, ص 11.
----------------------------------------------------
المتكررة المتعددة, فهذا ضرب من الفوضى التي لا ضابط لها, وإنما تُحصَّل اللغات وتدرك عن طريق النماذج الأساسية التي تحكم أَبنيتها الكثيرة المتنوعة المتكررة"( 1). " فإذا أمكن تحديد النظام اللغوي معياراً للغة التي هي مجال الدراسة فإن ظواهر الاستعمال اللغوي, أي ظواهر الأداء أو الكلام تقابل في هذه الحالة بمستويات النظام اللغوي المخزون في الذهن"(2 ).
وعلى هذا فاللغة قانون تجريدي واستعمال, وقد يكون الاستعمال مطابقاً للنظام أو لا يكون, وهو ما يسمى العدول عن الأصل, وهذا شبيه بما يسمى باللغة والكلام, فاللغة قانون مخزون في ذهن الجماعة, والكلام هو النشاط اللغوي المحسوس إِما أن يطابق الأصل وإما أن يخرج عنه.
أولا:أصل ترتيب الجملة الفعلية: -
استقر تقسيم الجملة العربية عند جمهور النحاة إلى قسمين: الجملة الفعلية والجملة الاسمية, أما أصل ترتيب الجملة الفعلية فهو كما قال السيرافي: قال سيبويه: فإذا بنيت الاسم على الفعل قلت ضربتُ زيداً وهو الحد, كما كان الحد ضرب زيدٌ عمراً, يعني تأخير المفعول هو الأصل والوجه, ويعني أن الحد تأخير زيد مع الفاعل المكني وهو التاء, كما كان الحد تأخير المفعول مع الفاعل الظاهر"( 3) فأصل ترتيب الجملة الفعلية هو أن يتقدم الفعل المبني عليه يليه الفاعل ثم المفعول, بغض النظر عما إذا كان الفاعل ظاهراً أو مضمراً.
وقد قال ابن مالك:
"والأصلُ في الفاعلِ أن يتَّصلا والأصلُ في المفعول أن يَنْفَصِلا
وقــد يجـاءُ بخـــلافِ الأصـل وقد يجيءُ المفعولُ قبلَ الفِعْلِ"( 4)
---------------------------------------------
)) المصدر نفسه, ص 12.
)) ممدوح الرمالي - العربية والوظائف النحوية, ص 97.
)) السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، المخطوط، ج1،ص 190 .
)) ابن الناظم - شرح ابن الناظم على على ألفية ابن مالك ، ص 164.
----------------------------------------------------


كما أن الرضي يرتب الضمائر المتصلة بالفعل من المتكلم إلى المخاطب إلى الغائب فيقول: وضع المتكلم أولاً ثم المخاطب ثم الغائب"(1 ) أما ابن عقيل فيقول: ضمير المتكلم أخص من ضمير المخاطب وضمير المخاطب أخص من ضمير الغائب"(2 ) .
فهذه الضمائر تترتب برتبة المعنى, والأقرب يتقدم على الأبعد, " فإذا جئت بالمتصل بعد الفعل فحق هذا الباب أن تبدأ بالأقرب قبل الأبعد وأعني بالأقرب المتكلم قبل المخاطب والمخاطب قبل الغائب"( 3) كما قالت امرأةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني نسجتُ هذه بيدي لأكسُوَكهَا( 4). فالفعل أقرب إلى فاعله من المفعول به وأقرب من النفس منه إلى الغير, والفعل أخص بفاعله من المفعول, وهكذا تترتب الكلمات من الأخص إلى غير الأخص وذلك لأن الفعل صادر من الفاعل, فهناك علاقة معنوية وثيقة بين الفعل والفاعل وهي أشد من العلاقة بين الفعل والمفعول.
وتعليل هذا الترتيب " أنك تريد أن تعمل الفعل وتجعله صدر الكلام في النيّة وتعمله في الاسم وتحمل الاسم عليه"( 5) فعلة تقدم الفعل أنه متقدم في النفس, أو تقدم معناه في النفس, ولذلك تقدم الفعل في اللفظ وهذا الفعل العامل بحاجة إلى معمول يعمل فيه وهو الفاعل الذي صدر عنه الفعل, ثم بعد ذلك تُوصِل الفعل إلى المفعول الذي وقع الفعل عليه.
وقد اتصل الفعل بفاعله لأن الفعل لا بُدَّ له من فاعل ولكنه قد يستغني عن المفعول, فحاجة الفعل إلى فاعله أشد من حاجته إلى المفعول.
وبعد فالذي يبدو لي أن اللغة وجدت من أجل التفاهم والإفادة, والعربي يقدم في كلامه ما هو أهم, ومن هنا تقدم الفاعل على المفعول, لأن كثافة المعلومات التي يحملها الفاعل أهم مما يحمله المفعول, فاهتمام المتكلم والمخاطب بالفاعل أشد من اهتمامهما بالمفعول, لأن الفاعل يقدم لهما أكبر كمية من المعلومات المفيدة, ولذلك قال النحاة: إن الفاعل متى ما حذف تقدم المفعول, فهو يأتي في المرتبة الثانية بعد الفاعل في سد حاجة المخاطب من
----------------------------------------------------
1- الرضي - شرح الكافية ، ج2،ص 412.
2-ابن عقيل - شرح ابن عقيل ، ج1، ص 103.
3- ابن السراج - الأصول في النحو ، ج 2،ص 120.
4- خديجة الحديثي-موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث، ص249.
5- السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، المخطوط ، ص 191
----------------------------------------------------
المعرفة, " وربما كان هذا الترابط بين الفعل والفاعل هو الذي دفع النحاة إلى القول بأنه لا بد لكل فعل من فاعل مذكور أو مقدر وهو الذي يدفع المحلل أو المعرب لأن يبحث عن فاعل لمجرد ذكر كلمة (فعل), لأن الفعل بحاجة دائماً إلى فاعل ليتَّحِد معه ويلازمه ليستقيم معناه, والفاعل بحاجة إلى ما يُسندُ إليه" .
وتترتب المفاعيل في الجملة الفعلية بناءً على رتبة الفعل (المبني عليه)(موقعه) حيث تتقدم المفاعيل نحوه بالرتبة (المنزلة) و ذلك بحسب قوة العلاقة المعنوية بين المبني عليه والمفعول, وهذا الموضوع وإن كان من الأمورالمختلف عليها بين النحاة إلاّ أنهم متفقون على أن المؤثر في عملية الترتيب هي رتبة (موقع) المبني عليه.وقد رتبها تمام حسان على النحو التالي:
" فعل + فاعل + مفعول به + مفعول معه + مفعول مطلق + ظرف زمان + مكان + مفعول له ضربت زيداً وطلوعَ الشمسِ ضرباً شديداً يومَ الجمعةِ في دارِهِ تأديباً له "( 1).
ولعل ترتيب الدكتور تمام حسان هو الأقرب إلى الصواب, فالفعل يتقدم بكونه المبني عليه الذي يتركب عليه الكلام, والفاعل يتقدم على المفعول لأنه لا بد للفعل من فاعل ولا يستغني عنه, فحاجة الفعل للفاعل أشد من حاجته للمفعول " كما أن الفعل حركة الفاعل والحركة لا تنفك عن محلها"(2 ). فالفاعل أقرب إلى الفعل من غيره لأنه صادر عنه, كما أن الفاعل هو المخبر عنه وهو أولى من غيره بهذا الخبر, ولهذا عندما يذكر الفعل يتبادر إلى الأذهان أولاً معرفة الفاعل لأن الفعل مرتبط بفاعل يقوم به. كما أن كثافة المعلومات التي ينقلها لفظ الفاعل أكثر من غيره, فذكره مفيد للمخاطب. ودلالة الفعل عليه قوية جداً ولذلك تقدم على المفاعيل, وقد يكون الفعل بلا مفاعيل.
وتقديم المفعول به" لأن طلب الفعل الرافع للفاعل له أشد من طلبه لغيره, والفعل يحتاج إلى محل يقع فيه"(3 ).
----------------------------------------------------
1- تمام حسان - البيان في روائع القرآن ، ص 378.
2- السهيلي - نتائج الفكر ، ص 67.
3- الرضي - شرح الكافية ، ج1، ص 219.
----------------------------------------------------
ولأنه متعلِّق بأحكام المرفوعات من جهة رفعه إذا ناب عن الفاعل, ومن جهة حصول الفائدة به كحصولها بالفاعل على الجملة, ومن أجل أن الفعل يقتضيه بمعناه كما يقتضي الفاعل"( 1). فإذا قلنا: ضرب زيدٌ فأول ما يتبادَرُ إلى ذهن المخاطب السؤال عن المفعول به فالفعل يصدر من الفاعل ثم يقع على المفعول. فالفعل بعد الفاعل يحتاج إلى المفعول ودلالته عليه قوية وذكره أهم وأكثر إفادة من غيره.
وتقديم المفعول معه, لأنه الفاعل أو المفعول من جهة المعنى, وفيه مراعاة لأصل الواو. فعندما نقول جاء زيد وطلوع الشمس. فطلوع الشمس فاعل من جهة المعنى وهو مصاحب لفعل المجيء يقول ابن هشام " لبعض المفاعيل الأصالة في التقديم على بعض إما بكونه مبتدأ في الأصل أو فاعلاً في المعنى أو مسرَّحاً لفظاً أوتقديراً والآخر مقي
( 2) لأن علقة ما لا يحتاج إلى واسطة أقوى من علقة ما يحتاج إليها"( 3).
وتأخيره للمصدر عن المفعول به عين الصواب, فصحيح أن الفعل له دلالة قوية على المصدر, إلاّ أنه يجب أن لا ننسى أن ذكره غير مفيد أو أن حاجة الفعل إليه ليست قوية فتأخيره أفضل من تقديمه "وذلك لأن ذكر الفعل مغنٍ عنه ( 4).
وتقديمه للمصدر على الظرف, لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالته على الظرف, " ولأن الفعل ينصب المصدر وظرف الزمان وظرف المكان, ونصبه للمصدر أقوى من نصبه للظرفين. لأن الفعل إنما ينصبُ ظرف الزمان بالحمل على المصدر, وكان الأصل أن يتعدى إليه بحرف جر, وأما ظرف المكان فانتصب على ظرف الزمان, وكان الأصل أن يصل إليه الفعل بحرف جر, ونصب المكان في الرتبة الثالثة وكل ما هو في الدرجة الثالثة لا تجده إلا مخصوصاً"( 5) . وتقديمه للظرف " لأنه لا بد للفعل من زمان ومكان يكون فيهما"( 6), ولأن الفعل إنما اختلفت أَبنيته للزمان, وهو مضارع له من أجل أن

---------------------------------------------------
1- الشاطبي - المقاصد الشافية ،ج1،ص212 .
2- ابن هشام - أوضح المسالك ، ج 2 ، ص 183-184.
3- ابن مالك - شرح التسهيل ، ج 2، ص 83.
4- السهيلي - نتائج الفكر ، ص 387.
5-ابن أبي الربيع - البسيط في شرح جمل الزجاجي، ج1،ص 507.
6- ابن عصفور - شرح جمل الزجاجي ،ج1،ص324 .
----------------------------------------------------
الزمن حركة الفلك, والفعل حركة الفاعلين"( 1) , واحتياج الفعل إلى الزمان والمكان ضروري"(2 ), "كما أن الدلالة على الزمان وقعت عليه من لفظ الفعل"(3 ).وتقديمه للزمان على المكان "لأن دلالة الفعل على الزمان أقوى من دلالته على المكان ولذلك قد يحتاج الفعل إلى حرف جر يصل به إلى المكان ولكنه يصل إلى الزمان بدون حرف"( 4).
أما تأخيره للمفعول له " فلأن الفعل قد يكون بلا علة, فقد يكون فاعل الفعل ساهياً أو مجنوناً, فلا يقع فعله لسبب, فلا يكون للفعل إذ ذاك مفعول من أجله"( 5) "ورب فعلٍ بلا علةٍ"(6 ) كما أن الفعل في الأصل يصل إليه بحرف جر لضعف العلاقة بينهما.
ويتضح من ترتيب المفاعيل أن المباني تتقدم بالرتبة (المنزلة) من الخاص إلى العام أو من القريب إلى البعيد.
وقد قال تعالى: " لقد صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرؤيا بالحقِ"(الفتح27)"فهنا جرى التعبير على الأصل ولم يقدم شيء على شيء"(7 ) حيث تقدم الفاعل فالمفعول الأول فالثاني فالجار والمجرور وذلك بسبب قوة العلاقة المعنوية, كما قال تعالى: " وَنَحْشُرُهُم يومَ القِيامَة على وجُوهِهِم عُميا وبُكما وصُما " (الاسراء 97) تقدم الفاعل على المفعول فالزمان فالمكان فالحال. " ولكنه (الفاعل) يرتبط بفعله حتى إنهما لَيُعَدان كالكلمة الواحدة, ثم ترتبط بقية كلمات الجملة بهما ارتباط الدوائر بالبؤرة "(8 ).
" فكل كلمة ترتبط بالبؤرة فيها والتي هي الفعل بسبب وعلاقة معينة وبذا يتحقق النظم في الجملة"( 9).
---------------------------------------------------
1- الزجاجي - الجمل ، ص 32.
2- الرضي - شرح الكافية ،ج1، ص296.
3- عبدالقاهر الجرجاني - المقتصد في شرح الإيضاح ،ج2 ، ص 628-629.
4- سيبويه - الكتاب ،ج1، ص 35 .
5- ابن عصفور - شرح جمل الزجاجي ، ج1، ص 324.
6- الرضي - شرح الكافية ، ج1،ص 295.
7- فاضل السامرائي - الجملة العربية ،ص 38 .
8- خليل عمايرة - في نحو اللغة العربية وتراكيبها ، ص 190 .
9- المصدر نفسه ، ص 100.
----------------------------------------------------
فليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض"( 1) . " فلا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك"( 2). وتتم عملية التعليق بناءً على المنزلة, " واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعة من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة وذلك أَنك إذا قلت ضرب زيدٌ عمراً يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له, فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم على مفهوم واحد لا عدة معانٍ كما يتوهمه الناس, وذلك لأنك لم تأتِ بهذه الكلم لتفيد أنفسَ معانيها وإنما جئت بها لتفيد وجوه التعليق التي بين الفعل الذي هو ضرب وبين ما عمل فيه والأحكام التي هي محصول التعلق وإذا كان الأمر كذلك فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من (عمرو) وكون يوم الجمعة زمانا للضرب وكون الضرب ضرباً شديداً وكون التأديب علة للضرب, أيتصور فيها أن تفرد عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة, وهو إسناد الضرب إلى زيد وإثبات الضرب به له حتى يعُقل كون عمرو مفعولاً به وكون يوم الجمعة مفعولاً فيه وكون يوم الجمعة مصدراً, وكون التأديب مفعولاً له من غير أن يخطر ببالك كون زيد فاعلاً للضرب ؟ وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتُصور لأن عمراً مفعول لضرب وقع من زيد عليه ويوم الجمعة زمان لضرب وقع من زيد, وضرباً شديداً بيان الضرب كيف هو وما صفته, والتأديب علة له وبيان أنه كان الغرض منه, وإذا كان ذلك كذلك بان منه وثبت أن المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدة معانٍ, وهو إثباتك زيداً فاعلاً ضرباً لعمرو في وقت كذا وعلى صفة كذا ولغرض كذا ولهذا المعنى نقول: إنه كلام واحد"(3 ).
ثانيا:أصل ترتيب الجملة الاسمية: -
يقول السيرافي"قال سيبويه: فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: زيدٌ ضربته فلزمته الهاء, يعني أنك إذا جعلت زيداً هو الأول في الرتبة, فلا بد من أن ترفعه بالابتداء, فإذا
----------------------------------------------------
1- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز ، ص 87 ، 55.
2- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز، ص 55.
3- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الإعجاز ، ص 412، 413.
----------------------------------------------------
رفعته بالابتداء فلا بد من أن يكون في الجملة التي بعده ضمير يعود إليه وتكون هذه الجملة مبينة على المبتدأ كأنك قلت زيد مضروب"(1 ).

أصل ترتيب الجملة الاسمية

ويتابع السيرافي كلامه مستخدماً أدوات العطف التي تدل على الترتيب وتفيد كيفية حدوث الجملة الاسمية خطوة خطوة " قال: فإنما قلت عبدالله فنبهته له ثم بنيت عليه فرفعته بالابتداء, يعني ابتدأت بعبد الله فنبهت المخاطب له فانتظر الخبر فأخبرت بالجملة التي بعده " (2).
"وهذا الذي قد ذكرتُ من أن تقديم ذكر المحدَّث عنه يفيد التنبيه له, قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قُدِّمَ فَرُفع بالابتداء وبني الفعل الناصبُ لَهُ عليه, وعُدِّي إلى ضميره فشُغِلَ به كقولنا في " ضربتُ عبدالله ":
" عبدُ الله ضربُتهُ", فقال: وإنما قلت: عبدُ الله, فنبهتَهُ له ثم بنيت عليه الفعل, ورفعته بالابتداء.
وذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نُويَ إسناده إليه, وجملة الأمر أن ليس إعلامك الشيء بغته غفلاً مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له,
---------------------------------------------------
1- السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، ج1،ص191 .
(2) السيرافي - شرح كتاب سيبويه ،ج1،ص191 .
----------------------------------------------------
لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام, ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له, أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار أو شك …., ويزيدك بياناً أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه ولكن يُؤتى به غير مبني على اسم"(1). فالجملة الاسمية تتكون بخطوتين الخطوة الأولى:
الابتداء بالمبتدأ لتنبيه المخاطب له والخطوة الثانية: الإخبار بما ينتظره المخاطب, وهذا يعني أيضاً أن المبتدأ معروف للمخاطب وإنما الذي يجهله هو الخبر فالمعرفة في المقدمة والمجهول في النهاية وهو محل الفائدة.
ويتابع السيرافي حديثه عن بناء الفعل على الاسم, ذاكراً شرط ذلك فيقول:
"قال وإنما حسن أن يبنى الفعل على الاسم حيث كان معملاً في ضميره, يعني أن ضربته إنما بني على زيد لأنه قد عمل في ضميره, ولولا ذلك لم يحسن... (2). فشرط بناء الفعل على الاسم, أن ينشغل الفعل بضمير الاسم المتقدم, حتى يخرج من طلب الفعل له, فإذا لم ينشغل الفعل بالضمير وجب أن تنصب الاسم المتقدم لأن الجملة تكون عندها جملة فعلية وليست اسمية والفعل محتاج للمفعول به, ويجوز رفعه على ضعف وذلك على نية وجود الهاء, ويجوز نصبه وهو منشغل بالضمير وذلك على تقدير فعل سابق عليه محذوف يفسره الفعل المذكور بعده لأن المفسَّر والمفسر لا يجتمعان "ولا يتعدى الفعل إلى ضمير اسم وإلى ظاهره جميعاً. ولهذا وجب في "زيداً ضربته" تقدير عامل على الأصح"(3).
وكما تَرَتبت المباني في الجملة الفعلية بالرتبة (المنزلة) من الخاص إلى العام, فكذلك تترتب المباني في الجملة الاسمية.
وعلى هذا فالجملة الاسمية تترتب مبانيها بالرتبة من الأهم إلى الأقل أهمية ومن الخاص إلى العام وعلة هذا الترتيب أن المبتدأ هو المبني عليه ورتبه المبني عليه قبل رتبة المبني والمبتدأ هو المحتاج ورتبة المحتاج قبل رتبة المحتاج إليه أو المطلوب, بالإضافة
--------------------------------------------------
(1) عبد القاهر الجرجاني - دلائل الإعجاز ، ص 131-135.
(2) المصدر نفسه ، ص 131-135وانظر سيبويه في هذا الباب،ج1،ص80، والأبواب التي بعده حيث يؤكد على ترتيب الجملة الاسمية + الشاطبي ، المقاصد الشافية،ج1،ص105.
(3)ابن هشام - رسالة في توجيه النصب ، ص20 .
---------------------------------------------------
إلى أن المبتدأ معرفة والخبر قد يكون نكرة فتقدمت المعرفة على النكرة " فلا يخبر عن مجهول والإخبار عما لا يعرف لا فائدة منه"(1), وقد قال ابن مالك:
"والأصلُ في الأخبارِ أن تُؤَخَّرا وَجَوَّزُوا التقديمَ إذْ لا ضَرَرا " (2)
وبناءً على كل ما تقدم فيبدو لي أن أصل ترتيب الجملة العربية هو:

http://www.arabslink1.jeeran.com/z5.jpg



المباني تترتب في هذه الجملة من الخاص إلى العام
والرتبة بين هذه الاركان رتبة غير محفوظة ما عدا رتبة الفاعل مع الفعل فهي رتبة محفوظة " فالفاعل لا يتقدم على فعله إلا على شرط الابتداء "
"فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل تقدم على فعله وجب تقدير الفاعل ضميراً مستتراً وكون المقدم مبتدأ في "نحو زيد قام", وإما فاعلاً محذوف الفعل في نحو " وإن أحد من المشركين استجارك"(3) (التوبة 6) لأن أداة الشرط مختصة بالجملة الفعلية, كما يرى جمهور النحاة.
وهذا ما يتأكد من حديث السيرافي عن التقديم والتأخير لعناصر الجملة الفعلية, يقول السيرافي: وإن قدمت الاسم فهو عربي جيد, كما كان ذلك عربياً جيداً, وذلك قولك زيداً ضربتُ, يعني "زيداً ضربت" بمنزلة زيداً ضرب عمرو ولا فرق بين الفاعل الظاهر والمكني " قال والعناية هنا في التقديم والتأخير سواء, مثله في ضرب زيدٌ عمراً, وضرب عمراً زيدٌ, يعني أن المكني والظاهر الفاعلين سواء في تقديم المفعول وتأخيره فإن كانت العناية بالمفعول فيهما أشد قدمت المفعول وإن كانت العناية بالفاعل أشد قدمت الفاعل" (4
--------------------------------------------------
(1) ابن الأنباري - أسرار العربية ، ص80.
(2) ابن الناظم - شرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك ،ص81 .
(3) ابن هشام - أوضح المسالك ، ج 2، ص 85.
(4) السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، ج1، ص191 .
---------------------------------------------------
فالفاعل والمفعول يتقدمان بالرتبة (المنزلة) أصلاً وعدولاً.
وعلى هذا فالرتبة بين عناصر الجملة الفعلية هي رتبة غير محفوظة, ما عدا الرتبة بين الفعل والفاعل فهي رتبة محفوظة, والمفعول يستطيع الحركة إلى يمين الفاعل أو إلى يمين الفعل والفاعل, وهذا المفعول يبقى محافظاً على وظيفته النحوية السابقة رغم تقدمه, لأن الفعل محتاجٌ إليه وهو مبني على الفعل على الرغم من تقدمه. أما الفاعل فرتبته ثابتة محفوظة.
"فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل مقدم وجب تقدير الفاعل ضميراً مستتراً وكون المتقدم إما مبتدأ أو فاعلاً لفعل محذوف"(1). وسبب وجود هذا الضمير, أن الفعل محتاجٌ للفاعل ولا ينفصل عنه, كما أن الاسم المتقدم هو المبتدأ والكلام مبني عليه, وهذا المبتدأ بحاجة إلى الخبر فإن لم تقدر ضميراً بعد الفعل, فإن ما بعده أي(ما بعد المبتدأ)لا يشكل جملة تكون خبراً عنه إلا بوجود الضمير العائد, كما أن الضمير إن لم يكن موجوداً فإن الصلة بين الاسم المتقدم (المبتدأ) وخبره ستكون معدومة, فالضمير رابط يربط بين المبتدأ وخبره, وذلك لأن الخبر ليس هو الأول في المعنى.
وسبب التقديم والتأخير هو العناية والاهتمام, وتقديم المفعول يكسبه أهمية عند المتكلم والمخاطب ولكنه لا يكتسب الأهمية من ناحيه نحوية فيظل مبنياً رغم تقدمه لأن الفعل محتاج إليه. والجملة الاسمية, كذلك, الرتبة بين أركانها في الأصل غير محفوظة. إلاّ أن الرتبة في الجملة العربية قد تكون واجبة الحفظ كما هي في الأصل وقد يحدث ما يدعو إلى الخروج عن أصل الرتبة جوازاً ووجوباً, والأصل والخروج عنه يتم وفق ضوابط معينة تتحكم في ترتيب الجملة العربية.
الجملة الشرطية: -
" وزاد الزمخشري وغيره الجملة الشرطية, وذلك نحو: بكرٌ إن تعطه يشكرْك " وهي عند الجمهور فعلية, وذلك لأن الجمل الشرطية تكون إما مصدرة بحرف شرط أو اسم شرط, واسم الشرط فضلة أو عمدة "(2) . وفي رأيي أن جملة الشرط فيها خروج عن
---------------------------------------------------
(1) ابن هشام ، أوضح المسالك ، ج 2، ص 85.
(2) ابن يعيش – شرح المفصل ، ج1 ، ص 88 ، وكذلك فاضل السامرائي - الجملة العربية ، ص160.
----------------------------------------------------

الأصل بالصدارة (1, وكون الجملة اسمية أو فعلية يعتمد على ما إذا كان اسم الشرط طالباً أو مطلوباً, فجملة مثل " أينما تذهبْ أذهبْ " جملة تترتب من العام إلى الخاص والأصل فيها أذهبُ أينما تذهبُ "
ولكن تقديم أينما بالصدارة أَدى إلى تقديم ما يرتبط بها معنوياً فصارت الجملة هكذا: أينما تذهبْ أذهبْ.
فهذه الجملة فعلية ومثلها " متى تسافرْ أسافرْ " وأصلها: أسافرُ متى تسافرُ. " وهذه كلها فضلات وهي مقدمة من تأخير مثل قولنا محمداً أكرمتُ " و(غداً أسافرُ) و(بينكما أجلس) فكما أنه لا عبرة بالفضلات المتقدمة هنا وأن العبرة بصدر الجملة فكذلك الأمر في الشرط فهذه كلها جملٌ فعلية"(2 وذلك لأن المبني عليه ما زال محتاجاً إلى الأسماء المتقدمة. " ثم ما الفرق بينها وبين أسماء الاستفهام ؟ فلماذا يكون قولك (أيَّ رجل تكرم ؟) جملة فعلية باعتبار أي مفعولاً به مقدماً ولا يكون (أيَّ رجل تكرمْ أكرمْ) جملة فعلية أيضاً مع أن إعراب (أي) في الحالتين واحد؟(3)
أما إذا كان اسم الشرط طالباً وليس مطلوباً فالجملة عندها: اسمية, وهي كذلك ناتجة عن تدوير الرتبة, فجملة مثل " مَنْ يأْتِني أكرِمْهُ " أصلها: أكرمُ من يأتيني, ولكن تقدمت من بالصدارة وتبعها ما يرتبط بها فصارت مَن يأتني أُكرمْهُ وهي جملة اسمية لأن (من) مبتدأ وما بعدها هو الخبر " ثم إن هناك جملاًشبيهة بالشرطية نحو"الذي يأتيني فله الفضل" و "كل رجل يعنيني فأنا أَعنيه " وغيرها فهل تكون هذه الجمل جملاً خاصة أيضاً فلا تكون اسمية ولا فعلية ؟ (4
أما المبدوءة بحرف الشرط فهي في نحو (إن زرتني أكرمتك), جمل فعلية وفي نحو (لولا زيدٌ لغرق خالدٌ) اسمية جرياً على القاعدة العامة"( لأنه لا عبرة بالحرف على حد ما يقوله النحاة, ولكن لماذا لا تكون هذه الجمل خروجاً عن الأصل بالصدارة ولأن الأصل أن تتقدم الغاية على الوسيلة بالزمن كما يقول ابن القيم " اختلف الكوفيون والبصريون فيما إذا ), وكون الجملة اسمية أو فعلية يعتمد على ما إذا كان اسم الشرط طالباً أو مطلوباً, فجملة مثل " أينما تذهبْ أذهبْ " جملة تترتب من العام إلى الخاص والأصل فيها أذهبُ أينما تذهبُ "
ولكن تقديم أينما بالصدارة أَدى إلى تقديم ما يرتبط بها معنوياً فصارت الجملة هكذا: أينما تذهبْ أذهبْ.
فهذه الجملة فعلية ومثلها " متى تسافرْ أسافرْ " وأصلها: أسافرُ متى تسافرُ. " وهذه كلها فضلات وهي مقدمة من تأخير مثل قولنا محمداً أكرمتُ " و(غداً أسافرُ) و(بينكما أجلس) فكما أنه لا عبرة بالفضلات المتقدمة هنا وأن العبرة بصدر الجملة فكذلك الأمر في الشرط فهذه كلها جملٌ فعلية، وذلك لأن المبني عليه ما زال محتاجاً إلى الأسماء المتقدمة. " ثم ما الفرق بينها وبين أسماء الاستفهام ؟ فلماذا يكون قولك (أيَّ رجل تكرم ؟) جملة فعلية باعتبار أي مفعولاً به مقدماً ولا يكون (أيَّ رجل تكرمْ أكرمْ) جملة فعلية أيضاً مع أن إعراب (أي) في الحالتين واحد؟
أما إذا كان اسم الشرط طالباً وليس مطلوباً فالجملة عندها: اسمية, وهي كذلك ناتجة عن تدوير الرتبة, فجملة مثل " مَنْ يأْتِني أكرِمْهُ " أصلها: أكرمُ من يأتيني, ولكن تقدمت من بالصدارة وتبعها ما يرتبط بها فصارت مَن يأتني أُكرمْهُ وهي جملة اسمية لأن (من) مبتدأ وما بعدها هو الخبر " ثم إن هناك جملاًشبيهة بالشرطية نحو"الذي يأتيني فله الفضل" و "كل رجل يعنيني فأنا أَعنيه " وغيرها فهل تكون هذه الجمل جملاً خاصة أيضاً فلا تكون اسمية ولا فعلية ؟
أما المبدوءة بحرف الشرط فهي في نحو (إن زرتني أكرمتك), جمل فعلية وفي نحو (لولا زيدٌ لغرق خالدٌ) اسمية جرياً على القاعدة العامة"( لأنه لا عبرة بالحرف على حد ما يقوله النحاة, ولكن لماذا لا تكون هذه الجمل خروجاً عن الأصل بالصدارة ولأن الأصل أن تتقدم الغاية على الوسيلة بالزمن كما يقول ابن القيم " اختلف الكوفيون والبصريون فيما إذا
---------------------------------------------------

(1) فاضل السامرائي - الجملة العربية ،ص 161.
(2) المصدر نفسه ،ص 161
(3) المصدر نفسه ، ص 161
(4) المصدر نفسه ، ص 161
---------------------------------------------------

تقدم أداة الشرط جملة تصلح أن تكون جزاء ثم ذكر فعل الشرط ولم يُذكر له جزاء نحو" أقوم إن قُمت" فقال ابن السراج: الذي عندي أن الجواب محذوف يغني عنه الفعل المتقدم, قال: وإنما يستعمل هذا على وجهين: إما أن يضطر إليه شاعر, وإما أن يكون المتكلم به محققاً بغير شرط ولا نية فقال أجيئك ثم يبدو له أن لا يجيئه إلا بسبب فيقول إن جئتني فيشبه الاستثناء ويغني عن الجواب ما تقدم, وهذا قول البصريين وخالفهم أهل الكوفة وقالوا:
المتقدم هو الجزاء والكلام مرتبط به, وقولهم في ذلك فهو من هذا الوجه رتبته التقديم طبعاً ولهذا كثيراً ما يجيء الشرط متأخراً عن المشروط لأن المشروط هو المقصود وهو الغاية والشرط وسيلة فتقديم المشروط هو تقديم الغايات على وسائلها ورتبتها التقديم ذهناً (زمنا) وإن تقدمت الوسيلة وجوداً, فكل منهما له التقدم بوجه وتقدم الغاية أقوى فإذا وقعت في مرتبتها فأي حاجة إلى أن نقدرها متأخرة وإذا انكشف الصواب فالصواب أن تدور معه حيثما دار"(1) وعلى هذا فالجملة الشرطية في الأصل جملة فعلية, وهي جملة مركبة تنتج من العدول عن الأصل والمباني بعدها تترتب كذلك من الخاص إلى العام.

http://www.arabslink1.jeeran.com/z6.jpg
----------------------------------------------------
(1)ابن القيم - بدائع الفوائد ، ج1 ، ص 51-52 .
---------------------------------------------------
ومن الأدلة على أن أصل الجملة الشرطية جملةٌ فعلية " قول الشاعر النمر بن تولب (1 ):-
فإنَّ المنيَّةَ مَنْ يخشَها فسوفَ تُصادِفُهُ أَينما
يريد: أينما ذهب, وأينما كان"( 2) أي تصادفهُ المنيةُ أينما ذهب ويمكن تحويلها إلى جملة شرطية فنقول:
أينما ذهب تصادفْهُ المنية, فصارت جملة شرطية, وكذلك مَنْ يخش المنيةَ تصادفْه, اسمية أصلها تصادف المنيةُ مَنْ يخشاها, فعلية وتتحول (مَن) إلى مبني عليه لأنها ليست مطلوبة لما بعدها. فتتحول من (مبني) إلى (مبني عليه) وتصبح طالبة بعد أن كانت مطلوبة, فبعد أن كانت مفعولاً به صارت مبتدأ والمباني تترتب بعدها من الخاص إلى العام.
بينما لا تتحول أينما إلى (مبني عليه) بل تبقى مبنية لأنها ما زالت مطلوبة للفعل بَعدها " وعلى هذا نحن نقول:
إن دَرَست فأنت ناجحٌ, أنت إن درستَ ناجحٌ, أنت ناجحٌ إن درستَ.
فالجملة الأولى مبنية على الشرط ابتداءً, والثانية مبنية على اليقين, والشرط معترض, (أو مبنية على اليقين المشروط) والثالثة مبنية على اليقين, حتى إذا مضى الكلام على اليقين أدركك الشرط فاستأنفته في الكلام, فالنجاح في الجملة الأخيرة آكد, لأن الإخبار مضىعلى اليقين أما الشرط فمتأخر, ثم الثانية لأن الشرط اعترض الخبر, ثم الأولى, لأن ا لكلام فيها مبني على الشرط ابتداءً"( 3).
الجملة الظرفية: -
كما زاد ابن هشام الجملة الظرفية وهي المصدرة بظرف أو بجار ومجرور نحو(أعندك زيدٌ)و"في الدار زيدٌ", إذا قدرت (زيداً) فاعلاً بالظرف والجار والمجرور لا
----------------------------------------------------
( 1) إميل بديع يعقوب – المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية ،ج2 ، ص 835
( 2) الزجاجي - الجمل في النحو ، ص 274.
( 3) فاضل السامرائي - معاني النحو، ج4،ص 122.
------------------------------------------------
بالاستقرار المحذوف ولا مبتدأ مخبراً عنه بهما"( 1) وفي رأيي أن جملة كهذه هي عدول عن الأصل بالرتبة وهي تترتب من العام إلى الخاص هكذا
أعندك مستقرٌ زيدٌ
عام2 عام1 (مبني عليه)
والأصل أَزيد مستقرٌ عندك
وقد انتقل الظرف بالمنزلة ليتصل بهمزة الاستفهام ويتبعه ما هو أخص منه وهو الخبر المحذوف لدلالة الظرف عليه.
وكذلك في الدار جالس زيدٌ
عام2 عام1 مبني عليه (خاص)
والأصل فيها زيدٌ جالسٌ في الدار
مبتدأ (خاص) خبر ظرف
(مبني عليه) عام1 عام2
"والقول بالجملة الظرفية فيه نظر فيما يبدو لي, فإنه على ما ذهب إليه صاحب المغني, وهوأن الاسم المرفوع فاعلٌ بالظرف أو بالجار والمجرور في نحو (أعندك زيدٌ ؟) ويبدو لي أن هذا القول فيه نظر ذلك أن"زيداً"مبتدأ مؤخر لا فاعل بدليل أنه يصح أن تدخل عليه النواسخ فنقول: (أإن عندك زيداً ؟) ولو كان فاعلاً لم يصح دخول (إن) عليه ولا انتصابه.
وتقول: (أظننت عندك زيداً ؟) ولو كان فاعلاً لم ينتصب, وتقول: أكان عندك زيدٌ ؟) فزيد اسم كان لا فاعل, وإذا كان فاعلاً فأين اسم كان؟ وتقول: (أعندك كان زيدٌ؟) و(أعندي ظننتَ زيداً؟) فتدخل كان وظن عليه مباشرة, ومعلوم أنه لا يصح إدخالهما على الفاعل فبطل هذا القول "( 2).
---------------------------------------------------
( 1 ) ابن هشام – المغني, ص376.
( 2 ) فاضل السامرائي –الجملة العربية،ص 160.
---------------------------------------------------
الجملة الوصفية: -
كما أضاف تمام حسان(1 ) ومحمود نحلة( 2) الجملة الوصفية, وهي التي يكون فيها المبني عليه وصفاً, وفي رأيي أن الوصف يعمل عمل الفعل, وإن كان الوصف يدل على حدث وموصوف فيما الفعل يدل على حدث وزمن( 3), فالفرق بينهما فرق في المعنى وليس في العمل والوظيفة.

---------------------------------------------------

( 1 ) تمام حسان - اللغة العربية معناها ومبناها،ص98 .
( 2 ) محمود نحلة - نظام الجملة، ص 106.
( 3 ) تمام حسان - اللغة العربية معناها ومبناها،ص98 وما بعدها .

عزام محمد ذيب الشريدة
23-04-2005, 05:24 PM
والمثال الذي ذكره السيرافي " لو أن زيداً عندنا لأكرمناه " يؤكد أن البناء عملية تشمل اللغة بكاملها, فالطالب يحتاج إلىالمطلوب, والمطلوب ينبني على الطالب لأن بينهما علاقة معنوية تقوم على الاحتياج ولا يستغني أحدهما عن الآخر.
كما يذكر سيبويه ذلك في باب من أبواب"إنَّ" فيقول: "وتقول"لولا أنه منطلق انطلقت", فـ" أنَّ "مبنية على"لولا"كما تُبنى عليها الأسماء, وتقول "لولا أنه ذاهب لكان خيراً له", فأنَّ مبنية على "لولا"( 1) ويعلق السيرافي على ذلك فيقول:
يريد معقودة بـ "لولا" في المعنى الذي تقتضيه و"لولا" مقدمة عليه وليست عاملة فيه لأن الاسم بعد "لولا" يرتفع بالابتداء لا بـ"لولا", ولزومها للاسم بعدها بالمعنى الذي وضعت عليه كلزوم العامل للمعمول به فشبهت به, فَفتحِت (همزة)أنَّ ولم تُكسر لأنَّ إنَّ المكسورة إنما تدخل على مبتدأ مجرد لم يغيَّر معناه بحرف قبله, كما يقول السيرافي: لم يرد بقوله " فأنَّ مبنية على لو, أنها مبنية عليها بناء الشيء على ما يحدثُ فيه معنى ولم يغيَّر لفظه, فَفَتْحُ(همزة) "أن" بعد "لو" كفتحها بعد "لولا "( 2) "وقد استعمل سيبوية لفظ البناء في الشيء الذي ليس بعاملٍ فيما يبنى عليه, كما قال: أنَّ مبنية على لولا, وإنما ذلك على جهة تقدمها وحاجة ما بعدها إليها"(3 ).
فالألفاظ تترتب بحسب قوة العلاقة المعنوية القائمة بينها, أو أنها تتعلق كما يقول الجرجاني ويأخذ بعضها بحجز بعض وتتحد أجزاء الكلام, ويدخل بعضها في بعض ويشتد ارتباط ثانٍ منها بأول(4, بسبب التناغم الدلالي القائم بينها والمبني على قوة العلاقة المعنوية, وفي المثال المذكور, أنَّ تتعلق معنوياً "بلو"وزيداً متعلق بأنَّ وعندنا تتعلق بأنَّ ولأكرمناه" مبنية على لو لأنها جواب الشرط.
وهكذا تتعلق الألفاظ أو المباني بعضها ببعض بحسب قوة العلاقة المعنوية القائمة على أساس الرتبة. " واللغة عند الجرجاني, وكذلك عند سيبويه والسيرافي, نظام لا يقوم إلاّ على ترابط الألفاظ كعناصر في هذا النظام وفقاً لدلالاتها, وتناسقها على الوجه الذي يقتضيه العقل, وتعلُّق بعض الكلم ببعض وبناء بعضه على بعض, لأن الاعتبار عنده
--------------------------------------------------
- سيببويه - الكتاب ،ج3، ص 120-121.
2- المصدر نفسه ، ص 120-121 والهامش .
3- الأعلم الشنتمري ، النكت في كتاب سيبويه ، ج2،ص776.
4- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز ،ص93 .
---------------------------------------------------
بمعرفة مدلول العبارة لا العبارات نفسها"(1 ). والأساس الذي تترتب عليه المباني هو الرتبة, مما يؤدي إلى وجود النظام اللغوي وخير دليل على قوة هذا النظام الرتبة المحفوظة, التي لا تتغير رغم العدول.
وقد جاءت نظرية النظم للجرجاني بعدما ابتعدت الدراسات النحوية عن الجذور وصارت فلسفية "وهي رؤية شمولية لموضوعات النحو العربي, لا بوصفه أبواباً وفصولاً, بل بوصفه نظاماً من العلاقات هو ذاته نظام العربية كلغة, كنص, كخطاب"(2 ), " لأن النحو العربي كما نقرأه في مرجعه الأول "الكتاب", ليس مجرد قواعد لتعليم النطق السليم والكتابة الصحيحة باللغة العربية, بل هو أكثر من ذلك "قوانين للفكر داخل هذه اللغة, وبعبارة بعض النحاة القدماء "النحو منطق العربية"( 3). والذي يبدو لي أن نظرية النظم ما هي إلاّ امتداد للبناء لأنه " لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض, ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك, هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفي على أحد من الناس.
وإذا كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء, وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله؟
وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل أو مفعولاً, أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر, أو تتبع الاسم اسماً على أن يكون الثاني صفة للأول أو تأكيداً له أو بدلاً منه, أو تجيء باسم بعد كلامك على أن يكون صفة أو حالاً أو تمييزاً, أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى, أن يصير نفياً أو استفهاماً أو تمنياً, فتدخل عليه الحروف الموضوعةَ لذلك, أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطاً في الآخر, فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى, أو بعد اسم من الأسماء التي ضمَّنت معنى ذلك الحرف, وعلى هذا القياس, وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلاّ بأن يصنع بها هذا الصنيع ونحوه وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء, ومما
----------------------------------------------------
1- فارس عيسى - المعنى اللغوي وعناصر تحديده ،مجلة البلقاء ، م ج1، ع2 ، أيار ،1992،جامعة عمان الأهلية .
2- محمد عابد الجابري - بنية العقل العربي،ص84 .
3- المصدر نفسه،ص 44 .
---------------------------------------------------
----------------------------------------------------
لا يتصور أن يكون فيه ومِنْ صفته, بان بذلك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس(1 ) وترتيبها يخضع لضابط الرتبة. فالنظم ما هو إلا تعليق الكلم بعضه ببعض, بحسب ترتيب المعاني في النفس الإنسانية, بل إن النظم ما هو إلا تنفيذ للقوانين النحوية وللمعاني النحوية.
"واعلم أن ليس النظم إلاّ أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله. "فلست بواجدٍ شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً, وخطؤه إن كان خطأ, إلى النظم ويدخل تحت هذا الاسم, إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه, ووضع في حقه أو عومل بخلاف هذه المعاملة, فأزيل عن موضعه, واستعمل في غير ما ينبغي له. فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده, أو وصف بمزية وفضل فيه, إلاّ وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه "(2 )."إن عبدالقاهر الجرجاني يتحدث عن سلطة ليست وجوداً حسياً في العالم لكن وجودها لا يقل عن وجود قوانين الحركة في ذلك العالم إنها سلطة النحو وهكذا يربط عبد القاهر بين النحو والنظم باعتبار الأول السلطة التي تحدد صحة الثاني أو عدم صحته"(3 ), أو بالأحرى أن نقول:إن الرتبة هي التي تحدد صحة النظم, أو ضعفه, أو فساده, لأن النظم يقوم على الرتبة, ولأن إصابة الموضع, أو عدم إصابته تحدده الرتبة أو قوة العلاقة المعنوية بين الألفاظ, التي تجعل الألفاظ تنسابُ بسلاسة.
ثانيا:أصل ترتيب الجملة العربية
حدد النحاة أصل ترتيب الجملة العربية بواسطة أصل الاستصحاب, وهو أصل من أصول النحو العربي, يقوم على ملاحظة الشواهد اللغوية وصولاً إلى التجريد, " وقد كان الاهتمام بالبنية الأساسية منطلقاً لتناول الظاهرة اللغوية فهي نموذج أو معيار يحاول الكلام الحي تنفيذه, والنموذج التجريدي أساس للنموذج الحي, ولذلك حاسبوا الكلام المنطوق بمقياس النموذج التجريدي "( 4). " لأنه من غير المعقول أن تتعدد النماذج بتعدد الجمل
----------------------------------------------------
1- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز ، ص 55-56 .
2- المصدر نفسه ،ص 81 ، 82 ، 83.
3- عبد العزيز حمودة - المرايا المقعرة ، ص 239 .
4- محمد حماسة - بناء الجملة العربية, ص 11.
----------------------------------------------------
المتكررة المتعددة, فهذا ضرب من الفوضى التي لا ضابط لها, وإنما تُحصَّل اللغات وتدرك عن طريق النماذج الأساسية التي تحكم أَبنيتها الكثيرة المتنوعة المتكررة"( 1). " فإذا أمكن تحديد النظام اللغوي معياراً للغة التي هي مجال الدراسة فإن ظواهر الاستعمال اللغوي, أي ظواهر الأداء أو الكلام تقابل في هذه الحالة بمستويات النظام اللغوي المخزون في الذهن"(2 ).
وعلى هذا فاللغة قانون تجريدي واستعمال, وقد يكون الاستعمال مطابقاً للنظام أو لا يكون, وهو ما يسمى العدول عن الأصل, وهذا شبيه بما يسمى باللغة والكلام, فاللغة قانون مخزون في ذهن الجماعة, والكلام هو النشاط اللغوي المحسوس إِما أن يطابق الأصل وإما أن يخرج عنه.
أولا:أصل ترتيب الجملة الفعلية: -
استقر تقسيم الجملة العربية عند جمهور النحاة إلى قسمين: الجملة الفعلية والجملة الاسمية, أما أصل ترتيب الجملة الفعلية فهو كما قال السيرافي: قال سيبويه: فإذا بنيت الاسم على الفعل قلت ضربتُ زيداً وهو الحد, كما كان الحد ضرب زيدٌ عمراً, يعني تأخير المفعول هو الأصل والوجه, ويعني أن الحد تأخير زيد مع الفاعل المكني وهو التاء, كما كان الحد تأخير المفعول مع الفاعل الظاهر"( 3) فأصل ترتيب الجملة الفعلية هو أن يتقدم الفعل المبني عليه يليه الفاعل ثم المفعول, بغض النظر عما إذا كان الفاعل ظاهراً أو مضمراً.
وقد قال ابن مالك:
"والأصلُ في الفاعلِ أن يتَّصلا والأصلُ في المفعول أن يَنْفَصِلا
وقــد يجـاءُ بخـــلافِ الأصـل وقد يجيءُ المفعولُ قبلَ الفِعْلِ"( 4)
---------------------------------------------
)) المصدر نفسه, ص 12.
)) ممدوح الرمالي - العربية والوظائف النحوية, ص 97.
)) السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، المخطوط، ج1،ص 190 .
)) ابن الناظم - شرح ابن الناظم على على ألفية ابن مالك ، ص 164.
----------------------------------------------------


كما أن الرضي يرتب الضمائر المتصلة بالفعل من المتكلم إلى المخاطب إلى الغائب فيقول: وضع المتكلم أولاً ثم المخاطب ثم الغائب"(1 ) أما ابن عقيل فيقول: ضمير المتكلم أخص من ضمير المخاطب وضمير المخاطب أخص من ضمير الغائب"(2 ) .
فهذه الضمائر تترتب برتبة المعنى, والأقرب يتقدم على الأبعد, " فإذا جئت بالمتصل بعد الفعل فحق هذا الباب أن تبدأ بالأقرب قبل الأبعد وأعني بالأقرب المتكلم قبل المخاطب والمخاطب قبل الغائب"( 3) كما قالت امرأةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني نسجتُ هذه بيدي لأكسُوَكهَا( 4). فالفعل أقرب إلى فاعله من المفعول به وأقرب من النفس منه إلى الغير, والفعل أخص بفاعله من المفعول, وهكذا تترتب الكلمات من الأخص إلى غير الأخص وذلك لأن الفعل صادر من الفاعل, فهناك علاقة معنوية وثيقة بين الفعل والفاعل وهي أشد من العلاقة بين الفعل والمفعول.
وتعليل هذا الترتيب " أنك تريد أن تعمل الفعل وتجعله صدر الكلام في النيّة وتعمله في الاسم وتحمل الاسم عليه"( 5) فعلة تقدم الفعل أنه متقدم في النفس, أو تقدم معناه في النفس, ولذلك تقدم الفعل في اللفظ وهذا الفعل العامل بحاجة إلى معمول يعمل فيه وهو الفاعل الذي صدر عنه الفعل, ثم بعد ذلك تُوصِل الفعل إلى المفعول الذي وقع الفعل عليه.
وقد اتصل الفعل بفاعله لأن الفعل لا بُدَّ له من فاعل ولكنه قد يستغني عن المفعول, فحاجة الفعل إلى فاعله أشد من حاجته إلى المفعول.
وبعد فالذي يبدو لي أن اللغة وجدت من أجل التفاهم والإفادة, والعربي يقدم في كلامه ما هو أهم, ومن هنا تقدم الفاعل على المفعول, لأن كثافة المعلومات التي يحملها الفاعل أهم مما يحمله المفعول, فاهتمام المتكلم والمخاطب بالفاعل أشد من اهتمامهما بالمفعول, لأن الفاعل يقدم لهما أكبر كمية من المعلومات المفيدة, ولذلك قال النحاة: إن الفاعل متى ما حذف تقدم المفعول, فهو يأتي في المرتبة الثانية بعد الفاعل في سد حاجة المخاطب من
----------------------------------------------------
1- الرضي - شرح الكافية ، ج2،ص 412.
2-ابن عقيل - شرح ابن عقيل ، ج1، ص 103.
3- ابن السراج - الأصول في النحو ، ج 2،ص 120.
4- خديجة الحديثي-موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث، ص249.
5- السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، المخطوط ، ص 191
----------------------------------------------------
المعرفة, " وربما كان هذا الترابط بين الفعل والفاعل هو الذي دفع النحاة إلى القول بأنه لا بد لكل فعل من فاعل مذكور أو مقدر وهو الذي يدفع المحلل أو المعرب لأن يبحث عن فاعل لمجرد ذكر كلمة (فعل), لأن الفعل بحاجة دائماً إلى فاعل ليتَّحِد معه ويلازمه ليستقيم معناه, والفاعل بحاجة إلى ما يُسندُ إليه" .
وتترتب المفاعيل في الجملة الفعلية بناءً على رتبة الفعل (المبني عليه)(موقعه) حيث تتقدم المفاعيل نحوه بالرتبة (المنزلة) و ذلك بحسب قوة العلاقة المعنوية بين المبني عليه والمفعول, وهذا الموضوع وإن كان من الأمورالمختلف عليها بين النحاة إلاّ أنهم متفقون على أن المؤثر في عملية الترتيب هي رتبة (موقع) المبني عليه.وقد رتبها تمام حسان على النحو التالي:
" فعل + فاعل + مفعول به + مفعول معه + مفعول مطلق + ظرف زمان + مكان + مفعول له ضربت زيداً وطلوعَ الشمسِ ضرباً شديداً يومَ الجمعةِ في دارِهِ تأديباً له "( 1).
ولعل ترتيب الدكتور تمام حسان هو الأقرب إلى الصواب, فالفعل يتقدم بكونه المبني عليه الذي يتركب عليه الكلام, والفاعل يتقدم على المفعول لأنه لا بد للفعل من فاعل ولا يستغني عنه, فحاجة الفعل للفاعل أشد من حاجته للمفعول " كما أن الفعل حركة الفاعل والحركة لا تنفك عن محلها"(2 ). فالفاعل أقرب إلى الفعل من غيره لأنه صادر عنه, كما أن الفاعل هو المخبر عنه وهو أولى من غيره بهذا الخبر, ولهذا عندما يذكر الفعل يتبادر إلى الأذهان أولاً معرفة الفاعل لأن الفعل مرتبط بفاعل يقوم به. كما أن كثافة المعلومات التي ينقلها لفظ الفاعل أكثر من غيره, فذكره مفيد للمخاطب. ودلالة الفعل عليه قوية جداً ولذلك تقدم على المفاعيل, وقد يكون الفعل بلا مفاعيل.
وتقديم المفعول به" لأن طلب الفعل الرافع للفاعل له أشد من طلبه لغيره, والفعل يحتاج إلى محل يقع فيه"(3 ).
----------------------------------------------------
1- تمام حسان - البيان في روائع القرآن ، ص 378.
2- السهيلي - نتائج الفكر ، ص 67.
3- الرضي - شرح الكافية ، ج1، ص 219.
----------------------------------------------------
ولأنه متعلِّق بأحكام المرفوعات من جهة رفعه إذا ناب عن الفاعل, ومن جهة حصول الفائدة به كحصولها بالفاعل على الجملة, ومن أجل أن الفعل يقتضيه بمعناه كما يقتضي الفاعل"( 1). فإذا قلنا: ضرب زيدٌ فأول ما يتبادَرُ إلى ذهن المخاطب السؤال عن المفعول به فالفعل يصدر من الفاعل ثم يقع على المفعول. فالفعل بعد الفاعل يحتاج إلى المفعول ودلالته عليه قوية وذكره أهم وأكثر إفادة من غيره.
وتقديم المفعول معه, لأنه الفاعل أو المفعول من جهة المعنى, وفيه مراعاة لأصل الواو. فعندما نقول جاء زيد وطلوع الشمس. فطلوع الشمس فاعل من جهة المعنى وهو مصاحب لفعل المجيء يقول ابن هشام " لبعض المفاعيل الأصالة في التقديم على بعض إما بكونه مبتدأ في الأصل أو فاعلاً في المعنى أو مسرَّحاً لفظاً أوتقديراً والآخر مقي
( 2) لأن علقة ما لا يحتاج إلى واسطة أقوى من علقة ما يحتاج إليها"( 3).
وتأخيره للمصدر عن المفعول به عين الصواب, فصحيح أن الفعل له دلالة قوية على المصدر, إلاّ أنه يجب أن لا ننسى أن ذكره غير مفيد أو أن حاجة الفعل إليه ليست قوية فتأخيره أفضل من تقديمه "وذلك لأن ذكر الفعل مغنٍ عنه ( 4).
وتقديمه للمصدر على الظرف, لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالته على الظرف, " ولأن الفعل ينصب المصدر وظرف الزمان وظرف المكان, ونصبه للمصدر أقوى من نصبه للظرفين. لأن الفعل إنما ينصبُ ظرف الزمان بالحمل على المصدر, وكان الأصل أن يتعدى إليه بحرف جر, وأما ظرف المكان فانتصب على ظرف الزمان, وكان الأصل أن يصل إليه الفعل بحرف جر, ونصب المكان في الرتبة الثالثة وكل ما هو في الدرجة الثالثة لا تجده إلا مخصوصاً"( 5) . وتقديمه للظرف " لأنه لا بد للفعل من زمان ومكان يكون فيهما"( 6), ولأن الفعل إنما اختلفت أَبنيته للزمان, وهو مضارع له من أجل أن

---------------------------------------------------
1- الشاطبي - المقاصد الشافية ،ج1،ص212 .
2- ابن هشام - أوضح المسالك ، ج 2 ، ص 183-184.
3- ابن مالك - شرح التسهيل ، ج 2، ص 83.
4- السهيلي - نتائج الفكر ، ص 387.
5-ابن أبي الربيع - البسيط في شرح جمل الزجاجي، ج1،ص 507.
6- ابن عصفور - شرح جمل الزجاجي ،ج1،ص324 .
----------------------------------------------------
الزمن حركة الفلك, والفعل حركة الفاعلين"( 1) , واحتياج الفعل إلى الزمان والمكان ضروري"(2 ), "كما أن الدلالة على الزمان وقعت عليه من لفظ الفعل"(3 ).وتقديمه للزمان على المكان "لأن دلالة الفعل على الزمان أقوى من دلالته على المكان ولذلك قد يحتاج الفعل إلى حرف جر يصل به إلى المكان ولكنه يصل إلى الزمان بدون حرف"( 4).
أما تأخيره للمفعول له " فلأن الفعل قد يكون بلا علة, فقد يكون فاعل الفعل ساهياً أو مجنوناً, فلا يقع فعله لسبب, فلا يكون للفعل إذ ذاك مفعول من أجله"( 5) "ورب فعلٍ بلا علةٍ"(6 ) كما أن الفعل في الأصل يصل إليه بحرف جر لضعف العلاقة بينهما.
ويتضح من ترتيب المفاعيل أن المباني تتقدم بالرتبة (المنزلة) من الخاص إلى العام أو من القريب إلى البعيد.
وقد قال تعالى: " لقد صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرؤيا بالحقِ"(الفتح27)"فهنا جرى التعبير على الأصل ولم يقدم شيء على شيء"(7 ) حيث تقدم الفاعل فالمفعول الأول فالثاني فالجار والمجرور وذلك بسبب قوة العلاقة المعنوية, كما قال تعالى: " وَنَحْشُرُهُم يومَ القِيامَة على وجُوهِهِم عُميا وبُكما وصُما " (الاسراء 97) تقدم الفاعل على المفعول فالزمان فالمكان فالحال. " ولكنه (الفاعل) يرتبط بفعله حتى إنهما لَيُعَدان كالكلمة الواحدة, ثم ترتبط بقية كلمات الجملة بهما ارتباط الدوائر بالبؤرة "(8 ).
" فكل كلمة ترتبط بالبؤرة فيها والتي هي الفعل بسبب وعلاقة معينة وبذا يتحقق النظم في الجملة"( 9).
---------------------------------------------------
1- الزجاجي - الجمل ، ص 32.
2- الرضي - شرح الكافية ،ج1، ص296.
3- عبدالقاهر الجرجاني - المقتصد في شرح الإيضاح ،ج2 ، ص 628-629.
4- سيبويه - الكتاب ،ج1، ص 35 .
5- ابن عصفور - شرح جمل الزجاجي ، ج1، ص 324.
6- الرضي - شرح الكافية ، ج1،ص 295.
7- فاضل السامرائي - الجملة العربية ،ص 38 .
8- خليل عمايرة - في نحو اللغة العربية وتراكيبها ، ص 190 .
9- المصدر نفسه ، ص 100.
----------------------------------------------------
فليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض"( 1) . " فلا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك"( 2). وتتم عملية التعليق بناءً على المنزلة, " واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعة من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة وذلك أَنك إذا قلت ضرب زيدٌ عمراً يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له, فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم على مفهوم واحد لا عدة معانٍ كما يتوهمه الناس, وذلك لأنك لم تأتِ بهذه الكلم لتفيد أنفسَ معانيها وإنما جئت بها لتفيد وجوه التعليق التي بين الفعل الذي هو ضرب وبين ما عمل فيه والأحكام التي هي محصول التعلق وإذا كان الأمر كذلك فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من (عمرو) وكون يوم الجمعة زمانا للضرب وكون الضرب ضرباً شديداً وكون التأديب علة للضرب, أيتصور فيها أن تفرد عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة, وهو إسناد الضرب إلى زيد وإثبات الضرب به له حتى يعُقل كون عمرو مفعولاً به وكون يوم الجمعة مفعولاً فيه وكون يوم الجمعة مصدراً, وكون التأديب مفعولاً له من غير أن يخطر ببالك كون زيد فاعلاً للضرب ؟ وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتُصور لأن عمراً مفعول لضرب وقع من زيد عليه ويوم الجمعة زمان لضرب وقع من زيد, وضرباً شديداً بيان الضرب كيف هو وما صفته, والتأديب علة له وبيان أنه كان الغرض منه, وإذا كان ذلك كذلك بان منه وثبت أن المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدة معانٍ, وهو إثباتك زيداً فاعلاً ضرباً لعمرو في وقت كذا وعلى صفة كذا ولغرض كذا ولهذا المعنى نقول: إنه كلام واحد"(3 ).
ثانيا:أصل ترتيب الجملة الاسمية: -
يقول السيرافي"قال سيبويه: فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: زيدٌ ضربته فلزمته الهاء, يعني أنك إذا جعلت زيداً هو الأول في الرتبة, فلا بد من أن ترفعه بالابتداء, فإذا
----------------------------------------------------
1- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز ، ص 87 ، 55.
2- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الاعجاز، ص 55.
3- عبد القاهر الجرجاني - دلائل الإعجاز ، ص 412، 413.
----------------------------------------------------
رفعته بالابتداء فلا بد من أن يكون في الجملة التي بعده ضمير يعود إليه وتكون هذه الجملة مبينة على المبتدأ كأنك قلت زيد مضروب"(1 ).

أصل ترتيب الجملة الاسمية







ويتابع السيرافي كلامه مستخدماً أدوات العطف التي تدل على الترتيب وتفيد كيفية حدوث الجملة الاسمية خطوة خطوة " قال: فإنما قلت عبدالله فنبهته له ثم بنيت عليه فرفعته بالابتداء, يعني ابتدأت بعبد الله فنبهت المخاطب له فانتظر الخبر فأخبرت بالجملة التي بعده " (2).
"وهذا الذي قد ذكرتُ من أن تقديم ذكر المحدَّث عنه يفيد التنبيه له, قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قُدِّمَ فَرُفع بالابتداء وبني الفعل الناصبُ لَهُ عليه, وعُدِّي إلى ضميره فشُغِلَ به كقولنا في " ضربتُ عبدالله ":
" عبدُ الله ضربُتهُ", فقال: وإنما قلت: عبدُ الله, فنبهتَهُ له ثم بنيت عليه الفعل, ورفعته بالابتداء.
وذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نُويَ إسناده إليه, وجملة الأمر أن ليس إعلامك الشيء بغته غفلاً مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له,
---------------------------------------------------
1- السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، ج1،ص191 .
(2) السيرافي - شرح كتاب سيبويه ،ج1،ص191 .
----------------------------------------------------
لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام, ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له, أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار أو شك …., ويزيدك بياناً أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه ولكن يُؤتى به غير مبني على اسم"(1). فالجملة الاسمية تتكون بخطوتين الخطوة الأولى:
الابتداء بالمبتدأ لتنبيه المخاطب له والخطوة الثانية: الإخبار بما ينتظره المخاطب, وهذا يعني أيضاً أن المبتدأ معروف للمخاطب وإنما الذي يجهله هو الخبر فالمعرفة في المقدمة والمجهول في النهاية وهو محل الفائدة.
ويتابع السيرافي حديثه عن بناء الفعل على الاسم, ذاكراً شرط ذلك فيقول:
"قال وإنما حسن أن يبنى الفعل على الاسم حيث كان معملاً في ضميره, يعني أن ضربته إنما بني على زيد لأنه قد عمل في ضميره, ولولا ذلك لم يحسن... (2). فشرط بناء الفعل على الاسم, أن ينشغل الفعل بضمير الاسم المتقدم, حتى يخرج من طلب الفعل له, فإذا لم ينشغل الفعل بالضمير وجب أن تنصب الاسم المتقدم لأن الجملة تكون عندها جملة فعلية وليست اسمية والفعل محتاج للمفعول به, ويجوز رفعه على ضعف وذلك على نية وجود الهاء, ويجوز نصبه وهو منشغل بالضمير وذلك على تقدير فعل سابق عليه محذوف يفسره الفعل المذكور بعده لأن المفسَّر والمفسر لا يجتمعان "ولا يتعدى الفعل إلى ضمير اسم وإلى ظاهره جميعاً. ولهذا وجب في "زيداً ضربته" تقدير عامل على الأصح"(3).
وكما تَرَتبت المباني في الجملة الفعلية بالرتبة (المنزلة) من الخاص إلى العام, فكذلك تترتب المباني في الجملة الاسمية.
وعلى هذا فالجملة الاسمية تترتب مبانيها بالرتبة من الأهم إلى الأقل أهمية ومن الخاص إلى العام وعلة هذا الترتيب أن المبتدأ هو المبني عليه ورتبه المبني عليه قبل رتبة المبني والمبتدأ هو المحتاج ورتبة المحتاج قبل رتبة المحتاج إليه أو المطلوب, بالإضافة
--------------------------------------------------
(1) عبد القاهر الجرجاني - دلائل الإعجاز ، ص 131-135.
(2) المصدر نفسه ، ص 131-135وانظر سيبويه في هذا الباب،ج1،ص80، والأبواب التي بعده حيث يؤكد على ترتيب الجملة الاسمية + الشاطبي ، المقاصد الشافية،ج1،ص105.
(3)ابن هشام - رسالة في توجيه النصب ، ص20 .
---------------------------------------------------
إلى أن المبتدأ معرفة والخبر قد يكون نكرة فتقدمت المعرفة على النكرة " فلا يخبر عن مجهول والإخبار عما لا يعرف لا فائدة منه"(1), وقد قال ابن مالك:
"والأصلُ في الأخبارِ أن تُؤَخَّرا وَجَوَّزُوا التقديمَ إذْ لا ضَرَرا " (2)
وبناءً على كل ما تقدم فيبدو لي أن أصل ترتيب الجملة العربية هو:



المباني تترتب في هذه الجملة من الخاص إلى العام
والرتبة بين هذه الاركان رتبة غير محفوظة ما عدا رتبة الفاعل مع الفعل فهي رتبة محفوظة " فالفاعل لا يتقدم على فعله إلا على شرط الابتداء "
"فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل تقدم على فعله وجب تقدير الفاعل ضميراً مستتراً وكون المقدم مبتدأ في "نحو زيد قام", وإما فاعلاً محذوف الفعل في نحو " وإن أحد من المشركين استجارك"(3) (التوبة 6) لأن أداة الشرط مختصة بالجملة الفعلية, كما يرى جمهور النحاة.
وهذا ما يتأكد من حديث السيرافي عن التقديم والتأخير لعناصر الجملة الفعلية, يقول السيرافي: وإن قدمت الاسم فهو عربي جيد, كما كان ذلك عربياً جيداً, وذلك قولك زيداً ضربتُ, يعني "زيداً ضربت" بمنزلة زيداً ضرب عمرو ولا فرق بين الفاعل الظاهر والمكني " قال والعناية هنا في التقديم والتأخير سواء, مثله في ضرب زيدٌ عمراً, وضرب عمراً زيدٌ, يعني أن المكني والظاهر الفاعلين سواء في تقديم المفعول وتأخيره فإن كانت العناية بالمفعول فيهما أشد قدمت المفعول وإن كانت العناية بالفاعل أشد قدمت الفاعل" (4
--------------------------------------------------
(1) ابن الأنباري - أسرار العربية ، ص80.
(2) ابن الناظم - شرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك ،ص81 .
(3) ابن هشام - أوضح المسالك ، ج 2، ص 85.
(4) السيرافي - شرح كتاب سيبويه ، ج1، ص191 .
---------------------------------------------------
فالفاعل والمفعول يتقدمان بالرتبة (المنزلة) أصلاً وعدولاً.
وعلى هذا فالرتبة بين عناصر الجملة الفعلية هي رتبة غير محفوظة, ما عدا الرتبة بين الفعل والفاعل فهي رتبة محفوظة, والمفعول يستطيع الحركة إلى يمين الفاعل أو إلى يمين الفعل والفاعل, وهذا المفعول يبقى محافظاً على وظيفته النحوية السابقة رغم تقدمه, لأن الفعل محتاجٌ إليه وهو مبني على الفعل على الرغم من تقدمه. أما الفاعل فرتبته ثابتة محفوظة.
"فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل مقدم وجب تقدير الفاعل ضميراً مستتراً وكون المتقدم إما مبتدأ أو فاعلاً لفعل محذوف"(1). وسبب وجود هذا الضمير, أن الفعل محتاجٌ للفاعل ولا ينفصل عنه, كما أن الاسم المتقدم هو المبتدأ والكلام مبني عليه, وهذا المبتدأ بحاجة إلى الخبر فإن لم تقدر ضميراً بعد الفعل, فإن ما بعده أي(ما بعد المبتدأ)لا يشكل جملة تكون خبراً عنه إلا بوجود الضمير العائد, كما أن الضمير إن لم يكن موجوداً فإن الصلة بين الاسم المتقدم (المبتدأ) وخبره ستكون معدومة, فالضمير رابط يربط بين المبتدأ وخبره, وذلك لأن الخبر ليس هو الأول في المعنى.
وسبب التقديم والتأخير هو العناية والاهتمام, وتقديم المفعول يكسبه أهمية عند المتكلم والمخاطب ولكنه لا يكتسب الأهمية من ناحيه نحوية فيظل مبنياً رغم تقدمه لأن الفعل محتاج إليه. والجملة الاسمية, كذلك, الرتبة بين أركانها في الأصل غير محفوظة. إلاّ أن الرتبة في الجملة العربية قد تكون واجبة الحفظ كما هي في الأصل وقد يحدث ما يدعو إلى الخروج عن أصل الرتبة جوازاً ووجوباً, والأصل والخروج عنه يتم وفق ضوابط معينة تتحكم في ترتيب الجملة العربية.
الجملة الشرطية: -
" وزاد الزمخشري وغيره الجملة الشرطية, وذلك نحو: بكرٌ إن تعطه يشكرْك " وهي عند الجمهور فعلية, وذلك لأن الجمل الشرطية تكون إما مصدرة بحرف شرط أو اسم شرط, واسم الشرط فضلة أو عمدة "(2) . وفي رأيي أن جملة الشرط فيها خروج عن
---------------------------------------------------
(1) ابن هشام ، أوضح المسالك ، ج 2، ص 85.
(2) ابن يعيش – شرح المفصل ، ج1 ، ص 88 ، وكذلك فاضل السامرائي - الجملة العربية ، ص160.
----------------------------------------------------

الأصل بالصدارة (1, وكون الجملة اسمية أو فعلية يعتمد على ما إذا كان اسم الشرط طالباً أو مطلوباً, فجملة مثل " أينما تذهبْ أذهبْ " جملة تترتب من العام إلى الخاص والأصل فيها أذهبُ أينما تذهبُ "
ولكن تقديم أينما بالصدارة أَدى إلى تقديم ما يرتبط بها معنوياً فصارت الجملة هكذا: أينما تذهبْ أذهبْ.
فهذه الجملة فعلية ومثلها " متى تسافرْ أسافرْ " وأصلها: أسافرُ متى تسافرُ. " وهذه كلها فضلات وهي مقدمة من تأخير مثل قولنا محمداً أكرمتُ " و(غداً أسافرُ) و(بينكما أجلس) فكما أنه لا عبرة بالفضلات المتقدمة هنا وأن العبرة بصدر الجملة فكذلك الأمر في الشرط فهذه كلها جملٌ فعلية"(2 وذلك لأن المبني عليه ما زال محتاجاً إلى الأسماء المتقدمة. " ثم ما الفرق بينها وبين أسماء الاستفهام ؟ فلماذا يكون قولك (أيَّ رجل تكرم ؟) جملة فعلية باعتبار أي مفعولاً به مقدماً ولا يكون (أيَّ رجل تكرمْ أكرمْ) جملة فعلية أيضاً مع أن إعراب (أي) في الحالتين واحد؟(3)
أما إذا كان اسم الشرط طالباً وليس مطلوباً فالجملة عندها: اسمية, وهي كذلك ناتجة عن تدوير الرتبة, فجملة مثل " مَنْ يأْتِني أكرِمْهُ " أصلها: أكرمُ من يأتيني, ولكن تقدمت من بالصدارة وتبعها ما يرتبط بها فصارت مَن يأتني أُكرمْهُ وهي جملة اسمية لأن (من) مبتدأ وما بعدها هو الخبر " ثم إن هناك جملاًشبيهة بالشرطية نحو"الذي يأتيني فله الفضل" و "كل رجل يعنيني فأنا أَعنيه " وغيرها فهل تكون هذه الجمل جملاً خاصة أيضاً فلا تكون اسمية ولا فعلية ؟ (4
أما المبدوءة بحرف الشرط فهي في نحو (إن زرتني أكرمتك), جمل فعلية وفي نحو (لولا زيدٌ لغرق خالدٌ) اسمية جرياً على القاعدة العامة"( لأنه لا عبرة بالحرف على حد ما يقوله النحاة, ولكن لماذا لا تكون هذه الجمل خروجاً عن الأصل بالصدارة ولأن الأصل أن تتقدم الغاية على الوسيلة بالزمن كما يقول ابن القيم " اختلف الكوفيون والبصريون فيما إذا ), وكون الجملة اسمية أو فعلية يعتمد على ما إذا كان اسم الشرط طالباً أو مطلوباً, فجملة مثل " أينما تذهبْ أذهبْ " جملة تترتب من العام إلى الخاص والأصل فيها أذهبُ أينما تذهبُ "
ولكن تقديم أينما بالصدارة أَدى إلى تقديم ما يرتبط بها معنوياً فصارت الجملة هكذا: أينما تذهبْ أذهبْ.
فهذه الجملة فعلية ومثلها " متى تسافرْ أسافرْ " وأصلها: أسافرُ متى تسافرُ. " وهذه كلها فضلات وهي مقدمة من تأخير مثل قولنا محمداً أكرمتُ " و(غداً أسافرُ) و(بينكما أجلس) فكما أنه لا عبرة بالفضلات المتقدمة هنا وأن العبرة بصدر الجملة فكذلك الأمر في الشرط فهذه كلها جملٌ فعلية، وذلك لأن المبني عليه ما زال محتاجاً إلى الأسماء المتقدمة. " ثم ما الفرق بينها وبين أسماء الاستفهام ؟ فلماذا يكون قولك (أيَّ رجل تكرم ؟) جملة فعلية باعتبار أي مفعولاً به مقدماً ولا يكون (أيَّ رجل تكرمْ أكرمْ) جملة فعلية أيضاً مع أن إعراب (أي) في الحالتين واحد؟
أما إذا كان اسم الشرط طالباً وليس مطلوباً فالجملة عندها: اسمية, وهي كذلك ناتجة عن تدوير الرتبة, فجملة مثل " مَنْ يأْتِني أكرِمْهُ " أصلها: أكرمُ من يأتيني, ولكن تقدمت من بالصدارة وتبعها ما يرتبط بها فصارت مَن يأتني أُكرمْهُ وهي جملة اسمية لأن (من) مبتدأ وما بعدها هو الخبر " ثم إن هناك جملاًشبيهة بالشرطية نحو"الذي يأتيني فله الفضل" و "كل رجل يعنيني فأنا أَعنيه " وغيرها فهل تكون هذه الجمل جملاً خاصة أيضاً فلا تكون اسمية ولا فعلية ؟
أما المبدوءة بحرف الشرط فهي في نحو (إن زرتني أكرمتك), جمل فعلية وفي نحو (لولا زيدٌ لغرق خالدٌ) اسمية جرياً على القاعدة العامة"( لأنه لا عبرة بالحرف على حد ما يقوله النحاة, ولكن لماذا لا تكون هذه الجمل خروجاً عن الأصل بالصدارة ولأن الأصل أن تتقدم الغاية على الوسيلة بالزمن كما يقول ابن القيم " اختلف الكوفيون والبصريون فيما إذا
---------------------------------------------------

(1) فاضل السامرائي - الجملة العربية ،ص 161.
(2) المصدر نفسه ،ص 161
(3) المصدر نفسه ، ص 161
(4) المصدر نفسه ، ص 161
---------------------------------------------------

تقدم أداة الشرط جملة تصلح أن تكون جزاء ثم ذكر فعل الشرط ولم يُذكر له جزاء نحو" أقوم إن قُمت" فقال ابن السراج: الذي عندي أن الجواب محذوف يغني عنه الفعل المتقدم, قال: وإنما يستعمل هذا على وجهين: إما أن يضطر إليه شاعر, وإما أن يكون المتكلم به محققاً بغير شرط ولا نية فقال أجيئك ثم يبدو له أن لا يجيئه إلا بسبب فيقول إن جئتني فيشبه الاستثناء ويغني عن الجواب ما تقدم, وهذا قول البصريين وخالفهم أهل الكوفة وقالوا:
المتقدم هو الجزاء والكلام مرتبط به, وقولهم في ذلك فهو من هذا الوجه رتبته التقديم طبعاً ولهذا كثيراً ما يجيء الشرط متأخراً عن المشروط لأن المشروط هو المقصود وهو الغاية والشرط وسيلة فتقديم المشروط هو تقديم الغايات على وسائلها ورتبتها التقديم ذهناً (زمنا) وإن تقدمت الوسيلة وجوداً, فكل منهما له التقدم بوجه وتقدم الغاية أقوى فإذا وقعت في مرتبتها فأي حاجة إلى أن نقدرها متأخرة وإذا انكشف الصواب فالصواب أن تدور معه حيثما دار"(1) وعلى هذا فالجملة الشرطية في الأصل جملة فعلية, وهي جملة مركبة تنتج من العدول عن الأصل والمباني بعدها تترتب كذلك من الخاص إلى العام.





خاص (جملة الشرط) حاجـة عام (جواب الشرط)
(معنى)





















----------------------------------------------------
(1)ابن القيم - بدائع الفوائد ، ج1 ، ص 51-52 .
---------------------------------------------------
ومن الأدلة على أن أصل الجملة الشرطية جملةٌ فعلية " قول الشاعر النمر بن تولب (1 ):-
فإنَّ المنيَّةَ مَنْ يخشَها فسوفَ تُصادِفُهُ أَينما
يريد: أينما ذهب, وأينما كان"( 2) أي تصادفهُ المنيةُ أينما ذهب ويمكن تحويلها إلى جملة شرطية فنقول:
أينما ذهب تصادفْهُ المنية, فصارت جملة شرطية, وكذلك مَنْ يخش المنيةَ تصادفْه, اسمية أصلها تصادف المنيةُ مَنْ يخشاها, فعلية وتتحول (مَن) إلى مبني عليه لأنها ليست مطلوبة لما بعدها. فتتحول من (مبني) إلى (مبني عليه) وتصبح طالبة بعد أن كانت مطلوبة, فبعد أن كانت مفعولاً به صارت مبتدأ والمباني تترتب بعدها من الخاص إلى العام.
بينما لا تتحول أينما إلى (مبني عليه) بل تبقى مبنية لأنها ما زالت مطلوبة للفعل بَعدها " وعلى هذا نحن نقول:
إن دَرَست فأنت ناجحٌ, أنت إن درستَ ناجحٌ, أنت ناجحٌ إن درستَ.
فالجملة الأولى مبنية على الشرط ابتداءً, والثانية مبنية على اليقين, والشرط معترض, (أو مبنية على اليقين المشروط) والثالثة مبنية على اليقين, حتى إذا مضى الكلام على اليقين أدركك الشرط فاستأنفته في الكلام, فالنجاح في الجملة الأخيرة آكد, لأن الإخبار مضىعلى اليقين أما الشرط فمتأخر, ثم الثانية لأن الشرط اعترض الخبر, ثم الأولى, لأن ا لكلام فيها مبني على الشرط ابتداءً"( 3).
الجملة الظرفية: -
كما زاد ابن هشام الجملة الظرفية وهي المصدرة بظرف أو بجار ومجرور نحو(أعندك زيدٌ)و"في الدار زيدٌ", إذا قدرت (زيداً) فاعلاً بالظرف والجار والمجرور لا
----------------------------------------------------
( 1) إميل بديع يعقوب – المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية ،ج2 ، ص 835
( 2) الزجاجي - الجمل في النحو ، ص 274.
( 3) فاضل السامرائي - معاني النحو، ج4،ص 122.
------------------------------------------------
بالاستقرار المحذوف ولا مبتدأ مخبراً عنه بهما"( 1) وفي رأيي أن جملة كهذه هي عدول عن الأصل بالرتبة وهي تترتب من العام إلى الخاص هكذا
أعندك مستقرٌ زيدٌ
عام2 عام1 (مبني عليه)
والأصل أَزيد مستقرٌ عندك
وقد انتقل الظرف بالمنزلة ليتصل بهمزة الاستفهام ويتبعه ما هو أخص منه وهو الخبر المحذوف لدلالة الظرف عليه.
وكذلك في الدار جالس زيدٌ
عام2 عام1 مبني عليه (خاص)
والأصل فيها زيدٌ جالسٌ في الدار
مبتدأ (خاص) خبر ظرف
(مبني عليه) عام1 عام2
"والقول بالجملة الظرفية فيه نظر فيما يبدو لي, فإنه على ما ذهب إليه صاحب المغني, وهوأن الاسم المرفوع فاعلٌ بالظرف أو بالجار والمجرور في نحو (أعندك زيدٌ ؟) ويبدو لي أن هذا القول فيه نظر ذلك أن"زيداً"مبتدأ مؤخر لا فاعل بدليل أنه يصح أن تدخل عليه النواسخ فنقول: (أإن عندك زيداً ؟) ولو كان فاعلاً لم يصح دخول (إن) عليه ولا انتصابه.
وتقول: (أظننت عندك زيداً ؟) ولو كان فاعلاً لم ينتصب, وتقول: أكان عندك زيدٌ ؟) فزيد اسم كان لا فاعل, وإذا كان فاعلاً فأين اسم كان؟ وتقول: (أعندك كان زيدٌ؟) و(أعندي ظننتَ زيداً؟) فتدخل كان وظن عليه مباشرة, ومعلوم أنه لا يصح إدخالهما على الفاعل فبطل هذا القول "( 2).
---------------------------------------------------
( 1 ) ابن هشام – المغني, ص376.
( 2 ) فاضل السامرائي –الجملة العربية،ص 160.
---------------------------------------------------
الجملة الوصفية: -
كما أضاف تمام حسان(1 ) ومحمود نحلة( 2) الجملة الوصفية, وهي التي يكون فيها المبني عليه وصفاً, وفي رأيي أن الوصف يعمل عمل الفعل, وإن كان الوصف يدل على حدث وموصوف فيما الفعل يدل على حدث وزمن( 3), فالفرق بينهما فرق في المعنى وليس في العمل والوظيفة.

---------------------------------------------------

( 1 ) تمام حسان - اللغة العربية معناها ومبناها،ص98 .
( 2 ) محمود نحلة - نظام الجملة، ص 106.
( 3 ) تمام حسان - اللغة العربية معناها ومبناها،ص98 وما بعدها .