المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ضوابط ومعايير ترتيب الجملة العربية



عزام محمد ذيب الشريدة
05-05-2005, 02:57 PM
ضوابط ترتيب الجملة العربية
المبحث الأول
بيان المصطلحات
أولاً: الرتبةالمقصود بالرتبة لغةً: "المكانة والمنزلة, يُقال: رَتَبَ الشيءُ أي ثَبَتَ فلم يتحرك, رَتَبَ رُتوبَ الكَعْب أي انتصب انتصابه, ورتَّبه تَرْتيباً: أثبته. وفي حديث لقمان بن عاد: رَتَبَ رُتوبَ الكعبِ, أي:انتصبَ كما ينتصِبُ الكعبُ إذا رَمَيْتَهُ, ومنه حديث ابن الزبير, رضي الله عنهما: كان يصلي في المسجد الحرام وأحجار المنجنيق تمُرُّ على أُذنه, وما يلتفت, كأنه كَعبٌ راتِب. والكعبُ: عقدةُ ما بين الأنبوبين من القصب والقنا, وقيل: هو أنبوب ما بين كل عُقدتين, وقيل: هو العظم الناشز عند ملتقى الساق بالقدم "( 1).
والمقصود بالرتبة اصطلاحاً: الموقع الأصلي الذي يجب أن تتخذه الوظيفة النحوية بالنسبة للوظائف الأخرى المرتبطة بها بعلاقة نحوية تركيبية, فهي (الرتبة) وصف لمواقع الكلمات في التركيب. (2 )
-----------------------------------------
1- ابن منظور – لسان العرب ، مادة : رتب.
2- لطيفة النجار – دور البنية الصرفية ، ص 196.
----------------------------------------------
وسيرد استعمال لفظ (الرتبة) أيضاً, بالمعنى اللغوي, ليدل على المنزلة أو المكانة, والمعنيان (اللغوي والاصطلاحي) في هذه الدراسة متداخلان, فالتقدم في الرتبة يعني التقدم في المنزلة والموقع معاً, والتأخر في الرتبة يعني التأخر في المنزلة والموقع معاً كذلك .
ثانياً: الخاصالمقصود بالخاص في هذه الدراسةهو: القريب أو الأهم.
ثالثاً: العامالمقصود بالعام في هذه الدراسة هو: البعيدأو الأقل أهمية.
رابعاً: المبني عليهالمقصود بالمبني عليه في هذه الدراسة هو: الأساس الذي يتركب عليه الكلام (الطالب أو المحتاج).
خامسا: المبنيالمقصود بالمبني في هذه الدراسة هو: الوظيفة النحوية في التركيب النحوي (المطلوب أو المحتاج إليه).
سادساً: الاحتياج
المقصود بالاحتياج في هذه الدراسة هو: الطلب أو العلاقة المعنوية.
-------------------------------------------
المبحث الثاني
[align=center]ضوابط الترتيب
الإنسان يفكر باللغة ويلغو بالفكر،ومن المفترض أن الإنسان عندما يتكلم يقوم بالاختيار من ثقافته اللغوية ،وهذا الاختيار مضبوط بضوابط الاختيار أوضوابط التبادل المعجمي في المواقع التركيبية وهي:الضابط المعنوي،أوكما يسميها الجرجاني الفروق والوجوه، والضابط المعنوي اللفظي( أوالمحسنات البديعية المعنوية اللفظية)،والضابط اللفظي (أو المحسنات البديعية اللفظية).وبعد الاختيار يأتي التأليف،وهاتان العمليتان تندمجان معا في ذهن الإنسسان،ثم يتحول النشاط اللغوي غير المحسوس أو المعاني تلقائيا إلى نشاط لغوي محسوس نسميه الكلام.
"وعملية تأليف الجمل تنتظمها رتب تختلف في اللغة الواحدة, إلاّ أن تغيرات الرتبة في اللغة الواحدة ليست اعتباطية أو غير محددة, بل هناك ما يدل على وجود قيود على رتب المكونات الكبرى, والصغرى, ومن أهداف النظرية اللسانية أن تبحث في مجموعة المبادئ التي تُقيد الرتب داخل اللغات, لأن كفايتها ليست مرهونة فقط بتخصيص ووصف ما يلاحظ من الظواهر الرتبية, بل أيضاً بحصر ما لا يمكن أن يلاحظ منها( 1)"فالكلمات لا تتوالى في الجملة على نحو عشوائي بل يخضع ترتيبها لأنساق تركيبية مضطردة"( 2) يتحكم المعنى في الجزء الأكبر منها ويتحكم اللفظ في القليل الباقي وتترتب الكلمات في الجملة العربيـة وفق ضوابط معينة تتحكم في ترتيبها وحركة عناصرها. وهذه الضوابط تتحكم أو تؤثر في الكلام المتراتب نحوياً ومعنوياً وأول هذه الضوابط هو ضابط المعنى وثانيهما هو ضابط اللفظ.
----------------------------------------------
(1) الفهري - اللسانيات واللغة العربية ، ص 103.
(2) ممدوح الرمالي - العربية والوظائف النحوية، ص 220.
--------------------------------------------------

[align=center]أَولاً: التقدم (بالسبب المعنوي): -فقـد قال سيبويه: "كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى, وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم"(1 ) فالمهم يتقدم على الأقل أهمية والألفاظ تترتب بحسب ترتبها في النفس, وهذا ما يراه عبدالقاهر الجرجاني حيث يقول "وأما نظمُ الكلم فليس الأمرُ فيه كذلك لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني, وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس فهو إذن نظمٌ يُعتبر فيه حالُ المنظومِ بعضهُ من بعض وليس هو النظمُ الذي معناهُ ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق, مما يوجب اعتبارَ الأجزاء بعضَها من بعض, حتى يكون لوضع كلٍّ حيث وضِع علةٌ تقتضي كونه هناك, وحتى لو وضع في مكانٍ غيره لم يصلح "( 2).
فلا بد إذن من مراعاة مواقع الكلام بعضه من بعض, فقد تصلح الكلمة في موقع ولا تصلح في موقع آخر وذلك بالنظر إلى ائتلافها مع جاراتها من الكلمات في الجملة. ولا بد من أن يكون هناك سبب يقتضي وضع الكلمة في هذا الموقع أو ذاك, ولو وضعت في غير مكانها لم يصلح, فكل كلمة لها الموقع الذي يناسبها.
وقد فسر السهيلي (583هـ) كلام سيبويه قائلاً " وما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان, وإما
بالطبع, وإما بالرتبة, وإما بالسبب, وإما بالفضل والكمال فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخلد والفكر بأحد هذه الأسباب الخمسة أو بأكثرها سبق اللفظُ الدالُ على ذلك المعنى وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك. نعم وربما كان ترتب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى كقولهم:
----------------------------------------------
( 1 ) سيبويه - الكتاب ، ج1،ص 34 .
( 2) عبدالقاهر الجرجاني - دلائل الإِعجاز ، ص 49.
--------------------------------------------------
ربيعه ومضر. "(1)
أما العلائي (761هـ) فيقول في الفصول المفيدة في الواو المزيدة: "روي أن عمر رضي الله عنه أنكر على سحيم عبد بني الحسحاس قوله:"كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا"وقال:لو قدمت الإسلام على الشيب. ولم أجد لإنكار عمر رضي الله عنه على سحيم سنداً ولكنه مشهور في كثير من الكتب, وقد أجيب عنه بأن ذلك الإنكار على وجه الأدب في تقديم الأهم في الذكر ،فالنطق الواقع في الزمان الأول متقدم بالطبع على النطق الواقع في الزمان الذي بعده, وهو السر فيما حكاه سيبويه عن العرب أنهم يبدأون بما هو الأهم عندهم وكانت العناية به أشد, فكل ما قُدِّم بالزمان دلَّ على أن المتكلم قصد الاهتمام به أكثر مما بعده, وذلك يقتضي تفضيلاً.فإنكار عمر رضي الله عنه لهذا المعنى"(2 ).
----------------------------------------------
( 1 ) السهيلي- نتائج الفكر،ص 268
( 2 ) العلائي - الفصول المفيدة ، ص 93-94.
--------------------------------------------------
فالأصل أن يتقدم الإسلام على الشيب بالرتبة والفضل والشرف, ولكن تقدم الشيب بالسبب اللفظي عدولاً.
وبناءً على ما تقدم فالذي يبدو لي أن المباني تترتب بالرتبة (المنزلة) بغض النظر عن سبب التقدم.
هذا, وتترتب الجملة العربية في الأصل من المبني عليه إلى المبني بالرتبة من الخاص (القريب) إلى العام (البعيد) والمباني إما أن تتقدم بالزمان وإما بالطبع, وإما بالرتبة, وإما بالسبب وإما بالفضل والكمال, وإما بالخفة والثقل, والعدول من العام إلى الخاص.
وهذا يتوافق وما يقوله ابن القيم كذلك من أن هناك طريقتين معروفتين في الكلام " الترقي من الأخص إلى ما هو أعم منه, إلى العام (البعيد)(أوالأقل أهمية)
(وهو الأصل) والنزول من الأعم إلى الأخص منه إلى الخاص (القريب)(أوالأهم) (وهذا هو الخروج عن الأصل) (1 ).
ثانياً: التقدم بالسبب اللفظي "وربما كان ترتب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى"( 2) ومن الأسباب اللفظية التي تترتب بموجبها الألفاظ: الخفة والثقل, الصدارة, تناسب الفواصل, المشاكلة اللفظية … الخ.

وخلاصة الأمر هو أن رتبة المباني (مواقعها أو ترتيبها) تترتب بفعل الرتبة (المنزلة) من الخاص إلى العام أصلاً ومن العام إلى الخاص عدولاً.
وإذا كان النظم عند الجرجاني " أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت"(3 ) وبما أن النظم يعتمد على الرتبة فمعنى ذلك أن النحو العربي يقوم على الرتبة كذلك وأن قانون الرتبة يستحق أن يُسمى " قانون تأليف الجُمل أصلاً وعدولاً ".
-------------------------------------------------
( 1) ابن القيم - بدائع الفوائد ،ج1،ص81.
( 2 ) السهيلي - نتائج الفكر ، ص 268.
( 3) عبد القاهر الجرجاني - دلائل الإعجاز , ص50.

انتهى
------------------------------------------------