المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : شبهات عدم الاحتجاج بالحديث الشريف في النحو والصرف



سلمان بن أبي بكر
30-11-2010, 08:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



( شبهات عدم الاحتجاج بالحديث الشريف في النحو والصرف واللغة والرد عليها )




"الاحتجاج النحوي بالحديث النبوي عند الإمام بدر الدين العيني"


للدكتور محمد عبد القادر هنادي




أما الشبهات والتساؤلات التي ذكرها بعض النحاة من الخلف والمُحْدَثينَ حول قضية الاحتجاج بالحديث النبوي في المسائل النحوية

فلا يُلْتَفَتُ إليها، ويمكن حصرها في دعاوى ثلاث،

الأولى: دعوى رواية الحديث بالمعنى.

الثانية: دعوى اللحن والخطأ في الحديث.

الدعوى الثالثة: دعوى تدوين الحديث بعد فساد اللغة.

وسأحاول أن أردَّ على هذه الدعاوى والتساؤلات بإيجازٍ

لأثبت صحة المنهج الذي ذهب إليه الإمام العيني مع علماء السلف

في جعل الحديث النبوي أصلًا من أصول الاحتجاج النحوي.

ناصر الدين الخطيب
30-11-2010, 08:41 PM
بارك الله فيك
ونحن بالانتظار

سلمان بن أبي بكر
30-11-2010, 09:21 PM
أولًا: دعوى رواية الحديث بالمعنى



إن هذه الدعوى لا ينبغي أن نسلم بها على إطلاقها، وذلك للأمور التالية:



أ- ذهب كثير من علماء الصحابة والتابعين إلى عدم جواز رواية الحديث بالمعنى،


وفي مقدمتهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما،


فإنه كان لا يسمحُ بتقديم كلمةٍ على كلمة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.


مثال ذلك ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


((بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ، شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة،


وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج)).


ولما روى رجلٌ هذا الحديث بتقديم الحج على صيام رمضان قال له ابن عمر:


((لا، صيامِ رمضان، والحَج))، هكذا سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم)).


فعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - مذهبه رواية الحديث باللفظ، ولكي نعرف قيمة أحاديثه التي رواها،


فقد ذكر علماء الحديث أنها بلغت (2630) ألفين وستمئة وثلاثين حديثًا،


اتفق البخاري ومسلم على مئة وسبعين حديثًا منها.


وكذلك كان بعض علماء التابعين لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى،

فالإمام مالك رحمه الله كان يتحفَّظ من الباء والتاء والثاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ب- إن ورود الحديث الواحد في ألفاظٍ مختلفة قد يكون سببه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -


كان يعيد الكلام ثلاثًا لقصد البيان وإزالة الإبهام، فقد روى البخاري عن أنس - رضي الله عنه -


أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَمَ عنه.





ج- إن بعض الصحابة والتابعين أجازوا رواية الحديث بإبدال كلمة بأخرى عند الضرورة،


ومع ذلك فقد وضعوا في ذلك ضوابط محكمة دقيقة، فالإمام الشافعي - رحمه الله -


أجاز للمحدث أن يأتي بالمعنى دون اللفظ إذا كان عالما بلغات العرب،


ووجوه خطابها، بصيرًا بالمعاني والفقه، عالمًا بما يُحِيْلُ المعنى، ومالا يحيله.


فإنه إذا كان بهذه الصفة جاز له نقل اللفظ، فإنه يحترز بالفهم عن تغيير المعاني وإزالة أحكامها،


ومن لم يكن بهذه الصفة كان أداء اللفظ لازمًا، والعدول عن هيئة ما يسمعه عليه محظورًا.


ومن أبرز العلماء الذين ردوا رواية الحديث بالمعنى البدر الدماميني فقال في شرح التسهيل ردا على أبي حيان،


ومدافعًا عن ابن مالك: ((قد أكثر المصنف من الاستدلال بالأحاديث النبوية، وشنع أبو حيان عليه...،


وقد أجريت ذلك لبعض مشايخنا، فَصَوَّبَ رأيَ ابنِ مالك فيما فعله،


بناء على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب، إنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية...،


ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يُدَوَّنْ، وأما مادُوِّنَ وحصل في بطون الكتب


فلا يجوز التبديل من ألفاظه من غير خلاف بينهم، قال ابن الصلاح بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى:


إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا، ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته الكتب،


فليس لأحدٍ أنْ يغيِّر لفظ شيءٍ من كتابٍ مُصَنَّفٍ، ويثبت لفظًا آخر)).

سلمان بن أبي بكر
30-11-2010, 09:55 PM
ثانيا: دعوى اللحن والخطأ:



ذهب بعض النحاة إلى أن من الأسباب التي تدفعهم إلى عدم الاحتجاج بالحديث الشريف في المسائل النحوية وقوع الخطأ واللحن فيه،


وأن معظم رواته من الأعاجم، وهذه الدعوى ينبغي ألا تكون مانعًا للاحتجاج النحوي بالحديث للأمور التالية:




أ - لقد بذل العلماء المسلمون جهودًا عظيمة في سبيل حفظ الحديث الشريف،


وبحثوا في ما يتعلق به رِوَايةً وَدِرَايةً، وخطوا خطوات جليلة كفلت سلامةَ السُّنَّةِ من العَبَث.


ولعل من أهمها التزام الإسناد، ودراسةُ حياة الرواة وتاريخهم، وهكذا نشأ علم الجَرْحِ والتعديل،


الذي وضع أسسه كبار الصحابة والتابعين، وألفت في الرواة مصنفات ضخمة، حتى إنه لم يعد يختلط الكَذَّابون والضعفاء بالعدول الثقات،


وأصبح من السهل جدا أن يميزوا بين الخبيث والطَّيِّب في كل عصر،


فقدموا للحضارة الإنسانية أعظمَ إنتاج في هذا المضمار، يفخر به المسلمون أبدَ الدهر.


يقول المستشرق الألماني (شبرنجر) في تصدير كتاب (الإصابة لابن حجر):


((لم تكن فيما مضى أمةٌ من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أمة من الأمم المعاصرة ،


أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الذي يتناول أحوال خمسمئة ألف رجل وشؤونهم)).




ب- القول بأن أكثر رواة الحديث كانوا غير عرب لا ينهض حجة لرفض الاحتجاج بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -


في المسائل النحوية، وذلك للأسباب التالية:



الأول: إن ما وقع من لحن أو خطأ أو تصحيف في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - قليل نادر،


بَيَّنَهُ علماء الحديث كما أسلفت فيما صنَّفوا من مؤلفات.



الثاني: الزعم بكون بعض رواة الحديث من غير العرب قد أدى إلى وقوع اللحن فيه يمكن الرد عليه بأن اللغة العربية مُلْكٌ لمن يتعلمها فيتقنها،


فإن أتقنها فليس هناك فرق بينه وبين العربي سوى النسب، والنسب لا أثر له في اللسان.


كذلك فإن هؤلاء المسلمين الأعاجم من رواة الحديث كانوا أمراء المؤمنين في الحديث، وقد وُصِفُوا بالضبط والدقة،


وحملوا الحديث على أكمل وجه، وأدَّوه كما حملوه.


فهذا هو الإمام البخاري محمد بن إسماعيل - رحمه الله - (ت 256هـ) أثنى عليه العلماء المسلمون ثنًاء عظيمًا،


قال عنه أحمد بن حنبل - رحمه الله -: ((ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل))،


وقال عنه ابن خزيمة: ((ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - من محمد بن إسماعيل)) ،


وقد أوتي - رحمه الله - حافظة عجيبة قلما نجد نظيرًا لها عند العلماء،

ومن الشواهد على ذلك أنه قال: ((كتبت عن ألف شيخ وأكثرَ ما عندي حديثٌ إلا أذكر إسناده)).



الثالث: إن رواة اللغة أضافوا إلى الشواهد المنسوبة إلى العرب أشياء كثيرة، فهذا أبو الطيب اللغوي في كتابه (مراتب النحويين)


يتحدث عن خلف الأحمر فيقول: ((كان يُضْرَبُ به المثل في عمل الشعر، فهو بذلك وَضَّاعٌ غير موثوق، لا يُؤْتَمنُ)).


ومع وجود هؤلاء الرواة الوضّاعين فإن علماء النحو استشهدوا بكلام العرب، وهذا هو المنهج السليم


لأن وجود أمثال هؤلاء النفر لا يقدح في الكثرة الكاثرة من علماء اللغة الثقات

كالأصمعي وأبي عمرو بن العلاء وأبي زيد الأنصاري وغيرهم كثير.


وعلى هذا فإن وجود بعض الوضّاعين في رواية الحديث - كذلك - لا يقدحُ في الاستدلال به في مسائل النحو،


علما بأن العلماء - كما أسلفت - قد ميَّزوا الحديث الصحيح من الموضوع، وألفوا في ذلك مصنفات كثيرة.

سلمان بن أبي بكر
30-11-2010, 10:08 PM
ثالثا: دعوى تدوين الحديث بعد فساد اللغة



زعم بعض النحاة أن الحديث النبوي لا يُحْتَجُّ به لتدوينه بعد فساد اللغة، وهذا الزعم مردود - أيضا - للأسباب التالية:


1- لقد بُدِئَ بتدوين الحديث الشريف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، والأدلة على ذلك كثيرة،

منها ما رواه الدارمي في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال:

((كنت أكتب كل شيء أسمعُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أريد حفظَهُ،

فنهتني قريشٌ وقالُوا: تكتبُ كلَ شيءٍ سمعتَهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ورسولُ الله بشرٌ يتكلمُ في الغضبِ والرضا ،

فأمسكتُ عن الكتابة فذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأومأَ بإصبعه إلى فيه، وقال:

((اُكتب فوالذي نفسي بيدهِ ما خرج منه إلا حقٌ)).

وروى ابن حجر عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -

أحدٌ أكثرَ حديثًا مني إلا ما كان من عبدِ الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب)).

وقد سمَّى عبد الله بن عمرو هذه الصحيفة التي كان يدون فيها أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصحيفة الصادقة.

وذكر ابن الأثير أنها كانت تضم ألف حديث، ونقل الإمام أحمد بن حنبل محتواها في مسنده،

كما ضمت كتبُ السننِ الأخرى جانبًا كبيرا منها.


2- وفي عهد الصحابة بدأ بعض العلماء من التابعين بتدوين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أخذًا من أحد الصحابة مباشرة.

فهذا هَمَّام بن مُنَبِّه أحد أعلام التابعين يلقى الصحابي الجليل أبا هريرة رضي الله عنه،

ويكتب عنه كثيرًا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ويجمعه في صحيفة يطلق عليها اسم الصحيفة الصحيحة،

وقد نقلها الإمام أحمد بتمامها في مسنده، كما نقل الإمام البخاري عددًا كثيرًا من أحاديثها في أبواب شتى.

ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف؛

لأنها حجة قاطعة على أنه دُوِّنَ في عصر مبكر لأن هَمَّامًَا لقي أبا هريرة رضي الله عنه،

ولا شك أنه كتب عنه قبل وفاته، علمًا بأن أبا هريرة رضي الله عنه توفي حوالي سنة 59 للهجرة.

ومعنى ذلك أن هذه الوثيقة قد دُوِّنَت قبل هذه السنة، أي في منتصف القرن الهجري الأول.


3 - وفي عهد التابعين شاع تدوين الحديث وكتابته، فهذا الحسن البصري (ت 110هـ) يقول: ((إن لنا كتبًا كنا نتعاهدها))،

أما التدوين الرسمي للحديث فقد بدأ في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه؛

إذ كتب إلى عامله على المدينة المنورة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت 117هـ) يقول:

((اكتب إليَّ بما ثبت عندك من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإني خشيت دَرْسَ العلم وذهابه)).

سلمان بن أبي بكر
30-11-2010, 10:19 PM
يتبين مما سبق ذكره أن الأسباب التي ذكرها بعض النحاة

في عدم احتجاجهم بالحديث النبوي في المسائل النحوية أسبابٌ واهية،

والمنهج الصحيح -كما أثبته الإمام العيني وغيره من علماء السلف والخلف-

أن الحديث النبوي هو الأصل الثاني بعد القرآن الكريم في تقعيد القواعد النحوية والصرفية،

وهذا ما ينبغي أن يسلكه الباحثون المعاصرون،

لا سيما وكتب الحديث التي تضم مئاتٍ من أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - بين أيدينا،

وفي مقدمتها صحيح البخاري ومسلم رضي الله عنهما.



---------------------------------------



نُقل من الأستاذ فريد البيدق - حفظه الله تعالى -

طارق يسن الطاهر
01-12-2010, 08:15 PM
بارك الله فيك أخي سليمان
موضوع قيّم ومتفرد ومفيد
جزاك الله خيرا

الخلوفي
01-12-2010, 08:43 PM
بارك الله فيك أخي على ما تفضلت به
موضوع قيم

سلمان بن أبي بكر
08-12-2010, 12:28 AM
حياكما الله أخويّ الفاضلين

زهرة متفائلة
08-12-2010, 10:56 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ...أما بعد:

الأستاذ الفاضل : سلمان بن أبي بكر

جزاك الله خيرا ، موضوع قيم ومفيد ، جعله الله في موازين حسناتكم يوم تلقونه ، وكتب الله لكم الأجر والمثوبة ، ونفع بكم / اللهم آمين .