المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : هل هما مترادفتان ؟



جمع مؤنث سالم
23-12-2010, 08:49 PM
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته :


هل نستطيع إطلاق مسمى القصة على المقامة , مع التعليل للإجابه إن كان نعم أو لا؟؟؟

زهرة متفائلة
24-12-2010, 10:02 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ...أما بعد:

أختي الحبيبة : جمع مؤنث سالم

أهلا وسهلا بكِ ، حياكِ الله وبيّاكِ ، عودا حميدا .

وجدتُ كاتبا اسمه "طارق شفيق حقي " في كتابه وهو " الاستهلال في القصة " يتعرض للحديث عما يشبه سؤالك هذا ، فلعكِ تستفيدين منه ..لكِ نصه ....


*هل المقامة قصّة * :

من يطالع مقامات بديع الزمان الهمذاني يجد كثيراً من مقاماته قصصاً مكتملة العناصر الفنية ويرقى الكثير منها إلى قصّة العصر بكل تقاناتها وفنونها، وتظهر براعة بديع الزمان في بناء الشخوص وقدرته على التحليل النفسي والاجتماعي، وسخريته الواضحة، وقفلاته الفنية ، وبناء المقامات كي تؤلف موضوعاً واحداً يتكلم عن الكدية وما ذلك إلا نضوج بديع في الذائقة الفنية.
يذهب شوقي ضيف في كتابه المقامة إلى أن المقامة ليست قصّة وإنما هي حديث أدبي بليغ . وهي أدنى إلى الحيلة منها إلى القصّة فليس فيها من القصّة إلا ظاهرها فقط. ..... ومن هنا جاءت غلبة اللفظ على المعنى في المقامة. فالمعنى ليس شيئاً مذكوراً وإنما هو خيط ضئيل تنشرعليه الغاية التعليمية. ولعل ذلك ما جعل المقامة منذ ابتكرها بديع الزمان تنحو نحواللفظ وتُحَبُّ لذاتها فالجوهر فيها ليس أساساً وإنما الأساس العرض الخارجي والحيلة اللفظية ، يقول فاروق سعد الكاتب الذي قدم لمقامات بديع الزمان : " ولكن هذا لا يعني أن المقامات خالية جميعها من السياق القصصي بل وحتى من البناء الدرامي ، فالواقع أن كلا من المقامات : المضيرية، الحلوانية ، البغدادية ، البشرية، الموصلية تقوم على السرد المنطوي على تسلسل وتطور حدث أو أحداث حتى الذروة بنسيج في عقدة متماسكة لا تلبث أن تنحل . وقد كان بطرس البستاني منصفاً في كتابه" أدباء العرب في الأعصر العباسية "عندما أشار إلى ماتحفل به إحدى هذه المقامات وعنى المقامة المضيرية التي حوت " جمال القصص وروعة الفن ودقة الوصف وحسن الانتقال واتساق الأفكار. وفيها السحر والفكاهة والنكتة. لذلك يكون مارون عبود هو الأقرب إلى الواقع في كلمته الأخيرة في المقامات : " بقي علينا أن نقول كلمة أخيرة وهي جواب على هذا السؤال الذي كثيراً ما يرد :

هل المقامة قصّة ؟

نعم يا سيدي ، إنها قصّة .
والفرق بينها وبين قصص اليوم كالفرق بين هندامك وهندام جدك ، رحمه الله ، ورحمني معه. ولكن ليست كل مقامات البديع قصصاً . فقسم منها لا شيء ، والقسم الآخر شيء عظيم ، وحسب الرجل ما خلق .إنها لفنان بديع" كذلك ما خلص إليه أحمد علي في بحثه " القصّة في مقامات بديع الزمان" عندما قال :" إنه من الضلال أن نلزم المقامات الهمذانية شروط القصّة العصرية الناجحة فالمرحلة التي كتبت فيها المقامات كانت مرحلة أولية في تطور القصّة عند العرب ، حقيقة المقامة فن رائع، وبديع الزمان يتمتع بذهن قاص يتقن رسم شخوصه، ويتقن حبك الأحداث، بل يدخل الخيال لمقاماتها فنراه يزعم أن عيسى بن هشام يحضر مجلس سيف الدولة في المقامة الحمدانية ، في المقامة الغيلانية يجتمع بعصمة الفزاري صاحب ذي الرمة ، وبينهما فقط حوالي ثلاثمائة سنة.
بناء الشخوص كان بديعاً: فشخصيةعيسى بن هشام هي شخصية الرواي الذي يدخل أحياناً في أحداث القصّة ، ويكون دائماً متخفياً متنكراً ، وهو يجوب الآفاق يتتبع الإسكندري من سوق إلى سوق ومن بلد إلى بلد وغايته كشفه وكشف حيله وكأنه رجل تحرًّ أو مخابرات أمثال من حفلت بهم قصص الجاسوسية والبوليسية الحديثة حيث يكشفون طرائدهم في اللحظات الأخيرة.
شخصية أبي الفتح الإسكندري هي شخصية ترمز لنموذج المكدي الواسع العلم والثقافة والدراية ، الشديد الحيلة ، وهو شخصية عجيبة غريبة وصناعة الكدية المحرك الأكبر لأعماله ، يجند في سبيلها كل وسائله في الخداع والمكر وصار يسعى للكدية بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وربما لم يعد همه المال بل الانتصار لمكره وخداعه بهذه الوسائل المتجددة ، وهو متنكر في قصّة يغير لباسه وطماره ويلبس لبس المكدي البالي وبذلك نرى له أدواراً عديدة ونستمتع حين نعرف آخر القصّة أنه هو صاحبنا صاحب الكدية. وهذا أسلوب قصصي بارع لدى الهمذاني.
- الاستهلال لدى بديع الزمان:

استهلال المقامة عند بديع الزمان يبدأ بـ حدثناعيسى بن هشام والتي أرى أنها ليست استهلال المقامة الحقيقي، لأنها أصبحت لازمة تزينية في كل المقامات، بل الاستهلال الحقيقي ما جاء بعدها، لكننا لو بحثنا لوجدنا رتابة كذلك في كل استهلال جديد لمقامة جديدة، فالبداية تبدأ من المكان وقد يشير اسم المقامة لذلك كالمقامة الكوفية والبصرية ، فيعرف المتلقي أن أحداث القصّة وبدايتها ستكون من اسم المكان المذكور في العنوان.
ولو اعتبرنا تلك كذلك لازمة إضافية تتقدم الاستهلال الحقيقي : سنصل إلى جمال القصص لدى بديع الزمان الهمذاني، وبطل قصصه هو أبوالفتح الإسكندري

لنرَ استهلال المقامة المضيرية:

" كُنْتُ بِالبَصْرَةِ،وَمَعِي أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ رَجُلُ الفَصَاحَةِ يَدْعُوهَا فَتُجِيبُهُ، وَالبَلاغَةِ يَأَمُرُهَا فَتُطِيعُهُ، وَحَضَرْنَا مَعْهُ دَعْوَةَ بَعْضِ التُّجَّارِ، فَقُدِمَتْ إِلَيْنَا مَضِيرَةٌ، تُثْنِي على الحَضَارَةِ، وَتَتَرَجْرَجُ في الغَضَارَةِ، وَتُؤْذِنُ بِالسَّلاَمَةِ، وَتَشْهَدُ لِمَعَاوِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ بِالإِمَامَة،ِ فِي قصعَةٍ يَزِلُّ عَنْهَا الطَّرْفُ، وَيَمُوجُ فِيهَا الظَّرْفُ، فَلَمَّا أَخَذَتْ مِنَ الخِوانِ مَكانَهَا، وَمِنَ القُلُوبِ أَوْطَانَهَا، قَامَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِ يُّيَلْعَنُهَا وَصَاحِبَهَا، وَيَمْقُتُهَا وَآكِلَهَا، وَيَثْلِبُهَا وَطَابِخَهَا،وَظَنَنَّاهُ يَمْزَحُ فَإِذَا الأَمْرُ بِالضِّدِّ، وَإِذَا المِزَاحُ عَيْنُ الجِدِّ، وَتَنَحَى عَنِ اُلْخِوَانِ، وِتِرِكِ مُسَاعَدَةَ الإِخْوَانِ،وَرَفَعْنَاهَا فَارْتَفَعَتْ مَعَهَا القُلُوبُ، وَسَافَرَتْ خَلْفَهَا العُيُونُ، وَتَحَلَّبَتْ لَهَا الأَفْوَاهُ، وَتَلَمَّظَتْ لَهَا الشِّفَاهُ، وَاتَّقَدَتْلَهَا الأَكْبَادُ، وَمَضَى فِي إِثْرِهَا الفُؤَادُ، وَلكِنَّا سَاعَدْنَاهُ على هَجْرِهَا، وَسَأَلْنَاهُ عَنْ أَمْرِهَا، فَقَالَ:"
الاستهلال يبدأ مع ذكر نوع من الطعام يدعى المضيرية،وصاحبنا لهذه الدعوى هو بطل قصصنا أبو الفتح الإسكندري الذي رغم حيله ومكره للوصول لمبتغاه ، لكنه هنا والطعام قد حضر يرفضه ويصيح ويلعنها، على غير عادته وكأنه لايأكل إلا مما احتالت يده، لكن هذه البداية كانت مشوقة للجميع لمعرفة سر هذا الصياح والرفض رغم طمع البطل، وعناصر الاستهلال لا تدع للقارئ ترك هذه القصّة مهما كان السبب،فالعناصر متوفرة منذ البداية خاصة وقد حضر أبو الفتح الإسكندري من أول القصّة، فوجوده لا بد أن يكون له حكاية، ثم رفضه الطعام بهذا الشكل رغم لذته لا بد أن وراءه سراً، وهذا يدفع القارئ إلى متابعة القصّة سطراً فسطراً بل كلمة فكلمة حتى الثمالة وهذا الاستهلال نسميه الاستهلال المحفز.

****
ولو استطردنا بعيداً عن الاستهلال سنجد في هذه القصّة عناصر قصصية بديعة، فحضر أول ما حضر التشويق ، وتقنية الخطف خلفاً أو لنقل (عوداً على بدء) ، ثم بناء الشخصيات وخاصة الرجل الذي دعا أبا الفتح للوليمة، فبناء الشخصية يعبر عن براعة فيالتحليل النفسي، فكان هذا الرجل ثرثاراً مهذاراً، يقف عند كل دقيقة ويصفها ويصف جمالها وموطنها ، ويطيل فيها الشرح والوصف ، وهنا قد يفكر المتلقي بأنه غنمها بجهده وكده وتعبه، لكن بديع الزمان يفاجئنا أن الرجل ما هو إلا محتال، بل ولا ينفك أن يبوح بمواقف مكره واحتياله للوصول لهدفه ، وأخذه بأرخص الأثمان مع أنه يساوي الكثير، وكأن إطالته لوصف هذه الأشياء ما هي إلا وصف ثانوي لمكره الذي يجده ذكاءً وحذاقة، وقد يطل علينا بتحليل اجتماعي يفضح شريحة أخذت تنتشر في المجتمع ، وقد انقلبت لديها القيم والمعايير وأصبح المكر والخداع شطارة وبراعة وحسن تدبير، واستطاع الهمذاني ببراعته القصصية تصوير هذه الشخوص ، ونراه يعبر عن دقة في النسيج القصصي، ونرى ردود أبي الفتح الساخرة على هذا الرجل المهذار ونلمح تدخل القاص في بناء الحوار ، ولا يتركه يسرد كالخبر العادي فكان حواراً شائقاً وكانت قصة بارعة.
ولنقف وقفة أخرى عند المقامة البغدادية ، تبدأ القصّة بالاستهلال التزييني حدثنا عيسى بن هشام، ثم يبدأ استهلال القصّة الحقيقي" اشتهيت الأزاذ وأنا ببغداد وليس معي عقد على نقد فخرجت أنتهز محاله"، وهنا نلاحظ أن الذي كان راوياً في بقية القصص( عيسى بن هشام) أصبح في هذه القصّة بطل القصّة وبدأ يظهرحيله وأساليبه ، ونرى القاص بديع الزمان يحلل اجتماعياً في هذه القصّة ويعبر عن إدراكه لبساطة أهل القرية أو السواد كما ذكر ، على غير أهل المدينة، ورغم ذلك لن تكون البساطة مفتاح الحيلة فلا بد من أمر آخر، استطاع إدراكه وتحليله نفسياً والتعبير عنه وهو يقول عن الرجل حين استدرجه ودعاه للطعام " : ، فَقُلْتُ: هَلُمَّ إِلى البَيْتِ نُصِبْ غَدَاءً، أَوْ إِلَى السُّوقِ نَشْتَرِ شِواءً، وَالسُّوقُ أَقْرَبُ، وَطَعَامُهُ أَطْيَبُ، فَاسْتَفَزَّتْهُ حُمَةُ القَرَمِ(شدة شهوة أكل اللحم)، وَعَطَفَتْهُ عَاطِفُةُ اللَّقَمِ، وَطَمِعَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ"
ثم يأتي عيسى بن هشام بالشواء اللذيذ والحلوى والطعام الفاخر ، ويأتيان عليه كله ، لكنا نعرف مهارة القاص حين نتلمس براعته ونرى إشارته الفنية" فحين ينادي صاحب الشواء يؤكد على اسم الرجل متلمساً طمعه، وويزيد في مرارته بعد ذلك ، حيث الرجل يريد أن يقول له إنه أبوعبيد لكن لطمعه يسكت وكأن ابن هشام يستغله ويعرف نقطة ضعفه، ويسخر منه أيما سخرية في هذا النداء " فَقُلْتُ: افْرِزْ لأَبِي زَيْدٍ مِنْ هَذا الشِّواءِ، ثُمَّ زِنْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الحَلْواءِ، واخْتَرْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الأَطْباقِ، وانْضِدْ عَلَيْهَا أَوْرَاقَ الرُّقَاقِ( خبز رقيق)، وَرُشَّ عَلَيْهِ شَيْئَاً مِنْ مَاءِ السُّمَّاقِ، لِيأَكُلَهُ أَبُو زَيْدٍ هَنيَّاً.

ثم تأتي نهاية الحيلة وفاصلتها البارعة ، فالرجل قد عطش وما أحوجه إلى ماء بارد فنرى ابن هشام يسارع للقول "ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَبَا زَيْدٍ مَا أَحْوَجَنَا إِلَى مَاءٍ يُشَعْشِعُ بِالثَّلْجِ، لِيَقْمَعَ هَذِهِ الصَّارَّةَ( مصنوع ليلاً)، وَيَفْثأَ(العطش)هذِهِ اللُّقَمَ الحَارَّةَ، اجْلِسْ يَا أَبَا َزيْدٍ حَتَّى نأْتِي كَبِسَقَّاءٍ، يَأْتِيكَ بِشَرْبةِ ماءٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَجَلَسْتُ بِحَيْثُ أَرَاهُولاَ يَرَانِي أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ"
بل لا يكتفي بالهرب،ولعل غايته لم تكن فقط الطعام بل الاستمتاع بالتحايل على الرجل السوادي،واستغلال طمعه والتشفي به من ناحية لا يراه فيها، نهاية القصّة كانت في طلب صاحبالشواء نقوده، فعرف السوادي أنه قد احتيل عليه ويقول " كَمْ قُلْتُ لِذَاكَ القُرَيْدِ( تصغير قرد)، أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَهْوَ يَقُولُ: أَنْتَ أَبُوزَيْدٍ."
ولعله كذلك يوجه الكلام لنفسه في داخله فهو يقول ليتني لم أقبل أن أكونأبا زيد، ويجلد ذاته حين لا ينفعه تأنيب الضمير، فحين صاحابن هشام" فَقُلْتُ: افْرِزْ لأَبِي زَيْدٍ مِنْ هَذا الشِّواءِ" سكت السوادي وقد ظفر بغنيمة، وهي لعمرينصيحة ذهبية أن لا يطمع المرء بماليس له، فقد يكون شركاً يقع فيه.
القصّة هي قصّة فنية بكل أدواتها ، وربما يضيف عمق المعنى للقصّة أحد أركانها التي لا تعرفها القصّة الحديثة وقد استهلت المقامة بعد الاستهلال التزييني والاستهلال التزييني الإضافي بالاستهلال الذي نسميه الاستهلال المؤسس حيث ذكر مشاهدته للسوادي صاحب الحمار، وكان قد ذكر أن يشتهي الأزاد ونحن نعرف سلفاً أن المقامة تقوم على الحيلة، فيكون هذا الاستهلال موحياً ويؤسس للحيلة في ذهن المتلقي
ولعلنا نقف وقفة سريعة عند المقامة الموصلية فالاستهلال يبدأ عند صحبة ابن هشام لأبي الفتح الإسكندري يبحثان عن لذة الحيلة كالعادة، وكأن ابن هشام وضع صوب عينيه كشف حيل الإسكندري ، ولم يعد يأمن لظاهر الوضع بل صار يبحث وقد نفد صبره لعدم اكتشافه لحيلة جديدة ، وقد أصبح هدفه الكشف عن فنون الحيل: يقول لصاحبه أين نحن من الحيلة، وهذا الاستهلال استهلال مشوق كالعادة، يمسك القارئ حتى يكشف عن سر هذه الحيلة، ورسالة الاستهلال لدى الهمذاني تقول، الكشف عن مغزى القصّة لا يعني التخفيف من القدرة على جذب المتلقي، بل بالعكس سنرى أساليب عجيبة وغريبة مع صاحبنا الإسكندري.
السخرية تطل هنا عبر تعامل الإسكندري مع الميت، وخاصة حين جاء القوم بعد المدة وقد أخبرهم أنه يستطيع أن يعيده للحياة:" فَلَمَّا ابْتَسَمَ ثَغْرُ الصُّبْحِ وانْتَشَر جَناحُ الضَّوِّ، في أُفُق ِالجَوِّ، جاءَهُ الرِّجَالُ أَفْوَاجاً، والنِّساءُ أَزْوَاجاً، وَقَالوا: نُحِبُّأَنْ تَشْفِيَ العَلِيلَ، وَتَدَعَ القَالَ والقِيلَ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: قُومُوا بِنا إِلَيْهِ، ثُمَّ حَدَرَ التَّمَائِمَ عَنْ يَدِهِ، وَحَلَّ العَمائِمَ عنْ جَسَدِهِ، وَقَالَ: أَنِيمُوهُ على وَجْهِهِ، فَأُنِيمَ، ثُمَّ قَالَ: أَقِيمُوهُ على رِجْلَيْهِ، فَأُقِيمُ، ثُمَّ قَالَ: خَلُّوا عَنْ يَدَيْهِ،فَسَقَطَ رأَسْاً، وَطَنَّ الإِسْكَنْدَرِيُّ بِفِيهِ وَقَالَ: هُوَ مَيِّتٌ كَيْفَ أُحْيِيهِ? فَأَخَذَهُ الخُفُّ، وَمَلَكَتُهُ الأَكُفُّ، وَصَارَ إِذَا رُفِعَتْعَنْهُ يَدٌ وَقَعَتْ عَلَيْهِ أُخْرَى، ثُمَّ تَشَاغَلوا بِتَجْهيزِ المَيِّتِ، فانْسَللْنَا هَارِبينَ"
حسن التخلص هنا و السخرية التي تعامل معها الإسكندري كانت بديعة، فلم يخبر صديقه ابن هشام أنه خالي الوفاض هذه المرة، والرجل قد أصيب بثقة عارمة من تخلصه من كل مشكلة ، بفضل حيله ومكره، وصار يتعامل تلقائياً مع المواقف ويخترع البدايات منتظراً الإلهام فيحل النهايات، لكنه هذه المرة أخفق ولم يأته المكر ، وإذ به يقول بسخرية معتقة "الرجل ميت كيف أحييه؟" وسؤال ابن هشام لماذا ورطتنا وأنت تعرف أنك خالي الحيلة، وهذا يرتبط مع استهلال القصّة ، حيث اخترق ابن هشام الإيهام القصصي، وحاول أن يشرك القارئ الفكرة ، فقال بعد أن أحسب خلوه من إحساس الكشف" أَيْنَ نَحْنُ مِنَ الحِيلَةِ" ، فجاءت النتيجة على غير العادة خالية من الحيلة وهذا ما نسميه الاستهلال المخادع، وكانت حيلة الإسكندري خالية الوفاض على غير العادة ، ورغم ذلك يحتوي القصّة على المباغتة والسخرية اللطيفة، وتعبر عن دقة فن القاص،لكنه يتابع في القصّة حتى يصل لقوم وينال منهم بمكره ويهرب مع صاحبه، وتكون قفلة القصّة مع الحيلة ، فيالتفاف وعودة القصّة لمجراها الذي سارت عليه أخواتها.
القصص تحمل من أدوات القص وتقاناته الحديثة الكثير، ولو عدنا إلى فنيات القصّة في كتاب رشدي رشاد ، لوجدنا معظمها قد توافر لدى بديع الزمان، فالحبكة والنسيج والبناء العام وبناء الشخصيات والمقدمة والوسط ونقطة التنوير والأثر الكلي للقصّة والمعنى كلها توافرت لدى القاص البديع في قصصه البديعة، بل كانت وحدة البناء قاسماً مشتركاً في كل مقاماته ، وهي تدور حول الكدية وتصور حيلهم، والمعنى العام هو تحليل لمفرزات المجتمع الجديد فخرج إلينا كتاب عام في موضوع واحد متقن الأساليب جميل العبر ظريف الفنون.
كتاب "الاستهلال في القصة " للكاتب طارق شفيق حقي


أسأل الله لكِ التوفيق والسداد والنجاح الدائم ، ولعل أحد الأفاضل يفصل لكِ بشكل مختصر إذا لم تكن هنا إجابتك .


والله الموفق