المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الصِّفَة المُركّبَة (المُشبَّهة)



د.أيوب جرجيس العطية
13-01-2011, 11:19 AM
الصِّفَة المُركّبَة ( المُشبَّهة ) بَيْنَ الافْتِراضَاتِ النَّحْويّة والواقِعِ اللُّغويّ .

الدكتور أيّوب جرْجيس العطيّة
الأستاذ المساعد في قسم اللغة العربيّة
الصِّفَة المُشبَّهة بابٌ من أبوابِ النحوِ العربيّ المستقلّة ، له أصولٌ وفروعٌ كثيرة ، أقامها النحويون على أساس نظرتهم الكلِّية للنحو العربيّ ، ولعلَّ أهمَها نظريةُ العامل التي جعلت هذا الباب ذا فروع كثيرة ، وفي إلحاقِها باسم الفاعِل في عمله ، وهذا أمر يتّضح لدارس هذا الباب بدءاً بسِيبَويهِ إذ أطلق عليه باب ( الصِّفَة المُشبَّهة بالفاعِل فيما عَمِلت فيه ) .
واشتُهر بكثرة صوره السماعيّة والقياسيّة ، وقد عمل النحويون على تضخيم هذه الصور وتفريعها ، حتى خرجت عن الحدّ المألوف أو الواقع اللُّغويّ ، فتولَّدت صور كثيرة ٌ لدى أصحاب الحواشي بلغت المئات ، بل الآلاف .
ولم يُقتصر الاهتمام بها على كتب النحو ، بل تعدَّى إلى كتب الصرف فوضع علماء الصرف لها باباً يتحدثون فيه عن تعريفها وصوغها وعملها .
وعلى الرغم من ذلك لا تجد لها تعريفاً دقيقاً ، ولا اتفاقاً على دلالتها على الزَّمَن ، ولا على تسميتها ؛ ولأجل ذلك رأيت إنَّ أكتب في هذا الباب لعلّي أُسدي شيئاً للغتنا العربيّة ، ولطلابها .
وعليه سأتحدث عن ستّة محاور مهمّة تتعلق بهذا الباب جعلتها مباحث هي :
1) حدُّها .
2) تسميتُها .
3) دلالتُها على الزَّمَن .
4) عملُها .
5) أنواعُها .
6) استعمالاتُها ( صورها ) .

علماً أنَّي أطلقتُ عليها ( الصِّفَة المُركّبَة ) مُقرناً بها مصطلح ( المُشبَّهة ) المعهود ، وقد أُطلقُ عليها مصطلح ( الصِّفَة المُشبَّهة ) مجاراةً للمؤلفات النَّحْويّة والصَّرْفيّة . إنَّ من ينظر إلى الصِّفَة المُشبَّهة من خلال مؤلفات النحويين يجد أمراً عجيباً واختلافاً واسعاً في الصور المجازة في هذا الباب ، وسأبدأ بعرض تلك الآراء تاريخياً بدءاً بسِيبَويهِ وانتهاء بالمعاصرين.
أولاً : سِيبَويهِ ( ت 180 هـ ) وكتابه (112)عمدة النحويين من أكثرهم قرباً من الواقع اللُّغويّ ذكر ثمانية تراكيب فأجاز أن تأتي الصِّفَة المُشبَّهة في سبعة تراكيب ، ووصف الثامن بالرداءة وهي:
1 ) هذا حسَنُ الوجْهِ ، بتنكير الصِّفَة وتعريف الموصوف وجرّ ( الوجه ) كما تقول هذا ضاربُ الرجلِ ، وهذا التركيب هو الأحسن والأكثر عنده .
2 ) هذا حسَنٌ الوجْهَ ، بنصب لفظة ( الوجه ) وتنوين الصِّفَة ( حسن ) وقد وجه النحويون نصب الصِّفَة في هذا التركيب بأنه على التشبيه بالمفعول ، وقال بعضهم: إنَّ نصبه على التمييز(113).
وهذا التركيب عربيّ جيّد عند سِيبَويهِ قال : والتنوين عربيّ جيّد ، وأحتج له بقول زهير(114):
هوَى لها أسفعُ الخدّينِ مُطّرقٌ ريشَ القوادمِ لم تُنصبْ له الشَّبَكُ
والشاهد فيه تنوين لفظة ( مطّرق ) ونصب لفظة ( ريش ) وساق أمثلة شعرية أخرى على هذا الاستعمال ، وقال : وهو في الشعر كثيرٌ .
3 ) مررتُ بالحَسَنِ الوجْهِ ، بتعريف الجزأين بالألف واللام وجر ( الوجه ) على قوله : هو الضاربُ الرجلِ .
4 ) مررتُ بالحَسَنِ الوجْهَ ، بنصب لفظة( الوجه) كما تقول : الضارب زيداً ، وقد وصفها سِيبَويهِ بأنّها عربيّة جيّدة ، قال الشاعر(115) :
فما قومي بثعلبةَ بنِ سَعْدٍ ولا بفزارةَ الشُّعرِ الرِّقابا
فأعمل الصِّفَة المقرونة بأل ( الشعر ) في منصوب مقرون ب(أل ) وهو ( الرقابا )
5 ) مررتُ بالحسن وجهاً : بتعريف الصِّفَة بالألف واللام وتنكير الموصوف . ونصّ على أنَّ هذا الأٍسلوب لا يجوز فيه إلا نصب لفظة ( وجه ) فقال: وزعم أبو الخطّاب أنَّه سَمِع قوماً من العرب ينشدون هذا البيت للحارث بن ظالم :
فما قومي بثعلبةَ بنِ سعدٍ ولا بفزارة الشُّعرى رقاباً
6 ) مررتُ بحَسَنٍ وجْهٍ ، بتنكير الصِّفَة والموصوف ، وقد أجاز سِيبَويهِ هذا التركيب قال: فمن ذلك قولهم :( حديثُ عهدٍ بالوجع ) ، وقال عمْرو بن شأس (116) :
ألكِني إلى قومي السلامَ رسالةً بآية ما كأنّوا ضعافاً ولا عُزْلا
ولا سيّئي زِيِّ إذا ما تلبّســـوا إلى حاجة يوماً مخيّــــــسَةً بُزْلا
الشاهد إضافة ( سيئي ) وهي صفة مشبهة إلى ( زيّ ) وهو نكرة .
وقال حُميد الأرقط(117) :
لا حقُ بطْنٍ بقِراً سَمينِ
الشاهد إضافة (لاحق ) إلى (بطن ) مع حذف أل كما تقدم في سابقه .
7 ) هذا رجلٌ حَسَنٌ وجْهاً ، بتنوين الصِّفَة ( حَسَن ) ونصب الموصوف ( وجهاً ) على التشبيه بالمفعول به ، أو على التمييز .
وقد أورد سِيبَويهِ شواهد شعرية على هذا الاستعمال منها(118):
هيفاءُ مقبلةً عجزاءُ مدبرةً مَحطُوطةٌ جُدلتْ شَنْباءُ أنيابا
حيث جاء لفظة ( أنيابا ) منصوبة ، وحذف التنوين من الصِّفَة؛ لأنَّها ممنوعة من الصرف .
8 ) مررتُ بحَسَنةٍ وجهَهَا، بتنكير الصِّفَة وتعريف الموصوف بضمير يعود إلى الاسم المتقدم قال: وقد جاء في الشعر( حسنة وجهها ) شبهوه بحسنة الوجه، وذلك رديء : قال الشمّاخ(119):
أقامت على ربعيهما جارتا صَفاً كُميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
أضاف الصِّفَة المُشبَّهة ( جونتا ) إلى معمول يشتمل على ضمير الموصوف ( مصطلاهما ) فجونتا مصطلاهما بمنزلة قولك : هذه امرأة حسنةُ وجهِهِا . وامرأتان حسنتا وجوههما .فالأصل أقامت جارتا صفاً جون مصطلاهما مثل :جون متوقدهما على أن يكون جون صفة جارتا صفاً وفعلاً لمصطلاهما : كما يكون حسن في قولك :
هذه امرأة حسنٌ. فعلا ً للوجه ورافعاً له وصفة للمرأة ، ثم جعل الفعل الذي هو للمصطلى لجارتا فقال: جونتا , وجرِّ مصطلاهما مع كونه مضافاً إلى ضمير صاحبتيه الجارّتين , كما جرّ وجهها في المسألة فقيل : هذه امرأة حسنة وجهها . والصحيح المستحسن(120) أن يقال : جونتا المصطلى , كما كان المختار الجيد هذه امرأة حسنةُ الوجهِ .
ثانيّا : المبرد ( ت 286هـ ) أجاز ستة تراكيب هي(121) : ـ
1 ـ هذا رجلٌ حَسَنٌ وجهُهُ : بتنكير الصِّفَة وتعريف الموصوف ( وجهُه ) بضمير يعود إلى الاسم المتقدم وجواز الرفع في ( وجهه ) ، وهذا الاستعمال هو الأصل عند المبرد : و هو بمنزلة (هذا رجل قائم أبوه ) .
2 ـ 3 ـ هذا رجلٌ حَسَنُ الوجهِ أو حسنٌ الوجهَ : بتنكير الصِّفَة وتعريف الموصوف وأجاز الجرَّ والنصبَ في لفظة ( الوجه ) .
4 ـ مررتُ بحَسَنةٍ وجهٍ :
5 ـ مررتُ بحَسَنٍ وجه :
6 ـ مررتُ بالحَسَنِ وجهاً : بتعريف الصِّفَة وتنكير الموصوف ونصّ على نصب ( وجهاً ) ولا يجوز فيه إلا غير ذلك ، وعقب على هذه الصور التي أجازها بقوله : ( فهذه الأوجه عربيّة جيّدة ) .
ومن خلال الموازنة مع ما أجازه سِيبَويهِ نلحظ :
أ - أنَّ الصور التي ذكرها المُبرِّد وجعلها الأصل في باب الصِّفَة المُشبَّهة لم يذكرها سِيبَويهِ بالرفع ، وإنَّما ذكرها بالجرّ ووصفها بالرداءة ؛ وذلك لأنَّ سِيبَويهِ يرى أنَّ الأًصل في الاسم التالي للصفة أن يكون نكرة أو معرفة بالألف واللام ولا يجيز فيه الإضافة إلى الضمير. وربما غرّ المبرِّدَ تفسيرُ سِيبَويهِ حينما قال في حسن الوجه: وكان الألف واللام أولى لأنَّ معناه حسنٌ وجهُهُ ، فكما لا يكون هذا إلا معرفة اختاروا في ذلك المعرفة(122) ، فجعل ما فسره سِيبَويهِ أصلاً للباب .
ب - أنَّه لم يذكر جواز استعمال الصِّفَة والموصوف معرفين بالألف واللام معاً وهو ما ذكره سِيبَويهِ وأجاز فيه جرّ الموصوف ونصبه .
ثالثاً : ابن السَّرَّاج(123) : ( ت 316 هـ ) والزجّاجيّ ( ت 337هـ )(124):
جعلها ابن السّراج تحت( باب الأسماء التي أُعملتْ عملَ الفعلِ ) ومنها اسم الفاعِل والمفعول به ثم الصِّفَة المُشبَّهة باسم الفاعِل وأجاز :
1 ـ زيدٌ حَسَنٌ وجهُهُ ، وكريمٌ أبوه ، وجعله أصلاً للباب بقوله ( فهذا هو الأصل وبعده في الحسن) هو:
2 ـ زيدٌ حَسَنُ الوجهِ ، وقال عنه : ( إلا أنَّ الإضافة ... . . هو الذي نختار )(125) .
3 ـ زيد حسنٌ الوجهَ.
4 ـ زيد حسنٌ وجهاً.
5 ـ زيد حسنُ وجهٍ .
6 ـ الحسنُ وجهاً ولم يُجِز الحسن وجهٍ .
7 ـ الحسنُ الوجهَ مثل الضارب الرجلَ .
8 ـ الحسنُُ الوجهِ ... وقال : ويدلك على ( الحسن الوجه ) نكرة لأنَّك وصفته به نكرة ) كقولهم: مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ ، و الحسنِ الوجهِ .
9ــ مررت بالحسن الوجه الجميلةِ ، وبالحسن العبد النبيلةِ .
هكذا ضبطها محقق كتاب( الأصول )، والصحيح هو : بالحسن الوجه الجميلةِ ، وبالحسن العبد النبيلةِ. هذا ما يذكره النحويون ولا سيّما المتأخرين عند الحديث عن معمول الصِّفَة المُشبَّهة فيكون ضميرا منصوبا محلا إن باشرته الصِّفَة وقرنت بأل كما في المثال المذكور.
أما الزجاجي فقد ذكر أحد عشر تركيباً : الثمانية التي ذكرها ابن السراج ثم زاد ثلاثة هي(126) :
1 ـ مررت بالرجل الحسن وجهُهُ .
2 ـ مررت برجل حسنٍ وجهِهِ : وذكر أنَّ سِيبَويهِ قد أجاز هذا الوجه وخالفه جميع الناس في ذلك من البصريين والكوفيين ، وقالوا هذا خطأ ؛ لأنَّه قد أضاف الشيء إلى نفسه كما قالوا .
واعترض عليه(127) بأنَّ سِيبَويهِ لم يجزه ، إنَّما قال: ( وقد جاء في الشعر حسنه وجهها .. وذلك رديء وأما مخالفة جميع الناس فلم يخالف سِيبَويهِ فيما قال من إجازته في الشعر واستدلاله بالبيت إلا المبرد .
3 ـ مررت بالرجل الحسن الوجه ُ : يرفع ( ا لوجه ) وللنحاة تخريجات في هذا التركيب :
أ- مذهب الكوفيين وهو أنَّ الأصل : مررت بالرجل الحسن وجهه ، ثم حذف منه الضمير وعوضت منه الألف واللام فقيل مررت بالرجل الحسن الوجه(128) .
ب - ما ذهب إليه الزجاج وهو أن يكون الضمير محذوفاًَ والتقدير : مررت بالرجل الحسن الوجه منه ، ثم حذف الضمير للعلم به .
ج - أنْ يكون ( الوجه ) نائب فاعل ، أو بدل من الضمير المستتر في ( الحسن ) كقوله تعالى ( وإنَّ للمتقين لحسن مآب * جنات عدنٍ مفتحةً لهم الأبواب- سورة ص آية 49 -50 ).
فالأبواب بدل من الضمير المستتر في ( مفتحةً ) ورجح ابن هشام الوجه الأول لضعف مثل : مررت بامرأة حسنة الوجه ( 129)
قال الشيخ عبد القاهر(130) : اعلم أنَّك إذا قلت : مررت برجل حسن الوجه ,فرفعت الوجه لم تخل من أمرين :
أحدهما : أن ترفع الوجه بحسن، وتجعل فيه ضميراً للرجل أو ترفع به الوجه فقطْ فلا يجوز أن ترفع الوجه مع تقدير ضمير الرجل ,لما تقدم من أنَّه لا يرفع بشيء واحد فاعلان ، وإذا بطل هذا بقي القسم الثاني وهو أن تقول : مررت برجل حسن الوجه فترفع الوجه بحسن ولا تجعل فيه ضميراً للموصوف .وتقول : مررت بامرأة حسن الوجه ,فلا تؤنث لأجل أنَّ الفعل للوجه وعار من الضمير( 131) . وهذا قبيح غير جائز إلا في حال الاضطرار .وذاك أنَّك تعرّي الصِّفَة من عائد إلى الموصوف، وذلك لا يجوز لأنَّ الصِّفَة إذا لم تلتبس بالموصوف الذي قبله ولم تتعلق به لم تكن به أولى منها بغيره .
رابعاً : الزمخشري ( ت 538 )(132):
أجاز في كتابه ( المفصل) : سبع صور هي :
1 ـ حسن وجهِهِ : بتنكير الصِّفَة وتعريف الموصوف بضمير يعود على الاسم المتقدم ويجوز فيه الجر على الإضافة واستشهد بقول الشماخ(133) :
أقامت على ربعيهما ..... .... جونتا مصطلاهما
وأنشد أبو عمر الزاهد قولهم(134) :
ألعتها أنَّي من أمّاتها كوم الذري وادقةً سُرّاتِها
ويروي البيت على :
أنعتها أنَّي من نعّاتها كوم الذري وادقةً سُرّاتها
2 ـ حسن وجهُهُ
2 ـ حسن وجهَهُ
4 ـ حسن وجهٍ : بتنكير الجزاءين ويجوز فيه ( وجه ) الجر على الإضافة .
5 ـ حسن وجهاً :
6 ـ حسن الوجه ، بتنكير الصِّفَة وتعريف الموصوف بالألف واللام و يجوز في الموصوف ( الوجه ) الجرّ.
7- ويجوز فيه نصب ( الوجه ) واستشهد له ابن بعيش بقول النابغة(135):
ونأخذ بعدهُ بذناب عَيْشٍ أجبَّ الظهرِ ليس له سنامُ
والشاهد في نصب ( الظهر ) والألف واللام بـ ( أجبّ ) لأنَّه على نية التنوين ولو كان في غير نية التنوين لا نجرّ ما بعده بالإضافة .
نلحظ أنَّ الزمخشري أجازَ الصورَ الثلاث الأولى في حين منعها سِيبَويهِ في كتابه ولم يذكر إجازة الرفع والنصب في ( حسن وجهه ) . ونصّ على أنَّ جرّ لفظة ( وجهه ) أسلوب رديء . أما الصور الأربع الأخيرة فقد ذكرها سِيبَويهِ ومن جاء من بعده .
وزاد ابن يعيش شارح ( المفصل )(136) على ما ذكره الزمخشري أربع صور أخرى هي :
1 ـ الحسن الوجه ، وأجاز النصب والجرّ في لفظة ( الوجه ) واستشهد بقول الشاعر:
فما قومي بثعلبةَ بنِ سعْدٍ ولا بفزارةَ الشُّعرِ الرِّقابا
2 ـ الحسن وجهاً ، وأجاز النصب في ( وجه )
3 ـ الحسن وجهه ، وأجاز الرفع في لفظة ( وجهه ).
قال : وتقول : مررت بالرجل الحسن الوجهُ برفع الوجه وفيه نظر لخلوه من العائد(137) .
قال ابن يعيش : وقد أنشدوا بيت امريء القيس(138):
كبكرٍ المقاناة البياض بصُفرةٍ غذاها نميرُ الماء غير محلّلَّ
على ثلاثة أوجه : الجر والنصب والرفع : فالجر كقوله الحسن الوجه ، والنصب كقوله : الحسن الوجه على التشبيه بالمفعول به ، والرفع كقوله : الحسن الوجهُ على ما ذكرناه من إرادة العائد فاعرِفْهُ ))(139) .حين أنّ الصور أصبحت إحدى عشرة صورة عند ابن يعيش .
وأجاز سِيبَويهِ في كتابه اثنتين منهما هما اللتان نص ابن يعيش على جواز النصب فيهما ولم يذكر في كتابه الصورتين اللتين نصّ ابن يعيش على جواز الرفع فيهما . والصورة الثانية هي الأصل عندهما لأنَّ الحسن إنَّما هو للوجه ... ولذلك ارتفع بالفعل وليس فيه ثقل ولا تغيير والهاء في ( وجهه ) هو العائد إلى الموصوف الذي هو رجل(140).
هذا ولأكثر النحاة فلسفة خيالية فيما تقدم(141): إنَّ إضافة اسم الفاعِل إلى مرفوعه تمّ علي الصورة السابقة في ثلاث مراحل مرتبة(142) :
أولها : تحويل الإسناد عن المرفوع إلى ضمير الموصوف .
ثإنَّيها : نصب المرفوع بعد ذلك على التشبيه بالمفعول به .
ثالثها : جره على الإضافة .
ففي مثل ذلك : الطبيب رائف القلب ,يكون الأصل : الطبيب رائف قلبه ؛ برفع كلمة( قلب ) – ثم يتحول الإسناد عن المرفوع السببي , وينتقل إلى الضمير المضاف إليه ؛ وهو (الهاء) ويستتر هذا الضمير في الوصف : (رائف) ويعوض منه (أل) في رأي الكوفيين(143) ؛ وينصب المرفوع الذي تحول عنه الإسناد ؛ لأنَّه صار بعد تحويل الإسناد عنه أشبه بالفضلة؛ بسبب استغناء الوصف عنه بضمير الموصوف ؛ فينصب مثلها ويصير : ( الطبيب رائف القلب ). ثم يجر بالإضافة ؛ فراراً من القبح البادى في إجراء الوصف اللازم أو ما يشبهه مجرى المتعدي .(والمراد به ما يشبهه(144) : الوصف المتعدي لمفعول واحد ,ومفعوله محذوف ) . فيصير ( الطبيب رائف القلب ).
ويقولون في تعليل هذه المراحل الثلاث(145) المتخيلة : أنَّه لا يصح إضافة الوصف لمرفوعه مباشرة :؛ لأنَّه عينه في المعنى ؛ فليزم إضافة الشيء إلى نفسه(146) , ولا يصح حذفه لعدم الاستغناء عنه , فلم يبق طريق إلا إضافته لمرفوعه إلا ذلك الطريق الذي وضحنا مراحله . وكل هذا كلام افتراضي ، فإغفاله خير .

خامساً : ابن الحاجب ( ت 646هـ)(147)و( ابن عصفور ت 669 هـ )(148)( والرضي ت 686 هـ)(149)
ذكر هؤلاء النحاة إنَّ الصِّفَة المُشبَّهة تتكون من ثماني عشرة صورة بحسب مجيء الصِّفَة مع معمولها وسأعرض ما ذكره ابن عصفور ثم الرضي .
قسم ابن عصفور الصِّفَة المُشبَّهة بحسب الصِّفَة فقد تكون نكرة أو معرفة و معمولها قد يكون معرفاً بــ ( أل ) أو بالإضافة ، أو يكون مجرداً منهما وهي كالآتي :















فالصور عنده ثماني عشرة صورة ، ثلاث عشرة صورة جائزة واثنتان ممتنعتان ، وثلاثة جائزة في ضرورة الشعر.
أما الرضي(150) فقد قسمها من حيث الجواز والقبح إلى أنواع وهي كالآتي :
أولاً : صور جائزة في الاستعمال وتشمل ست صور :
1 ـ الحسنُ وجهُهُ
2 ـ حسنٌ وجهُه
قال عنهما : هما حسنتان كثيرتا الاستعمال ، وإنَّما كانتا أصلين لأنَّ ( الوجه ) فاعل في المعنى فالأصل ارتفاعه بالصِّفَة ، وإذا ارتفع بها فلا بد من الضمير في متعلق الصِّفَة إذ ليس في الصِّفَة ضمير(151).
3 ـ الحسن وجهاً
4 ـ حسنٌ وجهاً
5 ـ الحسنَ الوجهِ
6 ـ حسنُ الوجهِ
وهي عنده وجوه حسنة كثيرة الاستعمال.
ومن الواضح إنَّ سِيبَويهِ ذكر هذه الصورة وأجازها ما عدا الصورتين الأولى والثانية لم يذكرهما في كتابه .
ثانيّا : صور قليلة في الاستعمال وهي ثلاث صور :
1 ـ الحسن الوجهَ ، بتعريف الجزأين ونصب ( الوجه ) .
2 ـ حسن الوجهَ ، بتنكير الصِّفَة وتعريف المعمول ونصب الوجه .
3 ـ حسن وجهٍ ، بتنكير الجزأين وجر ( الوجه ) وهذه مسألة لا قبيحة ولا غاية في الحسن وقد أجازها سِيبَويهِ في كتابه .
ثالثاً : صور قبيحة لا ينتهي إلى معناها في حال السعة وتخصيصها بضرورة الشعر وفي سبع صور :
1 ـ الحسَنُ وجهُ ، بتعريف الصِّفَة وتنكير الموصوف ورفعه
2 ـ حَسَنٌ وجهُ ، بتنكير الجزأين ورفع ( و جه )
3 ـ الحسنُ الوجهُ ، بتعريف الجزأين ورفع ( الوجه )
4 ـ حسنُ الوجهُ ، بتنكير الصِّفَة وتعريف الموصوف ورفعه
ومنها ثلاث صور قبيحة لا تجوز إلا في ضرورة الشعر عند البصريين جائزة في السعة بلا قبح عند الكوفيين وهي :
5 ـ الحسن وجهَهَ
6 ـ حسن وجهَه
7 ـ حسن وجهِه بجر ( وجهه )
وهي صور لم يذكر منها سِيبَويهِ إلا صورة واحدة ووصفها بالرداءة وهي ( حسنه وجهِهِ ) بالجر .
رابعاً : صور باطلة اتفاقاً وهما صورتان :
1 ـ الحسن وجهه ، بجر لفظة ( وجهه ) وهي معرفة بالضمير
2 ـ الحسن وجه ، بجر لفظة ( وجه ) وهي نكرة
ومعظم النحويين متفقون على منع هاتين الصورتين .
سادساً : أما النحاة اللاحقون لهؤلاء ومنهم ابن مالك ( ت 672 هـ ) وشُرّاح ألفيته فقد حكموا القياس الرياضي والافتراضات الذهنية في هذا الباب فأجازوا صوراً كثيرة وتراكيب شتى يتحير منها العقل الرياضي ، وواقع اللغة يأبى أكثره .
قال ابن مالك في ألفيته :
فارفعْ بها وانصِبْ وجرَّ _ مع ألْ ودون أل- مصحوب أل ْ وما اتصلْ
بها مضافاً أو مجــــرداً ولا تجررْ بها- مع أل- سُماً من ألْ خلا
ومن إضـــافةٍ لتاليها ومــــــــا لم يخلُ فهو بالجــــوازِ وُسٍـــــــــمَا
وجاء شُرّاح الألفية فقال ابن عقيل ( ت 769 هـ )(152) وابن هشام ( ت 761 هـ ـ )(153) شرحاً لهذه الأبيات: إنَّ الصور الجائزة تبلغ ستاً وثلاثين صورة ، وتبعهم السيوطي( ت 911 هـ )(154) .
قال ابن هشام(155) : لمعمول هذه الصِّفَة ثلاث حالات الرفع على الفاعِلية …والخفض بالإضافة والنصب على التشبيه بالمفعول إنَّ كان معرفة ، وعلى التمييز إن كان نكرة ، والصِّفَة مع كلً في الثلاثة إمّا نكرة أو معرفة وكل من هذه الستة للمعمول معه ست حالات ، لأنَّه إما بأل كـ( الوجه ) أو مضاف لما فيه أل كــ( وجه الأب ) أو مضاف للضمير كـ( وجهه ) أو مضاف لمضاف للضمير كــ( وجه أبيه ) ، أو مجرد كــ( وجه ) أو مضاف إلى المجرد كـــ( وجه أب ) فالصور ست وثلاثون والممتنع منها أربع وهي أن تكون الصِّفَة بأل والمعمول مجرداً منها ومن الإضافة إلى تاليها وهو مخفوض كــ( الحسن وجهه ) أو ( وجه أبيه ) أو ( وجهٍ ) أو ( وجهِ أب ) .
ونص ابن مالك في ( شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ )(156) على اثنتين وثلاثين صورة مجازة .
وسِيبَويهِ لا يجيز في (الموصوف ) أو ( معمول الصِّفَة ) إلا التعريف بالألف واللام ، أو التنكير أما بقية الأوجه التي ذكرها فهي في كتابه قال : ( الصِّفَة المُشبَّهة تعمل فيما كأنّ من سببها معرفاً بالألف واللام أو نكرة لا تجاوز هذا )(157).
والصورة التي ذكرها الرضي ووسمها بالقُبح هي جائزة عند الكونيين وأجازها ابن مالك(158)وهي : حسنُ وجههُ ( بالنصب ) واستدلّ بقراءة ابن أبي عبلة(159)(فإنَّه آثمٌ قلبَهُ – البقرة 283 ) ، وبقول الشاعر(160):
تُعيّرنا إنَّا قليلٌ عدادَنا فقلت لها : إنَّ الكرام قليلُ
وكذلك أجاز قولهم : ( حسن وجهِهِ ) بجرّ ( وجهِهِ ) واستشهد بأربعة شواهد هي :
1) قول الشاعر(161):
سَبتني الفتاة البضّةُ المتجرّدة الـ لطيفةُ كشحه وما خلتُ أنْ أُسبى
2) وحديث وصف الدجال ( أعور عينِهِ اليمنى )(162).
3) وحديث أم زرع ( صفر وشاحها )(163)والوارد ( ملء كسائها ).
4) وحديث علي في وصف النبي ( شثن أصابعِهِ )(164)والوارد هو ( طويل أصابعه ).
وإذا كأنّ في إجازة ابن مالك لـ( حسن وجهه ) بالجر استناداً إلى الكلام الفصيح في الشعر والنثر وجه صحيح فإنَّه لا وجه لإجازته ( حسن وجهُ ) محتجّاً بشاهدين من الشعر ومنه(165):
بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ فهل أنت مرفوع بما ههنا رأسُ
والنادر لا يصلح أن يكون شاهداً لإثبات حكم نحوي .
وقد تضخمت هذه الصور عند الأشموني ( ت 900 هـ )(166) أحد شُّراح الألفية المتأخرين ، فبلغت عنده خمساً وسبعين صورة بطريقة حسابية هي :
الصِّفَة لها ثلاث حالات : الرفع والنصب والخفض، والصِّفَة مع كل من الثلاثة إما نكرة أو معرفة وهذه الستة في أحوال السببي ( وهي اثنا عشر سبباً ) فتلك اثنتان وسبعون صورة .
الممتنع منها ما لزم إضافة ما فيه (أل ) إلى الخالي منها، ومن الإضافة لتاليها ، أو الضمير تاليها وذلك تسع صور هي :
1 ـ الحسنُ وجهٍ
2 ـ الحسن وجهِ أب
3 ـ الحسن وجههِ
4 ـ الحسن وجه أبيه
5 ـ الحسن ما تحت نقابه
6 ـ الحسن كلِّ ما تحت نقابه
7 ـ الحسن نوالٍ أعده
8 ـ الحسن سنان رمح يطعن به
9 ـ الحسن و جه جاريتها الجميل أنفه
وما سوى ذلك فجائز وقسمه إلى قبيح وضعيف وحسن :
فالقبيح رفع الصِّفَة مجردة كانت أم مع ( أل ) المجرد من الضمير والمضاف إلى المجرد منه وذلك ثمان صور هي :
1 ـ الحسن وجهً
2 ـ الحسنُ وجهُ أبٍ
3 ـ حسنٌ وجهُ
4 ـ حسنٌ وجهُ أبٍ
5 ـ الحسنُ وجهُ الأبِ
6 ـ حسنُ الوجهُ
7 ـ حسنٌ وجه الأبِ
8 ـ الحسن الوجهُ
والضعيف نصب الصِّفَة المنكرة المعارف مطلقاً ، وجرها إياها سوى المعرف بـــ ( أل ) والمضاف إلى المعرف بها ، وجر المقرونة بأل المضاف إلى ضمير والمقرون بها وذلك خمس عشرة صورة هي :
1 ـ حسنُ الوجه
2 ـ حسنٌ وجه الأب
3 ـ حسنٌ وجهَهُ
4 ـ حسن وجه أبيه
5 ـ حَسن ما تحت نقابه
6 ـ حسن كلّ ما تحت نقابه
7 ـ حسن وجه جاريتها جميلة أنَّه
8 ـ حسنة الوجنة جميل خالها
9ـ حسنٌ وجههُ
10 ـ حسنٌ وجه أبيه
11 ـ حسنٌ ما تحت نقابه
12 ـ حسن كل ما تحت نقابه
13 ـ حسن وجه جارتها جميلة أنفِهِ
14ـ حسن الوجنة جميل خالها
15 ـ الحسن الوجنة الجميل خالها
وأما الحسَنُ فهو ما عدا ذلك وجملته أربعون صورة وبهذا أصبحت اثنتين وسبعين ثم ذكر ثلاث صور قبيل الخاتمة وهي :
1 ـ مررت برجل حسنِ الوجه جميله
2 ـ قريش نجباء الناس ذرية وكرامهموها
3 ـ زيد الحسنُ الوجهِ الجميله
فبهذا صارت خمساً وسبعين صورة ولم يكتف الأشموني بهذا ، بل وضع جدولاً ليتعرف القارئ إلى أمثلة الصِّفَة المُشبَّهة بسهولة كما يقول ، ورسم دليلاً سياحياً للقارئ وإليك الجدول مع الرسم السياحي .
قال: وقد وضعت لذلك جدولاً تتعرف منه أمثلته وأحكامه على التفصيل المذكور بسهولة , مشيراً إلى ما لبعضها من دليل بإشارة هندية , وإن كان كثيراً أشرت إلى كثرته بكاف عربية . جامعاً في ذلك بين كل متناسبين بإشارة واحدة .
1) لاحِقِ بطنٍ بِقراً سمينِ لا خَطِلِ الرَّجعِ ولا قرُونِ
2) أجبَّ الظهرَ ليسَ لهُ سنَامُ
3) هيفاءُ مُقبِلةً عجزاءُ مُدبِرةً محطوطةٌ جُدِلت شنباءُ أنيابَا
4) ببُهمةٍ مُنيتُ شهمٍ قلبُ
5) تُعيِّرُنا إنَّأ قليلٌ عِدادَنا فقلتُ لها إنَّ الكرام قليلُ
6) أزور امرأً جَمًّا نوالٌ أعدَّةُ
7)سَبَتني الفتاةُ البضَّة المتجرد الـ لطيفة كشحِه ….......
8) فما قومي بثعلبة بنِ سعدٍ ولا بفَزَارة الشُّعرِ الرِّقابا
9) الحَزْنُ باباً والعقُور كَلْبا
10) فاقصد يزيد العزيزَ مَن قَصَدَه



ثم قال : (( وطريقة معرفة هذا الجدول أن تضع الورقة التي هو مرسومٌ فيها بين يديك بحيث تكون أبيات الصِّفَة المعرفة بـ(أل) مما يليك ، ثم ترفع بصرك إلى أبيات الصِّفَة المنكرة ، فإذا فرغت مها تنظر إلى أبيات الصِّفَة المعرّفة بـ (أل ) ، وقد جعل في رأس أبيات النوعين خمس بيوت مكتوب في أول بيت منها الجر وفي الثاني النصب وفي الثالث الرفع وفي الرابع السببي وفي الخامس الصِّفَة، ووصل كل بيت من هذه الأبيات باثني عشر مربعاً , فالمربعات الموصولة بالأخيرين منها الصِّفَة ومعمولها السببي المنقسم إلى اثني عشر قسماً كما تقدم , والمربعات الموصولة ببيت مكتوب فيها حكم المعمول السببي الذي في مربعاته كلها، وكذلك في بيت النصب وبيت الرفع فما قابله منها ممتنع فهو ممتنع وما قابله حسن فهو حسن وهكذا ))(167) انتهى نص الأشموني , شكر الله سعيه.







أما الصّبَّان ( ت 1206 هـ )(168) فقد بلغت عنده الصور إلى الحد الذي لا يرقى إليه خيال ولا يتصوره ذهن ولا يمكن للعقل البشري أن يحيط به وبدأ يزيد من حيث انتهى الأشموني فقال : وصارت الصور خمساً وسبعين .
والصِّفَة إما مفردة أو مثناه أو مجموعة جمع سلامة أو تكسير مذكرة أو مؤنثة فإذا ضربت الثماني في خمس وسبعين صارت ستمائة ، والصِّفَة أيضاً إما مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة ، فإذا ضربت الثلاث في ستمائة صارت إما مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة ، فإذا ضربت الثلاث في ستمائة صارت ألفاً وثمانمائة ، ومعمول الصِّفَة إما مفرد أو مثنى أو مجموع جمع سلامة أو تكسير مذكراً أو مؤنثاً ، فإذا ضربت الثماني في الألف وثمانمائة صارت أربعة عشر ألفاً وأربعمائة ، تسقط منها مائة وأربع وأربعون من صور المعمول الضمير ..... فالباقي أربعة عشر ألفاً ومائتان وست وخمسون صورة بعضها جائزة وبعضها ممتنع(169).
أو بطريقة أوضح: لمعمول الصِّفَة المشبهه حالات ثلاث هي الرفع والنصب والجر . ثم هي في ذاتها مع تلك الحالات , نكرة ومعرفة .
فهذه إذن ست حالات . فإذا استعملت في حالات السببي – وهو اثنتا عشرة حالة – فالحصيلة تكون 6×12=72 صورة
يضاف إليها ثلاث حالات تتعلق بالضمائر, فيكون 3+72=75 صورة .
ثم حالات الإفراد التثنية والجمع وهي ثمان , فيكون 8×75=600صورة .
ثم حالات رفع الصِّفَة ونصبها وجرها , ومنه 3×600=1800صورة .
ثم حالات إفراد معمول الصِّفَة وتثنية وجمعة وهي ثمان , ومنه 8×1800=14400صورة .يخرج منها 144 حالة ممتنعة , فتكون الحصيلة 14400-144=14256صورة .
وكذلك فعل الخضري ( ت 1870 م = 1296 هـ )(170) حيث بلغت عنده إلى الحد الذي لا ينتهي إليه ، فقد بلغت عنده أربعة عشر ألفاً وأربعمائة وستون وقال في موضع آخر: إنَّها تبلغ واحداً وعشرين ألفاً وثمانمائة وثمانية وثمانين، و قال : وعند التأمل تزيد الصور على ذلك كثيراً لأنَّ أنواع السبب الاثني عشر منها ستة في كونه مضاف للضمير أو لما هو مشتمل عليه وعلى كل منها مرجع الضمير إما بـــ (أل ) أو لا ، ويختلف في بعضها كما يعلم فيما يأتي فتكون أنواع السببي ثمانية عشر في أصول إعرابه بأربعة وخمسين في كون الصِّفَة بــ ( أل ) أو لا ، بمائة وثمانية ثم ثلاثة كون المعمول ضميراً ، إما مرجعه بــ ( أل ) أو لا ، بستة فالجملة مائة وأربعة عشر تضرب في المائة والاثنين والتسعين المارة تبلغ واحداً وعشرين ألفاً وثمانمائة وثمانية وثمانين يتعذر منها ضعيف ما مر لأنَّه يضرب في كون المرجع بــ ( لا ) أو لا ، فتأمل والله أعلم ))(171).
وقد أشار الشيخ الأزهري (ت 929 هـ )(172)إلى هذه الحسابات فقال : وأوصل بعض المتأخرين ، ولم يسمهم ـ الصور الحاصلة من الصِّفَة ومعمولها إلى أربعة عشر ألفاً ومائتين وست وخمسين ثم ذهب يشرح ما وضعوه . ولعله يشير إلى أناس سبقوه أو عاصروه أما الصبان والخضري فقد عاشا وتوفيا بعده .
وعلّق عباس حسن(173) بعْد أنْ ذكر ما ذكره النحويون كابن مالك وغيره فقال: وينشأ من هذا التفريع صور متعددة ، أكثرها صحيح ، وأقلّها غير صحيح ، ومن المشقة والإرهاق أن نتصدّى لحصر صورها ، ونحدد عددها على الوجه الذي فعله بعض الخياليين فأوصلها إلى مئات ، بل إلى ألوف ، وانتهى به التحديد إلى ما لا خير فيه.
وإذا كان التحديد على الوجه السلف خياليّا مرهقا فإنَّ الحرص على سلامة الأداء وصحة التعبير يقتضي منّا أنَّ نعرف الصور الممنوعة كي نتجنّبها ، ونصون أنفسنا من الخطأ.
أحقاً أنَّ هذه لغتنا ؟ وأنَّ العربيّ إذا احتاج إلى الإبانة عمّا في نفسه لمْ يستطعْ حتّى يستعين بهذه الأرقام والجداول فيعرفَ القبيح والأقبح ، والحسن والأحسن ، والجائزوالممتنع.






ويمكن أنَّ أستخلصَ أهمَّ النتائج التي توصلت إليها وهي :
1) أنَّ النحويين لم يُقدّموا تعريفاً جامعاً للصفة المُركّبة ( المُشبّهة ) على الرغم من كثرة الحديث عنها وسعة بابها ، فقدّمت لها تعريفاً يجمع حدودها ، ويَلمُّ أشتاتها ، وهو : ( هي اسم مشتقٌّ من فعلٍ لازم غالباً ، مُركّبَة من صفةٍ عاملةٍ في معمولها ، ملابسة له للدلالة على ثبوت معناها نحو : نبيل طبعُهُ ، نبيل الطبعِ ، ونبيل طبعَهُ ، ونبيل طبعاً ) .
2)أنَّ الصِّفَة تنقسم إلى قسمين هما : ( الصِّفَة البسيطة ) وهي ما تسمّى بـ ( النعت الحقيقي ) عند النحويين ، و ( الصِّفَة المُركّبة ) وهي ما تسمّى بـ ( النعت السببيّ ) عندهم ، والنعت الحقيقي عادة ما يكون وصفاً عاماً ، أما النعت السببيّ ( الصِّفَة المُركّبة ) فهو يدل على جزئية معينة في الموصوف مثل : ( حسنُ الوجه ) فهو أخصّ من الأول .
أنَّ إطلاق ( الصِّفَة المُشبّهة ) على الصفات مثل : نبيل ، كريم ، جبان ، وبطل لم يكن دقيقاً ؛ وذلك لأمرين :
أحدهما : أنَّ الصِّفَة المُشبّهة لا تسمى صفةً مشبهة عند النحويين إلا إذا عملت في موصوفها وهذه لم تعمل .
والآخر : أنَّ مصطلح الصِّفَة المُشبّهة أطلق عليها ؛ لأنَّ أشبهت اسم الفاعِل في العمل واسم الفاعِل أشبه الفعل المضارع . وفي الحقيقة إنَّها تختلف عنه كثيرا ، فكأنّ المصطلح بعيد من حيث التشابه ، فإطلاق ( الصِّفَة المُركّبة ) عليها أدق ؛ لأنَّ صفة رُكبت مع موصفها تركيباً إسنادياً ( في حالتي الرفع والنصب ) وإضافياً ( في حالة الجرّ ) .
أنَّ طبيعة هذا الأسلوب تقتضي أن تدرس ( الصِّفَة المُركّبة ) في باب النعت لأنَّ جزء منه ، ولا حاجة لدراستها في باب مستقلّ كما صنع النحويون .
أنَّ كثيراً من النحويين حينما يتحدّثون عن الصِّفَة المُركّبة ( المُشبّهة ) لم يبيّنوا شروطها المهمة التي تميزها من غيرها وأهمها : عملُها في موصوفها رفعاً أو نصباً أو جرّا ، وملابستها لموصوفها . وهذا خلل في المنهج واضح .
أنَّها تدل على الزَّمَن المطلق أو الأزمنة الثلاثة ؛ لأنَّ تدل على الثبوت ، ولا تدل على ماضٍ أو حالٍ كما ذهب إلى ذلك بعض النحويين ، بل تخرج إلى زمن معين كالماضي أو الحاضر بقرينة لفظية أو حالية .
أنَّ الصفات نحو : ( شبعان ، وريان ، وجوعان ) لا تدل على الحدوث كما نصّ على ذلك عدد من المصنفات النَّحْويّة القديمة والمعاصرة ، وإنَّما تدل على الثبوت أيضاً كقولنا : صديان الروح ، ويقظان الهوى .. والذي ذهب إلى معنى الحدوث فيها نظر إليها وهي في خارج تركيب الصِّفَة المُشبّهة نحو : شبعان … وهذه ليست صفات مشبهة كما ثبت في البحث .
أنَّ النصب في قولهم : ( حسن وجهَه ، وحسن الوجه ، حسن وجهاً ) ، على التمييز أرجح من قولهم : ( على التشبيه بالمفعول به ) فقولهم يُفضي إلى أمور معنوية وصناعية غير مقبولة .
أنَّ الصِّفَة المُركّبة ( المُشبّهة ) تُقسم إلى ثلاث إنَّواع : صفة أصلية ، وصفة ملحقة بها وهي التي عوملت معاملة الصِّفَة المُركّبة كاسم الفاعِل ، وصفة جامدة والقول بقياسيّتها أولى وأرجح لصالح اللغة ومستعمليها بدلاً من القول بعدم قياسيّتها من غير فائدة مرجوة .
أنَّ الافتراضات العقلية أو الذهنية كانت كثيرة في هذا الباب كقولهم : ( الضارب الرجلِ ) شبهوه بـ ( الحسن الوجهِ ) و( الحسن الوجه ) شبهوه بـ ( الضارب الرجل ) فيصير الشيء محمولاً على نفسه وهذا مستحيل .
ومنها : أنَّ جرّ ( حسن الوجهِ ) لم يحصل إلا بعد أن حُوّل الإسناد عن المرفوع إلى ضمير الموصوف ، ثم نٌصب على التشبيه بالمفعول به ، ثم جُرّ على الإضافة ومنها : إنَّ نصب ( حسن وجهاً )يجوز على التشبيه بالمفعول به ، وفي الوقت نفسه يعربونه تمييزاً اتفاقاً وهو الصحيح الموافق لواقع اللغة معنى وصناعة .
أنَّ صور الصِّفَة المُركّبة ( المُشبّهة ) قليلة كما في شواهد اللغة ولكن النحويين ولا سيّما المتأخرين ضخموا تلك الصور إلى حدّ لا يرقى إليه خيال ، ولا يتصوره ذهن ، ولا يمكن للعقل البشري أن يحيط به ، فبلغت عندهم إحدى وعشرين ألفاً وثمانمائة وثمانين صورة فكأنّ النحو تحوّل إلى رياضة عقلية وحسابية عند هؤلاء . وأصبح جداول وخرائط ودلائل سياحية عليه ، وهذا أمر أساء إلى النحو أكثر مما خدمه لأنَّه أبعد اللغة عن واقعها . وهذا افتراض آخر من افتراضاتهم .
ومع هذا يشهدُ واقع اللغة بأنَّ الصور المستعملة الشائعة في أساليب العربيّة ـ تكاد تقتصر على بضع صور هي : ( حسنُ وجهُه ) و ( حسن الوجهِ ) و ( حسنٌ