المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : نظرِيَّة الجَمَال فيِ النَّقدِ العَرَبِيِّ (1)



د/علي اليعقوبي
18-01-2011, 01:04 AM
قبلَ الشُّروعِ فيِ دِرَاسةِ نَظَريَّةِ الجَمالِ عِندَ العَربِ، لابُدَّ مِنَ الإِجَابَةِ عَلَى السُّؤالِ الكَبيرِ، الذِي يُعتبرُ المَدخلَ الرَّئيسَ لِلدِّرَاسةِ، وَهوَ: مَا المَقصُودُ بِالجَمَالِ، أَو فَلسفَةِ الجَمالِ؟ وَمَا هِيَ طَبِيعَتُهُ؟ وَمَا هُوَ مَوضُوعُهُ؟.
فيِ البِدايَةِ نَقُولُ بِأَنَّ هَذِهِ الكَلِمةَ ظَهرَت عِندَ الفِرنسيِّينَ فيِ القَرنِ 18م،(1753)م، وَيُقصَدُ بِهَا عِلمُ الجَميلِ فيِ الطَبيعَةِ، وَ عِلمُ الفنِّ، وَيَشتمِلُ عَلَى عَددٍ مِنَ المَجالاتِ الفَلسفِيَّةِ، وَالتَّحليلِ النَّفسِيِّ، وَعِلمِ اجتِمَاعِ الفَنِّ، كَمَا وُجَدَ المُصطلحُ ذَاتُهُ فيِ الإِنجليِزيَّةِ، وَاستخدَمَهُ العَربُ المُعَاصِرونَ تَرجمةً لِلأَصلِ اللاتِينِيِّ، وَانتَشرَ هَذَا المُصطَلحُ بَينَ المُهتمِّينَ بِالفُنونِ خَاصَّةً ، وَقَد يَتبادَرُ إِلَى الذِّهنِ أَنَّ المَوضُوعَ الرَّئِيسَ لِلجَمالِ هُوَ تِلكَ المَناظِرُ التِي تَتَملاهَا العَينُ، وَتَتمتَّعُ بِهَا النَّفسُ، فَتُشبِعُ عِندَ الإِنسانِ غَرِيزَةَ المُتعَةِ، وَالرَّاحَةِ، سَواءٌ كَانَ ذَلكَ الجَمَالُ أُنثوِيًّا بَشَرِيًّا، أَوِ طبيعِيًّا مَبثُوثاً فيِ أَنحاءِ الطَّبِيعةِ المُختلِفَةِ..، وَالوَاقعُ أَنَّ هَذَا التَّصوُّرَ لِمَفهومِ عِلمِ الجَمَالِ تَصَوُّرٌ قَاصِرٌ مَجزوءٌ، وَلا يَرتَقِي إِلَى مَصَافِّ القِيَمِ المُطلَقَةِ، نَعَم قَد يُعجبُ المَرءُ بِمَنظرِ الوَردةِ الجَمِيلةِ، أَوِ بِالجَمَالِ الأُنثَويِّ، أَو بِشلالٍ سَاقِطٍ مِن أَعلى سَفحِ جَبلٍ شَاهِقٍ، أَو غَيرِ ذَلكَ مِن مَظَاهِرِ الجَمَالِ المُتَعارَفِ عَلَيهَا، وَلَكِنَّ الجَمَالَ الحَقِيقِيَّ، هُوَ ذَلكَ التَّنَاسُقُ الحَقِيقيُّ فيِ طَبِيعَةِ الأَشياءِ، بِحَيثُ لا يَبدُو فِيهَا شَيءٌ يَشِذ عَنِ الفِطرةِ، وَالطَّبيعَةِ التِي خَلَقهَا اللهُ (سُبحانَهُ وَتَعَالى)، فَقَد تَرَى الجَمَالَ فيِ تِلكَ الدُّودةِ التِي قَد تَشمئزُّ مِن رُؤيَتِهَا العَينُ الكَليلَةُ، وَقَد تَرَى الجَمالَ فيِ الحَرَكةِ الزَّائِدَةِ عِندَ طِفلٍ صَغِيرٍ مَلَّ مِن تَصرُّفاتِهِ وَالدِاهُ، وَقَد تَرَى الجَمَالَ فيِ بَعضِ مُخَلَّفاتِ الإِنسانِ وَالحَيَوانِ،عَلَى قَذَارةِ مَنظرهَا، وَكَراهَةِ رَائِحَتِهَا، وَقَد تَرَى الجَمَالَ فيِ أَشيَاءَ يَرَى فِيهَا الآخَرونَ القُبحَ عَينَهُ..، وَلَكنَّ الحَقِيقَةَ الجَمَاليَّةَ فيِ كُلِّ مَا سَبقَ، يُمكنُ أَن نُجملَهَا فيِ ذَلكَ التَّناسُقِ البَديعِ فيِ خَلقِ اللهِ (عَزَّ وَجلَّ)، وَالذِي لَو لَم يَقَع فيِ مَحلِّهِ الطَّبِيعيِّ لَكَانَ شَاذا وَغَيرَ جَمِيلٍ، فَلَو أَنَّ ذَلِكَ الطِّفلَ فيِ سِنِّ الطُّفولَةِ تَصَرَّفَ كَمَا يَتَصرَّفُ الكِبارُ، وَلَم يَعش طُفُولَتَهُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِن شَقَاوةٍ، وَمَشاكِلَ..، لَعَددنَا ذَلكَ غَيرَ جَمِيلٍ، بَل هُوَ القُبحُ بِعَينِهِ، وَلَعَرَضنَاهُ عَلَى الأَطَِبَّاءِ كَي نُعِيدَ لَهُ حَيَويَّتهُ، وَشَقَاوَتَهُ التِي يَجِبُ أن تَتَوفَّرَ فِيمَن هُوَ فيِ مِثلِ سِنِّهِ، وَقِس عَلَى ذَلكَ.. حَتَّى أَشَدَّ مَا يَرَاهُ المَرءُ قُبحًا وََقَذارًة، لَو لَم يَخرُج مِن مَخرَجهِ الطَّبِيعِيِّ، وَلَم يُؤَدِّ ذَلكَ المَخرجُ دَورَهُ الفِطرِيَّ الطَّبِيعيَّ، لَذَهبنَا إِلَى أَمهَرِ الأَطِبَّاءِ والجَرَّاحِينَ، كَي يُعِيدُوا الأَمرَ إِلَى نِصَابِهِ..، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَجِبُ أَن يَتَمتَّعَ بِهِ البَاحِثُ فيِ عِلمِ الجَمالِ مِن ذَوقٍ فِطرِيٍّ، وَأُفقٍ وَاسِعِ لِطَبائِعِ الأَشيَاءِ، كَمَا يَجبُ عَليهِ أَن "يَكُونَ عَلَى مَعرِفَةٍ مُمتَازَةٍ بِعَددٍ مِنَ العُلومِ الإِنسَانيَّةِ..، وَعِندمَا نَقُولُ عِلمَ الجَمالِ، فَلَيسَ المَقصودُ مَا هُوَ جَمِيلٌ فيِ الصُّورةِ فَقَط، وَإِنَّمَا مَا هُوَ جَمِيلٌ وَغَيرُ جَمِيلٍ – أَيضًا –.. فَقَد نَجدُ قَصِيدَةً رَائِعةً يُصوِّرُ فِيهَا الشَّاعِرُ البُخلَ، أَوِ الغَدرَ، أَوِ اللُّؤمَ.." ، وَكُلُّهَا صِفاتٌ قَبِيحَةٌ مِنَ النَّاحِيَةِ المُجرَّدَةِ، أَمَّا إِذَا مَا تَمَّ عَرضهَا فيِ سِيَاقهَا الطَّبِيعيِّ، فَإِنَّها تُصبحُ جَمِيلَةً بِالمَفُهومِ الوَاسِعِ لِلجَمَالِ.

يتبع/الحلقة الثانية

هدى عبد العزيز
18-01-2011, 05:38 AM
يُلح عليّ سؤال
هل هذا العلم له رواد في واقعنا المعاصر بمكانة كانط ـ أو كانت ـ في علم الجمال سابقا ؟!!

بارك الله فيك على هذا التعريف الجميل لعلم الجمال
تقديري

همبريالي
21-01-2011, 07:06 PM
جميــــــــــــــــــــــــــــــــل جدا هذا الكلام

شكرا لك

الموعود
21-02-2011, 08:00 AM
دكتورنا الفاضل :
فهمت من مقالك : (( فيِ البِدايَةِ نَقُولُ بِأَنَّ هَذِهِ الكَلِمةَ ظَهرَت عِندَ الفِرنسيِّينَ فيِ القَرنِ 18م،(1753)م، ))
أن هذه الكلمة [ الجمال ] لم تظهر إلا في هذا الزمن فهل هناك دليل علمي لذلك ؟
أرجو الإفادة لو تكرمت

طبعاً انا هنا أريد الاستزادة والعلم بارك الله فيكم وفي علمكم

مع شكري وتقديري

أخوكم :
الموعود

د/علي اليعقوبي
01-03-2011, 04:33 PM
أرجو من الأخ الفاضل/موعود أن يفرق بين أمرين مهمين:
استخدام المصطلح كمصطلح بمعناه الفلسفي المتعارف عليه، وبين وجود مضمون المصطلح عند نقادنا القدماء، ولعل توظيفنا لمضمون المصطلح بعد توصيفه، وتوظيفه من قبل الآخرين هذا ما نؤاخذ نحن عليه، فبعد أن يتم اكتشاف، أو بالأحرى توصيف دقيق، وجديد لمضامين معينة...نأتي نحن لنركب الموجة، فنقول بأن هذا المصطلح كان موجودًا لدى نقادنا قبل (اكتشافه) لدى الغرب، ثم نقوم بالاستدلال على ذلك بنصوص من تراثنا النقدي الأصيل ، وأنا مع الطرح الأخير من حيث وجود الكثير من القيم النقدية الأصيلة في تراثنا القديم، ولكن أين نحن من نفض الغبار عنه ليكون لنا السبق في ذلك؟!!.
باختصار نحن نمر بأزمة فكرية خطيرة تتمثل في عدم ثقتنا بأنفسنا، وفي قدراتنا، وفيما نمتلكه من قيم حضارية رائعة، نمتلك من خلالها تغيير وجه العالم، ولكننا مازلنا محكومين بعقدة (الرأي الآخر) وهذا شعور بالنقص، وهناك الكثير من القضايا الكبير في حياتنا الفكرية، وعلى مستويات كبيرة من حياتنا حتى في معاقل، ومحاضن الفكر، والثقافة أعني جامعاتنا العربية وما تعانيه من قصور، وعدم انفتاح فكري قد يصل إلى مراحل خطيرة تكبل أصحاب الفكر من التعبير عن آرائهم بشكل طبيعي وسلس، والقضية تحتاج إلى تغيير جذري في الكثير من مناحي حياتنا بشكل عام!! ولكني أريد أن أوجه أخي الفاضل وكل من يعنيه أمر من أمور المسلمين، والمثقفين..أن مالا يدرك كله، فلا يترك جله، ويجب أن نحاول أن نجتهد في الكثير من القضايا وأن نثق في قدراتنا، وذكائنا..وأنه لا ينقصنا شيء مما يتمتع به الآخرون، بل العكس من ذلك فإننا نرى الآخرين يقذفوننا بآراء لا تستحق إلا الإلقاء بها في سلال المهملات ولا أبالغ في ذلك أبدًا، وللأسف تجد هذه الآراء كل ترحيب، بل كل تقديس....أتمنى أن ننهض بحياتنا الفكرية ولكن قبل ذلك منح مساحة أكبر من الحرية، وعلى سبيل المثال، فإنني وفي بداية كل محاضرة في بداية كل فصل فإنني أنوه إلى طلابي بأنني لن أقمع فكرًا، ولن أصادر رأيًا، وإلا فليس بعد التكبيل إلا الدمار، والخراب، وهذا ما نعانيه الآن من تراجع كبير في حياتنا الفكرية بشكل عام. لقد فتحت يا صديقي جرحًا قديمًا وضغطت عليه حتى نتألم، فنتأوه، فلا نضع رؤوسنا في التراب ونظن أننا في مأمن، وأن حياتنا الفكرية سليمة، ولسنا بحاجة إلى تطوير...والحديث ذو شجون.
كما أرجو من الأخ الفاضل في نهاية حديثي هذا، الاطلاع على مقالي: الحلقة الثانية من (نظرية الجمال) في الصفحة الحالية نفسها. وبارك الله فيك.
د. علي يوسف اليعقوبي