المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : في ظل العولمة: علاقتنا باللغة الأجنبية



د. خالد الشبل
21-10-2002, 01:33 AM
د, أحمد بن محمد الضبيب*

اللغة الأجنبية في المجتمع
عندما نتحدث عن وظيفة اللغة الأجنبية في المجتمع العربي فإن سؤالا قد يطرأ على ذهن القارىء: وهل للغة الأجنبية وظيفة في مجتمع عربي يتحدث بالعربية ويكتب بها؟ وبعبارة اخرى هل يمكن للغة الأجنبية ان تكون جزءا من نسيج لغتنا؟ والجواب على ذلك يحتاج الى شيء من التفصيل, وأول ما يمكن ان نشير إليه باطمئنان ان اللغة أي لغة هي وليدة الثقافة التي تنتمي اليها وهي ثقافة محكومة بشروط تاريخية وجغرافية، وعندما نتكلم عن التاريخ فإننا نشير الى نشاط الأمة التي تنتمي إليها اللغة في معترك الحضارة ومقدار الاسهامات التي قدمتها للبشرية والتي تمثل خبرتها وإنجازاتها على مر العصور، اما الشروط الجغرافية فهي بمثابة الوعاء الذي تشكلت فيه اللغة ضمن الثقافة الخاصة، التي ترتبط بالبيئة الجغرافية ارتباطا وثيقا، فتصدر عنها في الغالب في نشاطها المعيشي وممارساتها اليومية، بل وفي تصوراتها للكون والحياة، ولذلك فإن القول بان لغة من اللغات يمكن ان تستغني بما لديها من رصيد لغوي للتعبير عما تريده من معان طارئة مستجدة بعيدة عن تجربتها التاريخية وبيئتها الجغرافية قد يكون ضربا من الخيال، ذلك ان كل لغة من لغات العالم إنما تستمد رصيدها اللغوي من خبرة أهلها التي تكونت عبر العصور، فإذا لم تكن للناطقين بها خبرة قريبة او بعيدة بناحية من نواحي الحياة فإن من الطبيعي ألا نجد في الرصيد اللغوي لهذه اللغة ما يمكن ان يعبر عن هذا الجانب، ولذلك فإن من المتوقع ألا نجد في لغة الاسكيمو مفردات تعنى بحياة الجمل، كما لا نجد في اللغة العربية مفردات تتعلق بحياة طائر البطريق لذلك تلجأ اللغات الى الاقتراض بعضها من بعض للتعبير عما ينقص معجمها من معان, والواقع ان الاحتكاك الحضاري أيا كان نوعه لا بد ان ينتج عنه تأثر وتأثير في مجال اللغة ويعتمد هذا النشاط على قوة اللغة المؤثرة، وقوة أهلها السياسية والاقتصادية والثقافية، فقد تكتسح اللغة القوية اللغة المستسلمة فتحيلها الى أشلاء، او تجعل منها جسدا ميتا محنطا، يقصده المتفرجون للعظة والعبرة، او للدراسة والمقارنة دون اسهام فاعل في مجرى الحياة، او مشاركة جادة في صنع الحضارة، ولعل من الغني عن الذكر ان نقول ان ضعف اللغة إنما يكون في العادة ناتجا عن ضعف أهلها لا عن ضعف متأصل فيها بوصفها لغة.
ان قضية اندثار اللغات قضية محسوسة في التاريخ الإنساني، فكم من اللغات كانت ذات صولة وجولة، كتبت بها العلوم، وسجلت بها أروع ما انتجه العقل البشري من آداب وفنون وانتشرت في مساحات واسعة من الأرض، ولكن عوادي الزمن عدت عليها بسبب انصراف اهلها عن حمايتها والحفاظ عليها، اما بتشجيع اللهجات العامية المحلية وتطويرها حتى غدت لغات مستقلة، وإما بالاستسلام للغات الأجنبية تنخر فيها حتى تقوضها من كل جوانبها فلا يبقى منها إلا الاسم، وإما باكتساحها من قبل لغات قوية تنتزعها من أفواه السكان وأقلامهم وتحل محلها, فاين اللغة السنسكريتية ذات السطوة الهائلة في وسط آسيا؟ وأين اللغة الفرعونية؟ وأين لغات وادي الرافدين: البابلية والأشورية والسومرية؟ وأين اللغة الآرامية تلك التي كان لها نفوذ واسع في الشرق العربي, بل أين اللاتينية التي كانت لغة العلم والدين في بدايات عصر النهضة الأوروبية؟ كل هذه اللغات بادت وتحولت الى لغات تاريخية ميتة، ليس لها اسهام فاعل في حياة الأمم المعاصرة، ومن اللافت للنظر ان اندثار اللغات في عصرنا هذا يبدو أكثر حدوثا من العصور الماضية، وذلك بفعل التقارب الكوني بين البشر وطغيان اللغات ذات النفوذ على اللغات المحلية، ومن المنتظر ان يؤدي الانفتاح العالمي الذي احدثته العولمة الى المزيد من اندثار اللغات المحلية، او تفريغها من مفرداتها الأصلية لتحل بدلها مفردات أجنبية واستعمالات غريبة على تلك اللغات، تقلب وجه اللغة المحلية وتجعلها تدور في فلك اللغة الغازية, وتشير الدراسات الحديثة الى ان في بداية القرن العشرين كان هنالك أكثر من 15000 (خمسة عشر الف) لغة حية على وجه الكرة الأرضية تقلصت بالتدريج حتى وصلت الى ما يقارب 500 (خمسمائة) لغة، ويقال ان 300 (ثلاثمائة) لغة تعد في قائمة الخطر، ويتوقع ان تستخدم البشرية في القرن الحادي والعشرين 12 لغة فقط (1) ويرى بعضهم ان اللغات ذات الانتشار سوف تكون في حدود ست لغات, والسؤال الذي لا بد ان نورده في هذا المجال هو ما موقع اللغة العربية مما ذكرناه, وبعبارة أخرى هل هي ضمن اللغات الموضوعة في قائمة الخطر؟ أم هي من اللغات السعيدة الست التي قد يكتب لها البقاء والانتشار؟ إن الاجابة على هذا السؤال ليست من السهولة بمكان، إذ استمرار اللغة وديمومتها يعتمد بالدرجة الأولى على وعي الأمة التي تنتمي اليها هذه اللغة وحرصها على رعايتها وحمايتها ونشرها في أرجاء العالم، والعمل على تقدمها، وجعلها صالحة لمقتضيات العصر الحديث ومعطيات الحضارة المعاصرة، وتلك أهداف كبرى تخطط لها الدول المتقدمة، وتجري من أجلها الدراسات وتقيم المؤسسات المتخصصة ومراكز البحوث، وليس بخاف ما تقوم به الولايات المتحدة من جهود لنشر الثقافة الامريكية من خلال الامكانات الهائلة الموظفة في هذا المجال، وتعد اللغة الانجليزية في طليعة ركب هذه الثقافة فهي الناطقة بلسانها والمعبرة عن اوجهها المختلفة، كما لا يخفى ما تقوم به بريطانيا من خلال المجلس البريطاني وغيره من مؤسسات لخدمة اللغة الانجليزية ونشرها في العالم وتثبيت وجودها في الدول التي نطقت بهذه اللغة، اما فرنسا فهي من أكثر امم الارض اعتناء بلغتها وحرصا عليها وعلى نشرها بين الناس، والمحافظة على المناطق التي انتصرت فيها هذه اللغة وانتشرت فيها، وتتبدى جهودها المكثفة في أنشطة كثيرة سواء من خلال المؤسسات العلمية المختلفة او من خلال منظمة الفرنكفونية التي اصبحت منظمة سياسية تستقطب الدول الناطقة بالفرنسية، وتعمل على ربط هذه الدول من كمبوديا حتى كندا باللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية وما ينبثق عن هذه المنظمة من مؤسسات تعمل جميعها في خدمة هذه اللغة والثقافة التي ترتبط بها.
نحن إذن ندخل سباقا رهيبا لا خيار لنا فيه، والعالم يتحرك بسرعة ولا مكان للمترددين والمتثاقلين، وإذا كنا نريد للغتنا العربية ان تصمد في هذا المعترك كي نحفظ ثقافتنا من الذوبان ووجودنا من الاضمحلال فلا بد لنا من وضع الخطط المناسبة وتقوية المناعة الذاتية في الجسم العربي الثقافي، وتأكيد الانتماء الى الجذور الثقافية العربية والتعامل مع اللغة الأجنبية بشيء من الحذر، وبث الوعي بين الناس بأهمية الانتباه الى الشأن اللغوي بوصفه مكونا مهما من مكونات الشخصية العربية الإسلامية.
ولعل أول ما ينبغي ان يشار اليه عند الحديث عن وجوب إيقاظ الوعي اللغوي عند الناس التأكيد على الضرر الذي يمكن ان يلحق اللغة من جراء التساهل في استعمال اللغة الأجنبية الدخيلة أثناء الكلام العربي سواء فيما يخص المفردات او التعبيرات او الرموز والمختصرات، وخلط هذه العناصر الغريبة باللغة العربية، سواء في مجال الحديث او الكتابة.
والواقع ان اللغات قد تضطر الى استخدام اللفظة الأجنبية مؤقتا او بصفة دائمة لكن ذلك لا بد ان يخضع لضوابط معينة، ولا يكون عشوائيا، وقد عرف اسلافنا منذ القدم المعرب والدخيل والفوا فيه الكتب والرسائل التي رصدوا فيها ما دخل العربية من الكلمات الأجنبية، وهي كلمات قليلة إذا قورنت بثروة المعجم العربي الهائلة، وحتى في زمن الاحتكاك الحضاري بين العرب والأمم الأخرى فإن العرب لم يأخذوا من هذه الأمم إلا بمقدار ما يسد حاجتهم الماسة للتعبير عن بعض المعاني التي لم تكن موجودة في لغتهم، ولم تفتنهم لغات الحضارة المجاورة مثل لغتي الفرس والروم عن لغتهم الأم بل زادتهم تمسكا بها وحرصا عليها، والعجيب في التجربة التاريخية العربية في هذا الشأن ان أبناء الأمم المتحضرة الأخرى هم الذين كانوا يتسابقون لتعلم العربية، بل هم الذين نبغوا فيها وشاركوا على نحو مدهش في وضع قواعدها، وجمع معجمها انطلاقا من الشعور الإسلامي الرائع الذي أحل العربية ارفع المنازل لكونها لغة التنزيل الكريم، ولغة الأمة الإسلامية.
تنقسم المصطلحات الأجنبية التي وفدت إلينا الى نوعين رئيسيين:
الأول: المصطلح العلمي، وهو المصطلح الذي يتعلق بعلم من العلوم، ويشيع بين طبقة العلماء والباحثين وهي طبقة محدودة نوعا ما، وهذا المصطلح تصدى له الباحثون في المجامع العلمية والجامعات ومازال الجدل دائراً بينهم حول قضاياه، ومن العلماء من يرى استخدام المصطلح العلمي الأجنبي كما هو اختصاراً للوقت من اجل الاسراع في حركة الترجمة والتعريب, وهو موقف لا غبار عليه ان كان ذلك يمثل مرحلة من المراحل، تعقبها مرحلة تالية هي مرحلة التنقيح وإحلال مصطلحات عربية اصيلة مكان المصطلح الأجنبي, وهذا الوضع يشبه ما قام به أسلافنا القدماء في بداية عهدهم بالترجمة، حتى إذا امتلكوا العلم بادروا الى وضع مصطلحاتهم الخاصة، ومن العلماء من يرى البدء بصياغة المصطلح العلمي العربي تأصيلا او ترجمة، وهو بلا شك وضع مثالي لولا ما يأخذه من وقت وجهد, ومع ذلك فإن المصطلح العلمي لا يؤثر تأثيرا بالغا على مجرى اللغة إذ هو يسير بين طائفة محدودة من العلماء مهما كان عددهم ويمكن التحكم في مساره عن طريق اتفاق العلماء في كل مجال من مجالات العلوم.
النوع الثاني: هو المصطلح الحضاري، وهو مصطلح يتعلق بأنماط الحياة وما يتعلق بها من أدوات تستعمل في البيت او الشارع او العمل او المدرسة، في السفر والحضر، وفي احوال الحياة المختلفة كأنماط الأكل وأدوات الطبخ والأثاث والفرش، وما يتعلق بالمباني والمعمار والاتصالات والمواصلات وغير ذلك مما لا يمكن حصره من شؤون الحياة, وهذه المصطلحات تسمى بها كثير من المخترعات الحديثة التي قدمت الينا بأسمائها المختلفة كما وضعها أهلها الذين اخترعوها، وقد يكون المصطلح الحضاري اسما اجنبيا لمعنى مجرد او محسوس ساد في بلاد الغرب، وانتقل إلينا بفعل وسائل الاتصال المعاصرة، ولذلك فإن المصطلح الحضاري اوسع مجالا وأرحب ساحة من المصطلح العلمي، ولهذا السبب فهو ابلغ تأثيرا وأشد خطرا على اللغة منه، لانه يتغلغل في النسيج اللغوي وينخر في جسم اللغة، حتى يحيلها لغة مختلفة ويمكن ان نمثل لهذا الفساد اللغوي بفعل طغيان الدخيل على اللغة المحلية، بما حدث للغة المالطية فهذه اللغة كانت من الناحية التاريخية لهجة عربية كما يبدو من كثير من مفرداتها وتراكيبها وطريقة تأليف الجملة فيها، ولكنها وقد اصيبت بالانقطاع عن جذورها الأصيلة، وانفتحت لاستقبال المؤثرات الحضارية المختلفة من كل صوب وبدون ضوابط، وبخاصة من اللغات ذات النفوذ القوي، كالإيطالية والانجليزية فقد أدى الأمر بها لأن تكون خليطا من اللغات التي تمتزج بها بقايا العربية بالمؤثرات الوافدة مما جعلها تبتعد كثيرا عن امها العربية لتصبح لغة مشوهة.
إن الهيمنة اللغوية كما يقول بلومفيلد قد تملأ اللغة بالكلمات الدخيلة، ويمثل لذلك باللغة الألبانية التي تحتوي في معجمها على بضع مئات قليلة من الألفاظ الأصلية، اما بقية الكلمات فهي ألفاظ مقترضة من لغات ذات نفوذ كاللاتينية والرومانية والإغريقية والسلافية والتركية 2 .
إن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف ننجو من الهيمنة اللغوية التي بدأت بوادرها تظهر بشكل واضح عن طريق الألفاظ الدخيلة التي تنتشر بيننا والتعبيرات المستوردة بلغتها الأجنبية التي أخذت مكانها في ألسنة شبابنا وبعض مثقفينا وعامتنا؟ وماذا عملنا في السابق لوقف التدفق اللغوي القادم الينا من الغرب؟ وماذا يمكن ان نعمل في المستقبل كي لا يكتسح الطوفان المنتظر ما تبقى من قلاع لغتنا؟ وهل نحن حقا في حاجة الى أمن لغوي كحاجتنا الى أمن غذائي، وأمن مائي وغير ذلك من أنواع الأمن الضرورية؟ ذلك ما نحاول التطرق اليه في الحديث القادم ان شاء الله.

*عضو مجلس الشورى
الهوامش:
1 امير طاهري، مستقبل اللغة، الشرق الأوسط: ع 7575 في 25/8/1999م ص 11.
2 Bloomfield, L, Language History, from LANGUAGE, New York, Holt, Reinhardt * Weston, 1961.p.467.


عن الجزيرة (http://www.suhuf.net.sa/2000jaz/jun/4/ar3.htm)