المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : بديعُ الزمانِ ــ والشواهدُ جمّةٌ ـــ ****(مناطَ الثريّا قد تعلّتْ نجومُها)



د.بهاء الدين عبد الرحمن
24-05-2005, 01:17 AM
الأستاذ الكبير بديع الزمان وربيعه وفقه الله وسدده

لا عجب أن تكون بتلك المنزلة الرفيعة وقد آتاك الله من فضله ما شاء من علم وأدب وحسن خلق وطيب معشر، وكنت أقرأ في كتاب سيبويه الباب الذي ترجمه رحمه الله بقوله: هذا باب ما شُبّه من الأماكن المختصة بالمكان غير المختص، شُبّهت به إذ كانت تقع على الأماكن، فوجدت في حديثه شاهدا قويا على مجيء الحال من المضاف إليه والمضاف ظرف مكان، فاقتبست موضع الشاهد في البيت الذي جعلته عنوانا لهذا الموضوع، ووشحّت به اسمكم الكريم فأرجو أن يحظى عندكم بالقبول.

قال سيبويه بعد ذكر عنوان الباب:
(وذلك قول العرب ــ سمعناه منهم: هو مني منزلةَ الشغاف، وهو مني منزلةَ الولد، ويدلك على أنه ظرف قولك: هو مني بمنزلة الولد، فإنما أردت أن تجعله في ذلك الموضع، فصار كقولك: منزلي مكانَ كذا وكذا .....وقال الأحوص:
وإن بني حرب _كما قد علمتم_ ****** مناطَ الثريّا قد تعلّت نجومها)

فهذا نص من سيبويه أن (مناط) هنا ظرف مكان وقع خبرا لبني حرب،والتقدير: وإن بني حرب مستقرون في مناط الثريا، وقد أضيف ظرف المكان المختص هذا إلى الثريا، ثم جاءت جملة (قد تعلت نجومها) حالا من الثريا ، والثريا مضاف إليها.
وقد أجاز ابن الشجري في هذه الجملة أن تكون حالا من الثريا وأن تكون خبرا ثالثا لإن ، والخبر الأول (كما قد علمتم) والثاني الظرف (مناط الثريا) والثالث (قد تعلت نجومها) على أن يكون الضمير في نجومها عائدا إلى بني حرب.
وهذا الوجه الأخير في نظري ضعيف لأن القصد أنهم في مناط الثريا في الحالة التي تعلت فيها نجوم الثريا.

مع التحية الطيبة والتقدير من أخيكم /الأغر.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
25-05-2005, 02:26 AM
تذييل
في البيت الذي جعلته عنوانا:
(بديع الزمان) المبتدأ وخبره الظرف (مناط الثريا) وجملة (والشواهد جمّة) معترضة بين المبتدأ والخبر. ويجوز رفع المناط على جعل الأول هو الثاني، كقولنا: زيد خلفُك، إذا جعلت زيدا هو الخلف.

مع التحية الطيبة والتقدير.

بديع الزمان
29-05-2005, 01:07 AM
أستاذي الأفخم أيها الأغر الأبلج
لا أدري بأيّ حاليّ أنا أسعدُ اليوم؟
أبحفاوة علم فطحل ذي يد طولى في فنون النحو والتصريف لا يصدر إلا عن نفائس المعارف و لا يفتر ثغره إلا ببدائع اللطائف؟ ( وهي علم الله حفاوة لا أستحقها) لكن الكريم يرى الناس بعين طبعه !غمرتني ـ أخي ـ بفيض كرمك إذ شرفتني بهذا البيت الذي لا أرام مناسبا إلا للأغرّ.
أم بتجشم الأغر الكريم عناء توفية مسألتي ( دامية الحواشي ) حتى باتت هاجسا يشغله وهدفا ينشده.
أخي العزيز، هل أبدو في موقف من يمنع وقوع صاحب الحال مضافا إليه؟! أخشى أن يكون في حروفي السابقة ما يشي بذلك أو يدل عليه.
لست أعترض ـ ألبتة ـ على مجيء الحال من المضاف إليه وهذه مسألة قررها النحاة متقدمهم ومتأخرهم وشواهدها كثيرة، وأما تلكم المسألة ( دامية الحواشي ) فما زال في نفسي منها شيء حتى اللحظة!

أخي الغالي: بيت الأحوص الذي استشهدت به من كتاب سيبويه وهو:
وإن بني حرب _كما قد علمتم_ ****** مناطَ الثريّا قد تعلّت نجومها
لا أراه ـ في نظري الكليل ـ خارجا عن قواعد العربية في هذا الباب فيمكننا أن نقيسه على قوله تعالى: " قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " (آل عمران:95) أي : أنّ المضاف هنا مثل الجزء من المضاف إليه في صحّة حذف المضاف والاستغناء بالمضاف إليه عنه فيكون العامل في المضاف هو العامل في الحال. هكذا بدت لي على أنني ميّال إلى ما أجازه ابن الشجري الذي أوردته في مداخلتك النفيسة من جواز إعراب ( قد تعلت نجومها) خبرا وهذا الميل الشخصيّ أساسه أن الإخبار عن هؤلاء القوم بتعلي النجوم أقوى وأبلغ في مديحهم من جعله حالا طرأت حينا ثمّ لم تلبث أن تتلاشى.

أشكر لك سعة صدرك أخي الكريم.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
29-05-2005, 02:47 AM
أخي العزيز الأستاذ الكبير بديع الزمان وربيعه وفقه الله وسدده
أود أن أخبرك أنني وجدتك ذا خلق رفيع وأدب سام وعلم غزير في أول رد لك على تعليق لي على قول الشاعر : أعد الليالي ليلة بعد ليلة، إذا كنت تذكره. وبيت الكتاب هذا مرّ بي كثيرا قبل الآن، ولكني كنت دائما أنظر إلى موضع الشاهد منه ولا أتجاوزه ، ولكن استشهاد الشاطبي رحمه الله به على مجيء الحال من المضاف إليه دفعني إلى أن أتخذ البيت شاهدا يدعم ما توصلت إليه من جواز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف ظرفا، وأحببت أن أقتبس الشطر الثاني من البيت لأشيد بطيب شمائلكم مع ما يتضمنه من إشارة إلى أن اجتهادي له ما يؤيده.
بقي أن تسمحوا لي بالتعليق على ترجيحكم خبرية جملة (قد تعلت نجومها) على كونها حالا من الثريا، فأقول إن كونها حالا لا يتعارض مع الدلالة على ثبات علو منزلة بني حرب ودوامها في نظر الشاعر، لأن هذه الحال جزء من الخبر، والمعنى: إن بني حرب في منزلة الثريا عندما تكون الثريا في أعلى موقع لها، ولا يعني أنه إذا تحولت الثريا من تلك المنزلة انحطت منزلة بني حرب أيضا، وإنما يريد أن منزلتهم عالية دائما علو نجوم الثريا حالة كونها في أعلى مكان لها في السماء. وإنما ضعّفت خبريتها لأن الضمير في (نجومها) ينبغي أن يعود لأقرب مذكور وهو الثريا.
والبيت نسبه ابن السيرافي إلى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في مدح معاوبة بن سفيان، وأورد له ثانيا:
وكل بني العاصي سعيد ورهطه ***** منازلُ مجد هابها من يرومها
فمن أجاز أن يكون (قد تعلت نجومها خبرا ثالثا) فعليه أن يجيز أن تكون جملة (هابها من يرومها) خبرا ثانيا لـ(كل بني العاصي) وفيه بعد لأن الأولى في الضمير في (هابها) أن يعود لمنازل مجد، لأنها أقرب مذكور، فتكون جملة (هابها ) صفة للمنازل لا خبرا ثانيا.

أما دامية الحواشي فأمرها أهون من أن يكون هاجسا لي وإن كان آلمني وآلم كل منصف ما ألمّ بها، وحسبي أنّ الله قد تكفل بالفصل وبيان الحق، وهذا إن لم يقع في هذه الحياة فإنه واقع في الآخرة لا محالة.
أدعو الله أن يهدينا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، ويجمعنا في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

مع التحية الطيبة والتقدير.