المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : اللغة في المنطوق والمكتوب



محمد التويجري
07-03-2011, 06:32 PM
اللغة في المنطوق والمكتوب
يصنف كثير من الناس اللغة على أنها المنطوق أو المكتوب أو كلاهما وغالبا ما تصنف اللغة على أنها المنطوق والمكتوب جميعا.

ولو تتبعنا الجذر ( ل غ و ) لوجدناه يدور حول الكلام المنطوق فقط فاللغو الكلام الذي لا يعتد به أو القول الباطل واللاغية الكلمة القبيحة الفاحشة أو ذات لغو قال تعالى ( لا تسمع فيها لاغية ) واللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه القلب كقولك لا والله وبلى والله وفي الحديث " إياكم وملغاة أول الليل " أي اللغو وأيضا " من قال في الجمعة والإمام يخطب صَهْ فقد لَغا " أي تكلّم.

ويقول ابن جني في الخصائص وكذلك ابن سيده في المخصص: (اللغة) حدّها: أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم.
ونلاحظ في القرآن الإشارة إلى ذلك بمصاحبة كلمتي لسان وقرآن لكلمة عربي عند الإشارة إلى لغته وهنا إشارة لطيفة إلى أن اللغة هي المنطوق لا المكتوب فاللسان يعبر عن آلة النطق والقرآن يعبر عن فعل آلة النطق.

يعتقد دي سوسير أن الصوت هو آصرة اللغة الحقيقية الوحيدة وأن الكتابة لا تدخل في النظام الداخلي للغة بل هي أداة للتعبير عن اللغة خصوصا في اللغات التي باد متحدثوها فلا سبيل إلى الاطلاع على لغتهم سوى الكتابة.
كما يشير إلى تأثير الكتابة على اللغة وهذا ما سأحاول الاستفادة منه في هذا المقال في الذي يخص العربية ولكن أحب أن أشير إلى خصوصية العربية هنا حتى لا نقع في مزالق القياس الفاسد بين العربية المحفوظة واللغات الأخرى ففي العربية ميزة لم تتوفر لأي لغة وهي الحفظ الإلهي لها على صورة واحدة لا تتغير ولكن يمكننا دراسة حالة العربية في غير القرآن وأن نعد العاميات العربية امتدادا طبيعيا لها لنعرف تأثير الكتابة على اللغة المنطوقة.

يشبه دي سوسير الكتابة بالصورة المأخوذة للشخص والاعتقاد أننا يمكن أن نعرف من الصورة أكثر من النظر لصاحب الصورة مباشرة ويعد هذا وهما قديما ألقى بظلاله على الآراء اللغوية حتى الحديث منها ومن ذلك الرأي القائل بأن اللغة التي ليس لها صورة مكتوبة أسرع تغير من نظيرتها ذات الصورة المكتوبة.
وقد فند هذا الرأي باستشهاده باللغة الليتوانية عام 1540م التي تقدم صورة أقرب من اللاتينية عام 300 ق م لأم اللغات الهندية الأوروبية.

يدعم قوله هذا في العربية حيث يقدم حفظة كتاب الله صورة مطابقة للأصل عن العربية التي لا تعتمد على الكتابة بل على التلقين على يد مقرئ مجاز بخلاف متحدثي العربية في الإعلام والمحافل الذين يقرؤون نصوصا مكتوبة فتجدهم يخطئون في الشكل وتاء التأنيث المربوطة وتنوين النصب وغير ذلك من الأخطاء التي لا يشعر بها حتى من يزعم أنه يتقن الحديث بالعربية.

ويوضح أثر الكتابة في عدة نقاط هي موجزة:
1- تبدو الصورة الكتابية كأنها وحدة ثابتة مستقرة لذا هي أنسب من الصوت لنقل تفسير الوحدة الصوتية عبر العصور وأسهل إدراكا من منه.
2- أغلب الناس يحتفظون بالصورة المرئية ويتذكرونها بسهولة وهي أكثر ثباتا من الصورة السمعية مما يعطي أفضلية (أعدها وهمية) للكتابة.
3- للكتاب قيمة كبيرة ففيه تدون المعاجم وبه يكون التعليم في المدارس وهو أداة الثقافة لذا تحوز الكتابة أفضلية على الصوت في نقل اللغة لكن الناس ينسون أنهم يتعلمون الكلام أولا ثم الكتابة مما يثبت أن وسيلة نقل اللغة المثلى هي الصوت.
4- إذا اختلف الصوت والكتابة في تفسير الوحدة اللغوية فإن الحسم يكون لصالح الكتابة لأنها أسهل. ( ولكننا في تلقين القرآن لا نعتمد على الكتابة مما يعني أن الصوت هو وسيلة النقل الوحيدة وكذلك في أوزان الشعر العربي فإننا نتخلى عن الكتابة لصالح الصوت ونخضع الكتابة للقانون الصوتي فنفك مدغمها ونكتب محذوفها المنطوق ونحذف مكتوبها المهمل)
لا نجد انسجاما بين المنطوق والمكتوب في معظم اللغات ففي حين نجد الانسجام قليلا في الفرنسية نجد الهوة تتسع في الإنكليزية وتضيق في الألمانية حتى تكاد تختفي إلا في الصوت H وأحيانا في الصوت R لكن غالبا تنطق ما تكتب فيها.

في العربية لم تكن للكتابة أهمية في عصور الفصاحة حتى جاء الإسلام وبرزت أهمية تدوين القرآن فكان أول كتاب عربي يكتب ويعتنى بكتابته ولعلنا حين نرى الرسم العثماني ندرك مدى الانسجام بين المكتوب والمنطوق في ذلك العصر فخلو الرسم العثماني من الشكل والنقط سهل الوقوع في الأخطاء مما حدا بالعلماء إلى اختراع النقط والشكل لاحقا لضبط القراءة ومع ذلك لم يكن هذا كافيا فاضطروا إلى وضع رموز المد والوقف والصلة لأن الكتابة لم تنقل لنا اللغة التي نزل بها القرآن تماما لذا لا يمكن أن يمنح الحافظ إجازة الإقراء إلا بعد السماع منه حفظا أو نظرا للتأكد من نقله الألفاظ كما نزلت لا كما يقرؤها.

ومن أوضح صور الافتقار إلى الانسجام بين المنطوق والمكتوب في العربية ما سأورده بعد قليل إلا أني أحب الإشارة إلى أننا لو عددنا العاميات امتداد طبيعيا للعربية فإننا سنشاهد بوضوح عدم الانسجام بين المكتوب والمنطوق ولكننا حين نعد العربية فقط تلك العربية التي ثبتها القرآن فإننا الانسجام يزداد حتى لا نكاد نلاحظه.
إن أكثر ما نلاحظه من تأثير الكتابة على المنطوق هو ما نسمعه في نطق مائة وعمرو فنجد بعض الناس ينطق الألف والواو ظانا أنها من بنية الكلمة الصوتية والأمر على خلاف ذلك كذلك يمكننا ملاحظة الأخطاء الإملائية مثل لاكن وهاذا وهاذه وألائك وفاطمه وفاطمت بنت محمد وغيرها مما لا تصفه الكتابة من المنطوقات مما يوقع المتعلم في أخطاء غريبة عليه لا يمكنه فهمها في البداية وقد توقعه في مشاكل قياسية فيكتب بدلا من ذهبت ذهبة أو يكتب بدلا من محمدا محمدن.

إن أول ما يعاب على الكتابة العربية خلوها من التشكيل فلا تجد أحدا إلا ما ندر يهتم بتشكيل كلامه المكتوب وغني عن الذكر كثرة الكلمات التي لا تتمايز إلا بالحركات والعربية ليست كاللغات الأخرى التي تضم حروفا صائتة تقابل الحركات لذا يقع لبس كثير في تفسير المكتوب ونقله إلى الصوت بصورة مغايرة لما أراده الكاتب والحركات وحدات صوتية من بنية الكلمة وتؤثر في فهم المعنى ولا أفضل من كلمة رجل لنمثل بها فهي بلا تشكيل قد تدل على الذكر البالغ من البشر أو على القدم ولا يمكن التمييز إلا بالحركات.
ومن العيوب أل الشمسية فهي تكتب ولا تنطق ولا يظهر لها أثر في النطق إلا أنها توقع المتعلمين في الأخطاء خصوصا عند بدء تعلم القراءة فنجدهم ينطقونها ظنا أنها منطوقة.
وإن نظرنا إلى العاميات على أنها امتداد طبيعي للعربية سواء عددنا ذلك التطور تقدما أو تراجعا فإننا سنجد العاميات تزخر بأمثلة من عدم الانسجام فأول ما يعاب على العاميات خلوها من رسم يميزها واعتمادها الكامل على الرسم العربي رغم أننا ندرك أن الكتابة لا تصف الصوت إلا أن عقل العامي يربط بين الكلمة ونطقها كربطه بين إشارات المرور ومعانيها بمعنى أنه لا علاقة للصورة بالصوت الذي تدل عليه.

ومن الأمثلة الكثيرة حرف القاف الذي فقد صوته العربي أكثر من أي حرف آخر فنجد عامية الخليج ينطقون كلما يقول هكذا
(يـ g ـول) استعنت بالأصوات الإنجليزية لأني لا أجد في العربية صوتا مشابها لقاف الخليج وموقن أن هذا الرسم لا يصف الصوت تماما
وفي مصر والشام ( يؤول ) مع يقيني أن هذا الرسم لا يصف الصوت تماما
وفي العراق ( يكول ) تقريبا

وفي عامية نجد يكتبون مكرّم وينطقون امْكرّم سواء أرادوا الفاعل أو المفعول بل إن وصل اسم الفاعل منه بهاء الغائب فإنه بفقد تضعيف الراء فيقولون امْكَرْمه ولو تطرقنا في الحديث إلى عاميات أخرى لطال الحديث وهو واضح بين.
إلا أن اللغات الأوروبية يتضح فيها عدم الانسجام أكثر فمثلا الكلمات الإنجليزية
What – wheel
كانت تكتب هكذاhwat - hweel
وفي الإنجليزية الهوة واسعة جدا بين المنطوق والمكتوب فالوحدة الصوتية e
لها نصيب جيد من ذلك فهي تغير نطق الكلمة دون أن يكون لها في البنية الصوتية نصيب
ولعلك تلاحظ ذلك في الكلمات التالية
Pin - pine
ban - bane.
lop – lope

كما نجد ظاهرة الحروف المركبة في اللغات الأوروبية مثالا واضحا على عدم انسجام الكتابة مع الصوت على النحو التالي :
إنجليزي
ذ - ث th
/ نحيف thin - ثين/ هذا this ذيس

ش sh
كوخ shack

س ce – ci – cy
خلية cell سيل
دائرة circle سيركل
ساخر cynic سينيك

ألماني
ش أو خ ch
كتاب Buch بوخ
ميونخ München مونشين

ش sch
مدرسة Schule شوله

فرنسي
ش ch
عربة char شاغ

و كثير جدا من أمثال هذا بل أحيانا نجد كلمة مكتوبة بحروف لا تمثل أي صوت من أصوات الكلمة المنطوقة ففي الفرنسية كلمة طير OISEAU تنطق wazo فنرى أن لا علاقة بين الصوت والكتابة وهذا يحدث في العاميات عندنا بدرجة أقل في وحدة صوتية واحدة أو اثنتين كحرف الجيم والقاف والثاء والضاد.
وقد تتبع دي سوسير كلمتين فرنسيتين تاريخيا لتجد أن اللغة تتطور وتتغير بينما الكتابة تنحو إلى الاستقرار مهما تغير الصوت كما نرى
http://www.alfaseeh.com/vb/attachment.php?attachmentid=1422&d=1299511721


إن هذا مماثل لما يحدث في عامياتنا العربية حيث ننطق شيئا غير الذي نكتبه لتصبح الكلمات ليست سوى صور تنقل المعاني كاللغة الصينية الصورية

إن الكتابة لا تنقل اللغة بالدقة التي ينقلها الصوت ولذلك كان الصوت هو العمدة في نقل القرآن من جيل إلى جيل ولم تكن الكتابة كذلك يوما.

مما سبق نخلص إلى أن الكتابة لا تعد عيبا في اللغة إن لم تف الكتابة بمتطلبات البنية الصوتية للكلمة ولكن الكتابة قد تكون أحيان السبيل الوحيد لفهم لغة بائدة وكوننا نعرف هذا الشيء فإننا لا يمكن أن نحتسب ميزات الكتابة وعيوبها في أي لغة ميزات للغة أو عيوبا

والله أعلم
http://www.alfaseeh.com/vb/images/misc/pencil.png

محمد التويجري
09-03-2011, 10:44 PM
لم أعتقد أننا قد نقع في مشكلة تأثير الكتابة في العربية حتى طلبت من بعض الصغار قراءة نص ترد فيه بعض الكلمات غير المكتوب بعض حروفها.

مع أنهم ينطقون الكلمة صحيحة بلا قراءة إلا أنهم حين القراءة يخطئون في مثل لكن وهذا والشمس وهذا دليل قوي على أن الكتابة تغير المنطوق ولا تنقله دون تغيير.


كذلك نجد في الخليج ونجد وفي بعض العاميات الأخرى نطق لفظ الجلالة الله كما هو مكتوب دون نطق الألف المحذوفة في الكتابة ومن المنطقي أن نعد هذا من تأثير الكتابة ولكن قد نجد هذا معترضا عليه بنطق العاميات الأخرى للفظ الجلالة كما هو كما في مصر إلا أنهم يلحقون صوت الكسرة بعد الهاء مما قد يشير إلى أن الحذف في العاميات الأخرى كان بسبب التقاء الساكنين إلا أننا نجد هذا السبب أيضا قد يكون غير صحيح نظرا لأن الألف تعود أحيانا حين الحلف بنبر صوتي أكثر تأكيدا وانفعالا في العاميات التي تحذف الألف.

هذا الاضطراب الواقع يزول حين نتحول إلى كلمة أخرى لم تتأثر بالكتابة على الإطلاق فلا تجد أحدا يخطئ في نطق الرحمن نطقا صحيحا أبدا وهذا يوقعنا في حيرة شديدة.


فما السر الذي جعل نطق ألف لفظ الجلالة يزول بينما يبقى نطق ألف الرحمن وكلاهما لا يكتب والاسمان متلازمان في البسملة ومنقولان عبر الأجيال في التسمية بعبد الله وعبد الرحمن فما الذي حدث ليفترقا في النطق.


تتميز الساميات بأنها تكتب الأحرف الصامتة فقط ولا تكتب الحركات والأصوات المدية ومن لاحظ النقوش القديمة للعربية البائدة يجد ذلك واضحا جدا

كهذا النقش


لتم يغث بن جشم هوعل

ويعني ( الوعل لتيم يغوث بن جشم )

ويجد الإشارة الإعرابية الفتحة والضمة والكسرة مستبدلة بالألف والواو والياء ولا حروف صائتة غيرها في الكتابة

مثل ظلمو بمعنى ظالم ( علم على رجل )
ومذحجو بمعنى مذحج ( علم على قبيلة )

ومن المؤكد أن النطق يختلف بسبب الصوائت المحذوفة أما في العربية الفصيحة فكان الأمر كذلك في الحركات حتى وضعت لاحقا من أجل القرآن الكريم.


ولعلنا نلاحظ التقدم الصوتي الكبير والفصاحة لدى العرب مع أنهم أميون وعندما بدأ اللحن يتفشى ازدهرت الكتابة ووضعت قواعدها مما يؤكد على أصل هذا الموضوع وهو أن اللغة في المنطوق فقط لا المكتوب وأن الكتابة ليست إلا أداة تعبير عن اللغة وليست هي اللغة.


والله أعلم

الخلوفي
09-03-2011, 10:57 PM
احسن الله اليك ابا يزن موضوع قيم

زهرة متفائلة
10-03-2011, 11:04 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ...أما بعد:

الأستاذ الفاضل : محمد التويجري

* بحث قيم يستدعي التأمل ، جزاك الله خيرا ، ونفع الله بكم وبعلمكم الأمة الإسلامية / اللهم آمين
* قاعدة ما ينطق يكتب تتماشى مع الكتابة العروضية فالقاعدة فيها تختلف : كل ما ينطق يكتب وما لا ينطق لا يكتب من أجل معرفة تقاطيع الشعر /و هو عكس كتابتنا العادية .

والله الموفق

طارق يسن الطاهر
11-03-2011, 09:02 AM
عمل مقدر وجهد رائع أستاذنا أبا يزن
في بعض الشعوب العربية -كما تفضلت- يكتبون ما ينطقون ، بما في ذلك من العيوب النطقية واللهجية، من خلال عملي بالتدريس في الخليج لفترة طويلة أجد في بعض المجتمعات ينطقون الضاد ظاء،وبعض الطلاب يكتبها ظاء ولا يكتفي بنطقها فقط ، في بعض المناطق ينطقون العين ألفا ، والبعض يكتبها فيقولون لمن اسمه عليّ : ألي ويكتبون ألي .
إذن للهجات المنطوقة تأثير كبير على اللغة المكتوبة.

محمد التويجري
13-03-2011, 03:11 AM
تأثير المنطوق على المكتوب طبيعي وهو الأصل المفترض لأن الكتابة وسيلة تعبير عن اللغة

فكتابة المنطوق أقرب إلى اللغة

المشكلة حين تؤثر الكتابة على النطق كما رأينا في الأمثلة المعروضة