المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا)



مهاجر
11-04-2011, 01:01 AM
ومن قوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا :
فأرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حد التعظيم والتوكيد ، فذلك مقام لا يقبل الشركة ، فلا يرسل في مقام التكوين إلا الرب ، جل وعلا ، فيرسل الرياح بشراً ، ويرسلها عذابا ، ويرسل برسم العناية ، فــ : (أَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) ، فإرسال الرياح ذريعة إلى تلاقح النبت والسحب ، فــ : "وتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى أمطر فسخرت له المثيرة أولا فتثيره بين السماء والأرض ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كسفه وقطعه ثم يجتمع بعضها إلى بعض فيصير طبقا واحدا ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاما لا ماء فيه ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك ثم سخرت له بعد إعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعا ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا وكذلك الرياح التي تلقح الشجر والنبات ولولاها لكانت عقيما" . اهــ
"مفتاح دار السعادة" ، (1/260) .
ويرسل برسم الإهلاك والاستئصال ، فــ : (أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) ، فالرجز هو العذاب أو القذر ، فيرادف الرجس على هذا الوجه كما حكى صاحب "اللسان" ، رحمه الله ، في مادة "رجز" ، ولا تعارض بينهما ، فالرجز المرسل برسم الجلال مظنة القذر ، فالطواعين والأوبئة التي يضرب الله ، جل وعلا ، بها ، الأمم التي بدلت وغيرت تصيب الأجساد بالأقذار والأوجاع ، فــ : "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعملوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم يكن مضت في أسلافهم" ، والشاهد أن ذلك من جنس الإرسال الكوني النافذ برسم العذاب ، بــ : (مَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) ، فالسببية في الباء ظاهرة ، والمصدرية آكد في تسجيل الجناية ، فضلا عن دلالة المضارعة فهي مئنة من التجدد والاستمرار فتلك حالهم دوما فلم يعرض الظلم لهم طارئا وإنما صار لهم سجية لازمة ، فــ : "كان" تدل على الاستمرار في الزمن الماضي ، فخرجوا عن حد الديانة مروقا وعصيانا فجرت عليهم سنة الاستئصال بالرجز النازل من السماء ، فابتداء غايته من العلو المطلق ، فهو أمر نافذ قد قيل في الملأ الأعلى ، فــ : (إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، فهو خير للعالم وإن كان شرا لصاحبه فبه يزول شره ، وبه يضمحل ملكه إن كان طاغوتا جبارا ، فتطهير الأرض من رجزه خير ، وإن كان إتلاف ملكه ونفسه شرا له ، فهو شر في المقدور الكائن لا في فعل الرب ، جل وعلا ، النافذ ، وهو شر جزئي لذلك الطاغوت الظالم ، يحصل به من الخير الكلي ما يستقيم به أمر العالم ، فتطهر الأرض من دنسه ، وتخلص الرعية من شؤمه الذي أصاب الدين والدنيا ، فقد آذن الرب ، جل وعلا ، بكشف العذاب ، فاستجاب لدعاء الصالحين : (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) ، وأي عذاب أعظم من سلطان جور يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ، فــ : "أل" في "العذاب" مئنة من الاستغراق المعنوي ، فهو عذاب عظيم الوصف والأثر ، يصيب البدن بالعطب والنفس بالضيق والكدر ، وهو ، عذاب كالظلة يحجب بظلماته شمس الفرج حتى يأذن الرب ، جل وعلا ، بانقشاع ظلمته فتشرق سماء القلب بنور الأمل بعد أن نفد الصبر أو كاد ، فاليأس قد أصاب النفوس فقعدت ، والأبدان فمرضت ، فطال زمان المحنة ، فهي لنا ابتلاء ، وله إمهال ، وتلك سنة الرب ، جل وعلا ، في كل فاسق مارق ، قد خرج عن أمر الرب ، جل وعلا ، فمرق من الديانة ، كفرانا أو عصيانا ، فصبر وإمهال ثم أخذ واستئصال ، ومادة الفسق مئنة من الخروج ، فقد خرج إما بكفر صراح فذلك الفسق الأكبر ، فــ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، أو كبيرة يمرق بها من كمال الديانة الواجب وإن لم تحل عروة الإيمان الأولى في قلبه ، فمعه الأصل باقيا ، وفاته الواجب باقتراف القول أو الفعل الفاحش الذي حظره الشارع ، جل وعلا ، فالوقوع في المحرم مئنة من نقص الإيمان ، فينقص بالمعصية ، ويصير صاحبه أهلا للوعيد ، وليس ذلك وصف المؤمن الذي اكتمل إيمانه ، بل هو وصف المؤمن بما معه من عقد الإيمان ، الفاسق بما قارف من صور العصيان .
فانكشف العذاب واستجيب دعاء الطلب الذي ذيل بدعاء التوسل بصالح العمل ، : (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) ، فحده حد العلة لما تقدمه ، فحسن الفصل ، فتوسل المتوسلون بإيمانهم ليكشف الرب ، جل وعلا ، العذاب برحمته .
وذلك مما قد يحسن به الدعاء وإن كان قد ورد في سياق ذم للكافرين ، فالمعنى صحيح في حق المؤمنين ، بغض النظر عن السياق ، فإن التوسل بصالح العمل توطئة للطلب : من التوسل المشروع ، وقد تواترت به النصوص ، فــ : (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) ، وحد المؤمنين في التنزيل : (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ، وخبر أصحاب الغار معروف مشهور ، فقد توسلوا بصالح أعمالهم ففرج الرب ، جل وعلا ، كربتهم .

والشاهد أن ذلك كله من الإرسال الكوني النافذ بالخير رحمة ، أو الشر فتنة ، فيرسل الظالم ويتسلط فتنة له في نفسه بما أوتي من السلطان ، وفتنة للمظلوم ليصبر أو يجزع ، فــ : (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا) ، ثم يأتي الإرسال للعذاب بعد الإمهال ، فذلك تأويل جملة من السنن الربانية ، فمخالفة للسنة الشرعية تستوجب العقوبة الربانية بتسليط الظالم بل وتمكينه ، فتلك سنة أولى ، فــ : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، فيغتر بما قد أوتي من السلطان ، فيملي له الرب ، جل وعلا ، فتلك سنة ثانية ، حتى : (إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) ، فإذا ظن الكمال ، فلسان حاله : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فنسي بل وأنكر وجحد فــ : (أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، جاء الاستئصال فــ : (مَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) ، فــ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، فتلك سنة ثالثة ، وبتأويل هذه السنن الباهرة تظهر آيات من قدرته ، تبارك وتعالى ، النافذة ، وحكمته البالغة ، فــ : "اللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" .

وأما الإرسال الشرعي ، فلا يكون إلا خيرا ، فلا يكون إلا وحيا هاديا ، فترسل الكتب بأصدق خبر وأعدل حكم ، وترسل صفوة البشر لهدايتهم بيانا وإرشادا ، فليس لهم من التوفيق شيء ، فذلك مما اختص به الرب ، جل وعلا ، فإرسالهم الشرعي : نعمة عامة على جميع البشر ، فبها تقام الحجة وتبين المحجة ، وأما هداية التوفيق إلى الإيمان بما جاءوا به من آيات الهدى وقبول ما قرروه من بينات عقلية وبراهين ضرورية على صحة الطريقة التوحيدية التي توافق المعقول والمطبوع من عقول وخلائق البشر ، فذلك مما لا يكون إلا لمن بيده القلوب إقامة على الحق بفضله وإمالة عنه بعدله ، فقلوب الخلائق بين أصبعين من أصابعه التي ثبتت له على الوجه اللائق .

فأرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم برسم الشهادة ، وهي مئنة من حضور صاحبها فلا يشهد إلا بما يعلم يقينا ، ولا يشهد إلا بما رأى ، فذلك حد الشهادة المرضية ، فهي محمودة في حال ، مذمومة في أخرى ، فتشرع الشهادة حفظا للحقوق إذا دعي الشاهد ، فــ : (مَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) ، وتذم إذا بادر الشاهد ، فشهد ولم يستشهد ، فــ : "يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ" ، فاجتمع فيهم وصف السوء المعقول ، فالمبادرة إلى الشهادة مئنة من قلة الورع ، ووصف السوء المحسوس فالسمن مع غلبة الحرام مئنة من قلة التحري فضلا عن شره النفس فقد جبلت على التوسع في الشهوات ، مباحة كانت أو محظورة ، فيورثها ذلك كثافة طبع وثقل بدن ، فللشبع أثر ظاهر على الطبائع نفسانية كانت أو جسمانية ، ولذلك ذم مبتغيه دوما فلا يرفع يدا إلا إذا امتلأ ، وسمت الصالحين رفع اليد ولما تشبع ، فتشتاق النفس إلى حظها ، وتعتدل في تناوله ، فلا إفراط بشبع يثقل ، ولا تفريط بجوع يهلك أو يضعف ، كما قد وقع من الطرائق الزهدية الرواقية ، فقد كانت رد فعل لا أكثر للطرائق الأبيقورية التي أفرطت في تناول الشهوات ، فالأبدان قد أترفت والأرواح قد أتلفت ، فجاء الرواقيون ليثأروا للروح من البدن ! ، فكان ما كان من غلو الرهبانية في الترك ، فيقابله غلو الشهوانية في الفعل ، وبينهما حد التوسط ، فهو سمت الديانة ، وخلق صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فــ : (لَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ، فكان آية في ذلك فهو المعصوم في القول والعمل ، فعصم من التفريط في حظ نفسه جفاء ونقصا ، وعصم من الإفراط في تناوله غلوا وزيادة ، فتلك عصمته في المحسوسات ، وعصم من الغلو والجفاء في المعقولات ، فــ : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، فبشريته عصمة من الغلو في حقه ، فليس إلها ، وليس ملكا ، وليست مادة خلقه النور ، فتلك مادة خلق الملك اللطيف ، بل وصفه بالنور والسراج المنير ، جار مجرى التشبيه البليغ ، كما قد قرر ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، في تفسير قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) ، فهو نور يضيء الكون بآي الوحي ، وهو سراج يبدد ظلمة الشرك والجهل بأشعة الإيمان والعلم ، فقد بعث بأصح المعاني وأفصح المباني ، فدلالة التنزيل على المراد : دلالة يقين جازم بأن الرب الخالق هو المعبود الكامل ، فلا معبود بحق سواه لكمال وصفه وذاته ، وكمال فعله في الكون الحادث ، فله كمال التأله : توحيد إرادة وقصد ، إذ له كمال الاسم والوصف والفعل : توحيد علم وخبر ، فلازم الخبر الإنشاء ، فلا يخلو الخبر الصريح من دلالة إنشاء ، ولو بالتلميح ، كما في نصوص الوعد والوعيد ، فخبر الوحي عن وصف رب العبيد ، جل وعلا ، أولى بذلك فهو يقتضي بداهة إنشاء الأمر بتوحيده بالفعل : محبة وذلا ، وتوحيده بالمفعول : صلاة وزكاة وصياما ...... إلخ .
وهو مع بشريته صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد فضل بملكات خاصة ، فذلك رسم الاصطفاء ، فــ :
فله من القوى المحسوسة ما يزيد على قوى البشر في العادة ، وإن لم يخرج بذلك عن حد البشرية إلى حد النورانية الملائكية فضلا عن الإلهية كما يزعم الغلاة في حقه ، وهو عن كذبهم غني ، فتعزيره وتوقيره لا يجوز الكذب في مدحه بل قد نهى عن ذلك صراحة ، فــ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" ، فليس الحق بقبيح ليفتقر إلى زينة من القول وزخرف من الوصف ، فتلك حال الباطل الذي يخفي أصحابه قبح حقيقته بزخرف القول غرورا ، فــ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، فله من القوى المحسوسة ما يزيد على قوى البشر المعتادة ، بل وله من قوى النفس ما يزيد على قوى النفوس البشرية ، فذلك ، أيضا ، من اصطفاء رب البرية ، جل وعلا ، له ولسائر رسله الكرام البررة ، عليهم الصلاة والسلام جميعا ، فليست قوة قدس كالتي زعمها الفلاسفة فجعلوها ذريعة إلى القول بجواز اكتساب النبوة ، فالنبي عندهم قد صفى نفسه من الأكدار بالمواظبة على الرياضات من : أعمال وأوراد ، وتحلى بجملة من العلوم إذ قد تهيأ المحل لها بما باشره صاحبه من صنوف الرياضات ، فصار أهلا لاكتساب النبوة ! ، فله قوة تخييل يرى بها الملك ، فيوحي إليه في السر والعلن ، فليس وحي إلهام أو عرفان صحيح كالذي يجده المحدث الملهم في نفسه ، فذلك مما لا تثبت به نبوة ، فلا تثبت برؤيا ، بل : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" ، فليس خبر الرؤيا يقينا جازما ، وإن كان حقا صادقا ، فلا يعمل به في شرع ، وإن استأنس به أهل الفضل ، فليس وحي الفلاسفة المزعوم كالإلهام ، بل هو وحي تخييل وإيهام ، فالملائكة عندهم عقول فاضت عن العقل الأول فاتصلت بعقل الرسول فحصل له جملة من العلوم الإلهية على طريقة أصحاب مقالة الفيض الإلهي ، فــ : "يزعمون أن الفيض دائم من العقل الفعال وإنما يحصل في القلوب بسبب استعداد الأشخاص فأي عبد كان استعداده أتم كان الفيض عليه أتم من غير أن يكون من الملأ الأعلى سبب يخص شخصا دون شخص بالخطاب والتكليم وليس هذا مذهب المسلمين بل ولا اليهود ولا النصارى بل هؤلاء كلهم إلا من ألحد منهم متفقون على أن الله سبحانه خصص موسى بالتكليم دون هارون وغيره وأنه يخص بالنبوة من يشاء من عباده لا أنه بمجرد استعداده يفيض عليه العلوم من غير تخصيص إلهي" . اهــ من "شرح العقيدة الأصفهانية"
فالنبوة ، كما تقدم مرارا ، منصب اصطفاء من الرب ، جل وعلا ، لا منصب اكتساب بصنوف الإرادات والرياضات .

فما وحيهم إلا وساوس يوحي بها الشيطان ، فذلك وحيه إلى أوليائه ، فــ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، كما تقدم ، ويوم القيامة : (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ، .

فرسول وحي الشيطان : الأفاك الأثيم ، فــ : (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) ، فجاء الاستفهام تشويقا ، وجاء الإنباء مئنة من الغرابة ، فذلك خبر عجيب غريب ، فليس من جملة الأخبار المعتادة ، بل فيه من الجرأة في الدعوى ما صيره مظنة الغرابة والعجب ، وجاء الفعل مضعفا فذلك مئنة من التمكن فالشيطان قد استولى عليهم ، والتكرار فهو وحي متصل صباح مساء ، فمن فسدت قواه الإدراكية والإرادية فهجر الطريقة الشرعية فهو محل قابل لآثار الوساوس الشيطانية ، ومن زكى نفسه بأجناس العلوم النافعة والأعمال الصالحة فهو مظنة العصمة من الوسواس في القول والعمل ، فقد زكى باطنه بالعلم النافع ، وزكى ظاهره بالعمل الصالح ، فاجتمع له زكاء الجنان تصورا وإرادة ، وزكاء اللسان ذكرا وتلاوة ، وزكاء الأركان فعلا وكفا ، فهو المؤمن الكامل حقا ، فحقيقة الإيمان فيه قد اجتمعت ، وأركانه قد اكتملت ، ثم جاء الجواب ، فصدر بالفعل : "تنزل" ، مع دلالة السؤال المتقدم عليه ، فذلك آكد في تقرير المعنى ، فـ : (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) ، والتنزل مئنة من الاستعلاء حقيقة فلا يكون إلا من أعلى إلى أسفل ، فيسترق الجني السمع فتنة ، ويلقي كلمة صدق إلى الكاهن ، فيزيد عليها مائة كذبة ، والتمكن مجازا ، فذلك من استيلاء الشيطان على نفوس أوليائه ، فيتنزل عليهم أتباعه فقد دانت له النفوس بما فسد من العلم ، وما بطل من العمل ، فحال أتباعه على الضد من حال أتباع المرسلين عليهم السلام : ففساد في الباطن فحد الساحر أو الكاهن أو المتنبئ الكذاب الصاغر : حده : (أفاك) ، فذلك مئنة من فساد قوى العلم ، وحده أيضا : (أثيم) ، فذلك مئنة من فساد قوى العمل .

فبشريته صلى الله عليه وعلى آله وسلم عصمة من الغلو فيه ، ورسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم عصمة من الجفاء في حقه فله الوصف البشري الأعلى ، والمقام الديني الأسمى ، فهو صاحب الشريعة نقلا ، وصاحب السنة قولا وفعلا وتركا وإقرارا بل وجبلة وطبعا ، وإن لم يرد مورد التعبد فهو مظنة الثواب برسم التأسي ، فليس كما يقول بعض زنادقة العصر : ساعي بريد حمل رسالته فأداها ! ، بل هو إمام للمتقين بل ورحمة للعالمين بما جاء به من الوحي ، فــ : (كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وبما جبل عليه من الخُلق فــ : (إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، فرحمة للموافق ، فــ : (مَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، بل وللمخالف فــ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) ، ولو كفارا ، فلم ينزل عذاب الاستئصال بساحة قريش ، مع قبح مقالها : (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، ولم تزل الدنيا صالحة باتصال خبر النبوة ، فــ : "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض : الله الله" ، فهي مظنة صلاح العالم ولو آثارا دارسة ، فكيف لو كانت أعلاما منشورة وألوية معقودة ، فظهرت علومها وأعمالها ، فصارت الدولة لها برسم الكتاب الهادي جمالا ، والحديد الناصر جلالا ، فلا قيام لدولة النبوة إلا بهما ، ولا يحسن استعمال الحديد حيث يتعين الكتاب دعوة فــ : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، وجدالا مشروعا ، فــ : (لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ، ولا يحسن استعمال الكتاب حيث يتعين الحديد دفعا فــ : (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، أو طلبا فــ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، و : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، و : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، فلين في مواضعه ، وغلظة في مواضعها ولكل مقام مقال ، ولكل وصف حكم يلائمه فهو دائر معه وجودا وعدما ، فله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الوصف البشري الجبلي ما يعصم من الغلو في حقه ، وله من الوصف الرسالي ما يعصم من الجفاء في حقه ، فيرتقي من وصف بشريته الأدنى ليتصل بالملك الأعلى فيحدث له ما قد علم من مكابدة آثار الوحي ثم يفصم عنه وقد وعى جملة من العلوم الشريفة ، بها أمر في نفسه فــ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فأمر بالتقوى تجديدا وإن كانت له حالا لازمة وملكة راسخة فـ : "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ" ، فحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلكل قدره من الفعل ومقامه من الثناء والحمد ، فلا يستوي النبي ومن دونه ، ولا يستوي الصديق ومن بعده ، ولا : (يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ، وببلاغها أمر في غيره برسم العصمة ، فــ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) .

والإرسال من وجه آخر مئنة من الترسل ، فالرسل تبعث تترى ، فيلي كل منهم الآخر برسم التصديق ، فرسم المسيح عليه السلام : (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) ، والشهادة : (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، فيشهد اللاحق للسابق بصحة الأصول ، فالتوحيد أصل جامع ، فهو من المحكم لذاته ، فلا يقبل النسخ بداهة ، ومثله وصف الرب ، جل وعلا ، بالكمال المطلق ، وإن تفاوتت الرسالات إجمالا وبيانا ، ففي الرسالة الخاتمة من بيان هذا الباب الجليل ما ليس في غيرها فذلك مقتضى العالمية ، فقد جاءت بأصح الطرائق العلمية في الغيبيات الإلهية والسمعية ، ومثله أصول الأحكام والسياسات والأخلاق ، فكلها مما أحكم ، فالتالي يشهد للسابق ، بما تواطآ عليه من الأصول الصحيحة ، ويزيد بعضها على بعض ، في البيان بالنسخ : (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) ، فذلك النسخ الخاص ، و : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) : فذلك النسخ العام ، فهو المهيمن على ما بين يديه من الكتاب ، فذلك وجه شهادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على من تقدمه من الرسل ، ووجه شهادة أمته على من تقدمها من الأمم ، فــ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ، فهم شهود ، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليهم شاهد ، فــ : (يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، فذلك وجه الشهادة الثاني في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فشهيد قد حد : حد مثال المبالغة ، إمعانا في تقرير المعنى ، فمعناه بدلالة التعلق الاشتقاقي : شاهد ، وهو مما يتعدى بنفسه إن كان عيانا ، فيقال : شهدت فلانا يصنع كذا إذا رأيته ، ويتعدى باللام أو على أو الباء إن كان علما ، فشهد بما عنده من العلم ، والشهادة مئنة من كمال الإحاطة ، فكأن الشاهد بقلبه ولسانه وأركانه قد رأى ما شهد به عيانا ، فصار الخبر في حقه يقينا جازما ، فذلك علم اليقين ، وإن شك فيه غيره ، فليس عنده من اليقين ما عنده ، وليس عنده من دلائل الآفاق والنفوس ، ودلائل الكتب والنصوص ما عنده ، فيتفاوت الناس في ذلك أيما تفاوت ، فلكلٍ محل يقبل من العلوم والأعمال ما لا يقبله غيره ، فلا يستوي من زكى باطنه بالعلم النافع وظاهره بالعمل الصالح مع من عطل الباطن والظاهر من حلية الأولياء من علوم الربانيين وأعمال المتقين .

فشاهد بالحق برسم العلم ، فذلك حد النجاة ، فــ : (لَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ، فالحال مؤسسة لمعنى لا يستقيم السياق إلا بإثباته ، فليست الشهادة مطلقا محمودة ، بل منها المذموم ، كما تقدم ، فالمحمود هو ما كان برسم الحق ، فمن الشهادة ما هو عين الباطل ، فقد شهدت أمم بما ينقض أصول الوحي بل والعقل ، فشهد المثلثة بالشرك الصريح ، وشهد الفلاسفة وأفراخهم بالتعطيل المحض .


ومادة الشهادة من وجه آخر تحتمل المشاهدة ، فشهيد ، كما تقدم ، تأتي بمعنى شاهد ، وتأتي بمعنى : مشاهد ، كجليس بمعنى مجالس ، فذلك وجه ثان للتعلق الاشتقاقي ، وكلا الوجهان قد وردا في تفسير قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ، كما أشار إلى ذلك ابن القيم ، رحمه الله ، بقوله :
"قال بعض المتأولين : معناه وهو شاهد مقبل على الأمر غير معرض عنه ولا مفكر في غير ما يسمع قال : وقال قتادة : هي إشارة إلى أهل الكتاب فكأنه قال إن هذه العبر لتذكرة لمن له فهم فتدبر الأمر أو لمن سمعها من أهل الكتاب فشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني إسرائيل قال : فشهيد على التأويل الأول من المشاهدة وعلى التأويل الثاني من الشهادة" . اهــ
"مفتاح دار السعادة" ، (1/211) .

ولا مانع من الجمع بينهما بل ذلك مما يثري السياق ، وإن كان الوجه الثاني لا يختص بأهل الكتاب ، فهم شهود على صحة الرسالة الخاتمة بما عندهم من الكتاب الأول ، ولا يلزم من ذلك اختصاصهم بذلك ، بل هو معنى عام يشمل كل من عنده علم بالنبوات من الراسخين والربانيين فهو شهود العدل ، فــ : "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ" ، على كلام في إسناده ، وأي شمس أسطع من شمس الرسالة ؟! .

فشاهد بعين البصر نظرا في الوحي المسطور ، وعين البصيرة تدبرا في المعنى المعقول في آيات الكون المبثوثة وآيات الوحي المكتوبة .

فــ : شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا :
فالمبشر : حامل البشرى ، ولا يكون ذلك إلا بما يسر إلا إن ورد على حد التهكم ، فــ : (بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فهو مبشر حقيقة ، ترغيبا في الخير فيحمل البشرى بعاقبته ، فــ : (بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا) ، وهو مبشر استعارة تهكمية فــ : (بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، ومادة البشر مادة محسوسة فهي مئنة من انبساط جلد الوجه فاستعير المعنى المحسوس للازمه المعقول فلا تنبسط أسارير الوجه الظاهرة إلا بانشراح الصدور وطمأنينة القلوب ، ولا يكون ذلك إلا بالذكر فــ : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، فهو معدن السكينة والأمن ، فــ : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) .

وَنَذِيرًا : فهو المنذر ، وإنما حد : حد مثال المبالغة ، إمعانا في تقرير المعنى ، كما تقدم ، والنذير مئنة من حصول الشيء فعلا فيكون معنى النذارة فيه أظهر من اسم الفاعل القياسي : "منذر" ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله .
وحصل بالجمع بين البشارة والنذارة : بيان واف لأعمال الرسل عليهم السلام ، فترغيب بالبشرى الحاملة على الفعل ، وترهيب بالنذارة الحاملة على الكف .

وأطلق الإرسال في هذه الآية ، وقيد بــ : "الحق" في قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) فذلك من التقييد بفحوى الرسالة ، و "كَافَّةً" في قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) فذلك من التقييد بعالمية الرسالة ، فحصل بالجمع بينها اكتمال لصورة الاستدلال ، فإرسال أول ثبتت به النبوة ، وبيان لفحوى الرسالة فهي معدن الحق ، وبيان لنطاقها فهي عامة لكل البشر في كل الأعصار والأمصار .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
16-04-2011, 01:23 AM
ومن قوله تعالى :
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا :
فذلك تعليل الإرسال ، فاللام نص في التعليل وهي تتعدى إلى الاسم بنفسها ، فعملها فيه الجر ، وتتعدى إلى الفعل بأن مضمرة ، فيؤول الأمر إلى جر المصدر المؤول من "أن" ومدخولها ، فعملها الجر بلا واسطة أو بواسطة خلافا للكوفيين ، كما أشار إلى ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، في "مغني اللبيب" بقوله : "اللام المفردة ثلاثة أقسام : عاملة للجر وعاملة للجزم وغير عاملة وليس في القسمة أن تكون عاملة للنصب خلافا للكوفيين" . اهــ
"مغني اللبيب" ، (1/225) .
وفصل صاحب "الإنصاف" ، رحمه الله ، القول في الخلاف فــ :
"ذهب الكوفيون إلى أن لام كي هي الناصبة للفعل من غير تقدير أن نحو : جئتك لتكرمني وذهب البصريون إلى أن الناصب للفعل أن مقدرة بعدها والتقدير جئتك لأن تكرمني .
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا إنما قلنا إنها هي الناصبة لأنها قامت مقام كي ولهذا تشتمل على معنى كي وكما أن كي تنصب الفعل فكذلك ما قام مقامه ........ وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا إنما قلنا إن الناصب للفعل أن المقدرة دون اللام وذلك لأن اللام من عوامل الأسماء وعوامل الأسماء لا يجوز أن تكون عوامل الأفعال فوجب أن يكون الفعل منصوبا بتقدير أن" . اهــ بتصرف .

فتقدير الكلام : أرسلناك للإيمان بالله ، فيطرد الأمر بعمل اللام في الجر للاسم الصريح أو المؤول ، وقرن الإيمان بالله ، جل وعلا ، أصلا ، بالإيمان بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تبعا ، فهو لازمه بل هو قسيمه في الشهادة فتوحيد المرسِل ، جل وعلا ، يقتضي توحيد رسوله بتصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع ، فهذان ركنا توحيد الألوهية التي لا تحصل النجاة إلا به ، فــ : "إقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه : لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو ; وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر" . اهــ من "التدمرية" ، فيوحد في العلم تصديقا ، بل إيمانا جازما ، فتصديق المرسلين لا يكتمل إلا بالتصديق الجازم الذي يقتضي الإقرار فهو قدر زائد على التصديق المجرد فهو مما قد حصل لكثير من الكفار ، فــ : (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) ، بل ولكبيرهم إبليس فــ : (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ، فلم ينفعه إقراره بالربوبية بل وبالقضاء والقدر التكويني فإغواء الرب ، جل وعلا ، له إنما كان بمقتضى التقدير الكوني فلم ينفعه كل ذلك بداهة فــ : "كُفْرُ إبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَالْيَهُودِ وَنَحْوُهُمْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ التَّصْدِيقِ وَالْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِخَبَرِ بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ فَكُفْرُهُ بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ ؛ لَا لِأَجْلِ تَكْذِيبٍ . وَكَذَلِكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا وَقَالَ لَهُ مُوسَى : { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }" . اهــ
"الإيمان الأوسط" ، ص65 .


فالتصديق الجازم الذي يقتضي الإقرار إنما يكون بأن : يصدق في الخبر فخبره خبر نبوة معصوم ، ويطاع فيما أمر ، فأمره لازم خبره ، فالإنشاء لازم الخبر ، فإن الخبر لا ينفك بداهة عن معنى تتعلق به النفوس رغبة أو رهبة ، فيتضمن الأمر بذرائع المرغوب من الطاعات ، والنهي عن ذرائع المرهوب من المعاصي ، ولا يعبد الرب ، جل وعلا ، بالفعل أو الترك إلا بما شرع على لسانه ، فهو صاحب الشريعة بلاغا فبلغ الوحي المتلو وأنشأ الأحكام وبينها بسنته ، فــ : "لا يظهر الحكم إلا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم فإنا لا نسمع الكلام من الله تعالى ولا من جبريل عليه السلام" ، "تلخيص الروضة" ، (1/109) ، و : "مدركها ، (أي : أصول الأحكام أو أدلتها الكلية من كتاب وسنة وإجماع .........) ، الرسول عليه السلام لأنه لا سماع لنا من الله تعالى ولا من جبريل فلم يبق لنا مدرك لهذه الأصول إلا الرسول فالكتاب سمع منه تبليغا تصدر عنه تبيينا والإجماع والقياس مستندان في إثباتهما إلى الكتاب والسنة" . اهــ من "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" ، فالوحي : شطران : كتاب منزل ، وسنة ، فهي الشطر الثاني من الوحي ، ففي سنته البيان العام : ببيان المجمل الاصطلاحي في كلام الأصوليين ، وتخصيص العام ، وتقييد المطلق ، ونسخ المنسوخ ....... إلخ ، من صور البيان العام ، فالبيان في اصطلاح المتقدمين يعم كل صور الإيضاح للحكم ، كما أن النسخ في كلامهم يقتضي كل صور تقييد الحكم بإخراج بعض أفراده برفع دائم فيبطل الناسخ حكم المنسوخ ، أو تخصيص بإخراج بعض أفراده مع بقاء أصل الحكم ، أو تقييد ........ إلخ ، ولا يكتمل الإيمان به صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا بالمتابعة ، فلا يعبد الرب ، جل وعلا ، إلا بما شرع ، ففي شرعته كمال الطريقة العلمية التي يصح بها التصور ، وكمال الطريقة العملية التي يصح بها الحكم ، فالزيادة بالفعل أو الترك مضاهاة للشرع مئنة من ازدراء حكم الرسالة ، فلسان حال المحدث في الديانة ، الاستدراك على الوحي ، فقد زاد إرادة المبالغة في التعبد فمفهوم ذلك بداهة اتهام الوحي بالتقصير ، ولازم ذلك الطعن في الرسالة إما بالتقصير في التشريع ، فذلك طعن في الحكمة الإلهية فالرب ، جل وعلا ، أعلم ، بداهة ، بالمصلحة الدينية والدنيوية فعلمه قد عم الغائب والشاهد ، الأول تقديرا وكتابة والثاني تأويلا وإحصاء ، فلا يصح في العقل فضلا عن الشرع فوات شيء مما فيه خير للمكلفين في دنيا أو دين ، فالرب ، جل وعلا ، قد كتب على نفسه الرحمة ، وأعظم صورها رحمة النبوة ، ففيها صلاح المعاش والمعاد ، فتلك عطية محضة ، كتبها ، جل وعلا ، على نفسه ، فــ : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فــ : "أل" في الرحمة جنسية استغراقية فتعم جميع صور الرحمة وأشرفها بداهة : الرحمة الدينية بالخبر الصادق والحكم العادل عزيمة أو رخصة فــ : "المشقة تجلب التيسير" ، فالعزيمة أصل والرخصة فرع عليها فحيث كانت مشقة كونية فثم تيسير شرعي ، فالمشقة لا تقع شرعا فــ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، بل قد تقع كونا بل وقد يوقعها الإنسان بنفسه بالتشديد في غير موضعه برهبانية أو نحوها ، فذلك من صور الإحداث في الدين فنهي عنه لما يدخله على صاحبه من فساد في الدين والدنيا فهو ناقض صريح لأصول الفطرة الآدمية فلا ترد به طريقة شرعية فتلك من رحمات الوحي الشارع ، ولا تتلقى تلك الرحمات بداهة إلا من مشكاة النبوة ، فهي أشرف النعم مطلقا ، لو تدبر العاقل ونظر ، وهي ، كما تقدم ، عطية محضة ، فإرسال الرسل من الجائز في حق الرب ، جل وعلا ، فلا يوجبه العقل ، وإنما أوجبه الرب ، جل وعلا ، على نفسه ، بالنظر إلى عموم ما كتبه على نفسه من الرحمة ، فالنبوة ، كما تقدم ، أعظم وأشرف أجناسها ، فلازم المبالغة في التعبد مضاهاة للشرع كما قد صنع غلاة المتزهدة من رهبان الأمم : لازمه : الطعن في الرسالة إما بالتقصير في التشريع ، وذلك ، كما تقدم ، طعن في مقام الألوهية ففيه طعن في الشهادة الأولى : شهادة توحيد الإله المعبود بحق ، المشرع للحكم ، المنزل للكتاب الهادي ، المرسل للرسول ففي رسالته البيان الوافي بخبر الصدق وحكم العدل ، أو التقصير في التبليغ ، ففي التزيد على صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمحدثة في الدين في علم أو عمل ، في تصور أو حكم ، اتهام صريح لمقام النبوة بالتقصير في البلاغ ، وذلك أمر ممتنع في الشرع ، فــ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ، فذلك أمان من النقص ، فعصمة البلاغ قد ثبتت يقينا بالنص القطعي ثبوتا ودلالة ، والدليل العقلي الضروري ، وإلا بطلت الحجة الرسالية بتجويز الكتمان أو الخطأ ، فكل أولئك مما يقدح في عدالة المخبر ونقله ، وكلاهما ممتنع بداهة في حق الرسل عليهم السلام ، فهم المنزهون عن الكذب في كلام البشر ، فهو قادح في عدالة آحاد الناقلين فحديثه متروك وإن لم يثبت كذبه في الرواية ، فكيف بعدالة أعظم الناقلين لأشرف الكلمات : كلمات الوحي الشارع ؟! ، فعدالته ثابتة من باب أولى وإلا صار إرساله مع القدح في عدالته بتجويز الكذب في رسالته ، صار إرساله مع ذلك عبثا يتنزه عنه الرب ، جل وعلا ، فما الفائدة في إرسال من لم تثبت عصمته في البلاغ وكيف تحصل الطمأنينة بخبره وكيف تقوم الحجة في نقله وهو ممن يجوز عليه الكذب كآحاد البشر ، بل من البشر من اشتهرت عدالته فهو غني عن التعريف والتعديل ، فــ : "مِثْلِي يُسْأَلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، (أي : أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله) ، أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنْ النَّاسِ" ، كما أثر عن ابن معين ، رحمه الله ، فكيف بالنبي المرسل ألا يجب ذلك في حقه من باب أولى ؟! ، فتجويز الكذب في حقه مع ما قد تقرر من وجوب عصمته قدح صريح في عدالته يبطل الاستدلال بخبره ، فهو كخبر آحاد البشر ممن يجوز في حقهم الخطأ ، بل كخبر آحاد المتهمين في عدالتهم ممن يجوز في حقهم الكذب ! ، فــ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ، كما تقدم ، فذلك أمان من النقص ، كما تقدم ، و : (لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) فذلك أمان من الزيادة ، فالرسول منزه عن التحريف بزيادة أو نقص ، بإضافة أو حذف ، كما يقع من آحاد المفترين في النقل ، فذلك ، كما تقدم ، من ضروريات العلم ، فهو ثابت بالنقل المتواتر الصريح ، وضروريات العقل فهو من آكد لوازم إقامة الحجة لا سيما إن كانت عامة كحجة الرسالة الخاتمة .

فيستلزم الإيمان الإذعان ، فلا يكفي التصديق القلبي المجرد ، بل يزيد عليه الإقرار الجازم ، وهو يقتضي ضروة الإذعان الكامل لحكم الشارع ، جل وعلا ، والتوقير الكامل لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتصديق الخبر يقتضي بداهة إنشاء لازمه من أمر مرغوب أو نهي مرهوب ، فحقيقة الإيمان من جميعها قد ركبت ، فتصديق بالقلب أولا مع إقرار فيه ثانيا ، يشهد به اللسان ، مع إذعان كامل بالجارح الباطن والظاهر ، فتلك شهادة الأركان على صحة الإيمان ، فالإيمان : اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان .

قال في "الصارم المسلول" :
"لكن موجب التصديق توقيره في الكلام فإذا انتقضه في كلامه ارتفع حكم التصديق وصار بمنزلة اعتراف إبليس لله بالربوبية فإنه موجب للخضوع له فلما استكبر عن أمره بطل حكم ذلك الاعتراف فالإيمان بالله ورسوله قول و عمل ، أعني بالعمل ما ينبعث عن القول والاعتقاد من التعظيم و الإجلال ، فإذا عمل ضد ذلك من الاستكبار و الاستخفاف صار كافرا" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص315 .

وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا :
فالضمائر إما أن تعود كلها إلى الرب ، جل وعلا ، لقرينة التسبيح فهو مما لا يكون إلا للرب ، جل وعلا ، وقرينة العطف فالأصل فيه التسوية والتماثل فترجع الأحكام المعطوفة على محكوم عليه واحد ، وإليه أشار القرطبي ، رحمه الله ، بقوله : "وقيل : الضمائر كلها لله تعالى ، فعلى هذا يكون تأويل : {تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك ، (فذلك من آكد صور التعزير والتوقير وإنما نص عليها ردا لشبهة من افترى على الرب ، جل وعلا ، فادعى له الصاحبة والولد فذلك من أظهر صور النقص البشري التي يتنزه عنها الرب العلي ، تبارك وتعالى ، بداهة ، وأثبت له الشريك تصريحا بالقول أو تلميحا بالفعل فدعا غيره أو نذر له أو علق رجاءه به غلوا في حقه ...... إلخ من صور الشرك بالقول أو الفعل ، بل الفعل في هذا الباب أظهر دلالة فهو تأويل ما يقوم بالقلب من اعتقاد النفع أو الضر في غير الرب القدير الحكيم ، عز وجل ، ومثله التحاكم إلى غيره في شأن خاص أو عام فهو تأويل الطعن في حكمته بتعطيل حكمه وإشراك غيره معه في الأمر والنهي فذلك ، أيضا ، من صور إثبات الشريك ولو لم يصرح ، فالتمثيل بنفي الولد والشريك في كلام القشيري ، رحمه الله ، لعموم معنى التعزير إنما كان إبطالا لأمر قد وقع فعلا ، فلا يخص به بداهة بل صور التعزير والتوقير كثيرة ، فذلك من جنس النص على نفي الولد والوالد خصوصا في قوله تعالى : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) فالأصل في النفي الإجمال وإنما فصل وبين ردا لشبهة قد أثيرت فحسن النص عليها خصوصا مع استحضار أصل النفي العام في هذا الباب) . واختار هذا القول القشيري" . اهــ بتصرف واسع ، والقول بعود الضمائر كلها على الرب ، جل وعلا ، هو ترجيح الفخر الرازي ، رحمه الله ، أيضا ، ولو حمل التعزير والتوقير على تعزير وتوقير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو راجع ، أيضا ، إلى الرب ، جل وعلا ، فتعزير الرسول من تعزير مرسِله ، كما تقدم ، فالتعزير والتعظيم ثابت لله ، جل وعلا ، على كلا الوجهين ، والاشتراك في الوجه الثاني حاصل بتعزير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نصا وتعزير مرسِله ، جل وعلا ، لازما له لا ينفك عنه ، فيكون الضمير على هذا الوجه : راجعا عليهما جميعا ، فذلك مما قد يستأنس به من يجوز تعدد مرجع الضمير فهو نوع اشتراك ، فينزل منزلة المشترك اللفظي الذي يدل على كلا معنييه ، فهو شاهد لمن جوز ذلك ، ومن قال بالأول ، فمرجع الضمائر عنده ابتداء إلى الرب ، جل وعلا ، فله التسبيح انفرادا ، فتلك ، كما تقدم ، قرينة ترجح عود الضمائر كلها إلى الرب ، جل وعلا ، وإن لم يكن أقرب مذكور ، والأصل في الضمائر عودها إلى أقرب مذكور ، وهو في هذا الموضع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد يرجح الوجه الثاني لما فيه من زيادة معنى تثري السياق ، فيعود الضمير على أكثر من مذكور ، فيعود على أقرب مذكور أصلا ، فله صلى الله عليه وعلى آله وسلم التعزير والتوقير ، وعلى غيره تبعا ، وهو هنا ، الرب ، جل وعلا ، فله التعزير والتوقير لزوما ، فتوقير رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : توقير له بداهة كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

وأما القول الثالث فهو التفصيل فمن الضمائر ما يعود إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيكون الوقف عند : "وتوقروه" : وقفا تاما ، ومن ثم يبتدئ القارئ الكلام بــ : "وتسبحوه" ، فالضمير فيه راجع إلى الرب ، جل وعلا ، وإليه أشار القرطبي ، رحمه الله ، بقوله : "والهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم . وهنا وقف تام ، ثم تبتدئ : {وَتُسَبِّحُوهُ} أي تسبحوا الله ...... وهو قول الضحاك" . اهــ بتصرف ، فيكون منه ما يجري على المعهود من لسان العرب ، من عود الضمير على أقرب مذكور ، ومنه ما هو على خلاف المعهود فيرجع على غيره لقرينة صارفة ، فالتسبيح ، كما تقدم ، لا يكون إلا لله ، جل وعلا ، فتنزه وتباعد عن كل صور النقص الذاتي اللازم أو الطارئ ، وكل صور النقص الجبلي في البشر ، من جوع وعطش ونكاح وسنة ونوم ومرض وموت ........ إلخ ، وكل صور النقص الفعلي من خطأ أو سفه ، فوصف ذاته : القدسية ، ووصف أفعاله : الحكمة .

ومادة "التعزير" من الأضداد ، فالإجمال فيها من جهة احتمال أكثر من معنى على وجه لا يبين فيه المراد ابتداء ، فلو نزع اللفظ من السياق ورد إلى دلالته المعجمية الأولى ، ما أفاد السامع إلا التردد بين معنييه أو معانيه ، إن كان له أكثر من معنيين بأصل وضعه أو دلالته المعجمية الأولى ، فهي دلالة مجردة تفيد معنى ظاهرا متبادرا ، ولكنه لا تدل عليه دلالة النص على مدلوله ، فتلك دلالة جزم غير محتمل ، وذلك لا يكون إلا بورود القرينة السياقية التي تعضد المعنى المتبادر في الظاهر فتصيره نصا قاطعا بعد أن كان ظنا راجحا ، أو تشهد للضد المرجوح غير المتبادر فتصيره نصا بعد أن كان وهما فهي عند التدبر والنظر جزء من المعنى ، فالمعنى الدلالي يتركب معنى معجمي وآخر سياقي يتعاضدان لبيان مراد المتكلم ، إذ لا يتصور نزع اللفظ من سياقه ولو تقديرا كقولك لمن جاء يسأل : من جاء اليوم ؟ : زيد ، فزيد مفرد في اللفظ بل وجامد غير مشتق فالفائدة بذكره مجردا غير حاصلة ، ولكن وروده عقيب السؤال ، وهو من جملة قرائن السياق فالسياق يقتضي جوابا عقيب السؤال بداهة ، فورود الجواب عقيب السؤال ، وتقدم السؤال عليه أفاد معنى يصح معه الوقوف على لفظ زيد وحده فدلالة السؤال المتقدم على السياق المقدر جعلت ذكر المفرد المجرد مفيدا والأصل أنه لا يفيد بذكره مجردا فليس كلاما مفيدا ، فحد الكلام المفيد كما قرر بعض النحاة : "قول مفيد مركب مقصود" ، فاشترط التركيب ولو تقديرا ، كما هي الحال في جواب السؤال المتقدم ، فالقول مركب من مذكور ومقدر دل عليه السؤال المتقدم على ما اطرد في لسان العرب من دلالة المتقدم على المتأخر ، والشاهد أن اللفظ بنزعه من سياقه وحكايته مجردا من قرائن السياق أو الحال لا يكون كلاما ، وإن كان كلمة أو حرفا مفردا على ما اصطلح في لسان العرب من إطلاق الحرف على الكلمة فذلك اصطلاح المتقدمين في مقابل اصطلاح المتأخرين في إطلاق الحرف على الحرف المعجمي المعهود ، فللفظ دلالة معجمية على معنى أو دلالة علمية على ذات ، فلا يفيد اللفظ المفرد ، كما تقدم ، إلا بانضمام قرينة سياق مقدر أو حال مفهم ، كمن أشار إلى مراده ونطق باسمه ، فقرينة الحال تشهد بتقدير فعل الإرادة ، فتقدير الكلام : أريد كذا وكذا ، أي المشار إليه ، فمن أشار إلى تمر وقال : تمر ، فتقدير السياق بداهة : أريد تمرا ، فالقرينة شاهدة لأحد معنيي المشترك ، فتشهد للراجح أو المرجوح فتصيره الراجح بل وغير المحتمل ، فيكون ذلك ظاهر الكلام مركبا من لفظه وسياقه معا ، كما قرر ذلك بعض أهل العلم ، أو تشهد لأحد طرفي الشك فهما متعادلان في الاحتمال ، فلا يفصل النزاع بينهما إلا قرينة من خارج هي : السياق أو الحال كما تقدم .

والشاهد أن اللفظ قد يرد مورد المجمل فتزدحم المعاني فيه ، وأشدها إجمالا ما يرد مورد الأضداد ، فيكون اللفظ بأصل وضعه المعجمي المطلق دالا على المعنى وضده ، فلا يفصل النزاع بينهما إلا قرينة سياق أو حال ترجح الظاهر أو ضده ، فيزول الإجمال ويرتفع الإشكال ، فمادة : "فعَّل" كما يقول الصرفيون تدل على مجرد نسبة شيء إلى شيء ، فيقال : عزرت زيدا إذا نسبته إلى التعزير ، وفسقته إذا نسبته إلى الفسق ..... إلخ ، فلا نسبة تشبيهية في الألفاظ المجملة كالأضداد ، كما نوه بذلك صاحب "الجواهر" رحمه الله ، فلا تدل المادة إذا نزعت من سياقها على مدح أو ذم ، وإنما تدل بانضمام قرينة السياق إليها ، كما أشار إلى ذلك في "اللسان" بقوله :
"والتَّعْزِيرُ التوقيفُ على الفرائض والأَحكام وأَصل التَّعْزير التأْديب ولهذا يسمى الضربُ دون الحد تَعْزيراً إِنما هو أَدَبٌ يقال عَزَرْتُه وعَزَّرْتُه فهو من الأَضداد وعَزَّرَه فخَّمه وعظَّمه فهو نحْوُ الضد والعَزْرُ النَّصْرُ بالسيف وعَزَرَه عَزْراً وعَزَّرَه أَعانَه وقوَّاه ونصره قال الله تعالى : (لِتُعَزِّرُوه وتُوَقِّرُوه) وقال الله تعالى : (وعَزَّرْتُموهم) جاء في التفسير أَي لِتَنْصُروه بالسيف ومن نصر النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقد نَصَرَ الله عزَّ وجل وعَزَّرْتُموهم عَظَّمْتموهم وقيل نصَرْتُموهم قال إِبراهيم بن السَّريّ وهذا هو الحق والله تعالى أَعلم وذلك أَن العَزْرَ في اللغة الرَّدُّ والمنع وتأْويل عَزَرْت فلاناً أَي أَدَّبْتُه إِنما تأْويله فعلت به ما يَرْدَعُه عن القبيح كما أن : نَكَّلْت به تأْويله فعلت به ما يجب أَن يَنْكَل معه عن المُعاودة فتأْويل عَزَّرْتُموهم نصَرْتُموهم بأَن تردُّوا عنهم أَعداءَهم" . اهــ

فإما أن يقال بأن اللفظ من قبيل المشترك اللفظي ، بل هو ، كما تقدم من الأضداد ، وهي من أشد الألفاظ إجمالا ، فتكون دلالته على كلا المعنيين في سياق واحد أمرا متعذرا ، فهو مفض إلى الجمع بين الضدين ، والضدان لا يجتمعان في محل واحد في آن واحد من وجه واحد ، فذلك من قبيل تلازم الجهة وانفكاكها ، فلا يجتمع الضدان في محل واحد من وجه واحد ، كما تقدم ، وإن جاز اجتماعها إذا تعددت الوجوه كمسألة الصلاة في الأرض المغصوبة ، فهي واحدة بالعين ولكنها متعددة الوجوه فيتصور تعلق الثواب بوجه ، وهو أداء الصلاة فبه يسقط الفرض ، وبه يثبت الأجر ، أو يثبت الوعد به فالإجزاء لا يلزم منه بداهة الثواب ، بل قد تقع العبادة صحيحة مجزئة في أحكام الدنيا ، ولا يثاب الفاعل في أحكام الآخرة ، فلكل دار حكمها ، ويتصور في المقابل تعلق الوزر بوجه ، وهو الغصب ، فاجتمع الضدان في محل واحد لا من وجه واحد ، وإنما من وجهين يتعلق بكل وجه منهما : ضد من الضدين ، وأما اجتماعهما من وجه واحد فهو أمر محال في العقل والخارج ، كما تقدم ، فكذلك الشأن في التعزير فلا يتصور تعظيم وإهانة في محل واحد من وجه واحد ، بل قد يعظم المرء من وجه ويهان من آخر ، وسياق التعظيم غير سياق الإهانة بداهة ، فلكل سببه ، ولكل صورته في الذهن والخارج ، فيشهد السياق تارة بإرادة التعظيم ويشهد أخرى بإرادة الإهانة .
وإما أن يقال بأن اللفظ من قبيل المشترك المعنوي ، فالمعنى الكلي الجامع للتعزير هو المنع ، والمنع قد يكون تأديبا ، فالعقوبة تردع العصاة وتمنعهم ، وقد يكون تعظيما فيمنع المعظم من أن ينال بأذى ، وفي الحديث : "وأما أبو بكر فمنعه قومه" .

والقرينة في هذا السياق شاهدة بإرادة التعظيم ، فالسياق سياق إيمان بالله ورسوله وذلك يستلزم بداهة تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتعظيم الرسول من تعظيم مرسِله ، كما تقدم ، وتوحيد الأول ذاتا واسما ووصفا وفعلا وحكما يقتضي بداهة توحيد الثاني خبرا وإنشاء ، فتوحيده في خبره : تصديقه ، وتوحيده في إنشائه : امتثاله أمرا كان أو نهيا ، فلا يعبد الرب ، جل وعلا ، إلا بما شرع على لسانه مما قد بلغه من وحيه المتلو المنقول بالتواتر ، أو وحيه المنقول بالإسناد في دواوين السنة ، فما صح منه فهو حجة في العلم والعمل ، فقرائن الصحة تحتف بالآحاد وهو يفيد الظن الراجح ابتداء فيرتقي بها إلى العلم النظري ، فخبر الآحاد على قول المحققين يفيد العلم النظري إذا احتفت به القرائن ، فلا يفيد العلم الضروري ابتداء كالخبر المتواتر ، والشاهد أن الكتاب والسنة كليهما : مصدر تشريع بل هما قسيمان قد دل أولهما على حجية ثانيهما ، فــ : (مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، كما استدل بذلك ابن مسعود ، رضي الله عنه ، فالنظر فيهما ، كما يقول بعض أهل العلم المعاصرين ، متساو ، فينظر في كليهما ابتداء ، فليس الكتاب من جهة دلالته على الأحكام مقدما على السنة من جهة دلالتها على الأحكام ، وإنما يقدم عليها من جهة ثبوت الأصل فقد ثبتت حجية السنة إجمالا بإثبات الكتاب لها ، بل السنة ، من وجه ، قاضية على الكتاب العزيز ، ففيها بيان مجمله بنسخ أو تقييد أو تخصيص ..... إلخ من صور البيان ، بل فيها ابتداء شرع أحكام لم ترد في الكتاب العزيز ، ولو مجملة ، وإن كان القرآن قاضيا عليها أيضا ، فهو الذي دل على حجيتها ، كما تقدم ، فذلك قضاء عام ، وهو المخصص لبعض أحكامها ، فذلك قضاء خاص ، كما في قوله تعالى : (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) ، فذلك قاض على عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" ، فقرينة الامتنان في الآية مئنة من الإباحة فيخرج الصوف والشعر والوبر من عموم الشرط في الحديث ، فذلك من التخصيص المنفصل لنص من السنة بآخر من الكتاب كما قد قرر أهل الأصول ، وفي "البحر المحيط" :
"يَجُوزُ تَخْصِيصُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقُرْآنِ وفي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَجِيءُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كان الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا هَا هُنَا وَأَمْثِلَتُهُ عَزِيزَةٌ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ : (ما أُبِينَ من حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ) فإنه خُصَّ منه الصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا) قُلْت : هذه إنْ جَعَلْنَا الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فإن الحديث وَرَدَ على سَبَبٍ وهو حُبِّبَ إلَيْهِ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا خُصُوصَ السَّبَبِ فَلَيْسَ الْحَدِيثُ عَامًّا ، (وذلك خلاف الأصل فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى العام لا بخصوص السبب الذي ورد عليه فالعام الوارد على سبب حجة على الرجح من أقوال أهل الأصول في صورة السبب فدخولها فيه قطعي وفي غيرها فدخولها فيه ظني) ، وَكَذَا قَوْلُهُ : "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ" فإنه خُصَّ منه أَهْلُ الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : (حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يَدٍ) وَكَذَا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم : "إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا ما لم تَتَكَلَّمْ أو تَعْمَلْ" فإنه خُصَّ من الْكَلَامِ سَبْقُ اللِّسَانِ بِالْيَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : (لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ) وَكَذَا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم : "الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : (فإذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما على الْمُحْصَنَاتِ من الْعَذَابِ)" . اهــ بتصرف .


&&&&&



فأول مراتب التعزير كما تقدم :


تعزير من أرسله ، جل وعلا ، فيعزر بتصديق خبره وامتثال حكمه بتأويل أمره فعلا ونهيه كفا ، فتلك بينة الدعوى ، فيعزر بتوحيده في اسمه ووصفه وفعله ، فلا يزيغ فيه إلا ملحد قد سمى الرب ، جل وعلا ، بما لم يسم به نفسه ، أو وصفه بما لم يصف به نفسه ، أو أنكر اسما من أسمائه ، بصريح القول أو لازمه ، فمن نسب إلى الرب ، جل وعلا ، نقصا يتنزه عنه فقد أنكر لزوما اسميه : السلام والقدوس ، فهو السالم من كل عيب المنزه عن كل نقص ، وهو قد نسب إليه ضد ما يدل عليه الاسمان : تضمنا ، فيدلان على الذات دلالة العلم ، ويدلان على سلب العيب والنقص دلالة الوصف ، ويدلان على إثبات ضدهما من الكمال المطلق لزوما ، فليس النفي في الاسم أو في الوصف في هذا الباب الجليل مراد لذاته ، بل يراد لذاته تنزيها ، ويراد لغيره إثباتا لكمال ضده مدحا وثناء على الرب ، جل وعلا ، فله ، كما تقدم مرارا ، كمال الذات والوصف أزلا وأبدا ، وكمال الفعل نوعا في الأزل ، فلم يكن معطلا عن اسم أو وصف أو فعل ثم اكتسبه ، بل قد ثبت له كمالها المطلق أولا ، فهو الأول بالذات والوصف والفعل ، فيحدث من آحاد الفعل في عالم الشهادة ما يشاء ، فيكون المفعول الوجودي متعلق علمه الثاني ، فــ : (مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) : تأويل المقدور العدمي في علمه الأول ، فالموحد قد سلم من هذه الآفات العلمية ، والملحد قد فسد تصوره في هذا الباب ، ففسد حكمه لزوما فجحد أو أشرك ، وشبه أو عطل ، ولا ينفك عن كليهما عند التدبر والنظر ، فالمشبه معطل لكمال الرب ، جل وعلا ، بنسبته إلى وصف الخلق الحادث ، والمعطل ممثل فما عطل إلا فرعا على تشبيه الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق ، وذلك من فساد القياس بمكان ، فقد قاس الغائب الكامل على الشاهد الناقص ، مع الفارق ، أي فارق ! .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"أَمَّا الْمُعَطِّلُونَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصَفَاتِهِ إلَّا مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْمَخْلُوقِ ثُمَّ شَرَعُوا فِي نَفْيِ تِلْكَ الْمَفْهُومَاتِ ؛ فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ مَثَّلُوا أَوَّلًا وَعَطَّلُوا آخِرًا وَهَذَا تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ مِنْهُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِالْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَاءِ خَلْقِهِ وَصِفَاتِهِمْ وَتَعْطِيلٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" . اهــ من "مجموع الفتاوى"


والإلحاد في هذا الباب كما يقول ابن القيم ، رحمه الله ، على أربعة أنواع :
"أحدها أن يسمي الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإله والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة .
الثاني تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك .
وثالثها وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه . وقولهم : (يد الله مغلولة) وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته .
ورابعها تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب

وكل من جحد شيئا عما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر .
وخامسها تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا .
فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه وتنزيههم خليا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما" . اهــ من "بدائع الفوائد"


فقد زاغ عن منهاج النبوة في أشرف العلوم ، فلا قرار لقدم المكلف في الديانة إلا بالسير على جادة الوحي في الإلهيات والسمعيات والحكميات ، وأشرفها ، كما تقدم ، الإلهيات ، فالغيب أشرف بداهة من الشهادة ، وأشرف علوم الغيب كما تقدم : العلم بذات الرب ، جل وعلا ، واسمه ووصفه وفعله فــ :
قال أبو عبد الله رضي الله عنه : فالعلم ثلاثة أنواع : علم بالله وعلم بتدبير الله وربوبيته وعلم بأمر الله .

فقدم العلم بالله ، جل وعلا ، فذلك توحيد الأسماء والصفات ، وثنى بعلم التدبير الكوني بكلمات التكوين النافذة ، والشرعي بكلمات التشريع الحاكمة ، فذلك توحيد الربوبية ، وثلث بالعلم بأمره ليتأوله المكلف فعلا وكفا ، كما تقدم ، فذلك مقتضى توحيد الألوهية فيتأله العبد لربه ، جل وعلا ، بامتثال حكمه في نفسه وفي غيره ، في شعائره التعبدية وشرائعه الخاصة والعامة ، في بيوعه وأنكحته ، في سياسة الدول ورياضة النفوس ، في علاقات الأفراد وعلاقات الأمم والجماعات ..... إلخ ، فــ : (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
فالعلم بالله ، جل وعلا ، معدن التوحيد فمنه ينشأ التصور الصحيح فيصح حكم الفرد في باب الخبر تصديقا بما صح من متواتر التنزيل وصحيح الحكمة ، فهي قسيمة التنزيل ، كما تقدم ، فخبرها حجة في العلميات والعمليات ، فالتفريق بينهما بقبولها في العمل دون العلم : تفريق بين متماثلين ، بل مأثور كلام السلف من أئمة المذاهب المتبوعة فقال أبو حنيفة رحمه الله : "هَذَا رَأْيِي وَهَذَا أَحْسَنُ مَا رَأَيْت ؛ فَمَنْ جَاءَ بِرَأْيٍ خَيْرٍ مِنْهُ قَبِلْنَاهُ وَلِهَذَا لَمَّا اجْتَمَعَ أَفْضَلُ أَصْحَابِهِ أَبُو يُوسُفَ بِمَالِكِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ الصَّاعِ ؛ وَصَدَقَةِ الْخَضْرَاوَاتِ ؛ وَمَسْأَلَةِ الْأَجْنَاسِ ؛ فَأَخْبَرَهُ مَالِكٌ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ إلَى قَوْلِك كَمَا رَجَعْت" . وقال مَالِكٌ رحمه الله : "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ فَاعْرِضُوا قَوْلِي عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ" . وقال الشَّافِعِيُّ رحمه الله : "إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ وَإِذَا رَأَيْت الْحُجَّةَ مَوْضُوعَةً عَلَى الطَّرِيقِ فَهِيَ قَوْلِي" . وَفِي مُخْتَصَرِ المزني لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ اخْتَصَرَهُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ مَذْهَبِهِ قَالَ : مَعَ إعْلَامِهِ نَهْيَهُ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ" . وقال الْإِمَامُ أَحْمَد : لَا تُقَلِّدُونِي وَلَا تُقَلِّدُوا مَالِكًا وَلَا الشَّافِعِيَّ وَلَا الثَّوْرِيَّ وَتَعَلَّمُوا كَمَا تَعَلَّمْنَا . وَكَانَ يَقُولُ : مِنْ قِلَّةِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ دِينَهُ الرِّجَالَ وَقَالَ : لَا تُقَلِّدْ دِينَك الرِّجَالَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا مِنْ أَنْ يَغْلَطُوا" . اهــ بتصرف من "مجموع الفتاوى" ، فلسان المجموع : "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي" ، فعلقوا الأمر بحكم الصحة ، والمذهب يعم المذهب العلمي التصوري والمذهب العملي الحكمي .

يقول الآجري رحمه الله :
"وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) ، وكان مما بينه لأمته في هذه الآيات : أنه أعلمهم في غير حديث : « إنكم ترون ربكم تعالى » روى عنه جماعة من صحابته رضي الله عنهم ، وقبلها العلماء عنهم أحسن القبول ، كما قبلوا عنهم علم الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ، وعلم الحلال والحرام ، كذا قبلوا منهم الأخبار : أن المؤمنين يرون الله تعالى لا يشكون في ذلك ، ثم قالوا : من رد هذه الأخبار فقد كفر" . اهــ من "الشريعة"

فالباب واحد : فمن عمل بأحاديث الأحكام امتثالا لزمه العمل بأحاديث الأخبار تصديقا فالتفريق بينهما بجعل الخبر حجة في العلم دون العمل تفريق بين متماثلين وذلك غير جار على أصول القياس العقلي الصريح القاضي بالتسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتباينين .



ولم يقرر الرسل ، عليهم السلام ، فروع الأحكام قبل تثبيت أصول الأخبار ، فذلك أول واجب على العبيد ، فلا يستقيم الظل والعود أعوج ، ولا يقوم بنيان الأحكام على أساس واه من الأخبار ، بل لا يصح الحكم العملي ، كما تقدم ، إلا بعد صحة التصور العلمي فــ :
"والرسل من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أرسلوا بالدعوة إلى الله وبيان الطريق الموصل إليه وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفا مفصلا حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته ويدبر أمر مملكته ويسمع أصوات خلقه ويرى أفعالهم وحركاتهم ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم يأمر وينهى ويرضى ويغضب ويحب ويسخط ويضحك من قنوطهم وقرب غيره ويجيب دعوة مضطرهم ويغيث ملهوفهم ويعين محتاجهم ويجبر كسيرهم ويغني فقيرهم ويميت ويحيي ويمنع ويعطي يؤتى الحكمة من يشاء مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويفك عانيا وينصر مظلوما ويقصم ظالما ويرحم مسكينا ويغيث ملهوفا ويسوق الأقدار إلى مواقيتها ويجريها على نظامها ويقدم ما يشاء تقديمه ويؤخر ما يشاء تأخيره فأزمة الأمور كلها بيده ومدار تدبير الممالك كلها عليه وهذا مقصود الدعوة وزبدة الرسالة .
القاعدة الثانية تعريفهم بالطريق الموصل إليه وهو صراطه المستقيم الذي نصبه لرسله وأتباعهم وهو امتثال أمره واجتناب نهيه والإيمان بوعده ووعيده .
القاعدة الثالثة تعريف الحال بعد الوصول وهو ما تضمنه اليوم الآخر من الجنة والنار وما قبل ذلك من الحساب والحوض والميزان والصراط" . اهــ من "مدارج السالكين" .

فمن أنكر شيئا في هذا الباب بعد بلوغ الخبر وقيام الحجة وانتفاء الشبهة من تأويل محتمل ، ولو على وجه بعيد ، لا تأويل باطل لا يحتمله شرع ولا لسان ، كتأويلات الباطنية فهي كفر صراح ، من أنكر شيئا بعد ذلك ، فقد كفر بالرب ، جل وعلا ، والشبه في هذا الباب كثيرة ، لا سيما في الأعصار المتأخرة بعد ظهور المقالات ، وحدوث الافتراق ، سنة كونية جارية ، فالأصل في المسلمين السلامة فهم السواد الأعظم ، وما كان من افتراق فهو رسم البدعة الكلية في الدين ، فلا يحكم على من وافق أصحابها في قول أو عمل بأنه على طريقتهم الردية حتى ينتحل أصلا من أصولهم الكلية ، أو يخالف في جزئيات عديدة فيصير موافقا لهم في جملة كثيرة من الأقوال والأفعال ، وذلك مقتضى العدل في الحكم على الخلق ، لا سيما أهل العلم والفضل ، فيعتذر عنهم بالتأويل ، فما أرادوا إلا التنزيه ، ولا يلزم من ذلك بل تمتنع متابعتهم على ما قصروا فيه من قول أو عمل ، فيبين الحق بدليله ويعتذر عن المخالف إن كان أهلا لذلك ، فإن لم يكن ، فالتحذير بالعدل ، فــ : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .

والشاهد أن الإنكار في هذا الباب بالقيد السابق : كفر ، وإن لم يحكم على المعين قبل بلوغ الحجة وانتفاء الشبهة ، فـــ : "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته لا يسع أحدا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدل فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكر ولا يفكر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبه كما نفى التشبه عن نفسه فقال تعالى : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)" . اهــ من كلام الشافعي ، رحمه الله ، نقلا عن "إثبات صفة العلو" لابن قدامة رحمه الله .

فالعذر بالجهل ثابت في كل أصول الدين وفروعه ما لم يكن ثم إعراض عن طلب الحق أو بغض له يصرف صاحبه عن تتبعه واستقصائه بدليله على تفصيل في ذلك .


فمنه ، كما يقول بعض أهل العلم :
"إنكار تكذيب ، وهذا كفر بلا شك ، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة ، مثل أن يقول : ليس لله يد ، أو أن الله لم يستو على عرشه ، أو ليس له عين ، فهو كافر بإجماع المسلمين ; لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالإجماع .
الثاني : إنكار تأويل ، وهو أن لا ينكرها ، ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها ، وهذا نوعان :
1- أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة العربية ; فهذا لا يوجب الكفر .
2- أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية ; فهذا حكمه الكفر ؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيبا، مثل أن يقول : المراد بقوله تعالى : {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ، [القمر : من الآية 14] ، تجري بأراضينا ; فهذا كافر لأنه نفاها نفيا مطلقا ، فهو مكذب .
ولو قال في قوله تعالى : {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ، [المائدة : من الآية 64] ، المراد بيديه : السماوات والأرض ; فهو كفر أيضا لأنه لا مسوغ له في اللغة العربية ، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية ; فهو منكر ومكذب ، لكن إن قال : المراد باليد النعمة أو القوة ; فلا يكفر لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة ، قال الشاعر ، (وهو أبو الطيب المتنبي) :
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ ******* تُخَبِّرُ أنّ المَانَوِيّةَ تَكْذِبُ .

فقوله: "من يد" ; أي : من نعمة ; لأن المانوية يقولون : إن الظلمة لا تخلق الخير ، وإنما تخلق الشر" . اهــ بتصرف من "القول المفيد على كتاب التوحيد"

فليس الأول كالثاني ، بل الثاني على مراتب فمنه ما يعذر مرتكبه ، وتلك حال كثير من المتكلمين ، لا سيما المتأخرين ، فالعذر في حقهم آكد ، لخفاء أعلام السنة ، فليسوا كالمتقدمين من أهل البدعة الذين نجم قولهم والسنة لما تزل ظاهرة ، فأعلامها منشورة وألويتها معقودة ، فيتفاوت العذر بتفاوت حال العصر أو المصر ، بل في المصر الواحد يتفاوت العذر فمن الناس من قد بلغه الخبر فصح عنده الدليل جزما وفهم مدلوله قطعا فلا يسعه من العذر ما يسع غيره ممن لم يبلغه الخبر ، أو بلغه من طريق غير مرضية ، أو بلغه فلم يفهم مدلوله ....... إلخ مما اعتذر به المحققون عن الأئمة الأعلام ، فالاعتذار به عمن دونهم آكد ، فلئن كان الراسخ قد فاته الحق في مسألة بل ومسائل ، فكيف بمن دونه ؟! .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"الْجَهْلَ بِبَعْضِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَا جَهِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي كُفْرُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ كَحَدِيثِ الَّذِي أَمَرَ أَهْلَهُ بِتَحْرِيقِهِ ثُمَّ تَذْرِيَتِهِ بَلْ الْعُلَمَاءُ بِاَللَّهِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْعِلْمِ بِهِ . وَلِهَذَا يُوصَفُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ" . اهــ من "الإيمان الأوسط"

فيعزر الرب ، جل وعلا ، بتصديق الخبر في باب الأسماء والصفات ، وباب الربوبية فتأويلها : أفعاله ، جل وعلا ، في الكون ، وأحكامه في الشرع ، فمنها ربوبية التقدير خلقا ، وربوبية التقدير أمرا ونهيا ، فله الحكم قدرا وشرعا ، وباب العبودية فهي تأويل توحيد الألوهية ، غاية الرب ، جل وعلا ، من عباده ، فــ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"إن حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده فلا يدعى إلا هو ولا يخشى إلا هو ولا يتقى إلا هو ولا يتوكل إلا عليه ولا يكون الدين إلا له لا لأحد من الخلق وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أربابا فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله أمره ونهيه فلا يطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو" . اهــ من "منهاج السنة"

وهو محل النزاع بين الرسل عليهم السلام وأقوامهم فلم ينازعوا في الجملة في توحيد الربوبية فــ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) ، وإن لم يكونوا فيه على الطريقة المثلى ، ولكنهم أثبتوه ، في الجملة ، كما تقدم ، وإنما كان نزاعهم الرئيس في توحيد الألوهية فــ :
"توحيد الألوهية هو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه ، وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء ، والرجاء ، والخوف ، والخشية ، والاستعانة ، والاستعاذة ، والمحبة ، والإنابة ، والنذر ، والذبح ، والرغبة ، والرهبة ، والخشوع ، والتذلل ، والتعظيم" . اهـ
من "الدرر السنية" ، (2/35) ، نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص133 .

فمن صرف لغير الرب ، جل وعلا ، عبادة ، وإن لم يعتقد في المصروف إليه تدبيرا أو تأثيرا في الكون ، فقد كفر ، بعد بلوغ الحجة وانتفاء الشبهة ، فــ : "يجب أن يعلم أن من قصد غير الله بدعاء أو استعاذة أو استعانة فهو كافر ، وإن لم يعتقد فيمن قصده تدبيراً ، أو تأثيراً ، أو خلقاً ، فمشركو العرب الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يقولون عن معبوداتهم أنها تخلق ، وترزق ، وتدبر أمر من قصدها ، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع من كتابه بل كانوا يدعونها ، ويستغيثون بها مع إقرارهم بأن الله هو المدبر الخالق الرزاق" . اهــ
"نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص143 .

فهذا شرك العامة ، وأما شرك الساسة ! ، فهو ، أيضا ، مما نوزع به الرب ، جل وعلا ، كمال انفراده بالتدبير ، فالأولون نازعوه بشرك الدعاء كمال انفراده بالتدبير الكوني خلقا ورزقا ، والآخرون نازعوه بتبديل شرعه والحكم بغيره كمال انفراده بالتدبير الشرعي حكما وقضاء ، فــ : (لا يؤمنون حتى) ، و : (إذا قضى الله ورسوله) .

فليس ثم إلا أعظم العدل بتوحيد الرب ، جل وعلا ، وأعظم الظلم في المقابل بتسوية غيره به فيما انفرد به من خصائص الربوبية أو خصائص الألوهية ، فيكون الشرك في الأسماء والصفات ، أو في الربوبية ، أو في الألوهية ، وأصلها جميعا :
"وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده فإنه لم يعدل أحد بالله شيئا من المخلوقات في جميع الأمور فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك به" . اهــ من "الاستقامة"

فحتى من أشرك بالله ، جل وعلا ، بل وأثبت قديما معه أقنوما كان كالنصارى ، أو كونا كالفلاسفة ، لا يعدله به من كل وجه ، وإنما عدله به في بعض أوصافه ، فمن دعا غير الرب ، جل وعلا ، فقد عدل به المدعو معه إذ اعتقد فيه من الضر والنفع ما لا يكون إلا للرب ، جل وعلا ، ومن حكم بغير شريعته فقد عدل به المتشرع الجائر الصائل على مقام التوحيد إذ اعتقد فيه من الحكمة والعلم ما لا يكون إلا للرب ، جل وعلا ، فالباب واحد ، وإن تعددت صوره ، فمعناها الجامع : القياس الفاسد بالتسوية بين أعظم متباينبن في الذات والوصف والحكم : الرب جل وعلا الغني القادر ، والعبد الفقير العاجز .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله في بيان صور تعزير صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

مهاجر
22-04-2011, 07:07 PM
ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : تعزير سنته


فتعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكون بتعزير من أرسله ، كما تقدم ، ويكون ، أيضا ، بتصديق خبره :
فتعزر سنته ، فهي الوحي الثاني ، كما نوه بذلك ابن حزم ، رحمه الله ، بقوله :
"فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله على قسمين :-
أحدهما :- وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن .
والثاني :- وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء ، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ، وهذا القسم هو المبين عن الله عز وجل مراده منا . قال تعالى :- (لتبين للناس ما نزل إليهم) ، ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى : (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن آخرها ، وهي قوله تعالى :- (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله) فهذا أصل ، وهو القرآن ، ثم قال تعالى :- (وأطيعوا الرسول) فهذا ثانٍ وهو الخبر عن رسول الله ، ثم قال تعالى :- (وأولي الأمر منكم) فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله حكمه ، وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع ، قال تعالى :- ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)" . اهــ



وهي تعم : القول والفعل والتقرير والوصف ، فذلك الوصف الأعم للسنة فتعم العقائد والشرائع ، الشرعيات والعاديات بل والأوصاف الخَلقية والخُلقية التي جبل عليها خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" ، فتعم بالإضافة إلى الضمير ، وإليها أشار عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، بقوله : "لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، كما عند المروزي ، رحمه الله ، في "السنة" ، والشافعي ، رحمه الله ، بقوله : "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" ، فتعم السنة في قول عمر ، رحمه الله ، فهي في سياق نفي وذلك مئنة من العموم ، فهذا قول مجدد المائة الأولى ، وتعم في قول الشافعي فهي نكرة في سياق شرط وذلك ، أيضا ، مئنة من العموم ، فهذا قول مجدد المائة الثانية .

فهي معدن العلم بالتنزيل ففيها بيانه ، وهي قول وفعل أعلم الناس بالرب ، جل وعلا ، وبمراده من عباده فــ :
"قد عُلِم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ، صلوات الله وسلامه على سيد ولد آدم على الإطلاق ، في الدنيا والآخرة ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، فما قاله فهو حق ، وما أخبر به فهو صدق ، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء ، وجب ردّ نزاعهم إليه ، (فله المرجع في الخبر العلمي والحكم العملي معا) ، فما يوافق أقواله وأفعاله فهو الحق ، وما يخالفها فهو مردود على قائله وفاعله ، كائنا من كان" . اهــ بتصرف من كلام ابن كثير ، رحمه الله ، في تفسيره .

وهي من وجه آخر ، تقتصر في كلام من صنف في أصول الدين على العقائد ، فيكون ذلك من إطلاق الكل وهو السنة فهي تعم سائر أبواب الديانة وإرادة الجزء وهو باب العقائد بعينه ، فيراد بها الأخبار العلمية في الإلهيات والسمعيات ، في الأسماء والأحكام ..... إلخ من المسائل الاعتقادية ، فــ : "الهوى عند من خالف السنة حق وإن ضربت فيه عنقه" ، كما أثر عن علي ، رضي الله عنه ، فمراده بالهوى : هوى المعتقد الحادث الذي يباين قول الوحي فهو الحق القديم ، و : "ليس شيء أغرب من السنة وأغرب منها من يعرفها" ، كما عند اللالكائي ، رحمه الله ، من قول يونس بن عبيد ، و : "ما من أمة تحدث في دينها بدعة إلا ضاعت مثلها من السنة فالتمسك بالسنة أحب إلي من أن أحدث بدعة" ، كما ورد من حديث غضيف بن الحارث ، رضي الله عنه ، مرفوعا ، و : "حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه فقال لي من أين أخذت هذا قلت يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري" ، و : "أعزك الله : السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها : الإيمان بالقدر خيره وشره ......... وذكر مسائل علمية ثم قال : "والكلام في القدر وغيره من السنة مكروه ولا يكون صاحبه وإن أصاب السنة بكلامه من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم ويؤمن بالإيمان" ، فأراد الكلام المحدث في نفي القدر ، لا التفقه في هذا الركن من أركان الإيمان الستة ، و : "إذا حدثت الرجل بالسنة فقال : دعنا من هذا حسبنا القرآن فاعلم أنه ضال" ، وسئل مالك ، رحمه الله ، عن السنة فقال : "هي ما لا اسم له غير السنَّة" . اهــ

وقال أحمد ، رحمه الله ، في صدر رسالته في "أصول السنة" : "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم" . اهــ
وقال اللالكائي ، رحمه الله ، في صدر "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" في بيان فضل أصحاب الحديث على الأمة : "فهؤلاء الذين تعهدت بنقلهم الشريعة وانحفظت بهم أصول السنة فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة والدعوة لهم من الله بالمغفرة" . اهــ
وقال ابن خفيف رحمه الله : "وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده مما خالفنا فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة" . اهــ

وقال أحمد ، رحمه الله ، كما في رواية صالح كما عند الخلال في "السنة" : "السنة عندنا في التفضيل ما قال ابن عمر كنا نعد ورسول الله حي أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت" . اهــ

وروى الخلال ، رحمه الله ، في "السنة" قول أحمد رحمه الله : "إخراج الناس من السنة شديد" . اهــ
وصنف أبو بكر الحميدي ، رحمه الله ، رسالة في أصول السنة مطلعها : "السُنَّة : أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه , وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن ذلك كله فضل من الله عز وجل .
2 ـ وأن الإيمان قول وعمل , يزيد وينقص , ولا ينفع قول إلا بعمل , ولا عمل وقول إلا بنية ، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة .
3ـ والترحم على أصحاب محمد كلهم ، فإن الله عز وجل قال : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) ............" . اهــ

وفي "تذكرة الحفاظ" للذهبي ، رحمه الله ، في ترجمة أبي بكر المروذي رحمه الله : "وغيره أكثر تحصيلا لفنون الحديث ولكنه كان إماما في السنة شديد الاتباع ، له جلالة عظيمة" . اهــ ، ففرق بين الحديث رواية وبين السنة اعتقادا .

و : "الناس على وجوه فمنهم : من هو إمام في السنة إمام في الحديث ومنهم من هو إمام في الحديث فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري" . اهــ من "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" .
ففرق بين إمامة الحديث فقد يكون صاحبها على غير رسم السنة في المعتقد ، وإمامة السنة فهي إمامة في المعتقد على رسم الجماعة الأولى : جماعة الصحابة ، رضي الله عنهم ، فهم خير طباق أهل السنة والجماعة .

ومثله قول الفضيل رحمه الله : "أهل الإرجاء يقولون : الإيمان قول لا عمل ، وتقول الجهمية : الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل ، ويقول أهل السنة : الإيمان المعرفة والقول والعمل" .
فذكر أهل السنة في معرض تقسيم أقوال الناس في مسألة علمية فدل ذلك على إرادة المعنى العقدي .

ومثله قول الترمذي ، رحمه الله ، عقيب تخريج حديث في الإلهيات :
"وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا هَذَا تَشْبِيهٌ" .

وقول ابْنِ سِيرِينَ رحمه الله : "كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ لَا يَسْأَلُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ سَأَلُوا عَنْ الْإِسْنَادِ لِكَيْ يَأْخُذُوا حَدِيثَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَدَعُوا حَدِيثَ أَهْلِ الْبِدَعِ" .
فقابل بين أهل السنة الواحدة وأهل البدع المتعددة ، فذلك مئنة من إرادة المعنى العلمي العقدي .

وقول أبي بكر بن عياش : "في أوصاف أهل السنة والجماعة و من كف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه فلم يذكر أحدا منهم إلا بخير" .
فعلامة أهل السنة : تعظيم السلف ، وعلامة أهل البدعة وأذيالهم في العصر الحاضر لا سيما العلمانيين : الطعن في السلف لتهوين أمر الدين في النفوس بالقدح في حملته ، فالطعن في الناقل طعن في المنقول بداهة .


وقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله : "والله لولا أن أنعش سنة وأميت بدعة لما سرني أن أعيش في الدنيا فواقا ولوددت أني كلما أنعشت سنة أمت بدعة أن عضوا من أعضائي سقط معها" . اهــ
فقابل أيضا بين السنة والبدعة فتلك مئنة من السنة في العلم والعقيدة دون العمل والشريعة ، وإن صح تناولها لكليهما فإنعاش السنن يكون بإظهارها ومنها سنن عملية .

وقول ابن مهدي رحمه الله : "إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت أحدا يتناوله فاعلم أنه على خلاف السنة" .
فمالك ، رحمه الله ، علم من أعلام أهل السنة ، فمن طعن فيه فقد خرج عن حدها وصار إلى خلافها .

وقول مالك رحمه الله : "إن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة" .
فيكاد يفارقها في المعتقد إن قاس تمثيلا أو شمولا في الإلهيات والغيبيات فقاس الغائب على الشاهد وذلك قياس فاسد الاعتبار فبينهما فارق ، أي فارق ! ، ويكاد يفارقها في العمليات بتقديم القياس على النص كما قد وقع ممن غلا من أهل الرأي في الفقه ، فتعم العلم والعمل أيضا .


وقد عدل رواة بوصفهم بأنهم من أهل السنة ، فذلك مئنة من صحة المعتقد ، بغض النظر عن الضبط في الرواية فذلك باب آخر ، فمن ذلك قول الترمذي ، رحمه الله ، عقيب تخريج حديث في "جامعه" :
"وهذا الحديث لاَ نعلمُهُ يُرْوَى عَن ابنِ عباس إلاَّ مِن هذا الوجه وعبد الرحمن بن مالك لين الحديث ، وقد روى عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه فإنه كان رجلا من أهل السنة" . اهــ

ورواية البيهقي رحمه الله : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني محمد بن صالح بن هانئ نا أبو الفضل أحمد بن الحسن المستملي نا محمد بن مقاتل المروزي نا يوسف بن عطية وكان من أهل السنة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون في آخر الناس عباد جهال وقراء فسقة .

ومثله قول الذهبي ، رحمه الله ، في ترجمة أبي بكر المروذي ، رحمه الله ، في "السير" : "وكان إماما في السنة ، شديد الاتباع ، له جلالة عجيبة ببغداد" . اهــ

ومثله إطلاق السنة في قول طلحة اليامي قال : "كان يقال : الشاك في أبي بكر وعمر كالشاك في السنة" . اهــ كما في "مختصر تاريخ دمشق" ، وذكره ابن تيمية ، رحمه الله ، في "الصارم المسلول" ، ص403 .

ومنه تبويب أبي داود ، رحمه الله ، في سننه لــ : "كتاب السنة" فقد ذكر فيه روايات في بيان أصول الدين والرد على المخالفين من المرجئة والجهمية والسبابة ....... إلخ .

ومنه قول الشاطبي رحمه الله :
"لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم لا يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع آناء الليل والنهار وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم" .
"الاعتصام" ، (1/27) .
فقابل بين أهل السنة والفرق الضالة فتلك مقابلة علمية عقدية .



و : "السنة" : معنى علمي يرادف المعنى السياسي ، فالجماعة : الاجتماع على إمام عدل وخليفة رشد ، فتلك أرفع الدرجات وأعلى المراتب فإن لم يكن ثم جماعة فــ : "فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض على أصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" .

و : قيل لسهل بن عبد الله التستري رحمه الله : متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة ، قال إذا عرف من نفسه عشر خصال :
لا يترك الجماعة ، ولا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف ، ولا يكذب بالقدر ، ولا يشك في الإيمان ، ولا يماري في الدين ، ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب ، ولا يترك المسح على الخفين ، ولا يترك الجماعة خلف كل وال جار أو عدل" . اهـــ ، فضمنها مسائل في الفروع صارت شعارا لأهل السنة في مقابل أهل البدعة ، ويشبه ذلك في زماننا أن يقال ، كما ينوه بذلك بعض الفضلاء ، أن يقال بأن أمورا من قبيل تحكيم الشريعة فذلك من الأمور العلمية العملية في آن واحد فتمس أنواع التوحيد كلها فيوحد الرب ، جل وعلا ، باسمه الحكم ، وربوبيته تشريعا ، وألوهيته بامتثال حكمه ، وأمورا من قبيل جهاد الطلب الذي يروم المنهزمون إبطال رسمه فيقصرون الجهاد على الدفع فقط بل ومنهم من قد قصره على جهاد الكلمة وهو أصل الجهاد فجهاد الحجة والبرهان قد شرع قبل جهاد السيف والسنان ، فــ : (لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) ، ولكنه لا يصمد بلا حديد ناصر يدفع ثم يطلب أعداء الديانة الذين يحولون بين الحق وقلوب العباد ليظلوا عبيدا لهم من دون الله جل وعلا ، وأمورا من قبيل إطلاق اللحى وفريضة الحجاب ومشروعية النقاب ....... إلخ من أمور الهدي الظاهر التي صارت شعارا وصارت في نفس الوقت محل تشكيك بل وإنكار لأن تكون من أمور الديانة فنزلها من نزلها منزلة العادة ! ، أن يقال بأنها كلها ، أيضا ، من جملة العقائد .

فالسنة في العقيدة تعم :
المعاني العلمية : كمسائل الأسماء والصفات والربوبية وسائر مسائل الإلهيات ، ومسائل الميزان والصراط وما يسبق الواقعة من الفتن والملاحم وسائر مسائل السمعيات فلا تعلم إلا بتوقيف الوحي .
والمعاني الإرادية : فالحب والبغض من المعاني الإرادية الباطنة ، وهي لازم المعاني العلمية فالتصور العلمي ينتج في القلب ضرورة : حكما عمليا إراديا .
وبعض الفروع العملية : فقد صارت شعارا لأهل السنة كما تقدم .

وتعم في أصول الفقه : الأصل الثاني ، فمنه يستثمر الدليل الجزئي على فروع الشريعة ، فتعم كل ما يستثمر منه الحكم التكليفي من قول أو فعل أو سكوت تقريري ، فالسكوت في موضع البيان : بيان .

وتعم في الفقه : أدلة السنة الجزئية على الفروع العملية .
فمنه : حديث مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ أَتَيْت أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ وَقَدْ رَحَلَتْ دَابَّتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ رَكِبَ فَقُلْت لَهُ سُنَّةٌ قَالَ سُنَّةٌ ثُمَّ رَكِبَ .
فإذا أطلقت فإنها تنصرف ابتداء إلى سنة صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا لقرينة صارفة كأن تقيد بسنة غيره ، فلها حكم الرفع على الراجح من أقوال أهل العلم ، وإليه أشار في "التقريب" بقوله : "قول الصحابي : أمرنا بكذا ، أو نهينا عن كذا ، أو من السنة كذا ، أو أمر بلال أن يشفع الأذان ، وما أشبهه كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور" . اهــ


وفي "المسند" من حديث : عُبَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ جَبْرٍ قَالَ : رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ اقْتَرِبْ فَقُلْتُ أَلَسْنَا نَرَى الْبُيُوتَ فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وفي الصحيحين عن ابن عمر : أنه أتى على رجل قد أناخ بَدَنته وهو ينحرها ، فقال : ابعثها قيامًا مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .
وفي المعجم الأوسط عن عكرمة قال : صليت خلف أبي هريرة فكان يكبر إذا خفض وإذا رفع فذكرت ذلك لابن عباس فقال : إنه سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .
وفي سنن النسائي ، رحمه الله ، من حديث : مُوسَى وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ أُصَلِّي بِمَكَّةَ إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ : رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أي سنته في القصر حال السفر إن لم يصل في جماعة إمامها مقيم يصلي متما فيلزمه حينئذ الإتمام متابعة لإمامه .
فصرح في كلها بنسبتها إلى صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فانتفى احتمال نسبتها إلى غيره ، ولو مرجوحا ، فالأصل كما تقدم أنها لا تطلق إلا على سنته .

وفي مصنف أبي شيبة رحمه الله :
لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُبَايِعُوا لِيَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ، قَامَ مَرْوَانُ فَقَالَ : سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ الرَّاشِدَةُ الْمَهْدِيَّةُ فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ : لَيْسَ بِسُنَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ تَرَكَ أَبُو بَكْرٍ الأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ وَالأَصْلَ ، وَعَمَدَ إلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنْ رَأَى أَنَّهُ لِذَلِكَ أَهْلٌ ، فَبَايَعَهُ .
فقيده بسنة الخليفة الراشد الأول ، رضي الله عنه ، فينصرف إلى سنته وإن كانت داخلة في سنة صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنص عليها فــ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ" ، كما تقدم ، فهي تفارقها من جهة الصدور ، وتجامعها من جهة الاحتجاج .


وفي مسلم عن : أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا . قَالَ خَالِدٌ وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وفي رواية عبد الرازق رحمه الله : من السنة أن يقيم عند البكر سبعا ، وعند الثيب ثلاثا . كما ذكر البيهقي ، رحمه الله ، في "السنن الصغير" .
فقوله : "وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم" ، مئنة من انصراف السنة إلى سنة صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو لم يصرح الراوي بذلك ، وإليه أشار في "التدريب" بقوله :
"قال أبو قلابة : لو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أي : لو قلت لم أكذب لأن قوله من السنة هذا معناه لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى" . اهــ
فذلك من الورع والدقة في نقل ألفاظ الرواية دون تصرف فيها وإن لم يكن مؤثرا في معناها ، فكانوا يحترزون مع سعة علمهم بلسان العرب ووجوه الكلام فيه فيعلمون ما يؤثر مما لا يؤثر ومع ذلك حرصوا على نقل اللفظ كما سمعوه ، ويشبه ذلك من وجه : ورع الإمام أحمد ، رحمه الله ، في الرواية من الكتاب وإن كان حافظا ضابطا ، فقد جمع بين قوة الحافظة ودقة الكتاب ومع ذلك قدم الكتاب احترازا من الخطأ ولو ندر .

وقال أنس رضي الله عنه : "من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر : حي على الفلاح قال : الصلاة خير من النوم" ، فذلك دليل جزئي على مسألة فرعية بعينها .
وقال علي رضي الله عنه : "من السنة إذا سلم الإمام ألا يقوم من موضعه الذي صلى فيه يصلي تطوعا حتى ينصرف أو يتحول أو يفصل بكلام" .

وقال مالك ، رحمه الله ، في "الموطأ" : "السنة عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أنه لا يضيق على المسلمين في زكاتهم وأن يقبل منهم ما دفعوا من أموالهم" . اهـ
فقيدها ببلدهم ، وهي المدينة ، على ما اطرد من أصله في العمل بإجماع أهل المدينة فهو عنده بمنزلة الرواية المتواترة فعملهم يرجع إلى عمل الجماعة الأولى من صدر الأمة ، رضي الله عنهم ، فأراد بسنتهم : سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خلاف في ذلك فقد خالفه أئمة كالشافعي ، رحمه الله ، في العمل بإجماع أهل المدينة فقد تفرق الصحابة ، رضي الله عنهم ، في الأمصار ، واستقل كل مصر بجملة من السنن لم تبلغ بقية الأمصار .



فلها إطلاقات يستفاد منها في تقرير الأحكام العلمية والعملية فهي الأصل الثاني ، فالكتاب على حجيتها قد دل ، فــ : (مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وهي على حجية الإجماع والقياس وقول الصحابي قد دلت . فــ "هذه الأدلة الأربعة ، (أي : الكتاب والسنة والإجماع والقياس) ، متفقة لا تختلف ، إذ يوافق بعضها بعضًا ويصدق بعضها بعضًا ؛ لأن الجميع حق والحق لا يتناقض ، وهي كذلك متلازمة لا تفترق ، فجميع هذه الأدلة يرجع إلى الكتاب ، والكتاب قد دل على حجية السنة ، والكتاب والسنة دلا على حجية الإجماع ، وهذه الأدلة الثلاثة دلت على حجية القياس .
لذلك صح أن يقال : مصدر هذه الأدلة هو القرآن ، باعتبار أنه الأصل ، وأن ما عداه بيان له ، وفرع عنه ، ومستند إليه .
ويصح أيضًا أن يقال : مصدر هذه الأدلة هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الكتاب إنما سمع منه تبليغًا ، والسنة تصدر عنه تبيينًا ، والإجماع والقياس مستندان في إثباتهما إلى الكتاب والسنة .
قال ابن تيمية: "وكذلك إذا قلنا : الكتاب والسنة والإجماع ، فمدلول الثلاثة واحد ؛ فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له ، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة ، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب ، وكذلك كل ما سنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فالقرآن يأمر باتباعه فيه ، والمؤمنون مجمعون على ذلك .
وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا يكون إلا حقًا موافقًا لما في الكتاب والسنة ، (لقرينة عصمة مجموع الأمة من الاجتماع على ضلالة في العلم أو العمل ، كما في أثر ابن مسعود رضي الله عنه : "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلاَلَةٍ") .
ومما مضى يتبين أن الكتاب والسنة هما أصل الأدلة الأربعة المتفق عليها ، وهذا الأصل قد يسمى بالنقل ، أو الوحي ، أو السمع ، أو الشرع ، أو النص ، أو الخبر ، أو الأثر ، يقابله العقل ، أو الرأي ، أو النظر ، أو الاجتهاد ، أو الاستنباط" . اهــ بتصرف من "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" .

فــ : "حاصل الأمر أن أصحابه كانوا مقتدين به مهتدين بهديه وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم وأثنى على متبوعهم محمد صلى الله عليه وسلم وإنما خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن فقال تعالى : {وإنك لعلى خلق عظيم} فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة وجاءت السنة مبينة له فالمتبع للسنة متبع للقرآن والصحابة كانوا أولى الناس بذلك فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلية للجنة بفضل الله وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام : "ما أنا عليه وأصحابي" ، فالكتاب والسنة هما الطريق المستقيم وما سواهما من الإجماع وغيره فناشىء عنهما هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله : "وهي الجماعة" لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف" . اهــ من "الاعتصام" للشاطبي رحمه الله .

فالوحي المنقول قرآنا وسنة هو أصل الأحكام فما يليهما فهو فرع عليهما فما استفيدت حجيته إلا منهما ، فقد دلا على حجية الإجماع فــ : (مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، ودل صنيع صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله سلم على حجية القياس فاعتبره في مواضع إن صح بانتفاء الفارق بين الفرع المقيس والأصل المقيس عليه كقياس القبلة على المضمضة في عدم نقض الصيام ، ولم يعتبره في أخرى إن فسد بثبوت الفارق بين الفرع والأصل كقياس عمر ، رضي الله عنه ، التيمم على الغسل فعمم جسده بالتراب في التيمم قياسا على تعميمه بالماء في الغسل فلم يقره صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك ، فالغسل : طهارة مائية حقيقية ، والتيمم : طهارة ترابية حكمية ، فلا يقاس الحكمي على الحقيقي ، ولا تقاس الرخصة على العزيمة .


وتعزرالسنة أيضا : بحفظها وتدوينها كما قد عزرها المتقدمون ، فحفظوا الصحيح بل والمكذوب صيانة لها من المدسوس ، فقال ابن راهويه رحمه الله : "أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها وأحفظ منها سبعين ألف حديث من ظهر قلبي صحيحة وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة فقيل : ما معنى حفظ المزورة ؟ قال : إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليته منها فليا" . اهــ من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" ، للخطيب البغدادي رحمه الله .

وأثر عن أبي زرعة ، رحمه الله ، بلفظ : "أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح ، وأربعة عشر ألف إسناد في التفسير والقراءات ، وعشرة الآف حديث مزورة ! قيل له : ما بال المزورة تحفظ ؟ قال : إذا مرّ بي منها حديث عرفته" . اهــ من "شَرْحُ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ" ، لابن رجب رحمه الله .

وبذلك اعتذر ابن الوزير ، رحمه الله ، عن رواية أبي حنيفة ، رحمه الله ، عن بعض الضعفاء ، فلعلها تكون من قبيل : "تدوين ما بلغه من الحديث صحيحه وضعيفه , كما هو عادة كثير من مصنّفي الحفّاظ أهل السّنن والمسانيد , وغرضهم بذلك حفظ الحديث للأمّة لينظر في توابعه وشواهده , فإن صحّ منه شيء عمل به وإن بطل شيء حذّر من العمل به , وإن احتمل شيء الخلاف كان للنّاظر من العلماء أن يعمل فيه باجتهاده" . اهــ
"الروض الباسم" ، (1/165) .
وذلك ظاهر في كتب من جمع ولم يشترط الصحة ، على طريقة أبي حاتم الرازي رحمه الله : "إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش" ، فيحصل في جمعه نوع تساهل بإيراد الضعيف ، ولذلك انحطت رتبة المسانيد عن السنن ، فالمسانيد مظنة الجمع للمرويات ، والسنن مظنة الحلال والحرام فيتحرى الناقد الورع فيها بداهة ما لا يتحرى المسنِد الجامع ، فلكل طريقته ، ولكل فضيلته في حفظ موروث النبوة من الأخبار والأحكام .

وشرحها وبيانها ، كما قد عزرها المتأخرون ، فعزرها النووي بالمنهاج ، وعزرها ابن حجر بالفتح ، وعزرها نور الدين محمود ، رحمه الله ، فأقام دور الحديث ، فكانت من جملة سلاحه الفكري لمقاومة التيار البدعي ، فــ : "اهتم نور الدين محمود بتدريس الحديث الشريف وكان من ضمن مشروعه في حركة الإحياء السني ومناهضة الفكر الشيعي ، ذلك أن الشيعة لا يعترفون بصحة الحديث إلا إذا كان مروياً عن آل البيت وكان من الطبيعي أن ينتهي بهم هذا الموقف - المجانب للحق والعدل والصواب - إلى الطعن في صحاح السنة ويضاف إلى ذلك أن العناية بالحديث الشريف وتشييد معاهد دراسية خاصة به كان سمة من سمات هذه الفترة التي حكم فيها نور الدين والأيوبيون ، ذلك أن الظروف التي أحاطت بالشام ومصر في تلك المرحلة عكست ظلالها على مناهج الدراسة في المعاهد العلمية السنية وكان من أثر ذلك العناية بالحديث وعلومه استجابة لظرف واقعي تمثل في احتلال الصليبيين لأجزاء واسعة من بلاد الشام من بينها القدس الشريف ، فكان على هذه المدارس أن تعبئ الناس للجهاد وتحيي فيهم روح البطولة والاستشهاد عن طريق تدريس الحديث والعناية به خاصة ما يتعلق منه بباب الجهاد في سبيل الله ، ولذا رأينا نور الدين يوقف زاوية بجامع حلب على دراسة الحديث ، كما أوقف داراً أخرى للغرض ذاته" . اهــ
"القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي" ، للشيخ الدكتور علي الصلابي ، حفظه الله وسدده ، ص67 ، 68 .

فكان العلم رافدا من روافد العمل فلم يكن علما أكاديميا جافا لا أثر له في الواقع ، ولم يكن ترفا علميا يتناول ملح العلم وغوامضه دون كباره الضرورية التي لا تصح ديانة إلا بتحصيلها ولا تحرس عقيدة إلا بتأويلها ، فتأولت جيوش نور الدين ما ألقي على المسامع من فضائل الجهاد وأحكامه فكان ذلك التأسيس الفكري حجر أساس العمل الجهادي الذي وحد الشام واسترد مصر وأضعف ممالك عباد الصليب ثم جاء صلاح الدين ، رحمه الله ، على منهاج أستاذه ، فكان ما كان من نصر حطين واسترداد بيت المقدس ، ثم جاء المماليك فزالت آخر ممالك الصليب في عهد الأشرف خليل رحمه الله .
وفي نفس الوقت كانت العناية بتدريس الحديث رد فعل ملائم لجفاء أهل البدعة في حق السنة ، فالذب عنها بنشرها ودرء شبهات المخالفين المشككين في صحة النقل أو المعنى ، ولا زالوا إلى اليوم ساعين في إفكهم سادرين في غيهم ، وقد حمل اللواء معهم المستشرقون ومن ثم أذنابهم من المستغربين ، فالشبه واحدة من زمن أهل البدعة الأوائل من الخوارج والسبابة الطاعنين في حملة الحديث القادحين في عدالة رواتنا ، والمعطلة من المنكرين والمتأولين لأحاديث الأسماء والصفات وكثير من أبواب الإلهيات ، ثم المعطلة للشرع العملي في زماننا بالتشكيك في كفايته ، فاستبدلوا نحاتة أذهان المتشرعين من القانونيين به ، وبئست الصفقة ، فمن شرع سماوي قد نزل برسم العصمة إلى قياس عقلي مضطرب يتفاوت بتفاوت العقول والأعصار والأمصار ، فكل يطعن تصريحا أو تلميحا في سنة البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجهادهم بالحجة والبرهان في زماننا قد تعين على من له كفاية علمية وأهلية جدلية برسم : (لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، فذلك قد يقدم في بعض المواضع على جهاد السيف والسنان ، فبالحجة والبرهان تقام الحجة على المخالف وتقام أركان الديانة التي يذب عنها حملة السيوف الناصرة في ميادين القتال بالأبدان ، ولكل معركة سلاحها ولكل ميدان عدته .

فأفردت السنة بدور علمية خاصة وقف عليها السلطان العادل الأوقاف العظيمة حفظا لطريقة صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فــ : "قد عني المسلمون بدراسة الحديث الشريف عناية كبيرة باعتباره المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ومن مظاهر العناية به إنشاء تلك الدور التي تتولى مهمة تدريس أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله ، وأحواله من حيث رواية الحديث والبحث عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول صلى الله عليه وسلم من حيث أحوال رواتها وضبطاً وعدالة ، ومن حيث كيفية السند اتصالاً وانقطاعاً ، (فذلك علم الرواية الذي تمحص به النصوص : تصحيحا وتضعيفا ، قبولا وردا قبل استثمار الأحكام منها) ، كما تتناول دراسة المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث ، والمراد منها مبيناً على قواعد اللغة العربية ، وضوابط الشريعة ، ومطابقاً لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ، (فذلك علم الدراية الذي تستنبط بأصوله اللسانية الصحيحة وأصوله العقلية الصريحة الأحكام الشرعية) . وكان الاتجاه إلى العناية بالحديث الشريف دراسة وتدريساً ، وتشييد دُوُر خاصة به من أبرز سمات التعليم في العهد الزنكي ، إذ بادر الملك نور الدين محمود بإنشاء أول دار للحديث في الإسلام وهي دار الحديث النُورّية بدمشق والتي أسند أول مهمة التدريس فيها ، والإشراف عليها إلى أبرز أعلام عصره الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر المتوفي سنة 571هــ / 1176م ، ثم تلا ذلك إنشاء العديد من دور الحديث في العالم الإسلامي" . اهــ بتصرف
"القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي" ، ص161 .

واختار نور الدين ، رحمه الله ، لهذه المهمة الجليلة أعلام عصره من المحدثين ، وقد كان هو نفسه من طلبة هذا العلم الشريف ، فــ :
"من أبرز علماء الحديث في العهد الزنكي :
الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر الدمشقي . (وقد كان مثالا لتجربة نادرة تتعاضد فيها جهود أئمة الدنيا برسم العدل مع أئمة الدين برسم العلم والعمل ، فعلومهم قد عظمت بركتها ، فظهر تأويلها على شخوصهم ، وعلى مجتمعاتهم ، بل وعلى ملوكهم ، فنال الساسة من بركتها ما نالهم ، فقد كانت خير معين لهم على تحقيق غاياتهم الشريفة في توحيد كلمة الأمة برسم التوحيد الخالص فهو العلم النافع مقرونا بالجهاد لأعداء الديانة ، فهو العمل الصالح الذي لا يقوم به آحاد بلا رأس جامع ، قد جمع له العلم والعمل معا ، فاستعان نور الدين بجهود الشيخ ابن عساكر فصنف له الأخير في فضائل الجهاد ، فقد كان واجب الوقت آنذاك ، فكان الشيخ مع ورعه وزهده وعزوفه عن المناصب وقلة التفاته إلى الأمراء ، فارس من فرسان الميدان الفكري الإسلامي الذي أثر بعلمه في وجدان الأمة فكثر المتطوعون في جيوش نور الدين بما بذله العلماء من أمثاله من شحذ للهمم برسم الإخلاص ، لا برسم التحالف المؤقت ، كما وقع في الأعصار المتأخرة ، فالساسة في الشرق والغرب ، لا يأرزون إلى الديانة إلا إذا اشتدت الحاجة وعظمت الفاقة النفسية بفساد أو ترهل العقيدة القتالية التي لا تبلغ الذروة إلا برسم الديانة ، فذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة أشرف ما تنافح عنه النفوس ، فعقد الإيمان ، ولو باطلا ، يذكي في النفس جذوة الحمية ، فتندفع النفوس إلى المعارك بشجاعة ظاهرة ، وتهيئة الأفراد معنويا أول خطوة في طريق الظهور على الخصم والتمكين في الأرض ، ولعل ذلك مما يدل على صدق الرسالة الخاتمة ، فالتاريخ شاهد بأن جندها لا يهزمون إلا إذا عدلوا عنها إلى مقررات الشرق أو الغرب ، فرسوم القومية والوطنية لا تشبع الغريزة الإيمانية التي لا تتحرك إلا ذبا عن معنى ديني شريف ، وقد شهدت مصر على سبيل المثال صحوة إيمانية قوية عقيب هزيمة يونيو 67 ، فاضطرت القيادة السياسية ! إلى الاستعانة بالدين وأهله لإعادة بناء الفرد المقاتل ، فظهرت آثار الصحوة على المجتمع سريعا وصارت المطالبة بتحكيم الشرع ، كما يحكي بعض الفضلاء ممن عاصروا تلك الحقبة ، صارت أمرا غير مستغرب ، حتى من اليساريين ، أعداء الديانة التقليديين في حقبة المد الشيوعي ، ثم حدث الانحسار مجددا لا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة ، فصارت تلك المطالبة حتى من فئام من التيار الإسلامي : صارت مستغربة ، فلا صوت إلى الآن يعلو على صوت الانتماء الوطني الذي لا تحرر فيه معاقد الولاء والبراء على الوجه الصحيح ، فيرد الأمر إلى عقد اجتماعي ضيق ، وليس ثم صلاح للمتأخرين إلا بالسير على منهاج المتقدمين ، بتعظيم شعائر الدين وحرماته وتقريب أهله من العلماء العاملين ، مع ندرتهم في كل عصر ومصر ، ولكن الرب ، جل وعلا ، لا يخلي منهم زمانا ، فذلك من تمام إقامة الحجة الرسالية ، وقد حفل التاريخ الإسلامي بنماذج من طراز ابن عساكر ، رحمه الله ، فكان العلماء عسكر السلطان الفكري ، فنازل الغزالي ، رحمه الله ، الباطنية بمصنفاته ، وأفتى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، بخلع ملوك الطوائف وتوحيد الجبهة المغربية شمالا وجنوبا ، وكان لعلماء الأندلس لا سيما ابن حزم ، رحمه الله ، دور سياسي بارز مع دوره الفكري في الذب عن الديانة ، ومناظراته لقساوسة النصارى أشهر من أن تذكر ، وكان لفقهاء المغرب مشاركة فاعلة في ميادين الجهاد فاستشهد ابن رميلة ، رحمه الله ، في "الزلاقة" ، سنة 479 هــ ، ونافح أبو الربيع الكلاعي ، رحمه الله ، عن بلنسية قصبة الشرق الأندلسي حتى سقط شهيدا في موقعه "أنيشة" ، سنة 634 هــ ، قبل سقوط الثغر البلنسي بسنتين ، وكان لابن تيمية ، رحمه الله ، من ذلك نصيب ، فجاهد بالقلم والسيف معا ، وكان لابن خلدون ، رحمه الله ، كفاية سياسية ظاهرة ، مع ما له من تقدم في العلوم النقلية والعقلية ، وكلها تجارب تشهد ببطلان بدعة التقسيم إلى : علماء دين لا يفقهون في أمر الدنيا شيئا فهم غافلون ، وعلماء دنيا لا يفقهون في أمر الدين شيئا فهم مارقون ، وذلك من شؤم مقالة العلمانية المخترعة التي أحدثت هذه الفجوة الهائلة بين الدين والدنيا ، فعزلت الدين عن الواقع فلم يكن ثم ابن عساكر يوقظ الهمم ، فعلماء الدين قد ركنوا إلى سلاطين الجور ، أو فروا من بطشهم ، فليس ثم ، في المقابل ، نور الدين ، فلا تزدهر مقالة كمقالة الأول إلا في ظل سلطان كسلطان الثاني ، فعالم ناصح وملك عادل يساوي بداهة التقدم والظهور ، وفي المقابل : عالم مداهن وسلطان جائر يساوي بداهة التأخر والخمول ، وتلك سنة الرب ، جل وعلا ، في الأمة الخاتمة) .


والإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك ابن الأثير الجزري المتوفى 606هــ / 1209م وقد اشتهر مجد الدين بن الأثير في علوم عديدة كان منها علم الحديث ، حيث صنف فيه مصنفات هامة كان من أبرزها جامع الأصول في أحاديث الرسول . ذكر ياقوت أنه جمع فيه بين البخاري ومسلم والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي والترمذي ، (فتلك أصول السنة الستة قبل أن يصطلح المتأخرون على جعل سنن ابن ماجه رحمه الله : الأصل السادس على خلاف في ذلك فقد جعل بعضهم الموطأ الأصل السادس وجعل آخرون ، كابن حجر رحمه الله ، سنن الدارمي رحمه الله الأصل السادس) ، عمله على حروف المعجم ، وشرح غريب الحديث ومعانيها وأحكامها ، ووصف رجالها ونبّه على جميع ما يحُتاج إليها منها ثم قال : أقطع قطعاً أنه لم يُصنّف مثله قط ولا يصنف" . اهــ بتصرف واسع .
"القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي" ، ص191 ، 192 ، (204_212) .
فهو من كتب التخريج النافعة فيعزو الحديث إلى مصادره الأصلية ، وهو ، من وجه آخر ، قد يندرج في كتب الغريب ، فيشرح غريب لفظ المرويات وله في ذلك مصنف مستقل .

فكان ذلك من جهاد الحجة والبرهان ببيان الحق بدليله الصحيح فليس ذلك إلا لأهل الإسلام عموما ، وأهل السنة خصوصا ، فعلم الإسناد من خصائص الأمة الخاتمة ، وتأويل نصوصها الخبرية بالتصديق ونصوصها العملية بالتأويل فعلا للمأمور وتركا للمحظور .

فالسنة هي :
المبين لمجمل التنزيل ، فــ : "القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن" كما أثر عن مكحول الدمشقي والإمام البربهاري الحنبلي رحمهما الله .
فمن صور بيانها :
تخصيص عموم التنزيل :
كتخصيص قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) :
بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لاَ يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ مِلَّةً" .
وقوله عليه الصلاة والسلام : "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" ، على خلاف كبير في إسناده ، وإن حصل الاتفاق على العمل به ، كما أشار إلى ذلك الترمذي ، رحمه الله ، بقوله : "وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَإِنَّهُ يَرِثُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ" . اهــ فمن طرد الأمر في العمد والخطأ احتاط بسد الذرائع لئلا يدعى الخطأ وحقيقته العمد فعم الحكم القاتل عمدا فمقصده ظاهر لا يحتمل ، والقاتل خطأ فمقصده خفي يحتمل فرجح المنع احتياطا .
فخص العموم مرتين ، فهو حجة فيما عدا الصورتين المخصوصتين ، فالعام المخصوص حجة فيما عدا صورة التخصيص .

وبيان مجمله :
كبيان ماهية الصلوات ببيان أعداد ركعاتها وهيئاتها القولية والفعلية ومواقيتها الزمانية وأركانها وواجباتها وسننها ، ومقادير وأنصبة وشروط الزكوات ..... إلخ .

وتقييد مطلقه :
كتقييد مطلق القطع في قوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، بالقطع من مفصل الكف اليمنى ، كما في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وهي آحادية لم تتواتر فليست قرآنا مثبتا : "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا" ، فيصح التقييد بها عند من يحتج بقراءة الآحاد فهي عنده من باب الخبر الذي يجوز تخصيص الكتاب أو تقييده به كما أشار إلى ذلك في "تلخيص الروضة" ، (1/114) ، بقوله : "والصحيح أنه حجة ، لأنه إن لم يكن قرآنا فهو خبر" ، فهذا تقييد في الماهية ، وتقييد نصاب السرقة بحديث عائشة رضي الله عنها : "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" ، فذلك تقييد في الشرط ، واستدل الحنفية ، رحمهم الله ، بخبر : "أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن قال : وكان يقوم يومئذ دينارا" ، كما في "شرح معاني الآثار" للطحاوي رحمه الله ، والدينار آنذاك يساوي : عشرة دراهم ، فرجحوا الزيادة درءا للحد بالشبهة ، ولو كان مستندها ضعيفا .

وتبين مشكله :
كتبيين معنى الظلم في قول الرب جل وعلا : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ، بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ : {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}" .

والزيادة عليه سواء أكان ذلك :
في حكم ثابت بالتنزيل ، فزادت السنة عليه ، كتغريب الزاني غير المحصن سنة كما في خبر عبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ" ، فذلك نسخ بالزيادة على قوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) ، على اصطلاح المتقدمين ، فالزيادة مطلقا عندهم : نسخ لما تقدمها ، فتنسخ زيادة التغريب إجزاء الجلد ، أو لا يكون في المسألة نسخ ابتداء ، فزيادة التغريب رافعة للبراءة الأصلية المتقدمة ، ورفعها ليس نسخا وإنما هو من باب تقرير الشرع الجديد ، كما أشار إلى ذلك في "المذكرة" ، ص91 ، بقوله : "فقوله تعالى : (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) لا يدل على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر ، إذ ليس فيه ما يدل على الحصر ، فالمزيد مسكوت عنه في النص المتقدم والزيادة رافعة للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي" ، فتجري مجرى تحريم الخمر فليس هو ، أيضا ، نسخا لإباحتها الشرعية وإنما هو رفع لإباحتها العقلية قبل ورود الشريعة .
وذلك خلافا للحنفية ، رحمهم الله ، فلم يعتبروا النفي ، فهو عندهم من زيادة الآحاد على التنزيل ، وكل ما زادته الآحاد على التنزيل فهو منسوخ ، لئلا ينسخ التنزيل المتواتر به ، فالآحاد عند الجمهور لا ينسخ المتواتر ، ولا يسلم بذلك فالمحققون على جواز نسخ المتواتر بالآحاد فــ : "التحقيق إن شاء الله : هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه ، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين ، ودرج على خلافه وفاقا للجمهور صاحب المراقي بقوله :
والنسخ بالآحاد للكتاب ******* ليس بواقع على الصواب .
ومن هنا تعلم : أنه لا دليل على بطلان قول من قال : إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث : (لا وصية لوارث) ، (وقد يقال ، والله أعلم ، بأن ذلك ليس من قبيل نسخ الآحاد بالمتواتر ، فالحديث ، كما قد رجح بعض المحققين متواتر ، فينسخ المتواتر المتواتر ، وإن اختلفا في النوع ، فالأول من السنة ، والثاني من الكتاب ، خلافا لمن قصر النسخ على نصوص النوع الواحد فينسخ بعضها بعضا فينسخ الكتاب الكتاب دون السنة ، وتنسخ السنة السنة دون الكتاب ، كما يحكى عن الشافعي رحمه الله ، أو الحديث دال على الناسخ المتواتر من الكتاب العزيز وهي آيات المواريث فصدر الحديث : "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" ، يشير إلى فرائض وحقوق نص عليها الشارع ، جل وعلا ، فينصرف ذلك ابتداء إلى نص كلامه في كتابه وهي آيات المواريث في سورة النساء)" . اهــ بتصرف واسع من "أضواء البيان" .

فهو نسخ للحكم لا للفظ ، فيجزئ فيه قطعي الدلالة وإن كان ظني الثبوت ، فمحله المعنى لا اللفظ ، كما تقدم ، فيشبه من وجه قضاء الخاص فهو قطعي الدلالة وإن كان ظني الثبوت على العام فهو ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت كأن يكون من الخبر المتواتر كتابا أو سنة .

أو في حكم أنشأته ابتداء فالزيادة فيه حاصلة من كل وجه ، فهو رافع للإباحة العقلية المتقدمة كما في :
كما في خبر عمرو بن العاص رضي الله عنه : "نهى أن تكلم النساء إلا بإذن أزواجهن" .
وخبر أبي هريرة رضي الله عنه : "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجمع بين اسمه وكنيته وقال أنا أبو القاسم والله يعطي وأنا أقسم" .
وسائر أحاديث المناهي التي استقلت السنة بإنشائها كالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، والنهي عن المتعة ، والنهي عن ثمن الدم وحلوان الكاهن ...... إلخ .
وقد لخص صاحب "الإعلام بمسمى الإيمان" ، حفظه الله وسدده ، هذا المبحث في كلمات يسيرات وافية في مقدمات كتابه في مبحث : "مكانة السنة من الكتاب" ، ص19_21 ، وهو من أنفع مباحث الأصول بل وعموم الشريعة فبه تظهر مكانة السنة التي يعظم الخطر بل ويفحش إن زهد فيها من زهد بزعم الاكتفاء بالتنزيل ! ، وهو مجمل حمال أوجه فكيف يفصل النزاع في موارده إن رد الأمر إلى عقول البشر بمعزل عن خبر المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، تضييع للديانة جملة وتفصيلا فلا عجب أن يحمل العلمانيون في زماننا لواء هذه الغارة مستترين بدعوى تعظيم التنزيل ، وهي حجة أسلافهم من المعتزلة ، وإن كان المعتزلة خيرا منهم فعندهم من تعظيم الشريعة ما ليس عند أفراخهم من علمانيي زماننا ، فعلمانيو زماننا لا عقل ولا نقل ولا فقه ولا نية صحيحة وإن فسد العمل فقد جمعوا معادن الشر كلها ! .

وقد يدخل في ذلك الرجم ، وإن كان من منسوخ التلاوة فله مستند قرآني رفع لفظه وبقي حكمه ، فصار المستند الأول في تقريره خبر السنة كما أثر عن عمر رضي الله عنه ، فــ : "لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ" ، فيكون ثابتا بالسنة من هذا الوجه ، وقد يندرج في القسم السابق ففيه زيادة على أصل عقوبة الزنى في صورة خاصة هي : صورة الزاني المحصن .


والشاهد أن السنة هي : الحكمة الشافعة للتنزيل ففيها بيان ما أجمله ، وتخصيص ما عممه ، وتقييد ما أطلقه ...... إلخ .
قال في "القاعدة المراكشية" : "وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ؛ وَأَمَرَ أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِهِنَّ (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) . وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ : إنَّ "الْحِكْمَةَ" هِيَ السُّنَّةُ ؛ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {أَلَا إنِّي أُوتِيت الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ} . فَمَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ السُّنَّةِ فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ ؛ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهُ فِي الْقُرْآنِ ؛ وَلَمْ نَفْهَمْهُ نَحْنُ أَوْ قِيلَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ؛ كَمَا أَنَّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ ؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّبِعَهُمْ فِيهِ ؛ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهُ كَانَ مَنْصُوصًا فِي السُّنَّةِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا ذَلِكَ أَوْ قِيلَ إنَّهُ مِمَّا اسْتَنْبَطُوهُ وَاسْتَخْرَجُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ" . اهــ
وقال في "مجموع الفتاوى" : "وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ : مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وقتادة وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ (الْحِكْمَةُ) : هِيَ السُّنَّةُ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ أَنْ يَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِهِنَّ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ، وَالْكِتَابُ : الْقُرْآنُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا كَانَ الرَّسُولُ يَتْلُوهُ هُوَ السُّنَّةُ" . اهــ


و : السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة :
وليس هذا على إطلاقه فالقرآن هو دليل حجية السنة فهو قاض عليها من هذا الوجه ، ومن نصوصه ما يقضي على نصوص السنة بالبيان كتخصيص عموم : "مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ" ، بخصوص قوله تعالى : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) ، فاستثني ما قطع منها وهي حية من الصوف والوبر والشعر لقرينة الامتنان في الآية وهي مئنة من الإباحة خلافا لحكم الميتة فهو الحظر فذلك الأصل إلا ما استثني من السمك والجراد لخبر ابن عمر رضي الله عنهما : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ" .


وتعزر السنة أيضا : بتقديمها على قياس العقل ، فــ : "يا أيها الناس : اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي اجتهادا فوالله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل والكتاب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، كما أثر عن عمر رضي الله عنه .
قال ابن الديبع الشيباني ، رحمه الله ، تعليقًا على ما كان من صلح الحديبية وكان في ظاهر بنوده إجحاف بالمسلمين : "قال العلماء : لا يخفى ما في هذه القصة من وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره ، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس أو كرهته النفوس ، فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الخير فيما أمر به ، وأنه عين الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة ، وأنه جاء على أتم الوجوه وأكملها غير أن أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره"
نقلا عن : "السيرة النبوية : عرض وقائع وتحليل أحداث" ، للشيخ الدكتور علي الصلابي ، حفظه الله وسدده ، (2/1085) .

وتعزر ببيان وتأويل معايير النقد التي أذهلت الخصم ، فقد جادت قرائح علماء الحديث بقوانين الرواية فـــ :
توسعوا في نقل المغازي فيغتفر فيها ما لا يغتفر في الأحكام فيحتج بأمثال محمد بن إسحاق ، رحمه الله ، فهو إمام في السير والمغازي ، ولا يحتج به في الأحكام ، فحديثه حسن ما لم يعنعن ، فهو صدوق مدلس ، فيتوقف في حديثه إذا عنعن في رواية الحلال والحرام ، فهي أحكام يلزم التحري في نقلها فلا يقبل فيها ما يقبل في غيرها مما يغتفر في نقله ، كما تقدم ، فيتوقف في أحكامه ويتسامح في أخباره في السير والمغازي ، فهو إمام فيها ، فحاله متفاوتة بتفاوت ما ينقل ، فــ : "لَهُ ارْتفَاعٌ بِحَسْبِهِ ، وَلاَ سِيَّمَا فِي السِّيَرِ ، وَأَمَّا فِي أَحَادِيْثِ الأَحكَامِ ، فَيَنحَطُّ حَدِيْثُه فِيْهَا عَنْ رُتْبَةِ الصِّحَّةِ إِلَى رُتْبَةِ الحَسَنِ ، إِلاَّ فِيْمَا شَذَّ فِيْهِ ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُنْكَراً" . اهــ من "سير أعلام النبلاء" ، (7/41) ، وإلى هذا المعنى أشار ابن مهدي ، رحمه الله ، بقوله : "إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال ، تساهلنا في الأسانيد والرجال ، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الرجال" ، بل ويحتج في السيرة بمن تكلم في عدالته كالواقدي وسيف بن عمر التميمي ، فكتب السيرة ، مع ما فيها من التوسع في النقل ، أشد تحريا من كتب يزعم أصحابها أنها محفوظة ولا إسناد لها ، ولو آحادا ، لينظر في رجاله ، بل وفيها من مخالفة صحيح المنقول وصريح المعقول ما يخجل المحتج بأخبارها ، فهي أشبه ما تكون بالقصص المرسل ، فلو تنزل مع الخصم لسلم له بأنها من جنس كتب السير والمغازي ، وفيها من التساهل في النقل ما فيها ، فــ : "لو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون لقلنا عن الأناجيل :
"هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها" ، إن أشبه الكتب الإسلامية بالأناجيل ، من جهة موضوعها لا من جهة ثبوتها ، هي كتب السيرة ... فهل يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن سيرة ابن هشام مثلاً وحي منزل من الله ؟ إن هذا لمحال شرعاً وعقلاً ، فكيف وسيرة ابن هشام مقطوع بنسبتها إلى مؤلفها ومتصلة السند بصاحب السيرة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومحفوظة بأصلها العربي ، لم تتناولها الترجمات ، كما هي الحال في الأناجيل ، كما أنها لم تفرض بسلطة قانونية أو كهنوتية وإنما أقرها البحث والتدقيق ، وكم من علماء مسلمين بلغوا ذروة العبادة والورع لا يعتد الباحثون المسلمون من رواياتهم بشيء ؛ لأن شروط التحقيق العلمي لم تتوفر فيهم ، أما الكنيسة فلا يكاد راهب ينقطع في صومعة أو عابد يتظاهر بحب المسيح حتى تقول : "إنه مملوء بالروح القدس" وتمنحه لقب : "رسول" أو : "قديس" ، وتعد كلامه وحياً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ولذلك فليس غريباً أن يكون لدى الكنيسة مائة وعشرون رسولاً يؤخذ كلامهم - على علاته - قضايا مسلمةٌ وتقدس رسائلهم، كما تقدس الأناجيل" . اهــ
"العلمانية : نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة" ، ص48 .

بل إن كثيرا من نقاد الغرب ، قد أبطلوا كثيرا من نصوص الأناجيل باستعمال معايير النقد للسند والمتن ، عند أهل الحديث من الإسلاميين ، فهي قواعد محكمة تصلح للحكم على أي خبر بالقبول أو الرد ، وصنيع "سبينوزا" اليهودي ، شديد العداوة للنصرانية ، على ذلك خير شاهد فقد توصل بمعايير النقد التاريخي إلى إبطال جملة كبيرة من نصوص الكتاب المقدس .

فينظر في رجال الإسناد ، ولا يكتفى بالنظر في أعيانهم ، بل ينظر إلى صورة الإسناد المجموعة ، فقد يكون هناك سقط خفي ، بين راويين قد تعاصرا ولم يلتقيا ، فذلك المرسل الخفي ، وقد يكون الراوي مضعفا في شيخه مع كونه ثقة في غيره فروايته عن هذا الشيخ بعينه ضعيفة ، وقد يكون مدلسا في الشيوخ ، فيكني الضعيف بكنية مشتبهة فيظن من يجكم على ظاهر الإسناد ، بادي الرأي ، أنه فلان الثقة ، الذي يشارك فلانا الضعيف كنيته ، وقد يكون ثقة في أهل مصر دون آخر ، كإسماعيل بن عياش ، كما قال ابن معين ، رحمه الله ، كما في "طبقات الحفاظ" : "إسماعيل ثقة في الشاميين وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم" ، وقد يكون رواة أهل مصر عنه أجود من غيرهم فيقبل حديثهم دون حديث غيرهم ، ففي حديث الرواة عنه في المصر الآخر : وهم وتخليط ، فلعله رحل إليهم وقد كبرت سنه وتغير حفظه ، أو لعله كان ممن يحدث من كتبه فلم يحملها معه فحدث من حفظه فوهم كما صنع معمر بن راشد لما دخل البصرة ففي رواية البصريين عنه وهم ، كما بوب لذلك ابن رجب ، رحمه الله ، بقوله : "أحدها من حدث في مكان لم يكن معه فيه كتبه فخلط ، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط ، أو من سمع في مكان من شيخ فلم يضبط عنه ، وسمع منه في موضع آخر فضبط" ، ثم قال عقيبه : "فمنهم معمر بن راشد : حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير ، وحديثه باليمن جيد .
قال أحمد في رواية الأثرم : ((حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلى من حديث هؤلاء البصريين ، كان يتعاهد كتبه وينظر - يعني باليمن - ، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة)) .
وقال يعقوب بن شيبة : ((سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب ، لأن كتبه لم تكن معه))" ....... إلخ ، وكذلك الشأن في ابن أبي ذئب فقد : "ذكر مسلم في كتاب التمييز أن سماع الحجازيين منه - يعني أنه صحيح – قال : وفي حديث العراقيين عنه وهم كثير ، وقال : ولعله كان يُلقن فيتلقن يعني بالعراق" . اهــ من "شرح العلل" ، وقد يكون ثقة في زمن دون آخر ، فيختلط فيعين النقاد سنة اختلاطه ، ومن روى عنه حال السلامة وحال الاختلاط ، ومن روى عنه في كليهما ، ومن منع من التحديث بعد اختلاطه فسلمت مروياته من القدح ، ومن كان يميز صحيحه من ضعيفه ، فتقبل روايته عنه ولو بعد الاختلاط ، ومن تغير فلم يختلط فضعف حفظه ولم يفسد عقله فحاله أجود وإن نزل حديثه عن رتبة الصحيح ، ومن اختلط فكان يلقن فيتلقن ، فإن كان الملقن ثقة ، قبل حديثه ، كما كان ابن عبد الله بن أبي داود يلقن أباه وهو ثقة ، فــ : "قال أبو ذر الهروي : أنبأنا أبو حفص بن شاهين ، قال : أملى علينا ابن أبي داود سنين ، وما رأيت بيده كتاباً ، إنما كان يملي حفظاً ، فكان يقعد على المنبر بعدما عَمِيَ ، ويقعد دونه بدرجة ابنه أبو معمر - بيده كتاب - فيقول له : حديث كذا ، فيسرده من حفظه، حتى يأتي على المجلس" . اهــ ، وإن كان غير ثقة لم يقبل ، كما قال ابن حبان ، رحمه الله ، في "موسى بن عبد الرحمن الصنعاني" : "كان مغفلا يلقن فيتلقن فاستحق الترك" ، وكما قيل في عبد الرزاق ، رحمه الله ، صاحب "المصنف" : "عمي في آخر عمره فكان يلقن فيتلقن" ، كما في "تدريب الراوي" ، وكما قال الذهبي ، رحمه الله ، في "ميزان الاعتدال" في ترجمة سماك بن حرب : "وقال النسائي : إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة لأنه كان يلقن فيتلقن" ، فلا بد أن يتابع فليس حجة فيما انفرد به بل لا يقبل من مرويه إلا ما كان فيه متابعا فيعتبر بالمتابع إن كان مقبولا ، فيزول الضعف بالمتابعة إن لم يشتد ، فالمتابع يشهد لمن تابع إن كان حديثه مقبولا أو صحيحا من باب أولى ، فإن كان ضعيفا لم يشتد ضعفه : اعتبر به ، فإن اشتد الضعف لم يعتبر بحديثه ولم يحتج به من باب أولى ، فروايته كلا رواية ، فلا تتقوى ولا يتقوى بها ، بل ومن يميز صحيح حديث الكذاب من ضعيفه مع نهيه عن الرواية عنه ، مع أنه يروي عنه ، فينهى عما يفعل ، لأنه يعلم ما لا يعلم غيره من حال من يروي عنه من الكذابين ، كما كانت حال الثوري في روايته عن الكلبي ، فــ : "روايات الراوي الضعيف يكون فيها الصحيح والضعيف والباطل فيكتبونها ثم يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم معروف عندهم وبهذا احتج سفيان الثوري رحمه الله حين نهى عن الرواية عن الكلبي فقيل له : أنت تروي عنه فقال أنا أعلم صدقه من كذبه" . اهــ من شرح النووي رحمه الله على مسلم ، وقال ابن أبي حاتم لأبيه كما في "الجرح والتعديل" : "ما معنى رواية الثوري عن الكلبي وهو غير ثقة عنده ؟ فقال : كان الثوري يذكر الرواية عن الكلبي على الإنكار والتعجب فتعلقوا عنه روايته عنه وإن لم تكن روايته عن الكلبي قبوله له" . اهــ ، فكان يروي عنه ليحترز من أحاديثه وينكر على من حدث بها فهي مظنة الضعف فلا يفطن له من لا يعرف ، وقدم النقاد العدل الضابط الذي تم ضبطه على غيره ، فيقدم غير المبتدع على المبتدع ، في الجملة ، ومع ذلك لا يخلو الأمر من نظر في كل رواية ، فقد يحتف برواية المبتدع من القرائن ما يرجحها ، كأن يوافق من هو أوثق من معارضه فيكون الترجيح بمن تابعه لا به ، أو يكون الترجيح به فهو ثقة في روايته ، وإن كان مبتدعا في مقالته ، ضابط تام الضبط ، فيقدم وإن روى ما يؤيد بدعته ، على خلاف في ذلك ، فمن اعتبر العدالة والضبط لم يلتفت إلى ذلك ، ومن اعتبرهما وزاد عليهما ما يقطع الشك فيه ، اشترط ألا يروي ما يؤيد بدعته ، وألا يكون رأسا فيها ، وقد نقل ابن حبان ، رحمه الله ، الإجماع على ترك رواية من كان رأسا في البدعة ، فقال في "المجروحين" : "الداعية إلى البدع ، لا يجوز أن يُحتَجّ به عند أئمتنا قاطبةً . لا أعلم بينهم فيه خلافاً" . اهــ ، ولم يسلم أهل العلم لهذا الإجماع ، فترك الرواية عنه من باب الزجر بهجر المبتدع لا من باب القدح في عدالته أو ضبطه ، وهذا مذهب اختص به بعض أهل العلم كأحمد ، رحمه الله ، فقد ترك الرواية عن جمع من الثقات كابن المديني ، رحمه الله ، تعزيرا لهم إذ أجابوا في الفتنة ، ولم يكن ذلك مسوغا للقدح فيهم عند غيره ، فما تركهم جرحا ، وإنما تركهم زجرا ، ويقدم الثقة تام الضبط على من خف ضبطه ، وذلك ، أيضا ، أمر لا يخلو من نظر في القرائن المحتفة ، فقد يتقن خفيف الضبط الرواية عن شيخ بعينه فيقدم فيه على غيره ، ولو كان أوثق منه في الجملة ، كحال إسرائيل في روايته عن جده أبي إسحاق السبيعي ، رحمه الله ، فيقدم على شعبة وسفيان ، وهما من هما في العدالة والضبط ، كما في خبر : "لا نكاح إلا بولي" ، ويقدم صاحب القصة على غيره ، فقدم خبر ميمونة ، رضي الله عنها ، في نكاح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها وهو حلال ، على خبر ابن عباس ، رضي الله عنهما ، فهي المباشر للأمر ، فعندها زيادة علم ، وقدم خبر ابن مسعود ، رضي الله عنه ، على خبر ابن عباس ، في خبر أصحاب الكهف فقد روى ما شاهد فلا واسطة ، وروى ابن عباس ، رضي الله عنهما ، بواسطة ، فمرسله مرسل صحابي ، فلا تضر جهالة عين الساقط ، فهو صحابي في الغالب ، فتلك عادة الصحابة في الرواية عن بعضهم ، كما أثر عن البراء رضي الله عنه : "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يحدثنا أصحابنا ، وكنا مشتغلين في رعاية الإبل" ، فإن رووا عن غيرهم بينوا ، فتعديل الساقط في مرسل الصحابي ثابت ، ومع ذلك قدم من يروي بلا واسطة على من يروي بواسطة ، ولو كانت ثقة ، فعلو الإسناد مما يرجح به ، وإن كان ذلك ، أيضا ، لا يخلو من نظر في القرائن ، فقد يكون الإسناد النازل مسلسلا بالثقات فيقبل ، ويكون الإسناد العالي مسلسلا بمن تكلم في عدالتهم أو ضبطهم فيرد ، وقد يعلو الإمام بإسناده فيروي عن ضعيف أو عمن تكلم في حفظه ليعلو بإسناده فالحديث قد ثبت عنده بإسناد آخر صحيح ، سلم رجاله من الجرح ، وبذلك اعتذر مسلم ، رحمه الله ، عن روايته عن أمثال أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصري ، ويقدم الفقيه في الباب على غيره ، فخبر عطاء ، رحمه الله ، في المناسك يقدم على خبر غيره ، فهو أفقه الناس فيها ، وإن لم يقدم في غيرها ، ويقدم خبر ابن وهب ، رحمه الله ، في المناسك على خبر ابن القاسم ، وإن كان ابن القاسم ، رحمه الله ، أفقه في الجملة ، فذلك مخصوص بالمناسك ، ويقدم المشهور بالعدالة على من عدل بتزكية الواحد والاثنين ، فذلك من قبيل تقديم خبر التواتر على خبر الآحاد ، ويقدم غير المدلس على المدلس ، إلا في شيوخ اختص بهم المدلس فتقبل عنعنته عنهم لطول الملازمة ، كما نص على ذلك الذهبي ، رحمه الله ، في ترجمة الأعمش ، رحمه الله ، في "ميزان الاعتدال" ، فــ : "هو يدلس ، وربما دلس عن ضعيف ، ولا يدري به ، فمتى قال حدثنا فلا كلام ، ومتى قال "عن" تطرق إلى احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم : كإبراهيم ، وابن أبى وائل ، وأبى صالح السمان ، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال" . اهــ ، أو ما احتف به من قرائن ترجحه ، كأن يصرح بالتحديث من طريق أخرى صالحة ، أو يوافق ثقة آخر صرح بالتحديث فأمن سقطه ، فالحديث قد ثبت من طريق أخرى أجود أو أعلى إسنادا ، والأصل في حديث المدلس : التوقف فلا يقبل أو يرد حتى يَرد المرجح وإن ضعيفا لم يشتد ضعفه فيصلح للاعتبار وإن لم يصلح للاحتجاج بنفسه ، فيرتقي إلى درجة الحسن ، وهو حجة عند الجمهور ، فمن الضعف ما يزول بالمتابعة ، ومنه ما اشتد فلا يزول كرواية المتروك والخبر المكذوب والمنكر فتلك شواذ في الاعتبار لا تصلح للاعتبار أو الاحتجاج من باب أولى ، ويقدم ما تحمله الراوي سماعا أو قراءة على ما تحمله إجازة ، ففيها نوع إجمال ، كما نص على ذلك صاحب "المذكرة" في الأصول ، ص378 ، ويقدم ما لا خلاف في قبوله على ما اختلف في قبوله ، ولو كان الخلاف ضعيفا ، فما سلم من القدح ، ولو غير مؤثر ، أولى بالقبول مما لم يسلم ، فتقدم رواية من تحمل بالغا على رواية من تحمل قاصرا ، وإن أداه بالغا ، فهو مقبول عند الجمهور ، بل ذلك قول السواد الأعظم ، فقد اشتهر عندهم قبول مراسيل صغار الصحابة كابن عباس والحسين ، رضي الله عنهما ، ..... إلخ ، ويقدم الراوي باللفظ على الراوي بالمعنى لاحتمال تصرفه بما يخل بمراد المتكلم ، وإن استثني من ذلك الصحابة ، رضي الله عنهم ، فقد شهدوا التنزيل فأفادهم عقل المعنى ، ولهم من ملكة اللسان ما ليس لغيرهم ، فيؤمن تبديلهم للألفاظ ، ويقدم ما لم ينكر الشيخ روايته على ما أنكره ، ولو نسيانا ، فلا يضر ، على الراجح ، فمع الرواي زيادة علم فهو مثبت والشيخ نافي ، والمثبت مقدم على النافي ، كما قرر أهل الأصول ، ويقدم ما في الصحيحين على ما في غيرهما ، وذلك أيضا أمر لا يخلو من نظر فقد يعرض للمفوق ما يجعله فائقا ، فتلقي الأمة لأحاديث الصحيحين بالقبول لا يلزم منه أن كل حديث فيهما يقدم في بابه على غيره ، بل قد يكون في غيرهما بإسناد أصح ، وإن كان فيهما صحيحا ، فهو من جملة ما تلقته الأمة بالقبول ، ويقدم ما اعتضد بدليل آخر من كتاب أو سنة ، فذلك من قبيل الترجيح بقرينة من خارج ، فتلك من جملة المرجحات في الرواية .

ومن جملة المرجحات في الدراية أن :
يقدم الخاص على العام ، فالأول قطعي الدلالة ، والثاني ظني ، فيقضي القطعي غير المحتمل على الظني المحتمل فذلك من قبيل تقديم النص على الظاهر ، ويقدم القول على الفعل ، فدلالة القول أقوى ، فتعم الإيجاب والندب والإباحة بل والكراهة والتحريم ، وأما الفعل فلا يدل على الإيجاب ، إلا إذا كان بيانا لمجمل واجب ، فغايته أن يدل على الندب والإباحة ، بل قد يقال باقتصار دلالته على الإباحة لا سيما إن كان من أفعال الجبلة فمعنى القربة فيه غير ظاهر ، ويقدم الفعل على التقرير ، فالتقرير بالفعل والمباشرة أصرح في الدلالة من التقرير بالسكوت لا سيما إن كان الخبر مكيا ، كما نوه بذلك بعض أهل العلم ، فقد يسكت صلى الله عليه وعلى آله وسلم درءا لمفسدة أعظم ، فقد سكت عن منكرات كثيرة في مكة بل قد سكت عن أعظم منكر ، وهو الشرك ، لا سكوت الراضي المقر ، وإنما أنكر بقلبه ولسانه قدر الاستطاعة ، فتأول قول الرب جل وعلا : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، ويقدم ما فيه علو شأن للنبي صلى الله عليبه وعلى آله وسلم فما زال أمره في ازدياد حتى أظهر الرب ، جل وعلا ، دينه على الدين كله ولو كره الكافرون ، فينزل ذلك منزلة نسخ المتأخر للمتقدم ، كما ذكر صاحب "المذكرة" رحمه الله ، ويقدم ما فيه زيادة ، فهي قدر زائد من العلم ، خلافا لمن قدم الأقل ، كالحنفية ، رحمهم الله ، كتقديمهم التكبير أربعا في العيدين على التكبير سبعا ، فحجتهم أن الأول يقين فقد أجمع عليه من أثبت الزيادة ومن نفاها ، وما زيد فهو ظن ، واليقين مقدم على الظن وإن رجح ، وأجيب بعملهم بحديث القطع في عشرة دراهم ، والمشهور : ثلاثة ، فأخذوا بالزيادة ، فأجابوا بأن ذلك قد عارضه أصل آخر ، وهو درء الحدود بالشبهات ، كما أثر عن عمر ، رضي الله عنه ، كما عند أبن أبي شيبة رحمه الله :
حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَن مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لأَنْ أُعَطِّلُ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا فِي الشُّبُهَاتِ .
وحَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ مُعَاذًا ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، وَعُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ، قَالُوا : إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك الْحَدُّ فَادْرَأْهُ .
وكما ورد من حديث ابن مسعود ، رضي الله عنه ، موقوفا : "ادرؤُوا الحدود والعقل عن المسلمين ما استطعتم" .
وكما ورد عند ابن ماجة ، رحمه الله ، من حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهُ مَدْفَعًا" ، فيدرء الحد بشبهة الزيادة ، ولو كان مستندها خبرا ضعيفا ، فيكتفى في الدرء بأدنى شبهة ، فذلك من رحمة الرب ، جل وعلا ، ويقدم الناسخ على المنسوخ بداهة فهو رافع لحكمه ، وإن صح إسناده ، فلا يعمل به بعد ثبوت النسخ ، فيحرم التعبد بالمنسوخ ولو في نفس الشريعة فكيف إذا اختلفت الشرائع ، فلا يجوز من باب أولى العمل بشريعة التوراة أو الإنجيل ، ويقدم ما دل على علو شأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقوته ، فما زال أمره في ازدياد حتى تمت المنة على عموم الأمة ، فــ : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .

ويقدم ما ذكر سبب نزوله من الآي ، أو سبب وروده من الأخبار ، على ما لم يذكر سببه ، فالعلم بالسبب يورث العلم بالمسبَّب ، كما أثر عن بعض المحققين ، ويقدم ما كان من رواية قرابة الشيخ فلهم به مزيد اختصاص كرواية القاسم وعروة ، رحمهما الله ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، فهي عمة الأول وخالة الثاني ، فرويا عنها بلا حجاب فتقدم روايتهما على رواية الأسود ، ويقدم الخبر المدني على المكي ، فالمتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه إن تعذر الجمع ، ويقدم ما نص على علته على ما لم ينص ، ويقدم ما فيه تهديد على ما ليس كذلك ، فذلك من جنس تقديم الحاظر على المبيح ، فهو ناقل عن الأصل بما تضمنه من زيادة الحظر ، ومثله تقديم المثبت على النافي ، فمعه ، أيضا ، زيادة علم ، كإثبات الزيادة في رواية حذيفة ، رضي الله عنه ، في تبول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائما على نفي عائشة ، رضي الله عنها ، لذلك ، فيقدم المثبت لما معه من زيادة علم ، ويقدم العام المحفوظ على العام المخصوص ، فدلالة الأول على أفراده أقوى ، خلافا للثاني فدلالته على ما عدا صورة التخصيص قد اختلف فيها ، وإن كان الراجح ثبوتها فالعام المخصوص حجة فيما وراء صورة التخصيص ، على رأي الجمهور من أهل الأصول ، ويقدم ما خص مرة على ما خص أكثر من مرة ، فدلالته أقوى ، فعموم : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ" ، يعارض عموم النهي عن الصلاة بعد العصر ، إن دخل المسجد بعد العصر ، فيقدم الأقوى دلالة ، فالأول لم يدخله التخصيص والثاني قد دخله التخصيص بصور من قبيل حديث أنس ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ" ، وصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نافلة الظهر بعد العصر لما شغله وفد عبد القيس ، وركعتي الطواف إن طاف بعد العصر ، وصلاة الجنازة ....... إلخ ، ويقدم العام المطلق الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب ، لاحتمال تخصيصه بصورة السبب ، وإن كان الراجح عدم التخصيص ، فما لم يختلف فيه يقدم على ما اختلف فيه ، ولو يسيرا ، كما تقدم ، ويقدم الخبر النافي للحد على الخبر المثبت له عند المالكية ، رحمهم الله ، درءا للحد بالشبهة ، ويقدم الخبر الموجب للحرية على الخبر الموجب للرق لتشوف الشارع ، جل وعلا ، للحرية ، على خلاف في ذلك ، كما ذكر صاحب "المذكرة" رحمه الله ص389 .

ومن دقة المحدثين والنقاد :
عنايتهم بتحرير ألفاظ الأحكام على الأحاديث صحة وحسنا وضعفا ، والترمذي عمدة في ذلك ، فهو أول من حرر مصطلح الحسن الاصطلاحي المتأخر ، وإن ورد في كلام من تقدمه ، فيريدون به الحسن اللغوي ، أو حسن الاستدلال فهو نص في محل النزاع كما أثر عن بعض متقدمي الشافعية ، رحمهم الله ، وهو قسم من أقسام الضعيف عند المتقدمين ، كما عند أحمد ، رحمه الله ، وقسم من أقسام الصحيح عند بعض آخر ممن عرف بنوع تساهل في التصحيح كابن خزيمة وتلميذه ابن حبان ، رحمهما الله ، فمرتبته عند الأولين : أعلى رتب الضعيف ، فضعفه لم يشتد فيصلح للاعتضاد والاعتبار فيرتقي بالشاهد إلى رتبة الاحتجاج ، وهو ، عند الآخرين : أدنى الصحيح ، فالضعيف والصحيح كلاهما درجات .
وكذلك الشأن في تحرير دلالة : المنكر والشاذ ، وكلاهما قد ورد بمعنى واحد في كلام المتقدمين فلم تعرف التفرقة بينهما إلا في كلام المتأخرين ، فالأول : ما خالف الضعيف فيه جمعا من الثقات فيكون منكرا بقيد المخالفة ، أو انفرد به فهو ممن لا يحتمل تفرده فيكون منكرا بقيد التفرد ، والثاني : ما خالف الثقة فيه جمعا من الثقات فيكون شاذا بقيد المخالفة ، أو انفرد به فهو ممن يحتمل تفرده حسنا إن كان صدوقا أو صحة إن كان صحيحا ، والأمر ، كما تقدم ، ليس حدا جامدا بل للقرائن دور رئيس في الحكم ، والمتروك فهو حديث من قد عرف بالكذب في كلام الناس وإن لم يثبت كذبه في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وحد راوي الموضوع فمن ثبت كذبه في حديث رد حديثه جميعا ، احتياطا ، والمرسل وشرائط قبوله فلا يقبل مرسل من قد عرف بالرواية عن الضعفاء ، وإتما يقبل مرسل مأمون السقط فإذا سمى فلا يسمي إلا ثقة ، ولا يقبل إلا إذا احتفت به قرينة كإجماع ولو ظني ، كما في حديث سعيد بن المسيب ، رحمه الله ، مرسلا : "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" ، فقد احتف به عمل الصحابة ، رضي الله عنهم ، كما أشار إلى ذلك في "التدريب" نقلا عن النووي رحمه الله ، فـــ : "أصل ذلك أن الشافعي قال في مختصر المزني أخبرنا : مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان وعن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر فجاء رجل بعناق فقال أعطوني بهذه العناق فقال أبو بكر لا يصلح هذا قال الشافعي : وكان القاسم بن محمد وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو بكر ابن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان قال وبهذا نأخذ ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خالف أبا بكر الصديق وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" . اهــ
"تدريب الراوي" ، (1/146) .

فالإجماع ظني فلا يعلم للصديق ، رضي الله عنه ، مخالف ، وذلك من ورع المتقدمين في نقل الإجماع ، فيحكون عدم العلم بالمخالف فهو دون الإجماع الصريح ، وهو وإن كان دون الإجماع الصريح إلا أنه أقوى في الاعتبار والاستدلال زمن الصدر الأول ، إذ لما يتفرق الصحابة ، رضي الله عنهم ، في الأمصار ، فلو كان عندهم علم في المسألة مع قرب وقوعها ما كتموه ، فقد قامت الحاجة إلى البيان ، فلا يجوز تأخيره في حق آحاد المجتهدين فكيف بسادة العالمين عدالة وحفظا ؟! ، فسكوتهم في موضع البيان : بيان لحكم الجواز .


وحرر بعض المحققين محل النزاع فذلك من الجمع الحسن بين الأقوال ، فمن جوز : جعل ذلك من باب إرادة الظهر باللحم ، ومن حظر : جعل ذلك من باب إرادة اللحم باللحم فيقع التفاضل جزما ، فينهى عنه سدا للذريعة ، والشاهد أن المرسل لا يقبل إلا إذا احتفت به قرينة كإجماع ولو ظني أو قول لصحابي أو مرسل آخر قد اختلف مخرجه أو مرفوع إلى صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن ضعف ضعفا يزول بالمتابعة .

وعني المحققون كذلك بتحرير ألفاظ الأحكام على الرجال فــ : ثقة ، وصدوق ، ومقبول إذا توبع ..... إلخ ، وقد نص بعض الأئمة على اصطلاحهم في صدر مصنفاتهم كابن أبي حاتم ، رحمه الله ، في "الجرح والتعديل" .

وعني أهل الفقه في المعاني بطرائق الجمع ، فالأصل الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض ما استطاع الناظر إلى ذلك سبيلا ، وقد برع في هذا الباب أمثال ابن خزيمة ، رحمه الله ، فإعمال الأدلة جميعا أولى من إهمال بعضها ، فإن لم يكن فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ ، فإن لم يعلم ، فالترجيح .

وعني أهل النقل بتحرير ألفاظ المرويات وما يستنبط منها من أحكام ، فــ : "جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا" ، فذلك دليل من قصر التيمم المجزئ على التراب ، وأجاب من جوز التيمم بكل صعيد ، بأن المراد جنس ما علا الأرض من التربة فيعم ما سوى التراب ، كما أشار إلى ذلك في "التدريب" بقوله : "وزيادة التربة في الحديث السابق يحتمل أن يراد بها الأرض من حيث هي أرض لا التراب فلا يبقى فيه زيادة ولا مخالفة لمن أطلق" . اهــ
"تدريب الراوي" ، (1/183) .

وأجاب بعض المحققين بأن ذلك من قبيل ذكر بعض أفراد العام فلا يخصصه ، فالتراب فرد من أفراد عموم ما يعلو الأرض فيعلوها غيره من رمل ونحوه فيجوز التيمم بها جميعا ، فضلا عن حصول التنغيص بالتخصيص لعموم المنة ، فلا تخصص إلا لحق الرب ، جل وعلا ، فقد خص عموم "جعلت لنا الأرض كلها مسجدا" بالنهي عن الصلاة في المقابر سدا لذريعة الغلو المفضية إلى وقوع الشرك فتعلق التخصيص بحق الرب ، جل وعلا ، وكذلك الشأن في عموم قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فالأصل في الأشياء الإباحة لقرينة اللام في : "لكم" فهي مئنة من الاختصاص وفيه ما فيه من تقرير للمنة ، ومع ذلك خصت بنحو قوله تعالى : (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فتحريم الخبائث يتعلق بحق الشارع ، جل وعلا ، فيخصص عموم الإباحة لعموم الأشياء من هذا الوجه ، وأما في التيمم فالأمر يسير فلا ذريعة تتعلق بحق الرب ، جل وعلا ، لتسد بنهي أو تخصيص .


وعني أهل النقل والفقه بتحرير ألفاظ المرفوع حكما مما لا يقال بالرأي ، كــ :
من السنة : فتحمل عند الإطلاق على سنة صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أثر عن ابن عمر ، رضي الله عنه ، فــ : "إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة" ، فــ : "قد روى البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة ، قال ابن شهاب فقلت لسالم أفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : وهل يعنون بذلك إلا سنته ، فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم" . اهــ
"تدريب الراوي" ، (1/136) .

ومثله قول علي رضي الله عنه : "جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَحْسَبُهُ قَالَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ" ، فأطلق السنة فتنصرف إلى سنة صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو قد يقال ، والله أعلم ، بأن مراده أن كلا مشروع فهو إما سنة المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهي حجة بداهة ، وإما سنة الخلفاء الراشدين ، رضي الله عنهم ، من بعده فقد ورد النص على حجيتها صراحة ، كما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام : "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" .



فلا تطلق ويراد بها سنة غيره بل تقيد بصاحبها كما في زعم مروان بن الحكم : "سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ الرَّاشِدَةُ الْمَهْدِيَّةُ" .

وهي ، مع ذلك ، على مراتب فأعلاها نحو : سنة أبي القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتلك أقوى درجات التصريح ، ثم نحو : سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ففيها التصريح بالوصف لا بالاسم ، ثم نحو : أصبت السنة مطلقة ، فتنصرف ، كما تقدم ، إلى سنة المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

وإليه أشار في "النكت" بقوله : (ويلتحق بقول الصحابي : "من السنة كذا" : "لا تلبسوا علينا سنة نبينا" كما رواه أبو داود عن عمرو بن العاص في عدة أم الولد ، وقوله : "أصبت السنة" كما رواه الدارقطني عن عمر في المسح على الخفين وكذا قوله : "سنة أبي القاسم - صلى الله عليه و سلم -" في حديث ابن عباس في متعة الحج وأقربها للرفع : "سنة أبي القاسم" ثم : "ولا تلبسوا" ، (أي قول عمرو رضي الله عنه : "لا تلبسوا علينا سنة نبينا") ، ثم "أصبت السنة") . اهــ بتصرف يسير .


وكذلك الشأن في قولهم : كانوا يفعلون : إثباتا ، أو كانوا لا يفعلون نفيا :
فالأصل أنها في حكم المرفوع إلا ما كان صريحا في أمر غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في قول أنس ، رضي الله عنه ، عند ابن أبي شيبة ، رحمه الله ، في "المصنف" : "كَانَ يُؤْمَرُ بِالسَّوْطِ ، فَتُقْطَعُ ثَمَرَتُهُ ، ثُمَّ يُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، ثُمَّ يُضْرَبَ بِهِ ، فَقُلْتُ لأَنَسٍ : فِي زَمَانِ مَنْ كَانَ هَذَا ؟ قَالَ : فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" ، وهو باستقراء الأخبار والآثار نادر والنادر لا حكم له .
قال في "التدريب" : "وخصص بعضهم الخلاف ، (أي في قول : "من السنة") بغير الصديق ، (فلا يعلوه أحد من الأمة في الرتبة إلا صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإذا أطلق القول بالسنة فهي تنصرف جزما إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلافا غيره ممن جاء بعده فقد يعني بها سنة الصديق ، رضي الله عنه ، أو سنة غيره من الخلفاء الراشدين) ، أما هو ، (أي : الصديق رضي الله عنه) ، فإن قال ذلك فمرفوع بلا خلاف قلت ، (أي السيوطي رحمه الله) ، ويؤيد الوقف في غيره ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن حنظلة السدوسي قال سمعت أنس بن مالك يقول : كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته ثم يدق بين حجرين ثم يضرب به فقلت لأنس في زمان من كان هذا قال : في زمان عمر ابن الخطاب" . اهــ
بتصرف من : "تدريب الراوي" ، (1/136) .

وكذلك أقوالهم : "كنا نفعل" ، "كنا نفاضل" ، "كانوا يقولون" .......... إلخ ، فكلها في حكم المرفوع ، وإن لم يحكم لها بالرفع صراحة إلا بنسبتها إلى عصر الرسالة ، كقول ابن عمر ، رضي الله عنهما ، "كنا نفاضل بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول أبو بكر وعمر وعثمان ثم استوى الناس" ، وفي زيادة الطبراني في "المعجم الأوسط" : "فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكر ذلك علينا" ، ما يدل على الرفع صراحة ببلوغ الأمر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإقراره بالسكوت ، فالسكوت في موضع البيان بيان فلو كان ثم ما هو خلاف الأولى ما وسعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم السكوت لمكان العصمة وعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فلا يجوز ذلك في حق آحاد المجتهدين فكيف بصاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟! .

وقل مثل ذلك في نحو :
قول عروة بن الزبير ، رحمه الله ، وهو من التابعين : لا تقطع اليد في الشيء التافه ، فذلك مما لا يقال بالرأي فينصرف بداهة إلى الرفع وإن كان مرسلا ، ثم قد جاء التصريح عقيبه ، فقال هشام بن عروة في نفس السياق : وقال أبي أخبرتني عائشة أنه : لم تكن اليد تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى ثمن من مجن أو حجفة أو ترس .

وكذلك الشأن في : "فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ" : فالآمر بداهة هو صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك من قبيل قول الصحابي : "أحل لنا" ، أو : "حرم علينا" ، فلا يكون ذلك إلا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو المبلغ للأحكام عن ربه جل وعلا .

و : "إِنَّهُ رُخِّصَ لَنَا فِي الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ ، وَالْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ" ، فالترخيص مئنة من الإباحة ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا لصاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

و : "أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلاَة رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ زِيدَ فِيهَا فَجَعَلَ لِلْمُقِيمِ أَرْبَعًا" ، فالفرض والزيادة لا يكون بداهة إلا بوحي منزل من كتاب أو سنة .

و : "نهى أن تكلم النساء إلا بإذن أزواجهن" ، فالنهي مئنة من التحريم ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا لصاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم .


واشتهر النقاد بدقتهم في الحكم على الرواة باستقراء حديثهم ، فيتغير الاجتهاد بجمع حديث الراوي ومقابلته بأحاديث الثقات ، فقال محمد بن بشار ، رحمه الله ، على سبيل المثال : وَكَتَبْتُ كَثِيرًا عَنْ مُوسَى بْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ تَرَكْتُهُ ، فظهر له بتتبع مروياته ما يقدح فيها وذلك مئنة من كمال الاستقراء الذي أبهر المتأخرين والمعاصرين من خصوم الإسلام فضلا عن أوليائه ، فتلك حاله في شيخ واحد فكيف بما يحفظه عن بقية شيوخه ؟! ، وهو واحد من النقاد فكيف بهم إذا اجتمعوا ؟! .

فكان للمحدثين معايير دقيقة في الحكم على الرواة ، وهي مئنة من كمال العدل والتجرد ، فللمتقدمين من النقاد كأحمد وابن معين رحمهما الله : السبق ، فكلامهم ، كما يقول بعض أهل العلم ، يقدم ، إجمالا ، على كلام المتأخرين ، إذا وقع التعارض وتعذر الجمع ، فإن تساوى الناقدان في الطبقة ، قدم المعتدل على المتشدد فيقدم ابن مهدي على يحيى القطان ، ويقدم ابن حنبل على ابن معين ، فإن اختلف الناقدان في الطبقة : قدم المتقدم ، ولو كان أشد في الجرح .

ويعتبر في ذلك ، أيضا ، حال الأئمة ، فقد عرف بعضهم بالتشدد في الجرح كابن حبان ، رحمه الله ، والتساهل في التعديل ، فتلك حاله ، أيضا ، وحال شيخه ابن خزيمة ، رحمه الله ، فشرطه كما في "التدريب" أن : " يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأته بحديث منكر فهو عنده ثقة وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرف حاله" . اهــ
"تدريب الراوي" ، (1/74) .

فليس مجرد ذكر الرواي في كتابه "الثقات" مئنة من توثيق الراوي بل قد ذكر فيه من لا يعلم حاله بنص كلامه كقوله في : "حبان يروى عن أبيه عن على لست أعرفه ولا أباه روى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث" ، و : "شعبة شيخ يروى عن كريب بن أبرهة روى عنه سليط بن شعبة الشعباني لست أعرفه ولا أباه" ، و : "رباح شيخ يروى عن ابن المبارك عداده في أهل الكوفة روى عنه إبراهيم بن موسى الفراء لست أعرفه ولا أباه إن لم يكن رباح بن خالد فلا أدرى من هو" .

ولهم كلام نفيس في التفتيش عن أحوال الرجال ، فيقدم قول بلدي الراوي ، إن أمنت النفرة التي تكون بين الأقران ، فــ : "لَسْنَا نَدَّعِي فِي أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ العِصْمَةَ مِنَ الغَلَطِ النَّادِرِ ، وَلاَ مِنَ الكَلاَمِ بنَفَسٍ حَادٍّ فِيْمَنْ بَيْنَهُم وَبَيْنَهُ شَحنَاءُ وَإِحْنَةٌ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَثِيْراً مِنْ كَلاَمِ الأَقْرَانِ بَعْضِهِم فِي بَعْضٍ مُهدَرٌ ، لاَ عِبْرَةَ بِهِ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا وَثَّقَ الرَّجُلَ جَمَاعَةٌ يَلُوحُ عَلَى قَوْلِهُمُ الإِنصَافُ" . اهــ من كلام الذهبي ، رحمه الله ، في "السير" ، ولذلك رد كلام مالك في ابن إسحاق وكلام ابن إسحاق فيه ، رحم الله الجميع ، ورد كلام مالك في ابن أبي ذئب ورد كلام ابن أبي ذئب فيه فــ : "كَلاَمُ الأَقْرَانِ بَعْضِهِم فِي بَعْضٍ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى كَثِيْرٍ مِنْهُ ، فَلاَ نَقَصَتْ جَلاَلَةُ مَالِكٍ بِقَوْلِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِيْهِ ، وَلاَ ضَعَّفَ العُلَمَاءُ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ بِمَقَالَتِهِ هَذِهِ ، بَلْ هُمَا عَالِمَا المَدِيْنَةِ فِي زَمَانِهِمَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا" . اهــ من كلام الذهبي ، رحمه الله ، في "السير" .

ولذلك ، أيضا ، قدم كلام الرازيين في جرح محمد بن حميد الرازي على كلام العراقيين كأحمد وابن معين في تعديله فهم أعلم بحال بلديهم .

ويقدم الجارح مطلقا إن خلا الراوي عن التعديل ، وكان الجرح ممن له إمامة في هذا الشأن ، فيقبل قوله فمعه زيادة علم فهو ناقل عن الأصل ، إلا أن يأتي المعدل ببينة تدل يقينا على انتفاء ما رماه به الجارح ، أو تثبت توبته منه ، فهو عدل يقبل خبره ، لا سيما إن كان الراوي من القرون المفضلة فهم خير طباق الأمة وعدالتهم تثبت من باب أولى .......... إلخ من المعايير التي أذهلت علماء النقد الحديث فكيف لأمة أن تبتكر معايير كهذه قد بلغت الغاية في الدقة والضبط ، في زمان لم تكن البشرية قد بلغت الفطام بعد ! ، فأبطل علماء النقد الحديث نصوصا كثيرة من العهدين بعرضها على معايير النقد عند أهل الحديث ، بل إن النصارى مع تعظيمهم للمسيح عليه السلام لا يقدرون على سرد سيرة كاملة له ، بل غاية ما يملكون منها قصص مرسل لعله لا يزيد عن خمسين يوما من حياته ! ، كما أشار إلى ذلك القس الدكتور كارلوس أندرسون في مقال نشره في دائرة المعارف البريطانية كما نقل ذلك بعض أهل العلم المعاصرين في بحث له عن السيرة : "ينبغي أن يتنازل الإنسان عن محاولة وضع كتاب في سيرة المسيح بكل صراحة ، فإنه لا وجود للمادة والمعلومات التي تساعد على تحقيق هذا الغرض ، والأيام التي توجد عنها بعض المعلومات لا يزيد عددها على خمسين يوماً" . اهــ ! ، فأين ذلك من توثيق أهل الإسلام لعلومهم حتى صارت النكات والنوادر من أخبار الحمقى والمغفلين تروى بالإسناد ! ، وهذا ، أيضا ، من تعزيرهم لصاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقد عزروا المنقول عنه فحفظ بهم الرب ، جل وعلا ، التنزيل متواترا ، وحفظ بهم السنة فهم حفاظها ونقادها ، فليسوا حفظة بلا تمييز للصحيح من الضعيف ، وليسوا حفظة للمباني بلا فقه للمعاني ، فسلموا من وصمة : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، فحمل أولئك اللفظ ولم يحملوا المعنى ، بل ليت المعنى سلم من تحريفهم ، بل قد كتموا الحق فألبسوه بالباطل ، فــ : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فجزاؤهم الويل في دار القرار ، فــ : (وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) .

ومن جهود أهل العلم في هذا الشأن :
التصنيف في شتى فنون هذا العلم الشريف ، فبدأ التصنيف بكتابات متفرقة للصحابة ، رضي الله عنهم ، فالنهي عن الكتابة منسوخ بإباحتها ، فــ : "اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ" ، فالأمر بعد الحظر يفيد الإباحة على قول بعض الأصوليين ، ويفيد رجوع الأمر إلى ما كان عليه على رأي المحققين ، وعلى كلا الوجهين ، فالإباحة قد نسخت النهي ، بل قد استحب ذلك ، بل ووجب ، على حد الفرض الكفائي ، حفظا لعلوم الشريعة ، فكتب من كتب ليحفظ كالصديق ، رضي الله عنه ، فكانت له صحف حفظ ما فيها ثم أحرقها احتياطا فلم يأمر غيره بذلك ولم يحرق ما عند غيره بداهة كما يردد ذلك من يردد من أعداء السنة من أهل البدعة وأذيالهم من العلمانيين وإنما احتاط لنفسه بعد أن أتقن حفظها وذلك كله إن صح الخبر بذلك فقد ذيل الذهبي ، رحمه الله ، عليه في "تذكرة الحفاظ" بقوله : "فهذا لا يصح والله أعلم" . اهــ ، ثم دون الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، الآثار : التدوينَ العام الذي تولى أمره الزهري ، رحمه الله ، ثم بدأ التصنيف بالأجزاء ، وفيها قد اختلط المرفوع بغيره ، وصنف مالك ، رحمه الله ، "الموطأ" ، فدون مروياته وفقهه ، ثم جاء من جرد المرفوع فرتب الأخبار على المسانيد كأحمد وإسحاق ، رحمهما الله ، ثم جاء من صنف الجوامع ، كالصحيحين ، ثم من صنف على الأبواب ، كأصحاب السنن ، فجردوها من الموقوف إلا ما ندر ، وقصروها على أبوب الفقه ، إلا ما زيد في بعضها من كتب السنة والأدب ، ثم جاء من صنف الصحاح المتأخرة ، كابن خزيمة وابن حبان ، رحمهما الله ، ومن صنف على الأبواب كالبيهقي ، رحمه الله ، في السنن الكبرى ، وهي من أصول الإسلام الجامعة ، كما ذكر الذهبي ، رحمه الله ، في السير ، وصاحبها من أهل الاجتهاد المطلق فلو أراد لكان له مذهب ، ولكنه آثر الانتساب إلى الشافعي ، رحمه الله ، ولو نسبة مجتهد مطلق إلى إمام مذهبه الذي نشأ عليه وإن وسعه الخروج عن أحكامه لما بلغه من روايات لم تبلغ صاحب المذهب ، وهي عنده قد صحت على شرط صاحب المذهب فتصح نسبتها إليه بنص كلامه فــ : "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ، واستخرج من استخرج على الصحاح والسنن ، كمستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم ، مستخرج أبي بكر الإسماعيلي على صحيح البخاري ، ومستخرج البرقاني عليهما ، ومستخرج أبي نعيم الأصفهاني ، وفيها يعلو المستخرج بإسناده ليلتقي مع صاحب الأصل في شيخه أو شيخ شيخه أو أي راو أعلى ، وصنف من صنف في "السنة" بمفهومها العقدي ، كأحمد بن حنبل وابنه عبد الله ، رحمهما الله ، وصنف من صنف في "الشريعة" كالآجري ، وصنف من صنف في "الإيمان" كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي بكر بن أبي شيبة ، رحمهما الله ، وصنف من صنف في "التوحيد" كابن خزيمة ، رحمه الله ، وصنف من صنف في أصول الاعتقاد كاللالكائي ، رحمه الله ، وجاء المتأخرون ليجمعوا روايات الأصول الستة وما زيد عليها في بقية الأصول في كتب جردت من الأسانيد ، فتعزى فيها المتون إلى مصادرها الأصلية ، فتلك الفهارس أو كتب التخريج ، كتحفة الأشراف للمزي ، رحمه الله ، وصنف من صنف في الزوائد على الصحيحين أو على الأصول الستة ، وصنف من صنف في الرجال جرحا وتعديلا ، بل وصنف بعضهم في الثقات دون غيرهم كابن حبان ، رحمه الله ، في "الثقات" ، وصنف آخرون في الضعفاء ، كابن عدي ، رحمه الله ، في "الكامل" ، واختصر ابن حجر التقريب في التهذيب ، ففيه الراجح عنده في رجال الكتب الستة ، وصنف أهل الرواية في أصولها ، فأولهم الرامهرمزي ، في "المحدث الفاصل" ثم الخطيب البغدادي ، رحمه الله ، فله يد على كل من جاء بعده ، كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو بكر بن نقطة ، رحمه الله ، بقوله : "كلُّ مَن أَنْصف عَلِم أنّ المحدِّثين بعد الخطيب عيالٌ على كُتُبِهِ" ، وجاء ابن حجر ، رحمه الله ، فهو الجامع لتراث الأولين ، برسم التجديد ، فهو خاتمة الحفاظ ، وعمدة الشراح للصحيح ، فعلى يديه كان الفتح ، أعظم شروح الإسلام لأصح دواوين السنة ، بل وصنف الأئمة في الموضوع ، فحفظ ابن معين منه ما حفظ ، ودون ابن الجوزي منه ما دون في الواهيات برسم الضعف ، والموضوعات برسم الكذب ، وإن وقع له نوع تساهل في الحكم بالوضع على بعض ما لم يشتد ضعفه ، بل وحسن ، بل قد حكم على حديث في صحيح مسلم بالوضع ! ، وصنف من صنف في غريب الحديث كابن الأثير ، رحمه الله ، وجمع من جمع أحاديث الأحكام في مختصرات نافعة كعمدة الأحكام عليها شروح ماتعة ، وصنف من صنف في تخريج أدلة كتب المذاهب كالتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ، فهو تخريج ابن حجر ، رحمه الله ، لأحاديث كتاب من كتب الشافعية ، رحمهم الله ، في الفروع ، وصنف من صنف في العلل ، وصنف من صنف في المشيخات والبرامج والمنتخبات ، فينتخب الطالب على شيخه غريب حديثه دون ما اشتهر فهو عند كل أحد ، ولا يحسن ذلك ، كما قال المحققون ، في حق المبتدئ ، بل إنما يكون ذلك لمن تقدم في الطلب فاستوفى المشاهير حفظا وتدوينا فلا عليه أن يعدل إلى الغرائب بعدها ليستكمل ما فاته منها فلا يبدأ عابد بنافلة قبل فريضة ولا يبدأ طالب بدقيق العلم قبل جليله ، وصنف من صنف في الرحلة وآداب الطلب ، فتلك نبذة يسيرة عن جهود عظيمة بذلها علماء الملة وحفاظ السنة تعزيرا لكلام صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم حفظا وشرحا ، فذلك من جملة تأويل الموعود الرباني الصادق : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .

فــ : "الدين الحق كلما نظر فيه الناظر وناظر عنه المناظر ظهرت له البراهين وقوي به اليقين وازداد به إيمان المؤمنين وأشرق نوره في صدور العالمين ، والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل ورام أن يقيم عوده المائل أقام الله تبارك وتعالى من يقدف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وتبين أن صاحبه الأحمق كاذب مائق" . اهــ
"الجواب الصحيح" ، (1/62 ، 63) .

فعلوم الإسلام العقلية قد بلغت الذروة في الدقة والتحقيق ، فعلم أصول الحديث تعرف به صحة المنقولات ، وعلم أصول اللغة من نحو وبلاغة ، يعرف به وجوه الكلام ومعانيه ، وعلم أصول الفقه ، وهو فرع على اللسان ، هو آلة الاستنباط والفهم ، وقد أضاف إليها بعض الفضلاء المعاصرين جملة من التقريرات النافعة في باب الاستدلال أسماها : "أصول الفهم" ، فكل تلك العلوم قد قررت جملة من القواعد النافعة التي تصلح كمعايير عامة يحكم بها على جميع مسائل العلوم ، فلا يقتصر ذلك على الشرعيات فقط ، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون ، رحمه الله ، في معرض تنويهه بعلم الأصول الذي لم تجد به قريحة أمة من الأمم ، فهو كعلم أصول الرواية ، مما انفردت به هذه الأمة ، فعلم يحقق الأخبار رواية ، وآخر يستنبط منها الأحكام والمعلومات دراية ، وذلك أمر ، كما تقدم ، يضبط جميع مسائل العلوم الإنسانية بل ويتعداها إلى مسائل العلوم التجريبية ، فلا عجب أن يبرع أئمة الفقه في الطب والصيدلة والفلك والرياضيات ، كما كانت حال الأولين فكان عندهم من معايير العلم ما يؤهلهم للنظر في كلا النوعين ، ولم يكن عندهم من الفصام النكد بين علوم الدين والدنيا ما هو كائن الآن ، فقد انقسم الأمر في زماننا مع أن بابه واحد ! ، فالعقل يدرك كلا النوعين بما ركز فيه من آلة الفهم والاستنباط فعلام التفريق بين المتماثلين ؟! ، وهل ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا نتاج العداوة الشديدة بين العلم والكنيسة في أوروبا المظلمة ، والتي قاس عليها من قاس من المغرضين ، لا سيما العلمانيين ، دين الإسلام الصحيح في مقابل علوم الحياة ، مع أنهم لم يصلوا بذلك إلا ما يزعمون من التقدم والحضارة ، ولو مدنية تكنولوجية ، بل شاهد التاريخ يكذبهم فما سادت هذه الأمة في السياسة والحكم ، في العلوم والفنون ، إلا ولواء الشريعة محمول ، وعلمها منشور .

وتعزير السنة يكون بالاحتجاج بها في العلم والعمل معا ، فــ : "خبر الآحاد : ما انحط عن حد التواتر , وهو ضربان : مسند , ومرسل .
فأما المسند فضربان :
أحدهما : يوجب العلم , وهو على أوجه : منها : خبر الله سبحانه , وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم , ومنها : أن يحكي رجل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ويدعي علمه فلا ينكره عليه فيقطع به على صدقه ومنها : أن يحكي رجل شيئا بحضرة جماعة كثيرة , ويدعي علمهم به فلا ينكرونه , (وهذا حد الإجماع السكوتي) ، فيعلم بذلك صدقه ومنها : خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول فيقطع بصدقه سواء عمل به الكل أو عمل به البعض , وتأوله البعض ، (فتلقي الأمة بالقبول : قرينة تحتف بالآحاد فتصيره على حد المتواتر في إفادة العلم فيفيد العلم النظري بما يحتف به من القرائن على القول الراجح من أقوال المحققين) ، فهذه الأخبار توجب العمل ويقع بها العلم استدلالا وأما الضرب الثاني من المسند : فمثل الأخبار المروية في كتب السنن الصحاح , فإنها توجب العمل , ولا توجب العلم" . اهــ بتصرف من "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي رحمه الله .

وتعزير هذه السنة يكون بتأول أحكامها في الخارج : في الولاء والبراء ، فتأويل : "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ" ، و : "مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ إِذَا وَجِعَ مِنْهُ شَيْءٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ" ، هو الانتصار للمستضعفين من المؤمنين والمؤمنات ، كما هي حال أخواتنا الأسيرات في سجون الكنائس والأديرة ، فك الله جل وعلا أسرهن ، فذلك مثل واحد من آلاف الأمثلة لتأول أحكام السنة فلا تكون محض ألفاظ تحفظ وتردد وتشرح في المجالس دون تأويل في الخارج .

وتعزير السنة يكون بتأول أحكامها عموما فلا تعارض برأي سواء أكان :
رأيا في المعتقد فتلك مخالفة أصحاب المقالات الحادثة ، أم رأيا في الفقه فتلك مخالفة أهل الرأي في الفقه ، أم رأيا في السياسة والحكم ، فتلك مخالفة أصحاب السياسات الحادثة والشرائع الأرضية الباطلة التي تعارض بها الشريعة السماوية النازلة برسم الحفظ والعصمة .
ولا تعارض بذوق وجداني في زهد أو رياضة ، فطرائقها في كل ذلك أكمل الطرائق فلا يزيغ عنها إلا هالك .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله ببيان وجه تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتعزير أصحابه ، رضي الله عنهم ، فتعزير التابع يستلزم تعزير المتبوع ضرورة .

مهاجر
05-05-2011, 07:16 AM
ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : تعزير أصحابه رضي الله عنهم

فتعزير التابع مئنة من تعزير المتبوع ، وانتقاص الصاحب لازمه ضرورة انتقاص صاحبه ، فذلك من بدائه العقل ، وقد خالف في ذلك من خالف من أهل المقالات الحادثة ، لا سيما السبابة ، فقال أحمد ، رحمه الله ، في حدهم : "هم الذين يتبرؤون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويسبونهم ، ويتنقصون ويكفرون الأئمة إلا أربعة : علي ، وعمار ، والمقداد ، وسلمان ، وليست الرافضة من الإسلام في شيء" . اهــ

وقال ابن تيمية ، رحمه الله ، في آخر "الصارم المسلول" في بيان حكم الساب لهم :
"أما من اقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لا شك في كفره بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره .
وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم .
وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم و لا في دينهم ـ مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك ـ فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم .
وأما من لعن وقبح مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد ، (فلعن الغيظ معقده الدنيا كمن أبغض عليا ، رضي الله عنه ، من الناصبة فبدعته مقبوحة مرذولة ولكنه لا يكفر كمن أبغض عليا ، رضي الله عنه ، لدينه ، فذلك مما ينقض الإيمان لو كان في حق آحاد المؤمنين فهو مئنة من بغض الدين ، فكيف لو كان في حق سيد من سادات المؤمنين وخليفة من الخلفاء المهديين ؟!) .

وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نفرا قليلا يبلغون بضعة عشر نفسا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضا في كفره لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع : من الرضى عنهم والثناء عليهم بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الآية التي هي : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران : 110 ] وخيرها هو القرآن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارهم وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم وقد ظهرت لله فيهم مثلات وتواتر النقل بأن وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك ، وممن صنف فيه الحافظ الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب الأصحاب وما جاء فيه من الإثم و العقاب . وبالجملة فمن أصناف السابة من لا ريب في كفره ومنهم من لا يحكم بكفره ومنهم من تردد فيه" . اهــ بتصرف
"الصارم المسلول" ، ص406 ، 407 .

فسبهم قدح صريح في تعديل الوحي لهم ، لا سيما من تواترت عدالته كمن استعمله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ولاية عامة ، كقضاء ، أو فتيا ، أو جباية صدقة .... إلخ ، يقول ابن الوزير ، رحمه الله ، في معرض الذب عن أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، فقد طعن فيه من طعن من الزيدية على أصلهم في تأثيم القاعدين عن نصرة علي ، رضي الله عنه ، في الفتنة ، يقول :
"لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولّى أبا موسى على اليمن مصدقاً وقاضياً , وكان يفتي ويقضي في بلدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, في زمنه - صلى الله عليه وسلم -, وفي أيّام الخلفاء الرّاشدين - رضي الله عنهم - , وكانت حال المنافقين أحقر من ذلك , فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليولّي القضاء منافقاً ويقرّه على الفتيا , وكذلك أصحابه - رضي الله عنهم - فهذا أمر معلوم بالضّرورة , ولا يعارض بحديث مظنون" . اهــ
"الروض الباسم" ، (1/148) .

فلا يرد القطعي من تعديل الوحي العام وتعديل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخاص ، لا يرد بظن فكيف إن كان قدحا بلا دليل صحيح سالم من الطعن في إسناده وبلا برهان صحيح سالم من الطعن في قياسه ، فإن ما نقل من واقعة التحكيم قد زيد فيه حتى صير الناقل المتزيد أبا موسى : ساذجا مغفلا ، حاشاه ، رضي الله عنه ، فكيف يستعمل صلى الله عليه وعلى آله وسلم مغفلا في الصدقة والقضاء ثم يستعمله عمر ، رضي الله عنه ، وهو من هو في معرفة أقدار الرجال فــ : "لست بالخَبِّ ولا الخب يخدعني" .

فعدالتهم أمر قطعي الثبوت والدلالة فلا ينقل عنه فهو الأصل المتيقن إلا بيقين مثله ، وهو مع ذلك استثناء لا يقاس عليه ، فليس أصلا مطردا ، كحال عبيد الله بن جحش ، فقد ثبتت له الصحبة ابتداء ، ثم هاجر إلى الحبشة فتنصر ومات مرتدا ، فله حكم خاص ، لا يقاس عليه ، بداهة ، بل قد انتفى عنه وصف الصحبة أصلا فانتفى عنه حكم العدالة تبعا ، ومن نسب منهم إلى معصية بل وإلى كبيرة ، فالصغائر والكبائر في حقهم جائزة ، فليس لهم من العصمة ما للأنبياء عليهم السلام ، وإن كان مجموعهم أولى طباق الأمة بوصف العصمة العامة وحكم التعديل الخاص لأعيانهم فكلهم عدول فذلك الأصل المطرد ، كما تقدم ، فمن نسب منهم إلى شيء من ذلك فعادة الرب ، جل وعلا ، فيهم : أنهم أسرع الناس أوبة وأصدقهم توبة فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، ولهم مع ذلك من عظم السبق والحسنات الماحيات ما ليس لغيرهم ممن أتى بعدهم وإن عظم شأنه وطار ذكره فــ : (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) ، فذلك التفاضل بينهم مع اشتراكهم في وصف الصحبة ، فكيف بمن لم يحظ بشرف الصحبة ابتداء ؟! .

وذلك محكم يرد إليه متشابه : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ، إن سلم بأنه متشابه ، فــ : "من" : بيانية جنسية تستغرق الأفراد لا تبعيضية كما زعم من زعم من أهل الغي والضلال ، فــ : "كل" في : (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) : نص في العموم يحسم شبهاته ويشفي وساوسه .

فلا يبلغ عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، رتبة معاوية ، رضي الله عنه ، وإن اشتهر عدل الأول وجفا من جفا في حق الثاني .
قال ابن المبارك رحمه الله : "معاوية عندنا محنة , فمن رأيناه ينظر إليه شزراً , اتهمناه على القوم , يعني الصحابة .
وسئل ابن المبارك عن معاوية فقال : ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سمع الله لمن حمده . فقال خلفه : ربَّنا ولك الحمد ؟ فقيل أيُّما أفضل ؟ هو أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز .

وقال في "نهاية المبتدئ" : من سب صحابيا مستحلا كفر وإلا فسق .
وقال القاضي أبو يعلى رحمه الله : "الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة : إن كان مستحلا لذلك كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص394 .

فالكلام في مراتب أولها :
الفرق بين سب يطعن في دينهم وعدالتهم وسب لا يطعن في دينهم وعدالتهم :
فــ : "قال ، (أي : أبو يعلى رحمه الله) : فيحتمل أن يحمل قوله ، (أي : أحمد رحمه الله في ساب الصحابة رضي الله عنهم) : [ ما أراه على الإسلام ] إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي .
قال : ويحتمل قوله : [ ما أراه على الإسلام ] على سب يطعن في عدالتهم نحو قوله : ظلموا وفسقوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا الأمر بغير حق ويحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله : كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة وكان فيهم شح ومحبة للدنيا ونحو ذلك قال : و يحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان : إحداهما يكفر والثانية يفسق وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره حكوا في تكفيرهم روايتان" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص395 .
والجمع بين الروايات أولى ، والله أعلم ، فلا تهدر إحداها بالترجيح ، فتحمل كل رواية على حال ، فسب الاعتقاد كفر ، وسب الغيظ فسق ، وكلاهما قد حمل من الوزر ما حمل ، وإن كان الأول أفحش قولا وأعظم حملا .

فيفرق بين لعنهم على جهة الاعتقاد فذلك مئنة من الانسلاخ من الديانة ولعن الغيظ فتلك بدعة قبيحة وجريمة منكرة ، ولكنها لا تعدل من لعنهم لدينهم ، فمن أبغض آحاد المسلمين لدينهم فهو مارق من الديانة فبغضه لهم لا لذواتهم كحال من يلعن غيظا ، فإنه يكره من يلعنه لشخصه لا لدينه ، كما كانت الناصبة تلعن عليا ، رضي الله عنه ، لما كان بين الفريقين يوم صفين ، فتلك ثارات ، فلم يكن اللعن اعتقادا ، وإن قبح بل وفحش ابتداء .




والفرق بين سب من اشتهرت عدالته كالخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، وسب من لم تشتهر صحبته :
قال في الصارم المسلول : "وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة .
قال محمد بن يوسف الفريابي وسئل عمن شتم أبا بكر قال : كافر ، قيل : فيصلى عليه ؟ قال : لا ، وسأله : كيف يصنع به و هو يقول لا إله إلا الله ؟
قال : لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص394 .
قَال الْمِرْدَاوِيُّ فِي الإِْنْصَافِ - وَهُوَ ، (أي القول بــ : تَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وهو مذهب الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَبَعْضُ أَهْل الْحَدِيثِ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ) ، الصَّوَابُ - وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ ، وَنَصَّ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّرَ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الأَْرْبَعَةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ .

قال في "كشاف القناع" :
"( وَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ ) الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } ) فَإِنْكَارُ صُحْبَتِهِ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكْفُرْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صَحَابِيَّةِ غَيْرِهِ ، وَالنَّصُّ وَارِدٌ شَائِعٌ قَالَ شَارِحُهُ الْأُشْمُونِيُّ قَلَتَ وَأَهْلُ الدَّرَجَاتِ أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّ صَحَابَتَهُمْ يَعْرِفهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَافِي صَحَابِيَّةَ أَحَدِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" . اهــ

فإن هذه الشهرة تنزل من وجه : منزلة العلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر ، فلا يعذر به الجاهل في دار الإسلام والسنة ، وإن جاز تصور الجهل به في الدور التي تخفي فيها أعلام الإسلام والسنة ، فالمسألة قد تكون محتملة في تلك الدور ، وأما في دار الإسلام والسنة فلا يجوز الدفع بالجهل في سب أمثال الصديق والفاروق وذي النورين وأبي الحسنين ، رضي الله عنهم جميعا ، فما كان عذرا في دار لا يكون في أخرى بتفاوت ظهور أعلام الديانة فيها .
فالنصوص المتواترة الإسناد القطعية الدلالة قد وردت بتعديلهم مطلقا فلا يفتقرون إلى تعديل غيرهم ، فــ : "قال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } [ الفتح : 18 ] والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدا .
وقوله تعالى : { إذ يبايعونك } سواء كان ظرفا محضا أو كانت ظرفا فيها معنى التعليل فإن ذلك لتعلق الرضى بهم فإنه يسمى رضى أيضا كما في تعلق العلم والمشيئة والقدرة وغير ذلك من صفات الله سبحانه وقيل : بل الظرف يتعلق بجنس الرضى وإنه يرضى عن المؤمن بعد أن يطيعه ويسخط عن الكافر بعد أن يعصيه ويحب من اتبع الرسول بعد اتباعه له وكذلك أمثال هذا وهذا قول جمهور السلف وأهل الحديث وكثيرا من أهل الكلام وهو الأظهر ، (فهي صفة قديمة النوع حادثة الآحاد تتعلق بالمشيئة الربانية النافذة) .

وعلى هذا فقد بين في مواضع أخر أن هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك كما في قوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } [ التوبة : 100 ]" . اهــ
بتصرف من : "الصارم المسلول" ، ص396 .

فلو قيل بأنها تعليلية فقد انضاف إليها من النصوص ما رفع ما قد يتوهم فيها من إجمال ، وهو قوله تعالى : (رضي الله عنهم ورضوا عنه) ، فحصل الرضا لهم تحقيقا ولا يقال في حق غيرهم من الأئمة إلا تعليقا ، فشبهة من جعلها تعليلية مخصوصة بالبيعة دون سائر أحوالهم فيجوز أن يطرأ عليهم من الجرح ما يطرأ بعد أن ثبت تعديلهم تحت الشجرة بحصول البيعة ، قوله : محض شبهة ، فلا تقوم لما تواتر من نصوص التعديل في الكتاب والسنة على جهة اليقين الجازم فهي نصوص قطعية لا تحتمل ، ولو كان الثناء معلقا بالتزام أحكام الشريعة ما حصلت لهم زيادة فضل عن غيرهم فذلك قدر حاصل في حق كل مكلف فهو موعود بالثواب إن أحسن متوعد بالعقاب إن أخطأ ، فأي مزية في نصوص التزكية والتعديل لهم إذن ؟! .

والفرق بين من سب الجميع أو المعظم بالكفر والردة ، ومن سب بعضهم ممن اشتهرت صحبته سبا يطعن في دينه ، ومن سب بعضهم ممن لم تشتهر صحبته بما يطعن في دينه لا من جهة صحبته ، ومن سب بعضهم سبا لا يطعن في دينهم وعدالتهم :

فالأول : يكفر على الصحيح من قول أهل العلم فهو مكذب بجملة من النصوص المتواترة التي تفيد العلم الضروري فمنكرها منكر لما قد علم من الدين بالضرورة .
يقول الهيثمي رحمه الله : "ثم الكلام - أي الخلاف - إنما هو في سب بعضهم ، أما سب جميعهم فلا شك في أنه كفر" . اهــ
"اعتقاد أهل السنة في الصحابة" ، ص31 .
قال في "كشاف القناع" :
"( وَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَوْ ) سَبَّ ( أَحَدًا مِنْهُمْ وَاقْتَرَنَ بِسَبِّهِ دَعْوَى أَنَّ عَلِيًّا إلَهٌ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ هَذَا ) أَيْ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ( بَلْ لَا شَكَّ فِي كُفْرِ مَنْ تَوَقَّفَ فِي تَكْفِيرِهِ" . اهــ

والثاني : يكفر على الصحيح من قول أهل العلم .
فــ : "من سب بعضهم سبا يطعن في دينهم كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق ، وكان ممن تواترت النصوص بفضله ، فذلك كفر ، على الصحيح ، لأن فيه تكذيبا لأمر متواتر" . اهــ
"اعتقاد أهل السنة في الصحابة" ، ص34 .
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، رحمه الله ، في "رسالة في الرد على الرافضة" :
"فإذا عرفت أن آيات القرآن تكاثرت في فضلهم والأحاديث المتواترة بمجموعها ناصّة على كمالهم فمن اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم أو ارتدادهم أو ارتداد معظمهم عن الدين أو اعتقد سبهم وإباحته أو سبهم مع اعتقاد حقية سبهم أو حلّيته فقد كفر بالله تعالى ورسوله فيما أخبر من فضائلهم وكمالاتهم المستلزمة لبراءتهم عما يوجب الفسق والارتداد وحقية السب وإباحته ومن كذبهما فيما ثبت قطعاً صدوره فقد كفر ، والجهل بالمتواتر القاطع ليس بعذر وتأويله وصرفه من غير دليل معتبر غير مفيد كمن أنكر فرضية الصلوات الخمس جهلاً لفرضيتها فإنه بهذا الجهل يصير كافراً وكذا لو أوّلها على غير المعنى الذي نعرفه فقد كفر لأن العلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضهلم قطعي" . اهــ بتصرف

فــ : "قال القاضي عياض في سب الصحابة : قد اختلف العلماء فيه ومشهور مذهب مالك فيه الاجتهاد والأدب الموجع . قال مالك رحمه الله : من شتم النبي قتل وإن شتم الصحابة أدب . وقال أيضا : من شتم أحدا من أصحاب النبي أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال كانوا على ضلال أو كفر قتل وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا انتهى" . اهــ من "الصواعق المحرقة" .

فمن كفر الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، فقد أنكر معلوما من الدين بالضرروة ، فيكفر من هذا الوجه ، وبعض أهل العلم خص هذا الحكم بالشيخين ، رضي الله عنهما ، وبعضهم فرق باعتبار التواتر أو عدمه ، كما ذكر ذلك صاحب "اعتقاد أهل السنة في الصحابة" حفظه الله وسدده ، ولعل ذلك وجه دخول معاوية وعمرو ، رضي الله عنهما ، في الحكم فهما ممن تواتر إيمانهم وفضلهم ، فــ : "أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ" ، وتواتر إسلامه واستعمال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له بل وجعله أميرا على جمع من الصحابة ، رضي الله عنهم ، فيهم الشيخان ، رضي الله عنهما ، وإقراره على أحكام شرعية من قبيل جواز تيمم الجنب وإن وجد الماء إن خشي الهلاك باستعماله فهو فاقد له حكما وإن لم يفقده حقيقة فوجوده مع عدم القدرة على استعماله عدم حكمي فليس بمعتبر ، ومن قبيل جواز إمامة المتيمم للمتوضئ ، فضلا عن عمومات نصوص الترضي عن الصحابة ، رضي الله عنهم ، وهو ممن أسلم قبل الفتح ، فالتزكية في حقه آكد ، فطبقة من أسلم قبل الفتح تعلو طبقة من أسلم بعده ، فـ : (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) ، كما تقدم ، كل أولئك مما يقطع بصحة إسلامه ، بل ويجعله متواترا معلوما من الدين بالضرورة ، وإلا لزم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يعرف أقدار الرجال ، حاشاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، مع تأييده بالوحي فضلا عن كمال عقله ، فهو أكمل البشر عقلا بشهادة مخالفيه قديما وحديثا ، فكيف تخفى عليه حال أصحابه فلا يعرف المؤمن من الكافر ، ولا يعرف العدو المتصنع من الولي المصدق ، وذلك أمر لا يخفى عن آحاد العقلاء ، فكيف بأكملهم عقلا وأرجحهم قولا ، فمن كفر عَمْرًا أو أبغضه لدينه ، فقد أنكر معلوما دينيا ضروريا ، فإنكاره ، أيضا ، إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة ، وإن كان دون الأول ، فالمعلوم من الدين بالضرورة معنى يتفاوت في الذهن كسائر المعاني .

ولذلك نطق ملك المغول خدابنده بهذا اللازم لما زعم من زعم بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يعرف حقيقة أبي بكر ، رضي الله عنه ! ، فقال : "كان قليل العقل" ! .
قال ابن تيمية ، رحمه الله ، في "منهاج السنة" :
"ولا ريب أن فعل ما قالته الرافضة فهو قليل العقل وقد برأ الله رسوله وصديقه من كذبهم وتبين أن قولهم يستلزم القدح في الرسول" . اهــ

وكذلك الشأن في معاوية ، رضي الله عنه ، ويكفيه خبر : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي" ، فالأمة محمولة على أمة الإجابة يقينا ، ولذلك جاء التصريح في رواية : "إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ، فقد أثبت للطائفتين إسلاما ، وهو مما يرادف الإيمان في قوله تعالى : (إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فهما من المترادف حال الافتراق ، فيدخل كل في حد الآخر ، ويتطابق الحدان ، فإسلامهما مئنة من الإيمان ، فيمتنع أن يمدح صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قد علم نكوصه ، بل في خبر أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بحنين ، فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام : "هو من أهل النار" فلما حضر القتال ، قاتل الرجل قتالا شديدا ، فأصابه الجراح ، فقيل له : يا رسول الله ، الرجل الذي قلت : إنه من أهل النار ، قاتل اليوم قتالا شديدا ، فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إلى النار" . فكاد بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرتاب ، فبينما هم على ذلك إذ قيل : لم يمت وبه جراح شديدة ، فلما كان الليل اشتد به الجراح ، فقتل نفسه ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : "الله أكبر ، أشهد أني عبد الله ورسوله" ثم أمر بلالا فنادى في الناس : لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، وإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر" ، في هذا الخبر : ما يدل ضرورة على كمال علمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأقدار الرجال فضلا عن تأييده بالوحي المعصوم .

والثالث : لا يكفر إلا إن سبهم من جهة صحبتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك مئنة من بغضه للدين وأهله لا لشخوص بعينهم ، وبغض الدين كفر كما تقدم .
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، رحمه الله ، في "رسالة في الرد على الرافضة" :
"ومن خصّ بعضهم بالسب فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر لتكذيبه ما ثبت قطعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكذبه كافر ، وإن سبّه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسّق لأن سباب المسلم فسوق ، وقد حكم بعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقاً ، والله أعلم ، وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله فالظاهر أن سابه فاسق إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك كفر ، وغالب هؤلاء الرافضة الذين يسبون الصحابة لا سيما الخلفاء يعتقدون حقية سبهم أو إباحته بل وجوبه لأنهم يتقربون بذلك إلى الله تعالى حيث يرون ذلك من أجلّ أمور دينهم كما نقل عنهم" . اهــ

والرابع : لا يكفر ، وإن كان يستحق التعزير والتأديب ، سواء أكان الصحابي مشهورا أم غير مشهور ، وخص ذلك عند بعض أهل العلم ، بالشيخين ، رضي الله عنهما ، فاشتهار فضلهما وإجماع الأمة عليهما أمر قد ثبت بالتواتر ، خلافا لعثمان وعلي ، رضي الله عنهما ، فقد خرجت عليهما الخوارج ، ففضلهما متواتر مشهور ، ولكن خروج فئام من الأمة ، ولو ضلالا ، عليهم ، مما رفع الشيخين ، رضي الله عنهما ، عليهما درجة ، وإن كان جميعهم في المكان الشريف والمقام المنيف ، ويشبه ذلك إلى حد كبير ارتفاع إجماع الخلفاء الأربعة ، فهو حجة في رواية عن أحمد رحمه الله ، وفوقه اتفاق الشيخين ، رضي الله عنهما ، فهو حجة كما في قول بعض الأصوليين ، إذ قد تحقق الإجماع ، ولو سكوتيا ، في خلافتهما على نحو يقطع بامتناع إقرارهم على القول المرجوح ، فليس لهما عصمة في قولهما ، ولكن العصمة تثبت لإجماع الأمة ، ولو سكوتيا ، كما تقدم ، على قولهما ، فهذا وجه من جعل قولهما حجة .

ومما تقدم من كلام شيخ الإسلام ، محمد بن عبد الوهاب ، رحمه الله : "وإن سبّه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسّق لأن سباب المسلم فسوق ، وقد حكم بعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقاً ، والله أعلم ، وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله فالظاهر أن سابه فاسق إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك كفر" . اهــ

ومما تقدم من كلام ابن تيمية رحمه الله :
"وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم ، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك ، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص406 .
وذكر أبو يعلى ، رحمه الله ، من الأمثلة على ذلك اتهامهم بقلة المعرفة السياسية .
"اعتقاد أهل السنة في الصحابة" ، ص42 .

قال في "كشاف القناع" :
"( وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ ) أَيْ الصَّحَابَةَ ( سَبًّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ مِثْلَ مَنْ وَصَفَ بَعْضَهُمْ بِبُخْلٍ أَوْ جُبْنٍ أَوْ قِلَّةِ عِلْمٍ أَوْ عَدَمِ زُهْدٍ وَنَحْوِهِ فَهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّعْزِيرَ وَلَا يَكْفُرُ وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ وَقَبَّحَ مُطْلَقًا فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ أَعْنِي هَلْ يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ ؟ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ وَقَالَ يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقِيلَ : يَكْفُرُ إنْ اسْتَحَلَّهُ )" . اهــ

وهم ، وإن اشتركوا ، إجمالا ، في رتبة الصحبة ، فلا تنال بكسب أو فتوة ، كما هي النبوة ، فهي محض اصطفاء مثلها ، وإن كانت دونها في الرتبة ، فــ : "من كان منكم مؤتسيا فليأتس بأصحاب محمد فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها أخلاقا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على هدى مستقيم" ، ومن مأثور إمام الشام الأوزاعي رحمه الله : "لو كان خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم وإنه لم يدخر عنهم خير خبي لكم دونهم بفضل عندكم وهم أصحاب رسول الله الذين اختارهم الله وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به" ، إلا أنهم يتفاوتون فيها فقد قسمهم أهل العلم إلى طبقات ، وإن كانوا جميعا طبقة واحدة هي الصدر الأول ، والقرن المفضل المقدم في العلم والعمل ، في الإجماع بل والاختلاف ، فإجماعهم قد انضبط وخلافهم قد اتسع ، فلم يكن ثم خلاف في أصل جامع ، وإنما ساغ الخلاف بينهم في فروع العلم والعمل فكان ذلك ، كما تقدم ، من رحمة الرب ، جل وعلا ، بمن جاء بعدهم ، فيسعهم ما وسع أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الكلام في الخلاف السائغ والسكوت عن القول الزائغ ، فــ : "لا وسَّعَ الله على من لم يسَعْهُ ما وسعهم" ، كما حكى صاحب "اللمعة" ، رحمه الله ، عن محمد بن عبد الرحمن الأذرميُّ ، رحمه الله ، فهم طبقات ، فــ : (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) ، كما تقدم ، و : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" ، فذلك في حق خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنهما ، فمن تمام تعزير من تقدم : نهي من قد جاء بعده عن سبه ، ولو برسم الغيظ فذلك مقتضى الطبع الذي لا يسلم منه بشر فليس براج عصمة ، بل لسان مقال صاحب العصمة والرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إني أخذت عند ربي عهداً أيما مسلم شتمته أو سببته أو ضربته ، أن يجعلها كفارة له ورحمة" ، وذلك من رحمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم فما كان منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من دعاء على مسلم فقد انقلب إلى خير يثقل ميزانه ، فإذا كانت تلك حال المتأخر مع ثبوت وصف الصحبة له فكيف بحال من لم تثبت له صحبة ابتداء ، فــ : "أدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال ................. ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير" . اهــ بتصرف من : "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" .

و : "فضيلة الصحبة - ولو لحظة - لا يوازيها عمل ، ولا تنال درجتها بشيء ، والفضائل لا تؤخذ بالقياس ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" . اهــ من "شرح مسلم للنووي" ، نقلا عن : "اعتقاد أهل السنة في الصحابة" ، ص25 .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"فإن قيل : فلم نهى خالدا عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضا ؟ و قال : [ لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ] .
قلنا : لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص398 ، 399 .

فالنهي عن سب الصحابة ، رضي الله عنهم ، في حق من لم يدرك زمان النبوة : آكد ، واللوم إليه يتوجه إن سب وقدح من باب أولى ، بل ذلك مئنة من رقة في الديانة ، بل قد يمرق منها إن سب على جهة الاعتقاد فاستحل سبهم كما قد تقدم من كلام القاضي أبي يعلى أو سبهم ديانة فتقرب بعين المنهي عنه فذلك آكد في استحلال المحرم ، أو سبهم من جهة الصحبة ، أو سب العموم فلم يستثن إلا آحادا ، أو سب من اشتهرت صحبته من جهة الديانة فكفر من قد تواترت النصوص في إيمانه ، بل وتقدمه كالخلفاء الأربعة ، رضي الله عنه ، وتلك حجة من كفر السبابة والخوارج ، فــ : "صرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص394 ، 395 .

ولا يقتصر هذا الأمر على السبابة وحدهم ، وإن كان ينصرف إليهم ، بادي الرأي ، فهم الذين اتخذوه شعارا لنحلتهم الباطلة ، بل لكل من أحدث مقالة في الدين ، شعبة من هذه المقالة الردية ، فلسان حاله رد ما كان عليه الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، من العلم أو العمل ، أو نسبتهم إلى التقصير إذ لم يعلموا ما قد علمه الخلف المتأخرون ، بل لسان حالهم نسبة مقام النبوة إلى التقصير في البلاغ والبيان ، فقد أحدثوا في الدين ما لو كان حقا ما وسع صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم السكوت عنه ، فالبلاغ في حقه قد تعين ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما قد قرر أهل الأصول ، فالمتكلمون المتأخرون :
"يَصِفُونَ إخْوَانَهُمْ بِالْفَضِيلَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ وَالسَّلَفَ بِالنَّقْصِ فِي ذَلِكَ وَالتَّقْصِيرِ فِيهِ أَوْ الْخَطَأِ وَالْجَهْلِ . وَغَايَتُهُمْ عِنْدَهُمْ : أَنْ يُقِيمُوا أَعْذَارَهُمْ فِي التَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا شُعْبَةٌ مِنْ الرَّفْضِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَكْفِيرًا لِلسَّلَفِ - كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ - وَلَا تَفْسِيقًا لَهُمْ - كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ - كَانَ تَجْهِيلًا لَهُمْ وَتَخْطِئَةً وَتَضْلِيلًا وَنِسْبَةً لَهُمْ إلَى الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِسْقًا فَزَعْمًا : أَنَّ أَهْلَ الْقُرُونِ المفضولة فِي الشَّرِيعَةِ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ . وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ لِمَنْ تَدَبَّرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ : أَنَّ خَيْرَ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ - فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ أَنَّ خَيْرَهَا - : الْقَرْنُ الْأَوَّلُ ....." . اهــ
وقل مثل ذلك في أصحاب المذاهب المعاصرة من العلمانيين وأضرابهم ، فإنهم يقدحون بلسان الحال في الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، بما أحدثوه من مذاهب فكرية تناقض أصولها المنقول من الملة الشرعية ، وإنما نقله وأداه الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فمن قدم أقوال ماركس وكونت ..... إلخ على المنقول من المعلوم الديني فهو معلوم فكري يعارضه العلماني بالمعلوم الفكري الغربي ، من فعل ذلك ، فله ، أيضا ، من بدعة السبابة شعبة ، فقد سبهم وانتقص من قدرهم بل واتهمهم في نقلهم وعقلهم ، فيرد النقل ويزدري العقل فليسوا إلا أعرابا أجلافا فكيف يصح في الأذهان تعظيم قدرهم بل وتقديم قولهم في عصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية ..... إلخ من المنجزات التكنولوجية ؟! ، مع أن هذه المنجزات : نتاج مادي مدني بحت فهي من نتاج المدنية التي تعنى برفاهية الأبدان لا من أصول الحضارات التي تعنى بتزكية العقول ، فــ : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فالحضارة : وحي يزكي النفوس بالعلم النافع والعمل الصالح ، وإنما المدنية شعبة من شعبه ، فــ : "للفتوح العربية طابع خاص لا تجد مثله لدى الفاتحين الذين جاءوا بعد العرب ، وبيان ذلك أن البرابرة الذين استولوا على العالم الروماني والترك وغيرهم ، وإن استطاعوا أن يؤسسوا دولا عظيمة ، لم يؤسسوا حضارة ، وكانت غاية جهودهم أن يستفيدوا بمشقة من حضارة الأمم التي قهروها ، وعكس ذلك أمر العرب الذين أنشئوا بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها ، والذين تمكنوا من اجتذاب أمم كثيرة إلى دينهم ولغتهم ، فضلا عن حضارتهم الجديدة" . اهــ من كلام "جوستاف لوبون" في "حضارة العرب" ، نقلا عن : "وشهد شاهد من أهلها" ، للشيخ الدكتور راغب السرجاني ، حفظه الله وسدده ، ص139 .

والتاريخ شاهد بأن المدنية في الإسلام قرينة تعظيم أحكام الديانة ، فمتى كان الوحي الشرعي معظما محكما فالفكر الإنساني من آداب ونحوه والعلم التجريبي من طب ورياضيات ونحوه ، في أوجه ، فـــ : "روجر بيكون أو باكوفون فارولام أو ليوناردو دافنشي أو جاليليو ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي ..... إنما السباقون في هذا المضمار كانوا من العرب" . اهــ من كلام "زيجريد هونكه" في "شمس الله تسطع على الغرب" ، نقلا عن : "وشهد شاهد من أهلها" ، ص182 .

ويقول "جوستاف لوبون" :
"ويعزى إلى بيكون ، على العموم أنه أول من أقام التجربة والترصد ، اللذين هما ركن المناهج العلمية الحديثة ، مقام الأستاذ ، ولكنه يجب أن يعترف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم ، وقد أبدى هذا الرأي جميع العلماء الذين درسوا مؤلفات العرب" . اهــ
نقلا عن : "وشهد شاهد من أهلها" ، ص141 .

وتقول "هونكه" في موضع آخر : "لقد سرت بين العلماء الإغريق ، الذين لم يكونوا جميعا بالإغريقيين ، بل كان أغلبهم من أصل شرقي ، سرت بينهم رغبة في البحث الحق وملاحظة الجزئيات ، ولكنهم تقيدوا دائما بسيطرة الآراء النظرية ، ولم يبدأ البحث العلمي الحق القائم على الملاحظة والتجربة إلا عند العرب ، فعندهم فقط بدأ البحث الدائب الذي يمكن الاعتماد عليه ، يتدرج من الجزئيات إلى الكليات وأصبح منهج الاستنتاج هو الطريقة العملية السليمة للباحثين ، وبرزت الحقائق العلمية كثمرة للمجهودات المضنية في القياس والملاحظة بصبر لا يعرف الملل ، وبالتجارب العلمية الدقيقة التي لا تحصى اختبر العرب النظريات والقواعد والآراء العلمية مرارا وتكرارا ، فأثبتوا صحة الصحيح منها ، وعدلوا الخطأ في بعضها ، ووضعوا بديلا للخاطئ منها ، متمتعين في ذلك بحرية كاملة في الفكر والبحث .......
إن العرب لم ينقذوا الحضارة الإغريقية من الزوال ، ونظموها ورتبوها ، ثم أهدوها إلى الغرب فحسب ، إنهم مؤسسو الطرق التجريبية في الكيمياء والطبيعة والحساب والجبر والجيولوجيا وحساب المثلثات وعلم الاجتماع وبالإضافة إلى عدد لا يحصى من الاكتشافات والاختراعات الفردية في مختلف فروع العلم ، والتي سرق أغلبها ونسب لآخرين ، قدم العرب أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة" . اهــ
نقلا عن : "وشهد شاهد من أهلها" ، ص184 .

وتقول "كارين أرمسترونج" :
"القرآن لا يطلب من المسلمين أن يتخلوا عن العقل ، فالآيات موجهة إلى : (قوم يعقلون) ، والقرآن يحث المسلمين على أن (ينظروا) إلى الآيات في العالم الطبيعي وأن يتدبروها بعناية ، وقد ساعد هذا الاتجاه على تنمية عادة التأمل والاستطلاع الذكي التي مكنت المسلمين من إرساء وتطوير تراث رائع في العلوم الطبيعية والرياضيات ، ولم ينشأ في يوم من الأيام أي صراع بين البحث العلمي العقلاني وبين الدين في التراث الإسلامي" . اهــ
نقلا عن : "وشهد شاهد من أهلها" ، ص90 ، 91 .

والحضارة : أخلاق شرعية خالصة لا أخلاق نفعية عاجلة ، تنعدم بانعدام الرقيب الأرضي ، فمن أعلم بأصول الحضارة من الصحابة ، رضي الله عنهم ، فهم أعلم الناس بمباني التنزيل ومعانيه فمعهم من العلم باللسان فهم أعلم الناس بكلام العرب ، فهم العرب الأقحاح ! ، ومعهم من قرائن البيان ، فقد شهدوا التنزيل فعلموا فيم نزل وعلى أي وجه ورد فأفادهم ذلك عقل المعنى ، معهم من ذلك ما ليس مع غيرهم ممن جاء بعدهم من المتقدمين فكيف بالمتأخرين ، بل وكيف بالمحدثين من العلمانيين المعاصرين الذين يفتون في النوازل ! ، وليس لأحدهم من فقه الطهارة زاد نافع ، فلا يحسن أحدهم يستنزه من بوله ، وهو مع ذلك إمام متبوع في قوله وفعله ! .


ولسان حال العلماني في زماننا : لا خطوط حمراء في الشريعة ، بل والشريعة نفسها ليست خطا أحمر ، فذلك مفهوم الليبرالية الشائه الذي يروم القوم استيراده لنقض تصور الوحي الكامل ، فلا خطوط حمراء في المقالات فمن أراد الإلحاد فله ذلك فتلك حرية فكرية ، ولا خطوط حمراء في الأعمال فمن أراد الانحلال فله ذلك فتلك حرية شخصية ! .


ومن تعزيرهم : عدم التقدم بين أيديهم ، فهو من جنس التقدم بين يدي مربيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهم ورثة علومه وحملة رسالته ، فالتقدم عليهم مئنة من ازدراء علوم الملة وأحكام الشرعة ، ففيها غنية عن كل قول حادث أو حكم باطل أو سياسة جائرة أو رياضة مخترعة ...... إلخ ، فــ : "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول : (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ ديناً ، فلا يكون اليوم ديناً" ، فلسان حال المحدث في الديانة في قول أو عمل : الاستدراك على الشرع المنزل ، يقول الشاطبي ، رحمه الله ، في حد البدعة : "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" ، ويقول ابن تيمية رحمه الله : "وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَسُنَّهُ وَلَا اسْتَحَبَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقْتَدِي بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي دِينِهِمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَاتِ" ، ومن مأثور السلطان العادل نور الدين محمود رحمه الله : "إن الله تعالى خلق الخلق وهو أعلم بمصلحتهم ، وإن مصلحتهم تحصل فيما شرعه على وجه الكمال ، ولو علم أن على الشريعة زيادة في المصلحة لشرعه لنا ، فما لنا من حاجة على زيادة ما شرعه الله تعالى ، فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة ، فهو يكملها بزيادته وهذا من الجرأة على الله وعلى شرعه ، والعقول المظلمة لا تهتدي ، فالله سبحانه يهدينا وإياك إلى الكتاب وإلى الصراط المستقيم" . اهــ ، فذلك خطاب الملك العادل للشيخ الزاهد ، فلا تجد إلا تعظيما للشريعة ، وتلك حال أصحاب الديانة القويمة .

فــ : "وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة . فإذا كان كذلك ، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حالة أو مقاله : إن الشريعة لم تتم ، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها ، لأنه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كل وجه ، لم يبتدع ولا استدرك عليها وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم .......... فـ : المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع ، لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها ، وصار هو المنفرد بذلك ، لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون . وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع ، ولم يبق الخلاف بين الناس . ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام . فهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيراً ومضاهياً حيث شرع مع الشارع ، وفتح للاختلاف باباً ، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك" . اهــ
"الاعتصام" ، (1/54 ، 55) .

وذلك أمر قد عمت به البلوى في البدع الخاصة كبدع الفعل والترك التي تتعلق بالفرد ، والبدع العامة التي تتعلق بالجماعة كبدع العبادة والذكر في الشعائر ، وبدع الكتمان والتحريف بل والاستبدال في الشرائع ، فأصحاب الشرائع الحادثة قد صيروا أنفسهم أندادا للرب ، جل وعلا ، فناظروا حكمه وضاهوا شرعه برسم المضادة .

فلا يتقدم المعزر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين يدي أصحابه ، رضي اله عنهم ، كما لا يتقدم بين يديه ، وإن لم يكن لهم من العصمة ما له ، فــ : "هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل ، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى ، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" ، كما أثر عن الشافعي ، رحمه الله ، وَ : "اعْلَمْ رَحِمَك اللَّهُ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي الدِّينِ لَيْسَتْ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ الْقُرْآنَ بِلَا سُنَّةٍ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُ أَوْ أَثَرٍ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعْرِفُ ذَلِكَ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ فَهُمْ شَاهَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدُوا تَنْزِيلَهُ وَمَا قَصَّهُ اللَّهُ لَهُ فِي الْقُرْآنِ وَمَا عُنِيَ بِهِ وَمَا أَرَادَ بِهِ أَخَاصٌّ هُوَ أَمْ عَامٌّ ؟ فَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِلَا دَلَالَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَهَذَا تَأْوِيلُ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ قَدْ تَكُونُ خَاصَّةً وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمًا عَامًّا وَيَكُونُ ظَاهِرُهَا عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّمَا قُصِدَتْ لِشَيْءِ بِعَيْنِهِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَرَادَ وَأَصْحَابُهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنَّا لِمُشَاهَدَتِهِمْ الْأَمْرَ وَمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ" ، كما أثر عن أحمد ، رحمه الله ، فــ : "لِلصَّحَابَةِ فَهْمٌ فِي الْقُرْآنِ يَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا أَنَّ لَهُمْ مَعْرِفَةً بِأُمُورٍ مِنْ السُّنَّةِ وَأَحْوَالُ الرَّسُولِ لَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُمْ شَهِدُوا الرَّسُولَ وَالتَّنْزِيلَ وَعَايَنُوا الرَّسُولَ وَعَرَفُوا مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ مِمَّا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى مُرَادِهِمْ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ فَطَلَبُوا الْحُكْمَ مَا اعْتَقَدُوا مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ" . اهــ

ولا يحدث المتأخر قولا ينقض إجماعهم فهو باطل قطعا لمكان العصمة لمجموع الأمة وأولى طباقها بذلك : الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فــ : "إن الهدى يدور مع الرسول حيث دار ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط بخلاف أصحاب عالم من العلماء فإنهم قد يجمعون على خطأ بل كل قول قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما إلى عالم واحد وأصحابه ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول قبل وجود المتبوعين الذين تنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة فلا بد أن يكون قوله إن كان حقا مأخوذا عما جاء به الرسول موجودا فيمن قبله وكل قول قيل في دين الإسلام مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه فإنه قول باطل" . اهــ من "منهاج السنة"

بل ولا يحدث قولا ينقض القدر المجمع عليه في أقوالهم في المسألة الواحدة ، فلا يجمعون على خلاف الحق ولو في الجزء ، فإجماعهم في الأصول عاصم واختلافهم في الفروع راحم .

فأين ذلك من ازدراء أهل زماننا لأقوالهم بل ولأقوال من هو أعلى منهم رتبة ، فإهدار أقوالهم قد هان عليهم من باب أولى .

ومن تعزيرهم :
الاحتجاج بإجماعهم فذلك محل إجماع في كل طباق الأمة فهم أولى الناس بذلك فهم خير طباق العالمين بعد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، والاحتجاج بقول آحادهم إن لم يظهر له مخالف ، على تفصيل في ذلك فهو مذهب الحنابلة ، رحمهم الله ، فعده أحمد ، رحمه الله ، في أصوله ، فموقوف الصحابي الصحيح عنده خير من المرفوع إلى صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإسناد فيه ضعف ، ولو يسيرا ، فالمشهور عنه الاحتجاج بالضعيف ، كما قد أشار إلى ذلك ابن الوزير ، رحمه الله ، بقوله :
"وقد روى الحافظ ابن كثير في ((جزء جمعه في أحاديث السباق)) عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم يكن في الباب حديث صحيح يدفعه , وأنّه روى في المسند أحاديث كثيرة من هذا القبيل , وذلك على سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث , ولا بمقادير الضّعف , وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع , وما فيه خلاف" . اهــ
"الروض الباسم" ، (1/162) .

فروي أن قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف : "حجة يقدم على القياس ويخص به العموم وهو قول مالك والشافعي في القديم ، (فكان قول الصحابي عنده حجة ثم لم يحتج به في الجديد) ، وبعض الحنفية وعنه ، (أي : أحمد رحمه الله) : ما يدل على أنه ليس بحجة . وبه قال عامة المتكلمين والشافعي في الجديد ، واختاره أبو الخطاب ، لأنه يجوز عليه الغلط والخطأ والسهو ، ولم تثبت عصمته ، ويجوز للصحابة مخالفته فلم ينكر أبو بكر وعمر على مخالفيهما" . اهــ
بتصرف من "تلخيص الروضة" ، (1/330 ، 331) .
فإن لم تكن لهما العصمة وإن كانا شيخي قريش بل والأمة ، فلا ينكران على المخالف بل يقبلان قوله إذا صح دليله ، فكيف بمن بعدهما من الأئمة والمفتين ، فقد تعصب قوم من المتأخرين والمعاصرين لأئمة وشيوخ ليس لهم من التقدم والسبق ، والعلم والفضل معشار ما للشيخين ، رضي الله عنهما ، فانتفاء التعصب لهما ينتفي به التعصب لمن دونهما من باب أولى ، فلا يتعصب لأحد مطلقا إلا صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمكان العصمة ، فينتصر لقوله بل هو الدليل الذي يتأيد به المستدل ، فكل يستدل بكلامه إلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسنته من أصول الأحكام الكلية وبنصوصها يستدل في الفروع الجزئية ، فهي الأصل الثاني الذي به يكون التفسير والبيان لمجمل الكتاب .

فــ : "لا ينتصر لشخص انتصارا مطلقا عاما إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما إلا للصحابة رضي الله عنهم أجمعين" . اهــ من "منهاج السنة" .

وخصه ، (أي : الاحتجاج بقول الصحابي) ، قوم بالخلفاء الأربعة ، فلهم سنة متبوعة فــ : "قال قوم : الحجة قول الخلفاء الراشدين لقوله صلى الله عليه وسلم : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)" . اهــ
"تلخيص الروضة" ، (1/331) .
و : "ذهب آخرون إلى أن الحجة قول أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ)" . اهــ
"تلخيص الروضة" ، (1/332) .
وتلك إحدى الروايتين عن أحمد ، رحمه الله ، كما ذكر ابن تيمية ، رحمه الله ، في : "مجموع الفتاوى" .

وحجة من احتج بقولهم : القياس على قول المجتهد فيلزم العامي تقليده مع انتفاء العصمة عنه ، فيقبل قوله المظنون فقبول قولهم أولى ، فــ : "رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" ، كما تقدم من كلام الشافعي ، رحمه الله ، فهم : "أقرب إلى الصواب ، وأبعد من الخطأ ، لحضورهم التنزيل وكلام الرسول فهم كالعلماء مع العامة" . اهــ
"تلخيص الروضة" ، (1/333) .

فما كان من قولهم لا مجال فيه للرأي ، وكان راويه ممن لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات ، ولم يكن من باب البيان لغريب لفظ أو مشكل معنى ، فذلك مما يحتمل الرأي ، فما كان من قولهم على هذا الوصف ، فله حكم الرفع ، فهو موقوف لفظا مرفوع حكما ، فإن كان للرأي فيه مجال ، ولم يعلم له مخالف ، مع اشتهاره ، فهو حجة فالإجماع السكوتي لا سيما إجماع الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، حجة عند الأكثر ، فذلك رسم العصمة العامة لمجموع الأمة ، وأولى الناس به : خير طباق البشر بعد الأنبياء والرسل عليهم السلام ، فلإجماعهم من الحجية ما ليس لإجماع من جاء بعدهم ، وإن عصم الجميع من الاجتماع على ضلالة ، فالنص عام : "إن الله قد أجار أمتى أن تجتمع على ضلالة" على كلام في إسناده فالمعنى قد ورد من عدة طرق يحصل باجتماعها من القوة ما يصيرها صالحة للاحتجاج ، والله أعلم .

قال في "المذكرة" :
" حاصل تحرير هذه المسألة : أن قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان :
الأولى : أن يكون مما لا مجال للرأي فيه .
الثانية : أن يكون مما له فيه مجال .
فإن كان مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع كما تقرر في علم الحديث , فيقدم على القياس ويخص به النص , إن لم يعرف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات وإن كان مما للرأي فيه مجال , فإن انتشر في الصحابة ولم يظهر له مخالف فهو الإجماع السكوتي وهو حجة عند الأكثر وإن علم له مخالف من الصحابة فلا يجوز العمل بقول أحدهم إلا بترجيح بالنظر في الأدلة ....... وإن لم ينتشر فقيل : حجة على التابعي ومن بعده لأن الصحابي حضر التنزيل فعرف التأويل لمشاهدته لقرائن الأحوال , وقيل ليس بحجة على المجتهد التابعي مثلا لأن كليهما مجتهد يجوز في حقه أن يخطئ وأن يصيب . والأول أظهر . وعن أحمد لا يخرج عن قول الخلفاء الأربعة , فقولهم عنده حجة وليس بإجماع" . اهــ
بتصرف من : "مذكرة أصول الفقه" ، ص198 .

ومن تعزيرهم : بيان خلافهم فهو مظنة الرحمة ، فلم يختلفوا في أصول الديانة العلمية والعملية ، بل : "كان المسلمون أمّة واحدة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأيّام الخلفاء الرّاشدين - رضي الله عنهم - , ليس بينهم خلاف في أمر العقيدة , وعلم من النبي - صلى الله عليه وسلم - , ومن الخلفاء الرّاشدين والسّلف الصّالحين أن الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو : سبيل الهدى ومنهج الحقّ وطريق السّلامة" . اهــ
"الروض الباسم" ، (2/5) .
فاختلفوا في الفروع ، فــ : "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ فَخَالَفَهُمْ رَجُلٌ كَانَ ضَالًّا وَإِذَا اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا وَرَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا كَانَ فِي الْأَمْرِ سَعَةٌ" . اهــ كما أثر عن عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فخلافهم في الفروع سائغ ، وإن كان الحق واحدا لا يتعدد ، فيكون رحمة إذ كان في الفروع ، في مقابل خلاف من جاء بعدهم فهو الفرقة والعذاب ، فقد اختلفوا في الأصول ، فيكفر بعضهم بعضا ، فثمرة خلافهم نافعة ، وثمرة خلاف من جاء بعدهم ضامرة ، بل وربما عديمة ، فقد كثر الخلاف اللفظي في الأعصار المتأخرة ، لا سيما في علم الأصول بعدما شابه المتكلمون بفنون الجدال والنظر المتكلف بلا جدوى ، عند التدبر والنظر ، فخاضوا في مسائل من قبيل : هل المباح مكلف به أو لا ؟ ، "مختصر الروضة" ، (1/70) ، وهل يجوز الأمر بالمحال ، "مختصر الروضة" ، (1/83) ، ومن جوزه في العقل لم يقل بوقوعه في الشرع ، فالحرج مرفوع شرعا برسم : (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) ، وكذلك الشأن في عصمة الأنبياء عليهم السلام فمن جوز عليهم الكبائر ، فإنما أراد بذلك الجواز العقلي لا الجواز الفعلي ، وتكليف الكافر بفروع الشريعة فليس له ثمرة في التكليف في الدار الأولى ، وإن ظهرت في الجزاء في الدار الآخرة ، فــ : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) ، والأمر بالشيء هل عين النهي عن ضده أو يستلزمه ؟ ، "مختصر الروضة" ، (1/78) ، والوجوب الإعلامي والوجوب الإلزامي عند بعض الأصوليين من المالكية رحمهم الله . "تلخيص الروضة" ، (1/86) .

فتلك صور من خلاف المتأخرين فكثير منها قليل الجدوى ، في مقابل عظم الجدوى من خلاف المتقدمين حتى حال ملابستهم الفتنة .

فهم الشهود العدول ، فأول الناس دخولا في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، أول الناس دخولا فيه : قرنهم ، وإن لم يمنع ذلك دخول غيرهم متى التزموا الجادة ، فساروا على منهاج النبوة في القول والعمل ، في الظاهر والباطن . فامتازوا عمن جاء بعدهم بتعديل الوحي لهم ، وإن عدلت الأمة من بعدهم بعصمة إجماعها ، ولكنه لا يبلغ مرتبة إجماع الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فهو إجماع خير البشر بعد الأنبياء والرسل ، عليهم السلام ، فــ :
"الذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف أن الصحابة رضي الله عنهم معلومة عدالتهم بتعديل الله وثنائه عليهم قال الله تعالى : (والسابقون الأولون) ، وقال : (لقد رضي الله عن المؤمنين) وقال : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "خير الناس قرني" ، وقال : "إن الله اختارني واختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا" ، فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم ولو لم يرد لكان فيما اشتهر وتواتر من حالتهم في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبذل المهج ما يكفي في القطع بعدالتهم وهذا يتناول من يقع عليه اسم الصحابي ويحصل ذلك بصحبته ساعة ورؤيته مع الإيمان به" . اهــ من "روضة الناظر" .

وقال ابن الصلاح ، رحمه الله ، في "المقدمة" : "للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة ، قال الله تبارك وتعالى : (كنتم خير أمة أخرجت للناس) "آل عمران : 110" . الآية ، قيل : اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) "البقرة : 142" . وهذا خطاب مع الموجودين حينئذ ......." . اهــ
ثم قال : "إن الأمة مجمعة على تعديل الصحابة ومن لابس الفتن منهم ، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحسانا للظن بهم ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع إحسانا للظن بهم ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم" . اهــ

قال ابن حزم ، رحمه الله ، في "الإحكام" : "وكلهم عدل إمام فاضل رضي فرض علينا توقيرهم وتعظيمهم وأن نستغفر لهم ونحبهم وتمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك وجلسة من الواحد منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عبادة أحدنا دهره كله وسواء كان من ذكرنا على عهده عليه السلام صغيرا أو بالغا فقد كان النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم أجمعين من أبناء العشر فأقل إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما الحسين فكان حينئذ ابن ست سنين إذ مات الرسول صلى الله عليه وسلم وكان محمود بن الربيع ابن خمس سنين إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعقل مجة مجها النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه من ماء بئر دارهم وكلهم معدودون في خيار الصحابة مقبولون فيما رووا عنه عليه السلام أتم القبول وسواء في ذلك الرجال والنساء والعبيد والأحرار" . اهــ

قال النووي رحمه الله : "الصحابة كلهم عدول ، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به" .

وقال السخاوي : "وهم رضي الله عنهم باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقا كبيرهم وصغيرهم ، لابس الفتن أم لا . وجوبا لحسن الظن ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر من امتثال أوامره بعده وفتحهم الأقاليم وتبليغهم عنه الكتاب والسنة وهدايتهم الناس ، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات من الشجاعة والبراعة والكرم والآثار والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة" . اهــ
وقال ابن الجوزي : "أجمع صالحو هذه الأمة وعلى رأسهم السلف الكرام على استهجان واستقباح النيل من أحد الصحابة ، وهجروا فاعله ورموه بالرزيات وأوقعوا به ، شتى العقوبات ، وقد توعده القرآن والسنة بالخزي في الحياة وبعد الممات ، قال تعالى : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) "النساء : 115" . ومن المؤمنون حين نزول هذه الآية غير الصحابة ؟ فجهنم لمن اتبع غير سبيلهم . فكيف بمن سبهم وشتمهم وأبغضهم ؟" . اهــ

وقال أبو الحسن الأشعري : "وأجمعوا ، (أي : أهل السنة والجماعة) ، على النصيحة للمسلمين والتولي لجماعتهم وعلى التوادد في الله والدعاء لأئمة المسلمين والتبري ممن ذم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأزواجه ، وترك الاختلاط بهم ، والتبري منهم" . اهــ

وللصحابة من الطرائق العلمية والعملية ، الحكمية والسياسية ، ما استوفى أجناس المشروع فحياتهم : تأويل الوحي المعصوم ، فمن أراد النجاة فليتأول الشريعة تأولهم ، وليسر على منهاجهم فهو منهاج النبوة .

ومن عجب أن أعداء الإسلام والسنة مع تباين مشاربهم وأهوائهم قد أجمعوا أمرهم وشركاءهم على أهداف مشتركة تصب كلها في قناة القدح في الديانة ، فمن أبرزها : الطعن في الصدر الأول فالكافر الأصلي ، والعلماني ، والمحدث في الديانة بالطعن في الصحابة ، رضي الله عنهم ، يجمعهم بغض الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فهم نقلة الوحي الذي يجد أولئك في أنفسهم حرجا مما قضى به فلا يسلموا له تسليما .

يقول مالك رحمه الله :
"إنما هؤلاء أقوم أرادوا القدح في النبي عليه الصلاة والسلام فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال : رجل سوء ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين" . اهــ
نقلا عن : "الصارم المسلول" ، ص401 .

فحب الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، مئنة من السنة ، بمعناها الاعتقادي ، فصار يطلق في مقابل البدعة ، فــ : "حب الخلفاء الراشدين وموالاتهم يضاف أهله إلى السنة لأن الطاعنين فيهم أهل بدعة" . اهــ من "النبوات" ، فشأنه في ذلك شأن كل ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من أصول الدين ومسائله العلمية ، فإن كل علم ديني : خبري أو إنشائي ، حكمي أو رياضي ، حدث بعد زمانهم مع قيام الحاجة إليه في زمانهم وانتفاء المانع من الخوض فيه ، هو علم حادث برسم الابتداع في الدين ، فيوسم أهله إجمالا بأهل البدعة ، فإن كان الخلاف في أصل كلي ، كتعديل الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وموالاتهم ، فصاحبه مبتدع بعينه ، داعيا كان أو تابعا ، وإن كان الخلاف في فرع جزئي ، علمي أو عملي أحدثه المتأخرون على غير منهاج المتقدمين ، فالقول أو الفعل بدعة في نفسه ، ولا ينسب صاحبه إلى البدعة ، وإن كان قوله خلاف الحق وفعله خلاف الشرع ، فلا ينسب إلى البدعة من وافق أهلها في فرع ، وإنما ينسب إليها من وافقهم في أصل كلي أو جملة عظيمة من الفروع تجعل حاله الغالبة في قوله وعمله موافقةً لهم ، وهذا مقتضى العدل في الأحكام ، فلا توسيع لدائرة الأسماء والأحكام بنبز أهل الفضل ممن زلوا في مسألة أو جملة مسائل في العلم والعمل مع صحة الأصول بنبزهم بالبدعة والمروق ، ولا تضييق بإخراج أهل البدعة من دائرة الاتهام وإدخالهم في رسم السنة .

والصدر الأول ، رضي الله عنهم ، قد تأولوا أخبار الرسالة وأحكامها ، فكانت حياتهم على منهاجها تصديقا وامتثالا ، فصدقوا الوحي في خبره ، وامتثلوا لأمره ونهيه ، وجاءت فعالهم المسددة ، وطرائقهم المحكمة في العلم والعمل ، في التصور والحكم ، في العقد الباطن والشعار الظاهر ، في الأخلاق والزهد ، في السياسة والحكم ، في السلم والحرب ...... إلخ ، جاءت صورةً مثلى تصلح للاقتداء فهي القدوة الثانية بعد الأسوة الأولى فــ : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ، فالتأسي به مطلق ، لمكان العصمة في التحمل والأداء ، في القول والفعل والتقرير ، بل والإشارة والتنبيه ، والاقتداء بهم اقتداء بمجموع راشد ، إجماعه عصمة وخلافه رحمة ، كما قد قرر بعض المحققين ، فلم يختلف في أصل من علم أو عمل ، ولم يشتجر في أمر دنيا ، فتنازل خالد لأبي عبيدة عن القيادة ، وعزل عمير نفسه عن الإمارة ، فتنوعت طرائقهم الراشدة في سياسة النفس فمنهم الصائم ومنهم القارئ ، وسياسة الجماعة فمنهم المركزي كعمر ، رضي الله عنه ، ومحاسبته لولاته أمر قد اشتهر ، ومنهم اللامركزي كعثمان ، رضي الله عنه ، فأباح للأصحاب ، رضي الله عنهم ، التفرق في الأمصار برسم الجهاد وبث علوم الرسالة في الأمصار المفتوحة ، ومنهم من استخلف بوصية وقع الإجماع على إنفاذها ، كعمر ، رضي الله عنه ، ومنهم من استخلف باستفتاء وقع الإجماع فيه على عينه كعثمان رضي الله عنه ، ومنهم من تأول أحكام البغاة فتأويله محل اقتداء ، فعلي ، رضي الله عنه ، قد قاتل أهل الجمل وصفين ، فتأول قول الرب جل وعلا : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فكان قتاله : قتال المؤمن لأخيه برسم التأويل فمجتهد قد أصاب الأجرين ، وآخر لم يصب إلا الأجر ، فعذر التأويل في حقه حاصل وبه يرتفع الحكم والإثم معا ، بل ويثبت الأجر ، فهم أهل الاجتهاد والفقه ، ومنهم من تأول قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فأصلح الرب ، جل وعلا ، به بين طائفتين برسم : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ" ، فــ : "فأصلح الله به بين أصحاب علي وأصحاب معاوية فمدح النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بالإصلاح بينهما وسماهما مؤمنين وهذا يدل على أن الإصلاح بينهما هو المحمود ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يكن تركه محمودا" . اهــ ، و : "مدح الحسن على الإصلاح بين الطائفتين وسائر الأحاديث الصحيحة تدل على أن القعود عن القتال والإمساك عن الفتنة كان أحب إلى الله ورسوله وهذا قول أئمة السنة وأكثر أئمة الإسلام وهذا ظاهر في الاعتبار فإن محبة الله ورسوله للعمل بظهور ثمرته فما كان أنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم كان أحب إلى الله" . اهــ من "منهاج السنة" ، ومنهم ومنهم ....... إلخ .

فقد جاء صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمناطات الأحكام ، وتأولها في الخارج برسم العصمة ، فالتأسي به مطلق ، وجاء الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، ليتأولوا تلك المناطات برسم الاجتهاد فليس لهم من عصمة الأعيان ما للنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلسان مقال أبي الحسن رضي الله عنهما : "أَلَا إِنِّي لَسْتُ بِنَبِيٍّ وَلَا يُوحَى إِلَيَّ وَلَكِنِّي أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اسْتَطَعْتُ فَمَا أَمَرْتُكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَحَقٌّ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي فِيمَا أَحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ" ، و : "مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ أَحَدٍ" ، فـــ : "اقتدوا بهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل الهدى ، واستسنوا بسنته فإنها أفضل السنن" ، فــ : "إذا حدثتم عن رسول الله فظنوا به الذى هو أهناه وأهداه وأتقاه" ، فالتأسي به صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما تقدم ، مطلق ، والتأسي بهم مقيد فإجماعهم قد عصم ، وهو خير من إجماع من يليهم ، وأقوالهم في المسألة الواحدة مما يرد إلى الوحي برسم : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، ولا يخرج عن الحق عن مجموع الأمة ، فلا يخرج عن مجموعهم من باب أولى ، فإن فات الصواب بعضهم فأفتى بالمرجوح ، فغيره بالراجح آت لا محالة ، فخلافهم خير من خلاف غيرهم ففي الفروع دون الأصول حاصل ، وبرسم الرحمة كائن ، لا كما هي الحال في زماننا ، فالخلاف قد صار معدن الأحقاد والضغائن بل والتساب والتشاتم وإن كان محله فرعا يسوغ فيه الخلاف ، واجتهادهم خير من اجتهاد غيرهم لما لهم من العلم بطرائق الألفاظ وقرائن المعاني فهم شهود التنزيل الخاتم ، فـــ :
كل خير في اتباع من سلف ******* وكل شر في ابتداع من خَلَف .

فهذا طرح السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، رضي الله عنهم ، طرح عام يحقق الاستقرار الخاص للفرد ، والاستقرار العام للجماعة ، طرح الصديق الأسيف ، رضي الله عنه ، فرقته معهودة ، فإذا تعلق الأمر بالدين فشدته مستغربة ، وخيل مناياه مسرجة ، فلسان حال أهل الردة :
ألا يا صبحينا قبل خيل أبي بكر ******* لعل المنايا قريب وما ندري .

فهذا طرحهم الكامل ، وهذا جيلهم الفاضل ، فهم قدوتنا في كل قول وفعل ، فماذا قدم العلمانيون بديلا عنه وعنهم ، ومن قدوتهم في طرحهم الفاشل ؟! .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
12-05-2011, 04:38 PM
ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعزير أزواجه رضي الله عنهن


لا سيما الصديقة عائشة ، رضي الله عنها ، فرميها بالإفك مروق من الديانة يستوجب القتل مطلقا ، كما قد نص عليه مالك ، رحمه الله ، فــ : "من سب عائشة قتل لأن الله تعالى يقول : {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فمن سب عائشة فقد خالف القرآن ، ومن خالف القرآن قتل" . اهــ

وفي "الشفا" للقاضي عياض رحمه الله : "وروي عن مالك : من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل قيل له : لم ؟ قال : من رماها فقد خالف القرآن . وقال ابن شعبان عنه : لأن الله يقول : {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين} فمن عاد لمثله فقد كفر" . اهــ

وفي "المحلى" ، لابن حزم رحمه الله ، تعليقا على قول مالك رحمه الله : "قول مالك ها هنا صحيح , وهي ردة تامة , وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها . وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين , ولا فرق . لأن الله تعالى يقول : {الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون} فكلهن مبرآت من قول إفك - والحمد لله رب العالمين" . اهــ

وقال أبو يعلى رحمه الله : "من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف" . اهــ
وقال ابن عبد القوي رحمه الله : "وكان الإمام أحمد يكفر من تبرأ منهم ، (أي : الصحابة) ، ومن سب عائشة أم المؤمنين ورماها مما برّأها الله منه وكان يقرأ : {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}" . اهــ
فالتذييل بالشرط في قوله تعالى : (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، في معرض التهييج والإلهاب بتعليق الأمر على وصف الإيمان ، فقوله : "{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} توقيف وتوكيد ؛ كما تقول : ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلا " . اهــ من : "الجامع لأحكام القرآن" ، يدل بمفهومه على انتفاء وصف الإيمان عمن رمى عائشة ، رضي الله عنها ، بالبهتان ويستلزم في المقابل ثبوت ضده من وصف الكفران ، فنفي الشيء يستلزم بداهة ثبوت ضده كما أن الأمر به يستلزم بداهة النهي عن ضده كما قد قرر أهل الأصول والنظر .

قال القرطبي رحمه الله :
"قوله تعالى : {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ} يعني في عائشة ؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول المقول عنه بعينه ، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله ؛ وذلك كفر من فاعله ........ قال هشام بن عمار سمعت مالكا يقول : من سب أبا بكر وعمر أدب ، ومن سب عائشة قتل لأن الله تعالى يقول : {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فمن سب عائشة فقد خالف القرآن ، ومن خالف القرآن قتل . قال ابن العربي : ......... فإن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله تعالى فكل من سبها بما برأها الله منه مكذب لله ، ومن كذب الله فهو كافر ؛ فهذا طريق قول مالك ، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر . ولو أن رجلا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب" . اهــ
فقيست أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، على أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، فقد ورد الحكم على سببها ، والعبرة بعموم المعنى لا بخصوص السبب ، فمعنى الإذاية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عرضه وأهله في جميعها حاصل ، وهو الوصف المؤثر في تعليل الحكم فيدور معه وجودا وعدما ، كما قد قرر ذلك أهل الأصول ، فذلك من قياس التسوية الصحيح فليس الأصل بأولى من الفرع بالحكم ، فالمعنى المؤثر في كليهما حاصل على حد التساوي ، فحكم العقل الصريح : التسوية بينهما في الحكم .
فالحكم يتعدى إلى بقية أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، بعموم المعنى أو بالقياس الجلي ، كما أشار إلى ذلك القرطبي ، رحمه الله ، بقوله :
"قوله تعالى : {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ} يعني في عائشة ؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول المقول عنه بعينه ، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله ؛ وذلك كفر من فاعله" . اهــ

قال في "كشاف القناع" :
"( وَمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ ( وَمَنْ سَبَّ غَيْرَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَسَبِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ) لِعَدَمِ نَصٍّ خَاصٍّ ( وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَقَذْفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ) لِقَدْحِهِ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" . اهــ

فعموم المعنى ، وإن ورد على سبب خاص ، هو حادثة الإفك ، يدل ، كما تقدم ، على تساوي أفراده في الحكم ، فالمعنى في جميعهم قد تحقق ، وإن خص أحدهم بورود العموم عليه ، فذكره ينزل منزلة تفسير العام بذكر فرد من أفراده هو السبب الذي ورد عليه فهو أحق الأفراد دخولا فيه ، فأحق الناس بهذا الحكم هو : أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، فهي أشد زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ابتلاء في هذه النازلة فجاءت المنحة الإلهية لها بإنزال الآي على سببها تبرئة لساحتها .

قال ابن كثير رحمه الله :
"هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات - خُرِّج مخرج الغالب - المؤمنات .
فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ، ولا سيما التي كانت سبب النزول ، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما .
وقد أجمع العلماء ، رحمهم الله ، قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية ، فإنه كافر ؛ لأنه معاند للقرآن . وفي بقية أمهات المؤمنين قولان : أصحهما أنهن كهي ، والله أعلم" . اهــ

ونظير ذلك تفسير عموم قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فعن : سعيد بن جبير رحمه الله : "{ إن الذين } يعني من قذف عائشة { يحبون أن تشيع الفاحشة } يعني أن يفشوا ويظهر الزنا { في الذين آمنوا } يعني صفوان وعائشة { لهم عذاب أليم } يعني وجيع { في الدنيا والآخرة } فكان عذاب عبد الله بن أبي في الدنيا الحد وفي الآخرة عذاب النار { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }" . اهــ
فليس تفسير عموم الموصولات بأفراد بمخصص له ، بل يعمهم ابتداء ، فدخولهم فيه آكد فهو قطعي ، ويعم غيرهم تبعا فدخولهم فيه تال وهو ظني ، فمن أحب ذيوع الفاحشة في المؤمنين ، أيا كانت عينه وأعيانهم ، فله العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، شرعا بإقامة الحد أو كونا بالاستئصال أو ضنك العيش وضيق الصدر وضرب الذل وإن بدا عزيزا في الظاهر ، فإنهم : "وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه" .

وقد يقال بأن المعنى المؤثر هو تكذيب التنزيل فذلك كفر ، والطعن في عرضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك كفر آخر ، فالعلة في حق عائشة ، رضي الله عنها ، مركبة من التكذيب بنص بعينه والطعن في عرضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك من السب الذي يستوجب القتل مطلقا ، كما تقدم ، وأما في حق أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، فهي واحدة ، فلم ترم إحداهن بالإفك كما رميت عائشة ، رضي الله عنها ، لينزل في حقها نص بعينه ، وقد يقال بأن النص قد ثبت في حقهن عموما فالإجماع قد انعقد على طهارة فراش الأنبياء عليهم السلام ، والإجماع ينزل منزلة النص القطعي ، بل قد يقدم عليه ، فالإجماع قرينة تقطع بالمراد من النص المجمل فتصير ظني الثبوت أو الدلالة : قطعيا فتلقي الأمة بالقبول للفظه يصيره قطعي الثبوت كأحاديث الصحيحين وأكثرها آحاد قد احتفت بها قرينة التلقي بالقبول فصيرتها قطعية الثبوت ، وتلقي الأمة بالقبول لمعناه يصيره قطعي الدلالة ، فيقدم الإجماع على النص من هذا الوجه عند بعض أهل الأصول على تفصيل في ذلك .

قال في "الصارم المسلول" :
"وأما من سب غير عائشة من أزواجه صلى الله عليه وسلم ففيه قولان :
أحدهما : أنه كساب غيرهن من الصحابة ......
والثاني : وهو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة رضي الله عنها ...... وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص392 .

فذلك من قياس الأولى الصريح فإذا كان نكاحهن من بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والأصل في نكاح النساء ابتداء أنه مشروع ، فلما تعلق بحقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهي عنه فهو من الإذاية له عليه الصلاة والسلام ولو بعد وفاته ، فكيف بسب زوجاته ، بل وكيف برميهن بأعظم الرزايا ، فمعنى الإذاية فيه حاصل حصولا أقوى من حصوله في نكاحهن بعد وفاته ، فيثبت الحكم له من باب أولى .

وإلى طرف من ذلك أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله :
"والمرادُ بها عائشةُ الصِّدِّيقةُ رضي الله عنهَا . والجمعُ باعتبارِ أنَّ رميَها رميٌ لسائرِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ لاشتراكِ الكلِّ في العصمةِ والنَّزاهةِ والانتسابِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قولِه تعالى : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين } ونظائرِه ، (فيكون دخولهن في الحكم بالنص فسب واحدة منهن سب للجميع كما أن تكذيب رسول واحد تكذيب بعموم المرسلين عليهم السلام) ، وقيلَ : أمَّهاتُ المؤمنينَ فيدخلُ فيهن الصِّدِّيقةُ دُخولاً أوليًّا ، (فهي السبب الذي ورد عليه عموم اللفظ فلا يخصصه ، فورود العام على سبب لا يقصره على عين السبب وإنما يدخل فيها كل من تحقق فيه السبب فيقصره على صورة السبب فيكون دخول غيرها من أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، في الحكم بعموم المعنى فالقياس الجلي أو المساوي يدخلهن معها ، فتحققت العلة فيهن وهي الزوجية والفراش للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحققها فيها فتحقق الحكم فيهن تحققه فيها تبعا فذلك جار على أصول القياس العقلي الصريح ، فالمعنى المؤثر في وجود الحكم قد وجد فيهن فألحقن بالأصل المنصوص على حكمه) ، وأما ما قيل منْ أنَّ المرادَ هي الصِّدِّيقةُ والجمعُ باعتبارِ استتباعِها للمتَّصفاتِ بالصِّفاتِ المذكورةِ من نساءِ الأمةِ فيأباهُ أنَّ العقوباتِ المترتبةَ على رميِ هؤلاءِ عقوباتٌ مختصَّةٌ بالكفَّارِ والمنافقينِ ولا ريبَ في أنَّ رميَ غيرِ أمَّهاتِ المُؤمنين ليس بكفرٍ فيجبُ أن يكونَ المرادُ إيَّاهُنَّ على أحدِ الوجهينَ فإنهنَّ قد خصصنَّ من بين سائرِ المُؤمناتِ فجعل رميهنَّ كفراً إبرازاً لكرامتهنَّ على الله عزَّ وجلَّ وحمايةً لحمى الرِّسالة مِنْ أنْ يحومَ حوله أحدٌ بسوءٍ حتَّى إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما جعلَه أغلظَ من سائرِ أفرادِ الكفرِ حينَ سُئل عن هذه الآياتِ فقالَ : مَن أذنبَ ذنباً ثمَّ تابَ منه قُبلت توبتُه إلا مَن خاضَ في أمرِ عائشةَ رضي الله عنها وهَلْ هُو منه رضي الله عنه إلا لتهويلِ أمرِ الإفكِ والتنبيهِ على أنَّه كفرٌ غليظٌ" . اهــ بتصرف

فيقاس قذفهن ، كما تقدم ، على نكاحهن بعد قبض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك من قياس الأولى ، فعلة الحكم وهي : إيذاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، متحققة في الفرع أعظم من تحققها في الأصل ، فالقذف أعظم من النكاح ، وإيذاؤه بعد بلوغ الحجة وبيان المحجة وانتفاء العذر من إكراه ونحوه ، إيذاؤه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذا الوجه : كفر ، فهو مئنة من بغضه ، وبغض صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفر بها بداهة ، فالحب والبغض : تأويل ما يقوم بالقلب من إيمان يستلزم الحب ، وكفر يستلزم ضده من الكره ، بداهة ، فمن آمن بشيء أحبه ، ومن كفر به ، أبغضه ، فالقياس مطرد منعكس ، لا مخصص له ، فهو من جملة الضرورات العقلية والإرادية التي يجدها كل مكلف في نفسه اضطرارا ، فيدركها صراحة بحسه الباطن ، كسائر المدركات الوجدانية ، فلا يملك إلا أن يحب من يؤمن به ، ويبغض من يكفر به ، فلا تجتمع محبة المعبود ، ولو باطلا ، في القلب ، مع محبة ضده ، أو محبة من يكفر به ، فذلك تأويل عقد الولاء للمعبود حبا ، والبراء من عدوه ومن يكفر به كرها ، فلا يتصور اجتماع الضدين : الحب والكره ، في محل واحد من وجه واحد في آن واحد ، وذلك ما يدحض فرية وحدة الأديان أو أخوة الأبدان بين المتخالفين في الدين ، فكيف تجمعهما أخوة ، وهما قد افترقا ، فلا يجمعهما لمن تحرى العدل والقسط ، لا يجمعهما إلا البر لمن هو له أهل ، فــ : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فلم يقل : أن تحبوهم فذلك متعذر في الطبع والعقل قبل الشرع ، فعقد الديانة أعظم عقد وإن أنكره من يروج لمخدر وحدة الجنس أو اللغة أو الوطن ....... إلخ ، فيروم إبطال ضرورة نفسانية مركوزة في طبائع البشر ، فعقد الدين أعظم عقد ينتصر له ويوالى ويعادى عليه ، وإن أنكر ذلك من أنكر من العلمانيين وأصحاب الطرح اللبيرالي أو الإلحادي الصريح ، فهم يصادمون بطرحهم المتكلف بدائه الفطرة والحس ، وضرورات العقل فضلا عن نصوص الشرع التي يزدرونها ابتداء ! ، والتنزيل قد حسم النزاع في هذا الباب فــ : (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) ، و : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ، فمن بذل ما بذل من استرضاء من لا يرضى فهو كمن يحرث في الماء فلا يناله إلا التعب والنصب بلا جدوى ، فغاية الأمر بين المتخالفين في الملة أو حتى النحلة وإن جمعتهما قبلة واحدة ، غاية أمرهم : التعايش ، وإن كانت السنة الكونية ماضية برسم التدافع بين الحق والباطل ، ولو في ميادين الجدال بالحجة والبرهان ، فضلا عن تدافعهما في ميادين النزال بالسيف والسنان ، وليس ذلك بذريعة إلى الظلم والجور ، بل لكل حكمه وحقه ، فحق المعاهد أعظم من حق المحارب ، وحق الجار أعظم من حق البعيد ...... إلخ ، والفقه كل الفقه بتحقيق مناط كل حكم في محله ، فلا يحقق مناط الجلال في موضع الجمال ، فذلك من الإفراط ، ولا يحقق مناط الجمال في موضع الجلال ، فذلك من التفريط .

والشاهد أن القياس الأولوي هنا صحيح صريح ، وقد خرج من عمومه من لم تبلغه الحجة ، فقد آذى أقوام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يكفروا بذلك فــ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) ، فلم يعلموا أن ذلك مما يؤذيه ، ولو علموا ما اقترفوه ، فهم أحرص الناس على مرضاته ، وهم أشد الناس تعظيما لحرماته ، فلم يتعمدوا إيذاءه ، وذلك مما يستأنس به من يرد المعاني التي لم يرد حدها في الشرع إلى العرف كالسب والأذى والسفر ..... إلخ ، فما كان أذى في عصر أو مصر لجريان العرف بذلك قد لا يكون كذلك في عصر أو مصر آخر ، بل قد يكون من الإكرام الذي يحمد فاعله ، واعتبر بدلالات بعض الألفاظ التي تطلق في أعصار أو أمصار فتكون مدحا ثم يتغير العرف فيطرأ على دلالاتها التغيير تبعا فتصير ذما بل وسبا وقدحا ! .

وقال في "الصارم المسلول" في موضع آخر :
"وروى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية : {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} [ النور : 23 ] قال : هذه لأمهات المؤمنين خاصة .
وروى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال : هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال معمر عن الكلبي : إنما عني بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال تعالى أو يتوب ، (كما في قوله تعالى : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ") ، ووجه هذا ما تقدم من أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون اللام في قوله : { المحصنات الغافلات المؤمنات } لتعريف المعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأن الكلام في قصة الإفك ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة أو تقصير اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك .
ويؤيد هذا القول أن الله سبحانه وتعالى رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات وقال في أول السورة : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } الآية [ النور : 4 ] فرتب الجلد ورد الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات وذلك ـ والله أعلم ـ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة ، (وهذا أمر محل إجماع قطعي فهو من مما تواتر نقله فضلا عن معناه الذي يدل عليه العقل بداهة فصيانة عرضهن من القدح بالقذف من المعلوم الضروري ، وبراءتهن من وصمة الكفر أمر قد ثبت لهن فالبراءة الأصلية تشهد لكل مؤمنة بذلك فكيف بأمهات المؤمنين ، فيستصحب الأصل إلى أن يرد الناقل عنه ، فمن ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل ، وهذا ، كما تقدم ، مما يثبت لآحاد المؤمنات ، فثبوته لأمهات المؤمنين حاصل من باب أولى ، فذلك قدر مشترك بينهن وبين سائر نساء المؤمنين ثم قد زيد في حقهن ما اختصصن به من النص الصحيح الصريح على إيمانهن قطعا في نفس الأمر فهم أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدنيا والآخرة ، فضلا عن التعديل العام لصدر الأمة الأول ، رضي الله عنهم ، وأمهات المؤمنين منه بداهة بل هن من خير طباقه) ، وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان" . اهــ بتصرف


فعموم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) : مخصوص بمن : سب أمهات المؤمنين : زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا تقبل توبته أبدا ، لدخوله في عموم قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، فهذه الآية في عائشة ، رضي الله عنها ، خاصة ، وقد ألحقت بها بقية أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، بجامع كونهن فراش النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمن طعن في عرضهن ، فقد طعن في عرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والطاعن في عرضه الشريف ، كافر بالإجماع ، وحكمه : القتل ، وإن تاب ، فيقتل ردة إن لم يتب ، ويقتل حدا إن تاب ، كما قرر ذلك أهل العلم .
وقد تقرر في الأصول أن : "دخول صورة السبب في عموم اللفظ قطعية" ، فلا تخرج بتخصيص أو قياس ، فلا يقال بأن عموم قبول التوبة في الآية الأولى مخصص لصورة عائشة ، رضي الله عنها ، في الآية الثانية ، لأنها صورة السبب الذي نزلت الآية الثانية عليه ، فدخولها فيها قطعي ، فلا يخرج بتخصيص عمومها بعموم قبول التوبة في الآية الأولى ، وقد دخلت معها أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، بالنص أو القياس ، على التفصيل السابق ، فلا يخرج قاذفهن بعموم قبول التوبة في الآية الأولى .

ويقول في موضع ثالث : "لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى الله عليه وسلم فلعن صاحبه في الدنيا والآخرة ولهذا قال ابن عباس : "ليس فيها توبة" ، لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلاما جديدا وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة" . اهــ

والطعن في أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، مما يتسلى به الزنادقة من المنتسبين إلى القبلة ، والكفار الأصليون فهم على دربهم يسيرون فقد أعطوهم مادة ثرية للطعن في الملة الإسلامية ، فأعطوهم حججا واهية على تحريف التنزيل أبطلها ابن حزم ، رحمه الله ، بتكفير من قال بذلك ، فليس من الإسلام في شيء ليحتج بقوله ، وجاء من جاء من قسس النصارى ليلمز أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، في حضرة الباقلاني ، رحمه الله ، فألزمه بحال البتول عليها السلام فقد : (أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) ، فمن أحق بالتهمة ؟! ، وإن كانتا منها منزهتين ، فبتول وصديقة لا يطعن في عرضهما إلا كافر مارق ، وإنما أراد الباقلاني ، رحمه الله ، الإلزام ليخرس قسس السوء ، ويذب عن عرض النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنفي الخبث عن فراشه الطاهر ، فــ : (الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ، وحال البتول عليها السلام إكمالا للقسمة ونفيا للشبهة : (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) .

وذلك أصل في إفحام الخصوم :
فبه يفحم النصراني المثلث فما أثبته من أدلة على ألوهية المسيح عليه السلام ، فمثلها بل وأعظم قد ثبت للكليم ، عليه السلام ، ونحن وهو نؤمن برسالته فذلك قدر مشترك يصح الاستدلال به على الخصم ، فإذا احتج بإحياء الموتى فقد ثبت ذلك لغير المسيح عليه السلام فلا اختصاص له به ، بل إن قلب العصا حية للكليم عليه السلام أعظم إعجازا فمادة الخشب ليست قابلة للحياة بالفعل أو بالقوة بخلاف أجساد البشر فإنها قابلة للحياة ولو بالقوة ، وكذلك الشأن في المائدة فجنس ما نزل على بني إسرائيل من المن والسلوى أشرف من جنس ما نزل على الحواريين طعام المائدة ففيها السمك والملح ، وجنس الحلو أشرف بداهة من جنس المالح ، كما قد نوه بذلك ابن تيمية ، رحمه الله ، في "منهاج السنة" فــ : "معجزات الخليل وموسى أعظم بكثير وما ادعى أحد فيهما الإلهية فــ : معجزات نبينا ومعجزات موسى أعظم من معجزات المسيح وما ادعيت فيهما الإلهية كما ادعيت في المسيح" . اهــ بتصرف من "منهاج السنة" .


وبه يفحم السباب الذي يغلو في علي ، رضي الله عنه ، ويقدح في بقية الصحب ، رضي الله عنهم ، لا سيما الثلاثة ، رضي الله عنهم ، فما ثبت له من فضائل قد ثبت للثلاثة وزيادة بل ثبت للصديق والفاروق ، رضي الله عنهما ، من الخصائص ما لم يشركهما أحد فيه ، فــ : "رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ وَوُزِنَ عُمَرُ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ" ، وجاء في رواية قال الطبراني ، رحمه الله ، عن إسنادها : "غير محفوظ " ، كما في "كنز العمال" ، جاء فيها : "وزنت بالخلق كلهم فرجحت بهم، ثم وزن أبو بكر فرجح بهم ، ثم وزن عمر فرجح بهم ، ثم وزن عثمان فرجح بهم ؛ ثم رفع الميزان" ، فتلك طريق ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وجاءت من طريق أخرى عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، عند الطبراني ، رحمه الله ، أيضا ، كما في "كنز العمال" ، بلفظ : "لقد رأيت قبيل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين ، فأما المقاليد فهذه المفاتيح وأما الموازين فهذه التي تزنون بها ، ووضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة ، ثم جيء بأبي بكر فوضع في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجح بهم ، ثم جيء بعمر فوضع في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجح بهم ، ثم جيء بعثمان فوضع في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجح بهم ؛ ثم رفعت الموازين" ، فدخل عثمان ، رضي الله عنه ، في هذه الخصيصة ، فيثبت له منها إن صح الخبر ما لم يثبت لجميع الصحابة ، بما فيهم علي ، رضي الله عنه ، فالأسلم لمن يسب ويقدح أن ينطق بعلم ، ولا علم له بهذا الشأن ، أو يسكت بحلم وورع لئلا يفتضح جهله وكذبه .

وإلى هذا الأصل في مناظرة الخصوم وإفحامهم أشار ابن تيمية ، رحمه الله ، في "منهاج السنة" بقوله :
"أهل السنة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبد الله ورسوله ولا يغلون فيه غلو النصارى ولا يجفون جفاء اليهود والنصارى تدعي فيه الإلهية وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى بل تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد ابن أبي بكر والأشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق لكن إذا أردت أن تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له فقدر المناظرة بينه وبين اليهودي فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي إلا بما يجيب به المسلم فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن قدح في نبوته بشيء من الأشياء لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال له اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك فإن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح وبعد أمر محمد عن الشبهة أعظم من بعد المسيح عن الشبهة فإن جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق فالقدح فيما دونه أولى وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان فإنه إذا بطلت الشبهة القوية فالضعيفة أولى بالبطلان وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالثبات ولهذا كان مناظرة كثيرة من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية فإنهم عظموه وعرف النصارى قدره فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا ففطن لمكرهم فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه ففعل نقيض ما قصدوه ولما جلس وكلموه أراد بعضهم القدح في المسلمين فقال له : ما قيل في عائشة امرأة نبيكم يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقوله من الرافضة أيضا فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا مريم وعائشة فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج فأبهت النصارى وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم فثبوت كذب القادحين في عائشة أولى ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين ومحاسن إحداهما أكثر وأعظم ومساويها أقل وأصغر فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك أعظم كقوله تعالى : (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) ثم قال : (وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) . فإن الكفار عيروا سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام فقال تعالى هذا كبير وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة والسعادة إلا به وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هو أعظم من انتهاك الشهر الحرام لكن هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين فيه على ما يذم وأما النوع الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم بل هناك شبه في الموضعين وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر وشبهته أضعف وأخفى فيكون أولى بثبوت الحق ممن تكون أدلته أضعف وشبهته أقوى وهذا حال النصارى واليهود مع المسلمين وهو حال أهل البدع مع أهل السنة لا سيما الرافضة وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر وعلي فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة" . اهــ من "منهاج السنة" .

والله أعلى وأعلم .

طارق يسن الطاهر
13-05-2011, 11:18 AM
بارك الله فيك أخي مهاجرا
اللهم انفع بما تخط يمينك

اللهم ارزقنا حب نبيك وحب العمل بما ورد عنه
واتباع أوامره واجتناب نواهيه

والله اجز نبينا بخير ما تجزي به نبيا عن أمته
فقد أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة ،ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة

مهاجر
15-05-2011, 03:19 PM
جزاك الله خيرا على المرور والتعليق أخي أبا ياسين وأجاب دعائك .

ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : إثبات العصمة له ولغيره من الأنبياء عليهم السلام


فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الكذب والخطأ في البلاغ ، وإن جاز عليهم السهو والنسيان في غيره ، فــ : "العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التّبليغ , فقد وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه صلّى بعض الفرائض على الكمال , فقال له ذو اليدين : ((أقصرت الصّلاة أم سهوت يا رسول الله ؟ فقال : كلّ ذلك لم يكن)) الحديث , وهذا وهم , بناء على ما اعتقده - صلى الله عليه وسلم - (فلا ينزل ذلك منزلة الكذب فهو منتف بداهة عن الأنبياء ، عليهم السلام ، بل يحمل على السهو والنسيان في أمر لا يتعلق بالبلاغ فالعصمة فيه حاصلة وهو ما يقطع بعصمة إجماع الأمة من الخطأ فمستنده الوحي فإذا حفظ الأصل فالفرع له تبع ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ نفى الكون أخبر بما يعتقده في هذا الأمر ، فأخبر بالكائن في نفسه فهو يعتقد جزما أنه لم يكن ثم نقص في صلاته ، وإن لم يوافق الكائن في الخارج فقد ثبت سهوه فذلك عارض لا ينفك عنه بشر ، وإنما اختص الأنبياء عليهم السلام بالعصمة في البلاغ لمكان الرسالة فهي الحجة ، والحجة لا تقوم بداهة بما قد يتطرق إليه الخطأ أو النسيان ولو سهوا فضلا عن تعمد الكتمان أو الكذب فهو منتف من باب أولى فذلك من آكد الضروريات في هذا الشأن نقلا وعقلا ، فــ : (لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) ، على الفرض الجدلي المحض تنزلا مع الخصم لبيان كمال حفظ الرب ، جل وعلا ، لدينه فذلك موعوده الصادق فــ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، أو هو جار مجرى بيان مقادير الأعمال فيكون الخطاب له مواجهة والمراد غيره حكما للقطع باستحالة صدور ذلك منه لمكان العصمة وإلا بطلت الحجة الرسالية ، كما تقدم ، وهذا أصل في كل قول أو فعل يقطع الناظر فيه باستحالة صدوره من الأنبياء عليهم السلام لمكان عصمتهم ، فهو أصل في نصوص من قبيل : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فتأويله أيضا : لو فرض جدلا وقوع الشرك منك فعملك حابط فكيف بمن دونك فعملهم إن أشركوا حابط من باب أولى ، فالآية لبيان مقادير الأعمال ، فقد نوهت بحكم عام في جميع الأفراد وهو حبوط العمل الصالح بالشرك الطارئ فتنزل منزلة القاعدة الكلية التي خوطب بها خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن خرج من عمومها بأدلة تخصيص قد بلغت حد التواتر ، فــ : (إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، فخلقه القرآن فهل يتصور في حقه إشراك أو شك ، فما الفرض في قوله تعالى : (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ، إلا من هذا الجنس فما شك صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإنما أورد الأمر مورد الفرض أو الخطاب لمن بعده فإن شك أحد من أمته فعليه الرجوع إلى الأدلة ، فلا يؤمر بالشك ابتداء كما قال بعض المتكلمين ومن سار على طريقتهم من الفلاسفة المحدثين ، بل الأصل اليقين ، فإن طرأ الشك شبهة أو وسواسا ، فليرجع إلى الأدلة النقلية والعقلية ، ومن جملتها البشارات بالنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كتب الأولين فهي مما يرسخ الإيمان واليقين ببعثة خاتم المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد بلغت من الكثرة حد إفرادها بالتصنيف مع ما وقع فيه أهل الكتاب من تبديل وكتمان فأبى الرب ، جل وعلا ، إلا أن يقيم الحجة عليهم من مسطور كتبهم المبدلة فكيف لو كانت صحيحة محققة ؟! ، ومن قبيل ، (أي أدلة استحالة صدور الشرك منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ، ما تقدم من وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام فذلك أمر بدهي قد دل عليه النقل الشرعي الصحيح والقياس العقلي الصريح), والحديث في ((الصّحيح)) , وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((رحم الله فلاناً لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) رواه مسلم ...... بل قد نصّ القرآن على جواز النّسيان على أهل رتبة النّبوّة الذين هم أعلى طبقات البشر , فقال تعالى : { وَمَا أَرسَلنَا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيِّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [الحج :52] .
أي : إذا تلا ألقى الشّيطان في تلاوته على سبيل السّهو , ثمّ ينسخ الله ذلك , يعرّف الله الأنبياء والرّسل به , حتّى لا تبطل العصمة به عن الخطأ في التّبليغ . وقال سبحانه وتعالى في حقّ آدم - عليه السلام -: { فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [طه:115]" . اهــ
بتصرف من : "الروض الباسم" ، (1/81) .

فيجوز عليهم السهو والنيسان في غير التبليغ والبيان ، ويجوز عليهم اختيار خلاف الأولى فيما يسوغ فيه الاجتهاد من أمور الدنيا من حرب أو سياسة ، والوحي ، مع ذلك ، لا يقرهم على ذلك ، بل يرشدهم إلى الأولى فذلك من تمام العصمة ، كما في وقائع مشهورة من قبيل قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فذلك دليل من جوز الاجتهاد على الأنبياء عليهم السلام فلو اختاروا خلاف الأولى فالوحي لا يقرهم عليه ، كما ذكر ذلك الألوسي ، رحمه الله ، فــ : "استدل بالآية على أن الأنبياء عليهم السلام قد يجتهدون وأنه قد يكون الوحي على خلافه ولا يقرون على الخطأ ، وتعقب بأنها إنما تدل على ذلك لو لم يقدر في : { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ } لأصحاب نبي ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر مع أن الإذن لهم فيما اجتهدوا فيه اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام إذ لا يمكن أن يكون تقليداً لأنه لا يجوز له التقليد ، وأما إنها إنما تدل على اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام إذ لا يمكن أن يكون تقليداً لأنه لا يجوز له التقليد ، وأما إنها إنما تدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم لا اجتهاد غيره من الأنبياء عليهم السلام فغير وارد لأنه إذا جاز له عليه الصلاة والسلام جاز لغيره بالطريق الأولى" . اهــ

وهم معصومون من الكبائر ، فمن جوزها عليهم فإنما جوزها عقلا ، ولا يلزم من التجويز العقلي : الوقوع الشرعي ، فقد جوزها عليهم من جهة البشرية فالأصل فيها عدم العصمة إلا من خرج بتخصيص الشارع ، جل وعلا ، ، فآل الأمر إلى خلاف في اللفظ لا أثر له في الحكم ، فــ : "حكمهم قبل النّبوّة حكم سائر المسلمين , فلما كان الأمر كذلك , ولم يرد في حكمهم قبل النبوّة نصّ يرجع إليه , ولا إجماع يعتمد عليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني , وكثير من الأشعرية وكثير من المعتزلة : إلى أنّه لا دليل قاطع يدلّ على عصمتهم -عليهم السّلام- قبل النّبوّة , مع اعترافهم أنّ الأنبياء -عليهم السّلام- كانوا قبل النّبوّة في أرفع مراتب الفضل والكمال لكن قالوا : إنّ ذلك كان منهم كما كان من أفاضل المسلمين من غير دليل قاطع يدلّ على العصمة ، (وذلك مبحث في علم الكلام لم يعرج عليه أهل الحديث والأثر كما ذكر في موضع تال ، فهو قليل الجدوى فالجميع متفق على أن العصمة ثابتة لهم بعد النبوة فعصموا من الكبائر والخسائس ولو صغائر في الفعل وعصموا من الكذب أو الخطأ في القول وذلك يكفي الناظر في حالهم ليسلم لهم برسم الاتباع المطلق تصديقا في الخبر وتقليدا في الحكم فتقليد المعصوم : عصمة ، وهو عند التدبر والنظر ، عين الاجتهاد والفقه فيجتهد الناظر في تدبر دلائل النبوة لا في معارضة أخبارها بأساطير الأولين ، وأحكامها بقياس المتشرعين الذين نازعوا رب البرية جل وعلا منصب التشريع فهو من تمام ربوبيته وتأويله بالامتثال من تمام ألوهيته ، فأولئك نازعوه في توحيده فادعوا لأنفسهم من العلم والحكمة ما ليس لهم ، وتولوا من منصب التشريع ما ليس لهم ودعوا الناس إلى اتباع شرائعهم الحادثة فذلك الشرك في الاتباع)</u> ، والشاهد أن : من جوّز على الأنبياء - عليهم السّلام - شيئاً قبل النّبوّة لم يجز أن ينسب إليه القول بذلك بعد النّبوّة ، (فالجميع متفق على أن العصمة ثابتة لهم بعد النبوة كما تقدم) ، و : الذين جوّزوا هذا من متكلّمي المعتزلة والأشعرية لم يقولوا بوقوعه , بل هم معترفون أنّ الواقع خلافه , وأنّ الأنبياء - عليهم السّلام - كانوا قبل النّبوّة وبعدها من أعظم الخلق أمانة , وأحسنهم ديانة , وأطيبهم أعرافاً , وأكرمهم أخلاقاً .

وفرق بين القول بأنّ الأنبياء قبل النّبوّة كانوا من الفضلاء الصّالحين , لكنّهم كانوا غير معصومين , وبين القول بأنّهم كانوا قبل النّبوّة غير معصومين , ولا صالحين , فإنّ القول بعدم العصمة مع الاعتراف بالفضل والصّلاح لا يستلزم الاستهانة , ألا ترى أنّ جميع الأئمة والأولياء عند الجميع غير معصومين من الكبائر , مع أنّهم عندنا في أعلى مراتب الصّلاح , فليس يلحق : إبراهيم بن أدهم , وأويساً القرني , أمثالهم نقص ولا استهانة منّا حين لم نعتقد عصمتهم وليس يظهر للخلاف فائدة تحقيقية , ولكن تقديريّة ........ والمختار أنّ الأنبياء - عليهم السّلام - معصومون قبل النّبوّة بدلائل ظنّيّة وبعدها بدلائل قطعية" . اهــ

بتصرف واسع من : "الروض الباسم" ، (1/124 ، 125) .

فالمسألة ، كما تقدم ، تجري مجرى التجويز العقلي ، وليس كل ما يجوزه العقل يقع في الخارج ، فالممكن العقلي يفتقر إلى مرجح خارجي ففرق بين مجرد التجويز العقلي ، وحصول الأمر في الخارج بمرجح ، فالعقل قد يجوز أمورا يأتي الشرع بإثباتها فهو المرجح في الشرعيات ، كإرسال الرسل عليهم السلام فهو جائز ابتداء ، قد شاء الرب ، جل وعلا ، وقوعه ، فبعث الرسل ، عليهم السلام ، مبشرين ومنذرين ، فذلك المرجح الخارجي ، والعقل من وجه آخر قد يجوز أمورا يأتي الشرع بنفيها ، فيجوز على الأنبياء ، عليهم السلام ، بمقتضى البشرية : ارتكاب الكبائر ، فيأتي الشرع برسم العصمة ليرجح الطرف المقابل ، فيقطع بعصمتهم ، فذلك يشبه إلى حد كبير : مسألة التكليف بما لا يطاق ، فمن جوزه عقلا نفى وقوعه في الشرع ، فــ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، ويشبه ما جوزه بعض المتكلمين من إثابة العاصي وعقاب الطائع ، فلم يقل أحد منهم بوقوعه في الشرع ، بل قد جاء الوحي بترجيح ضده فــ : (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) ، فهم : "مصرّحون بأنّ ذلك لا يجوز بدليل السّمع القاطع , بل مجوّز ذلك يكفر عندهم بشكّه فيما هو معلوم من الدّين بالضّرورة" . اهــ من "الروض الباسم" ، (2/104) .
فجاز الأمر في العقل وامتنع في الشرع بل إن إثباته ناقض لأصل الدين بتكذيب الخبر المتواتر فهو من الضروري الذي لا يفتقر إلى استدلال أو نظر ، فمثله كمثل كفر فرعون وقارون وأبي جهل ، وكفر أهل الكتاب ، فالتوقف في كفرهم : شك في الخبر المتواتر يفضي بصاحبه إلى الالتحاق بهم ! .

والشاهد أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الجهل في الإلهيات والشرعيات ، فــ : "الأمّة أجمعت على عصمة الأنبياء - عليهم السّلام - عن الجهل بالله تعالى وصفاته وقواعد شرائعه , وعلى صحّة عقائدهم فيما يتعلّق بأفعال الله وحكمته وجلاله . وهذه القاعدة تقتضي المنع من تجويز وقوع المنازعة بين الأنبياء - عليهم السلام - في أمر من الأمور الدينية , فإن وقع بينهم ما يشبه ذلك علمنا أنّه ليس على طريق دفع الحقّ بالمماراة , ولا على سبيل اللّجاجة في المجادلة , وإنّما يكون على سبيل الموعظة والمعاتبة وطلب الزّيادة في المعرفة ، (كما وقع بين آدم وموسى عليهما السلام)" . اهــ من "الروض الباسم" ، (2/79) .

ومعصومون من الكذب أو الخطأ في البلاغ ، ومعصومون من الكبائر ، ومعصومون من صغائر الخسة ، ومن المباحات التي تقدح في المروءة ، فــ : "الأنبياء منزهة عن جميع الرذائل من البخل والجبن واللهو واللغو وسائر الأخلاق الذميمة ، كما أنهم مبرءون من لؤم النسب ، وشره القلب ، وحرص النفس على الدنيا ، ولهذا لم يبعث الله نبيا إلا في أشرف منسب أمته ، فلم يبعث نبيا من ذي نسب مبذول ، كما لم يبعث نبيا عبدا ولا لئيما ، ولا امرأة لعلو مرتبة الذكورة على الأنوثة مع طلب عدم الاشتهار مع النساء المطلوب للدعوة ، ولكون النفوس مائلة في ذواتهن بحسب الطبع فيغفلون عن مقالهن .

والحاصل اختصاص النبوة بأشرف أفراد النوع الإنساني من كمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي ولو في الصبا كعيسى ويحيى عليهما السلام ، والسلامة من كل ما نفر عن الاتباع كدناءة الآباء وعهر الأمهات والغلظة والعيوب المنفرة للطباع كالبرص والجذام ، والأمور المخلة بالمروءة كأكل على الطريق ، والحرف الدنية كالحجامة ، وكل ما يخل بحكمة البعثة ونحو ذلك ، وبالله التوفيق" . اهـــ من : "لوامع الأنوار البهية" . فخَلْق الأنبياء عليهم السلام أكمل خلق وخُلقهم أشرف خُلُق . فقد : "أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات , ومستند الجمهور في ذلك الإجماع هو مذهب القاضي أبي بكر ، (وهو : الباقلاني رحمه الله) , ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع , وهو قول الكافّة , واختاره الأستاذ أبو اسحاق . وكذلك لا خلاف أنّهم معصومون من كتمان الرّسالة والتّقصير في التّبليغ .
وذكر الإجماع على عصمتهم عن الصّغيرة التي تؤدّي إلى إزالة الحشمة , وتسقط المروءة وتوجب الخساسة . ثمّ قال : ((بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدّى إلى مثل ذلك ممّا يزري بصاحبه , وينفّر القلوب عنه)) . ثمّ ذكر القاضي الخلاف في عصمتهم قبل النّبوّة حتّى قال : ((والصّحيح تنزيههم من كلّ عيب , وعصمتهم من كلّ ما يوجب الرّيب)) . وذكر أيضاً قبل هذا عصمة الأنبياء - عليهم السّلام - من الصّغائر واختاره واحتجّ عليه وقال الفخر الرّازي في ((محصوله)) ما لفظه : ((والذي نقول به : إنّه لم يقع منهم ذنب على سبيل القصد لا صغير , ولا كبير , وأمّا السّهو فقد يقع منهم بشرط أن يذكروه في الحال , وينبّهوا غيرهم على أنّ ذلك كان سهواً)) ، (وهذا جار على قول من أثبت لهم العصمة مطلقا من الكبائر والصغائر معا) ......... وقال الإمام الحافظ أبو زكريا النّووي في كتاب ((الروضة)) : ((إنّ الأنبياء - عليهم السّلام - معصومون من تعمّد الذنوب ؛ صغيرها وكبيرها)) ........ وقال ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) : ((الإجماع على عصمتهم بعد الرّسالة من تعمّد الكذب في الأحكام , والإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر الخسّة)) .
وقال أبو عبد الله الذّهبيّ في ((النّبلاء)) وقد ذكر ما معناه : تنزيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأكل مما ذبح على النّصب قبل النّبوّة , فقال ما لفظه : ((وما زال المصطفى محفوظاً محروساً قبل الوحي وبعده .......... والذي لا ريب فيه أنّه كان معصوماً قبل الوحي وبعده , وقبل التّشريع من : الزنا قطعاً , ومن الخيانة , والغدر , والكذب , والسّكر , والسّجود لوثن والاستقسام بالأزلام , ومن الرّذائل , والسّفه , وبذاء اللسان , وكشف العورة , ولم يكن يطوف عرياناً , ولا يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة , بل كان يقف بعرفة))" . اهــ

بتصرف من : "الروض الباسم" ، (1/118 ، 119) .


ولا تثبت العصمة لأحد غيرهم فذلك مقام به قد اختصوا لمكان الرسالة والتبليغ ، فلا يقبل الشركة ، فــ : "لم يقل أحد من أهل السّنة بعصمة أحد من الصحابة في الباطن والظاهر , وكم بين القول بالعدالة في الظاهر , والقول بالعصمة في الباطن والظاهر" . اهــ
"الروض الباسم" ، (1/127) .

و : "الأنبياء معصومون من الإقرار على الذنوب فيتأسى بأفعالهم التي أقروا عليها لأن الإقرار عليها يقتضي أنها ليست ذنبا وأما غير الأنبياء فلا" . اهــ من "الاستقامة" .
فلا تثبت العصمة لغير الأنبياء ، عليهم السلام ، فإن النبي لمكان الاقتداء لا يقر على خلاف الأولى فكيف يقر على الذنب ، إن قيل بأن الصغائر غير المزرية ، وهي من جملة الذنوب ، تجوز في حقه ، كما ارتضى ذلك جمع من المحققين .

وذلك من توسط أهل السنة بين الغلاة في آل البيت ، عليهم السلام ، الذين قالوا بعصمة علي والأئمة من بعده ، رضي الله عنهم ، والجفاة من الخوارج الذين كفروا عثمان وعلي وجمهور الصحابة رضي الله عنهم جميعا .


والشاهد أن الأنبياء ، كما تقدم ، معصومون من الكبائر قبل وبعد النبوة ، ومنزهون عن السيئات المزرية من صغائر الخسة .



وأما العصمة من الصغائر غير المزرية ، فالجمهور على أنهم غير معصومين من الصغائر التي لا تقدح في المروءة ، فــ :
"الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ حَتَّى إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ كَمَا ذَكَرَ "أَبُو الْحَسَنِ الآمدي" أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ بَلْ هُوَ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَّا مَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ مَا يُوَافِقُ الْقَوْلَ" . اهــ من "مجموع الفتاوى" .

ومن نفى وقوع الصغائر غير المزرية منهم فقد تكلف في تأويل النصوص التي تثبت ذلك على وجه فاسد ، فــ : "الْمُنَازِعُونَ يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ النُّصُوصَ مِنْ جِنْسِ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّة وَالْبَاطِنِيَّةِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْبَابِ . وَتَأْوِيلَاتُهُمْ تُبَيِّنُ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا أَنَّهَا فَاسِدَةٌ مِنْ بَابِ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ . كَتَأْوِيلِهِمْ قَوْلَهُ { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } الْمُتَقَدِّمُ ذَنْبُ آدَمَ وَالْمُتَأَخِّرُ ذَنْبُ أُمَّتِهِ وَهَذَا مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ" . اهــ

وقد أورد أصحاب هذا القول شبهتين :
الأولى : أن ذلك يستوجب الوقوع في المعصية ، ولو صغيرة ، لمكان التأسي بالأنبياء ، عليهم السلام ، وذلك إنما يصح لو أقروا عليها ولكن الرب ، جل وعلا ، لا يقرهم عليها ، فلا يقرهم على خلاف الأولى في اجتهادات الدنيا في السياسة أو الحرب ....... إلخ ، فكيف بأمور الدين ، فعادة الرب ، جل وعلا ، في أوليائه أن يوفقهم إلى الإسراع والمبادرة إلى التوبة ، وذلك مما اعتذر به المحققون عن وقوع الكبائر من الصحابة ، رضي الله عنهم ، فليسوا معصومين منها خلافا للأنبياء عليهم السلام ، فعادة الرب ، جل وعلا ، فيهم ، أيضا ، أن يوفقهم إلى الإسراع في التوبة ، كما هي حال ماعز والغامدية ، رضي الله عنهما ، فــ : "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، و : "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ" ، فضلا عما لهم من الحسنات الماحيات ، فكذلك شأن الأنبياء ، عليهم السلام ، في الصغائر ، فيوفقهم الرب ، جل وعلا ، إلى التوبة ، فقد تأول صلى الله عليه وعلى آله وسلم النهي في قوله تعالى : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، فكان يقول : "ما أنا بطارد المؤمنين" ، فتلك حجة الرب ، جل وعلا ، آتاها نوحا والنبيين من بعده ، فــ : (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) ، و : (مَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فحملها النبي الخاتم عن النبي الأول ، فــ : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) ، فبها استدل بعض أهل العلم على أن نوحا عليه السلام أول الأنبياء ، فدعوى المرسلين واحدة : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، وطريقتهم في البلاغ والصبر واحدة ، فــ : (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) ، وتأول العتاب في قوله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ، فكان يقول : "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي" ، ويكون التأسي بهم في وجوب المبادرة إلى التوبة من أي ذنب عظم أو صغر .
قال في "المنتقى" :
"وأما قولك : (أي : ابن المطهر الحلي مصنف "منهاج الكرامة في إثبات الإمامة") ، إن هذا ، (أي : وقوع ما يستوجب التوبة من الأنبياء عليهم السلام) ، ينفي الوثوق بهم ويوجب التنفير فليس بصحيح بل إذا اعترف الكبير بما هو عليه من الحاجة إلى توبته ومغفرة الله ورحمته دل ذلك على صدقه وتواضعه وبعده من الكبر والكذب .
بخلاف من يقول : ما لي حاجة إلى شيء من هذا فما صدر مني ما يحوجني إلى مغفرة ولا توبة . فإن مثل هذا إذا عرف من رجل نسبه الناس إلى الكبر والجهل والكذب .
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي" . متفق عليه
وقال صلى الله عليه وسلم : "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" .
وما ذكرته من عدم الوثوق والتنفير يحصل مع الإصرار والإكثار لا مع ندور الذنوب المتبوعة بكثرة الاستغفار والتوبة .
أما من ادعى البراءة والسلامة فما أحوجه إلى الرجوع إلى الله والتوبة والإنابة . وما علمنا أن بني إسرائيل ولا غيرهم قدحوا في نبي من الأنبياء بتوبته في أمر من الأمور" . اهــ


والثانية : أن وقوع الصغائر يقتضي انتفاء الكمال ، عند من نفى الصغائر عن الأنبياء ، عليهم السلام ، وليس ذلك بواجب ، بل ضده هو الكائن ، فالاستغفار رفعة في الدرجات ، فــ : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .

بتصرف من "الرسل والرسالات" ، للشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر حفظه الله وسدده ، ص111_113 .


فــ : "مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَكْفُرْ قَطُّ أَفْضَلُ مِمَّنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ لَيْسَ بِصَوَابِ ؛ (وإن كان الكفر في حق الأنبياء عليهم السلام محالا وإنما المراد بيان المعنى في حقهم بالقياس على غيرهم فحصول التوبة منهم بعد ارتكاب الصغيرة من جنس حصول التوبة من غيرهم بعد ارتكاب الكبيرة ، فمن رجع من العصاة وتاب ، وإن فعل ما فعل ، وكانت توبته نصوحا فإنه يكون بعد التوبة أفضل ، فكذلك الشأن في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، فتوبتهم من الصغائر تصيرهم أفضل حالا وتجعلهم أرفع درجة) ، بَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْعَاقِبَةِ وَأَيُّهُمَا كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ فِي عَاقِبَتِهِ كَانَ أَفْضَلَ . فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ هُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَغَيْرِ أَوْلَادِهِمْ ؛ بَلْ مَنْ عَرَفَ الشَّرَّ وَذَاقَهُ ثُمَّ عَرَفَ الْخَيْرَ وَذَاقَهُ فَقَدْ تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِالْخَيْرِ وَمَحَبَّتُهُ لَهُ وَمَعْرِفَتُهُ بِالشَّرِّ وَبُغْضُهُ لَهُ أَكْمَلَ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَيَذُقْهُمَا كَمَا ذَاقَهُمَا ؛ بَلْ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا الْخَيْرَ فَقَدْ يَأْتِيهِ الشَّرُّ فَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ شَرٌّ فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَإِمَّا أَنْ لَا يُنْكِرَهُ كَمَا أَنْكَرَهُ الَّذِي عَرَفَهُ . وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً إذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْجَاهِلِيَّةَ . وَهُوَ كَمَا قَالَ عُمَرُ ؛ فَإِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ هُوَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَمَامُ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ نَشَأَ فِي الْمَعْرُوفِ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ فَقَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمُنْكَرِ وَضَرَرِهِ مَا عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الْجِهَادِ لِأَهْلِهِ مَا عِنْدَ الْخَبِيرِ بِهِمْ ؛ وَلِهَذَا يُوجَدُ الْخَبِيرُ بِالشَّرِّ وَأَسْبَابِهِ إذَا كَانَ حَسَنَ الْقَصْدِ عِنْدَهُ مِنْ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَمَنْعِ أَهْلِهِ وَالْجِهَادِ لَهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ . وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَعْظَمَ إيمَانًا وَجِهَادًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ لِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَكَمَالِ مَحَبَّتِهِمْ لِلْخَيْرِ وَبُغْضِهِمْ لِلشَّرِّ لِمَا عَلِمُوهُ مِنْ حُسْنِ حَالِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَقُبْحِ حَالِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَلِهَذَا يُوجَدُ مَنْ ذَاقَ الْفَقْرَ وَالْمَرَضَ وَالْخَوْفَ أَحْرَصَ عَلَى الْغِنَى وَالصِّحَّةِ وَالْأَمْنِ مِمَّنْ لَمْ يَذُقْ ذَلِكَ . وَلِهَذَا يُقَالُ : وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ . وَيُقَالُ : وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ ........ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَسْلَمَا تَقَدَّمَا عَلَى مَنْ سَبَقَهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ ؛ وَكَانَ بَعْضُ مَنْ سَبَقَهُمَا دُونَهُمَا فِي الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمَا مِنْ كَمَالِ الْجِهَادِ لِلْكُفَّارِ وَالنَّصْرِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَكَانَ عُمَرُ لِكَوْنِهِ أَكْمَلَ إيمَانًا وَإِخْلَاصًا وَصِدْقًا وَمَعْرِفَةً وَفِرَاسَةً وَنُورًا أَبْعَدَ عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَأَعْلَى هِمَّةً فِي إقَامَةِ دِينِ اللَّهِ مُقَدَّمًا عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَهَذَا وَغَيْرُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِكَمَالِ النِّهَايَةِ لَا بِنَقْصِ الْبِدَايَةِ . وَمَا يُذْكَرُ فِي الإسرائيليات : { أَنَّ اللَّهَ قَالَ لدَاوُد : أَمَّا الذَّنْبُ فَقَدْ غَفَرْنَاهُ ؛ وَأَمَّا الْوُدُّ فَلَا يَعُودُ } فَهَذَا لَوْ عَرَفْتَ صِحَّتَهُ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا لَنَا وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَبْنِيَ دِينَنَا عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْبَةِ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ شَرْعٌ مِنْ قَبْلِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : { أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ؛ وَأَنَا نَبِيُّ التَّوْبَةِ } وَقَدْ رُفِعَ بِهِ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ مَا كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } وَأَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ التَّائِبِ أَعْظَمَ مِنْ فَرَحِ الْفَاقِدِ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَرْكَبِ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْيَأْسِ . فَإِذَا كَانَ هَذَا فَرَحُ الرَّبِّ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ وَتِلْكَ مَحَبَّتُهُ ؛ كَيْفَ يُقَالُ : إنَّهُ لَا يَعُودُ لِمَوَدَّتِهِ { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ } { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } ............ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ كَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَأْتِي بِهِ الْعَبْدُ مِنْ محابه فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ فِعْلًا لِمَحْبُوبِ الْحَقِّ كَانَ الْحَقُّ أَعْظَمَ مَحَبَّةً لَهُ وَانْتِقَالُهُ مِنْ مَكْرُوهِ الْحَقِّ إلَى مَحْبُوبِهِ مَعَ قُوَّةِ بُغْضِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِلِ وَقُوَّةِ حُبّ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ حُبّ الْحَقِّ ؛ فَوَجَبَ زِيَادَةُ مَحَبَّةِ الْحَقِّ لَهُ وَمَوَدَّتِهِ إيَّاهُ ؛ بَلْ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ لِأَنَّهُ بَدَّلَ صِفَاتِهِ الْمَذْمُومَةَ بِالْمَحْمُودَةِ فَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ . فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ . وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ إتْيَانُ التَّائِبِ بِمَا يُحِبُّهُ الْحَقُّ أَعْظَمَ مِنْ إتْيَانِ غَيْرِهِ كَانَتْ مَحَبَّةُ الْحَقِّ لَهُ أَعْظَمَ وَإِذَا كَانَ فِعْلُهُ لِمَا يَوَدُّهُ اللَّهُ مِنْهُ أَعْظَمَ مِنْ فِعْلِهِ لَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ كَانَتْ مَوَدَّةُ اللَّهِ لَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَعْظَمَ مِنْ مَوَدَّتِهِ لَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَكَيْفَ يُقَالُ : الْوُدُّ لَا يَعُودُ . وَبِهَذَا يَظْهَرُ جَوَابُ شُبْهَةِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ اللَّهَ لَا يَبْعَثُ نَبِيًّا إلَّا مَنْ كَانَ مَعْصُومًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا يَبْعَثُ نَبِيًّا إلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَوَهَّمُوا أَنَّ الذُّنُوبَ تَكُونُ نَقْصًا وَإِنْ تَابَ التَّائِبُ مِنْهَا وَهَذَا مَنْشَأُ غَلَطِهِمْ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ صَاحِبَ الذُّنُوبِ مَعَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ يَكُونُ نَاقِصًا فَهُوَ غالط غَلَطًا عَظِيمًا فَإِنَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ الَّذِي يَلْحَقُ أَهْلَ الذُّنُوبِ لَا يَلْحَقُ التَّائِبَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا ؛ لَكِنْ إنْ قَدَّمَ التَّوْبَةَ لَمْ يَلْحَقْهُ شَيْءٌ وَإِنْ أَخَّرَ التَّوْبَةَ فَقَدْ يَلْحَقُهُ مَا بَيْنَ الذُّنُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُ . وَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ كَانُوا لَا يُؤَخِّرُونَ التَّوْبَةَ ؛ بَلْ يُسَارِعُونَ إلَيْهَا وَيُسَابِقُونَ إلَيْهَا ؛ لَا يُؤَخِّرُونَ وَلَا يُصِرُّونَ عَلَى الذَّنْبِ بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَنْ أَخَّرَ ذَلِكَ زَمَنًا قَلِيلًا كَفَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ بِمَا يَبْتَلِيهِ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِذِي النُّونِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ إلْقَاءَهُ كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّ إلْقَاءَهُ كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا وَالتَّائِبُ مِنْ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ ؛ وَإِذَا كَانَ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ فَالْأَفْضَلُ أَحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْفَضِيلَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ بِمَا أَخْبَرَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَهُمْ الْأَسْبَاطُ الَّذِينَ نَبَّأَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إلَى رَبِّي } . فَآمَنَ لُوطٌ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى قَوْمِ لُوطٍ ، (فلم يذم لأنه كان غير مؤمن بالخليل عليه السلام قبل ذلك فالاعتبار بكمال النهاية فقد بادر إلى الإيمان كما تدل عليه الفاء في : "فآمن" ، فهي مئنة من الفور والتعقيب ، وذلك جار على ما قرره أهل الأصول من أن الأصل في الأمر الفور لا التر اخي ، فـ : "سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" ، فالمسارعة مئنة من الفورية ، فسارع لوط عليه السلام إلى الإيمان فصار محل الرضا ، بل والنبوة فأي كرامة أعظم من ذلك وإن لم يكن قبل بعثة الخليل عليه السلام مؤمنا بالحنيفية التي جاء بها وإن كان ذلك لا يقضي بأنه كان مشركا يعبد الأوثان أو صابئا يعبد الكواكب ، بل ربما كان من أهل الفترة من الموحدين حتى أتاه الحق المبين فآمن له وانقاد فصار من جملة النبيين عليهم السلام) ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ : { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } . وَإِذَا عَرَفَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِكَمَالِ النِّهَايَةِ وَهَذَا الْكَمَالُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ التَّوْبَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَوَّلِينَ والآخرين . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } ............. وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرَةٌ . لَكِنْ الْمُنَازِعُونَ يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ النُّصُوصَ مِنْ جِنْسِ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّة وَالْبَاطِنِيَّةِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْبَابِ" . اهــ بتصرف واسع من : "مجموع الفتاوى" .


وهم معصومون في التحمل والأداء معا ، فلهم من ذلك ما ليس لآحاد النقلة ، فاليقين الجازم الذي لا يتطرق إليه الشك ، ولو احتمالا ، فذلك مما يقدح في الحجة الرسالية ، ذلك اليقين يحصل بقولهم مع كونهم آحادا ، خلافا لغيرهم فلا يحصل اليقين الجازم إلا بخبرهم المتواتر الذي يستحيل فيه التواطؤ على الكذب أو الكتمان أو وقوع الخطأ أو النسيان ن فذلك مما يجوز في حق الواحد فلا يدل خبره على اليقين الجازم إلا بقرائن تحتف به تنزل منزلة الجمع الكثير فيفيد خبره العلم النظري ، وهو دون العلم الضروري الذي يفيده الخبر المتواتر ، فعصمة التحمل عصمة : (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ، فالمشيئة لا تدل على جواز الوقوع ، وإنما تدل على طلاقة القدرة ، فيجوز عقلا ، وإن لم يقع ، فليس كل ما فرضه العقل من الممتنعات أو جوزه من الممكنات يصح تعلق القدرة به فيقع ، بل قد يحال إما لذاته ، فــ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، وإما لغيره كتعلقه بعلم الرب ، جل وعلا ، فإيمان أبي جهل جائز عقلا ممتنع في الخارج فهو محال لا لذاته وإنما لتعلقه بعلم التقدير ومشيئة التكوين فلن يؤمن أبو جهل اللعين ، فقد طبع الرب الجبار ، عز وجل ، على قلبه .

وعصمة التبليغ ، عصمة : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) .
ويدخل في هذا الحد : عصمتهم من النسيان حال البلاغ ، وإلا بطلت الحجة الرسالية ، فــ : (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) .
والرسل عليهم السلام معصومون من القتل خلافا للأنبياء ، فالرسول آت بشرع جديد فإن قتل لم يحصل البلاغ ، والنبي مجدد لما اندثر من شرع من سبقه ، فالبلاغ قد حصل قبله فإن قتل فغيره من الأنبياء ينوب عنه في بيان الشريعة وتجديدها .
وعصمتهم من القتل لا تمنع جواز الشهادة عليهم فتلك درجة رفيعة أحق الناس بها أحب الخلق إلى الرب ، جل وعلا ، فإن نالها فبعد تمام البلاغ والبيان ، فلم ينلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم برسم : "مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنْ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ ، (وهي الشاة المصلية التي قدمتها له اليهودية) ، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي" ، إلا بعد : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .

وعصمتهم في التبليغ تكون أيضا في عدم إقرارهم على ما اجتهدوا فيه من أمور الدنيا من سياسة أو حرب ، فأخذوا بخلاف الأولى ، كما في واقعة أسرى بدر ، فلا يقرهم الوحي على خلاف الأولى .

والرسل ، عليهم السلام ، معصومون من الشيطان :
فقد : "عصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الشيطان ، وقد أعان الله رسوله على قرينه الشيطان فأسلم ، فلا يأمره إلا بخير ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود : قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ)" . اهـ
"الرسل والرسالات" ، ص97 .
وفي رواية ابن مهدي عن سفيان : "وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ" ، فقرين الجن لمة شيطان فهي هاتف شر يقابل نظيره من نازع الشر في النفس ، وقرين الملائكة لمة ملك فهي هاتف خير يقابل نظيره من نازع الخير في النفس .

فالشيطان لا يتسلط على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقد نزع حظه من قلبه ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ" ، وسلم من وسوسة القرين ، وسلم من عدوان الشيطان عليه ، وسلم من إلقاء الشيطان في أمنيته ، فــ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، وذلك محل خلاف ، وإن كان حاصله عصمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الخطأ في تبليغ الفروع فكيف بتبليغ أصل الأصول ، وهو التوحيد ، ونفي الشريك عن رب العبيد ، جل وعلا ، فالعصمة تثبت فيه من باب أولى .

قال في "منهاج السنة" :
"فإنهم متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى وهذا هو مقصود الرسالة فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ .
وتنازعوا هل يجوز أن يسبق على لسانه ما يستدركه الله تعالى ويبينه له بحيث لا يقره على الخطأ كما نقل أنه ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ثم إن الله تعالى نسخ ما ألقاه الشيطان وأحكم آياته فمنهم من لم يجوز ذلك ومنهم من جوزه إذ لا محذور فيه فإن الله تعالى ينسخ ما يلقى الشيطان و : (يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) ، فهم متفقون على أنهم لا يقرون على خطأ في الدين أصلا ولا على فسوق ولا كذب ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه .
وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها فلا يصدر عنهم ما يضرهم كما جاء في الأثر كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة : (والله يحب التوابين ويحب المتطهرين) . وإن العبد ليفعل السيئة فيدخل بها الجنة .
وأما النسيان والسهو في الصلاة فذلك واقع منهم وفي وقوعه حكمة استنان المسلمين بهم كما روي في موطأ مالك : "إنما أنسى أو أنسى لأسن" ، (وهو من البلاغات التي لم يصلها ابن عبد البر ، رحمه الله ، فلم يعثر لها على طرق موصولة وقد جاء ابن الصلاح ، رحمه الله ، بعده فوصل بلاغات مالك الأربعة ومنها هذا البلاغ ، وقال صاحب "الرسل والرسالات" ، حفظه الله وسدده ، في معرض الترجيح بين هذا الحديث وحديث : "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني" : "وقد صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بطروء النسيان عليه كعادة البشر ، ففي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ولكنّي إنّما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات . أمّا الحديث الذي يروى بلفظ : "إني لا أنسى ، ولكن أُنسَّى لأسنّ" فلا يجوز أن يعارض به الحديث السابق ، لأنّ هذا الحديث - كما يقول ابن حجر - لا أصل له ، فإنّه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد") ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني" أخرجاه في الصحيحين . ولما صلى بهم خمسا فلما سلم قالوا له يا رسول الله أزيد في الصلاة ؟ ، قال : وما ذاك قالوا صليت خمسا فقال الحديث .
وأما الرافضة فأشبهوا النصارى فإن الله تعالى أمر الناس بطاعة الرسل فيما أمروا به وتصديقهم فيما أخبروا به ونهى الخلق عن الغلو والإشراك بالله فبدلت النصارى دين الله فغلوا في المسيح فأشركوا به وبدلوا دينه فعصوه وعظموه فصاروا عصاة بمعصيته وبالغوا فيه خارجين عن أصلي الدين وهما الإقرار لله بالوحدانية ولرسله بالرسالة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فالغلو أخرجهم عن التوحيد حتى قالوا بالتثليث والاتحاد وأخرجهم عن طاعة الرسول وتصديقه حيث أمرهم أن يعبدوا الله ربه وربهم فكذبوه في قوله إن الله ربه ربهم وعصوه فيما أمرهم به وكذلك الرافضة غلوا في الرسل بل في الأئمة حتى اتخذوهم أربابا من دون الله" . اهــ بتصرف من : "منهاج السنة" .

فحصل الغلو في الإفراط بنفي كل عوارض الجبلة التي لا يلزم من إثباتها قدح أو تنقيص .

وحصل التفريط في المقابل فوسم يهود ومن ارتضى عهدهم القديم من النصارى ، وسم أولئك الأنبياء ، عليهم السلام ، بأبشع الأوصاف ورموهم بالعظائم التي يتنزه عنها آحاد الخلق ، بل وآحاد الفساق ممن لهم بقية مروءة فإذا اعترضت على هذا الإفك أجابوا بتأويل غريب هو إلى تأويلات الباطنية أقرب ، بل هو من جنسها ، فقالوا بأن ذلك مما يجعلهم قدوة في التوبة ، مع أن ذلك يحصل بالتوبة من الصغائر غير المزرية ، كما تقدم ، فتحصل القدوة وتعظم الحرمة في نفس الوقت ، فلا بد ، عند القوم ، أن يقترفوا عامة الفواحش المغلظة ليصيروا بعد ذلك قدوة في التوبة ! ، فأي تعظيم يبقى لهم في القلوب إن اقترفوا تلك الفعال الشنيعة ، وهل يلزم الطبيب الماهر أن يصاب بالداء ليصير أحذق في علاجه فلا يقبل قوله إلا إذا أصيب به ؟! ، فهل لا بد أن يصاب الحذاق من جراحي السرطان أو القلب بالورم السرطاني أو الفشل القلبي ؟! فتلك حال أطباء الأبدان ، فكذلك أطباء الأديان فــ : "الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَطِبَّاءُ الْأَدْيَانِ فَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا يُصْلِحُ الْقُلُوبَ وَيُفْسِدُهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَذُقْ مِنْ الشَّرِّ مَا ذَاقَهُ النَّاسُ" . اهــ

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
19-05-2011, 04:28 PM
ومن تعزير صلى الله عليه وعلى آله وسلم : قتل سابه مسلما كان فينتقض أصل إيمانه ، أو ذميا فينتقض عقد ذمته

فيقتلان : ردة في حق الأول فإن رجع فحدا وأمره إلى الله ، جل وعلا ، فيقتل انتصارا لعرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يملك أحدا العفو في هذا الشأن الجلل فقد كان العفو له وحده صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو حقه فلا يملك أحد العفو فيه إلا صاحبه ، وحدا في حق الثاني فقد انتقضت ذمته ، فإن أسلم قتل حدا ، وأمره إلى الله ، جل وعلا ، فتجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر ويوكل باطنه إلى الرب جل وعلا .
فتوبته إن صدق محل إجماع في حصول النجاة في دار الجزاء فــ : "توبته وإسلامه فيما بينه وبين الله فمقبولة فإن الله يقبل التوبة عن عباده من الذنوب كلها وعموم الحكم في توبة المسلم والذمي" .
"الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص337

وأما قتله فلا يسقط ، فــ : "مجرد الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة فيه يوجب القتل في الحال التي لا يقتل فيها لمجرد الردة وإذا كان موجبا للقتل استوى فيه المسلم والذمي ولأن كل ما يوجب القتل ـ سوى الردة ـ يستوي فيه المسلم والذمي" . اهــ
"الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص85 .

فيعزر صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويوقر فــ : "الله أمر بتعزيره فقال : { و تعزروه و توقروه } [ الفتح : 9 ] والتعزير : اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ، والتوقير : اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار ، (فمادة : "وقر" مئنة من الثقل فــ : "الوِقَرُ الحِمْل الثقيل وعَمَّ بعضهم به الثقيل والخفيف ........... فــ : الوَقار الحلم والرَّزَانة ...... وفي الحديث : "لم يَسْبِقْكم أَبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكنه بشيء وَقَرَ في القلب" وفي رواية : "لِسِرٍّ وقَرَ في صدره" أَي سكن فيه وثبت من الوَقارِ والحلم والرزانة" . اهــ بتصرف ، فالسكينة والطمأنينة مئنة من الثقل المعنوي الذي استعير له الثقل المادي الذي تدل عليه مادة "وقر") ....... فــ : من كرامته المتعلقة بالقول : أنه فرق بين أذاه وأذى المؤمنين فقال تعالى : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } [ الأحزاب : 58 ] ........ فــ : حد من سبه القتل كما أن حد من سب غيره الجلد" . اهــ
بتصرف من "الصارم المسلول" ، ص290_292 .

فينهى عن كل ما يؤذيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، نهيا جازما ، ولو لم يرد فاعله إلحاق الأذى به صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلو أراد لكفر بالإجماع ، فذلك من سد الذرائع ، فإيذاؤه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولو بلا قصد ، قد يتذرع به إلى إلحاق الأذى ، فيستخف الفاعل بالجرم ، مع عظمه ، لأمنه العقوبة والزجر ، فيصل دون أن يشعر إلى حد العمد ، ولو مستهزءا ، فيكفر من هذا الوجه ، فــ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) ، فضلا عمن تعمد قاصدا فهو مبغض لصاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ابتداء ، فكفره ثابت من باب أولى فــ :
"إذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك وأنه مظنة لذلك وسبب فيه فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزيز والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال ولما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له واستخفاف به وإن لم يقصد الرافع ذلك فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرا فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى" . اهــ
"الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص43 .

فسبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو القدح في عرضه الشريف أو فراشه الطاهر كفر ظاهر يبيح الدم ، قل أو كثر ، فــ : "جنس الأذى لله ورسوله ومطلق السب الظاهر مهدر لدم الذمي ناقض لعهده وإن كان بعض الأشخاص أغلظ جرما من بعض لتغلظ سبه نوعا أو قدرا" . اهــ
فالجناية قد تتغلظ وإن كان جنس الجريمة العام واحدا فقد تعظم بعض أنواعه كالزنى بحليلة الجار فإنه أغلظ من مطلق الزنى ، وإن كان كلاهما محرما مستوجبا للحد فــ :
"لا ريب أن الجنس الموجب للعقوبة قد يتغلظ بعض أنواعه صفة ، أو قدرا ، أو صفة وقدرا فإنه ليس قتل واحد من الناس مثل قتل والد أو ولد عالم صالح ولا ظلم بعض الناس مثل ظلم يتيم فقير بين أبوين صالحين وليست الجناية في الأوقات والأماكن والأحوال المشرفة كالحرم والإحرام والشهر الحرام كالجناية في غير ذلك وكذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ الديات إذا تغلظ القتل بأحد هذه الأسباب وقال النبي صلى الله عليه وسلم ـ وقد قيل له : أي الذنب أعظم ؟ ـ قال : [ أن تجعل لله ندا وهو خلقك ] قيل له : ثم أي ؟ قال : [ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ] قيل له : ثم أي ؟ قال : [ ثم أن تزاني حليلة جارك ] ولا شك أن من قطع الطريق مرات متعددة وسفك دماء خلق من المسلمين وكثر منه أخذ الأموال كان جرمه أعظم من جرم من لم يقطعه إلا مرة واحدة ولا ريب أن من أكثر من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو نظم القصائد في سبه فإن جرمه أغلظ من جرم من سبه بالكلمة الواحدة المنثورة بحيث يجب أن تكون إقامة الحد عليه أوكد والانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب وأن المقل لو كان أهلا أن يعفى عنه لم يكن هذا أهلا لذلك" . اهــ
"الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص62 .

فجنس الجرم واحد ، ولكن مقتضى العدل قاض بالتفريق بين المتباينين في القدر ، ولو استويا في الوصف ، وذلك جار على أصول العقل الصريح من وجه ، فالتفريق بين المتباينين مما يجري على أصول القياس الصحيح ، ولو في حق المرتدين والزنادقة والكفار الأصليين ، فإن الجرم يتفاوت فتتفاوت العقوبة تبعا لذلك ، بل وأهل النار في دار الجزاء يتفاوتون في الدركات وإن جمعهم وصف الكفر ، وحكم الخلود في النار ، فالمنافق أسوأ حالا من الكافر ، والكافر الفاسق الذي جمع مع كفره مباشرة المعاصي أسوأ حالا من الكافر العفيف الذي تورع عن ارتكاب الفواحش طبعا أو تدينا بما يظنه حقا ، وذلك من وجه آخر يشهد لمن قال بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة من الأوامر والنواهي فتفاوت دركاتهم بمقارفة أجناس المعاصي ، ولو فروعا زائدة على الكفر ، مئنة من خطابهم بها ، أمرا ونهيا ، على قول بعض أهل العلم ونهيا فقط على قول آخرين فلا تنفعهم الطاعة في شيء ، ليخاطبوا بها فإن من شرطها الإيمان بينما ينفعهم ترك الفسوق والعصيان فيخفف عنهم العذاب وإن لم يرفع لقيام مانع الكفر ، فتحقق فيهم القدر المشترك وهو الكفر المستوجب للخلود في النار ، وتفاوتوا في الدركات لتفاوتهم في المعاصي جنسا وقدرا ، فليس من زنى كمن سرق ، فذلك من التفاوت في الجنس ، وليس من زنى مرة كمن زنى مرات فذلك من التفاوت في القدر ، فكذلك الشأن هنا فليس من سب مرة أو سب بلفظ أدنى ، كمن سب مرات فاستمرأ أو سب بلفظ أعلى فأفحش ، بل إن الكفر ، وهو العلة الرئيسة في دخولهم النار وخلودهم فيها فذلك قدر مشترك بين جميع الكافرين والمنافقين خلافا لأصحاب الكبائر فهم تحت المشيئة فإما عفو ابتداء وإما عذاب غير مؤبد ، إن الكفر مما يتفاوت في القدر والوصف ، وإن كان كله جنسا واحدا ، فمنه المغلظ ومنه ما هو دونه ، فلا يستوي كفر من ألحد فنفى الرب ، جل وعلا ، صراحة ، وكفر أهل الكتاب ممن آمنوا بالرسالة السماوية في الجملة وإن خلطوها بأجناس من الكفر شنيعة ، فالأمر ، كسائر المعقولات ، مما تتفاوت فيه الأذهان على نحو لا يحيط به إلا الرب ، جل وعلا ، العليم بالسرائر والدقائق ، فمن غيره يحيط بدرجات الإيمان ودركات الكفران مع تعددها وتفاوتها علوا أو سفلا ؟! .


وما تقدم من استيفاء حد السب صيانة لعرض النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لا يكون ، بداهة ، إلا في زمان عزة ، ينتصر فيه إمام المسلمين الذي اجتمع الناس عليه برسم البيعة ، لعرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كل من قدح في عرضه الشريف تصريحا أو تلميحا من مسلم أو كافر أصلي ، فيتعين قتل الساب ولا يجوز استرقاقه ولا المن عليه بالعفو ، ولو من الإمام ، فليس الحق حقه ليتنازل عنه إذا شاء ، بل هو حق خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجه وهو أولى من يتنصر له ، فــ : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ، وحق عام فالقدح في صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدح فيها وذلك مما يؤذي أتباعها ، فيوقع في قلوبهم الشك فانتقاص حرمة الشريعة دون زاجر مما يهون من شأنها في عين الموافق والمخالف ، فأي فساد في الدين أعظم من ذلك ؟! ، فلا يجوز المن عليه ، كما تقدم ، ولا فداؤه فــ : "إن كان مسلما فبالإجماع لأنه نوع من المرتد أو من الزنديق والمرتد يتعين قتله وكذلك الزنديق ، (فلا تقبل توبته على قول جمع من أهل العلم) ، وسواء كان رجلا أو امرأة وحيث قَتل ، (بالبناء لما سمي فاعله) ، يقتل مع الحكم بإسلامه فإن قتله حد بالاتفاق فتجب إقامته ، (فإقامة حد السب أولى من إقامة حد القصاص في القتل) ......... وإذا قتلت الذمية للسب فقتل المسلمة أولى كما لا يخفى على الفقيه ، (فللأولى من العقد الملزم بتعظيم صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما ليس للثانية فإذا قتلت الثانية فقتل الأولى ثابت من باب أولى فذلك مقتضى القياس الصريح) .............. وإن كان الساب معاهدا فإنه يتعين أيضا قتله سواء كان رجلا أو امرأة عند عامة الفقهاء من السلف ومن تبعهم ......... قال ابن المنذر رحمه الله : [ وأجمع عوام العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم فحده القتل ] وممن قاله مالك والليث وأحمد و إسحاق وهو مذهب الشافعي .
قال : وحكي عن النعمان ، (وهو : أبو حنيفة رحمه الله) : [ لا يقتل من سبه من أهل الذمة ] .
وهذا اللفظ دليل على وجوب قتله عند العامة وهذا مذهب مالك وإسحاق وسائر فقهاء المدينة وكلام أصحابه يقتضي أن لقتله مأخذان :
أحدهما : انتقاض عهده .
والثاني : أنه حد من الحدود وهو قول فقهاء الحديث .
(فالعلة في حقه مركبة فيستحق القتل لعموم نقض العهد وخصوص العقوبة في تلك الجناية العظيمة بعينها) .
قال إسحاق بن راهويه : [ إن أظهروا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع منهم ذلك أو تحقق عليهم قتلوا ] وأخطأ هؤلاء الذين قالوا : [ ما هم فيه من الشرك أعظم من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ، قال إسحاق : [ يقتلون ] لأن ذلك نقض للعهد ، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز ولا شبهة في ذلك لأنه يصير بذلك ناقضا للصلح وهو كما قتل ابن عمر الراهب الذي سب النبي صلى الله عليه وسلم وقال : [ ما على هذا صالحناهم ] .
"وقد يستأنس بذلك من يجعل الحسبة في هذه الجناية عامة فلا يلزم الرجوع إلى الإمام فقد قتل ابن عمر ، رضي الله عنهما ، الراهب لما سب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يكن إمام زمانه ، وأقر صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قتل سابه ، وهذا أمر ينظر فيه إلى المصالح والمفاسد ، لا سيما في الأعصار المتأخرة التي عطلت فيها الشرائع والحدود وصارت المطالبة بإعمالها ضربا من التطرف والإرهاب فكيف بإقامتها ولو في بعض الصور فالأصل فيها الرجوع إلى الإمام ، وإنما خرجت بعض الصور استثناء من الأصل العام ، وتهم الأصولية والإرهاب وإقامة الإمارات الإسلامية الظلامية والخروج عن سيادة الدولة ....... إلخ ، تهم قد أعدت سلفا ، وهي من الشهرة بمكان في الآونة الأخيرة ، فلا يسوى بين حال ابن عمر ، رضي الله عنهما ، فقد كان في زمان لواء الشريعة فيه قد رفع ، ودين الرب ، جل وعلا ، قد تأيد ونصر بهدى الكتاب وحديد السلطان ، فنزل ذلك منزلة الإقرار الضمني من الإمام العام فما قتله ابن عمر ، رضي الله عنهما ، إلا وقد علم أن الإمام على طريقته المثلى في الذب عن عرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتلك الغاية العظمى ، فجنس الغيرة الإيمانية فيهما واحد وإن تفاوتت أقداره خلافا لزماننا الذي انتفت فيه تلك الخصلة من القلوب أو كادت إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، فصار من يغار على حرمات الدين وأهله مظنة التعصب ، وصار من يفرط فيها ويعطي الدنية للكفار الأصليين وأذنابهم من العلمانيين مظنة التسامح ، فلواء الشريعة قد نكس ، وأحكامها الضرورية فضلا عن النظرية قد جهلت ، فليس من الفقه إعمال رسم الجلال زمان ابن عمر ، رضي الله عنهما ، فهو زمان عزة ، في زماننا فهو مظنة الغربة بل والذلة ، فلكل زمان قرائنه ، وإن كان مناط الحكم واحدا لا يتبدل فذلك يشبه من وجه تعليق عمر ، رضي الله عنه ، حد السرقة عام المجاعة ، لقيام الشبهة التي تدرء بها الحدود ، وتأجيل استيفاء الحدود حال الغزو سدا لذريعة التحاق المحدود بدار الحرب ، فقد تقوم الدنيا فلا تقعد إذا انتصر حر لعرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيعم شر السلطان الذي يجتهد في مكافحة الإرهاب والتطرف عموم المسلمين فتعظم الجناية ويقع النفور من دين رب العالمين فهو دين القتلة والإرهابيين فتتعارض المصالح والمفاسد آنذاك فيحسن الانكفاف مع عظم المفسدة الدينية بالقدح في عرض خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأي مفسدة أعظم من ذلك لمن تدبر ونظر ؟! ، ومثله : "ما رواه الواقدي عن ابن رقيش : ([ قتل أبو عفك في شوال على رأس عشرين شهرا ] وهذا قديم قبل ابن الأشرف وهذا فيه دلالة واضحة على أن المعاهد إذا أظهر السب ينقض عهده ويقتل غيلة لكن هو من رواية أهل المغازي وهو يصلح أن يكون مؤيدا مؤكدا بلا تردد" . اهــ من : "الصارم المسلول" ، ص76 ، "فيستأنس بقول الواقدي فهو إمام في المغازي ، وإن كان متهما في الأحكام ، وهذا الخبر من جملة المغازي فأقل أحواله أن يستأنس به على جهة الاعتبار فهو شاهد في الباب وإن لم يكن عمدة في الأحكام" ، فذلك ، أيضا ، مما ينظر فيه إلى المصلحة الشرعية فنقض عهد الذمي إذا أظهر السب يجعل دمه مباحا ولو غيلة فيجوز قتله قبل رفع أمره إلى الإمام الذي يستوفي الحدود ، فإن ترتب على ذلك مفسدة لا سيما في ظل تعطيل أحكام الشريعة فلا يقتل درءا للمفسدة العظمى ، فقد يصير ذلك ، أيضا ، ذريعة إلى وقوع الفتنة الطائفية ولو بامتثال الأحكام الشرعية ! ، فالنظر في أحوال العصر والمصر حتم لازم قبل الشروع في امتثال أي أمر لا سيما الأحكام التي قد يترتب على امتثالها مفسدة عامة لعظم الجهل بدروس أو خفاء آثار النبوة ، فمناط الحكم واحد لا يتبدل ، فمن يماري في ردة وكفر ووجوب قتل من انتهك حرمة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولو تلميحا ، وتأويله في الخارج يتغير بتغير أحوال العصر والمصر صلاحا وفسادا كما يتفاوت الحكم في باب الأسماء والأحكام من إيمان وكفر ، ومعصية وفسق ....... بتفاوت الحال علما وجهلا ، فيعذرفي مواضع بما لا يعذر به في أخرى ، وتفاوت الحال إطلاقا وتعيينا ، فلا يحكم على المعينين إلا آحاد الراسخين ممن لهم عدالة وولاية قضاء فليس ذلك لآحاد المكلفين" .

(والشاهد أن أهل الذمة قد عصمت دماؤهم وأموالهم بعقد الذمة مع كفرهم لأمر الشارع ، جل وعلا ، بذلك ، فــ : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) فلا يقاس على تلك الحال : حالهم إذا أظهروا السب فهي جناية خاصة لها عقوبة مقدرة ، فيقضي خصوصها فهو قطعي على عموم إقرارهم بالجزية فهو ظني ، فالخاص القطعي يقضي على العام الظني فلا تعارض بينهما كما قرر ذلك أهل الأصول والنظر) .
و كذلك نص الإمام أحمد على وجوب قتله وانتقاض عهده ........ وكذلك نص عامة أصحابه على وجوب قتل هذا الساب ذكروه بخصوصه في مواضع وهكذا ذكروه أيضا في جملة ناقضي العهد من أهل الذمة .
ثم المتقدمون منهم وطوائف من المتأخرين قالوا : [ إن هذا وغيره من ناقضي العهد يتعين قتلهم كما دل عليه كلام أحمد ]" . اهــ
بتصرف واسع من : "الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص173 ، 174 .

والبحث ، وإن تعطل في زماننا ، في سائر الأمصار ، إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، فالشريعة معطلة في عموم الأرجاء ، إلا أنه مما يلزم بيانه ، ولو إبقاء لحرمة صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القلوب ، فذلك من أسمى الغايات وأشرف المقاصد فعرضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "عرض قد أوجب الله على جميع الخلق أن يقابلوه من الصلاة والسلام والثناء والمدحة والمحبة والتعظيم والتعزيز والتوقير والتواضع في الكلام والطاعة للأمر ورعاية الحرمة في أهل البيت والأصحاب بما لا خفاء به على أحد من علماء المؤمنين ، عرض به قام دين الله وكتابه وعباده المؤمنون ، به وجبت الجنة لقوم والنار لآخرين ، به كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، عرض قرن الله ذكره بذكره وجمع بينه وبينه في كتابة واحدة وجعل بيعته بيعة له وطاعته طاعة له وأذاه أذى له إلى خصائص لا تحصى ولا يقدر قدرها أفيليق ـ لو لم يكن سبه كفرا ـ أن تجعل عقوبة منتهك هذا العرض كعقوبة منتهك عرض غيره ؟ ، (فالفرقان ظاهر بين عرضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعرض آحاد المكلفين ، فالتسوية بينهما من أفسد ما يكون قياسا ، فلكلٍ مقامه ، فلا تستوي عقوبة منتهك الأول وعقوبة منتهك الثاني) .
ولو فرضنا أن لله نبيا بعثه إلى أمة ولم يوجب على أمة أخرى أن يؤمنوا به عموما ولا خصوصا فسبه رجل ولعنه عالما بنبوته إلى أولئك أفيجوز أن يقال : إن عقوبته وعقوبة من سب واحدا من المؤمنين سواء ؟ هذا أفسد من قياس الذين قالوا : إنما البيع مثل الربا" . اهــ بتصرف : "الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص332 .

فلو قال نصراني هو نبي العرب ، كما ادعى بعضهم تمسكا بمتشابه من التنزيل لم يردوه إلى محكم بعثه رحمة للعالمين ، لو قال ذلك وقال : فلا يلزمني إذن تعزيره فليس النبي المبعوث إلي ، فذلك لا يقبل منه بداهة ، فمقام النبوة خصت أو عمت مقام مصون ، بل إن كل أمة تغضب إن أهين مُعظَّمها ، ولو لم يكن أهلا للتعظيم ، فكيف إن كان خاتم المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شهد له المخالف بالعظمة وإن لم يشهد له بالنبوة قبل الموافق الذي شهد بالنبوة والعظمة من باب أولى فتعزيره وكف الأذى عنه ثابت بالشرع والعقل معا ، فلو لم يكف الساب ديانة فليكف مروءة ، فإن القدح فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يؤذي أتباعه وهم أمة عظيمة من الناس ، بل ولوكانوا أفراد ، فالقدح في الأب يؤذي أبناؤه ، ولو واحدا ، فيكون ذلك من الظلم الذي دل على قبحه العقل ولو قبل ورود الشرع فكيف بالقدح في مقدم أمة عظيمة كأمة الإسلام ؟! .


فـ : "حماية عرضه صلى الله عليه وسلم في كونه نصرا أبلغ من ذلك في حق غيره لأن الوقيعة في عرض قد لا تضر مقصوده بل يكتب له بها حسنات أما انتهاك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مناف لدين الله بالكلية فإن العرض متى انتهك سقط الاحترام والتعظيم فسقط ما جاء به من الرسالة فبطل الدين فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ممن انتهك عرضه والانتصار له بالقتل لأن انتهاك عرضه انتهاك لدين الله .
ومن المعلوم أن من سعى في دين الله بالإفساد استحق القتل بخلاف انتهاك عرض غيره معينا فإنه لا يبطل الدين والمعاهد لم نعاهده على ترك الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه و لا من غيره كما لم نعاهد على ترك استيفاء حقوق المسلمين ولا يجوز أن نعاهده على ذلك وهو يعلم أنا لم نعاهده على ذلك فإذا سبه فقد وجب علينا أن ننتصر له بالقتل ولا عهد معه على ترك ذلك فيجب قتله وهذا بين واضح لمن تأمله" . اهــ

فلم يعقد المسلمون ذمة لغيرهم ليقدحوا في دينهم ! ، وإنما غابت رسوم الشريعة فأصبحت محارم الدين كلأ مباحا لمن ينتسبون إليه ابتداء فكيف لا يطمع غيرهم في النيل منه مع ما استقر في قلوبهم من بغض للدين وأهله ، فلما آنسوا فرجة نفذوا منها بالطعن والسب والتجريح ولم يجدوا من أهل الإسلام حمية أو غيرة ، بل ولا شجبا ولا استنكارا عند فئام من النخب المثقفة ! ، التي لا تتحرك نفوسها إذا انتهكت حرمات الشريعة ، وتتحرك في المقابل انتصارا لحظوظها من وجاهة ورياسة ......... إلخ .

فــ :
"الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والأثر والنظر على أن نفس السب ـ من حيث خصوصيته ـ موجب للقتل ، (فليس مناط الحكم : مطلق الردة وإلا ما جاز قتل المرتد بالسب إذا رجع إلى الإسلام ، فيقتل وإن كان صادقا وأمره إلى الله ، جل وعلا ، وإنما مناط الحكم أن السب في نفسه يوجب الحد ، وحده القتل ، كالزنى فإن فاعله يحد وإن تاب بعد الاعتراف أو البينة ، فلا تسقط التوبةُ الحد فيلزم استيفاؤه ، وإن كانت توبته صادقة فقد رجم ماعز والغامدية ، رضي الله عنهما ، وقبل الرب ، جل وعلا ، توبتهما ، كما في حديث عمران بن حصين ، رضي الله عنه ، مرفوعا وفيه : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، وتعليل الحكم بأكثر من علة أمر جائز عند الأصوليين فيعلل الحكم : بجناية الردة ، وجناية السب معا ، فإن ارتفعت الأولى برجوعه إلى الإسلام أو دخول الذمي في الإسلام لم ترتفع الثانية ولا سبيل إلى ارتفاعها فقد وقعت وانتهى الأمر فالقول والفعل لا يمكن إبطالهما بعد صدورهما ولذلك كان الواجب في قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" ، تقدير محذف ، من قبيل : إن الله وضع عن أمتي حكم الخطأ والنسيان ... التكليفي دون الوضعي ، فالسياق يدل اقتضاء على رفع حكمه التكليفي دون الوضعي ، فالفعل إذا وقع لم يرتفع بداهة ، والفعل إن تعدى إلى الغير إتلافا لزم المتلف قيمة ما أتلف وإن لم يأثم إن لم يكن عامدا فذلك من قبيل الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي الذي يناط به الثواب والعقاب وجودا وعدما ، ورفع حكم ما استكره المكرَه عليه مخصوص بالدماء والفروج فلا يجوز له أن يقتل غيره أو يزني بامرأة ، ولو مكرها) ، ولم يثبت ذلك استحسانا صرفا واستصلاحا محضا بل أثبتناه بالنصوص وآثار الصحابة وما دل عليه إيماء الشارع وتنبيهه و بما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة من الخصوصية لهذا السب والحرمة لهذا العرض التي يوجب أن لا يصونه إلا القتل لا سيما إذا قوي الداعي على انتهاكه وخفة حرمته بخفة عقابه وصغر في القلوب مقدار من هو أعظم العالمين قدرا إذا ساوى في قدر العرض زيدا وعمرا وتمضمض بذكره أعداء الدين من كافر غادر ومنافق ماكر فهل يستريب من قلب الشريعة ظهرا لبطن أن محاسنها توجب حفظ هذه الحرمة التي هي أعظم حرمات المخلوقين وحرمتها متعلقة بحرمة رب العالمين بسفك دم واحد من الناس ؟ ، (فالأمر ينزل منزلة : سد الذرائع فإن التساهل في هذا الأمر بتعطيل هذا الحد ، كما هي الحال في زماننا ، يفتح الباب على مصراعية إلى تناول عرض النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسب والقدح ، فإن انتصر له صاحب غيرة فهو ملوم ، بل ومفجر فتنة طائفية !) .

مع قطع النظر عن الكفر والارتداد فإنهما مفسدتان اتحادهما في معنى التعداد ، (فالعلة ، كما تقدم ، مركبة من : "الحد فالفعل في نفسه يستوجبه ، والردة فهو من أسبابها بل من أعظم صورها") ، ولسنا الآن نتكلم في المصالح المرسلة فإنا لم نحتج إليها في هذه المسألة لما فيها من الأدلة الخاصة الشرعية ، وإنما ننبه على عظم المصلحة في ذلك بيانا لحكمة الشرع لأن القلوب إلى ما فهمت حكمته أسرع انقيادا والنفوس إلى ما تطلع على مصلحته أعطش أكبادا ، (فالنص يشهد والمصلحة المعتبرة التي أجمع على حسنها العقلاء تشهد ولو لم يكن ثم درك لوجه المصلحة لوجب التسليم للحكم فذلك : تأويل الابتلاء بالشرع المنزل ، فتتأول أخباره بالتصديق وأحكامه بالامتثال ، ولو لم يعرف المتأول وجه الحكمة وإن جزم بوجودها فعدم علمه بها لا يستلزم العلم بعدمها فكيف وهي هنا صريحة قد دل عليها العقل بداهة فاجتمع للمستدل النص الشرعي والنظر العقلي معا وذلك أبلغ ما يكون في الاستدلال) ، (فالأمر قد ثبت بالنص وثبت بالفعل ، فقتل صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح جملة ممن تعرضوا لمقامه المنيف بالسب والتجريح ، وأقر من قتل من سبه ، فــ : "كان رجل من المسلمين ـ أعني أعمى ـ يأوي إلى امرأة يهودية فكانت تطعمه وتحسن إليه فكانت لا تزال تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذيه فلما كان ليلة من الليالي خنقها فماتت فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنشد الناس في أمرها فقام الأعمى فذكر أمرها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم دمها .............. فــ : هذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم ودليل على قتل الرجل الذمي وقتل المسلم والمسلمة إذا سبا بطريق الأولى لأن هذه المرأة كانت موادعة مهادنة ، (أي : بلا جزية ، فيثبت الحكم في حق المسلم والمسلمة والذمي والذمية من باب أولى فعقد الإيمان وعقد الذمة يحظر تلك الفعلة الشنيعة من باب أولى ، فقد يعتذر المهادن بأنه لم يؤمن ولم يعقد عقد ذمة فلا عقد يلزمه بترك السب ومع ذلك استحق القتل فكيف بمن عقد ما يلزمه بترك ذلك ديانة أو ذمة ؟!)" . اهــ بتصرف من "الصارم المسلول" ، ص47 .


فحصل البيان بالنص ، وحصل بالفعل : مباشرة وتقريرا ، فالأمر لا يفتقر إلى استدلال بالمصلحة المرسلة فإن الشارع ، جل وعلا ، قد اعتبرها ، فلم يرسلها ليجتهد المجتهدون في اعتبارها ، ولو فرض بأن الشارع ، جل وعلا ، قد أرسلها ، فاعتبارها بمقتضى أصول الشريعة الكلية حتم لازم صيانة للدين فالقدح في صاحبه مما يهون من شأنه ويضع من قدره فأية مفسدة دينية أعظم من ذلك ؟! ، فالمصلحة وإن لم يرد نص قاضية باعتبار هذا الحكم ، بل والتشديد فيه والتغليظ فلا مسامحة ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، من حفظ الضروري الأول من ضرورات الشريعة : ضروري الدين فمكملاته من بيان ودعوة ، وصيانة بحدود الردة ...... إلخ ، وما يلتحق بها من وجوب تعظيم الرب ، جل وعلا ، وتعظيم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعظيم نقلة الشريعة من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، ومن تلاهم من أهل العلم برسم الإرث لتركة النبوة ، كل أولئك مما ينزلة منزلة الضروري نفسه فمكمل الضروري : ضروري ، ومن آكد ما يكمل به : صيانة عرض صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يملك الإمام الذي يستوفي الحقوق العامة ، وحق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أعظمها ، لا يملك ، إن كان ثم له وجود ! ، لا يملك العفو ، فلا يملكه إلا صاحب الشأن صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما تقدم ، وقد قبض فلم يكن ثم بد من استيفائه ، صيانة لحدود الديانة ، وإذا كانت المسامحة في ذلك في حق من سواه كالصديق ، رضي الله عنه ، أمرا مستقبحا فلا ينبغي للإمام أن يعفو عن ساب الصديق ، رضي الله عنه ، وإن لم تكن عقوبة سبه كعقوبة سب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا ينبغي له أن يعفو في ذلك ، فليس الحق حقه ليعفو عنه ، كما نص على ذلك أحمد ، رحمه الله ، كما في وراية الخلال في "السنة" ، فإذا كان ذلك أمرا محظورا مستقبحا في حق من دون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكيف به في حقه عليه الصلاة والسلام ، فالحكم ثابت في حقه من باب أولى ، فذلك قياس العقل الصريح المواطئ لحكم الشرع الصحيح ، فــ : "روى عبد الله بن قدامة عن أبي برزة قال : أغلظ رجل لأبي بكر الصديق فقلت : أقتله ؟ فانتهرني وقال : ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ......... قال أبو داود في مسائله : سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث أبي بكر [ ما كنت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فقال : لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث ـ وفي رواية : بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل ] .
وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من العلماء منهم أبو داود وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وغيرهم من العلماء وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيظ أبو بكر استأذنه في أن يقتله بذلك وأخبره أنه لو أمره لقتله فقال أبو بكر : [ ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ] .
فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له وأن له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس منه سببا يبيح دمه وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا يأمر بمعصية الله قط بل من أطاعه فقد أطاع الله .

(فطاعته مطلقة فــ : "فإنشاؤه صلى الله عليه وسلم : حكم لازم ، وخبره : حديث صادق" ، "اقتضاء الصراط المستقيم" ، ص265 ، فتجب طاعته وإن لم يعلم وجه الحكمة في أمره ، فلا يجب عليه بيان وجه الحكمة في كل حكم ، فمن الأحكام ما كان تعبدا فلا تعلم حكمته ، ومنها ما كان معللا بعلة قد تخفى على عقول كثير من المكلفين ، فتلزمهم الطاعة ، كما قد وقع يوم الحديبية ، فــ : "اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ" ، فقد كانت العلة باعتبار المآل الآجل لا الحال العاجل فاستفسر من استفسر كعمر ، رضي الله عنه ، وسلم من سلم كالصديق ، رضي الله عنه ، فظهر الفرق بين المحدث الملهم والصديق المسدد ، فــ : "لا تظن أن تخصيص عمر رضى الله عنه بهذا ، (أي : مرتبة التحديث) ، تفضيل له على أبي بكر الصديق بل هذا من أقوى مناقب الصديق فإنه لكمال مشربه من حوض النبوة وتمام رضاعه من ثدي الرسالة استغنى بذلك عما تلقاه من تحديث أو غيره فالذي يتلقاه من مشكاة النبوة أتم من الذي يتلقاه عمر من التحديث" . اهــ
"مفتاح دارالسعادة" ، (1/298) .
ومنها ما كان معللا بعلة ظاهرة ، وعلى كل الوجوه فإن الاستئناس بدرك العلة مما يطمئن به القلب ، ولكنه ليس شرطا في التكليف وإلا بطل معنى الابتلاء فلا بد أن يحصل التمايز بالابتلاء بجملة من الأخبار الغيبية يحار العقل في كنهها وإن أدرك معانيها ، وجملة من الأحكام ، ولا يكون ذلك ، ولله الحمد ، في أصول الدين والأحكام ، فهي مما قد دل عليه الشرع الصحيح والعقل الصريح فلا يجد العقل غضاضة في قبولها ، بل هي مما يواطئ قواه التي ركزها الرب ، جل وعلا ، فيه ، فأنزل كتابا يواطئها ، ولم يبتل العباد بما يخالفها رحمة منه بهم ، فلا تعارض بينهما فكل من الرب ، جل وعلا ، قد صدر فهو منزل الكتاب وخالق العقل .

فــ : "كيف بشأن رب العالمين وأحكم الحاكمين الذي لا يشاركه في علمه ولا حكمته أحد أبدا فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها وتعلم أن له حكمة في كل ما خلقه وأمر به وشرعه وهل تقتضي الحكمة أن يخبر الله تعالى كل عبد من عباده بكل ما يفعله ويوقفهم على وجه تدبيره في كل ما يريده وعلى حكمته في صغير ما ذرأ وبرأ من خليقته وهل في قوى المخلوقات ذلك بل طوى سبحانه كثيرا من صنعه وأمره عن جميع خلقه فلم يطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا والمدبر الحكيم من البشر إذا ثبتت حكمته وابتغاؤه الصلاح لمن تحت تدبيره وسياسته كفى في ذلك تتبع مقاصده فيمن يولي ويعزل وفي جنس ما يأمر به وينهي عنه وفي تدبيره لرعيته وسياسته لهم دون تفاصيل كل فعل من أفعاله اللهم إلا أن يبلغ الأمر في ذلك مبلغا لا يوجد لفعله منفذ ومساغ في المصلحة أصلا فحينئذ يخرج بذلك عن استحقاق اسم الحكيم ولن يجد أحد في خلق الله ولا في أمره ولا واحدا من هذا الضرب بل غاية ما تخرجه نفس المتعنت أمور يعجز العقل عن معرفة وجوهها وحكمتها ، (وعدم العلم بالحكمة ليس علما بعدمها) ، وأما أن ينفي ذلك عنها فمعاذ الله إلا ان يكون ما أخرجه كذب على الخلق والأمر فلم يخلق الله ذلك ولا شرعه" ، بتصرف من "مفتاح دار السعادة" ، "1/345") .

فقد تضمن الحديث خصيصتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
إحداهما : أنه يطاع في كل من أمر بقتله .
والثانية : أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ له .
وهذا المعنى الثاني الذي كان له باق في حقه بعد موته فكل من شتمه أو أغلظ في حقه كان قتله جائزا بل ذلك بعد موته أوكد وأوكد لأن حرمته بعد موته أكمل والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن .

وهذا الحديث يفيد أن سبه في الجملة يبيح القتل ويستدل بعمومه على قتل الكافر و المسلم" . اهـــ بتصرف من "الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص68 ، 69) ، ثم لو لم يكن في المسألة نص و لا أثر لكان اجتهاد الرأي يقضي بأن يجعل القتل عقوبة هذا الجرم لخصوصه لا لعموم كونه كفرا أو ردة حتى لو فرض تجرده عن ذلك لكان موجبا للقتل أخذا له من قاعدة العقوبات في الشرع فإنه يجعل أعلى العقوبات في مقابلة أرفع الجنايات وأوسطها في مقابلة أوسطها وأدناها في مقابلة أدناها فهذه الجناية إذا انفردت تمتنع أن تجعل في مقابلة الأذى فتقابل بالجلد أو الحبس تسوية بينها وبين الجناية على عرض زيد وعمرو فإنه لا يخفى على من له أدنى نظر بأسباب الشرع أن هذا من أفسد أنواع الاجتهاد ومثله في الفساد خلوها عن العقوبة تخصها وأما جعله في الأوسط كما اعتقده المهاجر بن أبي أمية حتى قطع يد الجارية السابة وقلع ثنيتها فباطل أيضا كما أنكره عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأن الجناية جناية على أشرف الحرمات ولأنه لا مناسبة بينها وبين أوسط العقوبات من قطع عضو من الأعضاء فتعين أن تقابل بأعلى العقوبات وهو القتل .

ولو نزلت بنا نازلة السب وليس معنا فيها أثر يتبع ثم استراب مستريب في الواجب من إلحاقها بأعلى الجنايات لما عد من بصراء الفقهاء ومثل هذه المصلحة ليست مرسلة بحيث أن لا يشهد لها الشرع بالاعتبار فإذا فرض أنه ليس لها أصل خاص تلحق به ولا بد من الحكم فيها فيجب أن يحكم فيها بما هو أشبه بالأصول الكلية وإذا لم يعمل بالمصلحة لزم العمل بالمفسدة والله لا يحب الفساد" . اهــ
بتصرف واسع مع تعدد النقل من عدة مواضع من : "الصارم المسلول على شاتم الرسول" .


ويقال أيضا بأن قياس الأولى في هذا الشأن قاض بأن :
يؤخذ الذمي بجريرته إن قدح في عرض غيره أو سفك دمه ، ولو لم يكن مسلما ، فيقتل إذا استحل ذلك من ذمي مثله فعقد الذمة يعصم دم المعاهد ما لم ينقضه فينزل منزلة المسلم في عصمة الدم والعرض ، فيؤخذ من انتهك عرضه بسب ، أو سفك دمه بقتل ، فكيف صح ذلك في حق كافر ، ولم يصح بل ويجب في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من باب أولى ، فأي العرضين أولى بالصيانة ؟! ، فقياس الأولى قاض باستيفاء ذلك في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعرضه أولى الأعراض بالصيانة حال حياته أو بعدها ، فكان له أن يعفو إن شاء ، وليس ذلك لأحد غيره في حياته أو بعده .

ومدار الأمر عند التدبر والنظر على ظهور الدين وعزته ، فلو سلم بصدق المرتد الذي سبه ثم تاب ورجع ، أو صدق الذمي الذي سبه ثم أسلم ، فذلك ، كما تقدم ، لا يبرئ ذمته من العقوبة ، وإن نجا في الآخرة ، لما معه من الإيمان الصادق فهو مظنة المثوبة ، فإسلام هذا أو ذاك ليس بأولى من صيانة عرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا حاجة لنا في إسلام الساب ، ولو صادقا ، إن كان ذلك ذريعة إلى الاستهانة بحرمات الديانة ، فيتجرأ من يتجرأ ويسب ، ثم يظهر التوبة صادقا أو كاذبا فتنتهك حرمات الديانة بسقوط العقوبة المقررة شرعا ، فــ : "إن الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه و سلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان وكثير ممن يسب الأنبياء من أهل الذمة قد يكون زنديقا لا يبالي إلى أي دين انتسب فلا يبالي أن ينال غرضه من السب ثم يظهر الإسلام كالمنافق سواء ثم هذا يوجب الطمع منهم في عرضه فإنه ما دام العدو يرجو أن يستبقى ولو بوجه لم يزعه ذلك عن إظهار مقصوده في وقت ما ثم إن ثبت ذلك عليه ورفع إلى السلطان وأمر بقتله أظهر الإسلام وإلا فقد حصل غرضه وكل فساد قصد إزالته بالكلية لم يجعل لفاعله سبيل إلى استبقائه بعد الأخذ كالزنا والسرقة وقطع الطريق فإن كان مقصود الشارع من تطهير الدار من ظهور كلمة الكفر والطعن في الدين أبلغ من مقصوده من تطهيرها من وجوه هذه القبائح ابتغى أن يكون تحتم عقوبة من فعل ذلك أبلغ من تحتم عقوبة هؤلاء .
وفقه هذا الجواب أن تعلم أن ظهور الطعن في الدين من سب الرسول و نحوه فساد عريض وراء مجرد الكفر فلا يكون حصول الإسلام ماحيا لذلك الفساد" . اهــ
"الصارم المسلول" ، ص347 ، 348 .

فلا تندفع المفسدة بمجرد إسلام الساب فهي مفسدة عامة أعظم من مفسدته الخاصة في ردته أو زندقته أو نقض ذمته ، فلا تستبقى مصلحته الخاصة بإهمال المصلحة العامة بصيانة الدين بالذب عن عرض صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل المصلحة العامة تقدم بداهة على المصلحة الخاصة ، فحق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : حق خاص به لا يملك غيره التنازل عنه ، وحق عام يتعلق بعموم الجماعة فلا يملك الإمام العفو في الحقوق العامة كالزنى ونحوه فكيف بسب صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام ، والمفسدة فيه أعظم ، فهي قدح في صلب الديانة ، فالزاني لا يكفر ومع ذلك لا بد من استيفاء حق الجماعة المسلمة منه فكيف بالساب الذي يكفر ويتعدى على حق الجماعة بأفحش أنواع التعدي ؟! .



ومن تعزيره : تعزير بقية الرسل عليهم السلام فسبهم من جنس سبه فيقتل فاعله مطلقا .
قال سحنون عن ابن القاسم : "من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم" .
"الصارم المسلول" ، ص369 .
وقيد : "بغير الوجه الذي به كفروا" : يخرج النصارى فقد اعتقدوا ما يستلزم القدح في المسيح عليه السلام ، بل هو نص صريح في سبه بنسبته إلى الخذلان وإسلامه إلى أذل الخلق من جنس يهود ليضربوه ويصعفونه ويضعوا الشوك على رأسه ثم يصلبوه ، فأي إهانة أعظم من ذلك ؟! ، وهو مما تنزه عنه آحاد الخلائق ، فكيف إن كان المصفوع هو الرب ، جل وعلا ، على قول اليعاقبة الأرثوذكس الذيم زعموا اتحاد اللاهوت الرباني بالناسوت الأرضي ، فقد جمعوا السوأتين فقدحوا في الرب العلي ، جل وعلا ، وفي رسوله البشري ، المسيح عليه السلام ، ومع ذلك خرجوا بالقيد المتقدم ، فذلك نص معتقدهم الفاسد فأمرنا بالسكوت عنه تأويلا لخبر الرب جل وعلا ، فــ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، فمآله عند التدبر والنظر : إنشاء النهي عن الإكراه ، فلا تكرهوا أحدا في الدين من غير المسلمين ، فــ : (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) ، خلافا للمسلم فإلزامه بأحكام وحدود الديانة ، واستتابته إن ارتد ، وعقوبته إن تعدى حدا في المنصوص عليه أو تعزيرا في غيره ، كل أولئك ليس من الإكراه في شيء كما يزعم من يزعم من العلمانيين الذين يرمون إبطال حدود الديانة الرادعة لا سيما حد الردة المعطل ، فيستدلون بآية تخص الكفار في : مسألة الردة التي تخص أهل الإسلام ، وهل ذلك إلا من سوء الفهم وضعف العقل وفساد الاستدلال بحمل آية نزلت في الكفار على المسلمين ، فهو من جنس صنيع الخوارج لما حملوا آيات نزلت في الكفار برسم السيف على المؤمنين فأعملوا السيف في المسلمين ، واشتغلوا بذلك عن جهاد الكافرين ، فوصفهم كما ذكر المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ" .

والمسألة محل إجماع حكاه ابن تيمية ، رحمه الله ، في "الصفدية" بقوله :
"من خصائص الأنبياء أن من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة وكان مرتدا كما أن من كفر به وبما جاء به كان مرتدا فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله" . اهــ
"الصفدية" ، (1/261) .
فــ : "من خصائص الأنبياء أنه يجب الإيمان بكل ما يقولونه فيجب تصديقهم في كل ما يخبرون به من الغيب وطاعتهم فيما أوجبوه على الأمم ومن كفر بشيء مما جاءوا به فهو كافر ومن سب نبيا واحدا وجب قتله وليس هذا لغير الأنبياء من الصالحين" . اهــ بتصرف من : "الجواب الصحيح" .

فــ : "الحكم في سب سائر الأنبياء كالحكم في سب نبينا فمن سب نبينا مسمى باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة ـ مثل أن يذكر في حديث أن نبيا فعل كذا أو قال كذا فيسب ذلك القائل أو الفاعل مع العلم بأنه نبي وإن لم يعلم من هو أو يسب نوع الأنبياء على الإطلاق ـ فالحكم في هذا كما تقدم لأن الإيمان بهم واجب عموما وواجب الإيمان خصوصا بمن قصه الله علينا في كتابه وسبهم كفر وردة إن كان من مسلم ومحاربة إن كان من ذمي .

وقد تقدم في الأدلة الماضية ما يدل على ذلك بعمومه لفظا أو معنى وما أعلم أحدا فرق بينهما وإن كان أكثر كلام الفقهاء إنما فيه ذكر من سب نبينا فإنما ذلك لمسيس الحاجة إليه وأنه وجب التصديق له والطاعة له جملة وتفصيلا ولا ريب أن جرم سابه أعظم من جرم ساب غيره كما أن حرمته أعظم من حرمة غيره وإن شاركه سائر إخوانه من النبيين والمرسلين في أن سابهم كافر حلال الدم .
فأما إن سب نبينا غير معتقد لنبوته فإنه يستتاب من ذلك إذا كان ممن علمت نبوته بالكتاب والسنة لأن هذا جحد لنبوته إن كان ممن يجهل أنه نبي فإنه سب محض فلا يقبل قوله : [ إني لم أعلم أنه نبي ]" . اهــ
"الصارم المسلول على شاتم الرسول" ، ص391 .
فلا يعذر بالجهل فيمن اشتهرت نبوته كما لا يعذر بالجهل فيمن اشتهرت صحبته ، فالأنبياء ، عليهم السلام ، أولى بالتوقير والتعزير من الصحابة رضي الله عنهم .

ومن تعزيرهم : تعزير نسائهم عن الفاحشة ، فــ : "أهل السنة عندهم أنه ما بغت امرأة نبي قط ..... فــ : خيانة امرأة نوح لزوجها كانت في الدين فإنها كانت تقول إنه مجنون وخيانة امرأة لوط أيضا كانت في الدين فإنها كانت تدل قومها على الأضياف وقومها كانوا يأتون الذكران لم تكن معصيتهم الزنا بالنساء حتى يظن أنها أتت فاحشة بل كانت تعينهم على المعصية " . اهــ بتصرف من : "منهاج السنة" .

فإذا كان ذلك في حق الكافرات فكيف بأمهات المؤمنين العفيفات زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدنيا والآخرة ، ألا يكون القدح في عرضهن أعظم من القدح في عرض الكوافر ، فإذا برئت الكوافر من دنس الفاحشة صيانة لعرض أزواجهن من المرسلين عليهم السلام أفلا تثبت براءة المؤمنات ، بل أمهات المؤمنين ! ، ألا تثبت براءتهن من باب أولى صيانة لعرض المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من القدح ، ولفراشه الطاهر من الدنس ؟! .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
27-05-2011, 07:36 PM
ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : تعزير حملة علوم النبوة ، فهم ورثة الرسالة ، وبهم تحفظ رسوم الديانة .



وتعزيرهم لا يكون قولا بلا فعل يصدقه ، بل رسم دول العدل كدولة الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فهو الخامس أو السادس بعد الحسن ، رضي الله عنه ، فقد تولاها ثم تنازل عنها لأعدل الملوك معاوية ، رضي الله عنه ، فلم يأت بعده مثله ، فرسم دولة ابن عبد العزيز : تعظيم العلماء فهم مجلس شوراه في الإمارة ثم الخلافة ، ورسم دولة السلطان العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي رحمهما الله : الشورى في القضايا العامة ، فلسان مقاله في نازلة فواضل الأوقاف : "ليس العمل إلاّ ما تتفقون عليه وتشهدون به ، وعلى هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يجتمعون ويتشاورون في مصالح المسلمين ، وليس يجوز لأحد منكم أن يعلم من ذلك شيئاً إلاّ ويذكره ، ولا ينكر شيئاً مما يقوله غيره إلاّ وينكره ، والساكت منكم مصَّدق للناطق ومصوبَّ له" . اهــ
نقلا عن : "القائد المجاهد : نور الدين محمود زنكي" ، ص102 ، للدكتور علي الصلابي حفظه الله وسدده .
فأعطاهم نور الدين ، رحمه الله ، الأمان ، فانتفى احتمال الإكراه أو التقية فصار إجماعهم بقول بعضهم وإقرار الباقين ، محل الرضا ، فالناطق ناطق برسم العلم ، والساكت ساكت برسم الرضا ، فليس ثم شبهة إكراه ، فالسكوت في موضع البيان مع انتفاء شبهة الإكراه : بيان ، فذلك وقت الحاجة ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فمتى يحسن الجهر بالحق إن فات وقته من صدع في مجلس ظالم ، أو نصح في مجلس عادل ، أو حكم في مجلس قضاء ، أو فتوى في مجلس استفتاء ، أو جواب لمسترشد في مجلس علم ، أو إزالة لشبهة عرضت فواجب الوقت إماتتها فإن ظهرت فليس بد من دحضها بحجج الحق الباهرة ، فواجب الوقت قد يحمل المكلف على تقديم المفضول على الفاضل ، كتقديم أمور السياسة على أمور الأحكام في الأزمنة التي يشكك فيها في الدين وأخباره ويطعن فيها في سياساته وأحكامه في مقابل رفع لمخفوض من ذوق أو معقول يعارض به الشرع المعصوم في خبره وحكمه وسياساته ورياضاته فلم يكن ثم بد من الاشتغال بالشأن السياسي بيانا للحق وردا للباطل بحجج الشرع الصحيحة وحجج العقل الصريحة ، فلا يقدم العقل إلا في معرض التنزل مع الخصم لإلزامه بحجة الشرع لا بقياس العقل وإلا ما صنع المناظر شيئا ، فمراد المناظر له : بيان الحجة الرسالية بإزالة الشبهة ، وحمله على الإقرار بحجة الشرع الصحيحة لا بحجة العقل ، وإن كانت صريحة ، فهي الوسيلة لا الغاية فليس المراد ، كما يقول بعض الفضلاء ، رده إلى قول المناظر فليس متعبدا بقول زيد أو عمرو من البشر ، وإنما هو متعبد بقول رب البشر ، جل وعلا ، وإنما المراد رده إلى حكم الشارع ، جل وعلا ، ليحصل معنى العبودية بالانقياد والتسليم لا البحث والتنقير عن علة كل حكم ، فما أفاء به الرب ، جل وعلا ، من علل الأحكام التي يدركها العقل فيخرجها وينقحها ليحققها في نظائرها فخير ، وما لم تعلم علته فالواجب فيه التسليم لا البحث والتنقير ، أو التماس علل متكلفة بحجة تقريب الشرع لعقول البشر ، فإن فيه مواضع لا تدركها العقول قد حجب الرب ، جل وعلا ، عللها وحكمها عن البشر ، فإن لم يكن مستند المؤمن كمال الانقياد والتسليم ابتداء فكيف يؤمن بأن الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ؟! ، وأنى لمناظره بحجة على ذلك إن كان مناط الأمر عنده : موافقه الحكم لقياس عقله فعقله هو الأصل والشرع عليه فرع ! ، فـ : "الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ : أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَأَمْرٌ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ فَكِلُوهُ إلَى عَالَمِهِ" ، كما أثر عن المسيح عليه السلام ، و : "مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله - على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع . ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها ، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها ، بل انقادت وسلمت وأذعنت ، وما عرفت من الحكمة عرفته ، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته ، ولا جعلت ذلك من شأنها ، وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك ، كما في الإنجيل : "يا بني إسرائيل لا تقولوا : لم أمر ربنا ؟ ولكن قولوا : بم أمر ربنا" ؛ ولهذا كان سلف هذه الأمة . التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما - لا تسأل نبيها : لم أمر الله بكذا ؟ ولم نهى عن كذا ؟ ولم قدر كذا ؟ ولم فعل كذا ؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام ، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم .
فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به ، ثم العزم الجازم على امتثاله ، ثم المسارعة إليه والمبادرة به ، (فالأمر يقتضي الفور على القول الراجح كما قرر ذلك أهل الأصول) ، والحذر عن القواطع والموانع ، ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه ، ثم فعله لكونه مأمورا ، بحيث لا يتوقف الإتيان به على معرفة حكمته ، فإن ظهرت له فعله وإلا عطله فإن هذا ينافي الانقياد ويقدح في الامتثال ....... فشفاء العي السؤال . ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم ، فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره" . اهــ
بتصرف من : "شرح الطحاوية" ، ص239 .

والشاهد أنه لا شبهة إكراه في مجلس نور الدين فالإمارة : إمارة عدل لا يخشى فيها الناطق بالحق بأسا ، فالسلطان قد خفض جناحه للمؤمنين ، فكيف بأولي الأمر من أهل الحل والعقد ؟! ، وبحكمهم تصلح الحال ، وبإجماعهم تصيب الأمة الحق برسم العصمة ، فــ : "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم" .
فإجماع سكوتي على الحق إذا نطق به المجتهد المسدد ، فيؤيده فئام باللفظ ، ويؤيده آخرون بالرضا والقبول ، ولو بالسكوت مع انتفاء شبهة الإكراه ، كما تقدم ، فــ : "لو لم يدل سكوت الساكت على الرضا لتعذر وجود الإجماع بالأصالة أو تعذر وجوده غالبا لأن الإجماع النطقي عزيز جدا إذ العلم بتصريح كل واحد من المجتهدين بحكم واحد في واقعة واحدة متعذر لكن الإجماع موجود في كثير من مسائل الشرع الفرعية وغيرها وإنما كان ذلك بهذا الطريق وهو قول البعض وإقرار البعض" . اهــ من كلام الطوفي ، رحمه الله ، في "شرح مختصر الروضة" ، نقلا عن حاشية المحقق على : "تلخيص الروضة" ، (1/309) .

فلا يؤت العلم ثمرته حتى يتأول في الشأن الخاص والعام ، بيانا للحق وإنكارا للمنكر ، فلا يحل للعالم ما يحل لآحاد المكلفين من السكوت عن الإنكار للجهل بالحكم فالعلماء مظنة انتفائه ، وإن شرع لهم التوقف فيما اشتبه ، فليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد عصم ، فيكون قوله وفعله حجة في نفسه ، إلا ما وقع من خلاف في عمل الصحابي ، فوقوع الخلاف في حجيته لا يتصور بداهة في حجية قول النبي المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو السكوت خشية البأس إن كان السلطان : سلطان جور ، فإن شرعت الرخصة في حق العموم فلا تشرع في خصوص الراسخين من العلماء الربانيين ، فذلك رسم أحمد ، رحمه الله ، في الفتنة .

وكانت مجالس السلطان العادل نور الدين محمود :
مجالس بحث ونظر في جلائل الأمور ، فلم تكن ، كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين ، ترفا علميا قليل الجدوى ، بل رسم مجلسه : العدل والشورى فلا تجري أحواله إلا على محض الشريعة كما قال صاحب "الروضتين" ، رحمه الله ، فــ : "كان نور الدين يقعد في الأسبوع أربعة أيام أو خمسة أيام في دار العدل للنظر في أمور الرعية وكشف الظلامة ، لا يطلب بذلك درهما ولا ديناراً ولا زيادة ترجع إلى خزانته ، وإنما يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله وطلبا للثواب والزلفى في الآخرة ، و يأمر بحضور العلماء والفقهاء ، و يأمر بإزالة الحاجب والبواب حتى يصل إليه الضعيف والقوي ، والفقير والغني ، ويكلمهم بأحسن الكلام ، ويستفهم منهم بأبلغ النظام ، حتى لا يطمع الغني في دفع الفقير بالمال ، ولا القوي في دفع الضعيف بالقال . ويحضر في مجلسه العجوز الضعيفة التي لا تقدر على الوصول إلى خصمها ولا المكالمة معه فيأمر بمساواتها له فتغلب خصمها طمعا في عدله ، ويعجز الخصم عن دفعها خوفا من عدله . فيظهر الحق عنده فيجرى الله على لسانه ما هو موافق للشريعة ، ويسأل العلماء والفقهاء عما يشكل عليه من الأمور الغامضة فلا يجرى في مجلسه إلا محض الشريعة" . اهــ ، فشبه ابن الأثير ، رحمه الله ، مجلسه بمجلس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فــ :
"كان مجلسه كما روى في صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس حلم وحياء لا تؤبن فيه الحرم ؛ وهكذا كان مجلسه لا يذكر فيه إلا العلم والدين وأحوال الصالحين ، والمشاورة في أمر الجهاد ، وقصد بلاد العدو ، ولا يتعدى هذا . بلغني أن الحافظ ابن عساكر الدمشقي ، رضي الله عنه ، حضر مجلس صلاح الدين يوسف لما ملك دمشق فرأى فيه من اللغط وسوء الأدب من الجلوس فيه ما لا حد عليه . فشرع يحدث صلاح الدين كما كان يحدث نور الدين فلم يتمكن من القول لكثرة الاختلاف من المحدثين وقلة استماعهم .. فقام وبقى مدة لا يحضر المجلس الصلاحي ؛ وتكرر من صلاح الدين الطلب له ، فحضر ، فعاتبه صلاح الدين يوسف على انقطاعه ، (فذلك رسم الملوك العدول فهم لا يطيقون غياب الفضلاء ولا يصبرون عن مجالسة العلماء) ، فقال : نزهت نفسي عن مجلسك فإنني رأيته كبعض مجالس السُّوقة ، لا يستمع إلى قائل ، ولا يرد جواب متكلم . وقد كنا بالأمس نحضر مجلس نور الدين فكنا ، كما قيل ، كأن على رءوسنا الطير ، تعلونا الهيبة والوقار ، فإذا تكلم أنصتنا وإذا تكلمنا استمع لنا . فتقدم صلاح الدين إلى أصحابه أنه لا يكون منهم ما جرت به عادتهم إذا حضر الحافظ . قال ابن الأثير : فهكذا كانت أحواله جميعها رحمه الله مضبوطة محفوظة" . اهــ من : "الروضتين" .

فمن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : تعزيرهم بلا غلو في أعيانهم ، فإجماعهم معدن العصمة ، فليست لآحادهم ، وإنما لمجموعهم ، فــ : "مَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ - مِنْ مَشَايِخِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ - فَمَنْ أَثْبَتَهُمْ وَسَائِطَ بَيْنَ الرَّسُولِ وَأُمَّتِهِ يُبَلِّغُونَهُمْ ؛ وَيُعَلِّمُونَهُمْ ؛ وَيُؤَدِّبُونَهُمْ ؛ وَيَقْتَدُونَ بِهِمْ ؛ فَقَدْ أَصَابَ فِي ذَلِكَ . وَهَؤُلَاءِ إذَا أَجْمَعُوا فَإِجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ؛ إذْ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيْسَ بِمَعْصُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ وَيُتْرَكُ : إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّ وَافِرٍ }" .
"مجموع الفتاوى" ، (1/125 ، 126) .
فإن العصمة لا تدور مع أحد مطلقا إلا مع صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فــ : "ما من أحد من الناس إلا يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" . اهــ من : "شرح العقيدة الأصفهانية" .
فــ : "الغلط جائز على كل أحد إلا الأنبياء عليهم السلام فإنهم معصومون لا يقرون على خطأ فمن لم يزن علومه وأعماله وأقواله وأفعاله بالمعلوم عن الأنبياء وإلا كان ضالا فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" . اهــ
"الجواب الصحيح" ، (1/458 ، 459) .

ولا تدور من وجه آخر ، إلا مع أصحابه ، باعتبار مجموعهم لا جميعهم ، فأعيانهم غير معصومة ، وإنما عصم الجميع بتزكية الوحي ، فــ : (مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، وهم أول طباق المؤمنين ، فدخولهم في هذا النص أولى من دخول غيرهم ، فإنهم أعلم الناس بلسان الوحي ومراده ، فعليهم نزل وبلسانهم نطق فعلموا من قرائن اللسان والحال ما لم يعلمه من جاء بعدهم فــ : "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ" .
فــ "الواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وطاعة رسوله يدور على ذلك ويتبعه أين وجده ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقا عاما إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما إلا للصحابة رضي الله عنهم أجمعين فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط بخلاف أصحاب عالم من العلماء فإنهم قد يجمعون على خطأ بل كل قول قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما إلى عالم واحد وأصحابه ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم" . اهـ من : "منهاج السنة" .

وإجماع كل طبقة حجة قطعية ، لقرينة العصمة ، فــ : "إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة" . اهــ
"تلخيص الروضة" ، (1/285) .
خلافا لمن قصر ذلك على الصحابة كما قال داود بن علي ، رحمه الله ، وإليه أشار ابن حزم ، رحمه الله ، في "الإحكام" بقوله : "قال سليمان وكثير من أصحابنا لا إجماع إلا إجماع الصحابة رضي الله عنهم واحتج في ذلك بأنهم شهدوا التوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف وأيضا فإنهم رضي الله عنهم كانوا جميع المؤمنين لا مؤمن من الناس سواهم ومن هذه صفته فإجماعهم هو إجماع المؤمنين وهو الإجماع المقطوع به وأما كل عصر بعدهم فإنما بعض المؤمنين لا كلهم وليس إجماع بعض المؤمنين إجماعا إنما الإجماع إجماع جميعهم وأيضا فإنهم كانوا عددا محصورا يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم وليس من بعدهم كذلك" . اهــ ، وقد خالفهم القول فتردد في الترجيح بين من عم بالحكم جميع طباق الأمة ، وبين من خص به القرن الأول ، رضي الله عنهم ، فقال : "وأما من قال إن إجماع أهل كل عصر فهو إجماع كلٍ صحيح فقول الباطل لما ذكرنا من أنهم بعض المسلمين لا كلهم لكنه حق لما ذكرنا قبل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق إلى أن يأتي أمر الله)" . اهــ من : "الإحكام" .


وكما تومئ إليه ، أيضا ، رواية أبي دواد عن أحمد رحمهما الله : "الاتباع أن تتبع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وهو بعد في التابعين مخير" . اهــ
قال القاضي أبو يعلى رحمه الله : "هذا محمول من كلامه على آحاد التابعين لا على جماعتهم" . اهــ
واستدرك ابن عقيل ، رحمه الله ، بقوله : "وصرف شيخنا ، (أي : القاضي أبو يعلى رحمه الله) ، كلام أحمد عن ظاهره فب الرواية الموافقة لداود بغير دليل" . اهــ
بتصرف نقلا عن حاشية المحقق على : "تلخيص الروضة" ، (1/285 ، 286) .

فالقول غير صريح في الدلالة فيحتمل ، كما تقدم ، آحاد التابعين ، فليس قول آحادهم حجة بالإجماع ، خلافا لقول الصحابي ، فهو حجة عند قوم خلافا للشافعي رحمه الله في الجديد ، على تفصيل ليس هذا موضعه ، فلقول الصحابي من الاعتبار ما ليس لقول التابعي ، فذلك يشبه من وجه قول أبي حنيفة رحمه الله : "ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة اخترنا ، وما كان من غير ذلك ، فهم رجال ونحن رجال" . اهــ ، فلا يسعه أن يتقدم بين يدي أقوال الصحابة ، رضي الله عنهم ، وإنما يختار منها ، ويسعه مع ذلك أن يتقدم بين يدي أقوال غيرهم ممن جاء بعدهم ، فلقرن الصحابة ، رضي الله عنهم ، من العلم بلسان الوحي وقرائن التنزيل ما ليس لغيرهم ، فإجماعهم أقطع في الحجة وأقوى في الاستدلال ، وإن لم يسلم الجمهور لمن قصر الإجماع الصحيح عليهم فهو مقر بتقدم إجماعهم على إجماع غيرهم ، فــ : "هُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَعَقْلٍ وَدِينٍ وَفَضْلٍ وَكُلِّ سَبَبٍ يُنَالُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ يُدْرَكُ بِهِ هُدًى وَرَأْيُهُمْ لَنَا خَيْرٌ مِنْ رَأْيِنَا لِأَنْفُسِنَا" كما أثر عن الشافعي رحمه الله .


ولما تقدم من خلاف عقد الخطيب ، رحمه الله ، في : "الفقيه والمتفقه" بابا ، فقال : "باب القول في أن إجماع أهل كل عصر حجة وأنه لا يقف على الصحابة خاصة إذا أجمع أهل عصر على شيء ، كان إجماعهم حجة ، ولا يجوز اجتماعهم على الخطأ وقال داود بن علي : الإجماع : إجماع الصحابة دون غيرهم ، واحتج بقوله تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ، وبقوله : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) قال : وهذا خطاب مواجهة للصحابة دون غيرهم ، فلا مدخل فيه لمن سواهم قال : ولأن العقل يجوز الخطأ على العدد الكثير وإنما وجبت العصمة من طريق الشرع ، وقد ثبت الشرع بعصمة الصحابة في إجماعهم ، ولم يثبت بعصمة غيرهم ، فمن ادعى عصمة غيرهم فعليه إقامة الدليل . وهذا غير صحيح ، لقوله تعالى : (ويتبع غير سبيل المؤمنين) ولم يفرق بين الصحابة وبين غيرهم ، فهو على عمومه وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ، وقوله : (إن يد الله على الجماعة) وقوله : (من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية) وما أشبه ذلك من الأحاديث ....... وهي عامة في الصحابة وفي غيرهم فأما الجواب عن الآيتين فهو : أن ذلك خطاب لجميع الأمة كما قال الله تعالى : (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ، (وقاتلوا في سبيل الله) ، (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ، وكل ذلك خطاب لجميع الأمة ، فكذلك ها هنا ، (فهو خطاب مواجهة للموجود زمان نزوله وخطاب تكليف وإلزام لعموم الأمة الموجود منها آنذاك والمعدوم فلما يوجد بعد وهو مما يستأنس به من جوز خطاب المعدوم باعتبار ما سيكون من وجوده ، فهو خطاب عام لقرينة عموم التشريع فالجهة منفكة ، فجهة الخطاب والإعلام للموجود ، تبابن جهة التكليف والإلزام للموجود والمعدوم معا ، فيشبه ذلك من وجه خطاب النائم بالتكليف فهو مخاطب إعلاما كسائر المكلفين وهو في نفس الوقت غير مخاطب بالتكليف فقد رفع عنه القلم ما لم يكن مفرطا أو متعمدا للنوم حتى خرج زمن العبادة في الواجب المضيق الذي يشترط لصحته حضور العقل يقظةً فلا يتصور وقوعه من نائم كالصلاة خلافا لما يصح استصحاب حال الأداء فيه زمن النوم كالصيام فصيام النائم متصور وصحيح ، وصلاة النائم غير متصورة ابتداء ليحكم عليها بصحة أو بطلان !) ، يدل عليه أن صغار الصحابة الذين بلغوا وصاروا من أهل الاجتهاد بعد نزول الآيتين داخلون فيهما ........ وأما قوله : إن الشرع خص الصحابة بالعصمة فالجواب عنه : أن كل شرع أثبتنا به حجة الإجماع ، فهو عام في الصحابة ، وغيرهم ، فلم يصح ما قاله" . اهــ بتصرف .


والشاهد أن : "إجماع أهل كل عصر كإجماع الصحابة .......... فالكلية حاصلة للموجودين في كل عصر ....... ولو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج" . اهــ بتصرف من : "تلخيص الروضة" ، (1/286 ، 287) .
فلو فتح باب الاحتمال بمخالفة واحد غير معلوم لم تثبت مخالفته يقينا لقدح في أصل متيقن بشك طارئ ، فبطلت الأصول بالظنون ، وذلك غير جار على رسم الأصول ، فالإجماع ، كما تقدم ، حجة في كل عصر ، فذلك مدلول النصوص الشرعية ، فــ : (مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، فأفاد الخبر بمنطوقه أن مخالفة سبيلهم مئنة من الضلال وذريعة إلى الهلكة ، وأفاد بمفهومه أن موافقة سبيلهم مئنة من الهدى وذريعة إلى النجاة ، فالقياس مطرد منعكس ، وهو جار على عادة التنزيل في نصوص المدح والذم ، والوعد والوعيد ، فــ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فأفاد الخبر بمنطوقه ، كما يقول بعض أهل العلم ، وجوب الرد عند التنازع فلا إجماع يرفع الخلاف ، وأفاد بمفهومه : عدم وجوب ذلك عند حصول الإجماع فبه يرتفع الخلاف ، والمراد هنا بداهة : الإجماع المعتبر لا إجماع من لا يعتبر إجماعه من عموم المسلمين فالعرف قد يفسد فتصير البدعة سنة يجمع أهل مصر عليها مع وجود المنكر جزما ، فلا تخلو الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة ، فالصورة : صورة إجماع في الظاهر ، وليس ثم إجماع في الحقيقة ، لمن تدبر ونظر ، فلا ينعقد الإجماع مستندا إلى العرف إلا إن كان صحيحا من وجه ، كما نوه بذلك السرخسي ، رحمه الله ، في المبسوط بقوله : "وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر" ، فلا عبرة إلا بالعرف الموافق للشرع ، عاما من آخر فلا ينعقد الإجماع مستندا إلى عرف خاص بمصر من الأمصار ، فالعرف المعتبر في الأصول هو العرف العام لا العرف الخاص في عادات الناس أو اصطلاحات أهل الفنون ، فلا يحكم على النصوص النازلة سلفا بأعراف عادية وأخرى اصطلاحية حادثة خلفا ، فالمتأخر لا يحكم على المتقدم ، وإنما يحكم على المتقدم من نص الوحي المنزل بعرف واصطلاح زمانه ، فالعرف المخصص لعموم النص هو العرف المقارن له لا العرف الحادث بعده فهو متأخر عنه ، فالمتأخر لا يقضي على المتقدم ، ولا يحكم على النصوص باصطلاحات حادثة وإنما يحكم عليها باصطلاح ومعهود اللسان الذي نزلت به ، أو اللسان الذي تقدمها ، فيحكم على نص التنزيل بلسان الجاهليين المتقدمين والإسلاميين المعاصرين لنزول الوحي ومن جاء بعدهم إلى أن فسد اللسان العربي بما طرأ عليه من العجمة بعد اختلاط العرب الأقحاح بأبناء الأمم الأخرى في الأمصار المفتوحة التي دخلها الإسلام بعد انقضاء زمان النبوة .

والشاهد أن الآية تفيد بمفهومها عدم رد النزاع عند حصول الإجماع المعتبر ، فهو حجة قاطعة يرتفع بها الخلاف ويزول الإشكال ، فــ : "إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالةٍ" ، فتضمن التزكية العامة للأمة ، وأهل العلم خير طباقها ، فـــ : "كُلُّ أُمَّةٍ عُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ". اهــ من كلام الشعبي رحمه الله ، وقد ذيل عليه ابن تيمية ، رحمه الله ، بقوله : "وَأَهْلُ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ ؛ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ ضَالُّونَ وَإِنَّمَا يُضِلُّهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ ؛ فَعُلَمَاؤُهُمْ شِرَارُهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى هُدًى وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْهُدَى بِعُلَمَائِهِمْ فَعُلَمَاؤُهُمْ خِيَارُهُمْ ؛ وَكَذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَئِمَّتُهُمْ خِيَارُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةُ أَهْلِ الْبِدَعِ أَضَرُّ عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ" . اهــ من "مجموع الفتاوى" ، وذلك مما قد يستأنس به من يقدم الإجماع على نص الكتاب وخبر السنة ، فيكفي في رفع النزاع دون رجوع إلى النص ، و ليس ذلك ردا للنص به ، وإنما النص قد يقع الخلاف في وجه دلالته فيكون ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت من تنزيل أو سنة متواترة ، خلافا للإجماع اللفظي لا السكوتي فدلالته قطعية جازمة ، وقد يقع الخلاف في صحته إن كان خبر آحاد خلافا للإجماع القطعي المتواتر فهو إجماع منقول بالتواتر ، فلا يتصور الخطأ في نقله أو الكتمان على أهله ، فلا يجوز على أهل التواتر : التواطؤ على الكذب أو كتمان الخبر ، والإجماع من وجه آخر يستند إلى نص ، فمستنده في الأعم الأغلب نص منزل من كتاب أو سنة ، كما أشار إلى ذلك الشاطبي ، رحمه الله ، بقوله : "الأمة لا تجتمع على ضلالة فقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي" . اهــ بتصرف من : "الاعتصام" ، (1/190) .

والشاهد أن إجماع علماء الأمة المعتبرين ، فهم أهل الحل والعقد من المجتهدين لا من غيرهم فلا عبرة بإجماع أهل الصنائع الأخرى ، بل ولا عبرة بإجماع : "من يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم كأهل الكلام ، واللغة ، والنحو ، ودقائق الحساب فهو كالعامي لا يعتد بخلافه ، فإن كل أحد فهو عامي بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه ، وإن حصل علما سواه" . اهــ من : "تلخيص الروضة" ، (1/280) ، بل ولا عبرة بالأصولي الذي لا يحفظ الفروع واللغوي الذي يعرف طرائق اللسان في البيان دون علم بالأحكام ، على خلاف في ذلك فقد اعتبر قولهما الطوفي من الحنابلة ، رحمهم الله ، فهما يدركان وجه الاستدلال بالقوة القابلة للفعل ، وإن لم يباشراه ، فلهما ملكة إدراك الحكم واستنباطه من دليله ، الأول : بقواعد الأصول فهي معايير محكمة تستنبط بها المعاني من مباني النصوص ، والثاني : بقواعد اللسان فعليها وردت النصوص ، فبإدراك معهود اللسان يحصل البيان والإفصاح عن مراد المتكلم . اهــ بتصرف من : "تلخيص الروضة" ، حاشية المحقق : (1/281) ، بل ولا عبرة بالفقيه الذي يحفظ الفروع ولا يعرف أدلتها ، وإن عرفها فلا يعرف وجوه الاستدلال بها فليست له آلة الاستنباط ، وإن علم جملة وافرة من الأحكام ، فــ : "من لا يعرف الأحكام لا يعرف النظير فيقيس عليه ، ومن يعرف كيفية الاستنباط مع عدم معرفة ما يستنبط منه لا يمكنه الاستنباط ، (وهو الأصولي المجرد الذي لا يحيط بجملة من النصوص ليستثمر منها الأحكام بما عنده من آلة الفهم والاستنباط) . وكذلك من يعرف النصوص ولا يعرف كيف يتلقى الأحكام منها ، لا يمكنه تعرف الأحكام ، (وهو الفقيه المقلد الذي يحفظ الفروع مجردة من أدلتها أو يحفظها ويحفظ الأدلة ولا يعرف وجوه دلالتها على الحكم فليس فقيها ولو في مذهبه فإنه لا يعرف أصوله ولا يعرف مآخذ أقوال إمامه ، فلا يحل له حكايتها كما أثر عن أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف رحمهما الله ، فــ : "لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه" ، قال الشوكاني ، رحمه الله ، في "القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد" : "وهذا هو تصريح بمنع التقليد لأن من علم بالدليل فهو مجتهد مطالب بالحجة لا مقلد فإنه الذي يقبل القول ولا يطالب بحجة . وحكى ابن عبد البر أيضا عن معن بن عيسى بإسناد متصل به قال سمعت مالكا يقول : (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه)" . اهــ) " . اهــ بتصرف من : "تلخيص الروضة" ، (1/281 ، 282) .
ولا عبرة من باب أولى بقول كافر وإن كان متأولا ، فالإجماع قد انعقد على عدم اعتبار قول الكافر في الإجماع ، ولو انتهى إلى رتبة الاجتهاد ! ، وذلك أمر يتصور في الدارسين للعلوم الإسلامية من الكفار الأصليين من المستشرقين وأضرابهم ، فقد يبلغ أحدهم رتبة الاجتهاد في الاستنباط ولا يرزق مع هذا الذكاء العقلاني النادر زكاء نفسانيا يكافئه فقد أوتي آلة النظر وحرم التوفيق ، فــ : (أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) ، فأقيمت عليه الحجة من نفسه لا من خارج ، فعنده آلة الفهم والنظر ، بل والاجتهاد المطلق دون توفيق إلى الحق اتباعا فلا تكفي المعرفة المجردة دون انقياد وتسليم لرب العالمين ، جل وعلا ، بتوحيد العبودية المطلقة فــ : (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) ، فذلك مقتضى شهادة : أن لا إله إلا الله ، ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتوحيد الاتباع المطلق ، فــ : (مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، فذلك مقتضى شهادة : أن محمد رسول الله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالمعرفة المجردة بل والتصديق إن لم يشفع بالامتثال للحكم فلا عبرة به ، فالإيمان قول وعمل ، وكم قد عرف كفار بل وصدقوا يقينا بصحة الرسالة الخاتمة ، ولكنهم آثروا مآكلهم ورياساتهم على اتباع الحق فهو ثقيل في مبتداه مريء في منتهاه ، فلا يقوى على احتماله كل أحد ، فلا تحتمله إلا النفوس الكبار ، و :
إذَا كَانت النّفُوسُ كِبَاراً ******* تعبتْ في مُرَادِهَا الأجسامُ .

وأما الكافر المتأول فلا يعتبر قوله مطلقا كغير المتأول في قول جماعة من أهل العلم كابن قدامة والطوفي ، من الحنابلة رحمهم الله ، وفصل آخرون فمن كفره لم يعتد به ، ومن لم يكفره فهو عنده من الفساق ، فلا يعتد به أيضا ، فــ : "الفاسق باعتقاد أو فعل : قال القاضي ، (وهو : أبو يعلى الفراء الحنبلي رحمه الله) ، وجماعة : لا يعتد به ، لقوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) ، أي عدولا ، وهذا غير عدل فلا تقبل روايته ولا شهادته ولا قوله في الإجماع كما لا يقبل منفردا ........ والقول الثاني قول أبي الخطاب فــ : يعتبر ، والقول الثالث : اعتباره إن ذكر مستندا صالحا فالعبرة في مستنده لا في حاله فمرد الأمر إلى صحة دليله ووجاهة استدلاله ، والقول الرابع : اعتبار خلافه في حق نفسه دون غيره" . اهــ بتصرف من : "تلخيص الروضة" وحاشية المحقق عليه ، (1/282_284) .

والشاهد أن الإجماع المعتبر هو : إجماع أهل الحل والعقد من المجتهدين المعتبرين ، ولذلك اشترط الأصوليون في حد الإجماع فصل : "أهل الحل والعقد" ، أو : "مجتهدي الأمة" ، فحده الآمدي ، رحمه الله ، في "الإحكام" بأنه : "اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع" ، وحده المرداوي ، رحمه الله ، في "التحبير" بقوله : "اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر ولو فعلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم" .
نقلا عن حاشية المحقق على : "تلخيص الروضة" ، (1/270) .

وأهل الحل والعقد هم الذين يرد إليهم الأمر عند وقوع التنازع في أمور العلم والفقه ، فـ : (لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، وفي أمور السياسة والحكم ، من باب أولى ، فمن ائتمن على أمر الدين ائتمن على أمر الدنيا من باب أولى ، فذلك من قياس الأولى الذي استدل به الأصحاب ، رضي الله عنهم ، على فضيلة الصديق وسابقته ، فولوه الأمر فقد ائتمن على الأعلى فكيف لا يؤتمن على الأدنى ، فاستند إجماعهم على توليته الأمر بعد قبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى قياس الأولى الصريح ، على قول من جوز استناد الإجماع إلى القياس ، فهو دليل كلي من أدلة الأحكام ، وهو الأصل الرابع من أصول الاستدلال في الشريعة ، فاستدل لتجويز استناد الإجماع إلى قياس ، بصور من الإجماع القطعي المتواتر استندت إلى القياس ، كالإجماع على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه فهو الأصل المنصوص على تحريمه فقيس الفرع عليه لعلة الرجس فهي العلة المنصوص عليها ، فــ : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) ، وتلك أجلى صور العلة ، فقد نص عليها مقرونة بالفاء عقيب الحكم فذكر الوصف عقيب الحكم مئنة من العلية كما حقق ذلك أهل الأصول الشرعية واللسانية ، وقال بعض أهل العلم ، كالقرطبي والشاطبي من المالكية رحمهم الله ، بأن تحريم الشحم داخل في تحريم اللحم ، فتحريمه ثابت بالنص لا بالإجماع المستند إلى القياس ، فإذا أطلق اللحم في كلام العرب عم الشحم ، ولا عكس ، فالنص على حكم اللحم أصلا يعم حكم الشحم تبعا فلا قياس في هذه الصورة ، والمسألة مبسوطة في كتب الأصول والفقه ، والشاهد منها جواز استناد الإجماع إلى القياس الجلي ، فاستند الأصحاب ، رضي الله عنهم ، إليه في تقديم الصديق ، رضي الله عنه في إمامة الدنيا فرعا على تقديم صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم له في إمامة الدين ، فقال علي ، رضي الله عنه ، كما في "السنة" للخلال رحمه الله : لما قبض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا ما رضي رسول الله لديننا فقدمنا أبا بكر رحمه الله . قال المحقق : إسناد هذا الحديث لا يصح لأن فيه أبو بكر الهذلي متروك الحديث . اهــ ، ولكن معناه صحيح ويشهد له من قول علي رضي الله عنه في خطبته يوم البصرة : "ثم رأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر رضي الله عنه فبايعوا وعاهدوا وسلموا وبايعت وعاهدت وسلمت ورضوا ورضيت وفعل من الخير وجاهد حتى قبضه الله عز وجل رحمة الله عليه واستخلف عمر رضي الله عنه فبايعه المسلمون وعاهدوا وسلموا وبايعت وعاهدت وسلمت ورضوا ورضيت ففعل وفعل من الخير حتى ضرب الإسلام بجرانه رحمة الله عليه فما بال أبي بكر وعمر يوفى لهما بيعتهما وما بال بيعتي تنكث فوالله إني لأرجوا أن لا أكون دون امرئ منهما" . اهــ ، فقوله رضي الله عنه : "فبايعوا وعاهدوا وسلموا وبايعت وعاهدت وسلمت ورضوا ورضيت" ، فيه مئنة من وقوع الإجماع بحصول المبايعة والمعاهدة والتسليم والرضا برسم المجموع الذي دلت على واو الجماعة فلم يسعه ، رضي الله عنه ، إلا أن يدخل معهم ، فانعقد الإجماع على خلافة الصديق ، رضي الله عنه ، فقال إمام الحرمين ، أبو المعالي الجويني ، رحمه الله في "الإرشاد" : "وقد اندرجوا تحت الطاعة عن بكرة أبيهم لأبي بكر - رضي الله عنه - وكان علي - رضي الله عنه - سامعاً لأمره ، وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد ، ونهض إلى غزو بني حنيفة" ، وانعقد على خلافة عمر ، رضي الله عنه ، كما في أثر ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وفيه : "ولم يختلف في خلافتك اثنان" ، وانعقد على خلافة عثمان ، رضي الله عنه ، كما في أثر عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه ، فقد
سأل النساء في خدورهن ، والصبيان في المكاتب ، فلم يراهم يعدلون بعثمان أحدا ، فقدَّمه على علي، وولاه الأمر قبله ، وانعقد إجماع أهل الحل والعقد من أهل الشوكة ومن السابقين الأولين على خلافة علي ، رضي الله عنه ، وإن خالف أهل الشام لما تأولوه اجتهادا من طلب دم عثمان ، رضي الله عنه ، قبل البيعة فكان ما كان من امتناعهم ثم قتال علي ، رضي الله عنه ، لهم قتال أهل البغي من المؤمنين ، فلا عبرة بخلافهم في انعقاد الإجماع على صحة بيعة علي ، رضي الله عنه ، فهي بيعة صحيحة فلا يشترط لصحة البيعة مبايعة كل أهل الحل والعقد وأصحاب الشوكة ، بل تنعقد البيعة بمبايعة أكثرهم ، فخلافته ، رضي الله عنه ، خلافة رشد ونبوة ، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية ، رحمه الله ، في "مجموع الفتاوى" في معرض بيان مذهب أحمد ، رحمه الله ، في حجية ما سنه الخلفاء الراشدون الأربعة : "ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَهُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا وَقَالَ أَحْمَد : كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ وَكَذَلِكَ بَيْعَةُ عَلِيٍّ كانت بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعْقَدْ بِالْمَدِينَةِ بَيْعَةٌ" . اهــ من : "مجموع الفتاوى" ، والسياق غير حاصر ، فإن من البيعات ما كان برسم خلافة النبوة وإن لم ينعقد في المدينة ، فخلافة الحسن ، رضي الله عنه ، خلافة نبوة راشدة ، بل قد أثنى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صاحبها فــ : "إنَّ ابني هذا سَيّدٌ ولعلَّ اللهَ أن يُصْلِحَ به بين فئتين من المسلمين" ، وهي المتممة ، لعهد الخلافة الراشدة ، خلافة النبوة فــ : "خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ يَصِيرُ مُلْكًا عَضُوضًا" ، والشاهد أن الإجماع الأول على خلافة الصديق الأعظم ، رضي الله عنه ، قد انعقد على مستند القياس ، وإلى طرف مما تقدم أشار ابن بطال المالكي ، رحمه الله ، بقوله : "قال أبو تمام المالكي : اجتمعت الصحابة على القياس ، فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب على الورق فى الزكاة . وقال أبو بكر الصديق : أقيلوني بيعتي . فقال علي : والله لا نقيلك ، رضيك رسول الله لديننا ، أفلا نرضاك لدنيانا ؟ فقياس الإمامة على الصلاة" . اهــ من : "شرح ابن بطال" ، فضلا عن النص الخفي أو الترشيح الجلي من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للصديق الورع الزكي ، العالم الذكي ، فهو أعلمهم بالسنة ، وقد ظهر ذلك في مواضع كثيرة ، وهو من وجه آخر شاهد لأصل المسألة ، وهو تعزير أهل العلم ، فمن تعزيرهم تقليدهم السلطان العام في الدين والدنيا فهم أئمة الدين بما لهم من العلوم ، وأئمة الدنيا بما لهم من الفهوم ، لو كانوا علماء حقا من رسم الصديق ، رضي الله عنه ، لا من رسم المتأخرين ممن باعوا الدين بالدنيا ، أو آثروا الانزواء فلا علم لهم بأحوال زمانهم ، ولا فقه لهم بأمور الحكم والسياسة ، فأين أولئك من أمثال الصديق ، رضي الله عنه ، الذي جمع الدين والدنيا ، فلم يكن راهبا ساذجا ، يجتهد في العبادة ولا علم له بالشريعة ولا بالسياسة ، ولم يكن ملكا جائرا ، يعلم أمور الحكم ولا يعلم أحكام الشرع ، فهو الحارس المهيمن على أمور الملك والسلطان ، فذلك رسم دولة الإسلام لا دولة الكهنوت الذي يهيمن فيها الجهلة المترأسون برسم الديانة بل والنيابة عن الإله برسم العصمة ! ، فكذب في الدعوى اللسانية وجهل وجور في الحكم العملي ، فقد جمعوا كل أبواب الشر بفساد الإرادة وفساد العمل ، وقلة الورع وضحالة العلم ، فلا نية ولا إرادة ، ولا قول ينفع ولا عمل يصلح ، فالقوة العلمية قد فسدت بوارد الشبهة ، والقوة العملية قد فسدت بوارد الشهوة ، ففساد في الباطن والظاهر ، وميل إلى الباطل في المقال والباطل في الحال ، مع ادعاء أكمل الرتب : رتبة العصمة الني لا تكون إلا لنبي فصارت لفاسق غوي يتسلط على أتباعه بسلطانه الروحي الزائف ، وسلطانه الزماني الجائر ، فكيف تلصق هذه التهمة بدولة الإسلام الكاملة : معدن الصدق والعدل ، فلا يعصم فيها حاكم ، ولا يسلم فيها ظالم ، فالرعية قد وكلت السلطان فهي على أقواله وأفعاله رقيبة ، فإذا آنست انحرافا عن الجادة شرع لها الإنكار على مراتبه المعروفة ، بل وشرع لها الخروج إن كفر ومرق من الديانة متى وجدت القوة وأمنت الفتنة ، على تفصيل في ذلك .

والشاهد أن أهل الحل والعقد هم الذين يرد إليهم الأمر في شئون الدين ، فإجماعهم حجة قاطعة عند الجمهور وخالف في ذلك الآمدي والرازي ، رحمهما الله ، فقالا بأنه : حجة ظنية ، وفصل بعض أهل العلم فمن الإجماع ما هو قولي متواتر فهو حجة قطعية يكفر منكره إذا أقيمت عليه الحجة وبانت له المحجة فزال ما عنده من شبهة ، ومنه ما هو سكوتي منقول نقل الآحاد فهو حجة ظنية لا يكفر منكره ، فدليله ظني ، وما كان كذلك فالأنظار فيه تتفاوت ، وإن كان الحق فيه واحدا ، فيعمل بالطرف الراجح فالظن الراجح كاف في العمل بالإجماع ، وإنما يستفاد من الطرف المرجوح في عذر المخالف إذا ترجح عنده الضعيف لشبهة دليل أو نوع تأويل .

فيرد الأمر إليهم في شئون الدين ، وفي شئون الدنيا من حكم وسياسة فيجب عليهم من ذلك ما لا يجب على آحاد المسلمين ، فالفرض العيني في مسألة اختيار الإمام يثبت في حقهم ، فيلزمهم اختيار الأعلم الأورع الأقوى على سياسة الرعية سياسة شرعية ، فلا يولى الجاهل بدين الله ، جل وعلا ، ولاية عظمى أو صغرى بالإجماع ، ولا يولى الضعيف ، وإن كان عالما أمينا ، فليس له من القوة ما يحفظ به هيبة السلطان ، فــ : "إن الله يزع بالسلطان ما لم يزع بالقرآن" ، فإذا ضعف الوازعان كما هي الحال في زماننا فسد أمر الدين والدنيا ، فعم الظلم وعدم الأمن ، فالسلطان أجير موكل ، فــ : (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) ، فصدرت بالأمر إرشادا وعقبت بالعلة على حد الوصل لشبه كمال الاتصال فصدرت بالفاء والمؤكد الناسخ فتلك علة استئجار من يصلح منطوقا ، وعلة استبعاد من لا يصلح مفهوما ، فلا يصلح قوي خائن ، ولا ضعيف أمين ، ولا ضعيف خائن من باب أولى فقد استجمع السوأتين معا ! .

فإجماع أولئك الأفاضل ، كما تقدم ، حجة قاطعة ، فــ : "إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ" . اهـ من : "مجموع الفتاوى" ، وذلك ، وإن ورد في سياق الثناء على القرن الأول ، رضي الله عنهم ، إلا أنه لا يمنع دخول غيرهم من خيرة كل عصر من علمائه ومحققيه من المجتهدين والربانيين ، أصحاب العلوم الواسعة والأحوال الكاملة ، فذلك القطع بحجية إجماع العلماء الربانيين ، مدلول جملة من الآي ، كما تقدم ، والأخبار ، التي تفيد بمجموعها قوة تصلح للاحتجاج ، فــ :
"إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم" ، فلا تخلو طرقه من العلل ، ولكنها تتعاضد فترتقي إلى رتبة الاحتجاج فهي شواهد يعتبر بها فتنضم إلى بعضها لتحصل بها قوة تصلح للاحتجاج ، كما تقدم ، كما نوه بذلك الزركشي ، رحمه الله ، بقوله : "واعلم أن طرق هذا الحديث كثيرة ولا يخلو من علة وإنما أوردت منها ذلك ليتقوى بعضها ببعض" . اهــ
نقلا عن حاشية المحقق لــ : "تلخيص الروضة" ، (1/273) .

والسواد ، كما يقول بعض أهل العلم ، يطلق في اللسان على الشخص ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أنت السواد الذي رأيت أمامي" ، ويطلق على الجماعة الكثيفة من الشجر فقد بلغت خضرتها درجة السواد من شدتها وكثافة أوراقها وتشابك أغصانها فلا يتخللها الضوء ، ومنه قيل لأرض العراق الخصبة : "أرض السواد" ، فهي كثيفة الشجر ، فاستعير السواد المحسوس وهو مئنة من كثرة الأعيان في الخارج ، للسواد المعقول فعليكم بالسواد الأعظم من أهل العلم ، والأمر بلزومهم ينصرف بداهة إلى الأمر بلزوم قولهم لا سيما في الفتن والنوازل ، فلزوم أعيانهم كناية عن لزوم أقوالهم ، فالملزوم لا يمنع من اللازم ، فقد يجتمع في حق الملازم لهم : ملازمة ذواتهم بالمرافقة وملازمة أقوالهم بالمتابعة .

وقد جاء تفسيره في خبر آخر في مسند أحمد ، رحمه الله ، من طريق النعمان بن بشير ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : "مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ .
قَالَ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النُّورِ : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ }" .

فجاء الأمر بلزوم السواد الأعظم ، وهو مخصوص بسواد الحق ، فليست الكثرة دوما مظنة الحق ، لا سيما إن قلد بعضهم بعضا ، فقد يكون الحق مع الواحد أو الاثنين ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ، رحمه الله ، في معرض ترجيح قول أبي بكر والعباس والمغيرة ، رضي الله عنهم ، في وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بقوله : "يؤخذ منه أن الأقل عددا في الاجتهاد قد يصيب ويخطئ الأكثر فلا يتعين الترجيح بالأكثر ولا سيما إن ظهر أن بعضهم قلد بعضا" . اهــ .

فالأمر بلزوم الجماعة ، مخصوص بجماعة الحق ، فــ : "إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة ، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك" . كما أثر عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، وفي رواية : "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة ، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى" . اهــ
قال نعيم بن حماد : "يعني : إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك ؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ" . اهــ
فــ : "تَفْسِيرُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ قَالَ و سَمِعْت الْجَارُودَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ مَنْ الْجَمَاعَةُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قِيلَ لَهُ قَدْ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ قِيلَ لَهُ قَدْ مَاتَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ جَمَاعَةٌ قَالَ أَبُو عِيسَى وَأَبُو حَمْزَةَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا فِي حَيَاتِهِ عِنْدَنَا" . اهــ من : "سنن الترمذي" .

بل إن الكثرة في العدد ، عند التدبر والنظر ، مظنة الخطأ ، فــ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، و : (مَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) ، و : "إِذَا رَأَيْتُمْ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ قَالَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، (أي : الراوي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما) ، فَقُلْتُ كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ الْزَمْ بَيْتَكَ وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ" .


وإلى ذلك أشار ابن القيم ، رحمه الله ، بقوله :
"واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض .......... وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم فقال : أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه . فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عيارا على السنة وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكرا لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار وقالوا : من شذ شذ الله به في النار ، وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدا منهم فهم الشاذون وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفرا يسيرا فكانوا هم الجماعة وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة : يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحده هو على الحق فلم يتسع علمه لذلك فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل فلا إله إلا الله ما أشبه الليلة بالبارحة وهي السبيل المهيع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم مضى عليها سلفهم وينتظرها خلفهم : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". اهــ بتصرف من : "إعلام الموقعين" .

و : "لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ" . فذلك نص في محل النزاع إن صح إسناده .
و : "مَا رَأوهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ ، وَمَا رَآهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ قَبِيحٌ" : وهو موقوف على ابن مسعود ، رضي الله عنه ، فذلك مخصوص بالإجماع الذي يستند إلى العرف : الصحيح فلا يخالف النص ، العام فلا يختص بعصر أو مصر كما تقدم .

و : "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيَادَ شِبْرٍ ، أَوْ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رَبْقَةَ الإِِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ" : فاستعيرت ربقة سخال الغنم التي تجعل في أعناقها لئلا تضل ، استعيرت للدين الخاتم فهو ربقة في عنق صاحبه يعصمه من الضلال ولا يكون ذلك إلا بملازمة الجماعة ، فمن فارقها فقد خلع الربقة فلا يلومن إلا نفسه إن ضل في الأولى وهلك في الآخرة ، والجماعة هنا ، أيضا ، مخصوصة بجماعة الحق ، كما تقدم ، فــ : "أل" فيها محمولة على العهد ، أو هي من العموم الجنسي الذي أريد به خصوص نوع من أنواعه ، فأطلق عموم الجماعة وأريد نوع : جماعة الحق من أهل العلم .


فــ : "الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة ............ كالخوارج ومن جرى مجراهم ........... فالجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا ، فإن لم يضموا إليهم فلا إشكال أن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم ، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية ، وإن ضموا إليهم العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة ، فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء ، فإنهم لو تمالئوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر ، لقلة العلماء وكثرة الجهال ، فلا يقول أحد : إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب ، وإن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث . بل الأمر بالعكس ، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا ، والعوام هو المفارقون للجماعة إن خالفوا ، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم" . اهــ بتصرف من : "الاعتصام" للشاطبي رحمه الله .

وكذلك الشأن في : "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" ، فهي : جماعة الحق فمفارقتها بمخالفتها فلا يلزم من المباعدة بالأبدان : المباعدة في الأقوال ، بل : "إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك ، فإن ألفة الاسلام بين أهلها جامعة" .

و : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تكون من ورائهم" .
فتلك معادن النصح لله ، جل وعلا ، وللخاصة من أولي الأمر ، إن كانوا لذلك أهلا ! ، ولعموم المسلمين فلزوم جماعتهم برسم الاتباع للحق لا التقليد للجمع ولو تقلد الباطل ، فلزوم جماعتهم بهذا القيد : حتم لازم فهو معدن العصمة والنجاة ، ومعدن النصح للجماعة المسلمة ، فـ : "الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" .
و : "من شذ شذ إلى النار" : فذلك الشذوذ عن الحق إلى الباطل لا شذوذ الفرد المتبع للحق عن عموم الجماعة إن تقلدت الباطل .
و : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" : فتلك جماعة الحق التي سبق التنويه بها .
و : "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ" ، فتلك ، كما تقدم مرارا ، جماعة الحق ، فاللفظ عام ومراد المتكلم منه خاص .

وقبضهم : شؤم يعم ، فــ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" .

فــ : "أما قلة العلم وظهور الجهل فبسبب التفرغ للدنيا ، وهذا إخبار بمقدمة أنتجتها الفتيا بغير علم ، حسبما جاء في الحديث الصحيح : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس" إلى آخره ، وذلك أن الناس لا بد لهم من قائد يقودهم في الدين بجرائمهم ، وإلا وقع الهرج وفسد النظام ، فيضطرون إلى الخروج إلى من انتصب لهم منصب الهداية ، وهو الذي يسمونه عالماً ، فلا بد أن يحملهم على رأيه في الدين ، لأن الفرض أنه جاهل ، فيضلهم عن الصراط المستقيم : كما أنه ضال عنه . وهذا عين الابتداع ، لأنه التشريع بغير أصل من كتاب ولا سنة . ودل هذا الحديث على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل العلماء ، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم فتؤتى الناس من قبله" . اهــ من : "الاعتصام" للشاطبي رحمه الله .


فالعناية بتحرير إجماعهم ، وبيان مراتبه ، أمر لازم لحفظ حدود وأركان الشريعة ، فعني به ابن المنذر ، رحمه الله ، فصنف : "الإجماع" على ما فيه من توسع ، فقد قيده ، رحمه الله ، بمن حفظ عنه العلم ، ونقل عنه الفقه ، كقوله في مسألة الماء المطلق في "الأوسط" : "وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوضوء غير جائز بماء الورد أو ماء الشجر وماء العصفر ، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء" ، وعني به إمام الأندلس ، علم الجزيرة الأشهر : ابن حزم ، رحمه الله ، فصنف : "مراتب الإجماع" ، وصدره بمقدمة نفيسة تناول فيها بعض مسائل هذا الدليل الكلي والأصل الجامع من أصول الاستدلال في الشريعة فمن ذلك حده فــ : "صفة الإجماع هو ما تيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك مثل أن المسلمين خرجوا من الحجاز واليمن ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام وأن بني أمية ملكوا دهرا طويلا ثم ملك بنو العباس وأنه كانت وقعة صفين والحرة وسائر ذلك مما يعلم بيقين وضرورة " . اهــ ، ص12 ، وبيان أهله فــ : "إنما نعني بقولنا العلماء من حفظ عنه الفتيا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار وأئمة أهل الحديث ومن تبعهم رضي الله عنهم أجمعين" . اهــ ، ص12 ، وتنويهه بعظم قدره وجلالة شأنه وحكم منكره ، فــ : "الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية يرجع إليه ويفزع نحوه ويكفر من خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع" . اهــ ص7 وميز فيه بين الإجماع والاتفاق ، فالأول يجزم بانتفاء الخلاف ، ولو مرجوحا ، والثاني يشعر بنوع خلاف ، ولو مرجوحا ، كما في قوله : "واتفقوا على أن الريق ما لم يفارق الفم لا يفطر" ، ص40 ، فالمسألة ليست محل إجماع فقد خالف في ذلك الشافعية ، رحمهم الله ، فخروج الريق من الفم ثم بلعه قد صيره داخلا إلى الجوف من خارج فذلك حد المفطر ، ولو دخل إلى جوفه ريق غيره لأفطر بالإجماع فيقاس عليه ريقه إن دخل جوفه من خارج ، والله أعلم بالصواب ، وقد نوه ، هو نفسه ، بتفاوت مراتب الإجماع بقوله : "ووجدنا الإجماع يقتسم طرفي الأقوال في الأغلب والأكثر من المسائل وبين هذين الطرفين وسائط فيها كثر التنازع وفي بحرها سبح المخالفون :
فأحد الطرفين : هو ما اتفق جميع العلماء على وجوبه أو على تحريمه أو على أنه مباح لا حرام ولا واجب فسمينا هذا القسم الإجماع اللازم .
والطرف الثاني : هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب أو لم يأثم ........ وبين هذين الطرفين أشياء قال بعض العلماء هي حرام وقال آخرون منهم ليست حراما لكنها حلال وقال قوم منهم هي واجبة وقال آخرون منهم ليست بواجبة لكنها مباحة وكرهها بعضهم واستحبها بعضهم فهذه مسائل من الأحكام والعبادات لا سبيل إلى وجود مسمى الإجماع لا في جوامعها ولا في أفرادها" ، ص8 ، وأشار إلى توسع المتأخرين في حكاية الإجماع بقوله : "وقد أدخل قوم في الإجماع ما ليس فيه وقوم عدوا قول الأكثر إجماعا وقوم عدوا ما لا يعرفون فيه خلافا إجماعا وإن لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه وقوم عدوا قول الصاحب المشهور المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفا وإن وجد الخلاف من التابعين فمن بعدهم فعدوه إجماعا وقوم عدوا قول الصاحب الذي لا يعرفون له مخالفا من الصحابة رضي الله عنهم وإن لم يشتهر ولا انتشر إجماعا وقوم عدوا قول أهل المدينة إجماعا وقوم عدوا قول أهل الكوفة إجماعا وقوم عدوا اتفاق العصر الثاني على أحد قولين أو أكثر كانت للعصر الذي قبله إجماعا ، (فليس إجماعا على قول من قال بأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها فالإجماع بعد خلاف من مات لا يرفعه فلم يثبت رجوعه إلى قول الجماعة بخلاف الإجماع بعد خلاف الحي الذي ثبت يقينا رجوعه إلى قول الأكثرين فتحقق إجماع كل المجتهدين فذلك هو الإجماع الذي يرفع الخلاف كما كانت الحال في بيعة الصديق رضي الله عنه فقد وقع الخلاف ابتداء ثم ارتفع بالإجماع على بيعته وكان المخالف بطبيعة الحال حيا فتحققت صورة الإجماع بعد الخلاف التي أجمع على صحتها أهل الأصول) ، وكل هذه آراء فاسدة ........ ويكفي من فسادها أنهم نجدهم يتركون في كثير من مسائلهم ما ذكروا أنه إجماع وإنما نحوا إلى تسمية ما ذكرنا إجماعا عنادا منهم وشغبا عند اضطرار الحجة والبراهين لهم إلى ترك اختياراتهم الفاسدة ، (وتلك بطبيعة الحال ليست حال الأئمة الأعلام من أصحاب المذاهب المتبوعة ولا حال أصحابهم من الأكابر وإنما قد يلجأ إليها المقلد بلا علم والمتعصب بلا عدل) .
وأيضا فإنهم لا يكفرون من خالفهم في هذه المعاني ومن شرط الإجماع الصحيح أن يكفر من خالفه بلا اختلاف بين أحد من المسلمين في ذلك ، (وذلك إنما يكون في الإجماع القطعي المتواتر الذي ينزل منزلة المعلوم من الدين بالضرورة فلا يخفى على أحد كالإجماع على وجوب الصلاة وتحريم الخمر .......... إلخ من أعلام الدين الظاهرة خلافا لإجماع من قبيل : الإجماع على أن للجدة السدس فتلك مسألة دقيقة تخفى على كثير من المكلفين فالعلم بها نظري يفتقر إلى استدلال لا ضروري كالعلم بالواجبات والمحرمات الظاهرة فيعذر في الأولى بالجهل ما لا يعذر في الثانية) ، فلو كان ما ذكروه إجماعا لكفر مخالفوهم بل لكفروا هم لأنهم يخالفونها كثيرا" ، ص9 ، 10 .

فتجويز وقوع الخلاف وعدم تكفير المخالف مئنة من عدم وقوع الإجماع القطعي ، فالإجماع القطعي المتواتر يكفر منكره خلافا لمن أنكر إجماعا ظنيا كالإجماع السكوتي أو الإجماع المنقول بنقل الآحاد فلم يتواتر نقله ليصير العلم به من جملة المعلوم من الدين بالضرورة الذي يكفر منكره .

وقد استدرك عليه شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في بعض المواضع ، فنقل إجماعات صحيحة من قبيل قوله في آخر الكتاب في الجزء الخاص بالاعتقادات وهو آخر اتفاق نقله : "واتفقوا أن من آمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما أتى به عليه السلام مما نقل عنه نقل الكافة أو شك في التوحيد أو في النبوة أو في محمد صلى الله عليه وسلم أو في حرف مما أتى به عليه السلام أو في شريعة أتى بها عليه السلام مما نقل عنه نقل كافة فإن من جحد شيئا مما ذكرنا أو شك في شيء منه ومات على ذلك فإنه كافر مشرك مخلد في النار أبدا" ، ص177 ، ونقل إجماعات تعقبه فيها ابن تيمية ، رحمه الله ، من قبيل قوله : "واتفقوا أن غسل الذراعين إلى مشد المرفقين فرض في الوضوء" ، ص18 . فقد تعقبه ابن تيمية ، رحمه الله ، في "نقد مراتب الإجماع" ، بقوله : "وزفر يخالف في وجوب غسل المرفقين ، وحُكي ذلك عن داود وبعضِ المالكية ، اللهم إلا أن يعني بمنتهى المرفقين منتهاهما من جهة الكف" . اهــ

فاستدلوا بأن : "إلى" في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) : مئنة من الغاية والغاية لا تدخل في المغيى ، فتقول : صمت إلى الليل ، ولا صيام في الليل ، فالغاية لا تدخل في المغيى ، وأجاب الجمهور بأن : "إلى" هنا بمعنى : "مع" ، والغاية تدخل في المغيى إذا كانت من جنسه ، فالمرفق من جنس اليد ، خلافا لليل فليس من جنس النهار الذي هو زمن الصيام ، فقياس الأول على الثاني : قياس مع الفارق ، وقد جاء فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبينا للصفة المشروعة ، ففعله يحمل على الندب إلا في بيان المجملات الواجبة ، ومنها الوضوء فبين فروضه بفعله ، فحصل البيان بنص التنزيل وفعل صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو من سنته المبينة لمجمل الكتاب المزيلة لمشكله فــ : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ" .

والشاهد أن تلقي إجماعهم بالقبول ، وتلقي مقالهم بالتوقير من تعزيرهم ، وتعزيرهم ، كما تقدم ، تعزير لصاحب التركة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا يكون ذلك محل الرضا في قديم أو حديث إلا إذا دار المستدل مع الدليل ، فلا يتعصب لآراء الرجال ، ولو كانوا فضلاء أجلاء ، فمن خالف قوله الدليل قدم الدليل وأخر قوله ، وحفظ له قدره ، فالأدب مع أهل العلم حتم لازم ، فتناولهم باللسان ذريعة إلى الخذلان ، مع وجوب البيان لما لم يصيبوا من الحق ، فليس ذلك قادحا في إمامتهم ، فلم يدع أحدهم عصمة ، ولو ادعاها لكان نقصا يذم به ، بل ويكفر إن أصر ، فالعصمة خصيصة النبوة لمكان التبليغ ، وحال المقلدة في الماضي والحاضر مع الشيوخ حال عجيبة ، فانتصار للشيخ وتخطئة لغيره ، وإن كان فوقه في العلم والورع ، فتلك أمور لا تخفى ، وإن اجتهد صاحبها في إخفائها ، فــ : "ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه وفلتات لسانه" ، والرب ، جل وعلا ، أعلم بمكنون الصدور ، فيسعه تخطئة الأكابر من المتقدمين من أعلام الهدى والدين ، كالأربعة وأقرانهم ، بل ويسعه تخطئة الأنصار والمهاجرين ، رضي الله عنهم ، بل ويسعه تخطئة الصديق ، ولا يسعه ، مع ذلك ، تخطئة شيخه ، وإن خالف الإجماع بقوله أو فعله ، فانتصر لقول حادث بعد الإجماع لا اعتبار له ، فذلك مقتضى الأصول ، فالخلاف الحادث لا ينقض الإجماع المنعقد ، فــ : " فَهَذَا أَصْلٌ جَامِعٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَتَّبِعَهُ وَلَا يُخَالِفَ السُّنَّةَ الْمَعْلُومَةَ وَسَبِيلَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ بِاتِّبَاعِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ الْقَدِيمَ لَا سِيَّمَا وَلَيْسَ مَعَهُ فِي بِدْعَتِهِ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مُجْتَهِدٌ يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الدِّينِ وَلَا مَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ وَالنِّزَاعِ فَلَا يَنْخَرِمُ الْإِجْمَاعُ بِمُخَالَفَتِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُوَافَقَتِهِ . وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَازَعَ فِي ذَلِكَ عَالِمٌ مُجْتَهِدٌ لَكَانَ مَخْصُومًا بِمَا عَلَيْهِ السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَبِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُنَازِعُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَا مَعَهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَإِنَّمَا اتَّبَعَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ وَيُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ" . اهــ
"مجموع الفتاوى" ، (1/162 ، 163) .
فأي جهل وتعصب أعظم من ذلك ، وأي حظ نفس أقدح في صاحبه من ذلك ، وأي توفيق يرومه من لم يتحر الحق والعدل في الخصومة فبغى على خصمه وجار برسم الانتصار للديانة فذلك من تلبيس إبليس الظاهر ، وحال المقلدة في الماضي والحاضر ، ولو في مسائل خلافية سائغة ، لا يضلل المخالف فيها فضلا عن أن يفسق ويبدع فينعت بألقاب الخروج والإرجاء ....... إلخ ، فضلا عن أن يكفر ! ، حالهم على ذلك خير شاهد ، وما ذلك إلا مئنة ظاهرة من عظم الجهل وقلة الورع .
فــ :
"كُلُّ هَؤُلَاءِ الْمُتَعَصِّبِينَ بِالْبَاطِلِ الْمُتَّبِعِينَ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ الْمُتَّبِعِينَ لِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ مُسْتَحِقُّونَ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ ......... فَإِنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَالْفَرْعُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْخَفِيَّةِ فَكَيْفَ يَقْدَحُ فِي الْأَصْلِ بِحِفْظِ الْفَرْعِ وَجُمْهُورُ الْمُتَعَصِّبِينَ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ بَلْ يَتَمَسَّكُونَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ أَوْ آرَاءٍ فَاسِدَةٍ أَوْ حِكَايَاتٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّيُوخِ قَدْ تَكُونُ صِدْقًا وَقَدْ تَكُونُ كَذِبًا وَإِنْ كَانَتْ صِدْقًا فَلَيْسَ صَاحِبُهَا مَعْصُومًا يَتَمَسَّكُونَ بِنَقْلِ غَيْرِ مُصَدَّقٍ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَيَدَّعُونَ النَّقْلَ الْمُصَدَّقَ عَنْ الْقَائِلِ الْمَعْصُومِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الأثبات مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَدَوَّنُوهُ فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنَّ النَّاقِلِينَ لِذَلِكَ مُصَدَّقُونَ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَالْمَنْقُولَ عَنْهُ مَعْصُومٌ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ طَاعَتَهُ وَاتِّبَاعَهُ " . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .


والتوسط في ذلك حتم لازم ، فــ : "مَنْ جَعَلَ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ أَوْ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُبَّادِ وَالنُّسَّاكِ أَفْضَلَ مِنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي طَاعَةٍ أَخْطَأَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَذْمُومًا مَعِيبًا مَمْقُوتًا فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ" . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .

فالغلاة في أهل العلم والنظر ، وقعوا في جنس ما أنكروه على الغلاة في أهل العمل والإرادة من أهل الطريق ، فجنس الغلو في المشايخ واحد ، والأنواع تحته تتعدد ! ، وفي المقابل جفاء مذموم في حق المخالف ، ولو كان مجتهدا لم يصب الحق ، فله من الفضائل والسوابق ما يجبر الكسر ، ولا يجبر الكسر عند أولئك فرسمهم كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين : أهل الجرح والتجريح ! ، فيهدر العالم أو المجاهد بخطأ أو جملة أخطاء لم يخالف فيها أصلا كليا من أصول الديانة ، فسيئاته في بحور حسناته مغمورة ، ولكن أولئك لا يرون حسنة ولا يقرون بفضيلة أو سابقة في علم أو عمل ، فعينهم تنظر برسم :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ******* ولكن عين السخط تبدي المساويا .

فلا ينظرون في عيب من يعظمون ، ولو لم يكونوا أهلا للتعظيم ، فعلم قاصر وورع بارد مع الظالم الجاحد في مقابل شدة وجفاء مع العالم العادل والمجاهد العامل ، فلسان حال المبتلى بهم :
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ******* وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
و:
إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا ******* وما هم أذنوا من صالح دفنوا
فيحيون المثالب ويميتون المناقب ، ويتكلفون من الأعذار لأصحاب المروق والفجور ما يتكلفون فيحسنون الظن بمن ليس له أهلا ، وذلك مئنة من الخذلان وعدم التوفيق ، مع ضحالة في العلم وضعف في العقل ، ويسيئون في المقابل الظن بأهل الفضل من أهل العلم والعمل ، من أرباب الأقلام التي تذب عن حرمات الدين ، وأرباب السيوف التي تذب عن أهله ، فالأولون : مبتدعة في الدين ، والآخرون : خوارج على أمير المؤمنين ! ، ولو كان فاجرا مارقا قد عطل الشرائع وأضاع الفرائض ، فالحدود معطلة ، وسيوف الجهاد مغمدة ، وهو مع ذلك أمير المؤمنين الذي لا يجوز الإنكار عليه ، ولو باللسان ، وربما امتنع عندهم الإنكار ولو بالقلب ! ، فالسمع والطاعة لمن ضيع حدود الدين وفرائضه هو عين السنة في طريقتهم الفاسدة ، فليت أهل الفضل ينالون من حسن ظنهم ما قد نال أهل المروق والفجور ، بل ما قد نال الكفار الأصليون ، فيرضى المخذول أن يتولى عليه كافر ولا يرضى أن يتولى عليه عالم عامل من إخوانه الذين تأذوا بنتن لفظه وخبث جرحه ، فيتولى المدح للكفار والمنافقين والظلمة الجائرين داعيا لهم بالسلامة والحفظ ! ، ويتولى في المقابل القدح في أهل الفضل من أهل العلم والجهاد والدعوة ، ويدعي مع ذلك الانتساب إلى السنة ! ، والمحدثات لا تنتهي ، والعجائب لا تنقضي ، كما نوه بذلك الشاطبي ، رحمه الله ، في "الاعتصام" .

فتجد عند أولئك من الورع البارد ما يثير العجب ، فيتورعون عن ذم من استحق الذم ، ولو استخف بالرب ، جل وعلا ، ولا يتورعون في المقابل عن ذم الأفاضل ، فحظهم : مدح الأراذل والقدح في الأفاضل ، و : (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا) ، و : الطيور على أشكالها تقع ، فلا يقع القبيح إلا على قبيح ، ولا يقع المليح إلا على مليح .

والشاهد أن التماس العذر للأفاضل من أهل العلم الربانيين : أهل الاجتهاد والورع ، حتم لازم ، وكذلك الشأن في التماس العذر لأهل التعبد والتنسك من أهل الطريق الذين سلكوا جادة الشريعة ، فالأولون قد يخطئون في حكم أو فتوى ، والآخرون قد يخطئون في نسك أو حال ، فلا يهدر العالم أو العابد لزلة ، فليس ذلك من الإنصاف في شيء ، بل يعتذر عنه فله سابقة ديانة وفضيلة ، ويرد متشابه قوله إلى محكم الدليل فــ :
"ما تأول فيه قوم من ذوي العلم والدين من مطعوم أو مشروب أو منكوح أو مملوك أو مما قد علم أن الله قد حرمه ورسوله لم يجز اتباعهم في ذلك مغفورا لهم وإن كانوا خيار المسلمين والله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة وهو سبحانه يمحو السيئات بالحسنات ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات . وبهذا يحصل الجواب عما ذكره الشيخ أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب حيث ذكر أنه من أنكر السماع مطلقا غير مقيد فقد أنكر على سبعين صديقا ولعل الإنكار اليوم يقع على خلق عظيم من الصديقين لكن يقال الذين أنكروا ذلك أكثر من سبعين صديقا وسبعين صديقا وسبعين صديقا وهم أعظم علما وإيمانا وأرفع درجة فليس الانتصار بطائفة من الصديقين على نظرائهم لا سيما من هو أكبر وأكبر بأدل من العكس فإن القائل إذا قال من شرع هذا السماع المحدث وجعله مما يتقرب به فقد خالف جماهير الصديقين من هذه الأمة ورد عليهم كان قوله أصح وأقوى في الحجة دع ما سوى ذلك .
وهنا أصل يجب اعتماده وذلك أن الله سبحانه عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة ولم يعصم آحادها من الخطأ لا صديقا ولا غير صديق لكن إذا وقع بعضها في خطأ فلا بد أن يقيم الله فيها من يكون على الصواب في ذلك الخطأ لأن هذه الأمة شهداء على الناس وهم شهداء الله في الأرض وهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فلا بد أن تأمر بكل معروف وتنهى عن كل منكر فإذا كان فيها من يأمر بمنكر متأولا فلا بد أن يكون فيها من يأمر بذلك المعروف .
فأما الاحتجاج بفعل طائفة من الصديقين في مسألة نازعهم فيها أعدائهم فباطل بل لو كان المنازع لهم أقل منهم عددا وأدنى منزلة لم تكن الحجة مع أحدهما إلا بكتاب الله وسنة رسوله فإنه بذلك أمرت الأمة .......... ولكن من ذهب إلى القول المرجوح ينتفع به في عذر المتأولين فإن عامة ما حرمه الله مثل قتل النفس بغير حق ومثل الزنا والخمر والميسر والأموال والأعراض قد استحل بعض أنواعه طوائف من الأمة بالتأويل وفي المستحلين قوم من صالحي الأمة وأهل العلم والإيمان منهم لكن المستحل لذلك لا يعتقد أنه من المحرمات ولا أنه داخل فيما ذمه الله ورسوله" . اهــ بتصرف من : "الاستقامة" .


فالمواسم الحادثة قد فعلها بعض الأفاضل ، ولا مستند لها من شرع منزل فهي أمور حادثة بعد انقضاء القرون الفاضلة ، فــ : "لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا أو مقلدا كان له أجر على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع وكان ما فيه من المبتدع مغفورا له إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه كالصوم والذكر والقراءة والركوع والسجود وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه وما اشتملت عليه من المكروه وانتفى موجبه بعفو الله لاجتهاد صاحبه أو تقليده وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة .
لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضا فوائد وذلك لأنه لا بد أن تشتمل عباداتهم على نوع ما مشروع في جنسه كما أن قولهم لا بد أن يشتمل على صدق ما مأثور عن الأنبياء ثم مع ذلك لا يوجب أن تفعل عباداتهم أو تروى كلماتهم لأن جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير إذ لو كان خيرها راجحا لما أهملتها الشريعة .

فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكثر من نفعها وذلك هو الموجب للنهي ....... فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ........ فيحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد" . اهــ
بتصرف من : "اقتضاء الصراط المستقيم" ، ص400 ، 406 .

فيعتذر عنهم ولا يلزم من ذلك الاعتذار عمن قلدهم في الصورة ففعله تقليد لا حقيقة ، فــ :
"من هنا يغلط كثير من الناس فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي وهذا غلط لما ذكرناه خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل ثم تفعله الأتباع صورة لا صدقا فيضرون به لأنه ليس العمل مشروعا فلا يكون لهم ثواب المتبعين ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل الذي لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل" . اهــ من : "اقتضاء الصراط المستقيم" ، ص461 .



وأهل العلم كما يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ بَيَانُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَرَدُّ مَا يُخَالِفُهُ . فَيَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ " أَوَّلًا " مَا قَالَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَكْذُوبَةَ كَثِيرَةٌ وَبَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ قَدْ صَنَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يُشْبِهُهَا مُصَنَّفًا ذَكَرَ فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الصَّحَابَةِ أَلْوَانًا يَغْتَرُّ بِهَا الْجَاهِلُونَ . وَهُوَ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكَذِبَ ؛ بَلْ هُوَ مُحِبٌّ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَظِّمٌ لَهُ لَكِنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَإِذَا وَجَدَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي فَضَائِلِ الْبِقَاعِ وَغَيْرِهَا قَدْ نَسَبَ حَدِيثًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إلَى الصَّحَابَةِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَبَنَى عَلَيْهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا بَلْ كَذِبًا عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِسُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ إذَا مَيَّزَ الْعَالِمُبَيْنَ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَمْ يَقُلْهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ وَيَفْقَهَ مَا قَالَهُ وَيَجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَيَضُمَّ كُلَّ شَكْلٍ إلَى شَكْلِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ . فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَجِبُ تَلَقِّيهِ وَقَبُولُهُ وَبِهِ سَادَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ" .

فقد يكون النص غير صحيح ، وقد يكون الاستدلال غير صريح ، كما في استدلال الحنفية ، رحمهم الله ، في إيجاب الوتر ، فخبر : "إن الله - عز وجل - قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم ، وهي الوتر ، فجعلها لكم بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" ، متكلم في إسناده ، فـ : "عبد الله بن أبي مرة لم يرو عنه إلا عبد الله بن راشد ، وعبد الله بن راشد ليس بمشهور" . اهــ من : "الأحكام الكبرى" ، فلا يصلح للاحتجاج في إيجاب حكم شرعي ، فغايته أن يصلح للاستشهاد في الفضائل ، فــ : "الحديث إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل أمر قريب أما إذا علم أنه كذب فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله لقوله صلى الله عليه وسلم : (من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)" . اهــ من : "اقتضاء الصراط المستقيم" ، ص411 .
وخبر : "الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" : خبر صحيح ولكنه غير صريح في إيجاب الوتر ، فالحق يعم الواجب وغيره ، والأصل براءة الذمة ، فالبراءة الأصلية باستصحاب العدم الأصلي مع النافي ، فــ : "الْأَعْمَالَ الدِّينِيَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ سَبَبًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ" . اهــ
"مجموع الفتاوى" ، (1/137) .
وقد يقال بأن قرينة : "فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" ، مع التكرار ثلاثا ، مئنة من الإيجاب ، فلا ينفي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسبة تارك الوتر إليه ، وهو مع ذلك مندوب غير واجب ، ويرد على ذلك أن ندبه مؤكد ، فيتعلق الذم بتاركه وإن لم يأثم ، فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل شهادته ، كما أثر عن أحمد ، رحمه الله ، فيكون ذلك من باب التعزير على ترك ما يخل تركه بالمروءات ، فتعلق الذم بتارك الفعل : مئنة من الوجوب ، وهو مع ذلك لا يستلزمه في كل موضع ، بل قد ترد القرينة بانتفائه ، فيتعلق الذم بتارك الفعل ولا يجب على المكلف ، فالذم : ذم تأثيم يستلزم الإيجاب ، وذم تعزير يستلزم المشروعية المؤكدة ، وقد وردت القرينة بانتفاء إيجاب ما عدا الصلوات المكتوبة ، كما في حديث طلحة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِيَامُ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" ، وقد يرد على ذلك أن الإيجاب مراتب ، فمنه إيجاب المكتوبة فهي ركن ، وإيجاب ما دونها فهو واجب ، وهو جار على اصطلاح الحنفية ، رحمهم الله ، في التفريق بين الفرض والواجب ، أو الركن والواجب ، فالركن يكافئ الفرض ، فدخوله في ماهية الشيء أقوى من دخول الواجب ، فتزول الماهية بزوال الركن ، وذلك مما يستأنس به من يحكم بتكفير تارك الصلاة مطلقا ، ولو لم يكن جاحدا مكذبا ، وقد يستأنس به من يحكم بتكفير تارك أحد المباني ، وهو قول لبعض أهل العلم ، ويرده النص على تكفير تارك الصلاة دون غيرها من المباني ، فــ : "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" ، وإن وردت بعض الآثار التي تدل ، من وجه ، على كفر تارك الزكاة لا سيما إن نصب القتال عليها ، وهو قيد اشترطه بعض أهل العلم في تكفير مانع الزكاة قياسا على مانعيها زمن الصديق ، رضي الله عنه ، وإن لم يكن الحكم بتكفيرهم محل إجماع ، بل الراجح أن قتالهم كان قتال البغاة ، فإطلاق وصف الردة على من نصب القتال زمن الصديق ، رضي الله عنه ، إطلاق مجمل فيجري مجرى التغليب ، فأكثرهم مرتدون ولا يلزم من ذلك دخول غيرهم معهم بقيد الردة الأخص ، فهم داخلون بقيد القتال الأعم ، وبعض الآثار التي تدل من وجه آخر على تكفير التارك للحج مع حصول الاستطاعة ، فـ : "ليمت يهوديا أو نصرانيا يقولها ثلاث مرات رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة وخليت سبيله" ، و : "لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فلا يدعون رجلا ذا ميسرة لم يحج إلا ضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين" ، كما أثر عن عمر رضي الله عنه .

والشاهد أن دخول الركن في الماهية أقوى من دخول الواجب ، فزوال الركن زوال للماهية ، وزوال الواجب يقدح في الذات ولا يزيل ماهيتها ، فيكون الوتر واجبا دون الفرض ، فلا يلزم من إثبات فرضية المكتوبة نفي إيجاب ما دونها في الرتبة ، فيكون الوتر واجبا من هذا الوجه ، والله أعلم بالصواب ، فالمراد التمثيل لا تحقيق محل النزاع والجمع أو الترجيح بين أدلة الفريقين .

والشاهد أن مناط الصواب في هذا الأمر الجليل : صحة الدليل فهو مستند المستدل ، وصحة الاستدلال فهي طريقة الاستنباط ، فلا بد أن يحيط المستدل بأدلة الباب وطرائق الاستنباط ، فيحيط بجملة وافرة من أصول اللسان فعلى معهوده نزل الكتاب ، وأصول الفقه فهي الوسيلة إلى استثمار النصوص باستنباط الأحكام منها .

ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : الذب عنهم ، فهو من الذب عن سنة أبي القاسم ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذب ابن الوزير عن أبي حنيفة ، رحمه الله ، في "الروض الباسم" ، فسلك في بيان فضله مسالك منها :
"المسلك الأوّل : أنّه ثبت بالتّواتر فضله وعدالته , وتقواه وأمانته , فلو أفتى بغير علم وتأهّل لذلك وليس له بأهل لكان جرحاً في عدالته , وقدحاً في ديانته وأمانته , ووصماً في عقله ومروءته , لأنّ تعاطي الإنسان ما لا يحسنه , ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه , من عادات السّفهاء , ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخسّة والدّناءة , ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوصمة القبيحة , والبدعة الشّنيعة .
المسلك الثّاني : أنّ رواية العلماء لمذاهبه , وتدوينها في كتب الهداية , وخزائن الإسلام ؛ تدلّ على أنّهم قد عرفوا اجتهاده لأنّه لا يحلّ لهم رواية مذهبه إلاّ بعد المعرفة بعلمه لأنّ إيهام ذلك من غير معرفة محرّم , لما يتركّب عليه من الأحكام الشّرعيّة المجمع عليها , كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه , والمختلف فيها . كانخرام إجماع من بعده بخلافه , (فابن الوزير رحمه الله على قول الشافعية رحمهم الله في عدم انعقاد الإجماع المسبوق بخلاف مات صاحبه فلم يعلم رجوعه عنه) ، وجواز تقليده بعد موته .
المسلك الثّالث : أن نقول : الإجماع منعقد على اجتهاده , فإن خالف في ذلك مخالف فقد انعقد الإجماع بعد موته , وإنّما قلنا بذلك لأنّ أقواله متداولة بين العلماء الأعلام , سائرة في مملكة الإسلام , في الشّرق والغرب واليمن والشّام , من عصر التّابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم النّاس هذا وهو أوّل المائة التّاسعة بعد الهجرة , لا ينكر على من يرويها ولا على من يعتمد عليها , والمسلمون بين عامل عليها , وساكت عن الإنكار على من يعمل عليها , وهذه الطّريقة هي التي يثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع ، (فذلك حد الإجماع السكوتي) .
المسلك الرّابع : أنّه قد نصّ كثير من الأئمة والعلماء على أنّ أحد الطّرق الدّالّة على اجتهاد العالم هي : انتصابه للفتيا, ورجوع عامّة المسلمين إليه من غير نكير من العلماء والفضلاء , (فهو أيضا من قبيل الإجماع السكوتي) ، وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم أصول الفقه , وهناك يذكر الدّليل على أنّ ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم وجواز تقليده .......... وهذا في سكوت سائر العلماء عن النّكير على المفتي , فكيف بسكوت ركن الإسلام من عصابة التّابعين , ونبلاء سادات المسلمين الذين هم من خير القرون بنصّ سيّد المرسلين , فقد كان الإمام أبو حنيفة معاصراً لذلك الطّراز الأوّل ...... وقد تطابق الفريقان من أهل السّنّة والاعتزال , على التّعظيم لأبي حنيفة والإجلال ؛ أمّا أهل السّنّة: فذلك أظهر من الشّمس , وأوضح من أن يدخل فيه اللبس .
وليس يصحّ في الأذهان شيء ******* متى احتاج النّهار إلى دليل
وأمّا المعتزلة : فقد تشرّفوا بالانتساب إليه , والتّعويل في التّقليد عليه , كأبي عليّ , وولده أبي هاشم من متقدّميهم , وأبي الحسين البصري , والزّمخشريّ من متأخّريهم , وهم وإن قدّرنا دعواهم الاجتهاد , والخروج من التّقليد , فذلك إنّما كان بعد طلبهم العلم وطول المدّة , وهم قبل ذلك وفي خلال ذلك معترفون باتباع أقواله , وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه والمتابعة في المعارف لرسمه , وفي كلام علاّمتهم الزّمخشريّ: ((وتّد الله الأرض بالأعلام المنيفة , كما وطّد الحنيفيّة بعلوم أبي حنيفة . الأئمة الجلّة الحنفية , أزمّة الملّة الحنيفيّة , الجود والحلم حاتميّ وأحنفيّ , والدّين والعلم حنيفيّ وحنفيّ)) . (فادعاه الموافق والمخالف ، السني والبدعي ويكفيه ذلك فخرا) .
وقد عقد الحاكم أبو سعد فصلاً في فضل أبي حنيفة , وعلمه ذكره في كتابه ((سفينة العلوم)) , وقد أطبق أهل التّاريخ على تعظيمه , وأفرد بعضهم سيرته -- رضي الله عنه -- في كتاب سمّاه ((شقائق النّعمان في مناقب النّعمان)) : ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلاً ومن حلية العلم عاطلاً ما تطابقت جبال العلم من الحنفيّة على الاشتغال بمذاهبه , كالقاضي أبي يوسف , ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ , والطّحاويّ , وأبي الحسن الكرخيّ , وأمثالهم وأضعافهم , فعلماء الطّائفة الحنفيّة في الهند , والشّام , ومصر , واليمن , والجزيرة , والحرمين , والعراقين منذ مئة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة , فهم ألوف لا ينحصرون , وعوالم لا يحصون من أهل العلم والفتوى , والورع والتّقوى" . اهــ
بتصرف من : "الروض الباسم" ، (1/158_160) .
فحمد الرب ، جل وعل ، صنيعه ، ورفع ذكره بما نافح به عن الإمام الأعظم .
وذب الحافظ ابن عساكر عن الأشعري ، رحمه الله ، فقال في صدر "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري" كلمته المشهورة : "اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب" .

وذب ابن القيم ، رحمه الله ، عن المجتهدين الأفاضل ، فــ : "من له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان ، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور ، بل مأجور لاجتهاده ، فلا يجوز أن يُتبع فيها ، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين" . اهــ

ونوه الطحاوي ، رحمه الله ، بشأن العلماء في عقيدته فقال : "وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ - أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ - لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ" . اهــ


وذب أحمد ، رحمه الله ، عن أهل الحديث فروى الخطيب ، رحمه الله ، في "شرف أصحاب الحديث" بسنده عن الإمام أحمد أنه ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم : « تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا فرقة » ، فقال : "إن لم يكونوا أصحاب الحديث ، فلا أدري من هم" . اهــ


فليس المراد من حفظ المباني حتى يتأول المعاني ، فــ : "نَحْنُ لَا نَعْنِي بِأَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى سَمَاعِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ أَوْ رِوَايَتِهِ بَلْ نَعْنِي بِهِمْ : كُلَّ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَاتِّبَاعِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْقُرْآنِ . وَأَدْنَى خَصْلَةٍ فِي هَؤُلَاءِ : مَحَبَّةُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْبَحْثِ عَنْهُمَا وَعَنْ مَعَانِيهِمَا وَالْعَمَلِ بِمَا عَلِمُوهُ مِنْ مُوجِبِهِمَا . فَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ أَخْبَرُ بِالرَّسُولِ مِنْ فُقَهَاءِ غَيْرِهِمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ أَتَبَعُ لِلرَّسُولِ مِنْ صُوفِيَّةِ غَيْرِهِمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ أَحَقُّ بِالسِّيَاسَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَعَامَّتُهُمْ أَحَقُّ بِمُوَالَاةِ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ" . اهـ من : "مجموع الفتاوى" .


فليس كل من أتقن حفظ معنى بلا ورع أو عمل يضارعه بعالم يستحق الذب عنه فكم من حفاظ لا يعملون ، بل ولا يتورعون عن الخوض في الأعراض برسم المناصحة للمسلمين زعموا ، ولو كانوا كذلك لبينوا حال من هو أولى بالجرح ، فما جرحهم إلا هوى وحظ نفس ! .

وهم كما وصفهم ابن تيمية ، رحمه الله ، فقال : "أَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ فَكَانُوا يَقُولُونَ : هُمْ " الْأَبْدَالُ " لِأَنَّهُمْ أَبْدَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَائِمُونَ مَقَامَهُمْ حَقِيقَةً لَيْسُوا مِنْ الْمُعْدَمِينَ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ حَقِيقَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ يَقُومُ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي نَابَ عَنْهُمْ فِيهِ : هَذَا فِي الْعِلْمِ وَالْمَقَالِ وَهَذَا فِي الْعِبَادَةِ وَالْحَالِ وَهَذَا فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا . وَكَانُوا يَقُولُونَ : هُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ الظَّاهِرُونَ عَلَى الْحَقِّ . لِأَنَّ الْهُدَى وَدِينَ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مَعَهُمْ . وَهُوَ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ بِظُهُورِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا" . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .
فهم أبدال يحفظ الرب ، جل وعلا ، بعلومهم الأرض ، فــ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ" ولا يكون ذلك إلا عند دروس آثار النبوات وطي ألوية العلم والورع ، فليسوا كأبدال غلاة أهل الطريق فالرب ، جل وعلا ، هو الحافظ للأديان من التحريف وللأبدان من التلف ، بل حفطهم للدين تأويل قول رب العالمين : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وحفظ الدين ذريعة إلى حفظ الدنيا فلا تستقيم إلا برسم النبوة ، فبها صلاح الأديان بالتوحيد فــ : (اعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ، وصلاح الأبدان بالرزق الوفير فــ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .

وهم الذين حمد أحمد ، رحمه الله ، الرب ، جل وعلا ، على أن جعلهم في أزمنة الفترات لتظهر بهم الديانات وتقام بهم الحجج البينات فــ : "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إلَى الْهُدَى وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى . فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لإبليس قَدْ أَحْيَوْهُ وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ فَمَا أَحْسَنَ أَثَرِهِمْ عَلَى النَّاسِ وَأَقْبَحَ أَثَرِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ" . اهــ


واليوم يشن أعداء الديانة من المستغربين الذين حملوا عن أوروبا رسومها الفكرية من علمانية وليبرالية ...... إلخ ، برسم : "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ" ، يشن أولئك غارة شعواء على أهل العلم والدعوة بتتبع الزلات وتصيد الهفوات وترويج الشائعات الكاذبة ، وتلفيق التهم الجائرة ..... إلخ ، فتلك طريقة الأولين ، فــ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ، و : (انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) ، فصبر عجيب في حرب الحق وأهله ، وتواطؤ واشتراك في فنون الدعاية والإعلام ! : (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) .
وتلك سنة جارية ، فأهل الحق لا محالة مبتلون بأهل الباطل ، وأهل الباطل لا محالة مفتونون بأهل الحق ، فــ : (جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ، فالصبر خير زاد في تلك المعركة الفكرية المحتدمة .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
06-06-2011, 05:41 PM
ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : إقامة دولته .
فدولة النبوة تأويل أخبار الرسالة فهي معدن النجاة ، وتأويل أحكامها بالامتثال ، فذلك لازم الدعوى ، فــ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
فالاتباع تأويل التصديق ، فإن من صدق حقيقة لا دعوى ، فتصديقه : تصديق جازم مشفوع بدليله وتأويله في الخارج فهو دليل عليه وتأويل له ولازم ضروري لا ينفك عنه ، فالملزوم لا ينفك عن لازمه ، فلا ينفك الإقرار الجازم عن إرادة جازمة في القلب فذلك عمل الباطن ، فإذا صلح الباطن تصورا وإرادة : صلح الظاهر نطقا وعملا ، إذا كانت الآلات صحيحة والموانع من عوارض الأهلية من زوال عقل بنوم أو إغماء ، أو إكراه يفسد الاختيار ....... إلخ ، فتلك المحنة التي يعرف بها الصادق من الكاذب ، فــ : (اتَّبِعُونِي) ، تصديقا بأخبار الرسالة وتأويلا لأحكامها ، فلازم ذلك ضرورة : (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ، فمحبة الرب ، جل وعلا ، تقتضي غفران الذنوب وسترها فالمحب يغفر زلات من يحب ، مع ما يقع له من أذى ، والرب ، جل وعلا ، لا يضره أحد ، فهو الغني عن عباده فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية ، بل هو الذي خلق المعصية بقدره الكوني ، فنهى عنها بأمره الشرعي ، لتظهر آثار اسمه الحكم ، وخلقها بقدره الكوني لتظهر آثار اسمه الحليم فيحلم عن العصاة ، ووصفه الصبور ، فيصبر على الكفار ، فقد علم أزلا كفرهم ومروقهم وخروجهم عن أمر الرسالة ، فهم أهل الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة ، فلا بد من الدخول من باب الاتباع للنبوة : تصديقا وامتثالا ، وبقدر دخولك في حد الاتباع حقيقة لا دعوى ، بتصديق المباني ، وامتثال المعاني ، يكون نصيبك من الجزاء الأوفى ، جزاء : (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .

فــ : "إيمانك بمحمد صلى الله عليه وسلم : إقرارك به وتصديقك إياه واتباعك ما جاء به فإذا اتبعت ما جاء به أديت الفرائض وأحللت الحلال وحرمت الحرام ووقفت عند الشبهات وسارعت في الخيرات" . اهــ من : "تعظيم قدر الصلاة" .
فذلك حد الإيمان به صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقيقة لا دعوى ، فإقرار ثم اتباع ، فيقر بالخبر ويتبع الأمر والنهي .

ودولته صلى الله عليه وعلى آله وسلم : دولة دينية عادلة ، يساس الناس فيها بسياسة النبوة العادلة ، ففيها المنصوص عليه ، وفيها المرسل فحكم الشارع ، جل وعلا ، فيه الاجتهاد ، وفيها التيسير فــ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ، فالحرج مرفوع شرعا ، وفيها الحكميات الشرعية ، وفيها التجريبيات العملية ، وفيها الاجتهاد في أمور السياسة ، وفيها الاجتهاد في أمور الحرب ، وفيها العلاقات الدولية العامة ، وفيها العلاقات الدولية الخاصة ، وفيها الدستور الجامع ، وفيها التعايش السلمي بلا ذلة أو إعطاء للدنية فــ : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، وفيها قانون الحرب العادلة فــ : "اغز باسم الله وفي سبيل الله قاتل من كفر بالله لا تغلل ولا تغدر ولا تقتل وليدا" ، وفيها رجال المال والاقتصاد ، فحركة المال والأعمال فيها تجري برسم : "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" ، وفيها شرائع الأنكحة والرضاع والتربية ، وفيها شرائع الطلاق إن استحالت العشرة ، وفيها القانون الجنائي العادل ، فرسم الجلال فيه ظاهر ، سدا لذريعة انتهاك الحرمات ، فهي دول كاملة بين صلاح الدين والدنيا جامعة .



ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : التحاكم إلى ما جاء به من الوحي .


في العلم والعمل ، في القول والفعل ، في العقائد والشرائع ، في سياسة الفرد نفسه وسياسة الجماعة ، في تشريعات الخاصة من نكاح ونحوه ، وتشريعات العامة ..... إلخ ، فكل من رضي حكم غيره من طواغيت البشر سواء أكانوا طواغيت ديانة كأرباب الكهنوت الذين أحلوا وحرموا فاتخذهم الأتباع أربابا فــ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فاتخذوا المسيح عليه السلام إلها صراحة بما وقع لهم من غلو فيه ، فجاوزوا الحد في تعظيم المخلوق ، فوقعوا في ضده في حق الخالق ، جل وعلا ، فنسبوا إليه النقص والعيب الذي تنزه عنه نقلا وعقلا بل وضرورة في النفس لا تجد عنها انفكاكا فهي ركيزة التوحيد المجمل في القلب فلا يفصل مجملها إلا الوحي ، فيرد الوحي الصحيح بما يوافق العقل الصريح والفطرة السليمة ، فكلها تصب في قناة التوحيد ، أول واجب على العبيد ، وهو ما قد حمت الرسل عليهم السلام جنابه بالنهي عن الغلو في الأنبياء والعلماء والصالحين ، فتلك ذريعة إلى الشرك الناقض لأصل الإيمان إن كان أكبر ، أو لكماله الواجب إن كان أصغر ، فوقع أولئك في عين المنهي عنه ، فغلوا في المسيح عليه السلام غلوا خاصا ، كما قد غلت يهود في العزير عليه السلام غلوا خاصا ، فــ : (قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، فهي مقالة قد اطردت في كلام كل غال ، وإن تباينت الشخوص فمادة الضلال في هذا الباب واحدة ، وهي التصور الفاسد للمخلوق الناقص برفعه فوق درجته برسم الإطراء فهو المدح الكاذب ، فكل من مدح غيره كذبا فقد فسد تصوره ، ولو كان الممدوح أهلا للتعظيم بل ولو كان نبيا فمن أحق بالتعظيم والتوقير من الأنبياء ، عليهم السلام ، ومع ذلك نهوا بأنفسهم عن ذلك الضلال المبين ، بل ونأووا بها عن تلك الفرية فــ : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، بل وزاد غيرهم في الغلو فأفحش القول في حق الرب ، جل وعلا ، بادعاء الحلول في رحم البتول عليها السلام والاتحاد بناسوت المسيح عليه السلام ثم الصلب على خشبة الفداء في ميثرائية ظاهرة هي مما اقتبسه بولس من مقالات الأولين فرسمها القنوط والتشاؤم ، فلن يغفر الذنب إلا بإتلاف المحل بالقتل أو القطع أو التعذيب بالجوع والعطش والسير في الفلوات بلا هدى فتلك رسوم التكفير عن الخطيئة الأولى ، ثم غلوا بعد ذلك غلوا عاما في أحبارهم ورهبانهم ، فلهم الحل والعقد ، برسم الأمر والنهي ، بل ولهم التحلة في الأحكام والنسخ للأخبار فنسخوا أصول الدين وفروعه برؤى ومنامات وهوى وأذواق .


فكل من رضي حكم غيره من طواغيت البشر سواء أكانوا طواغيت ديانة كأرباب الكهنوت أم كانوا طواغيت من المتشرعين برسم التسلط على البشر بأقيسة عقولهم المضطربة ، وليست عقولهم بالمعصومة ، وليست شرائعهم بالمحكمة ، فمن عقول قاصرة بدت ، لا تعلم من المآل القريب إلا ظنا وخرصا ، ولا تعلم من المآل البعيد إلا ما عُلِّمَت إن كان لها من النبوات حظ فقد جاءت بأخبار الإلهيات والسمعيات ، كما جاءت بأحكام الشرعيات ، فلا يعلم العقل من حقيقة الغيب أو حكمة الشرع ما يجعله أهلا لبيان سبيل المهتدين ، فغايته نوع صلاح في الأولى سرعان ما ينقلب إذا تبدلت الأحوال فيفتقر القانون البشري المحدث إلى نسخ مستمر ! ، فليس إلى إحكامه سبيل ، وإن مات صاحبه ، فانقطع وحي شيطانه الذي يوسوس له بما يعارض به وحي الرحمن ! ، فالنسخ جار حال حياته وبعد هلاكه بل ربما نسخ دستوره بأكمله فأعيدت صياغته ، فأين ذلك من دستور الوحي المحكم ! ، فالصلاح ، كل الصلاح ، في تصديق خبره وامتثال حكمه ، برسم الدخول فيه كافة ، فيدخل المكلف في علومه بنبذ علوم الفلاسفة ، وتشقيقات المناطقة ، ومقالات الفرق الحادثة ، فلا يتحاكم إليها في غيب ، ونبذ شرائع المتملكة برسم الجور ، فلا يتحاكم إليها في شهادة ، ونبذ أهواء أصحاب المقالات الحادثة ممن ازدروا الدين الخاتم فأنزلوه منزلة الكهنوت الباطل ، وأرخوا لعقولهم وأذواقهم الزمام ، فما زادهم ذلك إلا ضلالا وتيها في أودية ماركس وتقريراته الشيوعية الملحدة فالمادة هي قطب رحى الوجود فهي الخالقة وهي المؤثرة وهي المحركة لنفوس البشر بأجناس الإرادات ، فلها يغضبون وبحصولها من أي وجه يرضون وكأنهم قطيع من الماشية ! ، لا هم له إلا تحصيل احتياجاته الحيوانية العاجلة من مطعم ومشرب ومنكح ، وأودية فولتير وتقريراته العلمانية ، فمن نبذ كل أولئك فقد استسلم وانقاد لحكم الوحي في الغيب والشهادة ، في الخبر والحكم فتأول عموم "ما" في قول الرب ، جل وعلا : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، ومن رضي منها شيئا فلسان حاله لسان مقال سلفه : (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ، فلا يحصل الإسلام برسم القبول إلا بالسلامة والانخلاع من كل مقالة تباينه ، فأوله كفر ! ، فــ : (مَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) ، وآخره إيمان بالضد : (وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) ، فذلك حد الاستمساك بالعروة الوثقى .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"قَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا } { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا } . فَذَمَّ الَّذِينَ أُوتُوا قِسْطًا مِنْ الْكِتَابِ لَمَّا آمَنُوا بِمَا خَرَجَ عَنْ الرِّسَالَةِ وَفَضَّلُوا الْخَارِجِينَ عَنْ الرِّسَالَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَا كَمَا يُفَضِّلُ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يُفَضِّلُ الصَّابِئَةَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالدُّوَلِ الْجَاهِلِيَّةِ - جَاهِلِيَّةِ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ وَالْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ - عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَكَمَا ذَمَّ الْمُدَّعِينَ الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا وَهُمْ يَتْرُكُونَ التَّحَاكُمَ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَتَحَاكَمُونَ إلَى بَعْضِ الطَّوَاغِيتِ الْمُعَظَّمَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَا يُصِيبُ ذَلِكَ كَثِيرًا مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَيَنْتَحِلُهُ فِي تَحَاكُمِهِمْ إلَى مَقَالَاتِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ إلَى سِيَاسَةِ بَعْضِ الْمُلُوكِ الْخَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : تَعَالَوْا إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ إعْرَاضًا وَإِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فِي عُقُولِهِمْ وَدِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ أَوْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عُقُوبَةً عَلَى نِفَاقِهِمْ قَالُوا إنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُحْسِنَ بِتَحْقِيقِ الْعِلْمِ بِالذَّوْقِ وَنُوَفِّقَ بَيْنَ " الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ " وَ " الْقَوَاطِعِ الْعَقْلِيَّةِ " الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ظُنُونٌ وَشُبُهَاتٌ أَوْ " الذَّوْقِيَّةُ " الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْهَامُ وَخَيَالَاتُ" . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .

فلا يؤتى الإنسان إلا من قبل الشبهة التي تفسد العقل ، والشهوة التي تفسد الجارحة ، فكلاهما سلاح ماض يصيب الأديان في مقاتلها ، فتنحل عرى الديانة في قلوب أقفرت من الوحي فاشتغلت بضده من الوساوس الباطلة والإرادات الفاسدة ، فالمحل لا يتسع للضدين ، في نفس الآن ، فمن لم يؤمن بالله ، جل وعلا ، آمن بغيره من الطواغيت ضرورة ، وإن أظهر التوحيد فهي محض دعوى يكذبها شاهد الحال فهو أبلغ من كل مقال ، فلا بد لقلبه من غذاء ، ولو فاسدا ، ومن لم يرض بحكم الرب ، جل وعلا ، في علم أو عمل ، رضي بحكم غيره فلا بد له من معظم يرد إليه الأمر ليحسم النزاع ، فرسم التوحيد : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فمفهومه أن الإجماع المعتبر يرفع الحاجة إلى رد المنازعات ، فقد ارتفع النزاع ابتداء ! ، فما الذي يرد للحاكم إن لم يكن ثم نزاع يفصل فيه بين المتنازعين برسم القضاء النافذ ، وتلك ، كما يقرر بعض أهل العلم ، حجة لطيفة لأصل الإجماع ، وقد يستأنس بها من يقدمه على النص من الكتاب والسنة فليس مراده ازدراء الوحي المنقول وإنما الإجماع القطعي المتواتر لا يحتمل تأويلا ، ولو مرجوحا ، فهو نص في محل النزاع لا يتصور أن ينعقد على خلاف نص شرعي لمكان العصمة ، فإن توهم الإنسان شيئا من ذلك فليعد النظر والتدقيق فيما ظنه محل إجماع ، فلا بد من مخالف معتبر لما توهم أنه إجماع قد انعقد ، فلا ينعقد الإجماع على خلاف نص صحيح بل ولا ينعقد على خلاف قياس عقلي صريح ، فالمنقولات الصحيحة ، والإجماع منها فمستنده النقل لما أجمع عليه المتقدمون والإثبات والتدوين لما أجمع عليه المتأخرون في النوازل الحادثة ، فالمنقولات الصحيحة والمعقولات الصريحة لا تتعارض ، فإذا امتنعت مخالفة الإجماع لقياس عقلي جلي ، فامتناع مخالفته للنص من كتاب أو سنة حاصل من باب أولى ، فــ : (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، والمفهوم الثاني في هذا النص الجليل الذي يعد أصلا من أصول الاتباع ، المفهوم الثاني فيه : أن الراد لغير الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بالرد إليه حال حياته والرد إلى حكمه بعد وفاته فقد أبان عن أصول الدين وفروعه ، وإن لم ينص على الفروع الحادثة فذلك أمر غير متصور فالنص عليها قد جاء ضمنا في أصول كلية جامعة للشريعة الخاتمة فذلك من إعجاز الرسالة في الحكم ، فهي معجزة في الخبر عن الماضي فأخبرت عن حال الأمم السابقة ، وعن المستقبل فأخبرت عن أشراط الساعة التالية ، وعن الحقائق الإلهية والحقائق السمعية ........ إلخ ، وهي معجزة في الحكم بشهادة من أنصف موافقا كان أو مخالفا ، فــ : (مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، و : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ، فحكمه إلى الله ، جل وعلا ، عن طريق رسالاته فهي الكاشفة عن أحكامه وشرائعه ، فبعث الكليم عليه السلام برسم الجلال ، فشريعته شريعة العدل ، وبعث المسيح عليه السلام برسم الجمال ، فشريعته شريعة الفضل ، وأكمل الشرائع ما جمع العدل والفضل معا ، وهي شريعة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فــ : "الشرائع ثلاثة : شريعة عدل فقط ، وشريعة فضل فقط ، وشريعة تجمع العدل والفضل فتوجب العدل وتندب إلى الفضل وهذه أكمل الشرائع الثلاث وهي شريعة القرآن الذي جمع فيه بين العدل والفضل مع أنا لا ننكر أن يكون موسى عليه السلام أوجب العدل وندب إلى الفضل وكذلك المسيح أيضا أوجب العدل وندب إلى الفضل .
وأما من يقول إن المسيح أوجب الفضل وحرم على كل مظلوم أن يقتص من ظالمه أو أن موسى لم يندب إلى الإحسان فهذا فيه غضاضة بشريعة المرسلين لكن قد يقال إن ذكر العدل في التوراة أكثر وذكر الفضل في الإنجيل أكثر والقرآن جمع بينهما على غاية الكمال .

والقرآن بين أن السعداء أهل الجنة وهم أولياء الله نوعان :
أبرار مقتصدون .
و : مقربون سابقون .

فالدرجة الأولى تحصل بالعدل وهي أداء الواجبات وترك المحرمات .
والثانية لا تحصل إلا بالفضل وهو أداء الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات .

فالشريعة الكاملة تجمع العدل والفضل كقوله تعالى :
(وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ، فهذا عدل واجب من خرج عنه استحق العقوبة في الدنيا والآخرة .
ثم قال :
(وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون) ، فهذا فضل مستحب مندوب إليه من فعله أثابه الله ورفع درجته ومن تركه لم يعاقبه .
وقال تعالى :
(ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) ، فهذا عدل .
ثم قال تعالى :
(إلا أن يصدقوا) ، فهذا فضل .
وقال تعالى :
(والجروح قصاص) ، فهذا عدل .
ثم قال :
(فمن تصدق به فهو كفارة له) ، فهذا فضل ........... ثم عرض لسورة البقرة وما تضمنته من أصول وأحكام في إيجاز بديع فقد : "تضمنت هذه السورة الواحدة جميع ما يحتاج الناس إليه في الدين وأصوله وفروعه وافتتحها بالإيمان بالكتب والرسل ووسطها بالإيمان بالكتب والرسل وختمها بالإيمان بالكتب والرسل فإن الإيمان بالكتب والرسل هو عمود الإيمان وقاعدته وجماعه .
وأمر فيها الخلق عموما وخصوصا وذكر فيها الإيمان بالخالق وآيات ربوبيته والإيمان بالمعاد والدار الآخرة والأعمال الصالحة التي أمر بها وأن من كان من أتباع الرسل من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين قائما بهذه الأصول وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح فهو السعيد في الآخرة الذي له أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ...... فقدماء اليهود والنصارى الذين اتبعوا الدين قبل النسخ والتبديل سعدوا وأما اليهود والنصارى الذين تمسكوا بشرع مبدل منسوخ وتركوا اتباع الكتب والرسول الذي أرسل إليهم وإلى غيرهم وعدلوا عن الشرع المنزل المحكم فهم كفار ........ ولم تكن شريعة التوراة في الكمال مثل شريعة القرآن فإن القرآن فيه ذكر المعاد وإقامة الحجج عليه وتفصيله ووصف الجنة والنار ما لم يذكر مثله في التوراة وفيه من ذكر قصة هود وصالح وشعيب وغيرهم من الأنبياء ما لم يذكر في التوراة ، وفيه من ذكر أسماء الله الحسنى وصفاته ووصف ملائكته وأصنافهم وخلق الإنس والجن ، (فكلها أخبار سمعية لا تنال إلا من مشكاة الوحي) ، ما لم يفصل مثله في التوراة وفيه من تقرير التوحيد بأنواع الأدلة ما لم يذكر مثله في التوراة وفيه من ذكر أديان أهل الأرض ما لم يذكره مثله في التوراة وفيه من مناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين ما لم يذكر مثله في التوراة مع أنه لم ينزل كتاب من السماء أهدى من القرآن والتوراة وفي شريعة القرآن تحليل الطيبات وتحريم الخبائث وشريعة التوراة فيها تحريم كثير من الطيبات عليهم حرمت عليهم عقوبة لهم وفي شريعة القرآن من قبول الدية في الدماء ما لم يشرع في التوراة وفيها من وضع الآصار والأغلال التي في التوراة ما يظهر به أن نعمة الله على أهل القرآن أكمل .

وأما الإنجيل فليس فيه شريعة مستقلة ولا فيه الكلام على التوحيد وخلق العالم وقصص الأنبياء وأممهم بل أحالهم على التوراة في أكثر الأمر ولكن أحل المسيح بعض ما حرم عليهم وأمرهم بالإحسان والعفو عن الظالم واحتمال الأذى والزهد في الدنيا وضرب الأمثال لذلك .

فعامة ما امتاز به الإنجيل عن التوراة بمكارم الأخلاق المستحسنة والزهد المستحب وتحليل بعض المحرمات وهذا كله في القرآن وهو في القرآن أكمل فليس في التوراة والإنجيل والنبوات ما هو من العلوم النافعة والأعمال الصالحة إلا وهو في القرآن أو ما هو أفضل منه وفي القرآن من العلوم النافعة والأعمال الصالحة من الهدى ودين الحق ما ليس في الكتابين لكن النصارى لم يتبعوا لا التوراة ولا الإنجيل بل أحدثوا شريعة لم يبعث بها نبي من الأنبياء كما وضعوا لقسطنطين الأمانة ووضعوا له أربعين كتابا فيها القوانين فيها بعض ما جاءت به الأنبياء وفيها شيء كثير مخالف لشرع الأنبياء وصاروا إلى كثير من دين المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى وكذبوا رسله ، (فوقع الابتداع في الدين وفي السياسة ، فقد خَلَّطوا في العمل والعمل ، في العقائد والشرائع معا) ، فصار في دينهم من الشرك وتغيير دين الرسل ما غيروا به شريعة الإنجيل ولهذا التبست عند عامتهم شريعة الإنجيل بغيرها فلا يعرفون ما نسخه المسيح من شريعة التوراة مما أقره ولا ما شرعه مما أحدث بعده ....... ثم ذكر جملة من المحدثات في دين النصارى كتصوير الصور وتعظيمها ودعاء الملائكة والاستشفاع بهم ، والتثليث ، واستحلال الخبائث كالخنزير ، والرهبانية ، والصلاة إلى المشرق ، وترك الختان ، وتلك من بدع بولس نزولا على رغبة جمهور من الأوروبيين أرادوا الدخول في النصرانية وأبوا الالتزام بشريعة الختان فنسخها بولس ! ، فصار الدين السماوي جملة من المقالات الحادثة والأحكام المبدلة ، وذلك ما جعل نصرانية بولس بمعزل عن حركة الحياة ، فقبلها ملوك الرومان فلا حكم لها على أفعالهم وسياساتهم فهي شريعة مسالمة ! ، وتلك كانت بذرة العلمانية فالدين قد اختار أن يهادن السياسة برسم التآمر على الشعب ، فرضي بحصته من الطغيان الديني في مقابل حصة الإمبراطور من الطغيان السياسي ، فتحالف الدين الباطل والسياسة الجائرة على الرعية الحائرة فكل قد نال حظه من التركة ، فإرث البابا : السلطان الروحي ، وإرث الإمبراطور : السلطان السياسي ، وقد كان ذلك من وجه : ترسيخا لنظرية الفصل بين الدين والسياسة فلا تداخل بينهما ، فالأول : يبحث في الآخرة بحثا محضا ، والثانية : تبحث في الدنيا بحثا محضا ، وكأن شارع الدين ليس هو خالق الدنيا ليجري كلاهما على قانون واحد فقد صار لكل قانون يخصه يباين كل التباين قانون الآخر ، في ازدواجية فكرية ترسخت في العقل الجمعي الأوروبي فلم يجد غضاضة بعد ذلك في فصل الدين عن الدولة والسياسة فصلا تاما ، بعد الثورة العلمانية التي قضت على التحالف المشبوه بين البابا والإمبراطور ، فعزل البابا في الفاتيكان فله سلطان شرفي ! ، وأعدم الإمبراطور وزال رسم الإمبراطورية ليحل محله رسم العلمانية التي تزعم الحكم باسم الجماهير ، وهي في حقيقتها تحكم باسم طبقة متنفذة ورثت نفوذ الإمبراطور الواحد ، ففي الرأسمالية نابت طبقة رجال المال والأعمال أصحاب النفوذ الحقيقي ، عن الإمبراطور ، وفي الشيوعية ورث الحزب ورجاله تركه القيصر الروسي ، فنفوذه قد انتقل إلى الحزب الذي يحكم هو الآخر باسم الشعب وإن لم يفوضه الشعب !" .

وهب كما يقول ابن تيمية رحمه الله : "أن شريعة الكتابين كانت كافية فإنما ذاك إذا كانت محفوظة معمولا بها ولم يكن الأمر كذلك بل كانت قد درس كثير من معالمها" ، (فالدليل غير صحيح ، أو لا يمكن التثبت من صحته على أحسن أحواله فيتوقف في قبوله أو رده ، فــ : "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ، ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله ورسله ، فإن كان باطلا لم تصدقوه ، وإن كان حقاً لم تكذبوه" ، فلا مستند له ولو آحادا لينظر في رجاله ولا أصل له ليرجع إليه عند وقوع النزاع ، و : "مما يوضح ذلك أنك تجد عامة علماء النصارى فضلا عن عامتهم لا يعرفون ما نسخه المسيح من شريعة التوراة مما أقره مع اتفاقهم على أن المسيح لم ينسخها كلها ولم يقرها كلها بل أخبرهم أنه إنما جاء ليتمها لا ليبطلها وقد أحل بعض ما حرم فيها كالعمل في السبت .

ومعلوم أن المقصود بالرسل تصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا فإذا كان عامة النصارى لا يميزون ما أمرهم به مما لم يأمرهم به ولا ما نهاهم عنه مما لم ينههم عنه مع اعترافهم بأنه أقر كثيرا من شريعة التوراة بل أكثرها وأحل بعضها فنسخه ورفعه وهم لا يعرفون هذا من هذا لم يكونوا عارفين بما جاء به المسيح ولا يعرفون ما أمرهم الله على لسان موسى وسائر الأنبياء فإنهم لا يجوز لهم العمل بكل ما في التوراة بل قد نسخ المسيح بعض ذلك باتفاقهم واتفاق المسلمين على ذلك .
ولا يجوز لهم تعطيل جميع شريعة التوراة بل يجب عليهم العمل بما لم ينسخه المسيح وعامتهم لا يعرفون ما نسخه مما لم ينسخه فلا يمكنهم العمل بالتوراة والانتفاع بها في الشرع حتى يعرفوا المنسوخ منها من غير المنسوخ .

وعامتهم لا يعرفون ذلك فلم يكونوا حينئذ على شريعة منزلة من الله لا من جهة المسيح ولا من جهة موسى فلم يعلموها بل كان ذلك مجهولا عند عامتهم وجمهورهم أو جميعهم فكانوا محتاجين إلى أن يعرفوا ما شرعه الله مما لم يشرعه فأرسل الله محمدا بشرع أمر فيه بمحاسن ما في الكتابين وعوض عما نسخه بما هو خير منه" . اهــ من : "الجواب الصحيح" ، (3/36) .

فذلك تقرير عقلي بديع من ابن تيمية ، رحمه الله ، لحاجة البشرية عقيب تبديل الرسالات المتقدمة إلى أخرى متأخرة عنها برسم النسخ لجملة ما تقدمها ، فهي المهيمنة عليها ، ومعنى النسخ هنا هو نسخ العمل بها مع ما فيها من أحكام قد وافقت أحكام الرسالة الخاتمة فإنها بما وقع فيها من التحريف الذي نال الفروع بل ولم تسلم منه الأصول ، لم تعد محل قطع وجزم بالصحة ، فصحتها إن وافقت الرسالة الخاتمة لا ترجع إليها ، فلا مستند لها من نقل ينظر في رجاله أو أصل ترد إليه ، وإنما ترجع إلى الرسالة الخاتمة فالحجة فيها لثبوت النقل لا في الكتب المتقدمة التي يلزم التوقف في حكاية مقالها إن لم يشهد له الرسالة الخاتمة باعتبار فيتعتبر تبعا لا أصلا ، أو بإلغاء فيلغى ، فمرد الأمر ، كما تقدم ، للكتاب المهيمن ، فثبتت حاجة البشرية قطعا إلى رسالة خاتمة برسم الحفظ ، فعمل العقل في هذا الباب النظر في دلائلها الكلية ، وما أكثرها فقد بلغت حد التواتر فلا تقتصر على المعجزات الحسية التي انقضت بل أعظم حجة للرسالة الخاتمة هي حجة التنزيل السالم من المعارضة ، وهي حجة معنوية حاضرة بل وخالدة إلى أن يشاء الرب ، جل وعلا ، رفع الكتاب العزيز من الصدور والسطور في آخر الزمان ، فإذا ثبتت النبوة صار الفلاح كل الفلاح في الانقياد لها تصديقا وامتثالا فذلك أولى من شغل العقل بمعارضة أخبارها بالتأويل وأحكامها بالتشكيك كما هي حال العلمانيين في زماننا الذين تتبعوا المتشابه وأعرضوا عن المحكم كحال كل أصحاب المقالات الباطلة قديما وحديثا) ، و : شريعة التوراة تغلب عليها الشدة وشريعة الإنجيل يغلب عليها اللين وشريعة القرآن معتدلة جامعة بين هذا وهذا كما قال تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ، وقال في وصف أمته : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) .
وقال أيضا : (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) ، فوصفهم بالرحمة للمؤمنين والذلة لهم والشدة على الكفار والعزة عليهم وكذلك كان صفة محمد نبيهم أكمل النبيين وأفضل الرسل بحيث قال : "أنا محمد وأنا أحمد وأنا نبي الرحمة وأنا نبي الملحمة وأنا نبي التوبة وأنا الضحوك القتال" ، فوصف نفسه بأنه نبي الرحمة والتوبة وأنه نبي الملحمة وأنه الضحوك القتال وهذا أكمل ممن نعت بالشدة والبأس غالبا أو باللين غالبا وقد قيل بسبب ذلك أن بني إسرائيل كانت نفوسهم قد ذلت لقهر فرعون لهم واستعباد فرعون لهم فشرعت لهم الشدة لتقوى أنفسهم ويزول عنهم ذلك الذل ........ فلما نصر الله بني إسرائيل وأظهرهم ظهرت فيهم الأحداث بعد ذلك وتجبروا وقست قلوبهم وصاروا شبها بآل فرعون فبعث الله المسيح عليه السلام باللين والصفح والعفو عن المسيء واحتمال أذاه ليلين أخلاقهم ويزيل ما كانوا فيه من الجبرية والقسوة .

فأفرط هؤلاء في اللين حتى تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وتركوا الحكم بين الناس بالعدل وإقامة الحدود وترهب عبادهم منفردين مع أن في ملوك النصارى من الجبرية والقسوة والحكم بغير ما أنزل الله وسفك الدماء بغير حق مما يأمرهم به علماؤهم وعبادهم ومما لم يأمروهم به ما شاركوا فيه اليهود فبعث الله محمدا بالشريعة الكاملة العادلة وجعل أمته عدلا خيارا لا ينحرفون إلى هذا الطرف ولا إلى هذا الطرف بل يشتدون على أعداء الله ويلينون لأولياء الله ويستعملون العفو والصفح فيما كان لنفوسهم ويستعملون الانتصار والعقوبة فيما كان حقا لله ........... ففي شريعته من اللين والعفو والصفح ومكارم الأخلاق أعظم مما في الإنجيل وفيها من الشدة والجهاد وإقامة الحدود على الكفار والمنافقين أعظم مما في التوراة وهذا هو غاية الكمال ولهذا قال بعضهم بعث موسى بالجلال وبعث عيسى بالجمال وبعث محمد بالكمال" . اهــ بتصرف واسع من : "الجواب الصحيح" ، (3/38_52) .
ورسم التشريك في المقابل : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) ، فمن تحاكم إلى غير الوحي فيما لا مدخل للاجتهاد فيه ، فليس مما أرسله الشارع ، جل وعلا ، فسكت عن حكمه رحمة بالعباد فالخلاف فيه مظنة السعة ، وإن كان الحق فيه واحدا ، فمن تحاكم إلى غيره ، فقد أشرك في توحيد العبادة بأن صرف منه ما لا يصرف إلا لله ، جل وعلا ، فــ : "الإشراك بالله في حكمه ، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد ، لا فرق بينهما ألبتة ، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله ، وتشريعاً غير تشريع الله ، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن ، ولا فرق بينهما ألبتة بوجه من الوجوه ، فهما واحد ، وكلاهما مشرك بالله" . اهــ من كلام الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص297 .
وأشرك في توحيد الربوبية فتأويله الخلق والتدبير ، والتدبير يقتضي التشريع بالتحليل والتحريم فــ : "لما كان اليهود والنصارى يحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم ويحلون ما أحلوا كانت هذه ربوبية صحيحة وعبادة صحيحة ، قد دانوا بها وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله وعبادة وهذا هو الشرك بلا خلاف كما سمى كفرهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ناسخ لما هم عليه كفرا بالله عز وجل وإن كانوا مصدقين به تعالى لكن لما أحبط الله تعالى تصديقهم سقط حكمه جملة" . اهــ من "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم رحمه الله .

فقوله رحمه الله : "كانت هذه ربوبية صحيحة وعبادة صحيحة" : مئنة من التلازم الظاهر بين الربوبية والألوهية ، فإن من اعتقد في فلان من البشر نفاذ حكم ولو بما يخالف الشرع فقد اعتقد فيه صفة الرب المدبر للأمر الشارع للحكم فلازم ذلك أن يتأله له بصنوف الانقياد فيقبل حكمه ويرضى به ولو كان على خلاف حكم الشريعة ، فأي عبودية أصرح من ذلك وإن لم يتعبد العابد بالشعائر الظاهرة فالباطن قد خضع وانقاد برسم الاختيار فلا عذر له من إكراه .

ومرد الأسماء والأحكام إلى الشارع ، جل وعلا ، فقد سمى طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم : تأليها ، وسمى الكفر بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفرا به ، جل وعلا ، ولو ادعى صاحبه أنه مؤمن بالله ، فلو آمن بالله المرسِل للرسل عليهم السلام لآمن بالمرسَل ، وما به قد أرسل من أخبار وأحكام ، فصدق المرسلين وتأول شرائع النبيين بالامتثال للأمر والنهي ، فذلك ، كما تقدم دليل دعوى المحبة الموجبة للرحمة والغفران ، فمرد الأمر ليس إلى الذوق فإن العبد لا يعبد إلهه على مراده منه ، وإنما يعبده على مراد إلهه منه ، فصاحب الهوى طالب لحظ نفسه وعيشها وإن أظهر الانقياد والتسليم ، كما قد قال بعض العارفين : "كل عمل بلا متابعة فهو عيش النفس" . اهــ
وكيف تكون متابعة في هذا الباب الذي مبناه التوقيف إلا بالسير على منهاج المرسلين ، عليهم السلام ، وكيف يمكن السير على منهاجهم دون إثبات صحته ابتداء ، فتثبت صحة الألفاظ المنقولة من كلمات الوحي المنزل ، كتابا وحكمة ، فذلك أول طريق الهداية بتصحيح الدليل الهادي فلا يقبل إلا السالم من القدح بضعف أو نسخ أو معارضة لراجح ، فكل أولئك لا يصح هاديا في باب الاتباع فمبناه النقل الصحيح لا المعتل ، ثم تثبت صحة المعاني المفهومة بالسير على منهاج العرب الأقحاح أصحاب اللسان ، ومنهاج الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فلهم من العلم بالقرائن المحتفة بالنصوص ، أسباب نزول أو ورود ، لهم من ذلك ما قد أزال إجمال ما أشكل على من جاء بعدهم فقد أفادتهم المشاهدة عقل المعنى ، مع ما لهم من نصح الباطن وفصاحة الظاهر ، فهم في ذلك فرع على نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو خير أفراد الأمة ، بل وخير أفراد النوع الإنساني ، فهو أعلم الخلق بربه ، جل وعلا ، وأصدقهم نصحا لعباده وأفصحهم لسانا وأبينهم مقالا ، فمقاله فصل ، فقد أوتي الجوامع الكوامل ، فلا إجمال ولا اشتراك في كلامه إلا ما كان في اصطلاح المتأخرين لما خفيت عليهم طرائق المتقدمين في البيان ، ولذلك لزم الرجوع في تأويل نصوص الوحي إلى لسان من نزل عليه ، فهو اللسان العربي المبين ، وأعلم الناس به ، كما تقدم ، النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه ، رضي الله عنهم ، من بعده فهم أقرانه في اللسان وإن فاقهم في البيان فلا يحيط بلسان العرب إلا نبي ، كما أثر ذلك عن الشافعي ، رحمه الله ، فكذلك شأن أصحابه ، رضي الله عنهم ، فهم خير طباق الأمة بل وخير طباق الأمم جميعا بعد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام .



وأشرك في توحيد الأسماء والصفات فالرب ، جل وعلا ، هو الحكم ، فله الحكم وصف ذات أول ، ووصف فعل حادث ، فـــ : "من الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع ، قوله تعالى : - {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ، ثم قال مبيناً صفات من له الحكم :- {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ {10} فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11} لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى ، آيات 10-12] .
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية ، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور ، ويتوكل عليه ، وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما ، على غير مثال سابق ، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجاً ...... ؟ .

فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم ، ولا تقلبوا تشريعاً من كافر خسيس حقير جاهل .

ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى :- {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف ، آية 26] .
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السموات والأرض ؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات ، وبصره بكل المبصرات ؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي ؟ سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً .
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى :- {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص ، آية 88] فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد وأن كل شيء هالك إلا وجهه ؟ وأن الخلائق يرجعون إليه ؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته ، (فمرد الأمر ، كما تقدم ، إلى الغلو في المخلوق بخلع أوصاف الرب الخالق عليه ومنها وصف التشريع ، فالرب الخالق ، جل وعلا ، يرب عباده بأمر الكون النافذ وأمر الشرع الحاكم فهل للمربوب المخلوق شيء من ذلك ؟!) .

ومنها قوله تعالى :-
{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام ، آية 57] . فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق ، وأنه خير الفاصلين؟ .
ومنها قوله تعالى :-
{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس ، آية 59] .
فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق ، وأنه لا يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه ؟ لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم ؟ .
سبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم" . اهــ باختصار من : "أضواء البيان" نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص300 ، 301 .

وأشرك في توحيد الاتباع للنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاتبع حكم غيره برسم الرضا والطمأنينة ، فلا يحصل الإيمان إلا بالرضا به صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسولا مبلغا ، فــ : "أما الرضى بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته ولا يحاكم إلا إليه ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره ألبتة لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه لا يرضى في ذلك بحكم غيره ولا يرضى إلا بحكمه فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم وأحسن أحواله : أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور" . اهــ من : "مدارج السالكين" .

فإن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ، فلا يرضى بالشرع المُبَدَّلِ ابتداء وإنما يرده ويدفعه ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فيدعو خصمه إلى التحاكم إلى عالم يفصل النزاع برسم الفتوى فالقضاء قد تعذر بتعطيل حكم الشريعة ، بل وإعمال ضدها من شرائع الجور والطغيان ، فإن لم يرض الخصم فالإثم عليه فيلجأ المضطر إلى حكم الشرع المنحول لجوء من بلغ به الأمر حد الضرورة ، فالضرورات تبيح المحظورات ، فذلك من يسر الشريعة الخاتمة فلا يقتصر الأمر على المطعومات والمشروبات المحرمة ، فتلك تتعلق بالحقوق المحسوسة للأبدان ، بل تتعداه إلى الخصومات والمنازعات فهي تتعلق بالحقوق المعقولة للنفوس ، والضرورة في كليهما تقدر بقدرها ، فقيد عدم البغي وعدم العدوان في كليهما ثابت .


ونقض إيمانه فمنه العمل ، والتحاكم إلى الشريعة برسم التسليم من أعظم الأعمال ، فتركه قادح بل وناقض لعقد الإيمان في القلب ، فــ : "سمى الله تعالى تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم إيماناً ، وأخبر الله تعالى أنه لا إيمان إلا ذلك ، ومع أن لا يوجد في الصدر حرج مما قضى ، فصح يقيناً أن الإيمان عمل وعقد وقول ؛ لأن التحكيم عمل ، ولا يكون إلا مع القول ، ومع عدم الحرج في الصدر وهو عقد" . اهــ من كلام ابن حزم ، رحمه الله ، في "الدرة" نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص303 .

فــ : "كَلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِيعَتِهِ فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَرْضَى بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا يَشْجُرُ بَيْنَهُمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَحَتَّى لَا يَبْقَى فِي قُلُوبِهِمْ حَرَجٌ مِنْ حُكْمِهِ . وَدَلَائِلُ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ . وَبِذَلِكَ جَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَارْتَدَّ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ : كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَلَمْ يَقُلْ إلَّا بِحَقِّهَا ؟ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا . وَاَللَّهُ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهَا . فَقَالَ عُمَرُ : فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَلِمْت أَنَّهُ الْحَقُّ " . فَاتَّفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قِتَالِ أَقْوَامٍ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ إذَا امْتَنَعُوا عَنْ بَعْضِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ . وَهَذَا الِاسْتِنْبَاطُ مِنْ صِدِّيقِ الْأُمَّةِ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُؤَدُّوا هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ . وَهَذَا مُطَابِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ" . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .
فقاس الصديق ، رضي الله عنه ، الزكاة على الصلاة ، فالإجماع قد انعقد على وجوب قتل تارك الصلاة ، أو قتاله إن كانت له شوكة ، فذلك مفهوم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ" ، فجعلها العاصمة للدم ، فعلم أنه لم ينه بل قد أمر بقتل أو قتال تاركي الصلاة فتلك مئنة ظاهرة من كفرهم أو ردتهم إن ثبت لهم عقد إيمان ابتداء ، على تفصيل في ذللك ، فتكفير تارك الصلاة مسألة جليلة تتعدد صورها وأحكامها كمسألة التحاكم إلى غير الشريعة ، فكلاهما علم ظاهر من أعلام الديانة ، فـ : "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة وسيصلي أقوام لا دين لهم" ، ومن الأمانة ، بل ومن أعظم صورها : أمانة الحكم برد الأمر والنهي إلى الرب جل وعلا .

فمستند الإجماع كان القياس فجاء النص ، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه الأمر بقتال الناس حتى يشهدوا الشهادتين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، جاء النص مستندا صريحا للإجماع فزاده قوة على قوة فقد وافق استنباط الصديق ، رضي الله عنه ، نص الوحي المنزل ، وذلك مئنة من دقة فهم وسعة فقه الخليفة الأول رضي الله عنه .

فأغلب صور هذا الباب مما يكفر فاعله ، وإن لم يلزم من ذلك تكفير الأعيان حتى تقام الحجة الرسالية على وجه صحيح فتزول الشبهات المانعة من إنفاذ الحكم ، فلا يقيمها إلا الراسخون ، ولا يحكم بمقتضاها إلا الأئمة ، فلهم من السلطان ما ليس للعامة ، فمن رام النجاة من المتملكة ، بل والصلاح ولو في دنياه فلا يعرضن عن حكم الوحي ، فهو معدن الصلاح في الأولى ومعدن النجاة في الآخرة ، فلا بقاء لملك من عطل الشرع وإن جرت السنة بإمهاله بل واستدراجه بتمكين من جنس تمكين فرعون في الماضي وفي الحاضر فلسان مقال الأول ، ولسان حال الثاني : (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) ، وعاقبة أمرهما زوال الملك بالغرق فــ : (الْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) ، والخلع فــ : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

فيكون كفرا إن رد تقرير الشرائع إلى غير الشارع ، جل وعلا ، فيرد إلى الأحبار والرهبان برسم الكهنوت ، ويرد إلى الملوك والأباطرة برسم الديكتاتورية فهي سلطة زمنية جائرة ، ثم يرد أخيرا إلى العقل الجمعي ليحكم بما شاء من هوى أو ذوق برسم الديمقراطية ، فإن أباح الفواحش فهي حلال ، وإن بدا له نسخها صوت لصالح مشروع قانون يقضي بتحريمها ! ، فتدرج في السيادة من سيادة الفرد إلى سيادة الجماعة ، فما ازداد إلا حيرة ، فالجماعة تتباين مشارب أفرادها فلكل عقل ووجدان ، فمن يفصل النزاع بين تلك العقول التي نازعت الرب المعبود ، جل وعلا ، منصب السيادة ؟! .

فــ : "إن طواغيت البشر - قديماً وحديثاً - قد نازعوا الله في حق الأمر والنهي والتشريع بغير سلطان من الله تعالى ، فادعاه الأحبار والرهبان لأنفسهم فأحلوا به الحرام ، وحرموا به الحلال ، واستطالوا به على عباد الله ، وصاروا بذلك أرباباً من دون الله ، ثم نازعهم الملوك في هذا الحق حتى اقتسموا السلطة مع هؤلاء الأحبار والرهبان ، ثم جاء العلمانيون فنزعوا الحق من هؤلاء وهؤلاء ، ونقلوه إلى هيئة تمثل الأمة أو الشعب ، أطلق عليها اسم البرلمان ، أو مجلس النواب .......... وغالب الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين - من خلال استقراء دساتيرها - إنما هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله تعالى وحده بالتشريع ، حيث جعلت التشريع والسيادة للأمة أو الشعب ، وربما جعلت الحاكم مشاركاً في سلطة التشريع ، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال ، وكل ذلك تمرد على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله تعالى ، والله المستعان" . اهــ
نظرية السيادة ، وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية للدكتور صلاح الصاوي ، ص12_16 ، و : ص19 ، 20 نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص313 ، 314 .

يقول د . صلاح الصاوي - عن تلك الأوضاع -: "إن الحالة التي تواجهها مجتمعاتنا المعاصرة هي حالة الإنكار على الإسلام أن تكون له صلة بشئون الدولة ، والحجر عليه ابتداء أن تتدخل شرائعه لتنظيم هذه الجوانب ، وتقرير الحق في التشريع المطلق في هذه الأمور للبرلمانات والمجالس التشريعية .
إننا أمام قوم يدينون بالحق في السيادة العليا والتشريع المطلق للمجالس التشريعية ، فالحلال ما أحلته ، والحرام ما حرمته ، والواجب ما أوجبته ، والنظام ما شرعته ، فلا يجرم فعل إلا بقانون منها ، ولا يعاقب عليه إلا بقانون منها ، ولا اعتبار إلا للنصوص الصادرة منها ....... هذه المحنة التي نواجهها اليوم ، والتي لا يصلح لدفعها ترقيع جزئي بإلغاء بعض المواد ، والنص على أخرى ، وإنما يصلحه أن نبدأ بتقرير السيادة المطلقة والحاكمية العليا للشريعة الإسلامية ، والنص على أن كل ما يتعارض معها من القوانين أو اللوائح فهو باطل" . اهــ من : "تحكيم الشريعة ودعاوي العلمانية" للدكتور صلاح الصاوي ص 81 ، نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص313 ، 314 .

و : "قد وصل امتهان الشريعة الإلهية ونبذها - في بعض تلك الدساتير - إلى حد أنهم جعلوا هذه الشريعة الربانية مصدراً ثانوياً من مصادر القانون ، فتأتي الشريعة متأخرة بعد التشريع الوضعي ، والعرف ، كما أنهم يجاهرون صراحة بحق التشريع لغير الله تعالى ، بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون عندهم لو أرادوا العمل بتلك النصوص إلا بصدورها عمن يملك حق التشريع ، وهي السلطة التى يمنحها الدستور الاختصاص بذلك ! .
أما كون هذه الشريعة منزلة من عند الله تعالى فلا يعطيها صفة القانون عندهم فضلاً أن تكون حاكمة ومهيمنة ، بل إن العرف يلغي أي مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية !" . اهــ
نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص314 ، 315 .

وقد يكون ذلك أمرا واقعا يحسن التعاطي معه برسم الاضطرار إلى الميتة حال المخمصة غير متجانف لإثم ، كما هي حال الإسلاميين الآن في تعاطيهم مع البرلمانات التي يعد الآن لانتخاباتها بعد سقوط الأنظمة الهرمة التي فقدت الشرعية الدينية بل والسياسية ! ، فاعتزال العمل السياسي وقد فتحت آفاق منه يمكن استثمارها برسم : (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، لا يحسن ، فترك الثقة المكان شاغرا يغري الفاجر ليشغله فيصير أمر سن القانون له فيسن ما يوافق هواه ويلائم ذوقه ولو خالف بل وناقض حكم ربه ، جل وعلا ، فليس للشريعة عنده حرمة ، وليس لربه ، جل وعلا ، في قلبه تعظيم ، وإن أظهره ، فحاله تكذب دعواه ، فتعظيم الرب ، جل وعلا ، لا يكون إلا بتعظيم شعائر دينه ، فذلك رسم التقوى فــ : (مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) : عقودا وأقوالا وأعمالا ، علوما وأعمالا ، شرائع وسياسات وأخلاقا ، فذلك المعنى الجامع للشريعة فليست الشريعة كما يصور العلمانيون أو يتوهم من ضاقت رؤيته ، ليست محض حدود من قصاص وقطع ورجم ، فتلك من جملة أحكامها ، فالشريعة ليست عقوبات فقط ، فأحكام الجنايات جزء من أحكام الشريعة فليست كلها بداهة ! .

فالشريعة فيها السياسات كما فيها العبادات وأحكام المعاملات والأسرة والجنايات ...... إلخ ، وذلك ما يأنف منه الساسة تصريحا أو تلميحا ! ، فلا تضيق صدورهم إلا بهيمنة الكتاب المنزل على قررات الساسة والعسكر ! .



ولا يعني الاشتراك في تلك المجالس برسم الاضطرار تعريفا للمعروف وإنكارا للمنكر قدر الاستطاعة ، لا يعني ذلك بداهة الإقرار بشرعيتها ، بل ذلك عين المنكر ، وإنما هو نزول على قواعد اللعبة من باب التنزل مع الخصم في الجدال باستعمال ألفاظه وطرائقه الفكرية وآلياته العملية ، توصلا إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة الشرعية المعتبرة فلا يكون ذلك بداهة بنقض أصل المسألة ، فتلك مفسدة ، أية مفسدة ، فقد ذهب الأصل الذي ينافح عنه من تمسك بالفرع ! ، فإن هذه المجالس لا تقر إلا بشرعية الصندوق ولو خالفت شريعة الرب المعبود ، جل وعلا ، فتمكن المناورة ويمكن التعاطي معها من وجه ، ولا يحسن بداهة التسليم لها من كل وجه فإن ذلك ، كما تقدم ، يأتي على أصل المسألة بالنقض ، فماذا بقي للمسلم إن سلم بمرجعية فكرية وتشريعية غير المرجعية الربانية التي جاءت بها الرسالات السماوية ؟! .


ويكون كفرا إن جحد الحاكم أو أنكر أحقية حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما أثرعن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، في تفسير قوله تعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله) ، فــ : "قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . رواه ابن جرير " . اهــ من : "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير رحمه الله .

وتلك هي الصورة التي قصر عليها بعض أهل العلم المعتبرين حكم الكفر الأكبر في هذا الباب ، وجاء من بعدهم من جمد عليها من مرجئة العصر فجعلوا الكفر في هذا الباب من جهة الجحود والاستحلال ، فلا يكفر إلا المستحل بلسانه ! ، فيقول بلسانه : أنا أجحد شرع الله ، جل وعلا ، وأزدريه ، ولا أقر به ، وتلك صورة تقترب من صورة الإرجاء الغالي الذي تعدى أصحابه كل حدود الشرع والعقل فجوزوا أن يكون مرتكب الناقض الصريح للإيمان بإهدار أو إنكار ضروري من الدين كتعظيم الرب ، جل وعلا ، أو تعظيم نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، جوزوا أن يكون مؤمنا ناجيا في الباطن فتجري عليه أحكام الكفر في الظاهر ثم هو ناج في الآخرة إن كان مصدقا تصديقا محضا لا يمكن التمييز بينه وبين محض المعرفة التي ثبتت لإبليس ! ، كما نوه بذلك بعض أهل العلم ، وتفرع على ذلك مقالة عدم اشتراط النطق بالشهادة فهي أمارة ظاهرة ، فالإيمان قد يثبت بدونها في الباطن ، وإن لم يثبت في الظاهر ، فيصح أن يكون مؤمنا ناجيا بمحض التصديق المجرد من القول ومن العمل من باب أولى ، مع انتفاء شبهة العارض الأهلي من إكراه أو نحوه ، فقد ترك القول مختارا وفارق جنس العمل مختارا ، وهو ، مع ذلك ، مؤمن ناج بما قام بقلبه من تصور مجرد من تأويله في الجنان : إرادة ، وفي اللسان : نطقا ، وفي الأركان : عملا ، وتلك ، وإن كانت صورة نادرة إلا أن فتح هذا الباب التنظيري لمقالة الإرجاء هون من أمر العقيدة والشريعة في النفوس فآوى الناس إلى ركن الإرجاء حال وقوع التقصير ، فهو أشبه بالمخدر الذي يذهب آلام وخز الضمير الإيماني عند مخالفة الأمر الشرعي فلا عليك ألا تصلي ولا عليك ألا تصوم ...... إلخ ، فالإيمان ما وقر في القلب ، وتناسى أولئك بطبيعة الحال ، الشق الثاني من طرفي القسمة العقلية : وصدقه العمل ! ، وذلك مفض إلى إبطال نواقض الإيمان العملية فلا يكون كفر إلا بقول اللسان ، بل وقد لا يكون الكفر إلا باعتقاد الجنان فأنى لأحد أن يطلع عليه ، وإنما يحكم بأمارات الظاهر من القول والعمل فالإيمان يزول بالجحود والتكذيب ، ويزول بقول اللسان طعنا في الدين أو سبا للمرسلين عليهم السلام ....... إلخ من النواقض القولية ، ويزول بعمل الجوارح : سجودا أو ركوعا لغير الله ، جل وعلا ، أو تحاكما إلى غيره اختيارا فلا إكراه ، أو ...... إلخ من النواقض العملية ، فليس مقصورا على النواقض القلبية فقط .

ويكون كفرا أكبر إن فضل حكم الطاغوت على حكم الله تعالى ، فــ : "من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه ، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه ، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر" . اهــ من : "مجموعة رسائل في التّوْحِيد والإيمان" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .

فقال من قال من السفهاء بأن عقل أوروبا الذي برع في التجريبيات أهل لأن يفصل النزاع في الحكميات , وذلك من أفسد ما يكون ، فقياس الدين على الدنيا ، والشرع على العادة ، تسوية بين متباينين ، فكم اهتدت أمم في التجريبيات وضلت في الإلهيات والحكميات ، وحال أوروبا على ذلك خير شاهد ، فليس للعقل أن ينسخ الشرع ، فالشرع حاكم مهيمن ، قد استوفى أصول المسائل بل وجمهورها بالنص ، وعليها تقاس النوازل المستجدة ، فــ : "القرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة ، في المسائل المدنية والتجارية ، وأحكام الحرب والسلم وأحكام القتال والغنائم والأسرى وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا ، وأعظم على الله الفرية ، وظن أن لشخص كائناً من كان ، أو لهيئة كائنة من كانت ، أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه ، وما قال هذا مسلم ولا يقوله ، ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملة ، ورفضه كله ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" . اهــ

و : "حكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث ؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصا أو ظاهرا أو استنباطا ، أو غير ذلك ، علم ذلك من علمه ، وجهله من جهله" . اهــ
نفلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص319 ، 320 .


ويكون كفرا أكبر إن استخف بحكم الله ، جل وعلا ، فذلك من صور الاستهزاء بالدين وذلك من نواقض الإيمان ، فيدخل فاعله في عموم قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) .
يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله :
"إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله - فهذا كفر أكبر .
وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا عاص ، ويسمى كافرا كفرا مجازيا ، أو كفرا أصغر . وإن جهل حكم الله فيها ، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأ ، فهذا مخطئ ، له أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور" . اهــ
"شرح العقيدة الطحاوية" ، ص304 .

ويكون كفرا أكبر إن ساوى بين حكم الله تعالى وحكم الطاغوت ، فذلك تسوية في الوصف ، وذلك تكذيب صريح بانتفاء التماثل في قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فليس كمثله شيء في ذاته أو اسمه أو وصفه أو فعله والحكم من جملة فعله ، جل وعلا ، وذلك من أفسد ما يكون في قياس العقل ، وإن لم يرد في خصوصه خبر الوحي ، فالتسوية بين المتباينين من أعظم قوادح القياس ، فكيف بالتسوية بين أعظم متباينين : الرب الخالق الكامل ، والعبد المخلوق الناقص ؟! .
فــ : "مَنْ كَانَ مِنْ الْمُطَاعِينَ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ مُتَّبِعًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَدَعَا إلَيْهِ وَأَحَبَّ مَنْ دَعَا إلَى مِثْلِ مَا دَعَا إلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذَلِكَ ، فَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ ؛ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ؛ وَمَنْ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ يَدْعُو إلَى ذَلِكَ ؛ فَهَذَا يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُطَاعَ الْمَعْبُودَ ؛ وَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ حَالِ فِرْعَوْنَ وَأَشْبَاهِهِ ؛ فَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُطَاعَ دُونَ اللَّهِ فَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ ؛ وَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُطَاعَ مَعَ اللَّهِ فَهَذَا يُرِيدُ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا إيَّاهُ وَلَا يَكُونَ الدِّينُ إلَّا لَهُ ؛ وَتَكُونُ الْمُوَالَاةُ فِيهِ وَالْمُعَادَاةُ فِيهِ ؛ وَلَا يُتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ ؛ وَلَا يُسْتَعَانُ إلَّا بِهِ .
فَالْمُتَّبِعُ لِلرُّسُلِ يَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ ؛ لِيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ لَا لَهُ" . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .


ولسان مقال أهل النار : (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) .
يقول ابن القيم رحمه الله : "ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه فى الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة وإنما سووهم به فى الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل وهذا غاية الجهل والظلم فكيف يُسوى من خلق من التراب برب الأرباب وكيف يسوي العبيد بمالك الرقاب وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغني بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته فأي ظلم أقبح من هذا وأي حكم أشد جورا منه ......... كما قال تعالى : (الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ، فعدل المشرك من خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة فى السماوات ولا في الأرض فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه .............ويتبع هذا الشرك به سبحانه فى الأقوال والأفعال والإرادات والنيات" . اهــ بتصرف من : "الجواب الكافي" .

ويكون كفرا أكبر إن جوز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فيرضى بما لم يرض به الرب ، جل وعلا ، من الكفر ، فــ : "ما دام أنه لا يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى وحده ، وذلك بتجويز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى ، فهذا كفر ناقل عن الملة" . اهــ
نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص323 .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"الحكم بالعدل واجب مطلقا في كل زمان ومكان على كل أحد ولكل أحد والحكم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو عدل خاص وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها والحكم به واجب على النبي صلى الله عليه وسلم وكل من اتبعه ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية والعملية ......... فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك ومن اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيء من ذلك ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر" . اهــ بتصرف من : "منهاج السنة" .

"ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى كسواليف البادية وكأوامر المطاعين فيهم ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار وإلا كانوا جهالا" . اهــ من : "منهاج السنة" .

فالعدل معنى أجمعت العقول على حسنه ، ولكنها تتفاوت في تقديره لتفاوت معايير القياس من عقل لآخر ، فما رآه عقل حقا وعدلا ، رآه غيرا باطلا وجورا فمن ذا الذي يحكم بين المتنازعين من البشر إلا الكتاب الهادي المنزل من رب البشر جل وعلا ؟! .

*

ويقول ابن القيم رحمه الله :
"والصحيح : أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا لأنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر .
وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله تعالى فهذا كفر أكبر وإن جهله وأخطأه : فهذا مخطىء له حكم المخطئين" . اهــ من : "مدارج السالكين" .

ويكون كفرا أكبر إن أبى وامتنع ، وإن لم يجحد ويكذب ، فليس مجرد التصديق إيمانا حتى يشفع بالإقرار والانقياد .

يقول الطحاوي رحمه الله :
"وَقَدْ أَجْمَعُوا جَمِيعًا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ ، (أي : الزنى) ، لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَتْلٌ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ - فِي قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ - عَلَيْهِ الرَّجْمُ إنْ كَانَ مُحْصَنًا . فَلَمَّا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ بِالرَّجْمِ , وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَتْلَ لَيْسَ بِحَدٍّ لِلزِّنَا , وَلَكِنَّهُ لِمَعْنًى خِلاَفَ ذَلِكَ . وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُتَزَوِّجَ , فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْلاَلِ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَصَارَ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا , فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ . وَهَكَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ رحمهما الله ، يَقُولاَنِ فِي هَذَا الْمُتَزَوِّجِ إذَا كَانَ أَتَى فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْلاَلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ" . اهــ من : "معاني الآثار" للطحاوي رحمه الله .

فكفر بالاستحلال الفعلي فلا يقتصر الاستحلال على الاستحلال القلبي أو الاستحلال اللساني بأن يشهد على نفسه بأنه كافر مكذب جاحد فتلك صورة نادرة ، وقع منها في زماننا ما وقع ممن تغلظت ردته ، وذلك مئنة من عظم الفساد في هذا العصر ، ولكنها مع ذلك صورة نادرة ، والنادر لا حكم له ، فالاستحلال يكون بالاعتقاد والقول والفعل جميعا ، كما أن الإيمان حقيقة مركبة من اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح ، فلكل ناقض .
وذلك محل إجماع فــ : "قد أجمع العلماء على أن من دفع شيئاً أنزله الله .. وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر" . اهــ
نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص328 .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم و أبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند و لهذا قالوا : من عصى الله مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره الخوارج فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقا بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق .
وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه وكذلك لو استحلها من غير فعل والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها هذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة وتارة يعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفرا ممن قبله وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبة الله وعذبه .
(فبين من انتهك حرمات الدين شهوة ، وبين من انتهكها مستخفا مع اعتقاد تحريمها ، بينهما فرقان لطيف قد يخفى على بعض المكلفين ، فكلاهما عالم بالتحريم ، وإن لم يعلما العقوبة فليس ذلك شرطا في قيام الحجة فالحجة تحصل بالعلم بتحريم الفعل وإن لم تعلم العقوبة ، كمن جامع في نهار رمضان عامدا عالما بالتحريم غير عالم بالكفارة فتلزمه الكفارة فلا يعذر بالجهل بها ، ولكن الأول معظم للشريعة نادم على ما اقترف والثاني مستخف بها غير آبه بما انتهك ، فذلك فرقان يوجب كفر الثاني استخفافا وإيمان الأول وإن انتقص من إيمانه بقدر ما اقترف من معاص) .
ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو اتباعا لغرض النفس وحقيقة كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ويقول : أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر عنه فهذا نوع من غير النوع الأول وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع بل عقوبته أشد وفي مثله قيل : "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" ، وهو إبليس ومن سلك سبيله ، وبهذا يظهر الفرق بين العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويحب أنه يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد وذلك قول لكن لم يكمل العمل" . اهــ بتصرف من : "الصارم المسلول" .
فسخط الحق وبغضه مئنة من انحلال عرى الإيمان في القلب ، وإن كان صاحبه يقر بأنه من عند الله جل وعلا .

ويكون كفرا أكبر ، وهو أعظمها ، إن ضاهى حكم الشارع بمحاكم وضعية لها مستمدات أرضية فحمل الناس على التحاكم إليها حملا ، وهي صورة ظاهرة في كثير من أمصار المسلمين فمستمدات المحاكم فيها أرضية تضاهي مستمدات الشريعة الربانية ، فيعدل الحاكم عن الشرع المنزل إلى الشرع المحدث ، فــ : "كما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى ، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي ، والقانون الأمريكي ، والقانون البريطاني ، وغيرها من القوانين ، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة ، وغير ذلك .
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة ، مفتوحة الأبواب ، والناس إليها أسراب إثر أسراب ، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب ، من أحكام ذلك القانون ، وتلزمهم به ، وتقرهم عليه ، وتحتمه عليهم ، فأي كفر فوق هذا الكفر ، وأي مناقضة لشهادة أن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة؟" . اهــ
نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص332 .

فالصورة : كفر أكبر ، فذلك مناط الحكم المطلق ، وأما تحقيقه في أعيان مخصوصة ، فذلك مما يفتقر إلى إقامة الحجة الرسالية ونفي الشبهة فقد يقوم مانع في حق فرد بعينه ولا يعني ذلك بداهة نقض الأصل ، فهو ثابت في الشرع ، وإنما يتفاوت تحقيقه في الخارج تبع لحال المكلف ، فيعذر الجاهل حتى يَعْرِف أو يُعَرَّف ، أو يتمكن من المعرفة فيعرض مع كمال آلة الفهم وانتفاء المانع المعتبر فليس كل جهل عذرا ، وإن كان العذر بالجهل ثابتا في كل أصول الدين وفروعه ، فمن تيسر له سبب العلم فأعرض فذلك مئنة من بغض الحق مع تمام القدرة على تعلمه والعمل به ، فقد أقيمت عليه الحجة بالقوة ، وإن لم تقم بالفعل ، فهو عالم بالقوة وإن لم يعلم بالفعل ، فلم يمنعه إلا الكبر ، فحاله حال إبليس لما أمر بالسجود فــ : (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ، فلم تنفعه المعرفة دون عمل ، فكذلك المعرض أمر بالتعلم فلم يمتثل ، مع كمال القدرة والاستطاعة الشرعية التي يناط بها التكليف .
فليس العذر بالجهل معتبرا في كل حال بل ذلك مما يتفاوت بتفاوت الأعصار والأمصار .


فــ : "العلم علمان علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله ، قال : ومثل ماذا ؟ ، قلت : مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليه منه .

وهذا الصنف كله من العلم موجودا نصا في كتاب الله وموجودا عاما عند أهل الاسلام ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجود به عليهم وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل ولا يجوز فيه التنازع .

قال : (أي : من يناظره الشافعي ، رحمه الله ، في "الرسالة") ، فما الوجه الثاني ، قلت له : ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص به من الاحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثر نص سنة وإن كانت في شيء سنة فإنما هي من أخبار الخاصة ولا أخبار العامة وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا ، (فيدخله العذر بالجهل خلاف علم العامة المتواتر فلا يعذر به لا سيما في دار الإسلام ، كما قد قرر ذلك أهل الأصول فلا يجوز الدفع بالجهل في دار الإسلام التي ظهرت فيها أعلام الشرائع لا سيما الشرائع المعلومة من الدين ضرورة كالصلاة والزكاة ...... وهو أمر يتفاوت من عصر لآخر ، ومن مصر لآخر كما تقدم)" . اهــ بتصرف من : "الرسالة" للشافعي رحمه الله .
ويلتحق بهذه الصورة : "ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها "سلموهم" يتوارثون ذلك فيهم ، ويحكمون به ، ويحملون على التحاكم إليه عند النزاع بقاء على أحكام الجاهلية ، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله ورسوله" . اهــ
نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص332 .
فتلك محاكم عرفية من جنس المحاكم الرسمية التي تضاهى بها المحاكم الشرعية .


ويكون كفرا أصغر إن كانت المخالفة جزئية في حكم بعينه فــ : "أما الذي قيل فيه كفر دون كفر ، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق ، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها ، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر ، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل" . اهــ
نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، حاشية : ص335 .

وقال ابن القيم رحمه الله :
"إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا لأنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر" . اهــ من : "مدارج السالكين" .

فعدل في واقعة بعينها لا في عموم الوقائع فذلك بمنزلة من وافق أهل بدعة في قول من أقوالهم ، أو فرع من فروعهم ، فلم يلتزم الأصل العام ، وإنما وافق في فرع خاص .

وعليه تحمل رواية ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وعطاء وطاووس وأبي مجلز رحم الله الجميع .

يقول الشيخ محمود شاكر رحمه الله :
"اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة . وبعد ، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا ، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله ، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه ، وفي اتخاذهم قانون الكفر شريعة في بلاد الإسلام ، فلما وقف على هذين الخبرين ، (أي : خبرا : "كفر دون كفر") ، اتخذهما رأياً يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله ، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها ، والعامل بها .
- إلى أن قال - لم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا ، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام ، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام ، بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه ، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ، ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى ، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه ....... ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز ، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة ، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكماً وجعله شريعة ، ملزمة للقضاء بها ، هذه واحدة، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها ، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل ، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة ، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية ، فهذا ذنب تناله التوبة ، وتلحقه المغفرة" . اهــ
نقلا عن : "نواقض الإيمان القولية والعملية" ، ص338 ، 339 .

فالمناط مختلف فشتان من أقر بالشريعة في الجملة واتخذها قانونا عاما ، وبين من أنكر حكمها العام ابتداء أو استبدل به حكما آخر ، فذلك نقض كامل خلافا لمن نقض حكما بعينه فلا يستويان بداهة .

وأما المحكوم بتلك الشرائع الوضعية الجائرة فلا يكفر إلا إذا رضي بذلك ، أو اختاره بلا إكراه ملجئ ، فالرضا بالكفر كفر ، فلا يعم الحكم سائر المكلفين فذلك غلو في الحكم وشطط ، فعموم المسلمين يأبون في الجملة التحاكم إلى غير الشرع المنزل ، وإن كان لهم هوى في غيره فهم مقرون بعصيانهم كارهون لحالهم معظمون للشرع فلا يزدرونه كما يزدريه الكفار الأصليون ومن وافقهم من الزنادقة والمرتدين .

يقول أبو حيان ، رحمه الله ، في قوله تعالى : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) :
"حكم تعالى بأنهم إذا قعدوا معهم وهم يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها ، وهم قادرون على الإنكار مثلهم في الكفر ، لأنهم يكونون راضين بالكفر ، والرضا بالكفر كفر" . اهــ
فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية عليه .

ويقول القرطبي رحمه الله :
"فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم ، والرضا بالكفر كفر ؛ قال الله عز وجل : {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} . فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء ، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها ؛ فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية .
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أنه أخذ قوما يشربون الخمر ، فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم ، فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية" . اهــ

فالأمر يعم كل صور الخروج عن أمر الشريعة سواء أكان بكفر أم بعصيان وتأول عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، لهذه الآية في تلك الواقعة مئنة مما تقدم من عموم لفظ الآية ، فالعبرة به لا بخصوص السبب الذي نزلت عليه .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
25-06-2011, 01:14 AM
ومن تعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم : تعظيم شعائر الدين وأركانه .


فأعظم أركان الدين العملية : الصلاة ، فهي الركن الوحيد بعد الشهادتين الذي وقع الخلاف القوي في كفر تاركه ، ولو كسلا ، بخلاف بقية المباني على خلاف في ذلك ، وإلى جملة ما تقدم أشار ابن رجب ، رحمه الله ، بقوله : "وأما إقام الصَّلاة ، فقد وردت أحاديثُ متعددةٌ تدلُّ على أنَّ من تركها ، فقد خرج من الإسلام ، ففي "صحيح مسلم" عن جابر ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : "بَيْنَ الرجل وبَينَ الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاة" ، ورُوي مثلُه من حديث بُريدة ، وثوبان ، وأنس ، وغيرهم . (وإطلاق ألفاظ من قبيل : "الكفر" و : "الشرك" ..... إلخ ، يحمل على الحقيقة المطلقة المستغرقة لمعاني اللفظ فتكون "أل" فيها جنسية استغراقية لعموم المعنى الذي دخلت عليه ، فيحمل على الحقيقة المطلقة لا على مطلق الحقيقة ، كما نوه بذلك المحققون من أهل العلم ، حتى يرد الدليل الصارف ، فينصرف الشرك والكفر في هذا السياق ابتداء إلى الأكبر منه والذي يخرج صاحبه من الملة) .
وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ من حديث عُبادة بنِ الصامت ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : "لا تتركِ الصَّلاةَ متعمداً ، فمن تركها متعمداً ، فقد خرج من الملة" .
وفي حديث معاذ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : "رأسُ الأمر الإسلام ، وعمودُه الصَّلاةُ" .
فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاطُ ولا يثبتُ إلا به ، ولو سقط العمودُ ، لسقط الفسطاط ، ولم يثبت بدونه .
وقال عمر : لا حظَّ في الإسلام لمن تركَ الصلاة ، وقال سعد وعليُّ بنُ أبي طالبٍ : من تركها فقد كفر .
وقال عبد الله بنُ شقيق : كانَ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَونَ من الأعمال شيئاً تركه كفر غير الصلاة .
وقال أيوب السَّختياني : تركُ الصَّلاةِ كفرٌ ، لا يُختَلَفُ فيه .
وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السَّلف والخلف ، وهو قولُ ابنِ المبارك وأحمد وإسحاق ، وحكى إسحاق عليه إجماعَ أهل العلم ، وقال محمد بن نصر المروزي : هو قولُ جمهور أهل الحديث .
وذهبَ طائفةٌ منهم إلى أنَّ منْ تركَ شيئاً من أركان الإِسلام الخمسة عمداً أنَّه كافر بذلك ، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم ، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفةٌ من أصحابه ، (وهي رواية أولى عن أحمد ، والرواية الثانية : أنه يكفر بترك الصلاة والزكاة فقط ، والرواية الثالثة : أنه يكفر بترك الصلاة والزكاة بشرط نصب القتال على الزكاة ، والرواية الرابعة وهي المشهورة عن أحمد رحمه الله : أنه يكفر بترك الصلاة فقط ، والرواية الخامسة : أنه لا يكفر بترك الصلاة إذا كان مقرا بوجوبها وكذلك سائر الأركان وهي الموافقة لقول الجمهور وقد اختارها من محققي الحنابلة ، رحمهم الله ، من المتأخرين : ابن بطة العكبري صاحب "الإبانة" رحمه الله) ، هو قول ابنِ حبيبٍ من المالكية .
وخرَّج الدَّارقطني وغيرُه من حديثِ أبي هريرة قال : قيل : يا رسولَ الله الحج في كلِّ عام ؟ قال : "لو قلتُ : نعم ، لوجب عليكم ، ولو وجب عليكم ، ما أطقتُموه ، ولو تركتموه لكفرتُم" .
وخرَّج اللالكائي من طريق مؤمَّل ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زيد ، عن عمرو ابن مالك النُّكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، ولا أحسبه إلا رفعه قال : "عُرى الإسلامِ وقواعدُ الدِّين ثلاثةٌ ، عليهن أُسِّسَ الإسلامُ : شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ ، والصَّلاةُ ، وصومُ رمضانَ . من ترك منهنَّ واحدةً ، فهو بها كافرٌ ، حلالُ الدَّمِ ، وتجدُه كثير المال لم يحجَّ ، فلا يزالُ بذلك كافراً ولا يحلُّ دمه ، وتجده كثيرَ المال فلا يزكِّي ، فلا يزالُ بذلك كافراً ولا يحلُّ دَمُهُ" ، ورواه قتيبة بنُ سعيدٍ ، عن حماد بنِ زيد موقوفاً مختصراً ، ورواه سعيدُ بنُ زيد أخو حماد ، عن عمرو بنِ مالك ، بهذا الإسناد مرفوعاً، وقال : "من ترك منهنَّ واحدةً ، فهو باللهِ كافرٌ ، ولا يُقبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ ، وقد حلَّ دمُه ومالُه" ، ولم يذكر ما بعده .
وقد رُويَ عن عمر ضربُ الجزية على من لم يحجَّ ، وقال : ليسوا بمسلمين . وعن ابن مسعود : أنَّ تارك الزَّكاة ليس بمسلم ، وعن أحمد رواية : أنَّ ترك الصلاة والزكاة خاصَّةً كفرٌ دونَ الصيام والحج" . اهــ
بتصرف من : "جامع العلوم والحكم" ، ص99_101 .

يقول محمد بن نصر المروزي ، رحمه الله ، في "تعظيم قدر الصلاة" :
"ومما دل الله تعالى به على تعظيم قدر الصلاة ومباينتها لسائر الأعمال إيجابه إياها على أنبيائه ورسله وإخباره عن تعظيمهم إياها فمن ذلك أنه جل وعز قرب موسى نجيا وكلمه تكليما فكان أول ما افترض عليه بعد افتراضه عليه عبادته : إقام الصلاة ولم ينص له فريضة غيرها فقال تبارك وتعالى مخاطبا لموسى بكلماته ليس بينه وبينه ترجمان : (فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) ، فدل ذلك على عظم قدر الصلاة وفضلها على سائر الأعمال إذ لم يبدأ مناجيه وكليمه بفريضة أول منها ثم ما أخبر عن سحرة فرعون بعد شركهم وعنادهم إذ يحلفون بعزة فرعون متخذين إلها من دون الله ولم يأتهم رسول قبل ذلك ولا سمعوا كتابا فلما أراهم موسى الآية حين ألقى عصاه فقلبها الله حية تسعى فالتقفت حبالهم وعصيهم فعلموا أن ذلك ليس بسحر ولا يشبهه فعل بني آدم انقادوا للإيمان بالله عز وجل فلم يلهموا طاعة يرجعون بها إلى الله ويترضونه بها ظنا أن يغفر لهم عما كان منهم إلا السجود وهو أعظم الصلاة قال الله عز وجل : (فألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون) ........ فلم يجعل الله لهم مفزعا إلا إلى الصلاة مع الإيمان به وهي مفزع كل منيب" . اهــ بتصرف .

فلها اختصاص بأصل الدين ليس لغيرها من الفرائض ، فتباينها من هذا الوجه ، مع اشتراكها جميعا في رتبة الفرضية ، فليست الفرائض على حد واحد ، كما هو شأن المحظورات ، فتتباين رتب الأعمال ، بل العلم الواحد تتفاوت صوره ، فــ : "أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" ، وفي رواية : "أي الجهاد أفضل ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فلم يجبه ، ثم سأله عند الوسطى ، فقال له مثل ذلك ، فلما رمى جمرة العقبة وضع صلى الله عليه وسلم رجله في الغرز ، فقال : أين السائل ؟ كلمة عدل عند إمام جبار" ، فقد نازع الجبار ، جل وعلا ، وصف جلاله ، فالجبروت مما اختص به الجبار ، تبارك وتعالى ، فلا يليق بالمخلوق لضعف محله فلا يطيق آثار صفات الجلال القاهر فتلك مما اختص به الرب الكامل ، جل وعلا ، وفي سياق آخر : "أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ مَنْ أُهَرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ" ، فليس الجهاد لونا واحدا ، فصوره تتعدد ، وقد يقدم بعضها على بعض باختلاف الحال فيحسن في جهاد الحجة والبرهان ما لا يحسن في جهاد السيف والسنان ، كما أشار إلى ذلك ابن حزم ، رحمه الله ، بقوله : "ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبدا فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة وأفاضل الصحابة الذين لا نظير لهم إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد من المسلمين .
وأول ما أمر الله عز و جل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال فلما قامت الحجة وعاندوا الحق أطلق الله تعالى السيف حينئذ . وقال تعالى : { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } .
وقال تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون } .
ولا شك في أن هذا إنما هو بالحجة لأن السيف مرة لنا ومرة علينا وليس كذلك البرهان بل هو لنا أبدا ودامغ لقول مخالفينا ومزهق له أبدا ورب قوة باليد قد دمغت بالباطل حقا كثيرا فأزهقته منها يوم الحرة ويوم قتل عثمان رضي الله عنه ويوم قتل الحسين وابن الزبير رضي الله عنهم ولعن قتلتهم وقد قتل أنبياء كثير وما غلبت حجتهم قط" . اهــ من : "الإحكام" .
ويحسن في الثاني ما لا يحسن في الأول ، فلا ترد العساكر بكتابة الدفاتر ، وإنما ترد بالحديد الناصر ، ولكل ميدان سلاحه ، ولكل قتال عدته .

يقول ابن نصر رحمه الله :
"إن الصلاة لم تزل مفتاح شرائع دين الإسلام وعقده لا تزول عنه أبدا لم تزل مقرونة بالإيمان فى دين الملائكة والأنبياء والخلق أجمعين لم يكن لله عز وجل دين بغيرها قط وسائر الفرائض ليس كذلك ليس على الملائكة زكاة ولا صيام ولا حج والصلاة لا تسقط عنهم ولا يزايل التوحيد فهي أعم الشرائع فرضا بها يفتتح الله ذكرها وبها يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلام الإيمان أينما ذكرها وهى أخص الفرائض لزوما للداخل فى الإسلام وأشهرها منارا للدين ومعلما بين المسلمين والمشركين ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما لم يغز عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمعه أغار عليهم وكذلك كان الصديق رضى الله عنه يفعل فهى أشهر معالم التوحيد منارا بين ملة الإسلام وملة الكفر لن يستحق دين الإسلام ومشاركة أهل الملة ومباينة ملة الكفر إلا بإقامتها فإن تركتها العامة انطمس منار الدين كله فلا يبقى للدين رسم ولا علم يعرف به فليس تعطيل ما لو تركته العامة شملهم تعطيل الدين حتى لا يبقى له رسم كترك ما لا يشمل العامة فالصلاة شاملة لهم يجمعهم إقامتها على مباينة ملة الكفر شهر الله تعالى أمرها بالنداء إليها والتجمع فيها على إقامتها وجعلها الشرع فى الملة فمن تخلى منها فما حظه فى الإسلام بلا مصداق ولا علم تحققه به وهو كما قال عمر رضي الله عنه : "لا حظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة" وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : "لا دين لمن لا صلاة له" وكذلك الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" ، وأكثر من ذلك كله ما قد تلي من كتاب الله عز وجل من إيعاده مضيع الصلاة وتاركها الوعيد الغليظ الذي لم يفعله بمضيع سائر الفرائض نحو قوله تعالى : (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)" . اهــ بتصرف .

فتاركها يكفر :
بالجحود وهذا محل إجماع ، حتى عند من لا يكفر تاركها كسلا ، فيقتل ردة عند الجميع ، إن جحد وجوبها ، فذلك من إنكار المعلوم من الدين بالضرورة ، فلا يعذر فيه بجهل في دار الإسلام ، فالدفع بالجهل للمعلوم الضروري لا يصح في دار الإسلام ، فالمالكية والشافعية ، رحمهم الله ، يحكمون بردة الجاحد فقتله عندهم ردة ، ويحكمون بإسلام التارك كسلا ، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل حدا ، وتلك صورة ، كما يقول بعض أهل العلم ، لا تتصور ، فلا يتصور أن يعرض التارك كسلا على السيف فيأبى الصلاة وهو مقر بوجوبها ، فتلك صورة لا تقع في الخارج وإن جردها الذهن .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَادَةِ أَنَّ رَجُلًا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ مُقِرًّا بِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ مُلْتَزِمًا لِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ يَأْمُرُهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فَيَمْتَنِعُ حَتَّى يُقْتَلَ وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا فِي الْبَاطِنِ قَطُّ لَا يَكُونُ إلَّا كَافِرًا وَلَوْ قَالَ أَنَا مُقِرٌّ بِوُجُوبِهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أَفْعَلُهَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ هَذِهِ الْحَالِ كَذِبًا مِنْهُ كَمَا لَوْ أَخَذَ يُلْقِي الْمُصْحَفَ فِي الْحَشِّ وَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ مَا فِيهِ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ جَعَلَ يَقْتُلُ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُنَافِي إيمَانَ الْقَلْبِ فَإِذَا قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ بِقَلْبِي مَعَ هَذِهِ الْحَالِ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا أَظْهَرَهُ مِنْ الْقَوْلِ . فَهَذَا الْمَوْضِعُ يَنْبَغِي تَدَبُّرُهُ فَمَنْ عَرَفَ ارْتِبَاطَ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ وَامْتَنَعَ عَنْ الْفِعْلِ لَا يُقْتَلُ أَوْ يُقْتَلُ مَعَ إسْلَامِهِ ؛ فَإِنَّهُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَاَلَّتِي دَخَلَتْ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ لَا يَكُونُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْفِعْلِ" . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .
فيمتنع في العادة والحس ألا يقع الفعل مع سلامة الآلة وحصول الإرادة الجازمة في القلب ، وعدم الالتفات إلى ذلك الترابط الوثيق بين الباطن تصورا والظاهر حكما مصدقا لما يقوم بالباطن حبا أو بغضا ، إيمانا أو كفرا ، فلا بد أن يظهر أثره في الخارج ، عدم الالتفات إلى تلك العلاقة الضرورية هو منشأ الزلل ومكمن الغلط في مقالة الإرجاء فأصحابها يفترضون باطنا سليما ينجو صاحبه دون أن يظهر أي أثر له في الخارج من قول أو عمل صالح ، مع صحة الآلات واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ! ، وهل ذلك في العادة إلا عين المحال ، كما تقدم ، وهل ذلك إلا إهدار لقوى الإنسان الإرادية وقواه الحساسة المتحركة ، فما الذي يميزه عن الحجر الأصم فالحيوان الأعجم له من تلك القوى نصيب فلا بد أن يظهر من حاله ما يدل على شعور باطن في نفسه ، وإن كان أدنى من شعور الإنسان الأعلى الذي ميز وفضل بالعقل آلة التكليف الشرعي .

والحنفية ، رحمهم الله ، يستتيبون التارك كسلا أبدا فيحبس ويعزر بالضرب فإن صلى أطلق ، وإن لم يصل حبس حتى يموت أو يصلي .

وبالاستكبار : وإن كان مقرا بوجوبها .
وبالاستخفاف : فذلك من جملة الاستهزاء الذي يكفر فاعله وإن لم يقصد حقيقة ما يقول ، فمناط الحكم : القول أو الفعل اختيارا بلا إكراه ملجئ .
وبالإعراض فلا يقر بوجيها ولا ينكرها : يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وَهُنَا قِسْمٌ رَابِعٌ وَهُوَ : أَنْ يَتْرُكَهَا ، (أي : الصلاة) ، وَلَا يُقِرَّ بِوُجُوبِهَا ؛ وَلَا يَجْحَدَ وُجُوبَهَا ؛ لَكِنَّهُ مُقِرٌّ بِالْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَهَلْ هَذَا مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ ؛ أَوْ مِنْ مَوَارِدِ الْإِجْمَاعِ ؟ وَلَعَلَّ كَلَامَ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ مُتَنَاوِلٌ لِهَذَا وَهُوَ الْمُعْرِضُ عَنْهَا لَا مُقِرًّا وَلَا مُنْكِرًا . وَإِنَّمَا هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِالْإِسْلَامِ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ قُلْنَا . يَكْفُرُ بِالِاتِّفَاقِ ؛ فَيَكُونُ اعْتِقَادُ وُجُوبِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى التَّعْيِينِ مِنْ الْإِيمَانِ لَا يَكْفِي فِيهَا الِاعْتِقَادُ الْعَامُّ ؛ كَمَا فِي الْخَبَرِيَّاتِ مِنْ أَحْوَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَأْمُورَ بِهَا الْمَطْلُوبُ فِيهَا الْفِعْلُ لَا يَكْفِي فِيهَا الِاعْتِقَادُ الْعَامُّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادٍ خَاصٍّ ؛ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْمُجْمَلَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَمْرِ الْمُعَادِ يَكْفِي فِيهِ مَا لَمْ يَنْقُضْ الْجُمْلَةَ بِالتَّفْصِيلِ وَلِهَذَا اكْتَفَوْا فِي هَذِهِ الْعَقَائِدِ بِالْجُمَلِ وَكَرِهُوا فِيهَا التَّفْصِيلَ الْمُفْضِيَ إلَى الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ بِخِلَافِ الشَّرَائِعِ الْمَأْمُورِ بِهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِالْجُمَلِ ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا"

ففي الإنشاء قدر زائد على الخبر ، فتأويل تصديقه : امتثاله لا محض التصديق ، فليس مصدقا بوجوب الصلاة من قال ذلك بلسانه وهو لا يصلي مطلقا ، وليس مصدقا بنزول الشرع ووجوب تقديمه بل وإفراده بالحكم ، من قال ذلك بلسانه ثم هو قد عزل الشرع وحارب أهله واستبدل به الذي هو أدنى من نحاتة أذهان البشر ، فكثير من الناس لا سيما في أوساط العلمانيين المعاصرين : لسان مقاله التعظيم للشرع دعوى فإذا طولب بالدليل من حاله لم تجد إلا الفساد العام والهجر التام لدين الرب ، جل وعلا ، في خاصة نفسه وفي عموم أمر الجماعة فهو من أشد المنافحين عن عزل الوحي وتنحية الشريعة إرضاء للكفار الأصليين في الداخل والخارج ، وذلك ما ينقض مقالته نقضا ، وهو مع ذلك ، مسلم بل ومؤمن حقا ولعل بعضهم قد بلغ درجات الولاية ففهمه للدين أعمق من فهم السابقين الأولين .

وأما التارك كسلا : فلا يكفر على الراجح من أقوال أهل العلم إن كان تركه متقطعا فيصلي حينا ويترك آخر .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"إِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ ؛ بَلْ أَكْثَرُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ لَا يَكُونُونَ مُحَافِظِينَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَا هُمْ تَارِكُوهَا بِالْجُمْلَةِ بَلْ يُصَلُّونَ أَحْيَانًا وَيَدَعُونَ أَحْيَانًا فَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ فِي الْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ إذَا جَرَتْ عَلَى الْمُنَافِقِ الْمَحْضِ - كَابْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ - فَلَأَنْ تَجْرِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَوْلَى وَأَحْرَى " . اهــ من : "مجموع الفتاوى" .

وأما التارك مطلقا : فالراجح كفره وإن كان تركه كسلا مع إقراره بوجوبها ، فلا ينفع الإقرار بالإنشاء الطلبي ما لم يشفع بالامتثال فعلا أو تركا .
وقد تحمل عليه رواية أحمد رحمه الله كما في "السنة" للخلال رحمه الله : أخبرنا سليمان بن الأشعث أن أبا عبد الله قال الصلاة والزكاة والحج والبر كله من الإيمان والمعاصي تنقص الإيمان وسمعت أبا عبد الله قال : إذا قال الرجل : لا أصلي فهو كافر .

فتسلط النفي على النكرة مئنة من العموم فلا يصلي مطلقا ، أو قد قالها في معرض الجحود أو الاستكبار أو الإعراض مع إقراره بدين الإسلام جملة ، كما تقدم ، فتلك حالات يمكن تخريج قول الإمام أحمد ، رحمه الله ، بالكفر مطلقا في هذه الرواية عليها .

ومن أشهر نصوص هذا الباب :

قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" :
فتلك بينية ثنائية ، لا تحتمل شطرا ثالثا ، فالقسمة العقلية في هذا الباب : ثنائية ، فإما إيمان وإما نقيضه من الكفر فلا يجتمعان ولا يرتفعان ، وإطلاق الحقيقة الشرعية يحمل على الحقيقة المطلقة لا مطلق الحقيقة ، كما تقدم ، فالأصل في إطلاق لفظ الكفر في نصوص الكتاب والسنة حمله على الحقيقة المطلقة وهي : الكفر الأكبر الذي ينقض أصل الإيمان لا مطلق الحقيقة وهي مطلق الكفر الذي لا ينقض أصل الإيمان في القلب ، وإن نقض كماله الواجب ، فالمعصية التي وردت تسميتها بالكفر أعظم من أي معصية أخرى ولو كبيرة .
و : "أل" في الصلاة : جنسية من جهة الترك الذي يزول به أصل الإيمان ، وهو الترك المطلق الذي يكفر صاحبه ، بخلاف ترك بعض دون آخر ، فترك جنس الصلاة ، كما حرر ذلك جمع من المحققين ، كفر فلا يتصور بقاء أصل الإيمان في قلب صاحبه ، وهي من جهة أخرى : عهدية ذهنية تشير إلى معهود بعينه هو الفرائض ، فتركها هو الذي يتعلق به الوعيد لا ترك النوافل ، وإن ذم تاركها على سبيل الدوام فذلك قدح في مروءته ، كما أشار إلى ذلك بعض أهل العلم من المتقدمين كالإمام أحمد ، رحمه الله ، والمتأخرين كالإمام الشاطبي ، رحمه الله ، صاحب "الموافقات" ، فترك النوافل لا على سبيل الدوام لا يتعلق به ذم فضلا عن أن يتعلق به فقد آخر الدين .

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "بَيْنَ الرجل وبَينَ الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاة" :
فتلك بينية أخرى ، و : "أل" في الصلاة أيضا تفيد الاستغراق الجنسي ، فلا يكفر من ترك صلاة واحدة ، وإن عامدا ، ما لم يكن مستخفا أو مستكبرا ، ولو كان مطلق الترك كفرا لقال : ترك صلاة ، فالنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق فيثبت بفرد من أفراد النكرة ، فالمطلق من أقسام الخاص فلا عموم له على جهة الشمول لجميع أفراد العام ، وإنما يعم على جهة البدل الذي يحصل بفرد واحد صالح للدخول في حده ، فثبت أن الحكم يتعلق بالتارك مطلقا .

والله أعلى وأعلم .

ملاحظة : ترتيب المشاركة وتفصيل حالات تارك الصلاة مستفاد من "نواقض الإيمان القولية والعملية" للشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف حفظه الله وسدده .